← Тараджим

Тараджим · id 28182

نكث الهميان في نكت العميان

الصفدي

Полный текст (298 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

رحمه الله لتسع خلون من شهر رجب الفرد سنة ثمان وستين وستمائة. وأدرك الإجازة من السلفي التي أجازها لمن أدرك حياته، وأدرك الإجازة الخاصة من خطيب الموصل أبي الفضل الطوسي وأبي الفتح ابن شاتيل، ونصر الله القزاز، وخلق سواهم. وسمع من يحيى الثقفي، وأبي الحسين الموازيني، ومحمد بن علي بن صدقة، وإسماعيل الجنذوي، والمكرم بن هبة الله الصوفي، وبركات الخشوعي، وابن طبرزد، والحافظ عبد الغني. ورحل إلى بغداد، وسمع ابن كليب بقراءته من عبد الخالق بن البندار، وابن سكينة، وعلي بن يعيش الأنباري، وغيرهم، وتفقه على الشيخ الموفق. وكتب بخطه المليح السريع ما لا يوصف لنفسه وبالأجرة؟ حتى كان يكتب إذا تفرغ في اليوم تسع كراريس أو أكثر. ويكتب الكراسين والثلاثة مع اشتغاله في يوم وليلة. وقيل إنه: كان يكتب القدوري في ليلة واحدة، وعندي؟ أن هذا مستحيل. وقيل إنه كان ينظر في الصفحة الواحدة نظرة واحدة ويكتبها؟ ولذلك يوجد له الغلط فيما كتبه كثيراً، ولازم النسخ خمسين سنة. وخطه لا نقط ولا ضبط. وكتب على ما قاله في شعره ألفي مجلدة. وكان تام القامة، حسن الأخلاق والشكل. ذكر ابن الخباز أنه سمع ابن عبد الدائم يقول: كتبت بخطي ألفي جزء. وذكر أنه كتب بخطه تاريخ دمشق مرتين. قال الشيخ شمس الدين الذهبي: الواحدة في وقف أبي المواهب ابن صصري. وكتب من التصانيف الكبار شيئاً كثيراً. وولى خطابة كفر بطنا. أنشأ خطباً عديدة، وحدث سنين كثيرة. وروى عنه الشيخ محيي الدين، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، والشيخ شرف الدين الدمياطي، وابن الظاهري، وابن جعوان، وابن تيمية، ونجم الدين بن صصرى، وشرف الدين الخطيب، وأخوه تاج الدين، وولده برهان الدين، وشمس الدين إمام الكلاسة، وشرف الدين منيف قاضي القدس، وعلاء الدين بن العطار، وخلق كثير بمصر والشام. ورحل إليه غير واحد. وتفرد بالكثير، وكف بصره في آخر عمره. ومن نظمه فيما يكتبه في الإجازة: أجزت لهم عني رواية كل ما ... روايته لي مع توق وإتقان ولست مجيزاً للرواة زيادة ... برئت إليهم من مزيد ونقصان

стр. 72

ومنه: عجزت عن حمل قرطاس وعن قلم ... من بعد إلفي بالقرطاس والقلم كتبت ألفاً وألفاً من مجلدة ... فيها علوم الورى من غير ما ألم ما العلم فخر امرئ إلا لعامله ... إن لم يكن عمل فالعلم كالعدم العلم زين وتشريف لصاحبه ... فاعمل به فهو للطلاب كالعلم ما زلت أطلبه دهري وأكتبه ... حتى ابتليت بضعف الجسم والهرم أحمد بن عبد السلام بن تميم بن عكبر. الشيخ الإمام العالم العامل الخير الناسك الورع التقي المعمر، نصير الدين أبو العباس البغدادي الحنبلي، أحد المعيدين لطائفة مذهبه بالمدرسة البشيرية بالجانب الغربي من بغداد. ولد ليلة الجمعة عاشر جمادى الآخرة سنة أربعين وستمائة. وذلك قبيل وفاة الإمام المستنصر بالله. وتوفي ﵀ في غرة جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة. ودفن بتربتهم بالجانب الغربي في تربة معروف الكرخي رحمة الله تعالى عليه. كان فاضلاً في الفقه والعربية وله مشاركة في العلوم. وسمع الكثير. ومن أشياخه الإمام مجد الدين أبو أحمد عبد الصمد بن أبي الجيش المقري، وابن أبي الدينة، وابن الدباب، وابن الزجاج، وابن أبي زنبقة، ومجد الدين بن بلدحي، وخلق، وإجازاته عالية، وله نظم ونثر. وبنته معروف بلا فضل. أقعد قبل وفاته بسنين، واضر. والناس يترددون إليه، ويشتغلون عليه، وينتفعون به، ويسمعون منه ويستجيزونه. ولم يزل حريصاً على العلم والعبادة والاشغال والاشتغال إلى حين وفاته. ومن شعر نصير الدين. أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود

стр. 73

بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أرقم بن أنور بن أسحم بن النعمان ويقال له ساطع الجمال بن عدي بن عبد غطفان بن عمرو بن سريح بن خزيمة بن تيم الله بن أسد ابن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة. المعري التنوخي، أبو العلاء من أهل معرة النعمان المشهور صاحب التصانيف المشهورة. كان آية في الذكاء المفرط، عجباً في الحافظة. قال أبو سعد السمعاني في كتاب النسب: ذكر تلميذه أبو زكريا التبريزي، أنه كان قاعداً في مسجده بمعرة النعمان بين يدي أبي العلاء يقرا عليه شيئاً من تصانيفه. قال وكنت قد أقمت عنده سنين ولم أر أحداً من أهل بلدي؟ فدخل المسجد مغافصة بعض جيراننا للصلاة فرايته وعرفته فتغيرت من الفرح، فقال لي أبو العلاء: إيش أصابك، فحكيت له أني رأيت جاراً لي بعد أن لم ألق أحداً من أهل بلدي سنين. فقال لي: قم فكلمه، فقلت: حتى أتمم السبق، فقال لي: قم أنا انتظر لك. فقمت وكلمته بلسان الاذربية شيئاً كثيراً إلى أن سألت عن كل ما أردت؟ فلما رجعت وقعدت بين يديه قال لي أي لسان هذا قلت: هذا لسان أذربيجان. فقال لي: ما عرفت اللسان ولا فهمته غير أني حفظت ما قلتما، ثم أعاد علي اللفظ بعينه من غير أن ينقص منه أو يزيد عليه جميع ما قلت. وقال جاري: فتعجبت غاية التعجب كيف حفظ ما لم يفهمه. قلت: وهذا أمر معجز فإنه بلغنا عن جماعة من الحفاظ وما يحكى عن البديع الهمذاني وابن الأنباري وغيرهما، ما هو أمر قريب من الإمكان؟ لأن حفظ ما يفهمه الإنسان ويعرف تراكيبه أو مفرداته سهل. وأما إنه يحفظ ما لم يسمعه ولا يعلم مفرداته ولا مركباته وهو أقل ما يكون أربعمائة سطر من سؤال غائب عن أهل بلده سنين وجوابه. وكان إطلاعه على اللغة وشواهدها أمر باهر.

стр. 74

قال الحافظ السلفي أخبرني أبو محمد عبد الله بن الوليد بن غريب الأيادي أنه دخل مع عمه على أبي العلاء يزوره فرآه قاعداً على سجادة لبد وهو شيخ فان فدعا لي ومسح على رأسي. قال: وكأني أنظر إليه الساعة وإلى عينيه إحداهما نادرو والأخرى غائرة جداً، وهو مجدور الوجه نحيفه. وقال أبو منصور الثعالبي: وكان حدثني أبو الحسين الدلفي المصيصي الشاعر وهو ممن لقيته قديماً وحديثاً في مدة ثلاثين سنة. قال لقيت بمعرة النعمان عجباً من العجب؟ رأيت أعمى شاعراً ظريفاً يلعب بالشطرنج والنرد ويدخل في كل فن من الجد والهزل يكنى أبا العلاء، وسمعته يقول: أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر انتهى. وقال المعري الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة أو اثنتي عشرة سنة، ورحل إلى بغداد ثم رجع إلى المعرة. وكان رحيله إليها سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. وأقام ببغداد سنة وسبعة أشهر. وقصد أبا الحسن علي بن عيسى الربعي النحوي ليقرأ عليه فلما دخل عليه قال ليصعد الاسطبل والاسطبل في لغة أهل الشام الأعمى فخرج مغضباً ولم يعد إليه. ودخل على المرتضى أبى القاسم، فعثر برجل، فقال من هذا الكلب، فقال أبو العلاء: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً. فقربه المرتضى وأدناه واختبره فوجده عالماً مشبعاً بالفطنة والذكاء، فأقبل عليه إقبالاً كثيراً. وكان المعري يتعصب لأبي الطيب كثيراً ويفضله على بشار وأبي النواس وأبي تمام، والمرتضى يبغضه ويتعصب عليه فجرى يوماً ذكره فتنقصه المرتضى وجعل يتتبع عيوبه، فقال المعري. لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قوله: لك يا منازل في القلوب منازل لكفاه فضلاً وشرفاً. فغضب المرتضى وأمر به فسحب برجله وأخرج من مجلسه. وقال لمن بحضرته: أتدرون أي شيء أراد الأعمى بذكر هذه القصيدة؟ فإن لأبي الطيب ما هو أجود منها لم يذكرها. فقيل السيد النقيب أعرف. فقال أراد قوله: وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي باني كامل

стр. 75

ولما رجع المعري لزم بيته، وسمى نفسه رهين المحبسين: يعني حبس نفسه في المنزل وحبس عينيه بالعمى. وكان قد رحل أولاً إلى طرابلس، وكانت بها خزائن كتب موقوفة فأخذ منها ما أخذ من العلم. واجتاز باللاذقية ونزل ديراً كان به راهب له علم بأقوال الفلاسفة سمع كلامه، فحصل له بذلك شكوك. والناس مختلفون في أمره، والأكثرون على إكفاره وإلحاده. وأورد له الإمام فخر الدين الرازي في كتاب الأربعين قوله: قلتم لنا صانع قديم ... قلنا صدقتم كذا نقول ثم زعمتم بلا زمان ... ولا مكن ألا فقولوا هذا كلام له خبئ ... معناه ليست لنا عقول ثم قال الإمام بعد ذلك: وقد هذى هذا في شعره. وأما ياقوت: فقال وكان متهماً في دينه، يرى رأي البراهمة، لا يرى إفساد الصورة، ولا يأكل لحماً، ولا يؤمن بالرسل، ولا بالبعث والنشور. قال القاضي أبو يوسف عبد السلام القزويني، قال المعري لم أهج أحداً قط. فقلت له صدقت إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فتغير لونه أو قال وجهه. ودخل عليه القاضي المنازي فذكر له ما يسمعه عن الناس من الطعن عليه. فقال: ما لي وللناس وقد تركت دنياهم فقال له القاضي وأخراهم فقال يا قاضي وأخراهم وجعل يكررها. قال ابن الجوزي: وحدثنا عن أبي زكرياء أنه قال لي المعري: ما الذي تعتقد، فقلت في نفسي: اليوم يتبين لي اعتقاده فقلت: له ما أنا إلا شاك. فقال: وهكذا شيخك. وأما الشيخ شمس الدين الذهبي فحكم بزندقته في ترجمة له طولها في تاريخ الإسلام له، وذكر فيها عنه قبائح. وأظن الحافظ السلفي قال إنه تاب وأناب. وأما الباخرزي فقال في حقه، ضرير ماله في أنواع الأدب ضريب، ومكفوف في قميص الفضل ملفوف، ومحجوب خصمه الألد محجوج، قد طال في ظلال الإسلام

стр. 76

آناؤه. ولكن ربما رشح بالإلحاد إناؤه، وعندنا خبر بصره، والله العالم ببصيرته، والمطلع على سريرته، وإنما تحدثت الألسن بإساءته، لكتابه الذي زعم أنه عارض به القرآن وعنونه بالفصول والغايات، محاذاة للسور والآيات، وأظهر من نفسه تلك الجناية، وجد تلك الهوسات كما يجد العير الصليانة، حتى قال فيه القاضي أبو جعفر محمد بن اسمعيل البحائي الزوزني قصيدة أولها: كلب عوى بمعرة النعمان ... لما خلا عن ربقة الإيمان أمعرة النعمان ما أنجبت إذ ... أخرجت منك معرة العميان وأما ابن العديم، فقال في كتابه الذي سماه التحري، في دفع التجري، على أبي العلاء المعري: قرأت بخط أبي اليسر شاكر بن عبد الله بن سليمان المعري أن المستنصر صاحب مصر بذل لأبي العلاء المعري، ما ببيت المال بالمعرة من الحلال فلم يقبل منه شيئاً. وقال: لا أطلب الأرزاق والمولى يفيض على رزقي إن أعط بعض القوت أع ... لم أن ذلك فوق حقي قال وقرأت بخط أبي اليسر المعري في ذكره، وكان ﵁ يرمي من أهل الحسد له بالتعطيل ويعمل تلامذته وغيرهم على لسانه الأشار يضمنونها أقاويل الملحدة قصداً لهلاكه، وإيثاراً لإتلاف نفسه. فقال ﵁: حاول إهواني قوم فما ... واجهتهم إلا بإهواني يحرشوني بسهاياتهم ... فغيروا نية إخواني لو استطاعوا لوشو بي إلى المريخ في الشهب وكيوان وقال أيضاً: غريت بذمي أمة ... وبحمد خالقها غريت وعبدت ربي ما استطعت من بريته بريت وفرتني الجهال حا ... شدة علي وما فريت سعروا علي فلم أحس وعندهم أني هريت وجميع ما فاهوا به ... كذب لعمري حنبريت انتهى.

стр. 77

قلت: أما الموضوع على لسانه فلعله لا يخفى على من له لب. وأما الأشياء التي دونها وقالها في لزوم ما لا يلزم، وفي استغفروا واستغفري، فما فيه حيلة وهو كثير فيه ما فيه من القول بالتعطيل والاستخفاف بالنبوات. ويحتمل أنه أرعوى وناب بعد ذلك. وحكى لي عن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني رحمه الله تعالى انه قال في حقه: هو جوهرة جاءت إلى الوجود وذهبت. وسألت الحافظ فتح الدين بن محمد بن سيد الناس، فقلت له: ما كان رأي الشيخ تقي الدين دقيق العيد في أبي العلاء، فقال كان يقول هو في حيرة. قلت: وهذا أحسن ما يقال في أمره لأنه قال، في داليته التي في سقط الزند: خلق الناس للبقاء فضلت ... أمة يحسبونهم للنفاد إنما ينقلون من دار أعما ... ل إلى دار شقوة أو رشاد ثم قال في لزوم ما لا يلزم: ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحق لسكان البسيطة أن يبكو تحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك فالأول اعتراف بالمعاد. والثاني إنكار له. وهذه الأشياء في كلامه كثيرة وهو تناقض منه وإلى الله ترجع الأمور. ومن شعره: رددت إلى مليك الخلق أمري ... فلم أسأل متى يقع الكسوف وكم سلم الجهول من المنايا ... وعوجل بالحمام الفيلسوف ومنه: صرف الزمان مفرق الألفين ... فاحكم إلهي بين ذاك وبيني أنهيت عن قتل النفوس تعمداً ... وبعثت تأخذها مع الملكين وزعمت أن لها معاداً ثانياً ... ما كان أغناها عن الحالين ومنه: إذا ما ذكرنا آدما وفعاله ... وتزويجه إبنيه بنتيه في الخنا علمنا بأن الخلق من نسل فاجر ... وأن جميع الخلق من عنصر الزنا

стр. 78

فأجابه القاضي أبو محمد الحسن بن أبي مقامة اليمني: لعمرك أما فيك فالقول صادق ... وتكذب في الباقين من شط أودنا كذلك إقرار الفتى لازم له ... وفي غيره لغو كذا جاء شرعنا ومن شعر المعري: يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار تحكم مالنا إلا السكوت له ... وأن نعوذ بمولانا من النار قال ياقوت: لأن المعري حمار لا يفقه شيئاً إلا فالمراد بهذا، بين لو كانت اليد لا تقطع إلا في سرقة خمسمائة دينار لكثرة سرقة ما دونها طمعاً في النجاة، ولو كانت اليد تفدى بربع دينار، لكثر قطعها ويؤدي فيها ربع دينار دية عنها نعوذ بالله من الضلال. انتهى. قلت، وقال الشيخ علم الدين السخاوي يجيب المعري راداً عليه: صيانة العرض أغلاها وأرخصها ... صيانة المال فافهم حكمة الباري ومن شعر المعري: هفت الحنفية والنصارى ما اهتدت ... ومجوس حارت واليهود مضلله إثنان أهل الأرض ذو عقل بلا ... دين وآخر دين لا عقل له فقال أبو رشاد ذو الفضائل أحمد بن محمد الإخسيكتي يرد عليه: الدين آخذه وتاركه ... لم يخف رشدهما وغيهما رجلان أهل الأرض قلت فقل ... يا شيخ سوء أنت أيهما قال سبط الجوزى في المرآة، قال الغزالى: حدثني يوسف بن علي بأرض الهركار، قال دخلت معرة النعمان، وقد وشى وزير محمود بن صالح صاحب حلب إليه، بأن المعري زنديق لايرى إفساد الصور، ويزعم أن الرسالة تحصل بصفاء العقل؟ فأمر محمود بحمله إليه وبعث خمسين فارساً ليحملوه، فأنزلهم أبو العلاء دار الضيافة فدخل عليه عمه مسلم بن سليمان، وقال يا ابن أخي قد نزلت بنا هذه الحادثة، الملك محمود يطلبك، فإن منعناك عجزنا، وإن أسلمناك كان عاراً علينا عند ذوي الذمام، ويركب

стр. 79

تنوخا الذل والعار. فقال له: هون عليك يا عم فلا بأس علينا فلي سلطان يذب عني. ثم قام فاغتسل وصلى إلى نصف الليل. ثم قال لغلامه انظر إلى المريخ أين هو، قال في منزلة كذا وكذا. قال زنه واضرب تحته وتداً وشد في رجلي خيطاً واربطه إلى الوتد، ففعل غلامه ذلك. فسمعناه وهو يقول، يا قديم الأزل، يا علة العلل، يا صانع المخلوقات، وموجد الموجودات، أنا في عزك الذي لا يرام، وكنفك الذي لا يضام، الضيوف الضيوف، الوزير الوزير. ثم ذكر كلمات لا تفهم. وإذا بهدة عظيمة؟ فسئل عنها: فقيل وقعت الدار على الضيوف الذين كانوا بها فقتلت الخمسين، وعند طلوع الشمس وقعت بطاقة من حلب على جناح طائر لا تزعجوا الشيخ فقد وقع الحمام على الوزير. قال يوسف بن علي: فلما شاهدت ذلك دخلت على المعري، فقال: من أنت، قلت: أنا من أرض الهركار فقال زعموا أني زنديق، ثم قال أكتب، وأملي على وذكر أبياتاً من قصيدة ذكرتها أنا: وأولها استغفر الله في أمني واوجالي ... من غفلتي وتوالى سوء أعمالي قالوا هرمت ولم تطرق تهامة في ... مشاة وفد ولا ركبان أجمال فقلت إني ضرير والذين لهم ... رأى رأوا غير فرض الحج أمثالي ما حج جدي ولم يحجج أبي وأخي ... ولا ابن عمي ولم يعرف منىً خالي وحج عنهم قضاءً بعدما ارتحلوا ... قوم سيقضون عني بعد ترحالي فإن يفوزوا بغفران أفز معهم ... أولاً فإني بنار مثلهم صالي ولا أروم نعيماً لا يكون لهم ... فيه نصيب وهم رهطي وإشكالي فهل أسر إذا حمت محاسبتي ... أم يقتضي الحكم تعتابي وتسألي من لي برضوان أدعوه فيرحمني ... ولا أنادي مع الكفار أمثالي باتوا وحتفي أمانيهم مصورة ... وبت لم يخطروا مني على بال وفوقوا لي سهاماً من سهامهم ... فأصبحت وقعاً عني بأميال فما ظنونك إذ جندي ملائكة ... وجندهم بين طواف وبقال لقيتهم بعصا موسى التي منعت ... فرعون ملكاً ونجت آل إسرال أقسم خمسي وصوم الدهر آلفه ... وأد من الذكر أبكاراً بآصال عيدين أفطر في عامي إذا حضرا ... عيد الأضاحي يقفو عيد شوال

стр. 80

إذا تنافست الجهال في حلل ... رأيتني وخسيس القطن سربالي لا آكل الحيوان الدهر مأثرة ... أخاف من سوء أعمالي وآمالي وأعبد الله لا أرجو مثابته ... لكن تعبد إكرام وإجلال أصون ديني عن جعل أؤمله ... إذا تعبد أقوام بأجعال وكان المعري من بيت علم وفضل ورياسة، له جماعة من أقاربه قضاة وعلماء وشعراء. مثل سليمان بن أحمد بن سليمان جده، قاضي المعرة وولي القضاء بحمص، ووالده عبد الله ابن سليمان كان شاعراً، وأخيه محمد بن عبد الله وهو أسن من أبي العلاء وله شعر، وأبي الهيثم أخي أبي العلاء وله شعر، وجاء من بعده جماعة من أهل بيته ولوا القضاء وقالوا الشعر ورأسوا ساقهم الصاحب كمال الدين بن العديم على الترتيب وذكر أشعارهم وأخبارهم في مصنفه دفع التجري. وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة. وولد يوم الجمعة عند مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة بالمعرة. وتوفي ليلة الجمعة ثالث وقيل ثاني شهر ربيع الأول وقيل ثالث عشرة سنة وتسع وأربعين وأربعمائة. وجد رفي السنة الثالثة من عمره فعمى، وكان يقول لا أعرف من الألوان إلا الأحمر لأني ألبست في الجدري ثوباً مصنوعاً بالعصفر لا أعقل غير ذلك. ولما مات رثاه علي بن همام فقال من قصيدة طويلة: إن كنت ترق الدماء زهادة ... فلقد أرقت اليوم من عيني دماً سيرت ذكرك في البلاد كأنه ... مسك فسامعه تضمخ أو فما وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلة ... ذكراك أوجب فدية من أحرما وقال أبو الرضا عبد الوهاب بن نوت المعري يرثيه: سمر الرماح وبيض الهند تشتور ... في أخذ ثارك والأقدار تعتذر والدهر ناقد أهل العلم قاطبة ... كأنهم بك في ذا القبر قد قبروا فهل ترى بك دار العلم عالمة ... أن قد تزعزع منها الركن والحجر والعلم بعدك غمد فات منصله ... والفهم بعدك قوس ماله وتر وقد ذكرت تصانيفة وقطعة صالحة من شعره في التاريخ الكبير الذي لي

стр. 81

فليكشف ذلك من هناك. أحمد بن عبد الله المهاباذي الضرير. من تلاميذ عبد القاهر الجرجاني. كان نحو يأوله شرح اللمع . أحمد بن عبد الله: بن أبي هريرة أبو العباس القيسي التطيلي الاشبيلي الضرير المعروف بالأعيمى. توفي سنة خمس وعشرين وخمسمائة. ومن شعره: بحياة عصياني عليك عواذلي ... إن كانت القربات عندك تنفع هل تذكرين ليالياً بتنا بها ... لا أنت باخلة ولا أنا أقنع ومنه قصيدة رثى بها ابن البناقي وهي مليحة: خذا حد ثاني عن فل وفلان ... لعلي أرى باق على الحدثان وعن دول حسن الديار وأهلها ... فنين وصرف الدهر ليس بفان وعن هرمي مصر الغداة أمتعا ... بشرح شباب أم هما هرمان وعن نخلتي حلوان كيف تناءنا ... ولم تطويا كشحاً على شنآن وطال ثواء الفرقدين بغبطة ... أما علما أن سوف يفترقان وزايل بين الشعر بين تصرف ... من الدهر لا وإن ولا متوان فإن تذهب الشعري العبور لشأنها ... فإن الغميصا في بقية شان وجن سهيل بالثريا جنونه ... ولكن سلاه كيف يلتقيان وهيهات من جور القضاء وعدله ... شآمية ألوت بدين بمان فازمع عنها آخر الدهر سلوة ... على طمع خلاه للدبران وأعلن صرف الدهر لا بني نويرة ... بيوم تناء غال كل تدان وكانا كند ماني جذيمة حقبة ... من الدهر لو لم ينصرم لا وإن فهان دم بين الد كادك فاللوى ... وما كان في أمثالها بمهان وضاعت دموع بات يبعثها الأسى ... يهيجها قبر بكل مكان ومال على عبس وذبيان ميلةً ... فأودى بمجنى عليه وجان

стр. 82

فعوجا على جفر الهباءة فأعجبا ... لضيعة أعلاق هناك ثمان دماء جرت منها التلاع بملئها ... ولا ذحل إلا أن جرى فرسان وأيام حرب لا ينادي وليدها ... أهب بها في الحي يوم رهان فآب الربيع والبلاد تهده ... ولا مثل مود من وراء عمان وأنحى على ابني وائل فتهاصرا ... غصون الردى من كزة ولدان تعاطى كليب فاستمر بطعنة ... أقامت لها الأبطال سوق طعان وبات عدي بالذنائب يصطلي ... بنار وغىً ليست بذات دخان فذلت رقاب من رجال أعزة ... إليهم تناهى عز كل زمان وهبوا يلاقون الصوارم والقنا ... بكل جبين واضح ولبان فلا حد إلا فيه حد مهند ... ولا صدر إلا فيه صدر سنان ومال على الجو نين بالشعب فانثنى ... بأسلاب مطلول وربقة عان وأمضى على أبناء قيلة حكمه ... على شرس أدلوا به وليان ولو شاء عدوان الزمان ولو بشا ... لكان عذير الحي من عدوان وأي قبيل لم يصدع جميعهم ... ببكر من الأرزاء أو بعوان خليلي أبصرت الردى وسمعته ... فإن كنتما في مرية فسلاني ولا تعداني أن أعيش إلى غد ... لعل المنايا دون ما تعداني ونبهني ناع مع الصبح كلما ... تشاغلت عنه عن لي وعناني أغمض أجفاني كأني نائم ... وقد لجت الأحشاء في الخفقان أبا حسن أما أخوك فقد مضى ... فوالهف نفسي ما التقى أخوان أبا حسن إحدى يديك رزئتها ... فهل لك بالصبر الجميل يدان أبا حسن ألق السلاح فإنها ... منايا وإن قال الجهول أماني أبا حسن هل يدفع المرء حينه ... بأيدي شجاع أو بكيد جبان توقوه شيئاً ثم كروا وجعجعوا ... بأروع فصفاض الرداء هجان أخي فتكات لا يزال يحيئها ... بحزم معين أو بعزم معان أرى كل ما يستعظم الناس دونه ... فولى غنياً عنه أو متغاني قليل حديث النفس فيما يروعه ... وإن لم يزل من ظنه بمكان أبي وإن يتبع رضاه فمصحب ... بعيد وإن يطلب جداه فدان لك الله خوفت العدا وأمنتهم ... فذقت الردى من خيفة وأمان

стр. 83

إذا أنت خوفت الرجال فخفهم ... فإنك لا تجزي هوىً بهوان رياح وهبها عارضتك عواصفا ... فكيف انثنى أو كاد ركن أبان بلى رب مشهور العلاء مشيع ... قليل بمنهوب الفؤاد هداني أتيحت لبسطام حديدة عاصم ... فخر كما خرت سحوق ليان بنفسي وأهلي أي بدر دجنة ... لست خلت من شهره وثمان وأي أبي لا تقوم له الربا ... ثنى عزمه دون القرارة ثان وأي فتىً لو جاءكم في سلاحه ... متى صلحت كف بغير بنان وما غركم لولا القضاء بباسل ... أصاخ فقعقعتم له بشنان يقولون لا تبعد ولله دره ... وقد حيل بين العير والنزوان ويأبون إلا ليته ولعله ... ومن أين للمقصوص بالطيران رويد الأماني إن زرء محمد ... عدا الفلك الأعلى عن الدوران وحسب المنايا أن تفوز بمثله ... كفاك ولو أخطأته لكفاني أنا كلتيه والثواكل جمة ... لو أنكما بالنس تأتسيان أذيلا وصوناً وأجزعا وتجلدا ... ولا تأخذا إلا بما تدعان أحمد بن عطية بن علي أبو عبد الله الضرير، الشاعر. كانت له معرفة بالنحو واللغة تامة . مدح الأمام القائم، وابن ابنه الإمام المقتدى، وابنه الإمام المستظهر، ووزراءهم. وكان خصيصاً بسيف الدولة صدقة بن مزيد، وأحد ندمائه وجلسائه. وله فيه مدائح كثيرة. روى عنه أبو البركات بن السقطي، ومحمد بن عبد الباقي بن بشر المقرئ، شيئاً من شعره. ومن شعره: النفس في عدة الوساوس تطمع ... وزخارف الدنيا تغر وتخدع والمرء بكدح واصلاً أطماعه ... وأمامه أجل يخون ويخدع ومنه: كأن انزعاج القلب حين ذكرتكم ... وقد بعد المسرى خفوق جناحين سيعلم إن لجت به حرق الهوى ... ولم تسمحوا بالوصل كيف جنى حيني

стр. 84

أحمد بن علي بن الحسين بن عيسى المقرئ الضرير، أبو نصر المايمرغي بالميم وبعدها ألف وياء آخر الحروف وسكون الراء بعدها غين معجمة. سمع أبا عمرو محمد بن محمد بن صابر، وأبا سعيد الخليل بن أحمد، وأبا أحمد الحاكم البخاريين. وكان صدوقاً ثقة. ولد سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وأربعمائة. أحمد بن علي: بن أحمد أبو العباس الضرير المقرئ من أهل البردان. قدم بغداد في صباه وحفظ القرآن وأحكمه. وقرأ بالروايات على المشايخ، وقرأ بواسط على ابن الباقلاني وغيره. واشتغل بالتجويد، ووصف بحسن الأداء، وقوة الصوت، وحفظ حروف الخلاف. وكان يخطب في القرى، وكان يقرأ في المحراب في صلاة التراويح بالشواذ المكروهة طلباً للدنيا. قال ابن النجار في ذيل بغداد: ولم يكن في دينه بذاك. وتوفي سنة إحدى وعشرين وستمائة. أحمد بن غالب: بن أبي عيسى بن شيخون، الأبروذي أبو العباس الضرير، يعرف بالجبابيني. والجبابين بالجيم وبعدها باآن منقوطتان بواحدة بينهما ألف وياء آخر الحروف ونون قرية بد جيل. دخل بغداد صبياً وحفظ القرآن وقرأه بالروايات على عبد الله بن علي بن أحمد الخياط. وسمع منه الحديث، ومن سعد الخير بن محمد الأنصاري، ومن جماعة. وقرا الفقه على أحمد بن بكروس، وحصل منه طرفاً صالحاً. ولما مات ابن بكروس خلفه في مدرسته ومسجده. توفي رحمه الله تعالى سنة أربع وسبعين وخمسمائة. أحمد بن محمد: بن أحمد بن نصر بن ميمون بن مروان الأسلمي الكفيف النحوي. أبو عبد الله، وقيل أبو عمرو. قال ابن الفرضي: هو من أهل قرطبة. ويقال

стр. 85

له إشكابه بألف وشين معجمة وبعدها ألف وباء ثانية الحروف وهاء. وسمع من قاسم بن أصبع، ومحمد بن محمد الخشني، وغيرهما. وكان صالحاً عفيفاً. أدب عند الرؤساء والجلة من الملوك. ومان رحمه الله تعالى سنة تسعين وثلاثمائة. أحمد بن محمد بن الحسين الرازي الضرير ويقال له أبو العباس البصير ولد أعمى وكان ذكياً حافظاً وثقة الدارقطني وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة. أحمد بن محمد: بن الحسين الرازي الضرير، ويقال له أبو العباس البصير. ولد أعمى وكان ذكياً حافظاً. وثقة الدارقطني. وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة. أحمد بن محمد: بن علي بن نمير، أبو سعيد الخوارزمي، الضرير الفقيه العلامة الشافعي، تلميذ الشيخ أبي حامد. قال الخطيب: درس فتى، ولم يكن بعد أبي الطيب الطبري أفقه منه. وتوفي ﵀ سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. أحمد بن محمد: المرندي بالراء وبعد الرء نون ودال مهملة، الضرير المقرئ البغدادي. كان عالماً بالتفسير، وقسمة الفرئض، وتعبير الرؤيا. كان ماراً بالموصل في الطريق فسقط، فاضطرب، فمات فجأة رحمة الله تعالى سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمسمائة. أحمد بن المختار: بن محمد بن عبيد بن جبر بن سليمان، وأبو العباس بن أبي الفتوح ابن أخي مهذب الدولة. كان أحمد هذا وأبوه من أمراء البطيحة. وكان كثير الشعر. قدم بغداد ومدح الإمامين: المسترشد والمستظهر. ومدح المقتفي لأمر الله. وتوفي ﵀ سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وكان قد مات له ابن فبكى عليه إلى أن ذهبت عينه ثم تلتها العين الأخرى. فقال يشكو الزمان:

стр. 86

كأنما آلى على نفسه ... أن لا يرى شملاً لاثنين لم يكفه ما نال من مهجتي ... حتى أصاب العين بالعين ومن شعره: أللحمامة أم للبرق تكتئب ... لا بل لكل دعاك الشوق والطرب إن أومض البرق أو غنت مطوقة ... قضيت من حق ضيف الحب ما يجب والحب كالنار تمسى وهي ساكنة ... حتى تحركها ريح فتلتهب أحمد بن مسعود: بن احمد بن ممدود بن برسق. الأديب الفاضل شهاب الدين أبو العباس الضرير السنهوري، بالسين المهملة والنون الساكنة والهاء المضمومة والواو الساكنة وبعدها راء. المعروف بالمادح: لأنه كان يكثر من مدائح النبي ﷺ . اجتمعت به غير مرة بالقاهرة عند الصاحب أمين الدين، في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وسمعت منه كثيراً من أمداحه النبوية. وكان حفظة. وله قدرة على النظم، ينظم القصيدة، وفي كل بيت حروف المعجم، وفي كل بيت طاء، وفي كل بيت ضاد، وهكذا من هذا اللزوم. وأخبرت عنه أنه كان أولاً كثير الأهاجي للناس، ثم إنه رفض ذلك ورجع إلى مدائح النبي ﷺ . ولم يكن ناضج العلم. وكان موجوداً في سنة ست وأربعين وسبعمائة بالديار المصرية. ومن شعره رحمه الله تعالى. إن أنكرت مقلتاك سفك دمي ... من ورد خديك لي به شاهد جرحه ناظري ويشهد لي ... أليس ظلماً تجريحي الشاهد أطاعك الخافقان به بهما ... قلبي المعنى وقرطك المائد قلت: وهو مأخوذ من قول ابن سنا الملك: أما والله لوال خوف سخطك ... لهان علي ما القى برهطك ملكت الخافقين فتهت عجباً ... وليس هما سوى قلبي وقرطك ومن شعر ابن مسعود: يا من له عندنا أياد ... تعجز عن شكرها الأيادي

стр. 87

فيك رجاء وفيك يأس ... كالحر والبرد في الزناد أحمد بن يوسف: بن حسن بن رافع. الإمام العلامة الزاهد الكبير، موفق الدين أبو العباس الموصلي الكواشي. ولد بكواشة وهي قلعة من عمل الموصل، سنة تسعين أو إحدى وتسعين وخمسمائة. وتوف رحمه الله تعالى سنة ثمانين وستمائة. قرا القرآن على والده، واشتغل وبرع في القراآت والتفسير والعربية والفضائل. سمع من أبي الحسين بن روزبة. وقدم الشام وأخذ عن السخاوي وغيره. وحج وزار القدس وعاد إلى بلده وتعبد. وكان عديم المثل: زهد وصلاحاً وصدقاً وتبتلاً. وكان السلطان ومن دونه يزوره ولا يعبأ بهم، ولا يقوم لهم، ولا يقبل منهم شيئاً. وله كشف وكرامات. وأضر قبل موته نحو عشرين سنة. صنف التفسير الكبير والصغير وأرسل نسخة إلى مكة، وإلى المدينة نسخة، وإلى القدس نسخة. ولأهل الموصل فيه اعتقاد عظيم. وكان كثير الإنكار على بدر الدين صاحب الموصل وإذا شفع عنده، لا يرده. قال الشيخ شمس الدين الذهبي: وكان شيخنا المقصاتي يطنب في وصفه، وقرأ عليه تفسيره فلما وصل إلى سورة الفجر منعه وقال: أنا أجيزه لك، ولا تقول أنا كملت الكتاب على المصنف. يعني أن للنفس في ذلك حظاً. وحدث عنه بالكتاب سنة اثنتي عشرة وسبعمائة والله تعالى أعلم.

стр. 88

إدريس بن أحمد: الضرير أبو سليمان الكوفي. قال المرزباني في معجم الشعراء: مقتدري مدح محمد بن علي المادراي، عند قدومه بغداد بقصيدة يقول فيها: إلى أبي بكر الميمون طائره ... إلى الجواد الذي أفنى اللهى جودا يولي الأقارب تقريباً إليه ولا ... يولي إلا باعد إن زاروه تبعيدا علاك يا ابن علي فوق كل علاً ... فزادك الله إعلاءً وتأييداً إدريس بن عبد الله بن إسحاق. اللخمي النابلسي الضرير البصري أبو سليمان. قال المرزباني: حدثني عنه الصولي، وعمر بن حسن الأشناني. وتوفي رحمه الله تعالى بعد الثمانين والمائتين. وكان يكاتب أبا الحسن أحمد بن محمد بن المدبر بالأشعار عند خروجه إلى الشام. ومن شعره: صاحب الحاجة أعمى ... وهو ذو مال بصير فمتى يبصر فيها ... رشده أعمىً فقير وحجبه رجل، فكتب إليه: سأترككم حتى يلين حجابكم ... على أنه لا بد أن سيلين خذوا حذركم من نومة الدهر إنها ... وإن لم تكن حانت فسوف تحين إسحاق بن فاروت بك: هو سلطان شاه بن فاروت بك بن داود بن سلجوق بن دقاق بن سلجوق. كان والده فاروت بك أخا السلطان ألب أرسلان. فلما توفي ألب أرسلان، كان فاروت بك بكرمان، فسار من عمان وركب في البحر في فصل الشتاء وخاف من سبقه إلى الري لأن ألب أرسلان أقام ابنه ملكشاه في الملك بعده.

стр. 89

وكان معه عسكر يسير، يبلغ ألفي فارس وأربعة آلاف راجل. فبلغ ذلك ملكشاه. فأخذ هو ووزيره نظام الملك من قلعة الري خمسمائة ألف دينار، وخمسة آلاف ثوب، وسلاحاً. وخرجا من الري سبقاه إلى التركمان الذين كان فاروت بك يقصدهم. فاقتتلوا فهرب فاروت بك وأسر أولاده. فلما كان من الغد، جاء إلى ملكشاه سوادي، فقال: عمك في القرية الفلانية مع ولد له، فابعث معي من يأخذه. فسار إليه ملكشاه بنفسه. وحمل إليه مقيداً ماشياً فأومأ إلى الأرض وقبل يد ملكشاه. فقال له: يا عم! كيف أنت من تعبك؟ أما استحييت من هذا الفعل؟ يموت أخوك، فما قعدت في عزائه، ولم تبعث إلى قبره ثوبا، والغرباء قد حزنوا عليه. فقد لقاك الله سوء فعلك. فقال: ما قصدت ذلك، ولكن كاتبني عسكرك فجئت لأمر قضاه الله. فحمل مقيداً إلى همذان. فلام كان يوم الأربعاء ثالث شعبان سنة خمس وستين وأربعمائة، قتل فاروت بك. خنقه رجل أعور أرمني من أصاغر الحاشية، بوتر قوي. ثم إن ملكشاه جمع أولاده وصهره إبراهيم بن ينال. وكحلهم بين يديه. وقدم سلطان شاه إسحاق هذا وهو أكبر أخوته وأنجبهم، وهو كما يقل عذاره، فأخذ إخوته الصغار واحداً بعد واحد، وجعل يضمه إليه، ويقبله: ويقول: هذا قضاء الله فلا تجزعوا، فإن الموت يأتي على جميع الناس. وكحل وكحلوا ومات منهم اثنان. ثم إنه اعتقل سلطان شاه في همذان سنة خمس وستين وأربعمائة. فدبر سلطان شاه الحيلة مع بعض الموكلين، وبعث إلى كرمان يستدعي له خيلاً. فلما جاءته، فتح الموكلون السقف واستقوه ومعه أخوه، ونزلا وركبا الخيل ولم يتبعهما أحد. ومضيا إلى كرمان وحصلا في قلعة لا بهما، وسر الناس بهما. وقام سلطان شاه مقام أبيه واجتمعت الكلمة عليه وورد الخبر إلى ملكشاه عمه في جمادى الأولى، فشغب الجند على الوزير نظام الملك، وطالبوه بالأموال حتى فرغت الخزائن. واستمر سلطان شاه على حاله ملكاً بتلك الناحية. وجهز أموالاً عظيمة جداً إلى مكة شرفها الله تعالى، شكر الله تعالى على نجاته. ولم يزل على حاله، إلى أن توفي رحمه الله تعالى سنة ست وسبعين وأربعمائة. وجاءت أمه بهدايا إلى السلطان، وألطاف وأموال، فأكرمها وأقر أخاه مكانه. والله أعلم.

стр. 90

إسمعيل بن أحمد: بن عبد الله الحيري. أبو عبد الرحمن الضرير المفسر المقرئ الواعظ الفقيه المحدث. أحد ائمة المسلمين. والحيرة محلة بنيسابور. قال ياقوت: هي الآن خراب. توفي رحمه الله تعالى فيما ذكرها الجاحظ عبد الغافر بعد الثلاثين والأربعمائة. ومولده سنة إحدى وستين وثلاثمائة. وله التصانيف المشهورة في علم القرآن والقراآت والحديث والوعظ والتذكير. سمع صحيح البخاري من أبي الهيثم ببغداد، وقد روى عن زاهر السرخسي. رحمه الله تعالى. إسمعيل بن المؤمل: بن الحسين بن إسمعيل. أبو غالب الضرير الأسكافي النحوي. كان فاضلاً أديباً شاعراً. روى عنه أبو القاسم عبد الله بن محمد بن باقياء الشاعر، وعبد المحسن بن علي التاجر، وغيرها. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. ومن شعره: سرت ومطايا بينها لم ترحل ... وزارت وحادي ركبها لم يحمل وجادت بوصل كان للطيف شكره ... وسرت بوعد في الكرى لم يحصل وعهدي بها في الحي سكري من الصبا ... وصاحيةً من زفرتي وتململي يهز الصبا منها شمائل قامة ... ويجلو الكرى منها لواحظ مغزل قال الوزير ابن المسلمة: لا أدري في النحو مفتوح العين إلا هذا المغمض العين.

стр. 91

الأشرف بن الأعز: ين هاشم. المعروف بتاج العلى. العلوي الحسني الرافضي الرملي، كان بآمد. وتوفي بحلب سنة عشر وستمائة. اجتمع هو وابن دحية فقال له: إن دحية لم يعقب. فتكلم ابن دحية، ورماه بالكذب، في مسائله الموصلية. وذكر يحيى ابن أبي طي في تاريخه، فقال: شيخنا العلامة الحافظ النسابة الواعظ الشاعر. قرأت عليه نهج البلاغة وكثيراً آمن شعره. أخبرني انه ولد بالرملة في غرة المحرم سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. وعاش مائة وثمانياً وعشرين سنة. وقال: إنه لقي ابن الفحام وقرا عليه بالسبع في كتابه الذي صنفه. قال: وكنت بالبصرة وسمعت من الحريري خطبة المقامات. ثم أخبرني إنه دخل الغرب وسمع من الكروحي كتاب الترمذي، ودخل دمشق والجزيرة وحلب. وأخذه ابن شيخ السلامية. وجعل له الظاهر كل يوم ديناراً صورياً، وفي كل شهر عشرة مكاكيك حنطة ولحماً. وله كتاب نكت الأبناء في مجلدين. وكتاب جنة الناظر وجنة المناظر خمسة مجلدات في تفسير مائة آية ومائة حديث، وكتاب في تحقيق غيبة المنظر وما جاء فيها عن النبي ﷺ وعن الأئمة ووجوب الإيمان بها، وشرح القصيدة البائية التي للسيد الحميري. وقدح عينيه ثلاث مرات. وكانت العامة تطعن عليه عند السلطان ولا يزيده إلا محبة. قال الشيخ شمس الدين الذهبي ﵀: ما كان هذا إلا وقحاً جريئاً على الكذب. انظر كيف ادعى هذه السن، وكيف كذب في لقاء ابن الفحام والحريري. الطنطاش: الأمير سيف الدين. مملوك الأمير أمين الدولة صاحب بصرى وصرخد. وواقف الأمينية بدمشق. لما توفي أمين الدولة كان الطنطاش هذا نائباً على

стр. 92

قلة بصرى، فاستولى عليها وعلى صرخد، واستعان بالفرنج. فسار لقتاله معين الدين أنر ونازل القلعتين فملكهما. وكان الطنطاش له أخ يدعى خطلخ فآذاه وكحله وأبعده، فحضر إلى دمشق. فلما قدم أخوه الطنطاش إلى دمشق، حاكمه أخوه إلى الشرع وكحله قصاصاً. فبقي أعميين. وتوفي الطنطاش رحمه الله تعالى في حدود الخمسين والخمسمائة تقريبا، والله تعالى أعلم. أمية بن الأشكر: الكناني. من بنى ليث الصحابي ﵁. شاعر مخضرم. كان من سادات قومه. وكان له ابن اسمه كلاب، أكتتب نفسه في الجند الغازي مع أبي موسى الأشعري، في خلافة عمر ﵁. فاشتاقه أبوه وكان قد أضر فأخذ قائده بيده، ودخل به عمر وهو في المسجد. فأنشده: أعاذل قد عذلت بغير قدر ... وماتدرين عاذل ماألاقي فإن ما كنت عاذلتي فردي ... كلابا إذ توجه للعراق فتى الفتيان في عسر ويسر ... شديد الركن في يوم التلاق فلا وأبيك ماباليت وجدي ... ولاشغفي عليك ولا اشتياقي وإيقادي عليك إذا شتونا ... وضمك تحت نحري واعتناقي فلو فلق الفؤاد شديد وجد ... لهم سواد قلبي بانفلاق سأستعدى على الفاروق ربا ... له عمد الحجيج إلى بساق وأدعو الله محتسبا عليه ... ببطن الأخشبين إلى دفاق إن الفاروق لم يردد كلابا ... على شيخين هامهما زواق فبكى عمر ﵁، وكتب إلى موسى الأشعري، برد كلاب إلى المدينة. فلما قدم ودخل عليه، قال له عمر: ما بلغ من برك بأبيك قال: كنت أوثره وأكفيه أمره، وكنت إذا أردت أن أحلب له لبنا أجيء إلى أغزر ناقة في إبله فأريحها وأتركها حتى تستقر، ثم أغسل أخلافها حتى تبرد، ثم أحلب له فأسقيه. فبعث عمر ﵁ إلى أمية فجأة فدخل عليه وهو يتهادى وقد انحنى. فقال له: كيف أنت يا أبا كلاب؟ فقال: كما ترى يا أمير المؤمنين. فقال: هل لك من حاجة؟ قال: نعم. كنت أشتهي أن أرى كلابا فأشمه شمة وأضمه ضمة قبل أن أموت. فبكى عمر ﵁ وقال: ستبلغ في هذا ما تحب إن شاء الله تعالى.

стр. 93

ثم أمر كلابا أن يحلب لأبيه ناقة كما كان يفعل ويبعث بلبنها إليه. ففعل. وناوله عمر ﵁ الإناء، وقال: اشرب هذا يا أبا كلاب. فأخذه فلما أدناه من فيه. قال: والله يا أمير المؤمنين إني لأشم رائحة يدي كلاب. فبكى عمر ﵁ وقال هذا كلاب عندك، وقد جئناك به. فوثب إلى ابنه وضمه. وجعل عمر رضي الله تعالى عنه والحاضرون يبكون. وقالوا لكلاب: الزم، أبويك. فلم يزل مقيما عندهما إلى أن ماتا. والله أعلم. أبو شروان: الضرير الشاعر المعروف بشيطان العراق. سافر إلى بلاد الجزيرة وما والاها، ومدح الملوك والأكابر. والغالب على شعره الخلاعة والمجون والهزل والفحش. وعاد إلى بغداد خمس وسبعين وخمسمائة. ومدح المستضيئ. ومن شعره قصيدة يهجو فيها بلد إربل: تبا لشيطاني وما سولا ... لأنه أنزلني إربلا نزلتها في يوم نحس فما ... شككت أني نازل كربلا وقلت ما أخطأ الذي مثلا ... باربل إذ قال بيت الخلا هذا وفي البازار قوم إذا ... عاينتهم عاينت أهل البلا من كل كردى حمار ومن ... كل عراقي نفاه الغلا أما العراقيون ألفاظهم جب لي ... جفاني جف جال البلا جمالك أي جعفغ جبه يجي ... يجب جمالوا قبل أن نرحلا هيا مخاغيطي الكسحلي مشى ... كف المكفنى اللنك إي بوالعلا جغه بجعصوا نتف سبيله ... انتغوا مده بكعغو به اسفقه بالملا عكلى تغى هواي نتف اعفقه ... قل لوالبو يذتخين كيف انقلى هذى القطيعة بهجغه انحط من ... عندي تدفع كم تحط الكلا والكرد لا تسمح إلا جيا ... أو بحيا أو نتوى زنكلا كلا وبوبو علكوا خشتري ... خيلو وميلو موسكا منكلا ممرو ومفو ممكى ثم إن ... قالوا بوير بكى بخى قلت لا وفتية تزعق في سوقهم ... سردا جليدا صوتهم قد علا

стр. 94

وعصبة تزعق والله تنفروا ... وشوبوا ثم هم سخام الطلا ربع خلا من كل خير بلى ... من كل عيب وسقوط ملا فلعنة الله على شاعر ... يقصد ربعا ليس فيه كلا أخطأت والمخطئ في مذهبي ... يصفع في قمته بالدلا إذ لم يكن قصدي إلى سيد ... جماله قد جمل الموصلا ثم إنه بعد ذلك قال يعتذر من هجاء إربل، ومدح الرئيس مجد الدين داود بن محمد. وهي قصيدة طويلة، وقد سقت بعضها في تاريخي الكبير في ترجمته. أيد غدي: الأمير علاء الدين. الأعمى الركني الزاهد. ناظر أوقاف القدس الشريف والخليل ﵇. أنشأ العمائر والربط وغير ذلك، وأثر الآثار الحسنة بالقدس، وبلد سيدنا الخليل ﵇، والمدينة النبوية الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. وكان من أحسن الناس سيرة، وأجملهم طريقة. عمرت الأوقاف في أيامه، وتضاعفت أجورها، واشتهر ذكره وسار. وكان من أذكياء العالم. يقال عنه: إنه خط حماما في بلد الخليل ﵇، ورسم الأساس بيده وذره بالكلس للصناع. وكان يحب الخيل ويستولدها. وكان إذا مر به فرس من خيله عرفه، وقال هذا من خيلي. وتوفي بالقدس الشريف، سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وصلى عليه بدمشق صلاة الغائب. أيمن بن نابل: الحبشي المكي الطويل الضرير، عداده في صغار التابعين. كان ابن معين حسن الرأي فيه. وقال ابن حبان لا يحتج به إذا انفرد. وتوفي رحمة الله تعالى في حدود الستين والمائة. وروى له البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة.

стр. 95

بدر بن جعفر: بن عثمان الأميري من قرية تعرف بالأميرية من نواحي النيل ببغداد. أبو النجم الشاعر الضرير. نشأ بواسط وقرأ بها القرآن والأدب، وسمع الحديث، وقال الشعر. وقدم بغداد وسكنها، ومدح بها الأكابر والأعيان. وصار من شعراء الديوان، ينشد في التهاني والتعازي. وكان شيخا حسنا متدينا. ولد سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى عشرة وستمائة. ومن شعره: عذ يرى من جيل غدوا وصنيعهم ... بأهل النهى والفضل شر صنيع ولؤم زمان مايزال موكلا ... بوضع رفيع أو برفع وضيع سأصرف صرف الدهر عني بماجد ... متى آته لا آته بشفيع البراء بن عازب: بن حارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث ابن الخزرج الحارثي الخزرجي. أبو عمارة، وقيل أبو الطفيل، وقيل أبو عمر. والأشهر أبو عمارة. قال البراء: استصغرت أنا وإبن عمر يوم بدر، وكان المهاجرون يومئذ نيفا على الستين، وكان الأنصار نيفا على أربعين ومائة. والأشبه أن يكون البراء أراد الخزرج قبيلته، وإلا فالأنصار كانوا يوم بدر.

стр. 96

وذكر الدولابي عن الواقدي، قال: أول غزوة شهدها ابن عمر والبراء بن عازب وأبو سعيد وزيد بن أرقم، الخندق. وقال أبو عمر الشيباني: أفتتح البراء بن عازب الرى سنة أربع وعشرين، صلحا أو عنوة. وقال أبو عبيدة: افتتحها حذيفة سنة إثنتين وعشرين. وقال حاتم بن مسلم: افتتحها قريظة بن كعب الأنصاري. وقال المدائني: افتتح بعضها أبو موسى وبعضها قريظة. وشهد البراء بن عازب مع علي ﵁ الجمل وصفين والنهروان، ثم نزل الكوفة ومات بها، أيام مصعب بن الزبير، في سنة إحدى وسبعين للهجرة بعد ما أضر. بركة بن أبي يعلى: بن أبي الغنائم الأنباري أبو البركات الضرير. كان له شعر. روى عنه أبو بكر المبارك بن كامل الخفاف في معجم شيوخه. وسمع منه عمر بن طبرزد شيا من شعره في جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. ومن شعره وهو نازل: أغالب وجدي فيهم وهو غالب ... وأحبس دمعي وهو في الخد ساكب وقد عيل صبري واعترتني وساوس ... تمانعني طيب الكرى وهو آئب وقد حرت لما أصبح الركب راحلا ... وقد قوضت نيرانهم والمضارب حدا بهم الحادي فأضحيت بالحمى ... كئيبا وقد ضاقت على المذاهب بشار بن برد: بن يرجوخ بفتح الياء آخر الحروف وسكون الراء وضم الجيم وبعد الواو الساكنة خاء معجمة العقيلي بضم العين المهملة. مولاهم الشاعر المشهور، أبو معاذ المرعث بضم الميم وفتح الراء وتشديد العين المهملة وبعدها ثاء مثلثة وهو

стр. 97

الذي في أذنه رعاث وهي القرط لأنه كان في أذنه وهو صغير قرط. ذكر صاحب الأغاني في كتابه أسماء أجداد بشار ستة وعشرين جدا أسماؤهم كلها أعجمية. ولد على الرق وأعتقته امرأة عقيلية. وفد على المهدي وأنشده قصيدة يمدحه بها، منها: إلى ملك من هاشم في نبوه ... ومن حمير في الملك والعدد الدثر من المشترين الحمد تندى من الندى ... يداه وتندى عارضاه من العطر فلم يحظ منه، فقال يهجوه: خليفة يزني بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان أبدلنا الله به غيره ... ودس موسى في ح ... الخيزران وأنشدهما في حلقة يونس النحوي، فسعى به إلى الوزير يعقوب بن داود، وكان بشار قد هجاه بقوله: بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود فدخل الوزير يعقوب بن المهدي، وقال يا أمير المؤمنين: إن هذا الملحد الزنديق قد هجاك. قال: بم ذاك؟ فقال: لا أطيق أقوله. فأقسم عليه فكتبهما، فلما وقف عليهما كاد ينشق غيظا. فانحدر إلى البصرة فلما بلغ البطيحة سمع أذانا في وضح النهار. فقال: انظروا ما هذا؟ فإذا بشار سكران. فقال: يا زنديق عجبت أن يكون هذا من غيرك. أتلهو بالآذان في غير وقت الصلاة، وأنت سكران؟ وأمر بضربه. فضرب بالسياط بين يديه على صدر الحراقة سبعين سوطا تلف منها. فكان إذا أصابه السوط قال: حس وهي كلمة تقولها العرب للشيء إذا أوجع. فقال بعضهم: انظروا إلى زندقته كيف يقول حس ولا يقول بسم الله. فقال بشار: ويلك أطعام هو فأسمى الله عليه؟ فقال له آخر: أفلا قلت الحمدلله؟ فقال: أو نعمة هي فأحمد الله عليها؟ وبان الموت فيه. فألقى في سفينة حتى مات سنة ثمان وستين ومائة. وقد بلغ نيفا وتسعين سنة. وقال: في حالة ضرب الجلاد له: ليت عيني أبي الشمقمق ترياني حيث يقول: هللينة هللينة ... طعن قثاة لتينه

стр. 98

إن بشار بن برد ... تيس أعمى في سفينة وكان بشار يخاف لسان أبي الشمقمق ويصانعه في كل سنة بمبلغ من الذهب حتى يكف عنه. ووجد في أوراقه مكتوب بعد موته،: إني أردت هجاء آل سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، فذكرت قرابتهم من رسول الله ﷺ ، فأمسكت عنهم، والله العالم بحالهم. فيقال إن المهدي لما بلغه ذلك، ندم على قتله. وكان كثيرا ما ينشد قوله: سترى حول سريري ... حسرا يلطمن لطما ياقتيلاً قتلته ... عبدة الحوراء ظلما عبدة، إسم محبوبته. وفيها يقول: زود ينا يا عبد قبل الفراق أنا والله أشتهي سحر عينيك وأخشى مصارع العشاق. ولما خرجت جنازته، لم يتبعها إلا أمة سندية عجماء. تقول واشيداه! واشيداه! بالشين المعجمة. وكان بشار يرى رأي الكاملية. وهم فرقة من الرافضة يتبعون رجلا كان يعرف بأبي كامل. كان يزعم أن الصحابة كفروا بتركهم بيعة علي بن أبي طالب، وكفر علي بن أبي طالب بتركه قتالهم، وكان يلزمه قتالهم كما لزمه قتال أصحاب الجمل وصفين. وقيل لبشار: ما تقول في الصحابة؟ فقال كفروا قيل له: فما تقول في علي بن أبي طالب؟ فقال: وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا وقيل: إنه كان يفضل النار على الأرض، ويصوب رأي إبليس في إمتناعه من السجود لآدم، وقال: إبليس خير من أبيكم آدم ... فتنبهوا يا معشر الفجار إبليس من نار وآدم طينة ... والأرض لا تسمو سمو النار وقال أيضا: الأرض مظلمة والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار وكان بشار قد ولد أعمى، جاحظ العينين، قد تغشاهما لحم أحمر. وكان ضخما

стр. 99

عظيم الخلق والوجه، مجدورا طويلا. وهو معدود في أول مرتبة المحدثين. وهو من مخضرمي الدولتين. وهو من الشعراء المجيدين. وكان خبيث الهجو. قال بشار: هجوت جريرا، فاحتقرني واستصغرني. ولو أجابني لكنت أشعر الناس. وقال بشار: لي إثني عشرة ألف قصيدة، لعنها الله ولعن قائلها، إن لم يكن في واحدة منها بيت عين. ومر بشار برجل ندت من تحته بغلة وهو يقول: الحمد لله شكراً، فقال بشار استزده يزدك ومر يوماً بقوم يحملون جنازة وهم يسرعون المشي بها. فقال: مالهم مسرعين؟ أتراهم قد سرقوها؟ وهم يخافون أن يلحقوهم ليأخذوها منهم. ورفع غلام بشار إليه في حساب نفقته جلاء مرآة، عشرة دراهم. فصاح به بشار، وقال: ما في الدنيا أعجب من جلاء مرآة لأعمى بعشرة! والله؟ لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة، ما بلغت أجرة من يجلوها عشرة دراهم. وقال داود بن رزين: جئت بشارا مع جماعة. فأذن لنا والمائدة موضوعة بين يديه، فلم يدعنا إلى طعامه. فلما أكل دعا بالطست، فكشف سوأته وبال. ثم حضرت الظهر والعصر والمغرب، فلم يصل. فقال له بعضنا: أنت أستاذنا. وقد رأينا منك أشياء أنكرناها. قال: وماهي؟ قلنا: دخلنا والطعام بين يديك فلم تدعنا. فقال إنما أذنت لكم لتأكلوا. ولو لم أرد، ما أذنت لكم. قال: ثم ماذا؟ قلنا: دعوت بالطست فبلت، ونحن حضور. فقال: أنا مكفوف وأنتم المأمورون بغض البصر دوني. قال: ثم ماذا؟ قلنا: حضرت الظهر والعصر والمغرب، ولم تصل. فقال: الذي يقبلها تفاريق يقبلها جملة. وقعد إلى بشار رجل يستثقله، فضرط عليه ضرطة. فظن أنها فلتة منه. ثم ضرط أخرى. ثم ضرط ثالثة. فقال له: يا أبا معاذ ما هذا؟ فقال بشار: أرأيت أم سمعت؟ فقال: بل سمعت صوتا قبيحا. قال: فلا تصدق حتى ترى. وأنشد: ربما ثقل الجليس وإن كان ... خفيفا في كفه الميزان كيف لا تحمل الأمانة أرض ... حملت فوقها أبا سفيان وكان النساء المتظرفات يجئن إلى بشار ويسمعن كلامه وشعره. فسمع واحدة منهن فهويها وراسلها. فقالت لرسوله: قل له أي معنىً فيك لي؟ ويلك أولىك في؟ أنت أعمى لا تراني فتعرف حسني ومقداره، وأنت قبيح لا حظ لي فيك، فليت شعري! لأي شئ تطلب وصال مثلي؟ وجعلت تهزأ به، فأدى إليه الرسول ما قالت. فقال: عد إليها وقل لها:

стр. 100

أي..ى له فضل على أي..انهم ... فإذا أشظ سجدان غير أوابي تلقاه بعد ثلاث عشرة قائما ... فعل المؤذن شك يوم سحاب وكأن هامة رأسه بطيخة ... حملت إلى ملك لدجلة جاب وجاءه رجل، فسأله عن منزل رجل ذكره له. فجعل يفهمه ولا يفهم. فأخذ بشار بيده وقام يقوده إلى منزل الرجل، وهو يقول: أعمى يقود بصيرا لا أبالكم ... قد ضل من كانت العميان تهديه فلما وصل به إلى منزل الرجل، قال له: هذا منزله يا أعمى. وعشق بشاراً امرأة مرة فكان ينفذ غلامه إليها، وهي تتمنع. فلما أضجرها، عرفت زوجها. فقال لها أجيبيه وعديه أن يجئ إلى هنا. ففعلت. وجاء بشار مع امرأة أنفذتها إليه. فدخل، وزوجها جالس وهو لا يعلم. فجعل بشار يحادثها ساعة. ثم قال، ما اسمك؟ قالت: أمامه. فقال: أمامة قد وصفت لنا بحسن ... وإنا لا نراك فألمسينا فأخذت يده ووضعتها على أي ... زوجها، وقد أنع ... ففزع ووثب. وقال: على ألية ما دمت حياً ... أمسك طائعاً إلا بعود ولا أهدي لأرض أنت فيها ... سلام الله إلا من بعيد طلبت غنيمة فوضعت كفي ... على شيء اشد من الحديد فخير منك من لا خير فيه ... وخير من زيارتكم قعودي وقبض زوجها عليه، وقال: هممت أن أفضحك. فقال: قد كفاني، فديتك! ما فعلت. ولست عائداً إليها أبداً. وكان بالبصرة رجل يقال له حمدان الخراط. فاتخذ جاماً لإنسان، وكان بشار عنده. فسأله بشار أن يتخذ له جاماً فيه صورة طير. فاتخذه له وجاءه به. فقال له: ما في هذا الجام؟ فقال: صورة طير يطير. فقال له: قد كان ينبغي أن تتخذ فوق هذا الطير طائراً من الجوارح كأنه يريد صيده فإنه كان أحسن. قال: لم أعلم. قال: بلى علمت. ولكن علمت أني أعمى. وتهدده بالهجاء. فقال له حمدان: لا تفعل تندم. قال: أو تهددني أيضاً؟ قال: نعم. قال: وأي شيء تستطيع أن تصنع بي؟ قال: أصورك على باب داري

стр. 101

في صورتك هذه، واحمل من خلفك قرداً ين..ك حتى يراك الصادر والوارد. فقال بشار: اللهم اخزه! أنا أمازحه وهو يأبى إلا الجد. وأخباره كثيرة. وأشعار شهيرة. وهذا القدر من أخباره كاف. ومن شعره وهو في غاية الحكمة: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصاحة حازم ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي رأفة للقوادم وخل الهوينا للضعيف ولا تكن ... نؤوماً. فإن الحر ليس بنائم وأدن من القربى المقرب نفسه ... ولا تشهد الشورى أمرأً غير كاتم وما خير كف أمسك الفل أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم فإنك لا تستطرد الهم بالمنى ... ولا تبلغ العليا بغير المكارم وقال حماد عجرد يهجوه: لقد صار بشار بصيراً بد..ره ... وناظره بين الانام ضرير له مقلة عمياء وا ... تٌ بصيرة ... إلى الأ ... ر من تحت الثياب تشير على وده أن الحمير تني ... هـ ... وأن جميع العالمين حمير بشير بن معاذ: العقدي الضرير البصير. توفي في حدود الخمسين والمائتين. روى عنه الترمذي والنسائي وابن ماجة. ووثقه ابن حبان. أبو بكر بن احمد: بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي. الشيخ الصالح المعمر اليقظ مسند الوقت المقدسي الصالحي. ويعرف بالمحتال. ولد بكفر بطنا إذا كان والده بها خطيباً سنة خمس أو ست وعشرين وستمائة. وسمع سنة ثلاثين على الفخر الإربلي، وسمع

стр. 102

الصحيح كله على ابن الزبيدي، وسمع من الناصح بن الحنبلي، وسالم بن صصري، وجعفر الهمداني، والشيخ الضياء، وجماعة. وأجاز له ابن روزبة وأقرانه من بغداد. وحج ثلاث مرات. وأضر قبل موته بأعوام، وثقل سمعه. ولكن كان زاد همه وجلادة وفهم. وله عبادة وأذكار. وقد حدث في زمان والده. وروى عنه ابن الخباز، وابن نفيس، والقدماء. وحدث بالصحيح غير مرة، وسمع منه الخلق، وانتهى إليه علو الإسناد، كوالده في زمانه. وعاش كأبيه ثلاثاً وتسعين سنة. وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة تاسع عشر شهر رمضان سنة ثمان عشرة وسبعمائة. وكانت جنازته مشهورة. أبو بكر بن عبد الرحمن: بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي. أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. وكنيته إسمه. وكان من سادات التابعين. ويسمى راهب قريش. وجده الحارث اخو أبي جهل بن هشام من جملة الصحابة ﵃. ولد في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة أربع وتسعين للهجرة. وهذه السنة تسمى سنة الفقهاء، لأنه مات فيها جماعة منهم. وهؤلاء الفقهاء السبعة كانوا بالمدينة في عصر واحد. وعنهم انتشر العلم والفتيا في الدنيا. وقد جمعهم بعض الشعراء في بيتين، فقال: ألا كل من لا يقتدى بأئمة ... فقسمته ضيري عن الحق خارجه فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد سليمان أبو بكر خارجه وإنما قيل لهم الفقهاء السبعة، لأن الفتوى بعد الصحابة ﵃ صارت إليهم، وشهروابها. وكان في عصرهم جماعة من العلماء. مثل سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ وأمثاله. ولكن الفتوى لم تكن إلا لهؤلاء السبعة. وكان لأبي بكر عدة إخوة وهو أجلهم.

стр. 103

وروى عن أبيه، وعن عمار بن ياسر، وأبي مسعود البدري، وعائشة، وعبد الرحمن بن مطيع، وأبي هريرة، وأسماء بنت عميس، وجماعة. وكان عبد الملك بن مروان أن يكرمه ويقول: إني لأهم بالسوء افعله بأهل المدينة لسوء أثرهم عندنا، فاذكر أبا بكر فاستحيي منه. وروى له الجماعة وأضر بأخرة. بيجار: بالباء الموحدة والياء آخر الحروف ساكنة والجيم وبعدها ألف وراء الأمير حسام الدين اللاوي الرومي، ابن بختيار. كان له ببلاد الروم قلاع وحشمة. فنزح إلى بلاد المسلمين مهاجراً في أواخر الدولة الظاهرية. وحج وأنفق أموالاً كثيرة. ثم إنه رجع ولزم بيته وترك الإمرة. قال الشيخ قطب الدين اليؤنيني: جاوز المائة بسنين. كذا قال وكف بصره. وتوفي سنة إحدى وثمانين وستمائة، رحمه الله تعالى. بيبغاء: الأشرفي الأمير سيف الدين. كان في وقت نائب الكرك فيما بعد العشرين والسبعمائة، فيما أظن. ثم إنه عزل منها وحضر إلى دمشق. وجهز إلى صرخد. وكان قد اضر باخرة والله تعالى أعلم. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة [ ... ] .

стр. 104

حرف الجيم جابر بن عبد الله بن عمرو بن سواد بن سلمة الأنصاري. من مشاهير الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأحد المكثرين من الرواية. شهد هو وأبوه العقبة الثانية، ولم يشهد الأولى. وشهد بدراً، وقيل لم يشهدها. وشهد بعدها مع رسول الله ﷺ عشر غزوات. وقدم مصر والشام. وأبو أحد الاثني عشر نقيباً وكف بصر جابر بأخرة. روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن علي الباقر، وعطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير، فأكثر ومحمد بن المنكدر، وخلق سواهم. وروى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. ولما توفي، وقف الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم بين عمودي سريره؟ فأخرجه الحجاج ووقف مكانه، وصلى عليه. وأخرجه أيضاً من حفرته واقتحمها الحجاج حتى فرغ منه. قيل إن هذا لا يثبت لأنه مات والحجاج على العراق أمير. وعاش أربعاً وتسعين سنة. وتوفي رضي الله تعالى عنه سنة أربع وسبعين، وقيل سبع وسبعين، وقيل ثمان وسبعين. وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، في قول. ولما أراد شهود بدر، خلفه أبوه على بناته. وهن أخوات جابر. وكن تسعاً، وقال: أخرجني خالي ليلة العقبة وأنا لا أستطيع أن أرمي بحجر. جعفر بن علي بن موسى أبو محمد الضرير المقرئ البغدادي. كان أحد الفقهاء

стр. 105

المشهورين. وكان يصلي بالناس إماماً في جامع المنصور يوم الجمعة صلاة العصر. قرأ على والده وعلى حمزة بن عمارة بن الحسن المقرئ، وأبي بكر أحمد بن العباس بن مجاهد، وأبي بكر بن أحمد بن أبي قتادة، وإدريس بن عبد الكريم الحداد. وقرأ عليه أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي، والقاضي أبو العلاء محمد بن علي بن يعقوب الواسطي، وروى عنه. وحدث باليسير عن ابن مجاهد، وأبي محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الزهري. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة.

стр. 106

حرف الحاء حبشي بن محمد بن شعيب. أبو الغنائم الشيباني الواسطي الضرير المقرئ النحوي. قرأ القرآن، واشتغل بشيء من الأدب. ثم إنه قدم بغداد واستوطنها إلى أن مات رحمه الله تعالى، سنة خمس وستين وخمسمائة. وقرأ على الشريف الشجري ولازمه حتى برع في النحو، وبلغ الغاية. وسمع شيئاً من الحديث، وكتب الأدب، ودواوين شعر العرب، من الحافظ محمد بن ناصر. وحدث باليسير. وقرأ عليه جماعة من أهل بغداد كمصدق بن شبيب. قال ياقوت: وكان مع هذا إذا خرج الطريق بغير قائد لا يهتدي كما يهتدي العميان، حتى سوق الكتب الذي كان يأتيه كل ليلة عشرين سنة. ولم يكن بعيداً عن منزله. حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام. أبو الوليد، وقيل أبو عبد الرحمن، وقيل أبو الحسام . الأنصاري النجاري. صاحب رسول الله ﷺ وشاعره. وفد على عمرو بن

стр. 107

الحارث بن أبي شمر، وعلى جبلة بن الأيهم، وعلى معاوية رضي الله تعالى عنه حين بويع سنة أربعين. قال ابن سعد: عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام مثلها. وكان قديم الإسلام. ولم يشهد مع النبي ﷺ مشهداً. وكان يجبن. قال الحافظ ابن عساكر: نعم، كان جهاده بشعره. وكان رسول الله ﷺ ينصب له منبراً في المسجد يقوم عليه ينافح عن رسول الله ﷺ . وكان ذلك على قريش أشد من رشق النبل. وقال له رسول الله ﷺ : أجب عن رسول الله. اللهم أيده بروح القدس! وفي رواية: أهجهم أو هاجهم، وجبريل معك. وفي رواية: أن روح القدس معك ما هاجيتهم. وفي رواية: جبريل معينك. وفي رواية: إن الله يؤيد حسان بروح القدس، ما نافح عن رسول الله ﷺ . انتهى. وقال صاحب الأغاني بسنده إلى محمد بن جرير قال: كان حسان بن ثابت ﵁ يوم الخندق في حصن بالمدينة مع النساء والصبيان لجبنه. قال: فمر رجل من اليهود، فجعل يطيف بالحصن فقالت حفية بنت عبد المطلب ﵂ يا حسان هذا يهودي كما ترى يطيف بالحصين. وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا. وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه. فانزل إليه فاقتله. فقال يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب! قد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت: فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئاً، اعتجرت ثم أخذت عموداً ثم نزلت من الحصن فضربته بالعمود حتى قتلته. فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن وقلت: يا حسان أنزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. فقال ما لي بسلبه حاجة! يا بنت عبد المطلب. قال وحكى أنه كان قد ضرب وتداً في ذلك اليوم في جانب الأطم. فكان إذا حمل النبي ﷺ وأصحابه على المشركين، حمل على الوتد وضربه بالسيف، وإذا حمل المشركون، انحاز عن الوتد، كأنه يقاتل قرناً انتهى. قلت: وقد رأيت بعضهم ينكر جبنه، واعتذر له بأنه كان يهاجي قريشاً ويذكر مثالبهم ومساويهم، ولم يبلغنا أن أحداً عيره بالجبن والفرار من الحروب. وقد هجا الحارث بن هشام بقوله: إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجا الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا براس طمرة ولجام وما أجابه بما ينقض عليه ويطعن عليه، بل اعتذر رضي الله تعالى عنه عن فراره

стр. 108

بقوله: الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا فرسي بأشقر مزبد ووجدت ريح الموت من تلقائهم ... في مأزق والخيل لم تتبدد وعلمت أني إن أقاتل واحداً ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي فصدفت عنهم والأحبة دونهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد وقال ابن الكلبي: إن حسان كان لسناً شجاعاً، فأصابته علة له الجبن. فكان بعد ذلك لا يقدر أن ينظر إلى قتال ولا يشهده. وقال ابن عساكر: قال عطاء بن أبي رباح: دخل حسان على عائشة ﵄ بعدما عمي، فوضعت له وسادة. فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: أتجلسينه على وسادة وقد قال ما قال؟ فقالت إنه؟ تعني كان يجيب عن رسول الله ﷺ ، ويشفى صدره من أعدائه، وقد عمي وإني لأرجو أن لا يعذب في الآخرة. قلت: أراد عبد الرحمن ﵁، ما قاله حسان في قصة إلا فك، لأن الذين تحدثوا في شان عائشة ﵂. كانوا جماعة. وهم عبد الله بن أبي سلول، ومسطح بن اثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش. وقوله تعالى والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم. قال المفسرون: هو حسان بن ثابت ﵁، أو عبد الله بن أبي. وتاب الله على الجماعة إلا عبد الله السلولي، فإنه مات منافقا. وقيل لعائشة رضي الله تعالى عنها: لم تأذنين لحسان عليك؟ والله يقول. والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم. فقالت: وأي عذاب اشد من العمى. ولما أنشد حسان عائشة ﵄، شعره الذي منه قوله: حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثي من لحوم الغوافل قالت له: لكنك لست كذلك. وقعد صفوان بن المعطل، لحسان بسبب قصة إلا فك، وضربه بالسيف. وهذه القصة مذكورة في مواطنها من كتب التفسير والحديث، مستوفاة هناك. وقال حسان للنبي ﷺ ، لما طلبه لهجو قريش: لأسلنك منهم سل الشعرة من العجين، ولي مقول ما أحب أن لي به مقول أحد من العرب، وإنه ليفري مالاً تفري الحربة. ثم

стр. 109

أخرج لسانه، فضرب به أنفه، كأنه لسان شجاع بطرفه شامة سوداء، ثم ضرب به ذقنه، وقال: لأفرينهم فري الأديم فصب على قريش منه شآبيب شر. فقال: اهجهم كأنك تنضحهم بالنبل: فهجاهم. فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم: لقد شفيت يا حسان وأشفيت. وعن النبي ﷺ . ذاك حاجز بيننا وبين المنافقين. لا يحبه إلا مؤمن. ولا يبغضه إلا منافق. وعن محمد بن سيرين. قال: كان يهجو النبي ﷺ ، جماعة من قريش. عبد الله بن الزبعري، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص. فقال حسان: يا رسول الله إئذن لي في الرد عليهم. فقال النبي ﷺ : فكيف وهو مني. فقال: والله لأسلنك منه، كما تسل الشعرة من العجين. فقال رسول الله ﷺ : يا حسان، فأت أبا بكر فإنه أعلم بأنساب القوم منك. فأتاه فقال له. كف عن فلانة، واذكر فلانة، فقال حسان ﵁: هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتهجوه ولست له بكفء ... فشر كما لخير كما لفداء قلت: قال علماء الأدب. هذا أنصف بيت قالته العرب. ولما ورد وفد تميم على النبي صلى الله عليه وسل للمفاخرة. وقام خطيبهم الزبرقان. وقال ما قال. وقام خطيب النبي ﷺ ثابت بن قيس بن شماس. وقال ما قال. فأرسل النبي ﷺ إلى حسان، فجاءه فأمره أن يحييه على الأبيات العينية وهي مشهورة. قال حسان يحيبه عن ذلك. ثم قام عطارد بن حاجب. فقال: أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا ... إذا اجتمعوا وقت احتضار المواسم بأنا فروع الناس في كل موطن ... وأن ليس في أرض الحجاز كدارم فقام حسان ﵁ فقال: منعنا رسول الله من غضب له ... على أنف راض من معد وراغم هل المجد إلا السؤدد الفرد والندى ... وجار الملوك واحتمال العظائم فقال الأقرع بن جابس: والله! إن هذا الرجل لمؤتىً له. والله! لشاعره أشعر من شاعرنا. ولخطيبه أمهر من خطيبنا. وأصواتهم أرفع من أصواتنا. اعطني يا محمد. فأعطاه. فقال: زدني. فزاده. فقال: اللهم إنه سيد العرب. فنزلت فيهم إن الذين

стр. 110

ينادونك من وراء الحجرات. ثم إن القوم اسلموا. وفي حديث الرسول الذي وجهه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، إلى هرقل. أنه بعد ما ودعه. قال له: هرقل ألقيت جبلة ابن الأيهم؟ وكان قد دخل إليهم. وتنصر عندهم. وكان حسان، ممن يفد عليه ويمدحه بالشام. وله فيه تلك القصيدة اللامية. التي أولها: أسألت رسم الدار أم لم تسأل ... بين الجواني فالنصيع فحومل يقول فيها: بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول فقال له لا. فقال: القه. فجاء إليه. فوجد ما هو فيه من الرفاهية والعيش. والقصة مشهورة. فسأله عن حسان أحي هو. قال؟ نعم. فأمر له بمال وكسوة. ونوق موقرة براً. ثم قال له: إن وجدته حياً، فادفعها إليه. وإن وجد ميتاً، فادفعها إلى أهله. وانحر الجمال على قبره. فلما قدم الرسول على عمر ﵁. ذكر له حديث حسان. فبعث إليه فأتى، وقد كف بصره، وقائد يقوده. فلما دخل. قال: إني أجد ريح آل جفنة عندك. قال: نعم. هذا رجل أقبل من عنده. قال: هات يا ابن أخي ما بعث إلي معك. فقال: ومن أعلمك بهذا. قال: يا ابن أخي إنه كريم من عصبة كرام. مدحته في الجاهلية، فحلف أن لا يلقى أحداً يعرفني إلا أهدى إلي معه شيئاً فدفع إليه المال والثياب. وأخبره بما كان أمره في الجمال. فقال: وددت لو كنت ميتاً فنحرت على قبري. وقال أبو عبيدة: فضل حسان الشعراء بثلاث. كان شاهر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ في الإسلام، وشاعر اليمن كلها، وكان اشعر أهل المدر. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: في سنة أربع وخمسين. توفي حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزي، وسعيد بن يربوع المخزومي، وحسان بن ثابت. قال: ويقال إن هؤلاء الأربعة ماتوا وقد بلغ كل واحد منهم عشرين ومائة سنة. وقال الشيخ شمس الدين الذهبي: الذي بلغنا أن حساناً، وأباه، وجده، وجد أبيه، عاش كل منهم مائة وعشرين سنة. الحسن بن أبي الحسن الدرزبيني بدال مهملة وراء وبعدها زاي وباء ثانية
следующие страницы →