← История

История · id 28174

نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب

ابن سعيد المغربي

Полный текст (734 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الآوبة لمكانها ليلا لتقييد الألحاظ عما هي فيه مطلقة بالنهار، متسلية بسببه. قال صاحب زهر الآداب: "وهو أول من أثار هذا المعنى. وكره امرؤ القيس أن يخف عنه الهم في وقت من الأوقات، فقال: ألا أيها الليل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل" ومن فرائد هذه القصيدة قوله: إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجيشان أول غالب تراهن خلف القوم خزراً عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب تورثن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب

стр. 492

تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب وبيته الثالث من التشبيهات العقم. ويوم حليمة هو الذي قتل فيه الحارث بن أبي شمر ملك عرب الشام المنذر بن المنذر ملك عرب العراق، ونسب إلى حليمة بنت الحارث بن أبي شمر؛ لأنها حضرته محرضة لعسكر أبيها، وتزعم العرب أن الغبار ارتفع في ذلك اليوم، وتكاثف حتى سد عين الشمس، وظهرت الكواكب. ولما بلغ النابغة أن النعمان عليل قد اشتد ألمه أقلقه ذلك، ولم يملك الصبر عنه، فسار إليه، فألفاه محمولا على سرير ينقل، فقال لعصام حاجبه:

стр. 493

ألم أقسم عليك لتخبرني ... أمحمول على النعش الهمام؟ فاني لا ألومك في دخول ... "ولكن ما وراءك يا عصام" فان يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والبلد الحرام وكان النعمان بن الحارث الغساني قد حمى قراقراً لتربع ماله، فتربعته ذبيان، فنهاهم النابغة، وخوفهم عقوبته، فعيروه خوفه منه. ثم إن النعمان أوقع بهم، فقال النابغة: وخوفتني بنو ذبيان خشيته ... وهل علي بأن أخشاك من عار وقلت: يا قوم إن الليث منقبض ... على براثنه لوثبة الضاري

стр. 494

ويستحسن في باب رثاء الملوك والعظماء قوله في حصن بن بدر سيد فزارة: يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن والجبال جنوح ولم تلفظ الموتى القبور ولم تزل ... نجوم السماء والأديم صحيح فعما قليل ثم جاء نعيه ... فظل ندي القوم وهو ينوح ومن فرائده التي يتمثل بها قوله في عامر بن الطفيل: فان يك عامر قد قال جهلا ... فان مظنة الجهل الشباب فانك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب وقوله: إذا حاولت في أسد فجوراً ... فاني لست منك ولست مني

стр. 495

وقوله: نصحت بني عوف فلم يتقبلوا ... وصاتي ولم تنجح لديهم وسائلي وقوله: ليهنئ بني ذبيان أن بلادهم ... خلت لهم من كل مولى وتابع ومن تاريخ ابن عساكر أن "الشعبي كان عند عبد الملك بن مروان يوماً، فدخل عليه الأخطل، وأنشده ما قال فيهم من الشعر، فقال الشعبي: قاتل الله النابغة حيث يقول: هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير بديع التمام للحارث الأكبر والحارث ال ... أصغر والحارث خير الأنام ثم لهند وهند وقد ... أفرغ في الخيرات منهم إمام

стр. 496

ستة أعلام هم ما هم ... هم خير من يشرب صوب الغمام فقال عبد الملك: يا أخطل، لم لا تقول مثل هذا؟ فقال له الأخطل: أعوذ بالله من شرك يا شعبي". سنان بن أبي حارثة المري من كتاب أفعل للأصفهاني: "عنفه قومه في الجود، فركب ناقة يقال لها: الجهول، وقال: لا أراني يؤخذ على يدي! فلم ير بعد ذلك، فسمته العرب: ضالة غطفان؛ وفيه يقول زهير: إن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان حين أضلت" هرم بن سنان المذكور. من الأغاني: "ذكر أن هرماً كان قد حلف ألا يمدحه زهير الشاعر إلا أعطاء عشرة أعبد أو

стр. 497

وليدة أو فرساً، فاستحيا زهير مما كان يأخذه منه، فكان إذا رآه في ملأ قال: أنعموا صباحاً غير هرم، وخيركم تركت". وله فيه أمداح جليلة قد تقدم منها في ترجمة زهير ما تقدم. أسماء المرية صاحبة عامر بن الطفيل في الجاهلية. من واجب الأدب أنها كانت من شواعر العرب، وهي القائلة: ألا خليا مجرى الجنوب لعله ... يداوي فؤادي من جواه نسيمها وكيف تداوي الريح شوقاً مماطلا ... وعيناً طويلا بالدموع سجومها؟

стр. 498

وممن لا يتحقق عصره: عاتكة المرية أنشد لها صاحب الزهر وقد راودها ابن عمها: فما طعم ماء أي ماء تقوله ... تحدر من غر طوال الذوائب بمنعرج من بطن واد تقابلت ... عليه رياح الصيف من كل جانب نفت جرية الماء القذى عن متونه ... فما إن به عيب تراه لشارب بأطيب ممن يقصر الطرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب المثلم بن رياح المري من شعراء الحماسة، أنشد له أبو تمام: تصيح الردينيات فينا وفيهم ... صياح بنات الماء أصبحن جوعا خلطنا البيوت بالبيوت فأصبحوا ... بني عمنا من يرمهم يومنا معا

стр. 499

أشجع بن ريث بن غطفان وأما أشجع بن ريث بن غطفان فلا تفرع لها، وكانت ممن يحسب في أعراب المدينة النبوية. ولا ذكر لها الآن في الحجاز ولا في غيرها. أعصر بن سعد بن قيس عيلان وأما أعصر بن سعد بن قيس عيلان فلها جذمان: الغنويون والباهليون. غني بن أعصر فمن غني بن أعصر: طفيل الخيل الغنوي من واجب الأدب: عرف بذلك لكثرة وصفه الخيل وإحسانه فيه. ومن الأغاني: هو "طفيل بن عوف، جاهلي من الفحول المعدودين. ويقال: إنه أقدم شعراء قيس، وهو من أوصف العرب للخيل". "وقال [قتيبة بن مسلم] لأعرابي من غني: أي بيت قالت العرب أعف؟ قال: قول طفيل الغنوي:

стр. 500

ولا أكون وكاء الزاد أحبسه ... لقد علمت بأن الزاد مأكول" وله: فذوقوا كما ذقنا غداة محجر=من الغيظ في أكبادنا والتحوب ومن الكمائم: كان يسمى محبراً لحسن وصفه للخيل؛ وكان معاوية يقول: خلوا لي طفيلا، وخذوا من شئتم. وهو القائل: بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول

стр. 501

وله: إن النساء كأشجار خلقن لنا ... منها المرار وبعض المر مأكول إن النساء متى ينهين عن خلق ... فانه واجب لابد مفعول وذكر صاحب العقد أنه كان رئيس غني، وأخذ منها المرباع كما تفعل الملوك. وهو القائل: جزى الله عنا جعفراً حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تقاسيه ما قاسوه منا لملت

стр. 502

هم أسكنونا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأظلت وممن لا يتحقق عصره: علي بن الغدير الغنوي ذكر البيهقي أنه من شعراء غني وفرسانها، وأنشد له: كيف صبري إذا نأت بك دار ... وأراني من قبلها ذا اكتئاب رب إن العداة ما عذبوني ... فأليم العذاب من أحبابي نافع بن خليفة الغنوي قال البيهقي: هو شاعر اشتهر من شعره البيت الذي ينشده أهل البديع في محاسن التميم: رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه لاذوا بالسيوف القواضب

стр. 503

العباس بن حذيفة الغنوي من واجب الأدب: شاعر اشتهر من شعره قوله: يقولون من هذا الغريب بأرضنا ... أما والهدايا إنني لغريب وماذا عليكم إن أطاف بأرضكم ... مطالب دين أو نفته حروب؟ أمشي بأعطان المياه وأبتغى ... قلائص منها صعبة وركوب باهلة ومن باهلة، وهم بنو معن بن مالك بن أعصر: أعشى باهلة عامر بن الحارث من واجب الأدب: من أعلام شعراء الجاهلية؛ أشهر ما له القصيدة التي يرثي بها المنتشر بن وهب الباهلي

стр. 504

المشهور بالعدو والكرم، منها: إن تقتلوه فقد أشجاكم زمناً ... كذلك الرمح بعد الطعن ينكسر لا يأمن القوم ممساه ومصبحه ... من كل أوب وإن لم يأت ينتظر لا يتأرى لما في القدر يرقبه ... ولا يعض على سوفه الصفر تكفيه فلذة كبد إن ألم بها ... من الشواء ويروي شربه الغمر

стр. 505

فان جزعنا فإن الخطب أجزعنا ... وإن صبرنا فانا معشر صبر صفية الباهلية من واجب الأدب: شاعرة من شواعر العرب، اشتهر قولها: كما كغصنين في جرثومة بسقا ... حسناً بأكثر ما تسمو به الشجر حتى إذا قيل قد طالت فروعهما ... وطاب فيئاهما واستنظر الثمر أنحى على مؤنسي ريب الزمان وما ... يبقي الزمان على شيء ولا يذر كنا كأنجم ليل بينها قمر ... يجلو الدجى فهوى من بينها القمر عمرو بن قيس عيلان وأما عمرو بن قيس عيلان فولداه: فهم وعدوان، وأمهما جديلة إليها ينسب الجدليون.

стр. 506

بنو فهم بن عمرو لا ذكر لهم الآن في الحجاز ولا في غيره، ولهم أعلام في الجاهلية والإسلام. تأبط شراً الفهمي من واجب الأدب: قيل: اسمه ثابت بن جابر؛ وقيل ابن عميثل. واختلف في سبب لقبه: لأنه جاء إلى أهله بجراب فيه حيات، فقيل: تأبط شراً؛ وقيل: لأنه قتل الغول، ثم جاء بها في جوف الليل إلى أصحابه. "وكان يكثر الغارات على هذيل، فرصدته حتى أتى مع أصحابه إلى غار في جوف جبل، فتدلى له بحبل، فعلمت به هذيل فجاءت، وهرب أصحابه. وحركوا الحبل، فرفع رأسهم فرآهم، فقالوا له: اطلع! فقال: على أن تطلقوني بالفداء! فقالوا: لا شرط لك، فقال: فأراكم قاتلي وأخذي جناي - وكان قد اشتار من الغار عسلاً - والله لا أفعل! ثم جعل يسيل العسل على فم الغار، وعمد إلى الزق فشده على صدره وألصقه بالعسل، فلم يزل يزلق إلى أن أنزله إلى أسفل الجبل، ففاتهم وبين الموضع الذي وقع فيه وموضعهم مسيرة ثلاثة أيام. وفي ذلك يقول أبياته التي في الحماسة:

стр. 507

إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا ... به الخطب إلا وهو للقصد مبصر فذاك قريع الدهر ما عاش حول ... إذا جاش منه منخر جاش منخر أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الباع معسر هما خطتا: إما إسار ومنة ... وإما دم والقتل بالحر أجدر وأخرى أصادي النفس عنها وإنها ... لمورد حزم إن فعلت ومصدر فرشت لها صدري فزل عن الصفا ... به جؤجؤ عبل ومتن محضر فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا ... به كدحة والموت خزيان ينظر

стр. 508

فأبت إلى فهم وما كنت آبياً ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر ومما أنشده صاحب الحماسة من مختار شعره قوله: وإني لمهد من ثنائي فقاصد ... به لابن عم الصدق شمس بن مالك أهز به في ندوة الحي عطفه ... كما هز عطفي بالهجان الأوارك قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير النوى شتى الهوى والمسالك يظل بموماة ويضحي بغيرها ... وحيداً ويعروري ظهور المهالك ويسبق وفد الريح من حيث تنتحي ... بمنخرق من شده المتدارك

стр. 509

إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالئ من حد أخلق صائك يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك [بنو عدوان بن عمرو] ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ [عامر بن الظرب] ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ وأرمي بطرفي إذا ما نظرت ... كأن على الطرف مني غماما وقال في أثناء كلامه: ولا تسألوا أميركم أكثر من ماله، فيعجز ويموت في أيديكم، فتكون حسرة عليكم. وأوصيكم بالضيف فلا يخرج إلا وهو مكموم الفم باحسانكم. وإذا نكح فيكم الغريب فاختاروا له أهل العفاف من نسائكم؛ فإنه

стр. 510

أستر لعرضكم. وعليكم بالصلات فإنها تزرع المودة. وإياكم والغيبة فإنها توغر القلوب، وتفرق الجماعة. واذكروا قومكم إذا غالوا عنكم بما تحبون أن يذكروه منكم إذا غبتم. وذكر أنه أدرك كنانة بن جذيمة وهو شيخ محجوب، فأخبره أنه قد آن خروج نبي اسمه محمد صلى الله عليه، وأوصى بأتباعه. ثم قال: وإياكم وعهد الملك قابوس، فإنه حليم ما استحلم، سفيه ما استسفه. وذكر أنه كان خطيب سوق عكاظ غير مدافع في زمانه. ومن واجب الأدب: كان حكيم العرب، وحرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وقال: إن أشرب الخمر أشربها للذتها ... وإن أدعها فاني فارك قال سئالة للفتي ما ليس في يده ... ذهابة بعقول القوم والمال ولما طال عمره صار بما يهفو في أحكامه، فتقرع له العصا بنته، فيعود إلى الإصابة ويتنبه. وفي ذلك يقول الشاعر:

стр. 511

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما وفي الأغاني ذكره. ومن نثر الدر: زوج ابنته من ابن أخيه، فلما أراد تحويلها إليه قال لأمها: مري ابنتك ألا تنزل مفازة إلا ومعها الماء؛ فإنه للأعلى جلاء، وللأسفل نقاء. ولا تكثر مضاجعة الرجل؛ فإنه إذا مل البدن مل القلب، ولا تمنعه شهوته؛ فإن الحظوة الموافقة. فلم تلبث شهراً أن جاءته مشجوجة، فقال له: يا ابن أخي، ارفع عصاك عن بكرتك [تسكن] ؛ فإن كانت نفرت من غير أن تنفر فذاك الداء الذي ليس له دواء، وإن لم يكن بينكما وماق فمذاق الخلع خير من الطلاق! فرد عليه صداقه وخلعها منه، وهو أول خلع كان في العرب.

стр. 512

ومن كلامه: الرأي نائم والهوى يقظان، فمن هنالك يغلب الهوى الرأي. قال وكان حكيماً خطيباً رئيساً، وهو الذي قال: يا معشر عدوان، الخير ألوف عزوف، ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه؛ وإني لم أكن حكيماً حتى اتبعت الحكماء، ولم أكن سيدكم حتى تعبدت لكم! وشاعرهم: ذو الأصبع العدواني من الروض الأنف أنه من ولد ظرب الذي من ولده عامر بن الظرب. ومن الأغاني: اسمه "حرثان [ابن الحارث] ، وهو من قدماء شعراء الجاهلية، وله غارات كثيرة، ووقائع في العرب". وقيل: اسمه حرثان بن عدوان. "قال الأصمعي: نزلت عدوان على ماء، فأحصوا فيه سبعين ألف غلام

стр. 513

أغرل سوى من كان مختوناً، ثم وقع بينهم بأسهم، فقال ذو الأصبع: عذيري من بني عدوا ... ن كانوا حية الأرض بغى بعضهم بعضاً ... فلم يبق على البعض فقد صاروا أحاديثاً ... برفع القول والخفض ومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي ومنهم من يجيز النا ... س بالسنة والفرض" الحكم: ابن الظرب وقد تقدم، والذي يجيز الناس في الحج: أبو سيارة العدواني: أفاض بالعرب من عرفات أربعين سنة على حمار واحد، فقيل: "أصح من حمار أبي سيارة". قال السهيلي في الروض:

стр. 514

وهو الذي كان يقول: "أشرق ثبير كيما نغير". قال: والإجازة: الدفع من مزدلفة وله كانت. ومن دعاء أبي سيارة: اللهم حبب بين نسائنا، وبغض بين رعائنا، واجعل المال في سمحائنا". وأنشد صاحب الأغاني من شعر ذي الأصبع العدواني: أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني فان تصبك من الأيام جائحة ... لم نبك منك على دنيا ولا دين بنات ذي الأصبع من نثر الدر: كان ذو الأصبع غيوراً، وكان له بنات أربع لا يزوجهن غيرة، فاستمع عليهن مرة وقد خلون

стр. 515

يتحدثن، فذكرن الأزواج حتى قالت الصغيرة: "زوج من عود خير من القعود:، فخطبن فزوجن. ثم أمهلهن حولا فزار الكبرى، فسألها عن زوجها فقالت: خير زوج؛ يكرم أهله، وينسى فضله، قال: حظيت ورضيت، فما مالكم؟ قالت: خير مال، قال: وما هو؟ قالت: الإبل نأكل لحمها مزعاً، ونشرب ألبانها جرعاً، وتحملنا وضعيفنا معاً؛ قال: زوج كريم، ومال عميم! ثم زار الثانية فقال: كيف رأيت زوجك؟ قالت: يكرم الحليلة، ويقرب الوسية، قال: فما مالكم؟ قالت: البقرة، قال: وما هي؟ قالت: تأنف الفناء، وتملأ الإناء، وتودك السقاء، ونساء مع نساء؛ قال: رضيت وحظيت! ثم زار الثالثة فقال: كيف رأيت زوجك؟ قالت: لا سمح بذر، ولا بخيل حكر، قال: فما مالكم؟ قالت: المعزى، قال: وما هي؟ قالت: لو كنا

стр. 516

نولدها فطما، ونسلخها أدماً لم نبلغ بها نعما؛ فقال: جزر مغنية! ثم زار الرابعة فقال، كيف رأيت زوجك؟ قالت: شر زوج، يكرم نفسه، ويهين عرسه، قال: فما مالكم؟ قالت: شر مال! الضأن، قال: وما هي؟ قالت: جوف لا يشبعن، وهيم لا ينقعن، وصم لا يسمعن، وأمر مغويتهن يتبعن، فقال: "أشبه امرؤ بعض بزه" فأرسلها مثلا.

стр. 517

تاريخ ربيعة ابن نزار بن معد بن عدنان

стр. 518

بين ربيعة ومضر من الفخر والمناقضات بالأشعار ما يطول ذكره. وكلاهما كثير في العدد والشرف والعز، إلا أن النبوة والخلافة في مضر. وكان معظم العز لمن حاز البيت من ولد إسماعيل فحازته المضرية، وخرجت ربيعة عن أرجائه، فتشتتت قبائلها، وتفرقت في البلاد، فاختص منهم تغلب وبكر بن وائل بأطراف نجد من شمال الحجاز وشرقه، والبلاد الجزرية والفراتية التي تعرف الآن بديار ربيعة، منها سنجار ونصيبين. ثم إن تغلب وبكراً وقعت بينهما حرب وائل، فانحازت بكر إلى الجبال، وهي جهات ماردين وميافارقين، فعرفت بديار بكر إلى اليوم. وسكن بنو عجل منهم

стр. 519

مما يلي أرض العراق في جهات ذي قار وقراقر، وسكن بنو حنيفة باليمامة، وسكن عبد القيس بالبحرين، وسكن عنزة في جهة عبد القيس. ولم يبق الآن من ربيعة طائل على ما كان فيها من الكثرة والعظمة، وتفرقت قبائلها وبطونها في الحواضر والقرارات. ولقد دوخت بلاد ربيعة بالجزيرة الفراتية فلم أجد فيها من يركب فرساً من تغلب ولا بكر، ولا لهم قائمة. وقد صارت دولة العرب هنالك لزبيد من طيء ولعبادة من المضرية، وتغلب وبكر دخلوا في الفلاحين، وامحي عنهم اسم العرب.

стр. 520

ودخلت جزيرة العرب، فسألت: هل بقي في أقطارها أحد من ربيعة؟ فقالوا: لم يبق من يركب الخيل وفيه عربية وحل وترحال غير عنزة، وهم بجهات خيبر، وبني شعبة المشهورين بقطع الطرقات وهتك الأستار في أطراف الحجاز مما يلي اليمن والبحر، وبني عنز في جهة تبالة؛ وغير ذلك لا نعلمه في المشرق ولا في المغرب. وولدا ربيعة اللذان اشتهر إليهما النسب: أسد وفيه العدد والبيت، وضبيعة. فأما أسد بن ربيعة فولداه جديلة وعنزة. فأما جديلة فمنها: وائل بن قاسط بن أفصى بن هنب بن دعمي بن جديلة، وأخوه النمر بن قاسط، وعبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة.

стр. 521

تاريخ وائل بن قاسط وولده ثلاثة: بكر، وتغلب، وعنز. والشرف القديم والعدد لبكر وتغلب سكان الجزيرة الفراتية؛ والباقية لعنز، وهم الآن قد غلبوا على تبالة من أرض اليمن. تاريخ بكر بن وائل قال البيهقي: هي وعبد القيس من أرحاء العرب لأنهما غلبا على ديار جليلة تدور حولها كالرحى حول قطبها. وهما أيضاً جمجمتان لأن لهما رجالا اشتهروا بالنسب إليهم، واقتصر عليهم دون الارتفاع إلى الأصل. وبكر أجل في ذلك، وبطونها أشهر في الانتساب. وديار بكر بالجزيرة الفراتية مشهورة، وإن لم يبق لهم بها الآن قائمة. وولدا بكر اللذان ينسب إليهما: علي وفيه البيت والعدد، ويشكر. فأما علي بن بكر فافترق النسب المشهور من ولده على: عكابة بن صعب بن علي، ولجيم بن صعب، (ولهم زمان بن مالك بن صعب) . وأما عكابة بن صعب بن علي فأجل بطونها: شيبان بن ثعلبة بن عكابة، ولها ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة. تاريخ بني شيبان ابن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن أفصى بن هنب بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة.

стр. 522

قال ابن حزم: ولد ذهل بن شيبان مرة بن ذهل، وفيهم البيت والعدد، ولد له عشرة رجال انشأوا عشر قبائل. والمشهور ممن ذكر: همام بن مرة ، و جساس بن مرة . همام بن مرة فأما همام بن مرة بن ذهل بن شيبان فكان سيد وائل في وقته (والقائم بحربها حتى قتل، وقام بها بعده الحارث بن عباد) ، وكان شديد الغيرة. قال ابن حزم: وتفرغ من همام بن مرة ثمانية وعشرون بطنا، منهم بنو الحارث بن همام. وليس لهذه البطون ذكر ولا قائمة في جهة من الجهات. وكان لهمام في الجاهلية بنات قد منعن من التزويج لشدة غيرته، فخلون في بعض الليالي القمر، وتذاكرن في ضياع شبابهن، واتفقن على أن تنشد كل واحدة منهن إباها بيتاً يخص على التزويج، فأسمعته الكبرى:

стр. 523

أهمام بن مرة إن همي ... إلى قنفاء مشرفة القذل فلما سمع ذلك قال: هذه تريد ناقة! وعادت فقالت لأختيها: قد أنشدته كذا وكذا، فقالا: ما صنعت شيئاً! ثم أسمعته الثانية: أهمام بن مرة إن همي ... إلى اللائي يكن مع الرجال فقال: يكون مع الرجال الذهب والفضة وغير ذلك! ولما عادت أخبرتهما بذلك، فقالت لهما الصغرى: ما صنعتما شيئاً! ثم أسمعته: أهمام بن مرة إن همي ... إلى عرد أسد به مبالي فقال: قاتلها الله لقد كشفت عن طلبها! ثم زوجهن في أثر ذلك. جساس بن مرة وأما جساس بن مرة فكان من أبطال بكر في الجاهلية وفتاكها، وهو قاتل كليب وائل سيد بني تغلب، ومسبب حرب وائل التي أتت على الفريقين. وسيأتي ذكرها وسببها.

стр. 524

قال البيهقي: ومن ولد جساس بنو الشيخ الذين كانت لهم بآمد دولة متوارثة. قال: وكان حديث جساس من أعجب ما يسطر: وذلك أنه قتل صهره زوج أخته كليب وائل لكونه رمى ناقة جارة له بسهم، وأقام الحرب العظيمة، وأفنت الأبطال والأشراف، وآخر من قتل فيها جانيها جساس المذكور: وذلك أنه ربى ولد كليب من أخته، فنشأ الغلام ولا يعلم له والداً غير جساس؛ فلما كبر وركب أعلم بقضية أبيه، وأن خاله هو الذي قتله، فطلب بثأره، وقتل خاله. جليلة بنت مرة وجليلة بنت مرة من شواعر العرب، ولها الرثاء المختار في زوجها كليب، منه: فعل جساس على ضني به ... قاطع ظهري ومدني أجلي إنني قاتلة مقتولة ... فلعل الله أن يرتاح لي

стр. 525

عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان كان سيداً في قومه، وفيه جرى المثل "لا حر بوادي عوف"، أي من كان في جهته كان بمنزلة العبد له. عوف بن النعمان الشيباني قال أبو عبيدة في الأمثال: هو القائل في الجاهلية الجهلاء: "لأن أموت عطشاً أحب إلي من أن أكون مخلاف الوعد". قيس بن مسعود الشيباني ذو الجدين هو الذي ملكته عليها بنو بكر في يوم ذي قار الذي كسرت فيه العرب العجم، وكان بعد وقعة بدر بأشهر. وسببه قتل كسرى النعمان بن المنذر. ثم حصل قيس بن مسعود في يد كسرى، فحبسه بساباط المدائن فمات هناك. وقال قصيدة يومصي بها قومه، منها: ألا ليتني أرشو سلاحي وبغلتي ... لمن ترفع الأبناء بعدي وائل

стр. 526

وأوصيهم بالله والصلح بينهم ... ليذكر معروف ويدحض جاهل وصاة امرئ لو كان فيهم أعانهم ... على الدهر والأيام وهي غوائل وأخبركم والعلم ينفع أنني ... سقطت على ضرغامة وهو آكل (وابنه بسطام سيد وائل بعده، وأخوه هانئ بن مسعود كان المقدم لهم بذي قار) . سدوس بن شيبان وقال الحازمي: "سدوس بن ذهل [بن ثعلبة] بن عكابة الذي ينتسب إليه بنو سدوس كان رئيساً في قومه، وله ردافة آل المرار ملك كندة، وكان له عشرة أولاد. قال البيهقي: لما هزم زياد بن هبولة القضاعي حجر بن عمرو الكندي، وأخذ امرأته هنداً، تلطف سدوس حتى دنا من قبة ابن الهبولة بالليل، فسمعه يداعب هنداً،

стр. 527

ويتكلم معها في شأن حجر، فسرى في ليلته حتى صبح حجراً وقال: أتاك المرجفون بأمر غيب ... على دهش وجئتك باليقين فمن يك قد أتاك بأمر لبس ... فقد وافيت بالنبأ المبين ثم قص عليه ما سمع، فنادى بالرحيل حتى أتيا إلى عسكر ابن الهبولة، وقتل سدوس ابن الهبولة، وأخذ حجر هنداً. وقال الحازمي: "وأما سدوس فبطن كبير من ربيعة، وعامتهم بالبصرة". قال ابن قتيبة: "ومن بني سدوس الحارث بن سدوس كان له أحد وعشرون ذكراً فقيل فيه: فلو شاء ربي كان أير أبيكم ... طويلا كأير الحارث بن سدوس" قال: "وفي سدوس بن شيبان العدد".

стр. 528

تاريخ ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ابن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. قال ابن قتيبة: "فيهم العدد"، ومنهم: الأعشى ميمون بن قيس من واجب الأدب: من كبار شعراء الجاهلية الوافدين على الملوك، وكان يقال له: صناجة العرب، لكثرة جولانه في الأقطار. وسمع بأن النبي صلى الله عليه بعث، فصنع قصيدة في مدحه، وسار إليه. ومن القصيدة: رسول يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا فجعل يسأل في طريقه عن سيرة النبي صلى الله عليه، فعرف أنه يحرم الخمر، فقال: والله مالي عنها صبر، وسأتزود منها هي السنة، وأعود في السنة الآتية. ثم ثنى ناقته إلى قرى اليمامة ليتزود من الخمر، فسقط عنها، فاندقت عنقه. قالوا: وهو ممن إذا مدح رفع، وإذا هجا وضع؛ ألا تراه كيف نزل بالمحلق وهو خامل في العرب، فلما قام بضيافته، على جهده من الفقر الذي كان فيه، قال فيه

стр. 529

قصيدته المشهورة؛ فجل قدر المحلق، وصار ذكره عالياً إلى اليوم! ومن مختار القصيدة: لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار باليفاع تحرق تشب لمقرورين بصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج، عوض لا نتفرق

стр. 530

نفي الذم عن رهط المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق ترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه ... كما زان متن الهند واني رونق أبا مالك قد سار ما قد فعلتم ... وأشأم أقوام بذاك وأعرقوا به تنفض الأحلاس في كل منزل ... وتعقد أطراف المطي وتطلق وله أمداح جميلة مشهورة في قيس بن معدي كرب ملك كندة، وفي أبيه، فيها القصيدة التي منها: عودت كندة عادة فاصبر لها ... اغفر لجاهلها ورو سجالها
следующие страницы →