← Акыда

Акыда · id 2827

شرح العقيدة الطحاوية - سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وبعد التوسعة للمسجد من جميع الجهات في أيام الوليد بن عبد الملك أصبحت الحجرات وكأنها داخلة في بناء المسجد، ثُمَّ جَاءَ عصر المماليك فأدخلت أكثر، وهكذا مع الزمن أصبح القبر كأنه وسط المسجد، وأصبح الجاهل الذي لا يدري يقول: إن المسجد بني عَلَى القبر، وكذا بعض الجهال يظنون أن الكعبة -البيت الحرام - إنما بنيت عَلَى قبر إبراهيم ﵇، لأن أكثر ما رسخ في أذهان الْمُسْلِمِينَ هو تقليد اليهود والنَّصارَى في اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، ثُمَّ تناقله الْمُسْلِمُونَ أنفسهم بعد، عَلَى أنه لا يوجد مسجد بأي مكان إلا وهو عَلَى قبر. وهذا من أعظم الخطر الذي أصاب الأمة الإسلامية، حتى لما جَاءَ التتر كَانَ بعض سدنة القبور يقول: يا خائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر فكان النَّاس يجتمعون عند أصحاب القبور يدعونهم ويقولون: إن المدينة الفلانية محروسة بالولي الفلاني -ويسمونه (الحارس) - فلا يدخلها التتار ولا الصليبيون لأن الحارس موجود. فإذا جَاءَ العدو تزاحموا عند القبر يدعون ... يا حارس! ... يا حارس!. فاقتحم التتار المدن ودمروها، لأن هذه الضلالات والخرافات لا تقف أمام الواقع والحقيقة. وهذا هو عين الشرك الذي إذا لم تتخلص هذه الأمة منه، فلن يرفع الله عنها الذل، وإذا وحدته وحده لا شريك له نصرها وأعلا شأنها.

стр. 1017

والشرك كما يباعد النَّاس عن الله وعن الجنة، فإنه يفرق القلوب، لأنه كذب وافتراء، فالحسين مثلاً: يُعبد في العراق عَلَى أن قبره هناك! ويُعبد فيالشام عَلَى أن قبره هناك! ويُعبد في مصر عَلَى أن قبره هناك! أو نفيسة، وزينب، وعَلِيّ، هم في كل مكان، حتى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- فإنه معروف قطعاً أنه إنما قتل في الكوفة، ودفن فيها في مكان مجهول، ومع ذلك نجد في مدينة من المدن الإسلامية التي تقع عَلَى الحدود مع الاتحاد السوفيتي، اسمها مزار شريف -أي المزار الشريف، فيقولون: هو دفن هناك وراء تركستان عَلَى حدود النهر. وحدثني بعض إخواننا من تلك البلاد ممن درسوا معنا، أن عدد من يزور هذا المزار يصل أكثر من أربعة ملايين سنوياً. -سُبْحانَ اللَّه العظيم! - كيف يلعب الشيطان بعقول هذه الأمة؟!، نعجب أن لعب بعقول اليهود والنَّصارَى واستحقوا اللعن الذي قاله النبي ﷺ : (لعن الله اليهود والنَّصارَى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ونعجب أكثر لأمة التوحيد التي تقول: لا إله إلا الله، والتي ترفع مآذنها خمس نداءات في اليوم "أشهد أن لا إله ألا الله وأشهد أن محمداً رَسُول الله"، فوافقنا أهل الكتاب اليهود والنَّصارَى -أعداء الله- في الشركيات وفي عبادة غير الله، فكيف تقدس أمة تتبع أعداء الله وتواليهم؟!.

стр. 1018

فأعظم أسباب وقوع الشرك هو: تعظيم الأولياء -وسيذكر المُصنِّفُ أسباباً أخرى- وقد رد الله تَعَالَى عليهم جميعاً فقَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:٥٧] أي: أُولَئِكَ المدعوون أنفسهم الذين يدعونهم هم يدعون الله، ويبتغون إِلَى ربهم الوسيلة، فهم يرجون رحمة الله، ويخافون عذابه، فكيف تأتي أنت وتدعوهم من دون الله؟! فإذا وقع بأحدهم الكرب قَالَ: يا عَلِيّ! يا عَلِيّ!، وعَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- عانى من الكروب في حياته، وآخرها انشقاق الأمة عليه، وخروج الخوارج عليه، حتى أتى الأشقى فقتله. فلم يملك عَلِيّ ﵁ لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولم يحم نفسه من هذا الخارجي، ولا من عدوان الخوارج، ولا ممن انشقوا عن طاعته. وكان يريد أن يكون أمير المؤمنين عامة ويتوحدوا جميعاً تحت طاعته، والحسين ﵁ لما خرج إِلَى البر وجاءه الجيش وقتلوه، لا شك أنه قتل مظلوماً، وأن دمه لا يحل، ولا يحل دم أي مسلم أصلاً، ولا يجوز القتال في الفتنة -أصلاً- بين الْمُسْلِمِينَ، لكن لما جاءوا وأحاطوا به مات عطشاناً في البر، لا يملك أي شيء. والآن! يبكون ويقولون: كيف نشرب الماء وقد مات الحسين عطشاناً في البر؟، ثُمَّ إذا نزل بأحدهم كرب قَالَ: يا حسين، سُبْحانَ اللَّه! كيف يقول ذلك والحسين لم يملك لنفسه شربة ماء؟! تعظيم الأولياء والصالحين يقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

стр. 1019

[ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب واتخاذ الأصنام بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها. وشرك قوم إبراهيم ﵇ كَانَ - فيما يقال- من هذا الباب، وكذلك الشرك بالملائكة والجن واتخاذ الأصنام لهم. وهَؤُلاءِ كانوا مقرين بالصانع، وأنه ليس للعالم صانعان، ولكن اتخذوا هذه الوسائط شفعاء، كما أخبر عنهم تَعَالَى بقوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:١٨] وكذلك كَانَ حال الأمم السالفة -الْمُشْرِكِينَ الذين كذبوا الرسل- كما حكى الله تَعَالَى عنهم في قصة صالح ﵇ عن التسعة رهط الذين تقاسموا بالله (أي: تحالفوا بالله) لنبيتنه وأهله، فهَؤُلاءِ المفسدون المُشْرِكُونَ تحالفوا بالله عَلَى قتل نبيهم وأهله، وهذا بيُّنٌ أنهم كانوا مؤمنين بالله إيمان الْمُشْرِكِينَ. فعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية، الذي يتضمن توحيد الربو بية. قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون

стр. 1020

وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُون [الروم:٣٠- ٣٦] اهـ. الشرح: يذكر المُصْنِّف من أعظم أسباب وقوع الشرك هو تعظيم الأولياء والصالحين من دون الله وهناك أسباب أخرى في وقوع الشرك، ومنها: تعظيم الكواكب. تعظيم الكواكب وهذا الشرك وجد عند الصابئين، كما كَانَ عند قوم إبراهيم ﵊، الذين كانوا يعبدون الأصنام ببلاد الشام تجاه حران وما حولها، فكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل، وما تزال هذه الهياكل أو بعضاً منها باقية إِلَى اليوم، حتى أن علماء الحفريات والآثار لما بحثوا وجدوا أن أُولَئِكَ القوم كانوا يبنون المراصد والهياكل.

стр. 1021

فهَؤُلاءِ القوم عظموا الكواكب، كما عظم أصحاب القبور قبورهم، والأولياء أولياءهم، ويبدو -والله أعلم- أن سبب تعظيمهم للكواكب أنهم رأوا الخلق والرزق والمطر والخير والبركة تنزل من السماء، ورأوا أن هذه أعظم شيء في السماء -كما يرون- فاتجهوا إِلَى تعظيم هذه المخلوقات، ولا سيما وقد أوحى إليهم الشيطان أنه إذا ظهر الكوكب الفلاني في المكان الفلاني يكون الدمار، وتكون الزلازل، ويكون الخسف، وإذا ظهر الكوكب الفلاني واقترب من الكوكب الفلاني يكون المطر، ويكون الخير، والرحمة والبركة، هذا مما أوحى الشيطان إِلَى الكهان والمنجمين منهم، فنظروا إِلَى هذه الكواكب نظرة التعظيم، واعتقدوا أن لهذه الكواكب تأثيراً في العوالم السفلية، وأن ما يقع في الأرض فإنه يكون بسبب تلك الكواكب، ولا يزال هذا فاشياً في الْمُشْرِكِينَ حتى اليوم، بل وبعض من يدعي الانتساب إِلَى هذه الملة يسألك عن نجمك! أو عن برجك! برج السرطان!! يقول لك: حظك طيب، وزواجك موفق وكذا وكذا!! أو يقول لك: لا، أنت من برج العقرب، وخطيبتك من برج السرطان، فلا تتزوجها وابحث عن واحدة من برج الحمل مثلاً! هذه الخرافات ما تزال حتى في هذه الأمة -نسأل الله أن يرفع عنها هذا البلاء والضلال ويردها إليه تائبة موحدة عابدة - فوقع هذا الشرك في الصابئين، ولذا كَانَ الآشوريون والبابليون وأمثالهم يبنون الهياكل العظيمة ويرصدون الكواكب، لا للعلم الجغرافي الذي هو معروف اليوم، وإنما لغرض التقرب إليها، ومعرفة أحوالها، والاستدلال بها عَلَى أحوال العالم الأرضي، وكان لها شياطينها؛ فكانت الشياطين تنزل وتوحي إِلَى أوليائها الأخبار عن أمور معينة، أو أحداث أو أحوال، فيأتي كهنة كل كوكب ويخبرون النَّاس بما أخبرهم، وأوحى به إليهم هَؤُلاءِ المردة والشياطين، فيظن النَّاس أن الإله هو الذي أوحى إليهم، وأنه الذي يملك هذه الحقائق، أو الذي يعلم الغيب، وهو الذي يدبر الكون.

стр. 1022

وكانت كل منطقة من المناطق تنافس المنطقة الأخرى، وتحاربها وتتقاتل معها، عَلَى أن إله هَؤُلاءِ أفضل من هَؤُلاءِ. هكذا كَانَ البشر يتخبطون في الضلالات والجهل، ثُمَّ وضعت أصنام في الأرض كما يقولون بما يتناسب مع طباع الكواكب، فبعضهم يعبد الكوكب في السماء، وبعضهم يعبد الأصنام في الأرض، وينحت هيكلاً من صخر؛ ويقول: هذا مناسب لطباع المشتري أو زحل، فيعبد النَّاس هذا الصنم بناء عَلَى تعظيم الكوكب الذي يتناسب مع طباعهم، ويأتي أولياءهم من الجن والشياطين، فتدخل في جوف هذه الأصنام والأحجار، فتكلمهم وتخاطبهم باسم الصنم المعبود، وهذا ما كَانَ حاصلاً إِلَى زمن بعثة النبي ﷺ ، فكانت الشياطين تخاطبهم من الأصنام، وتكلمهم وتحكم بينهم منها، فيظن النَّاس أن هذه الأرباب الآلهة هي التي تتكلم، وهكذا أغوى الشيطان بني آدم. الشرك بالملائكة وكذلك الشرك بالملائكة أو الجن، واتخاذ الأصنام لهم -كما يقول المصنف- فهناك قوم قالوا: الملائكة من جنس الصالحين، وهم عباد لله يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وقد أخبر الأَنْبِيَاء عن صفاتهم العظيمة، وطاعتهم لله . فقالوا: إذاً نتخذ الملائكة شفعاء عند الله، فندعو الملائكة من جبريل أو ميكائيل، أن يشفع لنا عند الله، ثُمَّ يدعونه استقلالاً، وإذا قيل لهم: لماذا تدعون الملائكة؟ قالوا: ما نعبدهم أو ندعوهم إلا ليقربونا إِلَى الله زلفى لأنهم أقرب عند الله، وأما أنا فمسكين مذنب، لا أستطيع أن أدعو الله، فكيف أدعو الله وأنا مليء بهذه الذنوب؟ وإنما أدعو هَؤُلاءِ لأنهم مقربين عند الله، فهم يشفعون عند الله.

стр. 1023

الله الذي فتح باب التوبة عَلَى مصراعيه! ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وهو يقبل التوبة عن عباده، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول وهو الذي ينجي كل من دعاه في ظلمات البر والبحر، فالله لا يحتاج إِلَى من يتوسط عنده، أو يشفع عنده، أو يدعى غيره، ويعبد غيره لكي ينزل رحمته عَلَى أحد؟!. سبحانك هذا بهتان عظيم! هذا أصل الذين عبدوا الملائكة. عبادة الجن وأما عبادة الجن، فيوم يبعثهم جميعاً -يَوْم القِيَامَةِ- يأمر الله كل أناس كانوا يعبدون الطواغيت، أن يتبعوا ما كانوا يعبدون، فيتبع عباد الطواغيت الطواغيت، ويتبع عباد الجن الجن، لأنهم كانوا في الدنيا يعبدونهم، فيحكم الله بين الطواغيت وبين عبادهم، فيقول الله : يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ [الأنعام:١٢٨]-أي: الذين يعبدون الجن أكثر طائفة بني آدم- وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا [الأنعام:١٢٨] .

стр. 1024

فسبب وقوع عبادة الجن هو: استمتاع الإنس بالجن بعضهم ببعض، هذا جواب الإنس، وقال تَعَالَى في سورة الجن: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [الجن:٦] فالإنسي يظن أنه يستفيد من الجني، فكان إذا نزل بوادٍ مخيفٍ قَالَ: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يعني: يحصل الاستمتاع بالسلامة من أذى الجن السفهاء، وذلك مقابل دعاء سيدهم، والجن استمتعوا، بأن الإنس عبدوهم من دون الله فاستمتع بعضهم ببعض، لكن زادوهم رهقاً، حيث يأتي الإنسي فيمر بالوادي، فيسلط سيد الوادي أحد الأتباع ليخيفه، فإذا أخافه وأرهقه قَالَ: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فزادوهم رهقاً وخوفاً ليزداد أُولَئِكَ لهم عبادة، وهذا هو الحاصل دائماً للمتعاملين مع الجن، يحصل لهم نوع من الاستمتاع بحيث يعظمه الناس، ويعطونه الأموال ويأتون له بما يشاء، مقابل أنه يشفي مرضاهم، ويفك السحر عنهم، أو يخبرهم بشيء ضيعوه، أو حاجة فقدوها، أو أمر من الأمور، فيحصل استمتاع للإنسي بما يأخذ من أموال الناس، وبما يكسب من الجاه ويقَالَ: هذا ولي، ويحصل الاستمتاع للجني، بأن يعبده هذا الرجل الذي يذهب إليه الناس، ويسألونه عن الأخبار، أو يطلبون فك السحر عنهم، وهم يعلمون أنه يتعامل مع الجن، فهو يسجد له، ويضع القُرْآن في الأماكن النجسة والقذرة تقرباً، ويكتب القُرْآن -والعياذ بالله - بالدم النجس القذر، ويجعله في أوراقٍ، ويسمونها حجباً أو أحرازاً، وإن صلى ظاهرا -أمام الناس- أو صام وزعم أنه مسلم. فمثلاً: أناس يعتقدون في هذا الولي، أنه يخرج الجن من الإِنسَان؛ لأنه يستخدم الجن، ويعرف كيف يفكهم، فيسبب الضرر لهم بتسليط أحد الأتباع -أوليائه- من الجن عَلَى أحد من الإنس فيدخل فيه، فيأتي الإنسي إِلَى الولي -من الإنس- ويقول: دخل جني في ولدي، فيقول الولي: الدواء عندي، فيقوم الولي

стр. 1025

الإنسي، فيتقرب إِلَى الجن بعبادتهم، فعندها يأمر السيد الجني وليه أن يخرج من الولد، فتكون النتيجة أن هذا الولي أخرج الجني وأنه رجل عظيم فيزيدهم رهقاً وشركاً. ويكثر في الأرض الشرك بسبب هَؤُلاءِ القوم، ولذلك يقول الله تعالى: إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَه [النحل:١٠٠] فالذين لا يعتقدون في هذا الرجل الصلاح -نهائياً- ولا يعتقدون أنه ولي، بل يعتقدون أنه مشرك يتعاون بالجن، هَؤُلاءِ يكونون أكثر حفظاً بإذن الله تَعَالَى من ضرر الجن من أُولَئِكَ الذين يعتقدون فيه الولاية والصلاح، ومع ذلك فلا شك أن هذا الأمر ابتلاء، فقد يبتلى الإِنسَان بالجن، وهو ليس من أوليائهم، ولا يعبدهم، ولا يعتقد فيهم، ولكن نسبة دخول الجن، وإيذائهم بهَؤُلاءِ المؤمنين الموحدين أقل بكثير جداً من نسبتها في القبائل أو الطوائف أو المدن التي تعتقد في هَؤُلاءِ الأولياء؛ لأن سلطان الشيطان عَلَى أوليائه الذين يتولونه أكثر، وحماية الله للذين لا يعتقدون فيهم ذلك قائمة، ومناعتهم من كيد هَؤُلاءِ الشياطين أكثر؛ لأن الذي يعتقد فيهم هو مستسلم، قد فتح قلبه وأفرغه؛ لأن تأتي إليه الشياطين بالأوهام، ثُمَّ بالمرض، ثُمَّ تأتيه بالعلاج. فيقولون: يا ملك الأرض السابعة من الجن، إن أحد أتباعك فلان، دخل في فلان فأخرجه منه بكذا وبكذا، ثُمَّ يكتبون أسماءً وأرقاماً وألغاز بالسريانية -كما يقولون- أو بلغة مجهولة لأن الشياطين تعلمهم رموزاً معينة هي رموز عبادتهم- فيكتبون هذه الرموز، ثُمَّ يدعونهم، فإذا دعاهم، أتى ملك هَؤُلاءِ الجن، فيأمر وليه من الجن -الذي آذى الإنسي الآخر- أن يخرج منه، وهكذا.

стр. 1026

وأما الملائكة والأنبياء -رضوان الله تَعَالَى عليهم- فلا يرضون أن يدعو من دون الله، ومن عُبد من دون -وهو غير راض- فإنه يتبرأ يَوْمَ القِيَامَةِ من هَؤُلاءِ، كما تبرأ المسيح، قال الله: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [المائدة:١١٦-١١٧] وهذا القول هو أول قول قاله بعدما خلقه الله: إني عبد الله، ويَوْمَ القِيَامَةِ يقول: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله، -يعني: أنا بريء منهم ومن شركهم- فحينئذٍ يقع الشرك عليهم، وتقع العقوبة والعذاب عَلَى العابدين فقط. وأما الجن فلأنهم رضوا أن يعبدوا فتكون النَّار للجميع هم ومن عبدهم. وأما الملائكة فيقولون: بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ:٤١]-أي: أكثر الإنس مؤمنون بالجن- فالذين يعبدون الجن من الإنس أكثر من الذين يعبدون الملائكة، لأن الملائكة تتبرأ يَوْمَ القِيَامَةِ منهم.

стр. 1027

فأعظم أسباب وقوع الشرك: تعظيم غير الله، ولذلك يقول الله في أول سورة الأنعام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:١] أي: يجعلون أحداً عديلاً له، يساويه بالله في المحبة، وفي التعظيم والتقديس وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:١٦٥] فالعدل والتسوية هي في المحبة والتعظيم والتقديس؛ لا في اعتقاد أنهم يخلقون كخلق الله، أو يرزقون كما يرزق الله سبحانه. وهنا شيء عجيب، وهو أن النَّاس كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله مخلصين له الدين، وهذا هو شرك القدامى، ولكن عظم الشرك في المتأخرين، حتى أصبحوا يدعون غير الله تَعَالَى في وقت الشدة، وفي وقت الرخاء معاً، وهذا -والعياذ بالله- غاية الانتكاسة، نسأل الله أن يجنبنا وإياكم الشرك دقيقه وجليله، وأن يباعدنا عنه، وعن طريقه، وعن كل ما يوصل إليه، وأن يجعلنا من عباده الموحدين المؤمنين. أهمية توحيد الألوهية موضوع توحيد الألوهية هو موضوع مهم، يبنغي لنا أن نعيد النظر والكرة إليه ونتأمله، لا سيما أنه في هذا الكتاب قد لا يعود إلينا إلا في الأخير في مواضيع متفرقة، لأن الشغل الشاغل لابن أبي العز رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هو توحيد الأسماء والصفات، ثُمَّ ما يتعلق بمسائل العقيدة الأخرى، كالقدر والإيمان والصحابة وكرامات الأولياء ونحو ذلك، أما موضوع توحيد الألوهية فهو عَلَى أهميته لم يكن هو الموضوع الأساس في هذه العقيدة، وإنما هو أحد هذه الموضوعات.

стр. 1028

فجدير بنا أن نراجعه، وأن نتأمله، وأن نرجع إِلَى الأصول التي شرحته وبينته، ولا سيما كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، فإنه من أعظم الكتب التي فصلت في هذا الجانب، وبينت أن توحيد الربوبية لم تكن تنازع فيه الأمم السابقة، أي: الإيمان والإقرار والاعتراف بأن الله هو وحده الخالق الرازق، المحيي المميت، الذي يدبر الأمر وينزل الغيث، ولم تقع العداوة والخصومة فيه بين الأَنْبِيَاء وأممهم، وإنما جَاءَ الرسل والأنبياء من الله إِلَى النَّاس ليقولوا لهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه [هود:٦١] أي: جاءوا داعين إِلَى إفراد الله بتوحيد الألوهية أو توحيد الإلهية. فهذا هو الذي وقعت فيه الأمم، أي وقعوا في شرك العبادة، عبادة غير الله ودعاء غير الله والاستغاثة بغير الله، ورجاء النفع أو الضر من عند غير الله ﵎، والذبح لغير الله، والنذر لغير الله، واعتقاد أن غير الله ﵎ يعلم الغيب أو يملك من الأمر شيئا، هذا هو الموضوع الذي وقع به الشرك. عندما اختلف النَّاس بعد أن كانوا عشرة قرون بعد آدم ﵇ عَلَى التوحيد كما قال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً أي: فاختلفوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِين [البقرة:٢١٣] . فكانوا عشرة قرون عَلَى التوحيد، حتى جاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحولتهم وصرفتهم من التوحيد إِلَى الشرك، فوقع الشرك في قوم نوح، وهي أول أمة مشركة بسبب تعظيم الأولياء الذين يظن النَّاس فيهم الخير، فكان ذلك ذريعة إِلَى الشرك، وموصل إليه.

стр. 1029

فإن هَؤُلاءِ الذين ذكرهم الله من آلهتهم ودّاً، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً كانوا رجالاً صالحين من قوم نوح، كما في الحديث الذي رواه الإمام البُخَارِيّ في صحيحه، فأراد الشيطان أن يضل قوم نوح فَقَالَ لهم: (لو صورتم هَؤُلاءِ وعملتم لهم التماثيل لتذكرتم عبادة هَؤُلاءِ لله، وتذكرتم قربهم من الله ﵎، فعبدتم الله مثل ما يعبده هَؤُلاءِ) هكذا زين لهم الشيطان في أول الأمر، فوضعت التماثيل لهم ليتذكروا بها عبادة الله سبحانه فقط. ثُمَّ نسخ العلم، وتخلف الخلوف، وهكذا عادة الأمم، تخلف خلوف وأجيال فتنسى الغرض الأساسي الذي من أجله أنشئت البدعة أو نصب التمثال، فيتخذ التمثال أو الصورة إلهاً معبوداً من دون الله ﵎. فحدث ذلك وعبدت هذه الآلهة من دون الله، فهذا هو أحد أسباب وقوع الشرك في بني آدم، وهو ما ذكره الله من العدل أو من التسوية التي قال الله ﵎ فيها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ َ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:١] وقال في آية أخرى حكاية عن أهل النار: قالوا: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:٩٧،٩٨] .

стр. 1030

فهم عدلوا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ غيره، وسووا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ غيره في التعظيم والمحبة والتقديس، لا في اعتقاد أن غير الله هو الذي يخلق أو يرزق أو يضر أو ينفع أو يحيي أو يميت أو يدبر الأمر أو ينزل الغيث، بل هو من شرك المحبة والتعظيم والتقديس، كما قال ﵎: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:١٦٥] وهو من أخطر وأعظم أبواب الشرك، ومن لوازمه: أن هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ وإن كانوا يدعون هَؤُلاءِ الصالحين أو الأَنْبِيَاء أو المقربين وقت الرخاء، فإنهم كانوا إذا ركبوا في الفلك، وجاءتهم الريح من كل مكان وأحاط بهم الموج دعوا الله مخلصين له، ويتضرعون طالبين منه الغوث، وهذا بخلاف شرك المتأخرين، فإنهم يدعون غير الله ﵎ في الرخاء والشدة. وهذا من أعظم البلاء الذي وقع في هذه الأمة، نسأل الله ﵎ أن يرفعه عنها فالذي وقع أنهم يعتقدون أن لغير الله تصرفاً في الربوبية، فالمُشْرِكُونَ الأولون كانوا يعتقدون أن آلهتهم إنما هي شفعاء، تقربهم إِلَى الله زلفى، ولكن الْمُشْرِكِينَ المتأخرين يعتقدون في آلهتهم ومعبوداتهم أنها تخلق وترزق وتحيي وتميت، وهذا ما لم يقع فيه أصحاب الشرك الأول، وهو دليل عَلَى انحطاطهم، فإن البشرية كلما تقدم بها الزمن وكلما بعدت عن رسالات الأَنْبِيَاء ازدادت انحطاطاً وشركاً عياذاً بالله.

стр. 1031

وأعظم المصائب أن يقع هذا الشرك ممن ينتمي إِلَى أمة مُحَمَّد ﷺ ، فيعتقد أن الأقطاب أو النجباء أو الأبدال أو الأولياء يملكون النفع والضر والخلق والرزق والتصرف في الكائنات، كما يزعمون أن الله ﵎ قد وكل أمر تصرف العالم إِلَى هَؤُلاءِ الأولياء، فهم يتصرفون فيه كما يشاءون، ويقولون ذلك تلبيساً عَلَى الناس، حتى إذا قال أحدهم: الله هو المتصرف في كل شيء قالوا: نعم. إن الله هو المتصرف في كل شيء. ولكنه تَعَالَى يعطي من يشاء فيتصرف في ملكه. وهذا من أبطل الباطل؛ لأن الله إن أكرم أحداً من العباد أو من الأولياء أو الصالحين فلن يعطيه شيئاً من خصائص الألوهية، لأن هذه ألوهيته وهي التي من أجلها خلق السماوات والأرض، فالملائكة المقربون والأنبياء والمرسلون، ثُمَّ بعد ذلك عباد الله جميعاً والخلق جميعاً يعبدون الله ويتوجهون إليه ﵎ وهذا هو شأنهم، وهذا هو ديدنهم جميعاً، فلا يمكن ولا يصح بحال من الأحوال أن يعطي الله أحداً منهم شيئاً من خصائص الألوهية. بل هذا تكذيب لما هو ثابت بالقرآن والسنة وعلى ألسنة جميع الأَنْبِيَاء من أن الله هو وحده الإله.

стр. 1032

فإن قالوا: إن الله هو الذي يعطي هَؤُلاءِ الأولياء التصرف في الأكوان، والقدرة عَلَى الخلق والرزق والأحياء والإماتة ... فإن هذا من الباطل الذي ترده بديهة المسلم وفطرته، لعلمه اليقيني أن الله تَعَالَى إنما بعث الأَنْبِيَاء من قبل وبعث آخرهم محمداً ﷺ ليفرده النَّاس بالإلهية، كما قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] فكيف يجعل غيره إلهاً وطاغوتاً يعبد من دونه؟! ومن أسباب وقوع الشرك: تعظيم الكواكب أو القياس عَلَى الكواكب، كما قلنا: إن الحرانيين الصابئين -قوم إبراهيم- والأمم قبلهم من الكنعانيين والبابليين والآشوريين وكثير من الأمم البائدة، كانوا يعتقدون أن للأفلاك والكواكب تأثيرات وتدبيرات في العوالم السفلية، ومن أجل ذلك بنوا الهياكل، ثُمَّ صوروا عَلَى مثال تلك الكواكب الأصنام. ونحتوها، وأخذوا يعبدون هذه الأصنام من دون الله ﵎ بسبب هذا الاعتقاد. وذكر المُصْنِّفُ ﵀ الأحاديث الصحيحة في النهي عن عبادة القبور، وعن اتخاذ القبور مساجد، وهي أحاديث كثيرة وصحيحة. حديث اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد لا يفهم منه جواز تعظيم القبور والتقرب إليها

стр. 1033

ولكن هنا إشكال يرد، ونحب أن نفصل فيه حتى تزول الشبهة، وهو قول النبي ﷺ كما روى الإمام مالك في الموطأ عنه أنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله عَلَى قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فأورد بعض دعاة الشرك قديماً وحديثاً أن الرَّسُول ﷺ مجاب الدعوة، وهو في هذا الحديث قد دعا الله أن لا يجعل قبره وثناً يعبد، إذاً فلن يعبد قبره ﷺ ، فمهما عبدنا، ومهما دعونا القبر، ومهما استغثنا، ومهما طفنا، فهذه ليست بعبادة. وهذه الشبهة هي من أعظم شبهاتهم -كما يظنون- ولكنها إذا عرضت عَلَى الدليل العلمي الصحيح تزول بإذن الله وتنكشف، وكما سبق وأن قلنا ونعيد القول بأن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ ودعاة التوحيد -ولله الحمد والمنة- مستعدون للإجابة عن أية شبهة علمية يوردها هَؤُلاءِ، فالجواب عليها موجود عند علماء أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ وفي كتبهم، ولذلك نَحْنُ نريد من هَؤُلاءِ النَّاس أن يحرروا عقولهم من التقليد والتبعية لغير الرَّسُول ﷺ ، وينظروا إِلَى الأمور بنظرة علمية خالصة جادة، فإذا وافقوا عَلَى ذلك، ولم يبق إلا مثل هذه الشبهات العلمية، فان الجواب عنها قريب بإذن الله .

стр. 1034

وأما الشبهات التي هي هوىً وظنون وتأويلات من عند أنفسهم، فهذه يجب عليهم هم أن يردوها، وكذلك ما كَانَ بالتقليد كقولهم: هذا رواه الأولياء، أو هذا ثبت بالتجربة عند المشايخ، أو هذا مما لُقِنَاهُ بالعلم الباطن أو نحو ذلك، فإن هذا الكلام مردود أصلا وبداهةً ولا نناقش في هذا الكلام، إلا عَلَى سبيل رده جملةً وتفصيلاً، لكن إذا جاءونا بأدلة علمية وَقَالُوا: قال الله: أو قال رَسُول الله ﷺ ، لكنهم فهموا الآية عَلَى غير وجهها، أو فهموا الحديث عَلَى غير وجهه، قلنا لهم: نعم، إذاً؛ نَحْنُ وإياكم نبحث عن الدليل العملي الصحيح ونتبعه بإذن الله . هذه قاعدة عامه في مجادلة هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ، ولا نجادلهم إلاّ بالتي هي أحسن. فنقول: إن قول النبي ﷺ : (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله عَلَى قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) . الكلام عليه يتلخص في أمرين: الأول: في ثبوته. والثاني: في معناه، وفي رد شبهة الْمُشْرِكِينَ في الاستدلال به. أما ثبوت هذا الحديث: فإن الإمام مالك ﵀ قد رواه في الموطأ مرسلاً عن زيد بن أسلم، وروي أيضاً مرسلاً عن عطاء، والحديث المرسل هو: الحديث الذي سقط منه الصحابي، يعني أن يقول التابعي: قال رَسُول الله ﷺ ، فهذا الحديث يسمى مرسلاً، كما قال الناظم: (ومرسل منه الصحابي سقط) وزيد بن أسلم أو عطاء تابعيان، ومثل ذلك سعيد بن المسيب ﵏، والزهري، ونافع، وأمثالهم ممن يروون عن الصحابة -رضوان الله عليهم- فإذا قال أحد هَؤُلاءِ التابعين: قال رَسُول الله ﷺ ، أو عن رَسُول الله ﷺ ، ولم يذكر الصحابي الذي روى عنه -فلم يقل عن أنس ولاعن جابر ولا عن أَبِي هُرَيْرَةَ - فهذا الحديث يسمى مرسلاً.

стр. 1035

والمرسل لا يحتج به بعض العلماء، لأنه يحتمل أن التابعي رواه عن تابعي أو عن أكثر من تابعي، فقد يروي الرجل الحديث عن اثنين أو عن ثلاثة من أقرانه، ثُمَّ يكون الثالث أو الرابع رواه عن صحابي عن النبي ﷺ ، والتابعي لم يدرك النبي ﷺ وإنما أدرك الصحابة. فالتابعي وإن كَانَ ثقة، لكنه قد يروي عن تابعي ضعيف، أو تابعي غير مقبول، وذهب بعض علماء الحديث وكثير من الفقهاء إِلَى أن المرسل مقبول يحتج به، وَقَالُوا: إن التابعي إذا قَالَ: قال رَسُول الله ﷺ فإنه إنما قاله متأكداً أن النبي ﷺ قد قاله، وراوياً له عن الصحابي الذي أسقطه، لأنه ليس من الضروري أن يذكر الراوي من روى عنه، فهو يقول: قال رَسُول الله ﷺ ليقينه أنه سمع هذا الحديث من أحد الصحابة، هذه وجهة نظر الآخرين. وتوسّط في ذلك بعض العلماء فَقَالُوا: إنّ بعض التابعين يقبل حديثه المرسل بإطلاق، كسعيد بن المسيّب ﵀ فإنه إذا قال: قال رَسُول الله ﷺ . فإنّا نقبله بإطلاق، وأمّا بعضهم فإنّ مراسيله غير مقبولة كالزّهري مثلاً، كما قال العلماء، فالزهري وغيره يروون كثيراً جداً عن التابعين وعن أقرانهم، ويرفعون أحاديث كثيرةً إِلَى النبي ﷺ ، فإذا قال مثل هَؤُلاءِ: قال رَسُول الله. فإنه لا يقبل، وخاصة من كَانَ منهم من صغار التابعين. فالحديث رواه الإمام مالك مرسلاً، وهذا المرسل مردود عند بعض العلماء ومقبول عند بعضهم، ثُمَّ أورد لهذا الحديث بعض طرق روي بها مرفوعاً عنأبي سعيد الخدري، وأورد الإمام أَحْمَد في المسند له شواهد، فنقول: إنّ الحديث بمجموع هذه الشواهد يرتقي إِلَى الصّحة.

стр. 1036

وأما دلالة هذا الحديث ومعناه فنقول لهم: إنّ النبي ﷺ ، بل كل الأَنْبِيَاء ليسوا مجابي الدعوة بإطلاق، فليس صحيحاً أنّ النبي ﷺ تستجاب له كل دعوة يدعو بها ﷺ ، وهذا لا غرابة فيه، بل وردت وصحت عن النبي ﷺ أحاديث لم يستجب فيها دعاؤه، لأن الله له حكم عظيمة لا يدركها أحدٌ من البشر وإن كَانَ نبيّاً. وهو ﵎ قد قدر أقدارًا، وقد كتب في اللوح المحفوظ أقداراً وأموراً مما تقتضيها حكمته، فتقع هذه الأمور وتجري في الكون، ولا يحيط الأَنْبِيَاء ولا غيرهم بها علماً. فيأتي النبي فيدعو الله بدعوة، ويكون الله ﵎ قد قضى وقدر أن هذا الأمر يمضي وينفذ، فلا تستجاب دعوة النبي في هذا الأمر، ولا يعني هذا أن النبي غير مقبول عند الله، فإن جميع الأَنْبِيَاء مقبولون عند الله ، ولا سيما رَسُول الله ﷺ الذي هو أفضلهم، وهو سيد ولد آدم يَوْم القِيَامَةِ ولكن لله تَعَالَى حكم عظيمة.

стр. 1037

مثال ذلك: لو أن أحداً منا كَانَ رجلاً صالحاً تقياً عابداً، لا يدعو الله في شيء إلا واستجاب له، وقد كَانَ في هذه الأمة من هو مجاب الدعوة مثل: سعد بن أبي وقاص ﵁، فلو دعا الله أن يبعث النبي ﷺ مثلاً، أو يبعث أبا بكر حتى يراه، لا يقبل دعاؤه، لأنه وإن كانت دعوته مستجابة فإن الدعاء لا يجوز الاعتداء فيه، وهذا من الاعتداء في الدعاء، فلا يصح أبداً أن تدعو الله به. فإذا دعوت الله تَعَالَى به فإنك معتد في الدعاء، وهذا الدعاء مردود، وإن كنت مستجاب الدعوة في أمور أخرى. وهكذا ما يذكر في قصة عابد بني إسرائيل -وقد كَانَ مجاب الدعوة- فقيل له: ادع الله عَلَى موسى ﵇، فلما دعا اندلق لسانه -والعياذ بالله- وكان ذلك شؤماً عليه وخسارة. ولهذا جَاءَ الحديث عن النبي ﷺ أنه دعا الله ثلاث دعوات، فاستجاب الله له دعوتين ولم يستجب له الثالثة، ثُمَّ بين الله تَعَالَى ذلك فقال: (يا مُحَمَّد إني إذا قضيت قضاء فإن قضائي لا يرد) فدعا النبي ﷺ ربه أن لا يهلك أمته بسنة بعامة أي: بالجدب والقحط العام الذي يفنيهم جميعا، كما بينته الرواية الأخرى، وفي رواية أخرى أعم من ذلك دعا الله ﵎ أن لا يهلكهم بما أهلك الأمم قبلهم، وفي بعض الروايات -وهي كلها صحيحة- عينت أنه الغرق، قَالَ: (اللهم لا تهلكهم بالغرق، أو قَالَ: دعوت ربي ألا يهلك أمتي بالغرق) فاستجاب الله له.

стр. 1038

والدعوة الثانية: (أن لا يسلط عَلَى أمته أهل الشرك) وفي رواية حديث شداد قال: (ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم) فاستجاب الله ﵎ لنبيه ﷺ بأن لا يسلط علينا الكفار فيستأصلونا جميعا، فإنه لا تزال في هذه الأمة طائفة باقية، ولا تزال طائفة منصورة يقاتلون عَلَى أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، فلا يسلط الله علينا اليهود ولا النَّصَارَى ولا الْمُشْرِكِينَ، فيبيدونا إبادة تامة حتى لا يبقى عَلَى وجه الأرض مسلم، فهذا لا يقع. والدعوة الثالثة: (أن لا يجعل بأسنا بيننا شديداً) . وهذه لم تُستجب للرَسُول ﷺ ، فَقَالَ الله تَعَالَى له: (يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإن قضائي لا يرد، وإني لن أهلك أمتك بسنة بعامة) أو (وإني وعدتها ألا أهلكها بسنة بعامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم حتى يقتل بعضهم بعضا، ويسبي بعضهم بعضا) . وهذا الذي جَاءَ في الحديث قد جَاءَ في صريح القُرْآن مع بيان سبب النزول، وهو قول الله ﵎ في سورة الأنعام: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض [الأنعام:٦٥] .

стр. 1039

روى الإمام البُخَارِيّ ﵀ في هذه الآية أن النبي ﷺ لما نزلت: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ [الأنعام:٦٥] قَالَ: (أعوذ بوجهك) . فاستعاذ النبي ﷺ أن ينزل الله علينا عذاباً من فوقنا، إما القذف بالحجارة من السماء، وإما الغرق والمطر أو أي عذاب يأتي من السماء، كالصيحة أو الصاعقة ونحو ذلك، قَالَ: أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ. فَقَالَ النبي ﷺ : (أعوذ بوجهك) فاستجاب الله له وأعاذنا من أن يرسل علينا عذابا من تحت أرجلنا، وهو الخسف أو الغرق أيضا، أو أي عذاب يكون من تحت أرجلنا فيهلك الأمة عامة، وإلا فإن الخسف قد يقع لبعض الأمة والغرق والزلازل، ثُمَّ قَالَ: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض قال النبي ﷺ : (هذه أهون، هذه أيسر) فهذا يدل عَلَى أن هذه الآية نزلت بعد أن دعا الله بالدعوات الثلاث، فلم تستجب له الدعوة الثالثة. فلذلك لم يقل النبي ﷺ في هذه الثالثة: أعوذ بوجهك. بل قَالَ: (هذه أهون هذه أيسر) هذا هو الظاهر، والله تَعَالَى أعلم. ولكن المهم من ذلك أنه كما روى الإمام مسلم، والإمام أَحْمَد في المسند وغيرهما أن النبي ﷺ قد استجاب الله له دعوتين ولم يستجب له الثالثة، وقد ورد في طرق هذا الحديث أن النبي ﷺ صلى صلاة حسنة طويلة خاشعة فَقَالَ له معاذ -وفي بعض الروايات خباب -: يا رَسُول الله إنك صليت صلاة ما رأيتك صليت مثلها من قبل! قَالَ: (نعم، إنها صلاة رغب ورهب) .

стр. 1040

فصلى هذه الصلاة ليتضرع إِلَى الله ويدعوه بأمر مهم عظيم جداً فقَالَ: (إني صليت هذه الصلاة، وإني سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني الثالثة) > دليل آخر -وهو أيضاً صحيح- رواه البُخَارِيّ والإمام أَحْمَد وغيرهم أن النبي ﷺ : ﴿كان يقنت بعد الركوع إذا قَالَ: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، يدعو عَلَى بعض الْمُشْرِكِينَ، يقول: اللهم العن فلاناً والعن فلاناً﴾ . وممن ذكر بالتعيين، بالاسم في هذا الحديث كما في رواية المسند: ﴿الحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية﴾ . وقنت عَلَى قبائل من العرب بأعيانها، فقنت عَلَى رعل وذكوان وعصّية، فأنزل الله ﵎ عَلَى النبي ﷺ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:١٢٨] . أي: ليس لك من الأمر شيء، إنما عليك البلاغ والبيان والدعوة، أما إهلاك هَؤُلاءِ فإنه إِلَى الله ، فإن شاء تاب عليهم ، وإن شاء عذبهم، فالأمر إليه ﵎ وحده، فلما نزلت هذه الآية لم يعد النبي ﷺ بعدها إِلَى القنوت عَلَى هَؤُلاءِ، ولما كَانَ عام الفتح أسلم سهيل بن عمرو، وصفوان بن أميه، والحارث بن هشام، كما أن القبائل الأخرى أسلمت، ومنها: رعل وذكوان وعصية.

стр. 1041

وكذلك دعا النبي ﷺ عَلَى مضر، وقد سبق معنا حديث وفد عبد القيس لما جاءوا إِلَى النبي ﷺ ، فكانوا من أول قبائل العرب إيماناً واستجابة للنبي ﷺ لذلك قالوا، كما في الحديث الذي في البُخَارِيّ ومسلم، ﴿قالوا: إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، لأن بيننا وبينك هذا الحي من مضر﴾ وكفار مضر من بني تميم ومن حولهم وكانوا في وسط نجد يحولون بين هَؤُلاءِ القوم وبين المجيء إِلَى المدينة، إلا في الشهر المحرم، فإذا جَاءَ الشهر المحرم وامتنع العرب عن القتل، جاءوا إِلَى رَسُول ﷺ ، وكانوا من أشد الكفار عَلَى رَسُول الله ﷺ ، فدعا النبي ﷺ عليهم فقَالَ: ﴿اللهم اشدد وطأتك عَلَى مضر، واجعلها عليهم سنينَ كسني يوسف﴾ أي: أهلكهم بالجدب فيأخذهم القحط، كما أخذ قوم يوسف ﵇، بقوا سبع سنوات عجاف، ولم يستجب هذا الدعاء، بل أسلمت مضر بعد ذلك ودخلت في الإسلام، وإن ارتد منهم بعد ذلك من ارتد، فإنهم قد دخلوا في الإسلام واهتدوا وأصبحوا من المؤمنين. إذاً؛ فنقول لهَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ أو دعاة الشرك أو أصحاب الشبهات الشركية الذين قالوا: إن رَسُول الله ﷺ قد قَالَ: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد) ودعاؤه مستجاب ﷺ ، فمهما عبدنا ومهما فعلنا ومهما أشركنا حول القبر، ومهما طفنا به أو استغثنا به أو شددنا الرحل إليه، فهذا ليس شركاً؛ لأن الرَّسُول ﷺ دعا الله ألا يجعل قبره وثناً، وهذه ليست من الوثنية في شيء!.

стр. 1042

نقول لهم: هذا القول مردود بأن النبي ﷺ قد دعا بدعوات ولم يستجب له فيها، ونستطيع أن نتلمس الحكمة في ذلك أن الله قد قضى وقدر أن هذه الأمة يكون فيها ما كَانَ في الأمم قبلها، كما ثبت في الحديث الصحيح: (لتتبعن سنن من كَانَ قبلكم حذو القذة بالقذة) فقدر الله تَعَالَى ذلك، ولا راد لقضائه، وقدر الله أن هذه الأمة تعود إِلَى الشرك، وأن فئام منها تلحق بالْمُشْرِكِينَ، وأنه (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس عَلَى ذي الخلصة) -كما في الحديث الصحيح-، فهذا مما قدره الله ولا راد لقضائه. ولكن دعوة رَسُول الله ﷺ وقوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد) فيها فوائد عظيمة لما سبق أن الله يجمع العبيد الذين عبدوا غير الله، يَوْمَ القِيَامَةِ ويجمع من عُبِدَ أو عبدوهم من دونه، ويسأل هَؤُلاءِ وهؤلاء، ويرى ماذا يجيبون؟!. ومن ذلك: أنه ﵎ يسأل المسيح عيسى بن مريم: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: ١١٦] . فالله ﵎ يسأله ويسأل المرسلين والأولياء والملائكة: هل أنتم رضيتم أن تعبدوا من دون الله؟ هل أنتم دعوتم النَّاس إِلَى أن يعبدوكم من دون الله؟

стр. 1043

فيقول كل منهم: يا رب لم آمرهم بعبادتي، ولم آذن لهم أن يعبدوني، وما دعوتهم إلا إِلَى التوحيد ولا علم لي بهذه العبادة، كما قال عيسى ﵇: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [المائدة:١١٧] فإذا وقع الشرك في هذه الأمة وعملوا مثل ما اعتقد قوم عيسى في عيسى، وعظموا قبره ﷺ وقبور الأولياء والصالحين من هذه الأمة، مثل ما عظم اليهود والنَّصَارَى، واتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فهنا تنفع دعوة النبي ﷺ ، لأنه قد قَالَ: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد) فهذه براءة من الرَّسُول ﷺ إِلَى الله ، وأنه لم يكن راضيا بذلك. فهو لعلمه ﷺ بأن ذلك سيقع تبرأ إِلَى الله ، كأنه ﷺ يقول: اللهم إني أبرأ إليك ممن سيتخذ قبري وثنا يعبد، فإن فعلوه واتخذوه فهذا أمر لم أرده ولم أرض به ولا أقره، مثل عيسى ﵇ لم يُرد ولم يقر ولم يرض أن يعبده النَّصَارَى من دون الله ، ولذلك يقول النبي ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النَّصَارَىعيسى ابن مريم) ويقول كما في هذا الحديث: (لعن الله اليهود والنَّصَارَى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد) . فهذه الشبهة التي يتعلل بها دعاة الشرك القدامى منهم، والمعاصرون في قولهم: إن ما يفعلونه ليس وثنية وشركاً.

стр. 1044

نقول: إن الوثنية والشرك يقعان في هذه الأمة. ولكن الله قد برأ رسوله ﷺ من الرضى بهذا الشرك، فأنتم حين تجعلون قبره وثناً وتشدون الرحل إليه وتطوفون به، وحين تدعونه ﷺ وتستغيثون به، قد حاددتم وضاددتم الرَّسُول ﷺ حتى في هذا الحديث، فإنه يدعو الله أن لا يتخذ قبره وثناً، وأنتم تتخذونه وثناً. وقد جمع الإمام ابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الأحاديث التي تدل عَلَى ما استجاب الله لنبيه ﷺ ، وما لم يستجب له في تفسير قول الله ﵎: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:٦٥] . تنبيه على كلام شيخ الإسلام وابن القيم

стр. 1045

وهنا قضية أخرى ينبغي التنبيه إليها: وهي أن الإمام ابن القيم ﵀ ومثله شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ من قبل في الجواب الباهر قالوا: إن الله قد استجاب للرَسُول ﷺ هذا الحديث-أي: حديث (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد) - فإن الصحابة -رضوان الله عليهم- لما دفن رَسُول الله ﷺ في موضعه -وهذه سُنة دفن الأَنْبِيَاء جميعا- وكان محاطا بالحجرة، ثُمَّ أحيط بالجدران بعد ذلك، ثُمَّ لما أراد بعض الصليبيين أن يعتدوا عَلَى قبره ﷺ في أيام المماليك صب عليه من الرصاص في أطرافه فأصبح مخفيا جداً بهذه الجدران، وهذا مثل ما جَاءَ في الحديث الآخر الذي روتهعَائِِِشَةَ ﵂ قالت: (ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ وثنا) فخشية أن يتخذ وثناً لم يجعل بارزا، ولم يأمر بأن يبنى عليه القبة كما بني عَلَى قبور الأَنْبِيَاء من قبل، وكما فعل اليهود والنَّصَارَى من قبل. هذا في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن بعدهم، ثُمَّ جاءت التوسعة العمرانية في أيام الوليد بن عبد الملك ومن بعده.

стр. 1046

يقول القرطبي: فلما جَاءَ ذلك وخشي النَّاس أن يتخذ القبر قبلة، بني بناء القبر وما حوله عَلَى شكل مثلث وجعل قاعدته من جهة القبلة، ورأس المثلث من جهة الشمال، فإذا وقف الإِنسَان فإنه لا يستطيع أن يتخذ القبر قبلة ولا أن يدعوه لأنه عَلَى رأس القائمة، ولذلك من يظن أنه يعبد قبره أو أراد الوصول إليه فإنه لا يستطيع، بل ولا يستطيع أن يراه. ولكن هذا الذي ذكره هَؤُلاءِ العلماء الأجلاء لا يعارض ولا يمانع ما هو واقع الآن ومشاهد حساً، ووقع في القرون الماضية، وهو أن النَّاس الجهال يتخذون القبر وثنًا، وهذا يدل عَلَى أن هذا الحديث ليس المراد به الإجابة المطلقة، لوقوع ذلك من الجهال، فالنبي ﷺ قد تبرأ ممن يفعل ذلك وسأل الله ذلك لكي لا يؤاخذ أو يظن به أنه مقر بهذا الفعل. والاحتياطات تبرىء الرَّسُول ﷺ والصحابة ﵃ عندما أحاطوه بالجدران، وأيضاً تبرئ من بعدهم ممن وضع البناء عَلَى شكل مثلث، ومثل ذلك ما فعل النبي ﷺ لما أرسل خالد بن الوليد ﵁ إِلَى العزى فقطعها، وأرسل عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب إِلَى القبور والصور فطمسها ومحاها، ومع ذلك تعود عبادة العزى من دون الله قبل قيام الساعة، وتعود الأصنام وعبادة القبور. فاتخاذ الأسباب والاحتياطات لعدم وقوع الشرك ضروري ومطلوب وواقع، لكن لا يتنافى مع وقوع الشرك بالفعل، مثل ما فعل عُمَر ﵁ عندما قطع شجرة الحديبية، وهذا هو الواجب من سد ذرائع الشرك. والآن نعود إِلَى موضوع إثبات الفطرة الذي هو دليلٌ عَلَى توحيد الربوبية، وبيان أن الرسل إنما جاءوا لتقرير توحيد الألوهية قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

стр. 1047

[وقال تعالى: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض [إبراهيم:١٠] وقال ﷺ : (كل مولود يولد عَلَى الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ولا يقَالَ: إن معناه يولد ساذجاً لا يعرف توحيداً ولا شركاً -كما قاله بعضهم- لما تلونا، ولقوله ﷺ فيما يروي عن ربه : (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) الحديث. وفي الحديث المتقدم ما يدل عَلَى ذلك، حيث قَالَ: (يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ولم يقل: ويسلمانه. وفي رواية: (يولد عَلَى الملة) وفي أخرى: (عَلَى هذه الملة) ] اهـ. الشرح: هذا موضوع الفطرة قال رَسُول الله ﷺ : (كل مولود يولد عَلَى الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) وفي رواية: (كل مولود يولد عَلَى الملة) وفي رواية أجلى وأصرح: (كل مولود يولد عَلَى هذه الملة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) وكما في رواية الصحيح قَالَ: (كما تنتج البهيمة البهيمة جمعاء هل ترون فيها من جدعاء؟) معنى هذا الحديث أو دلالة هذا الحديث: أن الله قد أودع في فطر النَّاس الإيمان بالله فكل مولود من بني آدم يولد، فهو مقر بالله ومتجهٌ بفطرته إليه ومفطور عَلَى الإقرار والإيمان به ﵎ بحيث لا يحتاج إِلَى أن يلقن ذلك ولا أن يعلّم، بل هو مولود عَلَى نفس هذه الملة -ملة الإسلام- التي لا يقبل الله من أحد غيرها. وضرب مثالاً لذلك بالبهيمة (كما تنتج البهيمة البهيمة) أي: تلد البهيمة بهيمةً جمعاء كاملة ليس فيها أثر من آثار إحداث الآدمي، كقطع الآذان أو العلامات التي توضع سمة عَلَى الإبل والبقر والغنم لتعرف، وإنما الذي يجدعها صاحبها.

стр. 1048

وكذلك الإِنسَان يولد عَلَى التوحيد سليماً نقياً حتى يهوّد أو ينصر أو يمجس، فتجدع هذه الفطرة وتوضع عليها علامة معينة قد تكون نصرانية أو يهودية أو مجوسية. وإن لم يوضع علامة فهو يولد عَلَى هذه الملة والدين. معنى الفطرة عند المعتزلة والرد عليهم ويقول المُصْنِّف ﵀: [ولا يُقَالَ: إن معناه يولد ساذجاً لا يعرف توحيداً ولا شركاً] . وهذا قول بعضالمعتزلة: يولد عَلَى الفطرة: أي يولد ساذجاً لا يعرف شركاً ولا توحيداً، خالي الذهن، ثُمَّ أبواه يهودانه أو ينصرانه. ويقال لهم: لم يذكر النبي ﷺ الإسلام في الحديث: (أو يسلمانه) فإذا كَانَ يولد لا يعرف توحيداً ولا شركاً، فمن أين يأتي إليه التوحيد والإسلام؟ فهم أولوه بهذا التأويل ليبنوا أو يؤسسوا قواعدهم التي وضعوها، وتركوا الوحي الذي أنزله الله في المولود، وهذه قاعدة فاسدة من قواعد المتكلمين من المعتزلة وغيرهم فهم يقولون: إن التقليد ليس إيماناً، فإن اليهود يولد أبناؤهم يهوداً، والنَّصَارَى يولد أبناؤهم عَلَى دينهم أيضاً، والمجوس كذلك، أي أن كل واحد يولد يتبع ويقلد آباءه وبيئته ومجتمعه. قالوا: ويجب عَلَى كل إنسان أن ينظر ويتأمل ويفكر، حتى يعرف الله ويعرف توحيد الله، ويتأكد هل القُرْآن حق أم لا؟!، ويتأكد هل مُحَمَّد ﷺ رَسُول أم لا؟! فلو مات وهو في أثناء مرحلة التفكير والنظر، قيل: يكون مسلماً، وقيل: لا يكون مسلماً. وهكذا دار الخلاف بينهم لأنهم بنوا عَلَى هذا الأصل الباطل الفاسد. قالالمعتزلة: هذا الحديث معناه: أنه يولد ساذجاً خالياً كالورقة البيضاء ليس فيها شيء، لكن قد يكتب فيها الإيمان والإسلام، وقد يكتب فيها والنصرانية، وقد يكتب فيها واليهودية.

стр. 1049

وقد كذبهم النبي ﷺ بنص الحديث الذي قال فيه: كل مولود يولد عَلَى الملة) أو (على هذه الملة) أي: يولد متديناً بهذا الدين، فهذا صريح بأن المولود لا يولد ساذجاً لا يعرف شركاً ولا توحيداً، بل يولد عَلَى التوحيد الذي أخذ الله ميثاقه علينا في الفطرة، كما قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:١٧٢] ولذلك لما يدخل أهل النَّارِ النارَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فيقول الله كما في الحديث الصحيح لبعض أهل النار: (ابن آدم! لو أن لك ملك الأرض جميعاً أتفتدي به من عذاب النار؟ فَيَقُولُ: نعم يا رب والله لو كَانَ لي ملك الأرض لافتديت به من هذا العذاب الذي أنا فيه، فيقول الله : قد طلب منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك العهد وأنت في صلب أبيك ألا تشرك بي شيئاً " الشاهد هو قوله ﷺ في هذه الحديث الصحيح: (صلب أبيك) فهذا يدل عَلَى أن الميثاق الذي أخذه الله عَلَى بني آدم ميثاق حقيقي، وعهد حقيقي، أخذه الله تَعَالَى عليهم في الأصلاب، ثُمَّ بعد ذلك يقرون به وتبقى في فطرهم، والميثاق الفطري هذا سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضوعه، لكن الشاهد منه أن هذا هو الميثاق الذي أخذه الله في عالم الذر، وولد به الإِنسَان في عالم الوجود -في العالم الحقيقي الذي نعيشه الآن- فكل مولود يولد عَلَى الفطرة، ومن أراد التوسع في موضوع الفطرة والرد عَلَى أقوال المعتزلة فليراجع كتاب شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ درء تعارض العقل والنقل، فإن الجزء الثاني منه والتاسع امتداد وشرح لهذا الحديث، وبيان لأدلة المعتزلة والمتكلمين والفلاسفة،

стр. 1050

وإبطال لها ونقل لكلام العلماء في معنى ذلك، ومنهم الإمام مالك وأبو عمر بن عبد البر. فالشاهد أن هذا هو المعنى الحقيقي للحديث فلا يقال إن معناه أنه يولد ساذجاً، ومن الأدلة عَلَى ما ذكرناه حديث عياض بن حمار رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وهو: قوله: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمتْ عليهم ما أُحِلَ لهم) فإن هذا دليل عَلَى أن الله قد خلق البشرية في الأصل عَلَى التوحيد، وفطرهم عَلَى الإيمان ثُمَّ أشركوا، وكذلك كل أحد من آحاد بني آدم فإنه يولد عَلَى التوحيد، حتى تجتاحه وتجتاله شياطين الإنس أو الجن فيصرفونه ويحولونه من التوحيد إِلَى الشرك، ويصرفونه عن الفطرة التي هي دين الله كما قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:٣٠] فدين الإسلام هذا دين الفطرة، وهو الدين القيم وإن اختلفت الشرائع فإن الله جعلنا عَلَى ملة إبراهيم، وأمرنا أن نتبعها فقَالَ: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً [النحل:١٢٣] وملة إبراهيم وملة الأَنْبِيَاء جميعاً هي التوحيد الذي هو دين الفطرة لا تغيير له أبدا، ولكن الشرائع والتعبدات تختلف من دين إِلَى دين. الأدلة العقلية تدل على وجود الفطرة ثُمَّ يقول المُصْنِّف ﵀:

стр. 1051

[وهذا الذي أخبر به ﷺ هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه، منها: أن يُقَالَ: لا ريب أن الإِنسَان قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقاً، وتارة ما يكون باطلاً، وهو حساس متحرك بالإراداة، فلا بد له من أحدهما، ولا بد له من مرجح لأحدهما. ونعلم أنه إذا عرض عَلَى كل أحد أن يصدق وينتفع وأن يكذب ويتضرر، مال بفطرته إِلَى أن يصدق وينتفع، وحينئذ فالاعتراف بوجود الصانع والإيمان به هو الحق أو نقيضه. والثاني فاسد قطعاً، فتعين الأول، فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمان به، وبعد ذلك: إما أن تكون محبته أنفع للعبد أو لا. والثاني فاسد قطعاً، فوجب أن يكون في فطرته محبة ما ينفعه. ومنها: أنه مفطور عَلَى جلب المنافع ودفع المضار بحسبه وحينئذ وإن لم تكن فطرة كل واحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج إِلَى سبب معين للفطرة، كالتعليم ونحوه، فإذا وجد الشرط وانتفى المانع استجابت لما فيها من المقتضي لذلك. ومنها: أن يقَالَ: من المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق، ومجرد التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك، وإلا فلو علم الجماد والبهائم وحضضا لم يقبلا. ومعلوم أن حصول إقرارها بالصانع ممكن من غير سبب منفصل من خارج، وتكون الذات كافية في ذلك. فإذا كَانَ المقتضي قائماً في النفس وقُدِّر عدم المعارض، فالمقتضي السالم عن المعارض يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها من يفسدها، كانت مقرة بالصانع عابدة له. ومنها: أن يقَالَ: إنه إذا لم يحصل المفسد الخارج، ولا المصلح الخارج كانت الفطرة مقتضية للصلاح لأن المقتضي فيها للعلم والإرادة قائم، والمانع منتف] اهـ. الشرح:

стр. 1052

[وهذا الذي أخبر به ﷺ هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه] هذه الأدلة العقلية التي ذكرها المُصْنِّف ﵀ فيها صعوبة، ولا يستطيع أي إنسان أن يفهمها إلا أن تؤخذ كلمة كلمة، ومع ذلك فإن فائدتها النهائية واضحة، وهي ما سبق أن قلناه، ونحب أن ننبه بهذه المناسبة أنه ستأتي موضوعات في شرح هذه العقيدة من مثل هذا النوع، فنقول: إننا -إن شاء الله تعالى- سوف نقتصر عَلَى الأمور التي يكون إيضاحها: أولاً: الأمور النقلية التي جاءت في الآيات والأحاديث. ثانياً الأمور العقلية التي تكون واضحة وجلية، أما القضايا الكلامية التي فيها تعقيدات، أو التي فيها بحوث متعمقة جداً نضيع من أجلها ساعات وراء ساعات، وقد يكون في الحاضرين من لا يستطيع أن يفهم هذه المصطلحات ولا يدركها، فهذه إن شاء الله سوف نضرب عنها صفحاً، ولأن هذه الموضوعات معقدة أو بعضها معقدة جداً، ويحتاج الإِنسَان أن يبين كل كلمة وكل مصطلح، فتضيع الفائدة العامة عَلَى الجميع، وهذا الأمر ليس بدعياً من عندنا، بل حتى في الجامعات كما هو معلوم أن هذا الكتاب مقرر في كليات المملكة جميعاً -تقريباً- وأن هناك مقاطع تحذف من المنهج إذا كانت في مثل هذه الأمور، لكن نقول: إن هذه التفصيلات ليست صعبة جداً لكن نَحْنُ ننبه إِلَى ما بعدها، وإلا ففي الإمكان أن تفهم وسنوضح هذه الوجوه التي ذكرها المُصْنِّف ﵀ هنا إن شاء الله، بكلام إذا فهم تفهم جميعاً بإذن الله فنقول: كل إنسان عنده إرادة وإحساس، فهو حساس ومريد، وكما قال ﷺ : (أصدق الأسماء حارث وهمام)

стр. 1053

لأن كل إنسان من البشر هو حارث وهمام، مؤمناً كَانَ أو كافراً، غبياً أو ذكياً، ما دام أنه إنسان فهو حارث وهمام، أي له إرادات واعتقادات وتصورات، ويقوم بأعمال يعملها بناءً عَلَى هذه الإرادات والإحساسات، والله قد فطر كل إنسان أن تكون إراداته وهمه وحرثه فيما ينفعه لا فيما يضره، فأي إنسان عندما يعمل أي عمل إنما يجتهد في عمل ما ينفعه، وإن كَانَ قد يكون ضاراً في الحقيقة، مثل الكافر الذي يجتهد في عبادة الأصنام فهذا شيء آخر، المهم أن يكون اجتهاده حسب ما يعتقد هو ويرى أنه نافع له، فهذه حقيقة واضحة فإذا كانت الفطرة بهذا الشيء، وكان الإِنسَان حارثاً وهماماً، وأنه لا يعمل ولا يكدح إلا فيما يعتقد أنه ينفعه، لا فيما يعتقد أنه يضره فالمشاهد والمحسوس الآن عند النَّاس جميعاً أنهم يتجهون إِلَى الله ، وأن كل البشر الذين يولدون، يولدون وهم يريدون أن يتبعوا ديناً ما، ويتجهون إِلَى ربٍّ ما، كما سبق أن بينا شبه من يقول: إن الشيوعيين لا يتجهون إِلَى إله، بأن الشيوعي قبل أن يلقن مبادئ الحزب، وقبل أن يعرف أن مصلحته الدنيوية هي في اتباع هذا الحزب، هو أيضاً متجه إِلَى الإله بأي شكل من الأشكال، ولا يوجد عَلَى الإطلاق في أي عصر من العصور، وفي أي أمة من الأمم لا يوجد أبداً مجتمع بلا دين أبداً، حقاً كَانَ أو باطلاً، المهم أن هناك اتجاه إِلَى أن يكون هناك دين، وإله معبود. وقد قلنا إن أكبر الملاحدة من أمثال البيركامل الذي هو من المدرسة العدنية -كما يسمونها- وهي مدرسة فلسفية أوروبية قال هذا الملحد: "إن مشكلة الإِنسَان المعاصر تتلخص في كلمة واحدة، وهي البحث عن الإله.

стр. 1054

إذاً فكل إنسان وكل مجتمع وكل أمة تتجه وتبحث عن إله، وتبحث عن دين، وهذا دليل عَلَى وجود الفطرة، وعلى أن هذه الفطرة تتجه إِلَى الله ؛ لكن قد تضل وقد تصيب، ولنضرب عَلَى ذلك أمثلة واقعية حسية من واقع الحيوان، فالحيوان إذا رأى النَّار ابتعد عنها، ولا يمكن أن يأتي حيوان ويدخل في النار، إلا إذا وقع طريق الخطأ، مثل الفراشة لأنها عندما ترى النَّار تظن أن هذه ألوان الطيف من الجمال، مثل الأزهار الجميلة، فالجمال يجعل الفراشة تقع في النار، مع أنها لا تريد أن تعذب نفسها، ولذلك إذا وقعت في النَّار واحترق جناح من أجنحتها تهرب وتحاول أن تتحرك لتبتعد عن النار، فكل إنسان متجه إِلَى ما ينفعه لا إِلَى ما يضره. فإن زين له، أو لبس عليه، أو أغري فوقع فيما يضر، فإنه سرعان ما يحاول الخروج، وذلك مثل الكفار، عندما تزين لهم الشبهات فيعبدون غير الله، فالاتجاه إِلَى الإله موجود، لكن زينت لهم الشبهات والشهوات، وسول لهم الشيطان أن يعبدوا غير الله، فعبدوا غير الله ووقعوا في النَّار فعندما يقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:١٠٧] يدعون الله ويتمون أن يخرجهم من النَّار لأنهم قد وقعوا فيها بسبب التلبيس؛ لكن هل المُشْرِكُونَ والكفار عبدوا غير الله ليدخلوا النار؟ لا؛ بل قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] فهم لا يريدون أن يدخلوا النار، ولا يعبدون أصنامهم إلا لتدخلهم الجنة إن كَانَ هناك بعث. وقد قالوا لرَسُول الله ﷺ : إن افترضنا عَلَى كلامك أن هناك جنة وناراً.

стр. 1055

فنحن أهل الجنة لأننا أكثر أموالاً وأولاداً في هذه الدنيا، وقالوا مرة أخرى نَحْنُ الذين بنينا البيت ونحن الذين نعظم الحرم، ونسقي الحجاج، فإن كَانَ هناك من جزاء ومن عمل يحاسب عليه الإِنسَان جزاؤه الجنة، فنحن من أهل الجنة. فالشاهد مما سبق أن كل إنسان يتجه إِلَى ما ينفعه، وإلى ما يعتقد أن فيه مصلحته، ما لم يأت صارف فيصرفه عن ذلك، مثل ما جاءت الشياطين فاجتالت بني آدم عن دينهم وقالت: إن عبدتم غير الله فهذا خير لكم، مثل ما زين الشيطان لأبوينا عندما قال لهما: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:٢٠] سُبْحانَ اللَّه! آدم ﵇ نسي ما أخذه الله عليه من العهد، ووقع في المعصية؛ لأنه طمع أن يكون من الملائكة أو أن يكون من الخالدين. ونسي أن الله تكفل له ما دام فيها ولم يأكل منها، أنه لا يجوع ولا يعرى ولا يضحى ولا يمسه أي أذى أو نصب أو ألم، لكنه نسي طمعاً في لذة أعظم من اللذة الموجودة، فالإِنسَان حساس ومتحرك وله إرادات، ولا يعمل أي عمل إلا وفيه مصلحته، وإن عمل غير ذلك فلأنه في تصوره يسعى إِلَى لذة أعلا، وإلى مصلحة أعظم، فهذا دليل عَلَى وجود الفطرة وأن الفطرة تتجه في طبيعتها إِلَى الله ، ولو خلي الإِنسَان -الذي يبحث عن الحق مع نفسه- لاتجه إِلَى عبادة الله وحده لا شريك له، لكن تأتيه شياطين الجن والإنس، فتلبس له الشرك وتزينه له. وإذا قلنا: إن توحيد الله هو الحق وهو النافع، فلو عرض عَلَى أي إنسان يهودي أو نصراني أو مجوسي فإنه يتجه إليه، ويترك التكذيب الذي يؤدي به إِلَى النار، وإنما يقع الشرك؛ لأنه يلبس عَلَى الإِنسَان الذي ينفعه بالذي يضره، لكن لو خليت الفطرة.
следующие страницы →