تفسيره، وهو أن في الكلام حذفًا دل المقام عليه.
وعليه، فالمعنى: ما منعك من السجود، فأحوجك أن لا تسجد إذ أمرتك؟
وهذا الذي اختاره ابن جرير، قال ابن كثير: إنه حسن قوي.
ومن أجوبتهم: أن "لا" صلة. ويدل له قوله تعالى في سورة ص: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ﴾ الآية [ص/ ٧٥].
وقد وعدنا فيما مضى أنَّا -إن شاء اللَّه- نبين القول بزيادة "لا" مع شواهده العربية في الجمع بين قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ البلد/ ١] وبين قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين/ ٣].
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف/ ٢٨].
هذه الآية الكريمة يتوهم خلاف ما دلت عليه من ظاهر آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ الآية [الإسراء/ ١٦].
والجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه:
الأول -وهو أظهرها-: أن معنى قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أي بطاعة اللَّه وتصديق الرسل ﴿فَفَسَقُوا﴾ أي: بتكذيب الرسل ومعصية اللَّه تعالى. فلا إشكال في الآية أصلًا.
الثاني: أن الأمر في قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أمر كوني قدري، لا أمر شرعي. أي: قدَّرنا عليهم الفسق بمشيئتنا.
стр. 142
والأمر الكوني القدري كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف/ ١٦٦]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس/ ٨٢]. والأمر في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف/ ٢٨] أمر شرعي ديني.
فظهر أن الأمر المنفي غير الأمر المثبت.
الوجه الثالث: أن معنى ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أي: كثَّرناهم حتى بطروا النعمة ففسقوا.
ويدل لهذا المعنى الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد مرفوعًا من حديث سويد بن هبيرة ﵁: "خير مال امرئ: مهرة مأمورة أو سكة مأبورة". فقوله: "مأمورة، أي: كثيرة النسل. وهي محل الشاهد.
قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ﴾ الآية [الأعراف/ ٥١]، وأمثالها من الآيات كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة/ ٦٧]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه/ ١٢٦]، وقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾ الآية [الجاثية/ ٣٤].
لا يعارض قوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه/ ٥٢]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم/ ٦٤]؛ لأن معنى ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ ونحوه: أي: نتركهم في العذاب محرومين من كل خير. واللَّه تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧)﴾ الآية
стр. 143
[الأعراف/ ١٠٧].
هذه الآية تدل على شبه العصا بالثعبان، وهو لا يطلق إلا على الكبير من الحيات.
وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ الآية [القصص/ ٣١]؛ لأن الجان هو الحية الصغيرة.
والجواب عن هذا: أنه شبهها بالثعبان في عظم خلقتها، وبالجانِّ في اهتزازها وخفتها وسرعة حركتها، فهي جامعة بين العظم وخفة الحركة على خلاف العادة.
стр. 144
سورة الأنفال
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [الأنفال/ ٢].
هذه الآية تدل على أن وجل القلوب عند سماع ذكر اللَّه من علامات المؤمنين.
وقد جاء في آية أخرى ما يدل علي خلاف ذلك، وهي قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد/ ٢٨].
فالمنافاة بين الطمأنينة ووجل القلوب ظاهرٌ.
والجواب عن هذا: أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر/ ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية [آل عمران/ ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ الآية [المؤمنون/ ٦٠].
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الآية [الأنفال/ ٢٤].
هذه الآية تدل بظاهرها على أن الاستجابة للرسول -التي هي طاعته- لا تجب إلا إذا دعانا لما يحيينا. ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَلَا
стр. 145
يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة/ ١٢].
وقد جاء في آيات أخر ما يدل على وجوب اتباعه مطلقًا من غير قيد، كقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر/ ٧]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران/ ٣١]، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء/ ٨٠].
والظاهر أن وجه الجمع -واللَّه تعالى أعلم-: أن آيات الإطلاق مبينة أنه ﷺ لا يدعونا إلَّا لما يحيينا من خيري الدنيا والآخرة، فالشرط المذكور في قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ متوفر في دعاء النبي ﷺ ؛ لمكان عصمته، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم/ ٣ - ٤].
والحاصل: أن آية ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ مبينة أنه لا طاعة إلا لمن يدعو إلى ما يرضي اللَّه، وأن الآيات الأخر بينت أن النبي ﷺ لا يدعو أبدًا إلا إلى ذلك، صلوات اللَّه وسلامه عليه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال/ ٣٣].
هذه الآية الكريمة تدل على أن لكفار مكهْ أمانَيْن يدفع اللَّه عنهم العذاب بسببهما:
أحدهما: كونه ﷺ فيهم؛ لأن اللَّه لم يهلك أمة ونبيهم فيهم.
والثاني: استغفارهم اللَّه.
стр. 146
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال/ ٣٤] يدل على خلاف ذلك.
والجواب من أربعة أوجه:
الأول -وهو اختيار ابن جرير، ونقله عن قتادة والسدي وابن زيد-: أن الأمانَيْن منتفيان، فالنبي ﷺ خرج من بين أظهرهم مهاجرًا، واستغفارهم معدومٌ؛ لإصرارهم على الكفر.
فجملة الحال أريد بها أن العذاب لا ينزل بهم في حالة استغفارهم لو استغفروا، ولا في حالة وجود نبيِّهم فيهم؛ لكنه خرج من بين أظهُرهم، ولم يستغفروا؛ لكفرهم.
ومعلومٌ أن الحال قيدٌ لعاملها وصفٌ لصاحبها. فالاستغفار -مثلًا- قيدٌ في نفي العذاب، لكنهم لم يأتوا بالقيد. فتقرير المعنى: وما كان اللَّه معذبهم وهم يستغفرون لو استغفروا.
وبعد انتفاء الأمرين عذبهم بالقتل والأسر يوم بدر، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة/ ٢١].
الوجه الثاني: أن المراد بقوله: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ استغفار المؤمنين المستضعفين بمكة.
وعليه، فالمعنى: أنه بعد خروجه ﷺ كان استغفار المؤمنين سببًا لرفع العذاب الدنيوي عن الكفار المستعجلين للعذاب بقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية [الأنفال/ ٣٢].
стр. 147
وعلى هذا القول فقد أسند الاستغفار إلى مجموع أهل مكة الصادقِ بخصوص المؤمنين منهم. ونظير الآية عليه قولُه تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ [الأعراف/ ٧٧]، مع أن العاقر واحد منهم، بدليل قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ [القمر/ ٢٩] وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح/ ١٥ - ١٦] أي: جعل القمر في مجموعهن الصادقِ بخصوص السماء التي فيها القمر؛ لأنه لم يجعل في كل سماء قمرًا، وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام/ ١٣٠] أي: من مجموعكم الصادقِ بخصوص الإنس -على الأصح-؛ إذ ليس من الجن رسل.
وأما تمثيل كثير من العلماء لإطلاق المجموع مرادًا بعضُه بقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن/ ٢٢] زاعمين أن معنى قوله: ﴿مِنْهُمَا﴾ أي: من مجموعهما الصادقِ بخصوص البحر المِلْح؛ لأن العَذْبَ لا يخرج منه لؤلؤ ولا مرجان، فهو قول باطل بنص القرآن العظيم.
فقد صرح تعالى باستخراج اللؤلؤ والمرجان من البحرينِ كليهما حيث قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر/ ١٢] فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ صريح في إرادة العَذْبِ والمِلْح معًا. وقوله: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ هي: اللؤلؤ والمرجان.
وعلى هذا القول فالعذاب الدنيوي يدفعه اللَّه عنهم باستغفار
стр. 148
المؤمنين الكائنين بين أظهرهم، وقولُه تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: بعد خروج المؤمنين الذين كان استغفارهم سببًا لدفع العذاب الدنيوي، فبعد خروجهم عذب اللَّه أهل مكة في الدنيا بأن سلط عليهم رسوله ﷺ حتى فتح مكة.
ويدل لكونه تعالى يدفع العذاب الدنيوي عن الكفار بسبب وجود المسلمين بين أظهرهم ما وقع في صلح الحديبية، كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ [الفتح/ ٢٥].
فقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو تزيل الكفار من المسلمين لعذبنا الكفار بتسليط المسلمين عليهم، ولكنا رفعنا عن الكفار هذا العذاب الدنيوى لعدم تميزهم من المؤمنين، كما بينه بقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ. .﴾ الآية.
ونقل ابن جرير هذا القول عن ابن عباس والضحاك وأبي مالك وابن أبزى.
وحاصل هذا القول: أن كفار مكة لما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً. . .﴾ الآية، أنزل اللَّه قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، ثم لما هاجر النبي ﷺ بقيت طائفة من المسلمين بمكة يستغفرون اللَّه ويعبدونه، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾، فلما خرجت بقية المسلمين من مكة أنزل اللَّه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾
стр. 149
أي: أي شيء ثبث لهم يدفع عنهم عذاب اللَّه وقد خرج النبي ﷺ والمؤمنون من بين أظهرهم؟ !
فالآية على هذا كقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّه بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة/ ١٤].
الوجه الثالث: أن المراد بقوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ كفار مكة.
وعليه، فوجه الجمع: أن اللَّه تعالى يرد عنهم العذاب الدنيوي بسبب استغفارهم، أما عذاب الآخرة فهو واقع بهم لا محالة.
فقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: في الدنيا في حالة استغفارهم، وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ﴾ أي: في الآخرة وقد كانوا كفارًا في الدنيا.
ونقل ابن جرير هذا القول عن ابن عباس.
وعلى هذا القول فعمل الكافر ينفعه في الدنيا، كما فسر به جماعة قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور/ ٣٩] أي: أثابه من عمله الطيب في الدنيا، وهو صريح قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآية [هود/ ١٥].
وقولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران/ ٢٢] وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان/ ٢٣] ونحو ذلك من الآيات، يدل على بطلان عمل الكافر من أصله، كما أوضحه تعالى بقوله:
стр. 150
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فجعل كلتا الدارين ظرفًا لبطلان أعمالهم واضمحلالها، وسيأتي -إن شاء اللَّه- تحقيق هذا المقام في سورة هود.
الوجه الرابع: أن معنى قوله ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ أي: يُسْلِمون. أي: وما كان اللَّه معذبهم وقد سبق في علمه أن منهم من يسلم ويستغفر اللَّه من كفره.
وعلى هذا القول فقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ﴾ في الذين سبقت لهم الشقاوة، كأبي جهل وأصحابه الذين عذبوا بالقتل يوم بدر.
ونقل ابن جرير معنى هذا القول عن عكرمة ومجاهد.
وأما ما رواه ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري من أن قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ﴾ ناسخ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ فبطلانه ظاهر؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ الآية، خبرٌ من اللَّه بعدم تعذيبه لهم في حالة استغفارهم، والخبر لا يجوز نسخه شرعًا بإجماع المسلمين.
وأظهر هذه الأقوال الأولان منها.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية [الأنفال/ ٦٥].
ظاهر هذه الآية أن الواحد من المسلمين يجب عليه مصابرة عشرة من الكفار.
стр. 151
وقد ذكر تعالى ما يدل على خلاف ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية [الأنفال/ ٦٦].
والجواب عن هذا: أن الأول منسوخ بالثاني، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال/ ٦٦]. والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال/ ٧٢].
هذه الآية الكريمة تدل على أن من لم يهاجر لا ولاية بينه وبين المؤمنين حتى يهاجر.
وقد جاءت آية أخرى يفهم منها خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة/ ٧١]، فإنها تدل على ثبوت الولاية بين المؤمنين، وظاهرُها العموم.
والجواب من وجهين:
الأول: أن الولاية المنفية في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هي ولاية الميراث، أي: ما لكم شيء من ميراثهم حتى يهاجروا؛ لأن المهاجرين والأنصار كانوا يتوارثون بالمؤاخاة التي جعلها النبي ﷺ بينهم، فمن مات من المهاجرين ورثه أخوه الأنصاري دون أخيه المؤمن الذي لم يهاجر، حتى نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال/ ٧٥].
وهذا مروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. كما نقله عنهم
стр. 152
أبو حيان وابن جرير.
والولاية في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ولاية النصر والمؤازرة والتعاون والتعاضد؛ لأن المسلمين كالبنيان يشد بعضه بعضا، وكالجسد الواحد إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
وهذه الولاية لم تقصد بالنفي قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بدليل تصريحه تعالى بذلك في قوله بعده يليه: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْر﴾ الآية، فأثبت ولاية النصر بينهم بعد قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، فدل على أن الولاية المنفية غير ولاية النصر، فظهر أن الولاية المنفية غير المثبتة، فارتفع الإشكال.
الثاني: هو ما اقتصر عليه ابن كثير مستدلًا عليه بحديث أخرجه الإِمام أحمد ومسلم، أن معنى قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني؛ لا نصيب لكم في المغانم ولا في خُمُسِها إلا فيما حضرتم فيه القتال.
وعليه فلا إشكال في الآية.
ولا مانع من تناول الآية للجميع، فيكون المراد بها نفي الميراث بينهم، ونفي القسم لهم في الغنائم والخُمس.
والعلم عند اللَّه تعالى.
стр. 153
سورة براءة
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة/ ٥].
اعلم أولًا: أن المراد بهذه الأشهر الحرم أشهر المهلة المنصوص عليها بقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة/ ٢]، لا الأشهر الحرم التي هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، على الصحيح، وهو قول ابن عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واستظهر هذا القول ابن كثير؛ لدلالة سياق القرآن عليه، ولأقوال هؤلاء العلماء، خلافًا لابن جرير.
وعليه فالآية تدل بعمومها على قتال الكفار في الأشهر الحرم المعروفة، بعد انقضاء أشهر الإمهال الأربعة.
وقد جاءت آية أخرى تدل على عدم القتال فيها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [التوبة/ ٣٦].
والجواب: أن تحريم الأشهر الحرم منسوخ بعموم آيات السيف، ومن يقول بعدم النسخ يقول: هو مخصص لها. والظاهر أن
стр. 154
الصحيح (١) كونها منسوخة، كما يدل عليه فعل النبي ﷺ في حصار ثقيف في الشهر الحرام الذي هو ذو القعدة، كما ثبت في "الصحيحين" أنه خرج إلى هوازن في شوال، فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع لهم لجأوا إلى الطائف، فعمد إلى الطائف فحاصرهم أربعين يومًا وانصرف ولم يفتحها. فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام.
وهذا القول هو المشهور عند العلماء.
وعليه فقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ناسخ لقوله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، وقوله: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة/ ٢]، وقوله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة/ ١٩٤].
стр. 155
والمنسوخ من هذه ومن قوله: ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ هو تحريم الشهر في الأولى، والأشهر في الثانية، فقط، دون ما تضمنتاه من الخبر؛ لأن الخبر لا يجوز نسخه شرعًا.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة/ ٣٠ - ٣١].
هذه الآية فيها التنصيص الصريح على أن كفار أهل الكتاب مشركون؛ بدليل قوله فيهم: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ بعد أن بين وجوه شركهم، بجعلهم الأولاد للَّه واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابًا من دون اللَّه.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء/ ٤٨]؛ لإجماع العلماء أن كفار أهل الكتاب داخلون فيها.
وقد جاءت آيات أخر تدل بظاهرها على أن أهل الكتاب ليسوا من المشركين، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ الآية [البينة/ ١]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية [البينة/ ٦]، وقوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة/ ١٠٥]، والعطف يقتضي المغايرة.
والذي يظهر لمقيده -عفا اللَّه عنه -: أن وجه الجمع: أن الشرك أكبر المقتضي للخروج من الملة أنواع، وأهل الكتاب متصفون ببعضها وغير متصفين ببعض آخر منها.
стр. 156
أما البعض الذي هم غير متصفين به فهو ما اتصف به كفار مكة من عبادة الأوثان صريحًا. ولذا عطفهم عليهم؛ لاتصاف كفار مكة بما لم يتَّصف به أهل الكتاب من عبادة الأوثان، وهذه المغايرة هي التي سوغت العطف، فلا ينافي أن يكون أهل الكتاب مشركين بنوع آخر من أنواع الشرك الأكبر، وهو طاعة الشيطان والأحبار والرهبان.
فإن مطيع الشيطان إذا كان يعتقد أن ذلك صواب فهو عابد الشيطان مشركٌ -بعبادة الشيطان- الشركَ الأكبر المخلد في النار، كما بينته النصوص القرآنية، كقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ [النساء/ ١١٧]، فقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا﴾ معناه: وما يعبدون إلا شيطانًا؛ لأن عبادتهم للشيطان طاعتهم له فيما حرمه اللَّه عليهم، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية [يس/ ٦٠]، وقوله تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ [مريم/ ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ الآية [سبأ/ ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ الآية [الأنعام/ ١٣٧]. فكل هذا الكفر بشرك الطاعة في معصية اللَّه تعالى.
ولما أوحى الشيطان إلى كفار مكة أن يسألوا النبي ﷺ عن الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ وأنه إذا قال ﷺ : اللَّه قتلها، أن يقولوا: ما قتلتموه بأيديكم حلال، وما قتله اللَّه حرام، فأنتم إذا أحسن من اللَّه! = أنزل اللَّه في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ
стр. 157
لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام/ ١٢١]، فأقسم تعالى في هذه الآية على أن من أطاع الشيطان في معصية اللَّه أنه مشرك باللَّه.
ولما سأل علي بن حاتم النبي ﷺ عن قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة/ ٣١] كيف اتخذوهم أربابًا؟ قال النبي ﷺ : "ألم يحلو لهم ما حرَّم اللَّه، ويحرَّموا عليهم ما أحل اللَّه فاتبعوهم؟ " قال بلى. قال: "بذلك اتخذوهم أربابًا".
فبان أن أهل الكتاب مشركون من هذا الوجه الشرك الأكبر، وإن كانوا ككفار مكة في صريح عبادة الأوثان. والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية [التوبة/ ٤١].
هذه الآية الكريمة تدل على لزوم الخروج للجهاد في سبيل اللَّه على كل حال.
وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك، كقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الآية [التوبة/ ٩١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة/ ١٢٢].
والجواب: أن آية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ منىسوخة بآيات العذر المذكورة.
وهذا الموضع كان أمثلة ما نُسِخَ فيه الناسخُ؛ لأن قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ ناسخ لآيات الإعراض عن المشركين، وهو منسوخ بآيات العذر، كما ذكرنا آنفًا، والعلم عند اللَّه تعالى.
стр. 158
سورة يونس
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [يونس/ ١٨].
هذه الآية الكريمة تدل على أنهم يرجون شفاعة أصنامهم يوم القيامة.
وقد جاء في آيات أخر ما يدل على إنكارهم لأصل يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام/ ٢٩]، وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان/ ٣٥]، وقوله: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ [يس/ ٧٨]، إلى غير ذلك من الآيات.
والجواب: أنهم يرجون شفاعتها في الدنيا لإصلاح معاشهم، وفي الآخرة -على تقدير وجودها- لأنهم شاكُون فيها. نَصَّ على هذا ابن كثير في سورة الأنعام في تفسير قوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ الآية [الأنعام/ ٩٤].
ويدل له قوله تعالى عن الكافر: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت/ ٥٠]، وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ [الكهف/ ٣٦]؛ لأن "إن" الشرطية تدل على الشك في حصول الشرط، ويدل له قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ في الآيتين المذكورتين.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا
стр. 159
يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ الآية [يونس/ ٨٨].
نص اللَّه تعالى في هذه الآية على أن هذا دعاء موسى، ولم يذكر معه أحدًا، ثم قال: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس/ ٨٩].
والجواب: أن موسى لما دعا أَمَّنَ هارون على دعائه، والمؤمِّن أحد الداعِيَيْن.
وهذا الجمع مروي عن أبي العالية وأبي صالح وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس. قاله ابن كثير.
وبهذه الآية استدل بعض العلماء على أن قراءة الإِمام تكفي المأموم إذا أَمَّنَ له على قراءته؛ لأن تأمينه بمنزلة قراءته.
стр. 160
سورة هود
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ [هود/ ١٥].
هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأن الكافر يجازى بحسناته، كالصدقة وصلة الرحم وقِرى الضيف والتنفيس عن المكروب، في الدنيا دون الآخرة؛ لأنه تعالى قال: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ يعني الحياة الدنيا، ثم نص على بطلانها في الآخرة بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ الآية [هود/ ١٦].
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ الآية [الشورى/ ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية [الأحقاف/ ٢٠] على ما قاله ابن زيد، وقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور/ ٣٩] على أحد القولين، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال/ ٣٣] على أحد الأقوال الماضية في سورة الأنفال.
وقد صح عنه ﷺ أن الكافر يجازى بحسناته في الدنيا.
مع أنه جاءت آيات أخر تدل على بطلان عمل الكافر واضمحلاله من أصله، وفي بعضها التصريح ببطلانه في الدنيا مع الآخرة في كفر الردة وفي غيره.
أما الآيات الدالة على بطلانه من أصله، فكقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ
стр. 161
كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم/ ١٨] وكقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ الآية [النور/ ٣٩]، وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان/ ٢٣].
وأما الآيات الدالة على بطلانه في الدنيا مع الآخرة، فكقوله في كفر المرتد: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة/ ٢١٧]، وكقوله في كفر غير المرتد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾ [آل عمران/ ٢١ - ٢٢].
وبيَّن اللَّه تعالى في آيات أخر أن الإنعام عليهم في الدنيا ليس للإكرام بل للاستدراج والإهلاك، كقوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف/ ١٨٢ - ١٨٣]، وكقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران/ ١٧٨]، وكقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام/ ٤٤]، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون/ ٥٥ - ٥٦] وقوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم/ ٧٥]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف/ ٣٣ - ٣٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 162
والجواب من أربعة أوجه:
الأول -ويظهر لي صوابه؛ لدلالة ظاهر القرآن عليه-: أن من الكفار من يثيبه اللَّه بعمله في الدنيا كما دلت عليه آياتٌ وصح به الحديث، ومنهم من لا يثيبه في الدنيا كما دلت عليه آياتٌ أخر.
وهذا مشاهد فيهم في الدنيا، فمنهم من هو في عيش رغد، ومنهم من هو في بؤس وضيق.
ووجه دلالة القرآن على هذا: أنه تعالى أشار إليه بالتخصيص بالمشيئة في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء/ ١٨] فهي مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾، وعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾.
وممن صرح بأنها مخصصة لهما: الحافظ بن حجر في "فتح الباري" في كتاب الرقاق في الكلام على قول البخاري: "باب: المكثرون هم المقلون، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآيتين".
ويدل لهذا التخصيص قوله في بعض الكفار: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج/ ١١].
وجمهور العلماء على حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد، كما تقرر في الأصول.
الثاني -وهو وجية أيضًا-: أن الكافر يثاب عن عمله بالصحة وسعة الرزق والأولاد ونحو ذلك، كما صرح به تعالى في قوله:
стр. 163
﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ يعني الدنيا، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾، وبظاهرها المتبادر منها -كما ذكرنا- فسرها ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، كما نقله عنهم ابن جرير.
وعلى هذا فبطلان أعمالهم في الدنيا بمعنى أنها لم يُعْتَدَّ بها شرعًا في عصمة دم ولا ميراث ولا نكاح ولا غير ذلك، ولا تفتح لها أبواب السماء ولا تصعد إلى اللَّه تعالى، بدليل قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر/ ١٠] ولا تدخر لهم في الأعمال النافعة، ولا تكون في كتاب الأبرار في عليين، وكفى بهذا بطلانا.
أما مطلق النفع الدنيوي بها فهو عند اللَّه كلا شيء، فلا ينافي بطلانها، بدليل قوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ﴾ [آل عمران/ ١٨٥]، وقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت/ ٦٤]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إلى قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف/ ٣٣ - ٣٥]، والآيات في مثل هذا كثيرة.
ومما يوضح هذا المعنى حديث: "لو كانت الدنيا تزن عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء".
ذكر ابن كثير هذا الحديث في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ الآيات، ثم قال: أسنده البغوي من رواية زكرياء بن منظور عن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁-
стр. 164
عن النبي ﷺ فذكره.
ورواه الطبراني من طريق زمعة بن صالح عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ : "لو عدلت الدنيا عند اللَّه جناح بعوضة ما أعطى كافرًا منها شيئًا".
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: لا يخفى أن مراد الحافظ بن كثير ﵀ بما ذكرناه عنه: أن كلتا الطريقين ضعيفة، إلا أن كل واحدة منهما تعتضد بالأخرى، فيصلح المجموع للاحتجاج، كما تقرر في علم الحديث من أن الطرق الضعيفة المعتبر بها يشد بعضها بعضًا فتصلح للاحتجاج.
لا تخاصم بواحدٍ أهل بيت ... فضعيفان يغلبان قويّا
لأن زكريا بن منظور بن ثعلبة القرظي وزمعة بن صالح الجندي كلاهما ضعيف، وإنما روح مسلم عن زمعة مقرونًا بغيره لا مستقلًا بالرواية, كما بينه الحافظ ابن حجر في "التقريب".
الثالث: أن معنى: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: نعطيهم الغرض الذي عملوا من أجله في الدنيا، كالذي قاتل ليقال: جريء، والذي قرأ ليقال: قارئ، والذي تصدق ليقال: جواد، فقد قيل له ذلك. وهو المراد بتوفيتهم أعمالهم على هذا الوجه.
ويدل له الحديث الذي رواه أبو هريرة مرفوعًا في المجاهد، والقارئ، والمتصدق، أنه يقال لكل واحد منهم: إنما عملت ليقال، فقد قيل. أخرجه الترمذي مطولًا، وأصله عند مسلم كما قاله
стр. 165
ابن حجر. ورواه -أيضًا- ابن جرير.
وقد استشهد معاوية ﵁ لصحة حديث أبي هريرة هذا بقوله تعالى: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾، وهو تفسير منه ﵁ لهذه الآية بما يدل لهذا الوجه الثالث.
الرابع: أن المراد بالآية المنافقون الذين يخرجون للجهاد، لا يريدون وجه اللَّه، وإنما يريدون الغنائم، فإنهم يقسم لهم فيها في الدنيا ولا حظَّ لهم من جهادهم في الآخرة، والقَسْمُ لهم منها هو توفيتهم أعمالهم على هذا القول.
والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود/ ٤٥] الآية.
هذه الآية الكريمة تدل على أن هذا الابن من أهل نوح ﵇.
وقد ذكر تعالى ما يدل على خلاف ذلك حيث قال: ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود/ ٤٦].
والجواب: أن معنى قوله: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: الموعود بنجاتهم في قوله: . . . (١) لأنه كافر لا مؤمن.
стр. 166
وقول نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ يظنه مسلمًا من جملة المسلمين الناجين، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود/ ٤٦]، وقد شهد اللَّه أنه ابنه حيث قال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود/ ٤٢] إلا أنه أخبره بأن هذا الابن عملٌ غير صالح؛ لكفره، فليس من الأهل الموعود بنجاتهم، وإن كان من جملة الأهل نسبًا.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود/ ٦٩].
هذه الآية الكريمة تدل على أن إبراهيم رد السلام على الملائكة.
وقد جاء في سورة الحجر ما يوهم أنهم لما سلموا عليه أجابهم بأنه وَجلَ منهم مِنْ غير رَدِّ السلام، وذلك قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢)﴾ [الحجر/ ٥٢].
والجواب ظاهر، وهو: أن إبراهيم أجابهم بكلا الأمرين، ردِّ السلام والإخبارِ بوجله منهم، فذكر أحدهما في هود والآخر في الحجر.
ويدل لذلك ذكر تعالى ما يدل عليهما معًا في سورة الذاريات في قوله: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ [الذاريات/ ٢٥]؛ لأن قوله ﴿مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ يدل على وجله منهم.
ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ في هود
стр. 167
والذاريات، مع أن في كل منهما ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية [هود/ ١٠٧].
تقدم وجه الجمع بينه وبين الآيات التي يظن تعارضها معه -كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ - في سورة الأنعام، وسيأتي له -إن شاء اللَّه- زيادة إيضاح في سورة النبأ.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود/ ١١٨ - ١١٩].
اختلف العلماء في المشار إليه بقوله: "ذلك"، فقيل: إلا من رحم ربك وللرحمة خلقهم.
والتحقيق أن المشار إليه هو اختلافهم إلى شقي وسعيد، المذكور في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، ولذلك الاختلاف خلقهم، فخلق فريقًا للجنة وفريقًا للسعير، كما نص عليه بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية [الأعراف/ ١٧٩].
وأخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن مسعود ﵁: "ثم يبعث اللَّه إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد".
وروى مسلم من حديث عائشة ﵂: "يا عائشة، إن اللَّه خلق الجنة وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار
стр. 168
وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم".
وفي "صحيح مسلم" من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه قدَّر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء".
وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ : "كل ميسر لما خُلِقَ له".
وإذا تقرر أن قوله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ معناه: أنه خلقهم لسعادة بعض وشقاوة بعض، كما قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ الآية، وقال ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن/ ٢] فلا يخفى ظهور التعارض بين هذه الآيات مع قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات/ ٥٦].
والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
الأول -ونقله ابن جرير عن زيد بن أسلم وسفيان-: أن معنى الآية: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ أي: يعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقياء. فالحكمة المقصودة من إيجاد الخلق -التي هي عبادة اللَّه- حاصلة بفعل السعداء منهم، كما أشار له قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [الأنعام/ ٨٩].
وغاية ما يلزم على هذا القول أنه أطلق المجموع وأراد بعضهم، وقد بينا أمثال ذلك من الآيات التي أطلق فيها المجموع مرادًا بعضه
стр. 169
في سورة الأنفال.
الوجه الثاني -هو ما رواه ابن جرير عن ابن عباس، واختاره ابن جرير: أن معنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ أي: إلا لِيُقِرُّوا لي بالعبودية طوعًا أو كرهًا؛ لأن المؤمن يطيع باختياره، والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه جبرًا عليه.
الوجه الثالث -ويظهر لي أنه هو الحق؛ لدلالة القرآن عليه-: أن الإرادة في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ إرادة كونية قدرية، والإرادة في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ إرادة شرعية دينية.
فبيَّن في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أنه أراد بإرادته الكونية القدرية صيرورة قوم إلى السعادة، وآخرين إلى الشقاوة.
وبيَّن بقوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ أنه يريد العبادة بإرادته الشرعية الدينية من الجن والإنس، فيوفق من شاء بإرادته الكونية فيعبده، ويخذل من شاء فيمتنع من العبادة.
ووجه دلالة القرآن على هذا: أنه تعالى بيّنه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء/ ٦٤]، فعمَّم الإرادة الشرعية بقوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾، وبيَّن التخصيص في الطاعة بالإرادة الكونية بقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فالدعوة عامة والتوفيق خاص.
وتحقيق النسبة بين الإرادة الكونية القدرية والإرادة الشرعية
стр. 170
الدينية: أنه بالنسبة إلى وجود المراد وعدم وجوده فالإرادة الكونية أعم مطلقًا؛ لأن كل مراد شرعًا يتحقق وجوده في الخارج إذا أريد كونًا وقدرًا، كإيمان أبي بكر. وليس يوجد ما لم يُرَدْ كونًا وقدرًا ولو أريد شرعًا، كإيمان أبي لهب. فكل مراد شرعي حصل فبالإرادة الكونية، وليس كل مراد كوني حصل مرادًا في الشرع.
وأما بالنسبة إلى تعلق الإرادتين بعبادة الإنس والجن للَّه تعالى، فالإرادة الشرعية أعم مطلقًا والإرادة الكونية أخص مطلقًا؛ لأن كل فرد من أفراد الجن والإنس أراد اللَّه منه العبادة شرعًا ولم يردها من كلهم كونًا وقدرًا، فتعم الإرادة الشرعية عبادة جميع الثقلين، وتختص الإرادة الكونية بعبادة السعداء منهم، كما قدمنا من أن الدعوة عامة والتوفيق خاص، كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس/ ٢٥]، فصرح بأنه يدعوا الكل ويهدي من شاء منهم.
وليست النسبة بين الإرادة الشرعية والقدرية العموم والخصوص من وجه، بل هي العموم والخصوص المطلق، كما بيَّنا، إلا أن إحداهما أعم مطلقا من الأخرى باعتبار، والثانية أعم مطلقًا باعتبار آخر، كما بيَّنا.
والعلم عند اللَّه تعالى.
стр. 171
سورة يوسف
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ الآية [يوسف/ ١٠٠].
هذه الآية يدل ظاهرها على أن بعض الأنبياء ربما بعث من البادية.
وقد جاء في موضع آخر ما يدل على خلاف ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف/ ١٠٩].
وأجيب عن هذا بأجوبة:
منها: أن يعقوب نُبِّئ من الحضر، ثم انتقل بعد ذلك إلى البادية.
ومنها: أن المراد بالبدو نزول موضع اسمه "بدا"، هو المذكور في قوله جميل أو كثيِّر:
وأنتِ الذي حَبَّبْتِ شَغْبًا إلى بَدًا ... إليَّ وأوطاني بلادٌ سواهما
حللت بهذا مرة ثم مرة ... بهذا فطاب الواديان كلاهما
وهذا القول مروي عن ابن عباس.
ولا يخفى بعد هذا القول كما نبه عليه الألوسي في تفسيره.
ومنها: أن البدو الذي جاءوا منه مستند للحضر، فهو في حكمه.
واللَّه تعالى أعلم.
стр. 172
سورة الرعد
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد/ ٧].
هذه الآية الكريمهَ فيها التصريح بأن لكل قوم هاديًا.
وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن بعض الأقوام لم يكن لهم هاد، سواء فسرنا الهدى بمعناه الخاص أو بمعناه العام.
فمن الآيات الدالة على أن بعض الناس لم يكن لهم هادٍ بالمعنى الخاص: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [الأنعام/ ١١٦]، فهؤلاء المضلون لم يهدهم هادٍ الهدى الخاص، الذي هو التوفيق لما يرضي اللَّه. ونظيرها قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾ [هود/ ١٧]، وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف/ ١٠٣]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [الشعراء/ ٨] إلى غير ذلك من الآيات.
ومن الآيات الدالة على أن بعض الأقوام لم يكن لهم هادٍ بالمعنى العام، الذي هو إبانة الطريق: قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس/ ٦] بناء على التحقيق من أن "ما" نافية لا موصولة، وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآية [المائدة/ ١٩] فالذين ماتوا في هذه الفترة لم يكن لهم هادٍ بالمعنى الأعم أيضًا.
والجواب عن هذا من أربعة أوجه:
стр. 173
الأول: أن معنى قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ أي: داع يدعوهم ويُرشدهم، إما إلى خير كالأنبياء، وإما إلى شرٍّ كالشياطين. أي: وأنت يا رسول اللَّه مُنذرٌ هادٍ إلى كل خير.
وهذا القول مرويٌّ عن ابن عباس، من طريق علي بن أبي طلحة.
وقد جاء في القرآن استعمال الهدى في الإرشاد إلى الشرِّ أيضًا، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ [الحج/ ٤]، وقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ [الصافات/ ٢٣] وقوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء/ ١٦٨ - ١٦٩]. كما جاء في القرآن أيضًا إطلاق الإِمام على الداعي إلى الشرِّ، في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص/ ٤١] الآية.
الثاني: أن معنى الآية: أنت يا محمد ﷺ منذر، وأنا هادي كل قوم.
ويُروى هذا عن ابن عباس من طريق العوفي، وعن محمد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد. قاله ابن كثير.
وعلى هذا القول، فقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ يعني به نفسه جلَّ وعلا. ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر/ ١٤] يعني نفسه، كما قاله قتادهٌ. ونظيره من كلام العرب قول قتادة بن سلمة الحنفي:
ولئن بقيتُ لأرحلنَّ بغزوةٍ ... تحوي الغنائمَ أو يموت كريمُ
стр. 174
يعني نفسه.
وسيأتي تحرير هذا المبحث إن شاء اللَّه في سورة القارعة.
وتحرير المعنى على هذا القول: أنت يا محمد منذر، وأنا هادي كل قوم سبقت لهم السعادة والهدى في علمي؛ لدلالة آيات كثيرة على أنه تعالى هدى قومًا وأضلَّ آخرين، على وفق ما سبق به العلم الأزلي، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل/ ٣٧].
الثالث: أن معنى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ أي: قائد. والقائد: الإِمام، والإمام: العمل. قاله أبو العالية، كما نقله عنه ابن كثير.
وعلى هذا القول، فالمعنى: ولكل قومٍ عملٌ يهديهم إلى ما هم صائرون إليه من خير وشرٍّ.
ويدلُّ لمعنى هذا الوجه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَتلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس/ ٣٠]، على قراءة من قرأها بتاءين مثنَّاتين، بمعنى: تتبع كلُّ نفس ما أسلفت من خير وشرٍّ. وأما على القول بأن معنى ﴿تتلوا﴾: تقرأ في كتاب عملها ما قدَّمت من خير وشر، فلا دليل في الآية.
ويدلُّ له أيضًا حديث: "لِتتبعْ كلُّ أمَّة ما كانت تعبد؛ فيتبع من كان يعبدُ الشمسَ: الشمسَ، ويتبع مَنْ كان يعبد القمرَ: القمرَ، ويتبع مَنْ كان يعبد الطواغيتَ: الطواغيتَ. . . " الحديث.
الرابع -وبه قال مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد-: أنَّ المراد
стр. 175
بالقوم الأُمَّة، والمراد بالهادي النبي. فيكون معنى قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ أي: ولكل أُمَّة نبي، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ [فاطر/ ٢٤]، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس/ ٤٧].
وكثيرًا ما يُطلق في القرآن اسم القوم على الأُمَّة، كقوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف/ ٥٩]، وقوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ﴾ [الأعراف/ ٦٥]، وقوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ﴾ [الأعراف/ ٧٣]، ونحو ذلك.
وعلى هذا القول، فالمراد بالقوم في قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ أعمُّ من مُطلَق ما يصدُق عليه اسم القوم لغةً.
ومما يوضّح ذلك: حديث معاوية بن حيدة القشيري ﵁ في السنن والمسانيد: "أنتم تُوَفُّون سبعين أمّة. . . " الحديث.
ومعلومٌ أن ما يُطلق عليه اسم القوم لغةً، أكثر من سبعين بأضعاف.
وحاصل هذا الوجه الرابع: أن الآية كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ [فاطر/ ٢٤]، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس/ ٤٧]. وهذا لا إشكال فيه؛ لحصر الأُمَم في سبعين، كما بيَّن في الحديث. فآباء القوم الذين لم يُنْذَرُوا مثلًا، المذكورون في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس/ ٦] ليسوا أُمَّة مستقلَّة، حتى يرد الإشكال في عدم إنذارهم، مع قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾، بل هم بعض أُمَّة.
стр. 176
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾، لا يشكل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)﴾ [الفرقان/ ٥١]؛ لأن المعنى: أرسلنا إلى جميع القرى، بل إلى الأسود والأحمر، رسولًا واحدًا هو محمد ﷺ ، مع أنَّا لو شئنا أرسلنا إلى كل قرية بانفرادها رسولًا، ولكن لم نفعل ذلك؛ ليكون الإرسال إلى الناس كلهم فيه الإظهار لفضله ﷺ على غيره من الرسل، بإعطائه ما لم يُعطَه أحدٌ قبله من الرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام.
كما ثبت عنه ﷺ في "الصحيح" من أن عموم رسالته إلى الأسود والأحمر مما خصَّه اللَّه به دون غيره من الرسل.
وأقرب الأوجه المذكورة عندنا هو ما يدل عليه القرآن العظيم، وهو الوجه الرابع، وهو أن معنى الآية: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ أي: لكل أمة نبي، فلستَ يا نبي اللَّه بدعًا من الرسل.
ووجه دلالة القرآن على هذا: كثرة إتيان مثله في الآيات، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/ ٣٦]، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾.
وعليه، فالحكمة في الإخبار بأن لكل أمة نبيًا أن المشركين عجبوا من إرساله ﷺ إليهم، كما بينه تعالى بقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس/ ٢]، وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ [الإسراء/ ٩٤]، فأخبرهم أن إنذاره لهم ليس بعجب ولا غريب؛ لأن
стр. 177
لكل أمة منذرًا.
فالآية كقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف/ ٩]، وقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء/ ١٦٣].
والعلم عند اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ. . .﴾ الآية [الرعد/ ٣٦].
هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على إيمان أهل الكتاب؛ لأن الفرح بما أنزل على النبي ﷺ دليل الإيمان.
ونظيرها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة/ ١٢١]، وقوله: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ الآية [الإسراء/ ١٠٧].
وقد جاءت آيات تدل على خلاف ذلك، كقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [البينة/ ١ - ٦].
وبيَّن في موضع آخر أن الكافرين من أهل الكتاب أكثر، وهو قوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران/ ١١٠].
والجواب: أن الآية من العام المخصوص، فهي في خصوص المؤمنين من أهل الكتاب، كعبد اللَّه بن سلام ومن أسلم من اليهود،
стр. 178
وكالثمانين الذين أسلموا من النصارى المشهورين، كما قاله الماوردي وغيره، وهو ظاهر.
ويدل عليه التبعيض في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية [آل عمران/ ١٩٩].
стр. 179
سورة إبراهيم
قوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم/ ١٧].
يفهم من ظاهره موت الكافر في النار. وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ يصرح بنفي ذلك.
والجواب: أن معنى ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾ أي: أسبابه المقتضية له عادة، إلا أن اللَّه يمسك روحه في بدنه مع وجود ما يقتضي موته عادة.
وأوضح هذا المعنى بعض المتأخرين ممن لا حجة في قوله بقوله:
ولقد قتلتك بالهجاء فلم تمت ... إن الكلاب طويلة الأعمار
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ الآية [إبراهيم/ ٤٨].
هذه الآية الكريمة فيها التصريح بتبديل الأرض يوم القيامة.
وقد جاء في آية أخرى ما يتوهم منه أنها تبقى ولا تتغير، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ [الكهف/ ٧ - ٨]، فإنه تعالى في هذه الآية صرح بأنه جعل ما على الأرض زينة لها؛ لابتلاء الخلق، ثم بين أنه يجعل ما على الأرض صعيدًا جرزًا، ولم يذكر أنه يغير نفس الأرض، فيتوهم منه أن التغيير حاصل في ما عليها دون نفسها.
стр. 180
والجواب: هو أن حكمة ذكر ما عليها دونها؛ لأن ما على الأرض من الزينة والزخارف ومتاع الدنيا، هو سبب الفتنة والطغيان ومعصية اللَّه تعالى. فالإخبار عنه بأنه فانٍ زائل فيه أكبر واعظ وأعظم زاجر عن الإفتتان به، ولهذه الحكمة خص بالذكر. فلا ينافي تبديل الأرض المصرح به في الآية الأخرى، كما هو ظاهر.
مع أن مفهوم قوله: ﴿مَا عَلَيْهَا﴾ مفهوم لقب؛ لأن الموصول الذي هو "ما" واقع على جميع الأجناس الكائنة على الأرض زينة لها. ومفهوم اللقب لا يعتبر عند الجمهور، وإذا كان لا اعتبار به لم تظهر منافاة أصلًا. والعلم عند اللَّه تعالى.