← Тафсир

Тафсир · id 281

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (383 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

على الإباحة، وهو الحق، والبعض على التحريم، كما تقدم. الخامسة: أن يُجهل الأمر؛ لكونه ذبح حالة انفراده. فتؤكل على ما عليه جمهور العلماء، وهو الحق، إن لم يُعرف الكتابيُّ بأكل الميتة كالذي يسل عنق الدجاجة بيده، فإن عُرف بأكل الميتة لم يؤكل ما غاب عليه عند بعض العلماء، وهو مذهب مالك، ويجوز أكله عند البعض، بل قال ابن العربي المالكي: إذا عاينَّاه يَسُلُّ عنق الدجاجة بيده فلنا الأكل منها؛ لأنها من طعامه، واللَّه أباح لنا طعامه. واستبعده ابن عبد السلام. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: هو جدير بالاستبعاد؛ فكما أن نساءهم يجوز نكاحهن ولا تجوز مجامعتهن في الحيض، فكذلك طعامهم يجوز لنا من غير إباحة الميتة؛ لأن غاية الأمر أن ذكاة الكتابي تحل ذكاةً كذكاة المسلم. وما وعدنا به من ذكر حكم ما ذبحه المسلم ولم يسم عليه، فحاصله أن فيه ثلاثة أقوال: أرجحها -وهو مذهب الجمهور-: أنه إن ترك التسمية عمدًا لم تؤكل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وإن تركها نسيانًا أكلت؛ لأنه لو تذكر لسمى اللَّه. قال ابن جرير: مَنْ حرَّم ذبيحة الناسي فقد خرج من قول الحجة وخالف الخبر الثابت عن رسول اللَّه ﷺ . قال ابن كثير: إن ابن جرير يعني بذلك ما رواه البيهقي عن ابن

стр. 107

عباس عن النبي ﷺ : "المسلم يكفيه اسمه؛ إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم اللَّه وليأكله". ثم قال ابن كثير: إن رفع هذا الحديث خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد اللَّه الجزري، والصواب وقفه على ابن عباس، كما رواه بذلك سعيد بن منصور وعبد اللَّه بن الزبير الحميدي. ومما استدل به البعض على أكل ذبيحة الناسي للتسمية: دلالة الكتاب والسنة والإجماع على العذر بالنسيان. ومما استدل به البعض لذلك: حديث الحافظ أبو أحمد بن عدي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي؟ فقال النبي ﷺ : "اسم اللَّه على كل مسلم". ذكر ابن كثير هذا الحديث وضعَّفه بأن في إسناده مروان بن سالم أبا عبد اللَّه الشامي، وهو ضعيف. القول الثاني: أن ذبيحة المسلم تؤكل ولو ترك التسمية عمدًا. وهو مذهب الشافعي ﵀ كما تقدم؛ لأنه يرى أنه ما لم يذكر اسم اللَّه عليه يراد به ما أُهِلَّ به لغير اللَّه لا شيء آخر. وقد ادعى بعضهم انعقاد الإجماع قبل الشافعي على أن متروك التسمية عمدًا لا يؤكل. ولذلك قال أبو يوسف وغيره: لو حكم حاكم بجواز بيعه لم ينفذ؛ لمخالفته الإجماع. واستغرب ابن كثير حكاية الإجماع على ذلك قائلًا: إن الخلاف فيه قبل الشافعي معروف.

стр. 108

القول الثالث: أن المسلم إذا لم يسم على ذبيحته لا تؤكل مطلقًا، تركها عمدًا أو نسيانًا. وهو مذهب داود الظاهري. وقال ابن كثير: ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي ومحمد بن سيرين: أنهما كرها متروك التسمية نسيانًا. والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيرًا. ثم ذكر ابن كثير أن ابن جرير لا يعتبر مخالفة الواحد أو الاثنين للجمهور، فيعده إجماعًا مع مخالفة الواحد أو الاثنين، ولذلك حكى الإجماع على أكل متروك التسمية نسيانًا مع أنه نقل خلاف ذلك عن الشعبي وابن سيرين. مسائل مهمة تتعلق بهذه المباحث المسألة الأولى: اعلم أن كثيرًا من العلماء من المالكية والشافعية وغيرهم يفرقون بين ما ذبحه أهل الكتاب لصنم، وبين ما ذبحوه لعيسى أو جبريل أو لكنائسهم. قائلين: إن الأول مما أُهِلَّ به لغير اللَّه، دون الثاني فمكروهٌ عندهم كراهة تنزيه، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة/ ٣]. والذي يظهر لمقيده -عفا اللَّه عنه- أن هذا الفرق باطلٌ، بشهادة القرآن؛ لأن الذبح على وجه القربة عبادةٌ بالإجماع، وقد قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ الآية [الكوثر/ ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام/ ١٦٢]. فمن صرف شيئًا من ذلك لغير اللَّه فقد جعله شريكًا مع اللَّه في

стр. 109

هذه العبادة التي هي الذبح، سواء كان نبيًا أو ملكًا أو بناءًا أو شجرًا أو حجرًا أو غير ذلك، لا فرق في ذلك بين صالح وطالح، كما نص عليه تعالى بقوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران/ ٨٠]، ثم بين أن فاعل ذلك كافر بقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران/ ٧٩]، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران/ ٦٤]. فإن قيل: قد رَخَّصَ في أكل ما ذبحوه لكنائسهم أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي والعرباض بن سارية والقاسم بن مخيمرة وحمؤة بن حبيب وأبو سلمة الخولاني وعمر بن الأسود ومكحول والليث بن سعد وغيرهم. فالجواب: أن هذا قول جماعة من العلماء من الصحابة ومن بعدهم، وقد خالفهم فيه غيرهم، وممن خالفهم: أم المؤمنين عائشة ﵂ والإمام الشافعي ﵀، واللَّه تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [النساء/ ٥٩]، فنرد هذا النزاع إلى اللَّه فنجده حرَّم ما أُهِل به لغير اللَّه. وقوله: ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ يدخل فيه الملك والنبي، كما يدخل فيه الصنم والنصب والشيطان. وقد وافقونا في منع ما ذبحوه باسم

стр. 110

الصنم، وقد دل الدليل على أنه لا فرق في ذلك بين النبي والملك، وبين الصنم والنصب، فلزمهم القول بالمنع. وأما استدلالهم بقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة/ ٣] فلا دليل فيه؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ليس بمخصص لقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل/ ١١٥]؛ لأنه ذكر فيه بعض ما دل عليه عموم ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. وقد تقرر في علم الأصول أن ذكر بعض أفراد الحكم العام بحكم العام لا يخصِّصُه، على الصحيح، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي ثور محتجًا بأنه لا فائدة لذكره إلا التخصيص. وأجيب من قبل الجمهور بأن مفهوم اللقب ليس بحجة، وفائدة ذكر البعض نفي احتمال إخراجه من العام. فإذا حققت ذلك، فاعلم أن ذكر البعض لا يخصِّص العام، سواء ذُكِرا في نص واحد، كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة/ ٢٣٨]، أو ذُكِر كل واحد منهما على حدة، كحديث الترمذي وغيره: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" وحديث مسلم أنه ﷺ مرَّ بشاة ميتة فقال: "هلا أخذتم إهابها" الحديث. فذِكْرُ الصلاة الوسطى في الأول لا يدل على عدم المحافظة على غيرها من الصلوات، وذِكْرُ إهاب الشاة في الأخير لا يدل على عدم الانتفاع بإهاب غير الشاة، لأن ذكر البعض لا يخصص العام. وكذلك رجوع ضمير البعض لا يخصِّص -أيضًا- على

стр. 111

الصحيح، كقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة/ ٢٢٨] فإن الضمير راجع إلى قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ وهو لخصوص الرجعيات من المطلقات، مع أن تربص ثلاثة قروء عام للمطلقات من رجعيات وبوائن. وإلى هذا أشار في "مراقي السعود" مبينًا معه أيضًا أن سبب الواقعة لا يخصصها، وأن مذهب الراوي لا يخصص مرويه على الصحيح فيهما أيضًا، بقوله: . . . . . . . . . . . . . ... ودع ضمير البعض والأسبابا وذكر ما وافقه من مفرد ... ومذهب الراوي على المعتمد وروي عن الشافعي وأكثر الحنفية التخصيص بضمير البعض، وعليه فتربص البوائن ثلاثة قروء مأخوذ من دليل آخر. أما عدم التخصيص بذكر البعض فلم يخالف فيه إلا أبو ثور، وتقدم رد مذهبه. ولو سلمنا أن الآية معارضة بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فإنا نجد النبي ﷺ أمر بترك مثل هذا الذي تعارضت فيه النصوص بقوله: "دع ما يريبك إلى ما يريبك". المسألة الثانية: اختلف العلماء في ذكاة نصارى العرب، كبني تغلب وتنوخ وبهراء وجذام ولخم وعاملة ونحوهم، فالجمهور على أن ذبائحهم لا تؤكل. قاله ابن كثير. وهو مذهب الشافعي، ونقله النووي في "شرح المهذب" عن علي وعطاء وسعيد بن جبير.

стр. 112

ونقل النووي -أيضًا- إباحة ذكاتهم عن ابن عباس والنخعي والشعبي وعطاء الخراساني والزهري، والحكم وحماد وأبى حنيفة وإسحاق بن راهويه وأبي ثور. وصحح هذا القول ابن قدامة في "المغني" محتجًا بعموم قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. وحجة القول الأول ما روي عن عمر ﵁ قال: ما نصارى العرب بأهل كتاب، لا تحل لنا ذبائحهم. وما روي عن علي ﵁: لا تحل ذبائح نصارى بني تغلب. ولأنهم دخلوا في النصرانية بعد التبديل، ولا يعلم هل دخلوا في دين من بدل منهم أو في دين من لم يبدِّل، فصاروا كالمجوس لما أشكل أصرهم في الكتاب لم تؤكل ذبائحهم. ذكر هذا صاحب "المهذب"، وسكت عليه النووي في الشرح قائلًا: إنه حجة الشافعية في منع ذبائحهم. ويفهم منه عدم إباحة أكل ذكاة اليهود والنصارى اليوم؛ لتبديلهم، لا سيما فيمن عرفوا منهم بأكل الميتة كالنصارى. المسألة الثالثة: ذبائح المجوس لا تحل للمسلمين. قال النووي في "شرح المهذب": هي حرام عندنا، وقال به جمهور العلماء، ونقله ابن المنذر عن أكثر العلماء. قال: وممن قال به: سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح

стр. 113

وسعيد بن جبير ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وعبيد اللَّه بن زيد ومرة الهمداني ومالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق. وقال ابن كثير في تفسير قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾: وأما المجوس فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعًا وإلحاقًا لأهل الكتاب، فإنه لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، خلافًا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الفقهاء من أصحاب الشافعيِّ وأحمدِ بن حنبل، ولما قال ذلك واشتهر عنه أنكر عليه الفقهاء، حتى قال عنه الإمام أحمد: أبو ثور كاسمه، يعني: في هذه المسألة. وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلًا عن النبي ﷺ أنه قال: "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب"، ولكن لم يثبت بهذا اللفظ، وإنما الذي في "صحيح البخاري" عن عبد الرحمن بن عوف: أن رسول اللَّه ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر. ولو سلم صحة هذا الحديث فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فدل بمفهومه -مفهوم المخالفة- على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل. انتهى كلام ابن كثير بلفظه. واعترض عليه في الحاشية الشيخ السيد محمد رشيد رضا بما نصه فيه: أن هذا مفهوم لقب وهو ليس بحجة. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: الصواب مع الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-، واعتراض الشيخ عليه سهو منه، لأن مفهوم قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مفهوم علة لا مفهوم لقب كما ظنه الشيخ، لأن مفهوم

стр. 114

اللقب في اصطلاح الأصوليين هو ما علق فيه الحكم باسم جامد، سواء كان اسم جنس أو اسم عين أو اسم جمع. وضابطه: أنه هو الذي ذكر ليمكن الإسناد إليه فقط؛ لاشتماله على صفة تقتضي تخصيصه بالذكر دون غيره. أما تعليق هذا الحكم -الذي هو إباحة طعامهم- بالوصف بإيتاء الكتاب فهو تعليق الحكم بعلته؛ لأن الوصف بإيتاء الكتاب صالحٌ لأن يكون مناط الحكم بحلية طعامهم. وقد دل المسلك الثالث من مسالك العلة -المعروف بالإيماء والتنبيه- على أن مناط حلية طعامهم هو إيتاؤهم الكتاب، وذلك بعينه هو المناط لحلية نكاح نسائهم؛ لأن ترتيب الحكم بحلية طعامهم ونسائهم على إيتائهم الكتاب لو لم يكن لأنه علته لما كان في التخصيص بإيتاء الكتاب فائدة. ومعلومٌ أن ترتيب الحكم على وصفٍ لو لم يكن علَّته لكان حشوًا من غير فائدة = يُفْهَمُ منه أنه علته بمسلك الإيماء والتنبيه. قال في "مراقي السعود" في تعداد صور الإيماء: كما إذا سَمِعَ وصفًا فحَكَم ... وذكرُه في الحكم وصفًا قد ألم إن لم يكن علته لم يفد ... ومنعَه مما يفيتُ استفد ترتيبه الحكم عليه واتضح ... . . . . . . . . . . . ومحل الشاهد منه قوله: "استفد ترتيبه الحكم عليه"، وقوله: "وذكره في الحكم وصفًا إن لم يكن علته لم يفد".

стр. 115

ومما يوضح ما ذكرنا: أن قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ موصول، وصلته جملة فعلية، وقد تقرر عند علماء النحو في المذهب الصحيح المشهور: أن الصفة الصريحة كاسم الفاعل واسم المفعول الواقعة صلة "أل" بمثابة الفعل مع الموصول. ولذا عمل الوصف المقترن بـ "أل" الموصولة في الماضي؛ لأنه بمنزلة الفعل، كما أشار له في "الخلاصة" بقوله: وإن يكن صلة أل ففي المضي ... وغيره إعماله قد ارتضي فإذا حققت ذلك علمت أنَّ ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بمثابة ما لو قلت: وطعام المؤتين الكتاب، بصيغة اسم المفعول، ولم يقل أحد: إنَّ مفهوم اسم المفعول مفهوم لقب، لاشتماله على أمر هو المصدر يصلح أن يكون المتصف به مقصودًا للمتكلم دون غيره، كما ذكروا في مفهوم الصفة. فظهر أن إيتاء الكتاب صفة خاصة بهم دون غيرهم، وهي العلة في إباحة طعامهم ونكاح نسائهم، فادعاء أنها مفهوم لقب سهوٌ ظاهر. وظهر أن التحقيق أن المفهوم في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مفهوم علة، ومفهوم العلة قسم من أقسام مفهوم الصفة، فالصفة أعم من العلة. وإيضاحه -كما بينه القرافي-: أن الصفة قد تكون مكملة للعلة لا علة تامة؛ كوجوب الزكاة في السائمة، فإن علته ليست السوم

стр. 116

فقط، ولو كان كذلك لوجبت في الوحوش؛ لأنها سائمة، ولكن العلة ملك ما يحصل به الغنى، وهي مع السوم أتم منها مع العلف، وهذا عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة. وظهر أن ما قاله الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- هو الصواب. وقد تمرر في علم الأصول أن المفهوم بنوعيه من مخصصات العموم، أما تخصيص العام بمفهوم الموافقة بقسميه فلا خلاف فيه، وممن حكى الإجماع عليه: الآمدي والسبكي في "شرح المختصر"، ودليل جوازه أن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. ومثاله: تخصيص حديث: "ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته". أي: يحل العِرض بقوله: مطلني، والعقوبة بالحبس؛ فإنه مخصَّصٌ بمفهوم الموافقة الذي هو الفحوى في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء/ ٢٣]؛ لأن فحواه تحريم أذاهما فلا يحبس الوالد بدين الولد. وأما تخصيصه بمفهوم المخالفة ففيه خلاف، والأرجح منه هو ما مشى عليه الحافظ ابن كثير -تغمده اللَّه برحمته الواسعة- وهو التخصيص. والدليل عليه ما قدمنا من أنَّ إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. وقيل: لا يجوز التخصيص به. ونقله الباجي عن أكثر المالكية. وحجة هذا القول: أن دلالة العام على ما دل عليه المفهوم بالمنطوق، وهو مقدم على المفهوم. ويجاب بأن المقدم عليه

стр. 117

منطوق خاص لا ما هو من أفراد العام، فالمفهوم مقدم عليه؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. واعتمد التخصيص صاحب "مراقي السعود" في قوله -في مبحث الخاص في الكلام على المخصصات المنفصلة-: واعتبرَ الإجماعَ جلُّ الناس ... وقسمي المفهوم كالقياس ومثال التخصيص بمفهوم المخالفة: تخصيص قوله ﷺ : "في أربعين شاة شاة"، الذي يشمل عمومُه السائمةَ والمعلوفةَ، بمفهوم قوله: "في الغنم السائمة زكاة" عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة، وهم الأكثر؛ لأنه يفهم منه أن غير السائمة لا زكاة فيها، فيخصص بذلك عموم: "في أربعين شاة شاة". والعلم عند اللَّه تعالى. المسألة الرابعة: ما صاده الكتابي بالجوارح والسلاح حلالٌ للمسلم؛ لأن العقر ذكاة الصيد. وعلى هذا القول الأئمة الثلاثة، وبه قال عطاء والليث والأوزاعي وابن المنذر وداود وجمهور العلماء، كما نقله عنهم النووي في "شرح المهذب". وحجة الجمهور واضحة، وهي قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وخالف مالك وابن القاسم ففرقا بين ذبح الكتابي وصيده مستدلين بقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة/ ٩٤]؛ لأنه خص الصيد بأيدي المسلمين ورماحهم دون غير المسلمين. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: الذي يظهر لي -واللَّه أعلم- أن هذا الاحتجاج لا ينهض على الجمهور، وأن الصواب مع الجمهور.

стр. 118

وقد وافق الجمهور من المالكية: أشهب وابن هارون وابن يونس والباجي واللخمي. ولمالكٍ في "الموازية" كراهته. قال ابن بشير: ويمكن حمل "المدونة" على الكراهة. المسألة الخامسة: ذبائح أهل الكتاب في دار الحرب كذبائحهم في دار الإسلام. قال النووي: وهذا لا خلاف فيه، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ. .﴾ الآية [المائدة/ ٤٢]. هذه الآية الكريم تدل على أن النبي ﷺ إذا تحاكم إليه أهل الكتاب مخير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم. وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك، وهى قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآية [المائدة/ ٤٩]. والجواب: أن قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ ناسخ لقوله: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة/ ٤٢]. وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وغير واحد. قاله ابن كثير. وقيل: معنى ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ أي: إذا حكمت بينهم فاحكم بما أنزل اللَّه لا باتباع الهوى. وعليه فالأُولى محكمة. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ الآية [المائدة/ ١٠٦].

стр. 119

هذه الآية تدل على قبول شهادة الكفار على الوصية في السفر. وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ [النحل/ ١٠٥]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور/ ٤]، أي: فالكافرون أحرى برد شهادتهم، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق/ ٢]، وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ. . .﴾ الآية [البقرة/ ٢٨٢]. والجواب عن هذا على قول من لا يقبل شهادة الكافرين على الإيصاء في السفر أنه يقول: إن قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ منسوخ بآيات اشتراط العدالة. والذي يقول بقبول شهادتهما يقول: هي محكمة مخصصة لعموم غيرها. وهذا الخلاف معروف، ووجه الجواب على كلا القولين ظاهر. وأما على قول من قال: إن معنى قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: من قبيلة الموصى، وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير قبيلة الموصى من سائر المسلمين، فلا إشكال في الآية. ولكن جمهور العلماء على أن قوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير المسلمين، وأن قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين. وعليه فالجواب ما تقدم. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ

стр. 120

لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ [المائدة/ ١٠٩]. هذه الآية يفهم منها أن الرسل لا يشهدون يوم القيامة على أممهم. وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أنهم يشهدون على أممهم، كقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء/ ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ. . .﴾ [النحل/ ٨٩]. والجواب من ثلاثة أوجه: الأول -وهو اختيار ابن جرير، وقال فيه ابن كثير: لا شك أنه حسن-: أن المعنى: لا علم لنا إلا علمٌ أنت أعلم به منا، فلا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، فنحن وإن عرفنا من أجابنا فإنما نعرف الظواهر ولا علم لنا بالبواطن، وأنت المطلع على السرائر وما تخفي الضمائر، فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم. الثاني -وبه قال مجاهد والسدي والحسن البصري، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره أنهم قالوا-: لا علم لنا؛ لما اعتراهم من شدة هول يوم القيامة، ثم زال ذلك عنهم فشهدوا على أممهم. والثالث -وهو أضعفها-: أن معنى قوله: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾ ماذا عملوا بعدكم، وما أحدثوا بعدكم؟ قالوا: لا علم لنا. ذكر ابن كثير وغيره هذا القول، ولا يخفى بعده عن ظاهر القرآن.

стр. 121

قوله تعالي: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ [المائدة/ ١١٥]. هذه الآية الكريمة تدل على أن أشد الناس عذابًا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة. وقد جاء في بعض الآيات ما يوهم خلاف ذلك، كقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء/ ١٤٥]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر/ ٤٦]. والجواب: أن آية ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ وآية ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ لا منافاة بينهما؛ لأن كلًا من آل فرعون والمنافقين في أسفل دركات النار في أشد العذاب، وليس في الآيتين ما يدل على أن بعضهم أشد عذابًا من الآخر. وأما قوله: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ الآية، فيجاب عنه من وجهين: الأول -وهو ما قاله ابن كثير-: أن المرأد بالعالمين عالموا زمانهم. وعليه فلا إشكال. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة/ ٤٧] كما تقدم. الثاني: ما قاله البعض من أن المراد به العذاب الدنيوي الذي هو مسخهم خنازير. ولكن يدل لأنه عذاب الآخرة ما رواه ابن جرير عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ أنه قال: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون".

стр. 122

وهذا الإشكال في أصحاب المائدة لا يتوجه إلا على القول بنزول المائدة، وأن بعضهم كفر بعد نزولها. أما على قول الحسن ومجاهد أنهم خافوا من الوعيد فقالوا: لا حاجة لنا في نزولها فلم تنزل، فلا إشكال. ولكن ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا﴾ يخالف ذلك، وعلى القول بنزولها لا يتوجه الإشكال إلا إذا ثبت كفر بعضهم، كما لا يخفى.

стр. 123

سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ. . .﴾ الآية [الأنعام/ ٦٢]. هذه الآية الكريمة تدل على أن اللَّه مولى الكافرين. ونظيرها قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾ [يونس/ ٣٠]. وقد جاء في آية أخرى ما يدل على خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾ [محمد/ ١١]. والجواب عن هذا: أن معنى كونه مولى الكافرين: أنه مالكهم المتصرف فيهم بما شاء. ومعنى كونه مولى المؤمنين دون الكافرين، أي: ولاية المحبة والتوفيق والنصر. والعلم عند اللَّه تعالى. وأما على قول من قال: إن الضمير في قوله: ﴿رُدُّوا﴾ وقوله: ﴿مَوْلَاهُمُ﴾ عائد إلى الملائكة، فلا إشكال في الآية أصلًا. ولكن الأول أظهر. قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ [الأنعام/ ٦٩]. هذه الآية الكريمة يفهم منها أنه لا إثم على من جالس الخائضين في آيات اللَّه بالاستهزاء والتكذيب.

стр. 124

وقد جاءت آية تدل على أن من جالسهم كان مثلهم في الإثم، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء/ ١٤٠]. اعلم أولًا أن في معنى قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ وجهين للعلماء: الأول: أن المعنى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ مجالسة الكفار عند خوضهم في آيات اللَّه من حساب الكفار من شيء. وعلى هذا الوجه فلا إشكال في الآية أصلًا. الوجه الثاني: أن معنى الآية: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ما يقع من الكفار من الخوض فى آيات اللَّه في مجالستهم لهم من شيء. وعلى هذا القول فهذا الترخيص في مجالسة الكفار للمتقين من المؤمنين كان في أول الإسلام للضرورة، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. وممن قال بالنسخ فيه: مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم، كما نقله عنهم ابن كثير. فظهر أن لا إشكال على كلا القولين. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ على الوجه الأول: أنهم إذا اجتنبوا مجالسيهم سلموا من الإثم، ولكن الأمر باتقاء مجالستهم عند الخوض في الآيات لا يسقط وجوب تذكيرهم ووعظهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، لعلهم

стр. 125

يتقون اللَّه بسبب ذلك. وعلى الوجه الثاني فالمعنى: إن الترخيص في المجالسة لا يسقط التذكير؛ لعلهم يتقون الخوض في آيات اللَّه بالباطل إذا وقعت منكم الذكرى لهم. وأما جعل الضمير للمتقين فلا يخفى بعده. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام/ ٩٢]. يتوهم منه الجاهل أن إنذاره ﷺ مخصوص بأم القرى وما يقرب منها دون الأقطار النائية عنها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، ونظيره قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ﴾ الآية [الشورى/ ٧]. وقد جاءت آيات أخر تصرح بعموم إنذاره ﷺ لجميع الناس، كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان/ ١]، وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام/ ١٩]، وقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف/ ١٥٨]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية [سبأ/ ٢٨]. والجواب من وجهين: الأول: أن المراد بقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ شامل لجميع الأرض،

стр. 126

كما رواه ابن جرير وغيره عن ابن عباس. الوجه الثاني: أنا لو سلمنا تسليمًا جدليًا أن قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ لا يتناول إلا القريب من مكة المكرمة -حرسها اللَّه-، كجزيرة العرب مثلًا؛ فإن الآيات الأخر نصت على العموم، كقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان/ ١]. وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه عند عامة العلماء، ولم يخالف فيه إلا أبو ثور، وقد قدمنا ذلك واضحًا بأدلته في سورة المائدة. فالآية على هذا القول كقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء/ ٢١٤]، فإنه لا يدل على عدم إنذار غيرهم، كما هو واضح. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام/ ٩٩]، وقوله أيضًا: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام/ ١٤١]. أثبت في هاتين الآيتين التشابه للزيتون والرمان، ونفاه عنهما. والجواب ما قاله قتادة ﵀ من أن المعنى: متشابهًا ورقها مختلفًا طعمها. واللَّه تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الآية [الأنعام/ ١٠٣]. هذه الآية الكريمة توهم أن اللَّه تعالى لا يرى بالأبصار.

стр. 127

وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه يرى بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة/ ٢٢ - ٢٣]، وكقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس/ ٢٦]، فالحسنى: الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه الكريم. وكذلك قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق/ ٣٥] على أحد القولين، وكقوله تعالى في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين/ ١٥] يفهم من دليل خطابه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم. والجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن المعنى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام/ ١٠٣] أي: في الدنيا. فلا ينافي الرؤية في الآخرة. الثاني: أنه عام مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة. وهذا قريب في المعنى من الأول. الثالث -وهو الحق-: أن المنفي في هذه الآية الإدراك المشعر بالإحاطة بالكُنْهِ، أما مطلق الرؤية فلا تدل الآية على نفيه، بل هو ثابت بهذه الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة، واتفاق أهل السنة والجماعة على ذلك. وحاصل هذا الجواب: أن الإدراك أخص من مطلق الرؤية؛ لأن الإدراك المراد به الإحاطة، والعرب تقول: رأيت الشيء وما أدركته. فمعنى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا تحيط به، كما أنه تعالى يَعْلَمُه

стр. 128

الخلق ولا يحيطون به علمًا. وقد اتفق العقلاء على أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فانتفاء الإدراك لا يلزم منه انتفاء مطلق الرؤية، مع أن اللَّه تعالى لا يُدْرِكُ كُنْهَه على الحقيقة أحد من الخلق. والدليل على صحة هذا الوجه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعًا: "حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه". فالحديث صريح في عدم الرؤية في الدنيا، ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقًا. والحاصل: أن رؤيته تعالى بالأبصار جائزة عقلًا في الدنيا والآخرة؛ لأن كل موجود يجوز أن يرى عقلًا، ويدل لجوازها عقلًا قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف/ ١٤٣]؛ لأنه لا يجهل الجائز في حق اللَّه تعالى عقلًا. وأما في الشرع: فهي جائزة وواقعة في الآخرة، ممتنعة في الدنيا. ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه مسلم وابن خزيمة مرفوعًا: "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا". والأحاديث برؤية المؤمنين له يوم القيامة متواترة. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾ [الأنعام/ ١٠٦]. لا يعارض آيات السيف؛ لأنها ناسخة له.

стр. 129

قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام/ ١٢٨]. هذه الآية الكريمة يفهم منها كون عذاب أهل النار غير باقٍ بقاء لا انقطاع له أبدًا. ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود/ ١٠٦ - ١٠٧]، وقوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ/ ٢٣]. وقد جاءت آيات تدل على أن عذابهم لا انقطاع له، كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء/ ١٦٩]. والجواب عن هذا من أوجه: أحدها: أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ معناه: إلا من شاء اللَّه عدم خلوده فيها من أهل الكبائر من الموحدين. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن بعض أهل النار يخرجون منها، وهم أهل الكبائر من الموحدين. ونقل ابن جرير هذا القول عن قتادة والضحاك وأبي سنان وخالد بن معدان. واختاره ابن جرير. وغاية ما في هذا القول إطلاق "ما" وإرادة "من"، ونظيره في القرآن: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء/ ٣]. الثاني: أن المدة التي استثناها اللَّه هي المدة التي بين بعثهم من قبورهم واستقرارهم في مصيرهم. قاله ابن جرير أيضًا.

стр. 130

الوجه الثالث: أن قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فيه إجمال، وقد جاءت الآيات والأحاديث الصحيحة مصرحة بأنهم خالدون فيها أبدًا. وظاهرها أنه خلود لا انقطاع له، والظهور من المرجحات، فالظاهر مقدم على المجمل، كما تقرر في الأصول. ومنها: أن "إلَّا" في سورة هود بمعنى: سوى ما شاء اللَّه من الزيادة على مدة دوام السموات والأرض. وقال بعض العلماء: إن الاستثناء على ظاهره، وأنه يأتي على النار زمان ليس فيها أحد. وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون أحقابا. وعن ابن عباسٍ أنها تأكلهم بأمر اللَّه. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: الذي يظهر لي -واللَّه تعالى أعلم- أن هذه الدار التي لا يبقى فيها أحد يتعين حملها على الطبقة التي كان فيها عصاة المسلمين، كما جزم به البغوي في تفسيره؛ لأنه يحصل به الجمع بين الأدلة، وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وقد أطبق العلماء على وجوب الجمع إذا أمكن. أما ما يقول كثير من العلماء من الصحابة ومَنْ بعدهم من أن النار تفنى وينقطع العذاب عن أهلها، فالآيات القرآنية تقتضي عدم صحته. وإيضاحه: أن المقام لا يخلو من إحدى خمس حالات بالتقسيم

стр. 131

الصحيح، وغيرها راجع إليها: الأولى: أن يقال بفناء النار، وأن استراحتهم من العذاب بسبب فنائها. الثانية: أن يقال: إنهم ماتوا، وهي باقية. الثالثة: أن يقال: إنهم أخرجوا منها، وهي باقية. الرابعة: أن يقال: إنهم باقون فيها إلا أن العذاب يخفف عليهم. وذهابُ العذاب رأسًا، واستحالته لذةً، لم نذكرهما من الأقسام؛ لأنَّا نقيم البرهان على نفي تخفيف العذاب، ونفي تخفيفه يلزمه نفي ذهابه واستحالته لذةً، فاكتفينا به لدلالة نفيه على نفيهما. وكل هذه الأقسام الأربعة يدل القرآن على بطلانه. أما فناؤها: فقد نص تعالى على عدمه بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء/ ٩٧]. وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ في خلود أهل الجنة وخلود أهل النار. وبيَّن عدم الانقطاع في خلود أهل الجنة بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود/ ١٠٨]، وبقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص/ ٥٤]، وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل/ ٩٦]. وبين عدم الانقطاع في خلود أهل النار بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء/ ٩٧]، فمن يقول: إن للنار خبوة ليس

стр. 132

بعدها زيادة سعير، رُدَّ عليه بهذه الآية الكريمة. ومعلوم أن "كلما" تقتضي التكرار بتكرار الفعل الذي بعدها، ونظيرها قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ الآية [النساء/ ٥٦]. وأما موتهم: فقد نص تعالى على عدمه بقوله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر/ ٣٦]، وقوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾ [طه/ ٧٤]، وقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم/ ١٧]، وقد بين ﷺ في الحديث الصحيح أن الموت يجاء به يوم القيامة في صورة كبش أفلَح، فيذبح، وإذا ذبح الموت حصل اليقين بأنه لا موت، كما قال ﷺ : "ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". وأما إخراجهم منها: فنص تعالى على عدمه بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة/ ١٦٧]، وبقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة/ ٢٠]، وبقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ [المائدة/ ٣٧]. وأما تخفيف العذاب عنهم: فنص تعالى على عدمه بقوله: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر/ ٣٦]، وقوله: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ [النبأ/ ٣٠]، وقوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ [الزخرف/ ٧٥]، وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾ [الفرقان/ ٦٥]، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ [الفرقان/ ٧٧]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)﴾ [النحل/ ٨٥]، وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ [المائدة/ ٣٧].

стр. 133

ولا يخفى أن قوله: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ وقوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ كلاهما فعل في سياق النفي، فحرف النفي ينفي المصدر الكامن في الفعل، فهو في معنى: لا تخفيف للعذاب عنهم، ولا تفتير له. والقول بفنائها يلزمه تخفيف العذاب وتفتيره المنفيان في هذه الآيات، بل يلزمه ذهابهما رأسًا، كما أنه يلزمه نفي ملازمة العذاب المنصوص عليها بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾، وقوله ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾، وإقامتِه المنصوصِ عليها بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾. فظاهر هذه الآيات عدم فناء النار المصرح به في قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء/ ٩٧]. وما احتج به بعض العلماء من أنه لو فُرِضَ أن اللَّه أخبر بعدم فنائها أن ذلك لا يمنع فناءها؛ لأنه وعيد وإخلاف الوعيد من الحسن لا من القبيح، وأن اللَّه تعالى ذكر أنه لا يخلف وعده، ولم يذكر أنه لا يخلف وعيده؛ وأن الشاعر قال: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلفُ إيعادي ومنجز موعدي فالظاهر عدم صحته؛ لأمرين: الأول: أنه يلزمه جواز ألا يدخل النار كافر؛ لأن الخبر بذلك وعيد، وإخلافه على هذا القول لا بأس به. الثاني: أنه تعالى صرح بحق وعيده على من كذَّب رسله حيث قال: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾ [ق/ ١٤].

стр. 134

وقد تقرر في مسلك النص من مسالك العلة أن الفاء من حروف التعليل، كقولهم: سها فسجد، أي: سجد لعلة سهوه. وسرق فقطعت يده، أي: لعلة سرقته. فقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾ أي: وجب وقوع الوعيد عليهم لعلة تكذيب الرسل. ونظيرها قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ [ص/ ١٤]. ومن الأدلة الصريحة في ذلك: تصريحه تعالى بأن قوله لا يبدل فيما أوعد به أهل النار، حيث قال: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق/ ٢٨ - ٢٩]. ويستأنس لذلك بظاهر قوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ إلى قوله إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان/ ٣٣]، وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ [الطور/ ٧]. فالظاهر أن الوعيد الذي يجوز إخلافه وعيدُ عصاة المؤمنين؛ لأن اللَّه بين ذلك بقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء/ ٤٨]. فإذا تبين بهذه النصوص بطلان جميع هذه الأقسام، تعيَّن القسم الخامس الذي هو خلودهم فيها أبدًا بلا انقطاع ولا تخفيف، بالتقسيم والسبر الصحيح. ولا غرابة في ذلك؛ لأن خبثهم الطبيعي دائم لا يزول، فكان جزاؤهم دائمًا لا يزول. والدليل على أن خبثهم لا يزول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ

стр. 135

فقوله: ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق الشرط، فهي تعم، فلو كان فيهم خيرًا ما في وقتٍ ما لعلمه اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام/ ٢٨]، وعَوْدُهم بعد معاينة العذاب لا يستغرب بعده عَوْدُهم بعد مباشرة العذاب؛ لأن رؤية العذاب عيانًا كالوقوع فيه، لا سيما وقد قال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ [ق/ ٢٢]، وقال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الآية [مريم/ ٣٨]. وعذاب الكفار للإهانة والانتقام لا للتطهير والتمحيص، كما أشار تعالى بقوله: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة/ ١٧٤]، وبقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران/ ١٧٨]. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنعام/ ١٤٨]. هذا الكلام الذي قالوه -بالنظر إلى ذاته- كلامٌ صدقٌ لا شك فيه؛ لأن اللَّه لو شاء لم يشركوا به شيئًا، ولم يحرموا شيئًا مما لم يحرمه كالبحائر والسوائب. وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام/ ١٠٧]، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة/ ١٣]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام/ ٣٥]. وإذا كان هذا الكلام الذي قاله الكفار حقًّا فما وجه تكذيبه تعالى لهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ

стр. 136

عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام/ ١٤٨]؟ ونظير هذا الإشكال بعينه في سورة الزخرف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ [الزخرف/ ٢٠]. والجواب: أن هذا الكلام الذي قاله الكفار كلام حق أريد به باطل، فتكذيب اللَّه لهم واقع على باطلهم الذي قصدوه بهذا الكلام الحق. وإيضاحه: أن مرادهم: أنهم لما كان كفرهم وعصيانهم بمشيئة اللَّه، وأنه لو شاء لمنعهم من ذلك، فعدم منعه لهم دليل على رضاه بفعلهم. فكذَّبهم اللَّه في ذلك مبينًا أنه لا يرضى بكفرهم، كما نص عليه بقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر/ ٧]، فالكفار زعموا أن الإرادة الكونية يلزمها الرضى، وهو زعم باطل، بل اللَّه يريد بإرادته الكونية ما لا يرضاه، بدليل قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة/ ٧] مع قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، والذي يلازم الرضى حقًّا إنما هو الإرادة الشرعية. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [الأنعام/ ١٥١]. هذه الآية تدل على أن هذا الذي يتلوه عليهم حرمه ربهم عليهم، فيوهم أن معنى قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أن

стр. 137

الإحسان بالوالدين وعدم الشرك حرامٌ، والواقع خلاف ذلك، كما هو ضروري. وفي هذه الآية الكريمة كلام كثير للعلماء، وبحوث ومناقشات كثيرة لا تتسع هذه العجالة لاستيعابها. منها: أنها صلة، كما يأتي. ومنها: أنها بمعنى: أبينه لكلم لئلا تشركوا، ومن أطاع الشيطان مستحلاًّ فهو مشرك، بدليل قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام/ ١٢١]. ومنها: أن الكلام تَمَّ عند قوله: ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾، وأن قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ اسم فعل يتعلق بما بعده على أنه معموله. ومنها غير ذلك. وأقرب تلك الوجوه عندنا هو ما دل عليه القرآن؛ لأن خير ما يفسر به القرآن القرآن، وذلك هو أن قوله تعالى: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ مضمَّن معنى: ما وصاكم ربكم به تركًا وفعلًا. وإنما قلنا: إن القرآن دل على هذا؛ لأن اللَّه رفع هذا الإشكال وبين مراده بقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾، فيكون المعنى وصاكم ألا تشركوا. ونظيره من كلام العرب قول الراجز: حَجَّ وأوصى بسليمى الأَعْبُدَا ... أن لا ترى ولا تُكَلَّمْ أحدا ومن أقرب الوجوه بعد هذا وجهان:

стр. 138

الأول: أن المعنى: يبينه لكم لئلا تشركوا. والثاني: أن "أنْ" من قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ مفسرة للتحريم. والقدحُ فيه بأن قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام/ ١٥٣] معطوف عليه، وعطفه عليه ينافي التفسير، مدفوعٌ بعدم تعيَّن العطف؛ لاحتمال حذف حرف الجر، فيكون المعنى: ولأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه. كما ذهب إليه بعضهم. ولكن القول الأول هو الصحيح -إن شاء اللَّه تعالى-، وعليه فلا إشكال في الآية أصلًا.

стр. 139

سورة الأعراف قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية [الأعراف/ ٦]. هذه الآية الكريمة تدل على أن اللَّه يسأل جميع الناس يوم القيامة. ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر/ ٩٢ - ٩٣]، وقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات/ ٢٤]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص/ ٦٥]. وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك، كقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن/ ٣٩]، وكقوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص/ ٧٨]. والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: الأول -وهو أوجهها؛ لدلالة القرآن عليه-: هو أن السؤال قسمان: سؤال توبيخ وتقريع، وأداتُه غالبًا "لِمَ". وسؤال استخبار واستعلام، وأداتُه غالبًا "هل". فالمثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع، والمنفي هو سؤال الاستخبار والاستعلام. وجه دلالة القرآن على هذا: أن سؤاله لهم المنصوص في [القرآن] (١) كلُّه توبيخٌ وتقريع، كقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ

стр. 140

لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ [الصافات/ ٢٤ - ٢٥]، وقوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)﴾ [الطور/ ١٥]، وكقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام/ ١٣٠]، وكقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)﴾ [الملك/ ٨]، إلى غير ذلك من الآيات. وسؤالُ اللَّه للرسل: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة/ ١٠٩] لتوبيخ الذين كذبوهم، كسؤال الموءودة: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير/ ٩] لتوبيخ قاتلها. الوجه الثاني: أن في القيامة مواقف متعدد، ففي بعضها يسألون، وفي بعضها لا يسألون. الوجه الثالث: هو ما ذكره الحليمي من أن إثبات السؤال محمول على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل، وعدم السؤال محمول على ما يستلزمه الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص/ ٦٥]. والعلم عند اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ الآية [الأعراف/ ١٢]. في هذه الآية إشكال بين قوله: ﴿مَنَعَكَ﴾ مع "لا" النافية؛ لأن المناسب في الظاهر لقوله: ﴿مَنَعَكَ﴾ -بحسب ما يسبق الى ذهن السامع لا ما في نفسى الأمر- هو حذف "لا"، فيقول: "ما منعك أن تسجد" دون "ألا تسجد". وأجيب عن هذا بأجوبة، من أقربها: هو ما اختاره ابن جرير في

стр. 141

تفسيره، وهو أن في الكلام حذفًا دل المقام عليه. وعليه، فالمعنى: ما منعك من السجود، فأحوجك أن لا تسجد إذ أمرتك؟ وهذا الذي اختاره ابن جرير، قال ابن كثير: إنه حسن قوي. ومن أجوبتهم: أن "لا" صلة. ويدل له قوله تعالى في سورة ص: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ﴾ الآية [ص/ ٧٥]. وقد وعدنا فيما مضى أنَّا -إن شاء اللَّه- نبين القول بزيادة "لا" مع شواهده العربية في الجمع بين قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ البلد/ ١] وبين قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين/ ٣]. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف/ ٢٨]. هذه الآية الكريمة يتوهم خلاف ما دلت عليه من ظاهر آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ الآية [الإسراء/ ١٦]. والجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه: الأول -وهو أظهرها-: أن معنى قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أي بطاعة اللَّه وتصديق الرسل ﴿فَفَسَقُوا﴾ أي: بتكذيب الرسل ومعصية اللَّه تعالى. فلا إشكال في الآية أصلًا. الثاني: أن الأمر في قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أمر كوني قدري، لا أمر شرعي. أي: قدَّرنا عليهم الفسق بمشيئتنا.

стр. 142

والأمر الكوني القدري كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف/ ١٦٦]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس/ ٨٢]. والأمر في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف/ ٢٨] أمر شرعي ديني. فظهر أن الأمر المنفي غير الأمر المثبت. الوجه الثالث: أن معنى ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أي: كثَّرناهم حتى بطروا النعمة ففسقوا. ويدل لهذا المعنى الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد مرفوعًا من حديث سويد بن هبيرة ﵁: "خير مال امرئ: مهرة مأمورة أو سكة مأبورة". فقوله: "مأمورة، أي: كثيرة النسل. وهي محل الشاهد. قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ﴾ الآية [الأعراف/ ٥١]، وأمثالها من الآيات كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة/ ٦٧]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه/ ١٢٦]، وقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾ الآية [الجاثية/ ٣٤]. لا يعارض قوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه/ ٥٢]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم/ ٦٤]؛ لأن معنى ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ ونحوه: أي: نتركهم في العذاب محرومين من كل خير. واللَّه تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧)﴾ الآية

стр. 143

[الأعراف/ ١٠٧]. هذه الآية تدل على شبه العصا بالثعبان، وهو لا يطلق إلا على الكبير من الحيات. وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ الآية [القصص/ ٣١]؛ لأن الجان هو الحية الصغيرة. والجواب عن هذا: أنه شبهها بالثعبان في عظم خلقتها، وبالجانِّ في اهتزازها وخفتها وسرعة حركتها، فهي جامعة بين العظم وخفة الحركة على خلاف العادة.

стр. 144

سورة الأنفال قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [الأنفال/ ٢]. هذه الآية تدل على أن وجل القلوب عند سماع ذكر اللَّه من علامات المؤمنين. وقد جاء في آية أخرى ما يدل علي خلاف ذلك، وهي قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد/ ٢٨]. فالمنافاة بين الطمأنينة ووجل القلوب ظاهرٌ. والجواب عن هذا: أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر/ ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية [آل عمران/ ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ الآية [المؤمنون/ ٦٠]. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الآية [الأنفال/ ٢٤]. هذه الآية تدل بظاهرها على أن الاستجابة للرسول -التي هي طاعته- لا تجب إلا إذا دعانا لما يحيينا. ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَلَا

стр. 145

يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة/ ١٢]. وقد جاء في آيات أخر ما يدل على وجوب اتباعه مطلقًا من غير قيد، كقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر/ ٧]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران/ ٣١]، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء/ ٨٠]. والظاهر أن وجه الجمع -واللَّه تعالى أعلم-: أن آيات الإطلاق مبينة أنه ﷺ لا يدعونا إلَّا لما يحيينا من خيري الدنيا والآخرة، فالشرط المذكور في قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ متوفر في دعاء النبي ﷺ ؛ لمكان عصمته، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم/ ٣ - ٤]. والحاصل: أن آية ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ مبينة أنه لا طاعة إلا لمن يدعو إلى ما يرضي اللَّه، وأن الآيات الأخر بينت أن النبي ﷺ لا يدعو أبدًا إلا إلى ذلك، صلوات اللَّه وسلامه عليه. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال/ ٣٣]. هذه الآية الكريمة تدل على أن لكفار مكهْ أمانَيْن يدفع اللَّه عنهم العذاب بسببهما: أحدهما: كونه ﷺ فيهم؛ لأن اللَّه لم يهلك أمة ونبيهم فيهم. والثاني: استغفارهم اللَّه.
следующие страницы →