Полный текст (734 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
فلو نبش المقابر عن كليب ... فيخبر بالذنائب أي زير!
ولم يقل في إدراك الثأر أبلغ من قوله:
لقد قتلت بني بكر بربهم ... حتى بكيت وما يبكي لهم أحد
ومن رثائه قوله:
أزجر العين أن تبكي الطلولا ... إن في الصدر من كليب غليلا
أنبضوا معجس القسى وأنبض ... نا كما توعد الفحول الفحولا
لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النزولا
стр. 562
وآل الأمر به إلى أن لم يبق من ينصره ولا من يعينه على القيام بطلب الثأر، ففر إلى اليمن، وجاور جنباً من قبائل اليمن وليست لهم نباهة، فخطبوا بنته فزوجها فيهم، وقال:
أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب، وكان الحباء من أدم
لو بأبانين جاء خاطبها ... ضرج ما أنف خاطب بدم
ولما ضعف وأسن خرج في بعض أسفاره مع عبدين له، وكان يكلفهما ما تقتضيه همته مما يشق عليهما، فعزما على قتله. فلما أحس ذلك منهما قال: أوصيكما أن ترويا عني بيت شعر، وهو:
من مبلغ الحيين أن مهلهلا ... لله دركما ودر أبيكما
стр. 563
ثم قتلاه! ولما رجعا إلى أهله وزعما أنه مات، قيل لهما: هل أوصاكما بشيء؟ قالا: نعم، أوصانا أن نروي عنه بيت شعر _ وأنشداه، فقالت بنت له: عليكم هذين العبدين! فانما قال أبي:
من مبلغ الحيين أن مهلهلا ... أمسى قتيلا بالفلاة مجدلا
لله دركما ودر أبيكما ... لا يبرح العبدان حتى يقتلا
ثم استقرا، فأقرا فقتلا.
قال البيهقي: وبنته التي كان لها هذا الذكاء هي هند، وسمع بقصتها كلثوم سيد تغلب بعد مهلهل، فتزوجها فجاءت ب
عمرو بن كلثوم .
عمرو بن كلثوم
سيد تغلب. قال البيهقي: هو من بني عتاب بن سعد بن زهير بن جشم التغلبي.
وتلخيص ترجمته من الأغاني والكمائم وواجب الأدب: كان والده كلثوم أفرس العرب، وكذلك مرة بن كلثوم صاحب الحروب مع ملوك الحيرة وملوك غسان، وورث شرفهما والرياسة في وائل عمرو بن كلثوم.
стр. 564
وهو مشهور بالفتك: قتل عمرو بن هند ملك الحيرة في رواقه: وذلك أنه حضر في طعام عند عمرو بن هند، وحضرت أمه عند هند أم عمرو، فأرادت هند أم الملك أن تضع من هند التغلبية، فقالت لها: يا هند، ناوليني ذلك الطبق! فقالت: لتقم صاحبة الحاجة إليها! فألحت عليها فصاحت: وا ذلاه! يا لتغلب! فسمعها ابنها عمرو بن كلثوم، فوثب لسيف كان معلقاً في الرواق، فصبه عليه وقتله؛ فضرب به المثل في الفتك.
وصنع عمرو بن كلثوم قصيدته المعلقة التي أولها:
ألا هبي بصحنك فأصبحينا
ومنها:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ورثنا المجد عن آباء صدق ... ونورثه إذا متنا بنينا
ولم تزل بنو تغلب تلهج بانشاد هذه القصيدة، وتكثر من ذكرها، حتى قال أحد شعراء بني بكر:
стр. 565
ألهي بني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أولهم ... يا للرجال لمجد غير مسؤوم
ومن القصيدة المذكورة:
بأنا نورد الرايات بيضاً ... ونصدرهن حمراً قد روينا
ومن مشهور شعر عمرو بن كلثوم:
معاذ الاله أن تنوح نساؤنا ... على هالك أو أن نضج من القتل
قراع العوالي بالعوالي أحلنا ... بأرض براح ذي أراك وذي أثل
стр. 566
وله يخاطب النعمان بن المنذر ملك الحيرة:
ألا أبلغ النعمان عني رسالة ... فمجدك حولي ومجدي قارح
وكانت الملوك تبعث إلى عمرو بن كلثوم بحبائه وهو في منزله من غير أن يفد عليها، إلى أن ساد ابنه الأسود بن عمرو، فصارك الملوك تساويه به، وتبعث إليه؛ فغضب عمرو وقال: ساواني بولي! والله لا أقمت في الحياة! ثم شرب الخمر صرفاً حتى مات.
وفي ولده نباهة في الإسلام منهم مالك بن طوق صاحب الرحبة.
стр. 567
[ممن لا يعلم عصره]
وممن لا يعلم عصره:
قتادة بن خرجة التغلبي
من شعراء الحماسة:
خليلي بين السلسلين لو انني ... بنعف اللوى أنكرت ما قلتما ليا
ولكنني لم أنس ما قال صاحبي ... نصيبك من ذلك إذا كنت نائيا
[عنز بن بكر بن وائل]
وأما عنز بن بكر بن وائل فالباقية الآن لهم، وقد غلبوا على تبالة وجهاتها من اليمن، وليس لهم في القديم ولا الحديث أعلام يذكرون في هذا الكتاب.
ولقيت منهم غلاماً بمكة يحج مع السرو، وفيه فصاحة وكثرة إلحاف في السؤال، فقلت له: ما هكذا تعرف العرب! فقال: لما عدمت الكرام الأولي يرعون حقها صارت إلى ما ترى!
стр. 568
[النمر بن قاسط]
وأما النمر بن قاسط إخوة وائل فكانوا مع بني وائل بالجزيرة الفراتية، وهم رهط منصور النمري الشاعر.
ومنهم في الجاهلية:
ربيعة بن جعشم النمري
من الكمائم أنه شاعر قديم، يقال إنه القائل:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامي ونشر القطر
يعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحر
فاستلحقها امرؤ القيس الكندي في شعره.
стр. 569
تاريخ عبد القيس
ابن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة. قال الحارثي: النسب إليها عبدي، ويقال: عبقسي. قال البيهقي: وهي من أرحية العرب، نزلت بالجزيرة وملكتها زماناً.
وهم رهط الأشج العبدي، والجارود العبدي؛ وقد بلوا من شعراء العرب بأنهم يعيرون بكثرة الفساء.
وجاء الإسلام وهم أصحاب البحرين، ثم غلبت عليهم القرامطة، ثم غلب على البحرين بنو أبي الحسين من تغلب، ثم بنو عامر.
ولها بطون لا ينسب إليها لأنها ليست من جماجم العرب، غير أن شن بن أفصى ابن عامر بن عبد القيس رهط الأعور الشني الشاعر ينسب إليها. وفيها جرى المثل "وافق
стр. 570
شن طبقة"، وقيل غير ذلك. والمثل الآخر: "يحمل شن ويفدى لكيز"، وهو أخوه.
الممزق العبدي
من شعراء الجاهلية، كان يفد على ملوك الحيرة، وهو القائل يخاطب أحدهم:
فان كنت مأكولا فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني ولما أمزق
ولعبد القيس أعلام في الإسلام.
стр. 571
تاريخ عنزة
عنزة بن أسد بن ربيعة، وقد قيل: إنها ابن أسد بن خزيمة بن مضر، والأول أشهر.
قال البيهقي: كانت بلادها في الجاهلية وصدر الإسلام عين التمر وهي بليدة بينها وبين الأنبار ثلاثة أيام. وقد انتقلت عنزة عن بلادها تلك إلى جهة خيبر، وهم في عدد وصولة هنالك إلى اليوم. ويلقى الحجاج منهم مشقة.
وذكر النسابون أن عنزة افترقت عن بطنين: يذكر ويقدم ابني عنزة.
[بنو يذكر]
فمن بني يذكر ثم من بني هزان منها:
أم ثواب الهزانية
أنشد لها أبو تمام في ولدها الذي عقها:
ربيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أم الطعام ترى في ريشه زغبا
حتى إذا آض كالفحال شذبه ... أباره ونفى عن متنه الكربا
стр. 572
أنشا يمزق أثوابي ويضربني ... أبعد شيبي عندي يبتغي الأدبا
إني لأبصر في ترجيل لمته ... وخط لحيته في وجهه عجبا
قالت له عرسه يوماً لتسمعني: ... مهلا فإن لنا في أمنا أربا
ولو رأتني في نار مسعرة ... ثم استطاعت لزادت فوقها حطبا
[بنو يقدم]
ومن بني يقدم بن عنزة:
القارظان
ومن الأمثال لأبي عبيدة: كلاهما من عنزة، فالأكبر هو يذكر بن عنزة لصلبه، والأصغر هو رهم بن عامر بن عنزة.
وكان من حديث الأول أن خزيمة بن نهد كان عشق ابنته فاطمة بنت يذكر، وهو القائل فيها:
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا
стр. 573
قال: ثم إن يذكر وخزيمة خرجا يطلبان القرظ فمرا بهوة من الأرض فيها نحل، فنزل يذكر ليشتار عسلا، ودلاه خزيمة بحبل. فلما فرغ قال يذكر: أصعدني؛ فقال: لا والله حتى تزوجني ابنتك فاطمة! فقال: أما على هذه الحال فلا يكون أبدا! فتركه حتى مات. ففيه وقع الشر بين قضاعة وربيع.
قال: وأما الأصغر فإنه خرج يطلب القرظ، فلم يرجع، ولا يدرى ما كان من خبره، فصار حديثهما مثلا في انقطاع الغيبة. قال أبو ذؤيب:
وحتى يؤوب القارظان كلاهما ... وينشر في القتلى كليب لوائل
ومثله: "حتى يؤوب المنخل".
تاريخ ضبيعة بن ربيعة
قال ابن قتيبة: وكان سيد ضبيعة في الجاهلية الحارث بن عبد الله الأضجم، وهو الذي قال: ما قبلتم يدي حتى لطمتم خدي مراراً فصبرت!
стр. 574
المسيب بن علس الضبيعي
من واجب الأدب والكمائم: اسمه زهير، وهو خال الأعشى، وهو من ضبيعة بن ربيعة لا من ضبيعة بكر؛ وكان الأعشى يتوكأ على شعره، وكان كثير الوفادة على ملوك الحيرة وملوك غسان.
وهو القائل، وأنشدها الحاتمي له في حلية المحاضرة.
تبيت الملوك على عتبها ... وغسان أن عتبت تعب
وكالراح بالمسك أخلاقهم ... وأخلاقهم منهما أعذب
وكالمسك ترب مقاماتهم ... وترب مقاماتهم أطيب
стр. 575
وأنشد له أيضاً:
فلأرسلن مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع
ترد المياه فلا تزال غريبة ... في القوم بين تمثل وسماع
المتلمس الضبيعي
من واجب الأدب والكمائم: اسمه جرير بن عبد المسيح بن ضبيعة بن ربيعة. وهو خال طرفة بن العبد الشاعر، وكانا قد هجيا عمرو بن هند ملك الحيرة، واشتهر قول المتلمس في أمه هند:
стр. 576
ملك يلاعب أمه وقطينها ... رخو المفاصل أيره كالمرود
بالباب يطلب كل طالب حاجة ... فإذا خلا فالمرء غير مسدد
ثم حمله الحين على أن وفد عليه مع طرفة واستجدياه، فكتب إليهما كتابين لعامله على البحرين بأن يقتلهما. فاستراب المتلمس بالكتاب، وقال: والله ما أحمله بعد أن عرفني هجوته وأحقدته حتى أعلم ما فيه، ثم دفعه إلى غلام من الكتاب، فوجد فيه أمر العامل بأن يقتله، فألقى الكتاب في نهر، وقال:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها
ونجا هارباً. ولم يسمع منه طرفة، فسعى إلى حينه برجله.
للمتلمس البيت السائر:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
стр. 577
وقال أحد الشعراء في أديب بخيل يكثر التمثل بهذا البيت:
ولا يروي من الأشعار شيئاً ... سوى البيت الثقيل على الفؤاد
قليل المال تصلحه فيبقى=ولا يبقى الكثير مع الفساد ومن مشهور شعر المتلمس قوله:
ولا يقيم على ذل يراد به ... إلا الأذلان: عير الدار والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وإذ يشخ فما يرثي له أحد
وله القصيدة ذات الحكم التي منها:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما
стр. 578
ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلا مثل قاطع طفه ... بكف له أخرى فأصبح أجذما
يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها تقدما
أحارث إنا لو تشاط دماؤنا ... تزايلن حتى لا يمس دم دما
وله:
تفرق أهلي من مقيم وظاعن ... فلله قلبي أي إلفي يتبع
أقام الذين لا أبالي فراقهم ... وشط الذين بينهم أتوقع
стр. 579
تاريخ إياد
ابن نزار بن معد بن عدنان
стр. 580
ليست من جماجم العرب؛ لأنها ليست لها قبائل تنتسب إليها. وكان إياد قد خرج من الحرم مع بنيه - كما تقدم - إلى جهة العراق والجزيرة. وكانت من منازلهم المشهورة في الجاهلية عين أباغ والعذيب وبارق.
وكانت لهم حروب مع جذيمة الأبرش ملك عرب العراق، ومع غيره من الملوك. وكانوا مع كسرى أبرويز على العرب يوم ذي قار، فأرسلوا في الباطن لقبائل بكر أنهم ينهزمون بالعجم عند اللقاء، ففعلوا ذلك، وكانت الكسرى على الفرس.
ثم لم يبق من إياد باقية في البادية، وتفرقوا على البلدان شرقاً وغرباً؛ ومنهم أعلام في المشرق والمغرب.
كعب بن مامة الإيادي
يضرب به المثل في الكرم. وفي حديثه أنه سافر مع قوم في حمارة القيظ، فاضطروا لأن قسموا الماء وكانوا يتناوبونه، وكان في القسمة مع كعب عربي من النمر بن قاسط، فكانت كلما جاءت نوبة كعب أشار له النمري أنه هالك بالعطش، وأن قسمة له يروه، فيؤثره بحظه ويقول: "اسق أخاك النمري"، إلى أن هلك كعب بالعطش، فضربت العرب به المثل.
стр. 581
لقيط بن بكر الإيادي
كان من شعراء إياد في الجاهلية وبلغائهم، وهو مذكور في الأغاني. وتلخيص ترجمته أن كسرى جمع جمعاً عظيماً أراد به إيادة إياد، وطردهم عن البلاد، فقام لقيط فيهم خطيباً وقال:
يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيراً ... على نسائكم كسرى وما جمعا
стр. 582
قوموا قياماً على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا قد ينال الأمن من فزعا
وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفاً إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا حل مكروه به خشعا
مازال يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متبعاً طوراً ومتبعا
حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم الرأي لا قحماً ولا ضرعا
فتراخت إياد عن قوله، فهجمت عليها جموع كسرى، وعاثت فيها أشد العيث، وشردت فلهم إلى أطرار الشام.
أبو دودا الايادي
جارية بن الحجاج. قال صاحب الأغاني: هو "شاعر جاهلي قديم، وكان وصافاً للخيل"؛ وهو القائل:
стр. 583
حاولت حين صرمتني ... والمرء يعجز لا المحالة
والدهر يلعب بالفتى ... والدهر أروغ من ثعالة
والعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه المقالة
ابنه دواد
من شعراء الجاهلية أيضاً، وهو القائل في رثاء أبيه:
فبات فينا وأمسى تحت هادية ... لا يستطيع كلاماً بعد إفصاح
لا يدفع الموت إلا أن تفديه ... ولو قدرنا دفعنا الموت بالراح
قس بن ساعدة الايادي
كان قد لزم العبادة في كعبة نجران، فقيل له: قس نجران. وقد لخصت ترجمته من واجب الأدب والكمائم ونثر الدر والبيان للجاحظ: هو أول من اتكأ على عصا، وأول من كتب: من فلان إلى فلان، وأول من قال: أما بعد.
ولما وفد وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه قال: أيكم يعرف قس بن ساعدة؟ قالوا: كلنا يعرفه يا رسول الله؛ قال: لست أنساه بعكاظ على جمل أحمر وهو يقول:
стр. 584
أيها الناس، اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في الأرض لعبرا، وإن في السماء لخبرا، آيات محكمات: مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، ونجوم تمور، وبحر لا يغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، ليل داج، وسماء ذات أبراج.
مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا فأقاموا أم حبسوا فناموا! يا معشر إياد، أين ثمود وعاد؟ أين الظلم الذي لم ينكر؟ أين العرف الذي لم يشكر؟ يقسم بالله قس أن لله ديناً هو خير من دينكم هذا.
ثم أنشد:
في الذاهلين الأولي ... ن من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
стр. 585
فقال رجل: لقد رأيت منه عجباً: انتحيت وادياً فإذا أنا بعين خرارة، وروضة مرهامة، وشجرة عادية، وإذا به قاعد إلى أصل الشجرة وبيده قضيب وقد ورد على العين سباع كثيرة، فكلما ورد سبع وأقام ضربه وقال: تنح حتى يشرب صاحبك! فلما رأيت ذلك ذعرت، فالتفت إلي وقال: لا تخف، فالتفت فإذا بقبرين بينهما مسجد، فقلت: ما هذان القبران؟ قال: هنا قبرا أخوين كانا لي، وكنا نعبد الله في هذا الموضع، فمرا وبقيت، وأنا أعبد الله بينهما حتى ألحق بهما. فقلت له: أفلا تلحق بقومك فتكون في خيرهم! فقال: ثكلتك أمك أما علمت أن ولد إسماعيل تركت دين أبيها، واتبعت الأضداد، وعظمت الأنداد؟ ثم أقبل على القبرين، فقال:
стр. 586
خليلي هبا طالما قد رقدتما ... أجدكما ما تقضيان كراكما
[ألم تعلما أني بسمعان مفرد ... وما لي فيه من حبيب سواكما
أقيم على قبريكما لست بارحاً ... طوال الليالي أو يجيب صداكما
كأنكما والموت أقرب غاية ... بجسمي من قبريكما قد أتاكما
فلو جعلت نفس لنفس وقاية ... لجدت بنفسي أن تكون فداكما]
قال البيهقي: وقبره مشهور بجبل سمعان من جهة حلب. وفي قطب السرور أن قيصر قال له: أي الأشربة أفضل؟ فقال: ما صفا في العين، ولذ في الذوق، وطاب في النفس _ شراب الخمر. قال: فما تقول في مطبوخه؟ قال: "مرعى ولا كالسعدان"! قال: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: ميت أحيي وفيه بعض المنفعة؛ قال: فما تقول في نبيذ العسل؟ قال: نعم شراب الشيخ للأبردة
стр. 587
والمعدة الفاسدة؛ قال: فنبيذ التمر؟ قال: أوساخ تدعو إليها ضرورات تذم في الأبدان؛ قال: فما الذي يذهب الهموم عند الشرب؟ قال: جوهر فيه لا تناله عقول العباد؛ قال: فما أصلح لوقت الشرب؟ قال: الأصيل؛ قال: فمن أي شيء يكون الخمار؟ قال: من ضعف قوة الجوارح عن بث ما يصعد إلى الدماغ من البخار حتى يغشيه الهواء قليلا قليلا؛ قال: فالصرف خير أم الممزوج؟ قال: الصرف سلطان جائر، والممزوج سلطان عادل؛ قال: أتشربه أنت؟ قال: نعم، ولا أبلغ ما يغير عقلي؛ قال: ولم؟ قال: أخبئه لسؤال مثلك!
[أنمار بن نزار]
وأما أنمار بن نزار فإنه أنسل باليمن، فحسب ولده منهم. وقد قيل: إن نسبه في اليمانية، وقد تقدم ذكر ذلك.
стр. 588
من وجدت له من العرب كلاماً فصيحاً ولم نعلم عصره ولا تمييزه
стр. 589
سئل أعرابي عن زوجته وكان حديث عهد بعرس: كيف رأيت أهلك؟ فقال: أفنان أثلة، وجني نحلة، ومس رملة، ورطب نخلة، وكأني كل يوم آئب من غيبة.
وقال آخر في ذم إنسان: أنت والله ممن إذا سأل ألحف وإذا سئل سوف، وإذا حدث خلف، وإذا وعد أخلف؛ تنظر نظرة حسود، وتعرض إعراض حقود.
ووصف أعرابي مرح فرس فقال: كأنه شيطان في أشطان.
وقال أعرابي: خرجت في ليلة حندس قد ألقت أكارعها على الأرض، فعميت صور الأبدان، فما كنا نتعارف إلا بالآذان، فسرنا حتى أخذ الليل ينفض صبغه.
стр. 590
وقال آخر: فصح الألسنة برد السائل، جذم الأكف عن النائل.
وقال أعرابي لقومه وقد ضافوا بعض أصحاب السلطان: يا قوم، لا أغركم من نشاب معهم في جعاب كأنها نيوب الفيلة، وقسي كأنها الحواجب، ينزع أحدهم حتى يتفرق شعر إبطه، ثم يرسل نشابة كأنها رشاء منقطع؛ فما بين أحدكم وبين أن يصدع قلبه منزلة! قال: فطاروا رعباً قبل اللقاء.
وقف أعرابي على قبر عامر بن الطفيل، فقال: كان والله لا يضل حتى يضل النجم، ولا يعطش حتى يعطش البعير، ولا يهاب حتى يهاب السيل. وكان والله خير ما يكون حين لا تظن نفس بنفس شيئاً.
وقيل لأعرابي قد أسن: ما فعل بك الدهر؟ فقال: ضعضع قناتي، وجرأ علي عداتي.
стр. 591
ذكر أعرابي ظلم وال وليهم، فقال: ما ترك لنا فضة إلا فضها، ولا ذهباً إلا أذهبه، ولا غلة إلا غلها، ولا ضيعة إلا ضيعها، ولا عقاراً إلا عقره، ولا علقاً إلا اعتلقه، ولا عرضاً إلا عرض له، ولا ماشية إلا امتشها، ولا جليلا إلا جله، ولا دقيقاً إلا دقه.
وذكروا أن قوماً أضلوا الطريف، فاستأجروا أعرابياً يدلهم عليه، فقال: إني والله ما أخرج معكم حتى أشرط لكم وعليكم. قالوا: هات مالك، قال: يدي مع أيديكم في الحار والقار، ولي موضعي من النار؛ وذكر والدي محرم عليكم. قالوا: هذا لك، فما لنا عليك إن أذنبت؟ قال: إعراضة لا تؤدي إلى عتب، وهجرة لا تمنع من مجامعة السفرة، قالوا: فإن لم تعتب؟ قال: حذفة بالعصا أصابت أم أخطأت!
стр. 592
وقال أعرابي في وصف بليغ: كان لسانه أرق من ورقة، وألين من سرقة.
وسأل أعرابي رجلاً فمنعه، فقال الحمد لله الذي أفقرني من معروفك، ولم يغنك عن شكري.
وقال أعرابي لولده: ابذل لصديقك كل المودة، ولا تبذل له كل الطمأنينة؛ وأعطه من نفسك كل المواساة، ولا تفض إليه بكل الأسرار.
وشتم رجل أعرابياً فلم يجبه، فقيل له في ذلك، فقال: لا أدخل في حرب الغالب فيها شر من المغلوب.
وقال أعرابي: أكثر الناس بالقول مدل، ومن الفعل مقل.
* وقال أعرابي: وهو بعيد لا يفقد بره، وقريب لا يؤمن شره.
وقال آخر: أبين العجز قلة الحيلة، وملازمة الحليلة.
стр. 593
وقال آخر: ألم أكن نهيتك أن تريق ماء وجهك لمن لا ماء في وجهه؟ قال أعرابي: أحسن الأحوال حال يغبطك بها من دونك، ولا يحقرك بها من فوقك.
وصف آخر رجلاً، فقال: إن أتيته احتجب، وإن غبت عنه عتب، وإن عاتبته أبدى الغضب.
وقال أعرابي: لو عاونني الحال ما استبطأتك إلا بالصبر، ولا استزدتك إلا بالشكر.
وقال أعرابي: إن يسير مال أتاني عفواً لم أبذل فيه وجهاً، ولم أبسط إليه كفاً، ولم أغضض له طرفاً، أحب إلي من كثير مال أتاني بالكد واستفراغ الجهد.
وقال أعرابي: لا تصغر أمر من حاربت أو عاديت؛ فانك إن ظفرت لم تحمد، وإن عجزت لم تعذر.
هنأ بعض الأعراب فتى أراد البناء على أهله، فقال: بالبركة، وشدة الحركة، والظفر في المعركة.
стр. 594
وقال أعرابي: هو أفرح من المطل الواجد، والظعان الوارد، والعقيم الوالد.
وقال أعرابي: عليك بالأدب؛ فإنه يرفع المملوك حتى يجلسه في مجالس الملوك.
وقيل لبعض الأعراب: ما بال فلان يتنقصك؟ قال: لأنه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة.
وقال أعرابي: عباد الله، الحذر الحذر، فوالله لقد أسر من كان غفر.
وشكا أعرابي ركود الهواء، فقال ركد حتى كأنه أذن تسمع.
وقال آخر: كل مقدور عليه مختور أو معلول.
стр. 595
وقيل لأعرابي له أمة اسمها زهرة: أيسرك أنك الخليفة، وأن زهرة ماتت؟ قال: لا والله! قيل: ولم؟ قال: تذهب الأمة، وتضيع الأمة.
ومدح أعرابي قوماً، فقال: يقتحمون الحرب كأنما يلقونها بنفوس أعدائهم.
وقال أعرابي: حكم جليس الملوك أن يكون حافظاً للسر، صابراً على السهر.
وقال أعرابي: لا يقوم عن الغضب بذل الاعتذار.
ووصف أعرابي رجلاً، فقال: ذا ممن ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، ولا يستمرأ ظلمه.
وقال آخر: فلان حتف الأقران غداة النزال، وربيع الضيفان عشية النزول.
وقال أعرابي عن شخص: لا أمس ليومه، ولا قديم لقومه.
стр. 596
وقال آخر: فلان أفصح خلق الله كلاماً إذا حدث، وأحسنهم استماعاً إذا حدث، وأسكتهم عن الملاحاة إذا خولف؛ يعطي صديقه الناقلة، ولا يسأله الفريضة؛ له نفس عن العوراء محصورة، وعلى المعالي مقصورة، كالذهب الأبريز الذي يفيد كل أوان، والشمس المنيرة التي لا تخفى بكل مكان؛ وهو النجم المضيء للحيران، والبارد العذب للعطشان.
وقال أعرابي: فلان ليث إذا عدا، وغيث إذا غدا، وبدر إذا بدا، ونجم إذا هدى، وسهم إذا أردى.
وقال آخر: الاغتراب يرد الجدة ويكسب الجدة.
وقيل لأعرابي: كيف ابنك؟ فقال: عذاب رعف به الدهر، فليتني أودعته القبر؛ فإنه بلاء لا يقاومه الصبر، وفائدة لا يجب فيها الشكر.
стр. 597
وقال أعرابي: لا تضع سرك عند من لا سر له عندك.
وقال أعرابي لرجل: ويحك! إن فلاناً وإن ضحك إليك فإن قلبه يضحك منك، ولئن أظهر الشفقة عليك فإن عقاربه لتسري إليك. فإن لم تتخذه عدواً في علانيتك، فلا تتخذه صديقاً في سريرتك.
وحذر أعرابي آخر رجلاً، فقال: احذر فلاناً؛ فإنه كثير المسألة، حسن البحث، لطيف الاستدراج، يحفظ أول عقاربه لتسري إليك. فإن لم تتخذه عدواً في علانيتك، فلا تظهرن له المخافة فيرى أنك قد تحرزت، وباثه مباثة الآمن وتحفظ منه تحفظ الخائف. واعلم أن من يقظة المرء إظهار الغفلة مع الحذر.
ومدح أعرابي نفسه، فقيل له: أتمدح نفسك؟ فقال: إلى من أكلها؟ وقال أعرابي: هلاك الوالي في صاحب يحسن القول، ولا يحسن الفعل.
وقال أعرابي: نبو النظر عنوان الشر.
стр. 598
وقال آخر: الحسود لا يسود.
وقال أعرابي: العبوس بؤس، والبشر بشرى، والحاجة تفتق الحيلة، والحيلة تشحذ الطبيعة.
وقال أعرابي: مجالسة الأحمق خطر، والقيام عنه ظفر.
وقال آخر: العذر الجميل أحسن من المطال الطويل، فإن أردت الإنعام فأنجح، وإن تعذرت الحاجة فأفصح.
وقيل لأعرابي: ما وقوفك ها هنا؟ فقال: وقفت مع أخ لي يقول بلا علم، ويأخذ بلا شكل، ويرد بلا حشمة.
وقال آخر في دعاء: لا رد لسانك عن البيان، ولا أسكتك الزجر والهوان.
وقال أعرابي: حاجتي إليك حاجة الضال إلى المرشد، والمضل إلى المنشد.
стр. 599
وقال آخر: بالفحول تدرك الذحول.
وقال أعرابي: من جاد بماله فقد جاد بنفسه، إلا يكن جاد بها فقد جاد بقوامها.
وذكر رجل عند أعرابي بشدة العبادة، فقال: هذا والله رجل سوء، أيظن أن الله لا يرحمه حتى يعذب نفسه هذا التعذيب! وقال أعرابي في الفخر بتمره: تمرنا جرد فطس عراض كأنها ألسن الطير، تمضغ التمرة في شدقك، فتجد حلاوتها في عقبك.
وقال أعرابي: سألت فلاناً حاجة أقل من قيمته، فردني رداً أقبح من خلقته.
ووصف أعرابي النساء، فقال: عليك منهن بالجاليات العيون، الآخذات بالقلوب، وتوخ بارع الجمال، وعظم الأكفال، وسعة الصدور، ولين السرة، ودقة
стр. 600
الأنامل، وسبوطة [القصب] وجزالة الأسوق، وجثولة الفروع، ونجالة العيون مع الحور، وسهولة الخدود، وامتداد القوام، ورخامة المنطق، وحسن الثغور، وصغر الأفواه، وصفاء الألوان.
ووصف أعرابي امرأة، فقال: هي خالية من ألا وليت.
وقيل لأعرابي: "كيف كتمانك للسر؟ قال: أجحد المخبر، وأحلف للمستخبر.
وقيل لأعرابي: كيف تغلب الناس؟ قال: أبهت بالكذب، واستشهد بالموتى.
وقال أعرابي لأخيه: إن لم يكن مالك لك كنت له، وإن لم تفنه أفناك، فكله قبل أن يأكلك.
следующие страницы →