Полный текст (734 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فيك - وإن فارقتك - الحق: والله ما أعلم أن امرأة من العرب ألقت سترها إلى بعل خير منك، وأغض طرفاً، وأقل فحشاً، وأجود يداً، وأحمى حقيقة؛ وما مر علي يوم مذ كنت عندك إلا والموت فيه أحب إلي من الحياة بين قومك؛ لأني لم أكن أشاء أن اسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته، ووالله لا أنظر في وجه غطفانية أبداً، فارجع راشداً إلى ولدك، وأحسن إليهم، فقال عروة في ذلك:
سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور
"وقال ابن الأعرابي: إن سلمى لما فارقته جاءته تثني عليه، فقالت: والله إنك ما علمت ضحوك السن مقبلا، كسوب مدبراً، خفيف على متن الفرس، ثقيل على قلب العدو، طويل العماد، كثير الرماد، راضي الأهل والجانب، ثم فارقته. فتزوجها ابن عم لها، فقال لها يوما: يا سليم، أثني علي كما أثنيت على عروة؛ فقالت: لا تكلفني ذلك؛ فاني إن قلت الحق غضبت، ولا - واللات والعزى - أكذب عليك! قال: عزمت عليك لتأتيني في مجلس قومي فلتثنين علي بما تعلمين! وخرج فجلس في ندي القوم.
وأقبلت فرماها القوم بأبصارهم، فوقفت عليهم وقالت: أنعموا صباحاً، إن هذا عزم علي أن أثني عليه بما أعلم؛
стр. 457
ثم أقبلت عليه، فقالت: والله إن شملتك لالتحاف، وإن شربك لاشتفتف، وإن لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف، وما ترضي الأهل ولا الجانب! ثم انصرفت.
فلامه قومه وقالوا: ما كان أغناك عن هذا القول منها! ومن حديث عروة أنه "خرج حتى دنا من ديار هذيل، فكان منها على نحو ميلين وقد جاع، فإذا هو بأرنب فرماها، ثم أورى ناراً واشتواها وأكلها، ودفن النار على مقدار ثلاث أذرع، وقد ذهب الليل، وغارت النجوم. ثم أتى سرحة فصعدها، وتخوف الطلب، فإذا الخيل قد جاءك، وتخوفوا البيات. قال: فجاءت جماعة منهم ومعهم رجل على فرس، فجاء حتى ركز رمحه في موضع النار، وقال: لقد رأيت النار ها هنا! فجاء رجل فحفر قدر ذراع، فلم يجد شيئاً، وأكب القوم يعذلونه ويقولون: عنيتنا في مثل هذه الليلة القرة، وزعمت لنا شيئاً كذبت فيه! قال: ما كذبت، ولقد رأيت النار في موضع رمحي! قالوا: ما رأيت شيئاً لكن تحذلقك وتداهيك هو الذي حملك على هذا،
стр. 458
وما العجب إلا منا حين أطعناك! ولم يزالوا بالرجل حتى رجع الجميع.
واتبعهم عروة حتى إذا وردوا منازلهم، جاء عروة فكمن في كسر بيت، وجاء الرجل إلى امرأته وقد خالفه إليها عبد أسود، وعروة ينظر، فأتاها العبد بعلبة فيها لبن فقال: اشربي؛ فقالت: لا، أو تبدأ! فبدأ العبد فشرب. فقال للرجل حين جاء: لعن الله صلفك، عنيت قومك منذ الليلة؛ قال: لقد رأيت ناراً؛ ثم دعا بالعلبة ليشرب، فقال حين ذهب ليكرع: ريح جل ورب الكعبة! فقالت المرأة: وهذه أخرى، أي ريح رجل تجده في إنائك غير ريحك؟ ثم صاحت، فجاء قومها، فأخبرتهم خبره، وقالت: يتهمني ويظن بي الظنون! فأقبلوا عليهم باللوم؛ فقال عروة: هذه ثانية! ثم آوى الرجل إلى فراشه، ووثب عروة إلى الفرس وهو يريد أن يذهب به، فضرب الفرس بيده وزمجر، فرجع عروة إلى موضعه؛ ووثب الرجل فقال: ما كنت لتكذبني! فأقبلت عليه امرأته باللوم. قال: فصنع ذلك عروة ثلاثاً، وصنعه الرجل؛ ثم آوى إلى فراشه، وضجر من كثرة ما يقوم، وقال: لا أقوم إليك الليلة! وأتاه عروة، فحله، وحال في متنه، وخرج ركضاً. وأحس الرجل بذلك، فركب فرساً عنده أنثى. قال عروة: فسمعته خلفي يقول: الحقي فانك من نسله.
стр. 459
فلما انقطع من البيوت قلت: أيها الرجل قف، فانك لو عرفتني لم تقدم علي _ أنا عروة بن الورد، وقد رأيت الليلة منك عجباً (وأخبره بشأن النار والأسود) ، ثم قال: فرأيتك في هذه الخصال من أكمل الناس، ولكن تنثني وترجع! قال: فضحك وقال: ذلك لأخوال السوء، والذي رأيت من صرامتي فمن قبل أعمامي وهم هذيل، وما رأيت في كعاعتي فمن قبل أخوالي وهم خزاعة، والمرأة التي رأيتها عندي منهم، وأنا نازل عليهم، وذلك ما يثنيني عن أشياء كثيرة، وأنا لاحق بقومي، وخارج عن أخوالي، وأخلي سبيل المرأة؛ ولولا ما رأيت من كعاعتي لم يقو على مناوأتي أحد من العرب! فقال عروة: خذ فرسك راشداً؛ فقال: ما كنت لآخذه منك وعندي من نسله جماعة خيل، فخذه مبارك لك فيه".
"وخرج عروة مرة مع أصحاب له حتى أتوا ماء، فنزل وكنف عليهم كنيفاً من الشجر، وفي ذلك يقول:
تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم ... إلى مستراح من عناء مبرح
ومن يك مثلي ذا عيال ومقتراً ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
стр. 460
ليبلغ عذراً أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
ثم مضى يبتغي لهم شيئاً وقد جهدوا، فإذا هم بأبيات شعر وبامرأة وشيخ كبير مكتن في كسر البيت، وقد أجدب الناس، وهلكت الماشية، فإذا هو في البيت بشي، فأكله، وقويت به نفسه. فإنه لكذلك عند المساء إذا هو بابل سدت الأفق، وإذا هي تلفت فرقاً، قال: فعلمت أن راعيها جلد شريد الضرب لها. فلما أتت المناخ وبركت مكث الراعي قليلا، ثم نفى ناقة منها فمرى أخلافها، ثم وضع العلبة على ركبته، وحلب حتى ملأها، وسقى الشيخ؛ ثم أتى ناقة أخرى، ففعل مثل ذلك، وسقى العجوز؛ ثم أتى أخرى فسقى نفسه، ثم تلفع واضطجع ناحية. فقال الشيخ _ وأعجبه ذلك _ للمرأة: كيف ترين ابني؟ فقالت: ليس بابنك! قال: فابن من هو ويلك؟ قالت: ابن عروة بن الورد! قال: ومن أين؟ قالت: أتذكر يوم مر بنا ونحن نريد سوق ذي المجاز وقلت: هذا عروة بن الورد، ووصفته لي، فسكت فاني استطرفته!
стр. 461
قال عروة: فسكت، حتى إذا نوم الناس وثبت فصحت بالإبل، فاقتطعت نصفها ومضيت، ورجوت ألا يتبعي الغلام _ وهو حين بدا شاربه _ فلم أشعر إلا به! قال: فتواخذنا فضرب بي الأرض، فتخوفته على روحي، فبادرته وقلت: أنا عروة بن الورد! فارتدع؛ ثم قال: ويلك لست أشك أنك قد سمعت ما كان من أمي؛ قال: فقلت له: ما قلت لك إلا ما يظهر برهانه، فاذهب معي أنت وأمك وهذه الإبل، ودع الشيخ! فقال: الذي بقي من عمره القليل، وأنا مقيم عنده ما بقي فإن له حقاً وذماماً، فإذا مضى فما أسرعني إليك! وخذ من هذه الإبل بعيراً؛ قال: فقلت: ما يكفيني فإن معي أصحاباً، قال: فثان، قلت: لا، قال: فثالث والله لازدتك على ذلك شيئاً! فأخذتها ومضيت إلى أصحابي. قال: ثم إن الغلام لحق بي بعد هلاك الشيخ".
ومن شعر عروة قوله:
وخل كنت عين الرشد منه ... إذا نظرت ومستمعاً سميعا
أطاف بغيه فنهيت عنها ... وقلت له: أرى أمراً فظيعا
стр. 462
أردت رشاده حتى إذا ما ... عصا أمري أتيناها جميعا
ومن واجب الأدب: من مشهور شعره قوله:
ذريني للغنى أسعى فاني ... رأيت الناس شرهم الفقير
وأدناهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له نسب وخير
يباعده الغريب وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير
وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه والذنب جم ... ولكن للغنى رب غفور
وقوله:
دعيني أطوف في البلاد لعلني ... أفيد غنى فيه لذي الحق مجمل
أليس عظيماً أن تلم ملمة ... وليس علينا في الزمان معول
فان نحن لم نحسن دفاعاً لحادث ... يلم بنا فالموت بالحر أجمل
стр. 463
وله:
تقول سليمى: لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أني للمقام أطوف
ومن بني بجاد بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس:
خالد بن سنان العبسي
الذي قال فيه النبي صلى الله عليه: "ذاك نبي ضيعه قومه". قال البيهقي: وكان على قرب من المبعث النبوي، وكانت العنقاء قد عاثت في بلاد بني عبس حتى صارت تخطف صبيانهم؛ فدعا الله يرفعها من الأرض، فلا توجد إلا في التصوير.
ومن بني بجاد:
عنترة بن شداد العبسي
أحد الشعراء الستة الجاهليين، وقد اشتهر في العامة بالفروسية شهرة حاتم بالجود.
ومن الأغاني: من فحول شعراء الجاهلية، "وإنما ادعاه أبوه عبد الكبر؛ لأن العرب كانت في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولد من أمة استعبده. وكان لعنترة إخوة من أمه عبيد. وكان سبب إلحاق أبيه إياه أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فاستاقوا إبلا، فتبعهم العبسيون
стр. 464
فقاتلوهم ومنهم عنترة؛ فقال له أبوه: كر يا عنترة! فقال: العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلب والرعي! قال: كر وأنت حر! فكر وهو يقول: أنا الهجين عنتره كل امرئ يحمي حره أسوده وأحمره فقاتل يومئذ قتالا شديداً، وأبلى بلاء حسناً؛ فادعاه أبوه بعد ذلك، وألحق نسبه به".
"وهو أحد أغربة العرب"؛ وأنشد النبي صلى الله عليه قول عنترة:
ولقد أبيت على الطوى وأظلله ... حتى أنال به كريم المأكل
فقال: "ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة".
"وقيل له: أنت أشجع العرب وأشدها؟ قال: لا، قيل فبم شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزماً، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزماً، ولا أدخل موضعاً لا أرى منه مخرجاً، وكنت أعتمد الضعيف الجبان، فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع، فأنثني إليه فأقتله".
стр. 465
"وكان عمرو بن معدي كرب يقول: ما أبالي من لاقيت من العرب إذا لم يلقني صريحاها وهجيناها؛ يعني بالصريحين: عامر بن الطفيل، وعتيبة بن الحارث بن شهاب؛ وبالهجينين: عنترة، والسليك".
ومن واجب الأدب: كانت امرأة أبيه قد اشتكت إليه، وزعمت أنه راودها، فضربه وغضب عليه؛ فقال عنترة:
المال مالكم والعبد عبدكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف؟
وحمى أعقاب الناس في يوم من أيام حرب داحس، فقال قيس بن زهير سيد بني عبس: أحمى أعقاب الناس اليوم ابن السوداء؟ وكان قيس أكولا، فقال عنترة معرضا به:
ولقد أبيت على الطوى وأظلله ... حتى أنال به كريم المأكل
فأجبتها: إن المنية منهل ... لابد أن أسقى بكأس المنهل
стр. 466
فاقني حياءك لا أبالك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
إن المنية إن تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
إني امرؤ من خير عبس منصباً ... شطري وأحمى سائري بالمنصل
ومن قصيدته المختارة التي أولها:
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
قوله:
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم
يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم
فبعثت جاريتي وقلت لها: اذهبي ... فتحسسي أخبارها لي واعلمي
قالت: رأيت من الأعادي غرة ... والشاة ممكنة لمن هو مرتم
стр. 467
ومن التشبيه العقيم قوله:
جادت عليه كل عين ثرة ... فتركن كل حديقة كالدرهم
وخلا الذباب بها فليس ببارح ... هزجاً كفعل الشارب المترنم
غرداً يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الأجذم
وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
ومنها:
أثني علي بما علمت فإنني ... سهل مخالقتي إذا لم أظلم
стр. 468
فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم
ومنها:
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... والخيل تعثر في القنا المتقوم
يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم
ومنها:
ومدجج كرة الكماة لقاءه ... لا ممعن هرباً ولا مستسلم
جادت يداي له بعاجل طعنة ... بمثقف صدق الكعوب مقوم
فشككت بالرمح الطويل إهابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي
стр. 469
يدعون عنتر والرماح كأنها=أشطان بئر في لبان الأدهم
مازلت أرميهم بغرة نحره ... ولبانه حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... أو كان يدري ما الكلام تكلم
ومنها:
نبئت عمراً غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم
ومن المنسوبين إلى عبس من غير تخصيص:
أبو الأبيض العبسي
من واجب الأدب: من شعراء عبس في الجاهلية، تنسب له الأبيات التي أنشدها أبو تمام في حماسته، وتروى لعروة بن الورد:
стр. 470
لحا الله صعلوكاً إذا جن ليله ... مصافي المشاش آلفاً كل مجزر
ولكن صعلوكاً صحيفة وجهه ... كمثل شهاب البارق المتنور
مطل على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر
إذا بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المتنظر
فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميداً، وإن يستغن يوماً فأجدر
وممن جهل عصره:
أبي بن حمام العبسي
له الأبيات التي في حماسة أبي تمام التي منها:
دفعناكم بالقول حتى بطرتم ... وزدتم إلى أن كان دفع الأصابع
стр. 471
أبو وهب طريف العبسي
أنشد له أبو تمام في الحماسة:
فلهفي وقد واروه ثمت أقبلت ... أكفهم تحثي معا وتهيل
وظلت بي الأرض الفضاء كأنما ... تصعد بي آكامها وتجول
بنو ذبيان
ابن بغيض بن ريث بن غطفان. جماهيرها التي تنتسب إليها: فزارة، ومرة.
فزارة بن ذبيان
قال ابن حزم: خلاصة قيس فزارة، وبيتهم بنو بدر بن عدي بن فزارة، وعظماؤهم في الجاهلية كانوا يرأسون جميع غطفان، وتدين لهم قبائل قيس، فمنهم:
حصن بن حذيفة بن بدر
الذي يمدحه زهير بقوله:
تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
стр. 472
ويرثيه النابغة الذبياني بقوله:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن والجبال جنوح
وكان في قومه منزلا منزلة الملوك.
ومن نثر الدر: قال حصن بن حذيفة: إياكم وصرعات البغي، وفضحات الغدر، وفلتات المزح.
وأبوه حذيفة الذي دارت عليه حرب داحس وكذلك عماه: حمل بن بدر، ومالك بن بدر.
قالوا: وليوث بني بدر بنو أم قرفة، وهم أولاد مالك بن حذيفة من هذه المرأة، صارت يضرب بها المثل في العز بهم.
وأرسل النبي صلى الله عليه إليهم سرية تغير عليهم.
стр. 473
ومنهم:
نهشل بن مالك الفزاري
القائل: "إياك أعني واسمعي يا جاره".
ومن يجهل عصره من فزارة:
أسيد بن عنقاء الفزاري
من واجب الأدب: "كان من أكثر أهل زمانه مالا، وأشدهم عارضة ولساناً. وطال عمره، ونكبه دهره، فخرج عشية يتقبل لأهله، فمر به عميلة الفزاري، فقال: يا عم، ما الذي أصارك إلى ما أرى؟ فقال: بخل مثلك بماله، وصون وجهي عن المسألة! فقال: والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن حالك! فرجع إلى أهله وأخبرها، فقالت: غرك كلام غلام جنح ليل! فكأنما ألقمته حجراً؛ فبات متململا بين رجاء ويأس.
стр. 474
فلما كان السحر سمع رغاء الإبل، وثغاء الشاء، وصهيل الخيل، ولجب الأموال، فقال: ما هذا؟ قيل: عميلة ساق جميع ما عنده فاستخرجه، ثم قسم ماله شطرين، وساهمه عليه، فقال فيه أسيد:
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لم ألم ... على حين لا بدو يرجى ولا حضر
فقلت له خيراً وأثنيت فعله ... وأولاك ما أثنيت من ذم أو شكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردى رداء سابغ الذيل وأئتزر
غلام رماه الله بالحسن يافعاً ... له سمياء لا تشق على البصر
كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعرى وفي خده القمر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر؟
стр. 475
شبل الفزاري
من شعراء الحماسة، أنشد له أبو تمام:
أيا لهفي على من كنت أدعو ... فيكفيني وساعده شديد
وما من ذلة غلبوا ولكن ... كذاك الأسد تصرعها الأسود
جميل بن معلى الفزاري
ذكره الآمدي في معجم الشعراء، وأنشد له:
وأعرض عن مطاعم أشتهيها ... وأهجرها وفي البطن انطواء
فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
بنو مرة بن عوف
ابن سعد بن ذبيان. لهم أعلام في الإسلام، وهم رهط مسلم بن عقبة صاحب وقعة الحرة على أهل المدينة، وسيدهم في الجاهلية:
стр. 476
الحارث بن ظالم المري
الذي يضرب به المثل في الفتك، فيقال: "أفتك من الحارث بن ظالم" كما يقال: "أمنع من الحارث بن ظالم". وقد لخصت ترجمته من الأغاني والكمائم وواجب الأدب.
قال له رجل: ما الفتك؟ قال: أن تستنجز ولا تستأسن، قال: أريد أبين من هذا؛ فاخترط سيفه وقتله، وقال: هذا أبين من ذلك! فعوتب فقال: "سبق السيف العذل".
واجتمع مع خالد بن جعفر بن كلاب عند النعمان بن المنذر في أكل تمر، فألقى خالد نوى ما أكل بين يدي الحارث. فلما فرغا قال: انظروا ما أكل الحارث! فقال الحارث: أما أنا فألقيت النوى، وأما أنت فأكلته! فغضب خالد _ وكان لا ينازع _ وقال له: تنازعني وقد تركتك يتيماً؟ فقال الحارث: ذاك يوم لم أشهده، وأنا اليوم مغن مكاني؛ فقال خالد: أفلا تشكر قتلى زهير بن جذيمة وجعلك سيد غطفان؟ فقال له: سأشكرك!
стр. 477
ثم جاءه ليلا، ففتك به وكان عنده عمرو بن الاطنابة ملك الحجاز، فلما قتل الحارث خالداً غضب وقال: لو لقيه يقظان ما نظر إليه، ولو لقيني لعرف قدره، ثم قال:
عللاني وعللا صاحبيا ... واسقياني من المدامة ريا
إن فينا القيان يعزفن بالد ... ف لفتياننا وعيشاً رخيا
أبلغا الحارث بن ظالم المو ... عد والناذر النذور عليا
أنما تقتل النيام ولا تقتل ... من كان ذا سلاح كميا
فغضب الحارث للشعر، وقال:
عللاني بلذتي قينتيا ... قبل أن تبكر الهموم عليا
من سلاف كأنها دم ظبي ... في زجاج تخاله رازقيا
стр. 478
لا أبالي إذا اصطحبت ثلاثاً ... أرشيداً دعوتني أم غويا
أبلغا عمراً أنني سوف ألقا ... هـ وإن كان ذا سلاح كميا
ثم أتى ديار الخزرج ليلا، ودنا من قبة عمرو فنادى: أيها الملك، أغشني وخذ سلاحك! فلما برز له عطف عليه الحارث وقال: أنا أبو ليلى! فخشي عمرو أن يقتله، فألقى رمحه، وقال: سقط رمحي، فدعني آخذه؛ قال: خذه؛ قال: أخشى أن تعدجلني عنه؟ قال: وذمة ظالم لا أعجلتك عنه! قال عمرو: وذمة الإطنابة لا آخذه حتى تنصرف! فانصرف الحارث.
ولما قتل خالداً طلبه النعمان بن المنذر وأخوه الأسود بن المنذر، ثم أغار الأسود على جارات له وسباهن، فعظم ذلك على الحارث، فعمد إلى شرحبيل بن الأسود، وكان مرضعاً عند سنان بن حارثة، والمتكفلة به سلمى أخت الحارث بن ظالم، فقال لها: ادفعيه لي لآتي به الأسود شفيعاً؛ فلما دفعته له قتله، فأخذ الأسود سناناً حتى أدى فيه دية الملوك ألف بعير.
стр. 479
وضاقت على الحارث الأرض إلى أن استجار بمعبد بن زرارة فأجاره، فجر جواره يوم رحرحان ويوم جبلة، ووجد الأسود نعل ابنه شرحبيل في محارب، فقال: إني لأحذيكم شر نعال! فأمشاهم على الصفا المحمى، فتساقط لحم أقدامهم؛ فلذلك يقول أحد الشعراء اليمانية:
على عهد كسرى أنعلتكم ملوكنا ... صفا من أضاخ حامياً يتلهب
ثم إن الحارث حصل بعد ذلك في يد النعمان على تأمين، فغدر به، فقال له أتغدر بي بعدما أمنتني؟ فقال: إن غدرت بك مرة فقد غدرت مراراً فقتله.
стр. 480
وقيل غير ذلك، قالوا: لما تشاءمت غطفان بالحارث وطردته، انتفى منها، وانتسب إلى قريش إذ كان يقال: إن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان هو مرة بن عوف بن غالب، وفي ذلك يقول:
رفعت السيف إذ قالوا قريش ... وبينت الشمائل والقبابا
فما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا
وقال عبد الملك بن مروان لجلسائه: هل تعرفون أهل بيت قيل فيهم بيت شعر ودوا لو أنهم افتدوا منه بأموالهم؟ فقال سبأ بن خارجة الفزاري: نحن يا أمير المؤمنين، قال: وما ذاك؟ قال: قول الحارث: فما قومي٠٠٠٠٠٠ (البيت) والله يا أمير المؤمنين، إني لألبس العمامة الصفيقة، فيخيل إلي أن شعر قفاي يظهر من تحتها.
стр. 481
النابغة الذبياني
زياد بن عمرو من غيظ بن مرة، وهو أحد شعراء الجاهلية.
من الأغاني: "لقب بقوله فقد نبغت لنا منهم شؤون وهو أحد الأشراف الذين غض منهم الشعر".
قال الأصمعي: "كان يضرب للنابغة قبة أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء تعرض أشعارها عليه؛ فأنشدته الخنساء:
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فقال: والله، لولا أن أبا بصير أنشدني آنفاً لقلت إنك أشعر الانس والجن! فقام حسان بن ثابت فقال: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك؛ فقال إنك يا ابن أخي لا تحسن أن تقول:
стр. 482
فانك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع"
"قال أبو عبيدة: كان رجلان من الشعراء يقويان: النابغة وبشر بن أبي خازم، فأما النابغة فدخل يثرب فهابوه أن يقولوا له لحنت وانكفأت، فدعوا له قينة، وأمروها أن تغني من شعره ففعلت، فلما سمع في الشعر غير مزود والغراب الأسود ومدت الكسرة لأجل اللحن حتى صارت ياء، ومدت الضمة حتى صارت واواً فطن لموضع الخطأ فلم يعد. وأما بشر ابن أبي خازم فدله أخوه على ذلك فلم يعد. وكان النابغة يقول: وردت يثرب وفي شعري بعض العاهة، فصدرت عنها وأنا أشعر الناس".
стр. 483
"وقال صالح بن كيسان: كان والله النابغة مخنثاً، أما سمعت إلى قوله:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
فوالله ما يحسن هذه الإشارة، ولا هذا القول إلا مخنث".
وكان خاصاً بالنعمان بن المنذر، ثم إنه هرب منه لأجل أنه شبب بزوجة النعمان المتجردة في قصيدته الدالية. وقيل: كان السبب في هروبه أن عبد القيس بن خفاف التميمي ومرة بن سعد بن قريع السعدي عملا هجاء في النعمان، فأنشداه النعمان، ونسباه إلى النابغة، ومنه:
قبح الله ثم ثني بلعن ... وارث الصائغ الجبان الجهولا
من يضر الأدنى ويعجز عن ضر ... (م) الأقاصي ومن يخون الخليلا
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدو فتيلا
وكان جده لأمه صائغاً ثم إن النابغة بعد ذلك وفد على النعمان مع الفزاريين، فكلموه فيه، فرضي عنه، وأنشد قصيدته الدالية:
يا دار مية بالعلياء فالسند
стр. 484
وأحسن الاعتذار فيها.
ومن واجب الأدب: قيل إنه لقب بالنابغة لكونه نبغ بالشعر كبيراً. وكان أبو بكر الصديق ﵁ يقدمه ويقول: هو أحسنهم شعراً، وأعذبهم بحراً، وأبعدهم قعراً. وقال عمر ﵁: يا معشر غطفان، من الذي يقول:
إلى ابن محرق أعملت نفسي ... وراحلتي وقد هدت العيون
أتيتك عارياً خلقاً ثيابي ... على خوف تظن بي الظنون
فوفيت الأمانة لم تخنها ... ومن يك في نصابك لا يخون
قالوا: النابغة، قال: ذلك أشعر الناس! وكان الخليل بن أحمد يقدمه على زهير، وقال يوماً: إنه دخل على النعمان فأنشده:
متوج بالمعالي فوق مفرقه ... وفي الوغى ضيغم في صورة القمر
стр. 485
أخلاق مجد تجلت مالها مثل ... في البأس والجود بين الحلم والخفر
فأمر أن يحشى فوه بالدر، وأن يكسى أثواب الرضا. ثم قال الخليل: بمثل هذا تمدح الملوك! وكان أبو عمرو بن العلاء يقدمه بقوله:
كم قد أحل بدار الفقر بعد غنى ... عمرو، وكم راش عمرو بن إقتار
يريش قوماً ويبري آخرين بهم ... لله من رائش عمرو ومن بار
وهو أحد الأشراف الذين غض الشعر منهم، وقد حمله إحسان النعمان بن المنذر على التجاوز في مدحه والذل له، على مكانه في ذبيان. ولما تناهت حاله عند النعمان، وصار من أخص ندمائه، حسده أعداؤه، وعملوا على لسانه الهجاء المتقدم الذكر، ووجدوا له سبيلا بأنه كان جميلا وكان النعمان دميماً، فقالوا له: إن المتجردة زوجة تعشقه، وزاد على ذلك وصفه لها بقوله:
стр. 486
وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسة بالعبير مقرمد
وإذا نزعت نزعت عن مستحصف ... نزع الحزور بالرشاء المحصد
وإذا يعض تشده أعضاؤه ... عض الكبير من الرجال الأدرد
وقالوا: ليس يصف هذا الوصف الباطن إلا من جرب! فغضب النعمان عليه، وهم بقتله، ففر منه.
وله في الاستعذار والاستعطاف من المحاسن ما انفرد به وتقدم، وهو أشعر الناس إذا رهب؛ فمن فرائد اعتذاره المنصوص على تقديمها قوله:
أنبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
لا تقذفني بركن لا كفاء له ... وإن تأثفك الأعداء بالرفد
ما قلت من سيئ مما أتيت به ... إذاً فلا رفعت سوطي إلي يدي
стр. 487
قال أحد النقاد: وإنما دعا على يده؛ لأنه كان قد بلغ النعمان أنه عزم على الغارة على بلاده بقومه.
وقوله:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ولكنني كنت أمرأ لي جانب ... من الناس فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما قصدتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطفيتهم ... فلم ترهم في فعل ذلك أذنبوا
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
وأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
стр. 488
ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب؟
وقوله:
وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع
مخافة أن قلت: سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع
لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكون غيره وهو راتع
فان كنت لا ذو الضغن عني مكذب ... ولا حلفي على البراءة نافع
стр. 489
فانك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنية قاطع
ومن فرائد نسيبه قوله:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود
لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد
لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ... ولخاله رشداً وإن لم يرشد
زعم الهمام بأن فاها بارد ... عذب مقبله شهي المورد
زعم الهمام ... ولم أذقه
بأنه
عذب متى ما ذقته قلت: ازدد
تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... برداً أسف لثاته بالأثمد
стр. 490
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ند
والبيت الثاني عندهم من أغزل ما قالته العرب، وعابه الأصمعي لذكر السقم في صفتها.
وقوله من قصيدة في مدح عمرو بن الحارث الأصغر الغساني لما أجاره من النعمان:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآئب
وصدر أراح الليل عازب همه ... تطاول فيه الحزن من كل جانب
أراد براعي النجوم الصبح، فأقام مقامه الذي يغدو بالماشية للرعي؛ وهذا من بارع التلويح، وجعل صدره مأوى للهموم، وجعلها كالنعم الشاردة للسرح نهاراً،
стр. 491
الآوبة لمكانها ليلا لتقييد الألحاظ عما هي فيه مطلقة بالنهار، متسلية بسببه. قال صاحب زهر الآداب: "وهو أول من أثار هذا المعنى. وكره امرؤ القيس أن يخف عنه الهم في وقت من الأوقات، فقال:
ألا أيها الليل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل"
ومن فرائد هذه القصيدة قوله:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجيشان أول غالب
تراهن خلف القوم خزراً عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
تورثن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب
стр. 492
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب
رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب
ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب
وبيته الثالث من التشبيهات العقم. ويوم حليمة هو الذي قتل فيه الحارث بن أبي شمر ملك عرب الشام المنذر بن المنذر ملك عرب العراق، ونسب إلى حليمة بنت الحارث بن أبي شمر؛ لأنها حضرته محرضة لعسكر أبيها، وتزعم العرب أن الغبار ارتفع في ذلك اليوم، وتكاثف حتى سد عين الشمس، وظهرت الكواكب.
ولما بلغ النابغة أن النعمان عليل قد اشتد ألمه أقلقه ذلك، ولم يملك الصبر عنه، فسار إليه، فألفاه محمولا على سرير ينقل، فقال لعصام حاجبه:
стр. 493
ألم أقسم عليك لتخبرني ... أمحمول على النعش الهمام؟
فاني لا ألومك في دخول ... "ولكن ما وراءك يا عصام"
فان يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والبلد الحرام
وكان النعمان بن الحارث الغساني قد حمى قراقراً لتربع ماله، فتربعته ذبيان، فنهاهم النابغة، وخوفهم عقوبته، فعيروه خوفه منه. ثم إن النعمان أوقع بهم، فقال النابغة:
وخوفتني بنو ذبيان خشيته ... وهل علي بأن أخشاك من عار
وقلت: يا قوم إن الليث منقبض ... على براثنه لوثبة الضاري
стр. 494
ويستحسن في باب رثاء الملوك والعظماء قوله في حصن بن بدر سيد فزارة:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن والجبال جنوح
ولم تلفظ الموتى القبور ولم تزل ... نجوم السماء والأديم صحيح
فعما قليل ثم جاء نعيه ... فظل ندي القوم وهو ينوح
ومن فرائده التي يتمثل بها قوله في عامر بن الطفيل:
فان يك عامر قد قال جهلا ... فان مظنة الجهل الشباب
فانك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب
وقوله:
إذا حاولت في أسد فجوراً ... فاني لست منك ولست مني
стр. 495
وقوله:
نصحت بني عوف فلم يتقبلوا ... وصاتي ولم تنجح لديهم وسائلي
وقوله:
ليهنئ بني ذبيان أن بلادهم ... خلت لهم من كل مولى وتابع
ومن تاريخ ابن عساكر أن "الشعبي كان عند عبد الملك بن مروان يوماً، فدخل عليه الأخطل، وأنشده ما قال فيهم من الشعر، فقال الشعبي: قاتل الله النابغة حيث يقول:
هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير بديع التمام
للحارث الأكبر والحارث ال ... أصغر والحارث خير الأنام
ثم لهند وهند وقد ... أفرغ في الخيرات منهم إمام
следующие страницы →