Полный текст (131 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ومنا مبيد الألف في يوم زجفه ... وما مات منا سيد حتف أنفه
ولا طل يوماً حيث كان قتيل
إذا خاف ضيماً جارنا أو جليسنا ... فمن دونه أموالنا ورؤوسنا
وإن أحجت نار الوقائع شوسنا ... تسيل على حد الظبات نفوسنا
وليست على غير الظبات تسيل
حنى نفعنا الأعداء طوراً وضرنا ... فما كان أحلانا لهم وأمرنا
ومذ خطبوا قدماً صفانا وبرنا ... صفونا ولم نكدر وأخلص سرنا
إناث أطابت حملنا وفحول
لقد وفت العلياء في المجد قسطنا ... وما خالفت في منشإ الأصل شرطنا
فمذ حاولت في ساحة العز هبطنا ... علونا إلى خير الظهور وحطنا
لوقت إلى خير البطون نزول
تقر لنا الأعداء عند انتسابنا ... وتخشى خطوب الدهر فصل خطابنا
لقد بالغت أيدي العلى في انتخابنا ... فنحن كماء المزن ما في نصابنا
كهام ولا فينا يعد بخيل
نغيث بني الدنيا ونحمل هولهم ... كما يومنا في العز يعدل حولهم
نطول أناساً تحسد السحب طولهم ... وننكر إن شئنا على الناس قولهم
ولا ينكرون القول حين نقول
لأشياخنا سعي به الملك أيدوا ... ومن سعينا بيت العلاء مشيد
فما زال منا في الدسوت مؤيد ... إذا سيد منا خلا قام سيد
стр. 72
قوول لما قال الكرام فعول
سبقنا إلى شأو العلى كل سابق ... وعم عطانا كل راج ووامق
فكم قد خبت في المحل نار منافق ... وما أخمدت نار لنا دون طارق
ولا ذمنا في النازلين نزيل
علونا فكان النجم دون علونا ... وسام العداة الخسف فرط سمونا
فماذا يسر الضد في يوم سونا ... وأيامنا مشهورة في عدونا
لها غرر معلومة وحجول
لنا يوم حرب الخارجي وتغلب ... وقائع فلت للظبي كل مضرب
وأحسابنا من بعد فهر ويعرب ... وأسيافنا في كل شرق ومغرب
بها من قراع الدارعين فلول
أبدنا الأعادي حين ساءت فعالها ... فعاد عليها كيدها ونكالها
ببيض جلا ليل العجاج صقالها ... معودة أن لا تسل نصالها
فتغمد حتى يستباح قتيل
هم هونوا قدر الذي لم يهنهم ... وخانوا غداة السلم من لم يخنهم
فإن شئت خبر الحال منا ومنهم ... سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم
فليس سواء عالم وجهول
لئن ثلم الأعداء عرضي بلومهم ... فكم حلموا بي في الكرى عند نومهم
فإن أصبحوا قطباً لأبناء قومهم ... فإن بني الريان قطب لقومهم
تدور رحاهم حولهم وتجول
стр. 73
للمتنبي
إذا شد زندي حسن رأيك فيهم ... ضربت بسيف يقطع الهام مغمدا
وما أنا إلا سمهري حملته ... فزين معروضاً وراع مسددا
وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمرا ... وغنى به من لا يغني مغردا
أجزني إذا أنشدت شعراً فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا
ودع كل صوت غير صوتي فإنني ... أنا الطائر المحكي والآخر الصدى
وله
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا ... بأنني خير من تسعى به قدم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم
لأبي العلاء المعري
ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل ... عفاف وإقدام وحزم ونائل
أعندي وقد مارست كل خفية ... يصدق واش أو يخيب سائل
تعد ذنوبي عند قوم كثيرة ... ولا ذنب لي إلا العلى والفضائل
كأني إذا طلت الزمان وأهله ... رجعت وعندي للأنام طوائل
وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم ... بإخفاء شمس ضوءها متكامل
يهم الليالي بعض ما أنا مضمر ... ويثقل رضوى دون ما أنا حامل
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
стр. 74
وأغدو ولو أن الصباح صوارم ... وأسري ولو أن الظلام جحافل
وإني جواد لم يحل لجامه ... ونصل يمان أغفلته الصياقل
فإن كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمده والحمائل
ولي منطق لم يرض لي كنه منزلي ... على أنني بين السماكين نازل
لدى موطن يشتاقه كل سيد ... ويقصر عن إدراكه المتناول
ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً ... تجاهلت حتى ظن أني جاهل
فواعجباكم يدعي الفضل ناقص ... وواأسفاكم كم يظهر النقص فاضل
وكيف تنام الطير في وكناتها ... وقد نصبت للفرقدين الحبائل
ينافس يومي في أمسي تشرفاً ... وتحسد أسحاري علي الأصائل
وطال اعترافي بالزمان وصرفه ... فلست أبالي من تغول الغوائل
فلو بان عنقي ما تأسف منكبي ... ولو مات زندي ما بكته الأنامل
إذا وصف الطائي بالبخل مادر ... وعير قساً بالفهاهة باقل
وقال السهى للشمس أنت ضئيلة ... وقال الدجى للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة ... وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن سبقك هازل
لجعفر بن شمس الخلافة
أنا الذهب الإبريز ما لي آفة ... سوى نقص تمييز المعاند في نقدي
ورب جهول عابني بمحاسني ... ويقبح ضوء الشمس في الأعين الرمد
стр. 75
لابن سناء الملك
سواي يهاب الموت أو يرهب الردى ... وغيري يهوى أن يعيش مخلدا
ولكنني لا أرهب الدهر إن سطا ... ولا أحذر الموت الزؤام إذا عدا
ولو مد نحوي حادث الدهر كفه ... لحدثت نفسي أن أمد له يدا
توقد عزمي يترك الماء جمرة ... وحيلة حلمي تترك السيف مبردا
وفرط احتقاري للأنام لأنني ... أرى كل عار من حلى سؤددي سدى
ويأبى إبائي أن يراني قاعداً ... وإني أرى كل البرية مقعدا
وأظمأ إن أبدى لي الماء منه ... ولو كان لي نهر المجرة موردا
ولو كان إدراك الهدى بتذلل ... رأيت الهدى أن لا أميل إلى الهدى
وقدماً بغيري أصبح الدهر أشيبا ... وبي وبفضلي أصبح الدهر أمردا
وإنك عبدي يا زمان وإنني ... على الرغم مني أن أرى لك سيدا
وما أنا راض أنني واطئ الثري ... ولي همة لا ترتضي الأفق مقعدا
ولو علمت زهر النجوم مكانتي ... لخرت جميعاً نحو وجهي سجدا
أرى الخلق دوني إذا أراني فوقهم ... ذكاء وعلماً واعتلاء وسؤددا
وبذل نوالي زاد حتى لقد غدا ... من الغيظ منه ساكن البحر مزبدا
ولي قلم في أنملي إن هززته ... فما ضرني أن لا أهز المهندا
إذا صال فوق الطرس وقع صريره ... فإن صليل المشرفي له صدى
لأبي الطحان القيني
وإني من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيد قام صاحبه
стр. 76
نجوم سماء كلما غاب كوكب ... بدا كوكب تأتي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
وما زال منهم حيث كانوا مسود ... تسير المنايا حيث سارت كتائبه
لأبي فراس الحمداني
إنا إذا اشتد الزما ... ن وناب خطب وادلهم
ألفيت حول بيوتنا ... عدد الشجاعة والكرم
للقا العدى بيض السيو ... ف وللندى حمر النعم
هذا وهذا دأبنا ... يودى دم ويراق دم
لحسان بن ثابت الأنصاري
ولقد تقلدنا العشيرة أمرها ... ونسود يوم النائبات ونعتلي
وتزور أبواب الملوك ركابنا ... ومتى نحكم في البرية تعدل
ونحاول الأمر المهم خطابه ... فيهم ونفصل كل أمر معضل
لأبي الجراح البكري
إنا لنبني على ما شيدته لنا ... آباؤنا الغر من مجد ومن كرم
لا يرفع الضيف عيناً في منازلنا ... إلا إلى ضاحك منا ومبتسم
إني إذا كان قومي في الورى علماً ... فإنني علم في ذلك العلم
لغيره
ونحن أناس يعرف الناس فضلنا ... بألسننا زينت صدور المحافل
تنير وجوه الحق عند جوابنا ... إذا أظلمت يوماً وجوه المسائل
صمتنا فلم نترك مقالاً لصامت ... وقلنا فلم نترك مقالاً لقائل
стр. 77
الباب السادس
في العتاب
للمتنبي يخاطب سيف الدولة
وا حر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم
ما لي أكتم حباً قد برى جسدي ... وتدعي حب سيف الدولة الأمم
إن كان يجمعنا حب لغرته ... فليت أنا بقدر الحب نقتسم
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ... أنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم
стр. 78
أرى النوى تقتضيني كل مرحلة ... لا تستقل بها الوخادة الرسم
لئن تركن ضميراً عن ميامنها ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلون هم
وله يعاتبه أيضاً
أرى ذلك القرب صار ازورارا ... وصار طويل السلام اختصارا
تركتني اليوم في خجلة ... أموت مراراً وأحيا مرارا
أسارقك اللحظ مستحيياً ... وأزجر في الخيل مهري سرارا
وأعلم أني إذا ما اعتذرت ... إليك أراد اعتذاري اعتذارا
وله
أبعين مفتقر إليه نظرتني ... فأهنتني وقذفتني من حالق
لست الملوم أنا الملوم لأنني ... أنزلت آمالي بغير الخالق
لمنصور الفقيه
سررت بهجرك لما علمت ... أن لقلبك فيه سرورا
ولولا سرورك ما سرني ... ولا كنت يوماً عليه صبورا
لأني أرى كل ما ساءني ... إذا كان يرضيك سهلاً يسيرا
لابن زيدون
بني جهور أحرقتم بجفائكم ... جناني فما بال المدائح تعبق
تعدونني كالعنبر الورد إنما ... تطيب لكم أنفاسه حين يحرق
لابن الضحاك البصري
إذا خنتم بالغيب عهدي فما لكم ... تدلون إدلال المقيم على العهد
стр. 79
صلوا وافعلوا فعل المدل بوصله ... وإلا فصدوا وافعلوا فعل ذي صد
للعباس بن الأحنف
إذا أنت لم يعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون بشامع
فأقسم ما تركي عتابك عن قلى ... ولكن لعلمي أنه غير نافع
وأني إذا لم ألزم الصبر طائعاً ... فلا بد منه مكرهاً غير طائع
لأبي فراس يخاطب سيف الدولة
قد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
فرميت منك بغير ما أملته ... والمرء يشرق بالزلال البارد
لبعضهم
عرضنا أنفساً عزت علينا ... عليكم فاستخف بها الهوان
ولو أنا منعناها لعزت ... ولكن كل معروض مهان
لناصح الدين الأرجاني
ومن الدليل على ملالك أنني ... قد غبت أياماً وما لي طالب
وإذا رأيت العيد يهرب ثم لم ... يطلب فمولى العبد منه هارب
للشيخ صلاح الدين الصفدي كتب بها إلى الشيخ جمال الدين بن نباتة
وهي من الإبداع
أفي كل يوم منك عتب يسوءني ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
وترمي على طول المدى منحنياً ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
فأمسي بليل طال جنح ظلامه ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
وأغدو كأن القلب من وفدة الجوى ... إذا جاش فيه حمية غلي مرجل
стр. 80
تطير شظاياه بصدري كأنها ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل
وسالت دموعي من همومي ولوعتي ... على النحر حتى بل دمعي محمل
إذا عاين الإخوان ما بي من الأسى ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل
ترفق ولا تجزع على فائت الوفا ... فما عند رسم دارس من معول
ولي فيك ود طال ما قد شددته ... بأمراس كتان إلى صم جندل
ولي خطرات فيك منها جوانحي ... صبحن سلافاً من رحيق مفلفل
كأن أمانيها كؤوس مدامة ... غذاها نمير الماء غير محلل
سلوت غوايات الشبيبة والصبى ... وليس فؤادي عن هواها بمنسل
وأجلو محيا الود فيك لأهله ... متى ما ترق العين فيه تسهل
فكر على جيش الجناية عائداً ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
تجد خفرات الأنس منها كواعباً ... ترائبها مصقولة كالسجنجل
وخل الجفا وارجع إلى معهد الوفا ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجمل
حلا ودك الماضي وإن لم تعد أعد ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل
وجواب الشيخ جمال الدين منه أيضاً
فطمت ولائي ثم أقبلت عاتباً ... أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل
بروحي ألفاظ تعرض عتبها ... تعرض أثناء الوشاح المفصل
فأحيين وداً كان الرسم عافياً ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
تعفي رياح العذر منك رقومه ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
نعم قوضت منك المودة وانقضت ... فيا عجبا من رحلها المتحمل
стр. 81
أمولاي لا تسلك من الظلم والجفا ... بنا بطن خبث ذي قفاف عقنقل
ولا تنس مني صحبة تصدع الدجى ... بصبح وما الإصباح منها بأمثل
صحبتك لا ألوي على صاحب عطا ... بجيد معم في العشيرة مخول
وحاولت من إدناء ودك ما نأى ... فأنزلت منه العصم من كل منزل
يقلب لي وجدي به سوط سائق ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
وكم خدمة عجلتها ومحبة ... تمتعت من لهو بها غير معجل
وكم أسطر مني ومنك كأنها ... عذارى دوار في ملاء مذبل
وكم ناصح كذبت دعواه إذ غدت ... علي وآلت حلفة لم تحلل
إلى أن تبدى عذره متمطياً ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
فلاطفته في حالتيه ولم أقل ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
وضن بأسطار كأن يراعها ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
ويقرع سمعي من معاريض لفظه ... مداك عروس أو صلاية حنظل
وعدنا لود يملأ القلب عوده ... بشحم كهداب الدمقس المفتل
أعدت صلاح الدين عهد مودة ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل
فدونك عتبي اللفظ ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل
وعادات حب هن أشهر فيك من ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
للمتنبي
يا من نعيت على بعد بمجلسه ... كل بما زعم الناعون مرتهن
كم قد قتلت وكم قدمت عندكم ... ثم انتفضت فزال القبر والكفن
стр. 82
قد كان شاهد دفني قبل قولهم ... جماعة ثم ماتوا قبل من دفنوا
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
رأيتكم لا يصون العرض جاركم ... ولا يدر على مرعاكم اللبن
جزاء كل قريب منكم ملل ... وحظ كل محب منكم ضغن
وتغضبون على من نال رفدكم ... حتى يعاقبه التنغيص والمنن
فغادر الهجر ما بيني وبينكم ... يهماء تكذب فيها العين والأذن
سهرت بعد رحيلي وحشة لكم ... ثم استمر مريري وارعوى الوسن
وإن بليت بود مثل ودكم ... فإنني بفراق مثله قمن
وله يريد سيف الدولة بعد ما فارقه
فارقتكم فإذا ما كان عندكم ... قبل الفراق أذى بعد الفراق يد
إذا تذكرت ما بيني وبينكم ... أعان قلبي على الشوق الذي أجد
لابن الخياط
رأيتك لما شمت برقك خلبا ... وما أربي في عارض ليس يمطر
فأخطأني منك الذي كنت أرتجي ... وأدركني منك الذي كنت أحذر
لغيره
دعوت الله أن تسمو وتعلو ... علو النجم في أفق السماء
فلما أن سموت بعدت عني ... فكان إذاً على نفسي دعائي
стр. 83
الباب السابع
في الزهر
للشيخ ناصيف اليازجي
هذه عروس الزهر نقطها الندى ... بالدر فابتسمت ونادت معبدا
لما تفتق سترها عن رأسها ... عبث الحياء بخدها فتوردا
فتح البنفسج مقلة مكحولة ... غمز الهزار بها فقام وغردا
وتبرجت ورق الحمام بطوقها ... لما رأين التاج يعلو الهدهدا
بلغ الأزاهر أن ورد جنانها ... ملك الزهور فقابلته سجدا
فرنا الشقيق بأعين محمرة ... غضباً وأبدى منه قلباً أسودا
بسط الغدير الماء حتى مسه ... برد النسائم قارصاً فتجعدا
ورأى النبات على جوانب أرضه ... مهداً رطيباً ليناً فتوسدا
يا صاحبي تعجبا لملابس ... قد حاكها من لم يمد لها يدا
كل الثياب يحول لمن صباغها ... وصباغ هذه حين طال تجددا
وله
مر النسيم على الرياض مسلماً ... سحراً فرد هزارها مترنما
وحنى إليه الزهر مفرق رأسه ... أدباً ولو ملك الكلام تكلما
стр. 84
يا حبذا ماء الغدير وشمسه ... تعطيه ديناراً فيقلب درهما
محت الرياح به كتابة بعضها ... فتخاصمت من فوقه فتهشما
لابن النبيه
أنظر إلى الأغصان كيف تعانقت ... وتفارقت بعد التعانق رجعا
كالصب حاول قبلة من إلفه ... ورأى المراقب فانثنى مسترجعا
وله
وروضة وجنات الورد قد خجلت ... فيها ضحى وعيون النرجس انفتحت
تشاجر الطير في أفنانها سحراً ... ومالت القضب للتعنيق واصطلحت
والقطر قد رش ثوب الدوح حين رأى ... مجامر الزهر في أذياله نفحت
لمجير الدين بن تميم
كيف السبيل لأن أقبل خد من ... أهوى وقد نامت عيون الحرس
وأصابع المنثور تومئ نحونا ... حسداً وتغمزها عيون النرجس
وله
مذ قيل للأغصان إن الورد قد ... وافى إلى الأزهار وهو أمير
بسمت ثغور الأقحوان مسرة ... لقدومه وتلون المنثور
وله
سبقت إليك من الحدائق وردة ... وأتتك قبل أوانها تطفيلا
طمعت بلثمك إذ رأتك فجمعت ... فمها إليك كطالب تقبيلا
لصفي الدين الحلي
ورد الربيع فمرحباً بوروده ... وبنور بهجته ونور وروده
стр. 85
وبحسن منظره وطيب نسيمه ... وأنيق ملبسه ووشي بروده
فصل إذا افتخر الزمان فإنه ... إنسان مقلته وبيت قصيده
يغني المزاج عن العلاج نسيمه ... باللطف عند هبوبه وركوده
يا حبذا أزهاره وثماره ... ونبات ناجمه وحب حصيده
وتجاوب الأطيار في أشجاره ... كنبات معبد في مواجب عوده
والغصن قد كسي الغلائل بعد ما ... أخذت يدا كانون في تجريده
نال الصبا بعد المشيب وقد جرى ... ماء الشبيبة في منابت عوده
والورد في أعلى الغصون كأنه ... ملك تحف به سراة جنوده
وكأنما القداح سمط لآلئ ... هو للقضيب قلادة في جيده
والياسمين كعاشق قد شفه ... جور الحبيب بهجره وصدوده
وانظر لنرجسه الجني كأنه ... طرف تنبه بعد طول هجوده
واعجب لآذريونه وبهاره ... كالتبر يزهو باختلاف نقوده
وانظر إلى المنظوم من منثوره ... متنوعاً بفص
وله وعقوده
أو ما ترى الغيم الرقيق وما بدا ... للعين من أشكاله وطروده
والسحب تعقد في السماء مآتماً ... والأرض في عرس الزمان وعيده
ندبت فشق لها الشقيق جيوبه ... وازرق سوسنها للطم خدوده
والماء في تيار دجلة مطلق ... والجسر في أصفاده وقيوده
والغيم يحكي الماء في جريانه ... والماء يحكي الغيم في تجعيده
فابكر إلى روض الصراة وظلها ... فالعيش بين بسيطه ومديده
стр. 86
وله
زنبق بين قضب آس وبان ... وأقاح ونرجس وورود
كجبين وعارض وقوام ... وثغور وأعين وخدود
لعلي بن سعيد الأندلسي
كأنما النهر صفحة كتبت ... أسطرها والنسيم منشئها
لما أبانت عن حسن منظرها ... مالت إليه الغصون تقرأها
لآخر
وتحدث الماء الزلال مع الحصى ... فجرى النسيم عليه يسمع ما جرى
فكأن فوق الماء وشياً ظاهراً ... وكأن تحت الماء دراً مضمرا
لغيره
مذ لاحظ المنثور طرف النرجس ال ... مزور قال وقوله لا يدفع
فتح عيونك في سوادي إنني ... عندي قبالة كل عين إصبع
لبعضهم
سألت الغصن لم تعرى شتاء ... وتبدو في المصيف وأنت كاسي
فقال لي الربيع على قدوم ... خلعت على البشير به لباسي
لمحي الدين بن قرناص
ورب نهر له عيون ... تحار في حسنه العيون
لما غدا الريق منه عذباً ... مالت إلى رشفه الغصون
وله
سقيا له روضاً قدود غصونه ... تختال في الأبراد من أوراقها
стр. 87
جنت به ورق الحمام صبابة ... أو ما ترى الأغلال في أعناقها
لابن المعتز
قضيب من الريحان شابه لونه ... إذا ما بدا للعين لون الزمرد
وشبهته لما تأملت حسنه ... عذاراً تدلى في عوارض أمرد
لعلي بن رستم المعروف بابن الساعاتي
والطل في سلك الغصون كلؤلؤ ... رطب يصافحه النسيم فيسقط
والطير تقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمام ينقط
لفتح الله بن النحاس
جادت عليك يد الربيع بزنبق ... يدعو الندامى لارتشاف عقار
أو ما تراه كأكؤس من فضة ... قد موهت أطرافها بنضار
لآخر
ووردة جمعت لونين قد حكيا ... خدي حبيب وخدي هائم عشقا
تعانقا فبدا واش فراعهما ... فاحمر ذا خجلاً واصفر ذا فرقا
للأمير أبي الفضل الميكالي
سل الربيع على الشتاء صوارماً ... تركته مجروحاً بلا أغماد
وبكت له عين السماء بأدمع ... ضحكت لساجمها ربى الأنجاد
وبدت شقائقها خلال رياضها ... تزهو بثوبي حمرة وسواد
فكأنها بنت الشتاء توجعت ... لمصابها كشقيقة الأولاد
فقنوء حمرتها خضاب نجيعه ... وسواد كسوتها لباس حداد
стр. 88
وله
تصوغ لنا كف الربيع حدائقاً ... كعقد عقيق بين سمط لآلي
وفيهن أنوار الشقائق قد حكت ... خدود عذارى نقطت بغوال
للبحتري
حيتك عنا شمال طاف طائفها ... بجنة فجرت راحاً وريحانا
هبت سحيراً فناجى الغصن صاحبه ... سراً بها وتداعى الطير إعلانا
ورق تغني على خضر مهدلة ... تسمو بها وتمس الأرض أحيانا
تخال طائرها نسوان من طرب ... والغصن من هزه عطفيه نشوانا
لأبي فراس الحمداني
ويوم جلا فيه الربيع رياضه ... بأنواع حلي فوق أثوابه الخضر
كأن ذيول الجلنار مطلة ... فضول ذيول الغانيات من الأزر
لابن سهل
جاء الربيع ببيضه وبسوده ... صنفان من ساداته وعبيده
جيش ذوابله الغصون وفوقها ... أوراقها منشورة كبنوده
стр. 89
الباب الثامن
في الخمر
للفارض
شربنا على ذكر الحبيب مدامة ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
لها البدر كأس وهي شمس يديرها ... هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
فلولا شذاها ما اهتديت لحانها ... ولولا سناها ما تصورها الوهم
ولم يبق منها الدهر غير حشاشة ... كأن خفاها في صدور النهى كتم
فإن ذكرت في الحي أصبح أهله ... نشاوى ولا عار عليهم ولا إثم
ومن بين أحشاء الدنان تصاعدت ... ولم منها في الحقيقة إلا اسم
وإن خطرت يوماً على خاطر امرئ ... أقامت به الأفراح وارتحل الهم
ولو نظر الندمان ختم إنائها ... لأسكرهم من دونها ذلك الختم
ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت ... لعادت إليه الروح وانتعش الجسم
ولو طرحوا في فيء حائط كرمها ... عليلاً وقد أشفى لفارقه السقم
ولو قربوا من حانها مقعداً مشى ... وتنطق من ذكرى مذاقتها البكم
ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها ... وفي الغرب مركزم لعادله الشم
ولو خضبت من كأسها كف لامس ... لما ضل في ليل وفي يده النجم
стр. 90
يهذب أخلاق الندامى فيهتدي ... بها لطريق العزم من لا له عزم
يقولون لي صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هواً ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
محاسن تهدي المادحين لوصفها ... فيحسن فيها منهم النثر والنظم
على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له فيها نصيب ولا سهم
لعبد الصمد بن بابك
يا صاحبي امزجا كأس المدام لنا ... كيما يضيء لنا من نورها الغسق
خمر إذا ما نديمي بات يشربها ... أخشى عليه من اللألاء يحترق
لو رام يحلف أن الشمس ما غربت ... في فيه كذبه في وجهه الشفق
وله
عقار عليها من دم الصب نقطة ... ومن عبرات المستهام فواقع
معودة غصب النفوس كأنما ... لها عند الباب الرجال ودائع
تحير دمع المزن في كأسها كما ... تحير في ورد الخدود المدامع
لديك الجن
فقام تكاد الكأس تحرق كفه ... فتحسبه من وجنتيه استعارها
مشعشعة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها
لابن القليوبي
وصافية بات الغلام يديرها ... على الشرب في جنح من الليل أدعج
كأن حباب الماء في وجناتها ... فرائد در في عقيق مضرج
للزاهي البغدادي
стр. 91
ومدامة لضيائها في كأسها ... نور على فلك الأنامل بازغ
رقت فغابت في الزجاج للطفها ... فكأنما الإبريق منها فارغ
لعلي بن عطية
وخضبت كف ساقيها مشعشعة ... كأنها بالذي في ضمنها نضحت
كفاه قد أشربت من ماء وجنتيه ... ووجنتاه بما في كفه رشحت
لأبي نواس
وندمان سقيت الراح صرفاً ... وستر الليل منسدل السجوف
صفت وصفت زجاجتها عليها ... كمعنى دق في ذهن لطيف
وله
معتقة صاغ المزاج لرأسها ... أكاليل در ما لناظمها سلك
جرت حركات الدهر فوق سكونها ... فذابت كذوب التبر أخلصه السبك
وقد خفيت من لطفها فكأنها ... بقايا يقين كاد يذهبه الشك
وله
مدام تبدت من مقام مشرف ... تلوح لنا أنوارها ثم تختفي
ولما شربناها ودب دبيبها ... إلى موضع الأسرار قلت لها قفي
مخافة أن يسطو علي شعاعها ... فيطلع جلاسي على سري الخفي
لابن ناجية الدمشقي
وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... أتت بين ثوبي نرجس وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفاً فسلطوا ... عليها مزاجاً فاكتست لون عاشق
لصفي الدين الحلي
стр. 92
بدت لنا الراح في تاج من الحبب ... فمزقت حلة الظلماء باللهب
بكر إذا زوجت بالماء أولدها ... أطفال در على مهد من الذهب
بقية من بقايا قوم نوح إذا ... لاحت جلت ظلمة الأحزان والكرب
بعيدة العهد بالمعصار لو نطقت ... لحدثتنا بما في سالف الحقب
بذلت عقلي صداقاً حين بت بها ... أزوج ابن سحاب بابنة العنب
وله
خذ فرصة اللذات قبل فواتها ... وإذا دعتك إلى المدام فواتها
وإذا ذكرت التائبين عن الطلا ... لا تنس حسرتهم على أوقاتها
يرنون بالألحاظ شزراً كلما ... صبغت أشعتها أكف سقاتها
كأس كساها النور لما أن بدا ... مصباح جرم الراح في مشكاتها
صفها إذا جليت بأحسن وصفها ... كي نشرك الأسماع في لذاتها
لولا التذاذ السامعين بذكرها ... لغنيت عن أسمائها بسماتها
راح حكت ثغر الحبيب وخده ... بحبابها وصفائها وصفاتها
فكأنما في الكأس قابل صفوها ... ثغر الحبيب فلاح في مرآتها
لآخر
وصفراء من ماء الكروم كأنها ... لقاء عدو أو فراق صديق
كأن الحباب المستدير برأسها ... كواكب در في سماء عقيق
للكاتب أبي الفضل
كأنما الراح والراحات تحملها ... بدور تم وأيدي الشرب هالات
حشاشة ما تركنا الماء يقتلها ... إلا لتحيا بها منا حشاشات
стр. 93
الباب التاسع
في الرثاء
للمتنبي يرثي أبا شجاع فاتكاً
ألحزن يقلق والتجمل يردع ... والدمع بينهما عصي طيع
يتنازعان دموع عين مسهد ... هذا يجيء بها وهذا يرجع
ألنوم بعد أبي شجاع نافر ... والليل معي والكواكب ظلع
إني لأجبن من فراق أحبتي ... وتحس نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلم بي عتب الصديق فاجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى منها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع
تتخلف الآثار عن أصحابها ... حيناً ويدركها الفناء فتتبع
لم يرض قلب أبي شجاع مبلغ ... قبل الممات ولم يسعه موضع
كنا نظن دياره مملوءة ... ذهباً فمات وكل دار بلقع
وإذا المكارم والصوارم والقنا ... وبنات أعوج كل شيء يجمع
стр. 94
ألمجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الهمام الأروع
والناس أنزل في زمانك منزلاً ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع
برد حشاي إن استطعت بلفظة ... فلقد تضر إذا تشاء وتنفع
ما كان قبلك إلى خليل قبلها ... ما يستراب به ولا ما يوجع
ولقد أراك وما تلم ملمة ... إلا نفاها عنك قلب أصمع
ويد كأن نوالها وقتالها ... فرض يحق عليك وهو تبرع
يا من يبدل كل يوم حلة ... أنى رضيت بحلة لا تنزع
ما زلت تخلعها على من شاءها ... حتى لبست اليوم ما لا تخلع
ما زلت تدفع كل أمر فادح ... حتى أتى الأمر الذي لا يدفع
فظللت تنظر لا رماحك شرع ... فيما عراك ولا سيوفك قطع
بأبي الوحيد وجيشه متكاثر ... يبكي ومن شر السلاح الأدمع
وإذا حصلت من السلاح على البكا ... فحشاك رعت به وخدك تقرع
وصلت إليك يد سواء عندها ال ... بازي الأشيهب والغراب الأبقع
من للمحافل والجحافل والسرى ... فقدت بفقدك نيراً لا يطلع
ومن اتخذت على الضيوف خليفة ... ضاعوا ومثلك لا يكاد يضيع
فاليوم قر لكل وحش نافر ... دمه وكان كأنه يتطلع
وتصالحت ثمر السياط وخيله ... وأوت إليها سوقها والأذرع
وعفا الطراد فلا سنان راعف ... فوق القناة ولا حسام يلمع
ولى وكل مخالم ومنادم ... بعد اللزوم مشيع ومودع
стр. 95
من كان فيه لكل قوم ملجأ ... ولسيفه في كل قوم مرتع
إن حل في روم ففيها قيصر ... أو حل في عرب ففيها تبع
أو حل في فرس ففيها ربها ... كسرى تذل له الرقاب وتخضع
قد كان أسرع فارس في طعنة ... فرساً ولكن المنية أسرع
لا قلبت أيدي الفوارس بعده ... رمحاً ولا حملت جواراً أربع
لمروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة
مضى لسبيله معن وأبقى ... مكارم لن تبيد ولن تنالا
كأن الشمس يوم أصيب معن ... من الإظلام ملبسة ظلال
هو الجبل الذي كانت مزار ... تهد من العدو به الجبالا
وعطلت الثغور لفقد معن ... وقد يروي بها الأسل النهالا
وأظلمت العراق وأورثتها ... مصيبته المجللة اعتلالا
وظل الشأم يرجف جانباه ... لركن العز حين وهى فمالا
وكادت من تهامة كل أرض ... ومن نجد تزول غداة زالا
فإن يعل البلاد له خشوع ... فقد كانت تطول به اختيالا
أصاب الموت يوم أصاب معناً ... من الأحياء أكرمهم فعالا
وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيالا
ولم يك طالب للعرف ينوي ... إلى غير ابن زائدة ارتحالا
مضى من كان يحمل كل عبء ... ويسبق فضل نائله السؤالا
وما عمد الوفود لمثل معن ... ولا حطوا بساحته الرحالا
стр. 96
ولا بلغت أكف ذوي العطايا ... يميناً من يديه ولا شمالا
وما كانت تجف له حياض ... من المعروف مترعة سجالا
مضى لسبيله من كنت ترجو ... به عثرات دهرك أن تقالا
فلست بمالك عبرات عين ... أبت بدموعها إلا انهمالا
كأن الليل واصل بعد معن ... ليالي قد قرن به فطالا
وقلنا أين نرحل بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا
سيذكرك الخليفة غير قال ... إذا هو في الأمور بلا الرجالا
ولا ننسى وقائعك اللواتي ... على أعدائه جعلت وبالا
حباك أخو أمية بالمراثي ... مع المدح الذي قد كان قالا
وألقى رحله أسفاًن وآلى ... يميناً لا يشد له حبالا
لأبي تمام في محمد وقحطبة وأبي نصر بني حميد الطوسي
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
توفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السفر
وما كان إلا مال من قل ماله ... وذخراً لمن أمسى وليس له ذخر
وكان يدري مجتدي جود كفه ... إذا ما استهلت أنه خلق العسر
ألا في سبيل الله من عطلت له ... فجاج سبيل الله وانثغر الثغر
فتى كلما فاضت عيون قبيلة ... دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر
فتى دهره شطران فيما ينوبه ... ففي بأسه شطر وفي جوده شطر
فتى مات بين الطعن والضرب موتة ... تقوم مقام النصر إن فاته النصر
стр. 97
وما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الضرب واعتلت عليه القنا السمر
وقد كان فوت الموت سهلاً فرده ... إليه الحفاظ المر والخلق الوعر
ونفس تعاف العار حتى كأنما ... هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر
فأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر
غدا غدوة والحمد نسج ردائه ... فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر
تردى ثياب الموت حمراً فما دجا ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
يعزون عن تاو تعزى به العلى ... ويبكي عليه البأس والجود والشعر
وأنى لهم صبر عليه وقد مضى ... إلى الموت حتى استشهدا هو والصبر
فتى كان عذب الروح لا من غضاضة ... ولكن كبراً أن يقال به كبر
فتى سلبته الخيل وهو حمى لها ... وبزته نار الحرب وهو لها جمر
وقد كانت البيض الماثير في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بتر
أمن بعد طي الحادثات محمداً ... يكون لأثواب الندى أبداً نشر
إذا شجرات العرف جذت أصولها ... ففي أي فرع يوجد الورق النضر
لئن أبغض الدهر الخؤون لفقده ... لعهدي به ممن يحب له الدهر
لئن غدرت في الروع أيامه به ... فما زالت الأيام شيمتها الغدر
لئن ألبست فيه المصيبة طيئ ... فما عريت منها تميم ولا بكر
سقى الغيث غيثاً وارت الأرض شخصه ... وإن لم يكن فيه سحاب ولا قطر
وكيف احتمالي للغيوث صنيعة ... بإسقائها قبراً وفي لحده البحر
стр. 98
مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
عليك سلام الله وقفاً فإنني ... رأيت الكريم الحر ليس له عمر
لأبي الحسن الأنباري يرثي أبا طاهر محمد بن بقية وزير عز الدولة ابن بويه وكانت قد وقعت حرب بين عز الدولة وابن عمه عضد الدولة ظفر فيها عضد الدولة فقبض على الوزير وقتله بين أرجل الفيلة ثم صلبه في خبر ليس هذا موضعه. وهي من القصائد الطنانة بلغت من الشهرة والاستحسان أعظم مبلغ حتى يروى أن عضد الدولة لما وقف عليها قال لقد تمنيت أن أكون أنا المصلوب وتكون هذه القصيدة في. وهي قوله
علو في الحياة وفي الممات ... لحق تلك إحدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيام الصلات
كأنك قائم فيهم خطيباً ... وكلهم قيام للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاء ... كمدهما إليهم بالهبات
ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضم علاك من بعد الوفاة
أصاروا الجو قبرك واستعاضوا ... عن الأكفان ثوب الساقيات
لعظمك في النفوس بقيت ترعى ... بحراس وحفاظ ثقات
وتوقد حولك النيران ليلاً ... كذلك كنت أيام الحياة
ركبت مطية من قبل زيد ... علاها في السنين الماضيات
وتلك قضية فيها تأس ... تباعد عنك تعيير العداة
ولم أر قبل جذعك قط جذعاً ... تمكن من عناق المكرمات
стр. 99
أسأت إلى النوائب فاستثارت ... فأنت قتيل ثأر النائبات
وكنت تجير من صرف الليالي ... فصار مطالباً لك بالترات
وصير دهرك الإحسان فيه ... إلينا من عظيم السيئات
وكنت لمعشر سعداً فلما ... مضيت تفرقوا بالمنحسات
غليل باطن لك في فؤادي ... يخفف بالدموع الجاريات
ولو أني قدرت على قيام ... بفرضك والحقوق الواجبات
ملأت الأرض من مظم القوافي ... ونحت بها خلاف النائحات
ولكني أصبر عنك نفسي ... مخافة أن أعد من الجناة
وما لك تربة فأقول تسقى ... لأنك نصب هطل الهاطلات
عليك تحية الرحمن تترى ... برحمات غواد رائحات
للقاضي حمزة بن أبي حصين في مخلص الدولة الكناني
ألا كل حي مقصدات مقاتله ... وآجل ما يخشى من الدهر عاجله
وهل يفرح الناجي السليم وهذه ... حبول الردى قدامه وحبائله
لعمر الفتى إن السلامة سلم ... إلى الحين والمغرور بالعيش آمله
فيسلب أثواب الحياة معارها ... ويقضي غريم الدين من هو ماطله
مضى قيصر لم تغن عنه قصوره ... وجدل كسرى ما حمته مجادله
وما صد هلكاً عن سليمان ملكه ... ولا منعت منه أباه سرابله
ولم يبق إلا من يروح ويغتدي ... على سفر ينأى عن الأهل قافله
وما نفس الإنسان إلا خزامة ... بأيدي المنايا والليالي مراحله
стр. 100
فهل غال بدءاً مخلص الدولة الردى ... وهل تنزوي عمن سواه غوائله
ولكنه حوض الحمام ففارط ... إليه وتال مسرعات رواحله
لقد دفن الأقوام أروع لم تكن ... بمدفونة طول الزمان فضائله
سقى جدثاً هالت عليه ترابه ... أكفهم طل الغمام ووابله
ففيه سحاب يرفع الميل هدبه ... وبحر ندى يستغرق البر ساحله
كأن ابن نصر سائراً في سريره ... حبي من الوسمي أقشع هاطله
تمر على الوادي فتثني رماله ... عليه وبالنادي فتبكي أرامله
سرى نعشه فوق الرقاب وطالما ... سرى وجوده فوق الركاب ونائله
أناعيه إن النفوس منوطة ... بقولك فانظر ما الذي أنت قائله
بفيك الثرى لم تدر من حل بالثرى ... جهلت وقد يستصغر الأمر جاهله
هو السيد المهتز للتم بدره ... وللجود عطفاه وللطعن عامله
أفاض عيون الناس حتى كأنما ... عيونهم مما تفيض أنامله
فيا عين سحي لا تشحي بسائل ... على ماجد لم يعرف الشح سائله
متى يسألوه المال يند بنانه ... وإن يسألوه الغوث تند عوامله
مجالسه في روضة طلها الندى ... ولكنه في المجد مات مساجله
جرت تحته العلياء ملء فروجها ... إلى غابة طالت على من يطاوله
فما مات حتى نال أقصى مراده ... كما يستسر البدر تمت منازله
فتى طالما يعتاده الجيش عافياً ... فينزله أو عادياً فينازله
صفوح عن الجاني وصفحة سيفه ... إذا هي لم تقتله فالصفح قاتله
стр. 101
إذا ظن لا يخطي كأن ظنونه ... على ما يظن الناس عنه دلائله
قضى الله أن يردى الأمير وهذه ... صوافنه موفورة ومناصله
فلا رحلت عنه نوازل رحمة ... ضحاه بها موصولة وأصائله
وروى ثراه منهل العفو في غد ... فقد روت العافين أمس مناهله
لابن الحسن التهامي يرثي ولده
حكم المنية في البرية جار ... ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا ... حتى يرى خبراً من الأخبار
بنيت على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأكدار والأقذار
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال سار
فاقضوا مآربكم عجالاً إنما ... أعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وحاذروا ... أن تسترد فإنهن عوار
فالدهر يخدع بالمنى ويغص إن ... هنا ويهدم ما بنى ببوار
ليس الزمان وإن حرصت مسالماً ... خلق الزمان عداوة الأحرار
إني وترت بصارم ذي رونق ... أعددته لطلابة الأوتار
والنفس إن رضيت بذلك أو أبت ... منقادة بازمة المقدار
يا كوكباً ما كان أقصر عمره ... وكذا تكون كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يستدر ... بدراً ولم يمهل لوقت سرار
стр. 102
عجل الخسوف إليه قبل أوانه ... فغطاه قبل مظنة الإبدار
وكأن قلبي قبره وكأنه ... في طيه سر من الأسرار
ولد المعزى بعضه فإذا انقضى ... بعض الفتى فالكل في الآنار
أبكيه ثم أقول معتذراً له ... وفقت حين تركت ألأم دار
جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري
لثابت بن هرون الرقي النصراني من قصيدة يرثي أبا الطيب المتنبي
ألدهر أخبث والليالي أنكد ... من أن تعيش لأهلها يا أحمد
قصدتك لما أن رأتك نفيسها ... بخلاً بمثلك والنفائس تقصد
ذقت الكريهة بغتة وفقدتها ... وكريه فقدك في الورى لا يفقد
قل لي إن استطعت الخطاب فإنني ... صب الفؤاد إلى خطابك مكمد
أتركت بعدك شاعراً والله لا ... لم يبق بعدك في الورى من ينشد
أما العلوم فإنها يا ربها ... تبكي عليك بأدمع لا تجمد
لأبي عثمان ابن جني فيه أيضاً من قصيدة
سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه ... كما تخطفت بالخطية والسلب
ما زلت تصحب في الجلى إذا نزلت ... قلباً جميعاً وعزماً غير منشعب
وقد حلبت لعمري الدهر أشطره ... تمطو بهمة لا وان ولا نصب
من للهواجل يحيي ميت أرسمها ... بكل جائلة التصدير والحقب
أم من لبيض الظبي يوماً وهن دم ... أم من لسمر القنا والزغف واليلب
стр. 103
أم للمعارك تدمي جمر جاحمها ... حتى تعريها عن ساطع اللهب
أم للمحافل إذ تبدو لتعمرها ... بالنظم والنثر والأمثال والخطب
أم للمناهل والظلماء عاكفة ... مواصل الكرتين الورد والقرب
أم للملوك تحليها وتلبسها ... حتى تمايس في أبرادها القشب
باتت وسادي أطراب تؤرقني ... لما غدوت لقى في قبضة النوب
عمرت خدن المساعي غير مضطرب ... ومت كالنصل لم يدنس ولم يعب
فاذهب عليك سلام الله ما قلقت ... خوص الركائب بالأكوار والشعب
لابن النبيه في ولد الناصر أحمد أمير المؤمنين
ألناس للموت كخيل الطراد ... فالسابق السابق منها الجواد
والله لا يدعو إلى داره ... إلا من استصلح من ذي العباد
والموت نقاد على كفه ... جواهر يختار منها الجياد
والمرء كالظل ولابد أن ... يزول ذاك الظل بعد امتداد
لا تصلح الأرواح إلا إذا ... سرى إلى الأجساد هذا الفساد
أرغمت يا موت أنوف القنا ... ودست أعناق السيوف الحداد
كيف تخرمت علياً وما ... أنجده كل طويل النجاد
نجل أمير المؤمنين الذي ... من خوفه يرعد قلب الجماد
مصيبة أذكت قلوب الورى ... كأنما في كل قلب زناد
نازلة جلت فمن أجلها ... سن بنو العباس لبس السواد
مأتمة في الأرض لكنها ... عرس على السبع الطباق الشداد
стр. 104
فالخود في المسح لها رنة ... والحور تجلى في مروط الحداد
طرقت يا موت كريماً فلم ... يقنع بغير النفس للضيف زاد
قصفته من سدرة المنتهى ... غصناً فشلت يد أهل الفساد
يا ثالث السبطين خلفتني ... أهيم من همي في كل واد
يا نائماً في غمرات الردى ... كحلت أجفاني بوبيل السهاد
يا ضجيع الترب أقلقتني ... كأنما فرشي شوك القتاد
دفنت في التراب ولو أنصفوا ... ما كنت إلا في صميم الفؤاد
لو لم تكن أسخنت عيني سقت ... مثواك عيناي كصوب العهاد
للشريف الرضي من قصيدة يرثي أبا إسحق الصابئ
أعلمت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي
جبل هوى لو خر بالبحر اغتدى ... من وقعه متتابع الإزباد
ما كنت أعلم قبل وضعك في الثرى ... أن الثرى يعلو على الأطواد
بعداً ليومك في الزمان فإنه ... أقذى العيون وفت في الأعضاد
لا ينفد الدمع الذي يبكي به ... إن القلوب له من الإمداد
стр. 105
سودت ما بين الفضاء وناظري ... وغسلت من عيني كل سواد
ما كنت أحسب أن تضن بلفظة ... لتقوم بعدك لي مقام الزاد
يا ليت أني ما قنيتك صاحباً ... كم قنية جلبت أسى لفؤاد
برد القلوب بمن تحب لقاءه ... مما يجر حرارة الأكباد
للزمخشري في رثاء شيخه أبي مضر
وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقط من عينيك سمطين سمطين
فقلت لها الدر الذي كان قد حشا ... أبو مضر اذني تساقط من عيني
стр. 106
للشيخ ناصيف اليازجي في الأمير حيدر أبي اللمع الذي كان والياً في جبل لبنان
ألمرء في الدنيا خيال قد سرى ... والعيش مثل الحلم في سنة الكرى
والناس ركب قد أناخ بمنزل ... فبنى على الطرق المدائن والقرى
لا مرحباً إن جاءت الدنيا ولا ... أسفاً إذا ولت وما الدنيا ترى
هي كالسراب يزيد مهجة وارد ... ظمأ ويملأ مقلتيه منظرا
غرارة يسبي الحكيم خداعها ... مكراً ويطغي الفيلسوف الأكبرا
لاحت لنا نار الحباحب في الدجى ... منها فخلنا أنها نار القرى
عشنا كأنا لم نعش ونموت عن ... كثب كأنا لم نكن بين الورى
ذهب الزمان ومن طواه مقدماً ... وكذاك يذهب من يليه مؤخرا
نبكي ونضحك للمنية والمنى ... وكلاهما عبث يدور مكررا
بتنا ننادي حيدراً ويحي وما ... يجدي إذا بتنا ننادي حيدرا
هذا الأمير قضى فسالت أكبد ... ومدامع وجرى القضاء بما جرى
لم تحمه البيض الصوارم والقنا ... والشوس والجرد السلاهب والذرى
هذا الذي ضبط البلاد بكفه ... قد بات مغلول اليدين معفرا
يا طالما أغنى الفقير بجوده ... واليوم صار أضر منه وأفقرا
أمسى وحيداً في جوانب حفرة ... من كان يجمع في حماه عسكرا
منا السلام بكل تكرمة على ... من لم يمد إلى وداع خنصرا
قامت تشيعه الرجال مشخصاً ... ومضت تشيعه القلوب مصورا
أولى العباد برحمة من لم يكن ... عرف المظالم في العباد ولا درى
стр. 107
وأحق بالإحسان من لم يهمل ال ... معروف قط ولم يباشر منكرا
بكت الأرامل واليتامى حسرة ... لما رأت قلب السماح تحسرا
وتنهد المجد الذي رباه من ... صغر فكان له أباً ومدبرا
سلب الزمان من الأفاضل درة ... لو كلفوه بمثلها لتعذرا
ولربما نفد الزمان وذكره ... نملي به جملاً ونكتب أسطرا
قد كان عفواً في الوفاء ولم يزل ... في الحلم معناً والسماحة جعفرا
وإذا تفقدت المحامد كلها ... ألفيت كل الصيد في جوف الفرا
كل يبالغ في المديح بشعره ... ويظل مادحه الأمين مقصرا
ومتى طلبنا ريبة في نفسه ... كانت لنا عنقاء مغرب أيسرا
ذاك الذي لم يتخذ لكنوزه ... عرضاً من الدنيا فصادف جوهرا
حق على الخطباء ذكر صفاته ... مثلاً شروداً حين تعلو المنبرا
بحر حواه النعش فوق مناكب ... تسعى ولم نعهد كذاك الأبحرا
وفريدة في الرمس قد دفنت وكم ... من معدن تحت التراب تسترا
ويلاه من هذي الحياة فإنها ... كالظل تحت الشمس يمشي القهقرى
إن الحياة هي الشباب وإن تزد ... نقصت كلفظ بالزيادة صغرا
نرجو من الدنيا الدوام ونفسها ... كحطامها مما يباع ويشترى
دول وأجيال تمر وتنقضي ... فيها وتبقى الكائنات كما ترى
فسقت غوادي الفضل تربة فاضل ... ممن يؤرخ كأن غوثاً للورى
كنا نؤرخ فضل منحة كفه ... صرنا نؤرخ رمسه تحت الثرى
стр. 108
ولولده الشيخ إبراهيم يرثي الأمير محمد رسلان وقد توفي بالقسطنطينية
حياة أسر العيش فيها مذمم ... وناس بها قلب الخلي متيم
سقت كل قلب كل يوم مشارباً ... توهم فيها لذة وهي علقم
تشاغلت الألباب فيها من الصبى ... ولم تك أدنى صبوة حين تحلم
تبطل كل بالأماني ولم يزل ... يروح ويغدو وهو للموت مغنم
وما الأرض إلا قفرة زأرت بها ... أسود المنايا حولنا وهي حوم
لها كل يوم بيننا كل منذر ... ينادي علينا مسمعاً وهو أبكم
تنبهنا بعضاً ببعض فننثني ... وأجفاننا في غفلة اللهو نوم
خلت دونها شم الحصون فلم تكن ... لساكنها من غارة البين تعصم
وأصبح من قد كان يرهب بأسه ... يناح عليه بعد حين ويرحم
وتراب من الأرض استوى تحت صورة ... تلوح عليها مدة ثم تهدم
سلام على قبر توسد تربه ... حبيب عليه من بعيد أسلم
وما كان يغني لو تدانى ودونه ... من الرمس قد أمسى حجاب مخيم
لئن لم تصب عيني ثراه فإن لي ... هنالك قلباً منه قد قطر الدم
وما جف دمعي بعده غير أنه ... يدبج خضراء الربى حين يسجم
بعاه لنا الناعي ففي كل مسمع ... كلام ولكن في الأضالع أسهم
تنوح على فقد الأمير محمد ... رجال عليه بالدما تتلثم
عزيز له في كل عين مدامع ... وفي كل قلب جمرة تتضرم
وكم من جيوب بل قلوب تشققت ... عليه وكم من أوجه فيه تلطم
стр. 109
ولما نعي في أرض لبنان أوشكت ... جنادله من حسرة تتألم
كريم له من آل رسلان محتد ... ومن نفسه مجد سني معظم
ومن ذكره ما يعجز الدهر سلبه ... ومن شكره في كل ذي منطق فم
أيا من قضى في غربة الدار نازحاً ... فكل فؤاد نازح متصرم
رويدك ما للصبر بعدك من يد ... إذا ما اقتضى المصاب العرمرم
ترحلت في شرخ الشباب مغادراً ... من الحزن ما يوهي الشباب ويهرم
ومثلك من حق التأسف بعده ... وغيرك مخلوف ومثلك يعدم
تنوح القوافي بعد يومك حسرة ... فنوشك نخشى نثرها حين تنظم
وتندبك الأقلام من حيث رددت ... حنيناً وأجرت عبرة حين ترقم
وبين المذاكي والسيوف مناحة ... وبين الحجى والعلم والمجد مأتم
ألا يا بني رسلان صبراً لفقده ... فذلك مما يقتضيه التكرم
إذا ما دفعنا للبلية مرة ... ولم ننتفع بالحزن فالصبر أحزم
جرى قدر المولى بما شاء واستوى ... لديه جزوع في الأسى ومسلم
وليس لنا من مطمع فات نيله ... إذا كان ما نبغيه ما ليس يغنم
وما كان لابد منه مؤخراً ... يهون لديه الرزء وهو مقدم
وما الفرق في الحالين إلا هنيهة ... تمر سريعاً والقضا متحتم
ولولده الشيخ خليل يرثي المعلم بطرس البستاني
أجرى اليراع عليك دمع مداده ... فكسا به القرطاس ثوب حداده
وبه نخط لك الرثاء من الأسى ... فهم المقيم على عهود وداده
стр. 110
فلكم بميدان الطروس هززنه ... حتى جعلت الرمح من حساده
ولكم أسلت به غيوث محابر ... تنهل بين بروق قدح زناده
إن كان يبكيك الجماد بدمعه ... فلقد بكاك حزيننا بفؤاده
يا صاحب الفضل الذي لو أننا ... نبكي به لم نخش وشك نفاده
يا قطر دائرة المعارف والحجى ... ومحيط فضل فاض في إمداده
تبكي العلوم عليك واللغة التي ... بقريضها ترثيك في إنشاده
فإذا المحيط بكاك لم يك دمعه ... دون المحيط يزيد في إزباده
يبكي الحساب عليك متخذاً له ... دمعاً يسيل عليك من أعداده
وصلت إليك يد الزمان وقبلها ... وصلت إلى الذروات من أطواده
ولقد أغار عليك غارة باسل ... كالليث حين رآك من آساده
وسطا مفاجأة عليك بنفسه ... فرداً لأنك كنت من أفراده
هذا عماد الفضل مال به القضا ... فأمال صرح العلم ميل عماده
لم يبتليه بما يعاد لأجله ... ولو ابتلاه لكان من عواده
خدم البلاد وليس أشرف عنده ... من أن يسمى خادماً لبلاده
وله الأيادي البيض والغرر التي ... حاكت لفاقدها سواده
следующие страницы →