Полный текст (1 990 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
فهم يقولون بالحب المطلق، ولذلك يستحلون جميع المحرمات حيث يقولون: إنك إذا أحببت شخصاً وأحبك هو كذلك، لم تغضب إذا أخذ من مالك شيئاً أو أخطأ عليك لوجود المحبة بينك وبينه، ونحن بيننا وبين الله المحبة المطلقة والفناء في ذاته، فلا نبالي بأي معصية نعملها، لأن المحب من عادته التجاوز عن المحبين، ثُمَّ يستدلون بأشعار العرب مثل من يقول:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم
إلى أن يقول:
أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمن اللوم
ومثل من يقول:
يا حبيباً من أجله أحببت العمر وأوقفت كل عمري عليه
فهم ينقلون هذه المعاني ويجعلونها في حق الله ، ويقولون: إنه مادام الحبيب لا يؤاخذ حبيبه في أي شيء فليس هناك أي حرج.
وقد رد الله عَلَى اليهود والنَّصَارَى حين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه فقَالَ: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة:١٨] وقال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء:١٢٣] بل الأَنْبِيَاء كذلك، فآدم عندما عصى جازاه الله عَلَى معصيته، والخطيئة التي أخطأها داود ﵇ بكى عليها وندم، بل هدد الله الأَنْبِيَاء تهديداً فقَالَ: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:٦٥] .
علاقة الحلول والاتحاد بنفي الصفات
стр. 982
الذين نفوا الصفات خرجوا قبل الحلولية والاتحادية، لأن الجهم بن صفوان قتل سنة ١٢٨هـ، وأما من قالوا بالحلول والاتحاد فقد أقيمت لهم أول محاكمة علنية حوالي عام ٢٨٠هـ أو بعدها، وذلك بعد أن أشيع في بغداد أنهم زنادقة، فجمع منهم الجنيد،وذا النون المصري وعدد كبير من عبادهم يزيد عن ٨٠ رجلاً، وسجنوا وحقق معهم، ولكنهم قالوا: نَحْنُ نظهر الإسلام ونقيم الشعائر الخمس وليس عندنا أي زندقة، وأخذت التوبة عليهم، وكان الذي تولى شكواهم وإثارة الدعوة ضدهم هو غلام خليل أحد تلاميذ تلامذة الإمامأَحْمدُ بن حَنْبَل -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وهذه القضية تعرف بقضية غلام خليل.
وقد بنوا مذهبهم عَلَى مذهب نفي الصفات كالتالي:
قال أهل الحلول والاتحاد: مادام أن الصفات منفية وأن لله وجوداً مطلقاً لا صفة له، فهذا الوجود هو عين ذات الله.
فمن تأثر بعلماء الكلام إِلَى حد التجهم ونفى جميع الصفات، من الممكن أن يصبح عند الصوفية اتحادياً وحلولياً، لأنه لم يكن يثبت شيئاً إلا وجوداً مطلقاً، فأتى عند الصوفية فَقَالُوا: هذا الوجود المطلق الذي لا صفة له هو هذه الأعيان الموجودة.
لأنه عندما قال أفلاطون: إن هناك عالم الموجودات وعالم المثل لم يره أحد ولم يسمع به أحد إلا أفلاطون، وعالم أعيان مشاهد الوجود، فالحقيقي هو هذه الأعيان. فلو كَانَ موجوداً هذا الرب الذي يقوله أفلاطون، فهو هذا الوجود الحقيقي الذي نراه بالعين، ومن هنا قالوا: إن كل العباد والعقائد والأديان هي تهدف إِلَى شيء واحد وإلى حقيقة واحدة، هي حقيقة الوجود وحقيقة الموجودات؛ لكن بعضهم عدَّد في الإشارة وبعضهم وحَّد.
فهم يقولون كما يقول شاعرهم: ما في الوجود حقيقة إلا هو، والصوفية يزيدون عَلَى ذلك بعبارات روحانية فيقولون: إن الإِنسَان إذا نظر بعين البصيرة والتأمل رأى أن هذا كله سراب، فالبشر والحجارة لاوجود لها أصلاً، إنما الوجود الحقيقي هو الله.
стр. 983
فمن هنا اجتمعت النظريتان، الكلامية والصوفية وأدتا إِلَى مدلول واحد، وهو إما: الحلول وإما: الاتحاد وهما متقاربان. فلذلك يذكر المُصْنِّف هنا ما يلزم عليهم، فقَالَ: إن كفرهم أقبح من كفر النَّصَارَى فالنَّصَارَى قالوا: إن الله حل في المسيح، وكفرهم الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَم [المائدة:٧٢] فهذا كفر، فكيف بمن قَالَ: إن الله هو هذه الحجارة وهذه الأشجار، فهذا أقبح وأشد كفراً.
ومن فروع هذا الكلام أو التوحيد عندهم: أن فرعون وقومه كاملوا الإيمان، عارفون بالله عَلَى الحقيقة، ولذلك صرح ابن عربي بأنفرعونعندما قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] لم يكن مخطئاً، ولم يقل إلا الحق، لأنه ليس في الوجود إلا هو، فهو تكلم عن ذات الحقيقة الكلية وعن ذات الوجود.
ولذا قال الحلاج وأبو يزيد وغيرهم: "سبحاني سبحاني ما أعظم شأني" و"ما في الجبة إلا الله"!!.
وقالفرعون: "أنا ربكم الأعلى"، فكان كافراً فما الفرق بين العبارتين؟!
لا شك أن العبارتين واحدة ومدلولهما واحد، ولكنهم عكسوا القياس فَقَالُوا: الحلاج وأبو يزيد مسلمان مؤمنان مع قولهم: "سبحاني، سبحاني" وقولهم "ما في الجبة إلا الله" ففرعون هو كذلك مؤمن ومسلم وموحد فر من الشرك إِلَى التوحيد.
ولذلك يقول هَؤُلاءِ -ومنهم ابن سينا -: القُرْآن شرك كله، وإنما التوحيد عندنا، لأن الإثنينية شرك.
فإن قلت: خالق ومخلوق، وعابد ومعبود، فهذا شرك لأنك عددت.
وأما التوحيد فهو: اعتقاد أن كل الوجود واحد، وما في الوجود إلا هو.
قال الحلاج:
حتى لقد عاينه خلقه كنظرة الحاجب للحاجب
ولما قيل للحلاج إن هذا الكلام كفر قَالَ:
كفرت بدين الله والكفر واجبٌ عليَّ وعند الْمُسْلِمِينَ قبيح
يعني: نظرتكم نظرة كفر ولا يهمني هذا الذي تقولونه.
стр. 984
بل يقولون: إن موسى ﵇ كَانَ يدعو إِلَى الشرك، لأنه كَانَ يدعو إِلَى اثنين، وأما فرعونفهو الموحد، لأنه يدعو إِلَى شيء واحد، فهو ينطق بعين الحقيقة. ومن فروعه: أن عباد الأصنام عَلَى الحق والصواب لأنهم إنما عبدوا الله لا غير، لأن الوجود كله واحد -وجود مطلق- ولا موجود حقيقي إلا هو كما يقولون، فهذه الموجودات هي ذاته!!
ثُمَّ يقول المُصْنِّف ﵀: [مما نلزمهم به التحليل والتحريم بين الأم والأخت والأجنبية] لأن الذي يثبت ذوات مختلفة فهو شخص معدد، والتوحيد عندهم أن الكل ذات واحدة، فما الفرق بين الأجنبية وغيرها؟! ولذلك وجد في سيرهم وكتبهم أنهم كانوا يتعاشرون بالإباحية فيقولون: هذا حلال في حقهم، وإنما التحريم في حق العوام لأنهم عَلَى الشرك، فتوحيد العوام أن يقولوا: "لا إله إلا الله"، وأن الله فوق السماوات، لأنهم لا يفهمون. وأما هم فقد عرفوا حقيقة التوحيد، وأن الأشياء كلها واحدة، وسقطت عنهم الحواجز، فلم يعد هذا حلال وهذا حرام.
وقد عقد ابن الجوزي في تلبيس إبليس فصلاً طويلاً عن الصوفية فيما يتعلق بالعشق الذي يجعلونه فيما بينهم -والعياذ بالله- فذكر كلاماً يندى له الجبين، ولا يكاد يصدقه أحد أو يفعله أحد من فساق الْمُسْلِمِينَ مجاهرة، فضلاً أن تكون هي أخلاق أولياء الله الذين هم القدوة وأوتاد الأرض، ولولاهم لنزل البلاء من السماء ولمحقت البركات، ومن عجائبهم: أن النوري -لما صاح غراب عَلَى المنارة- قَالَ: لبيك لبيك. قالوا: لماذا؟ قَالَ: الحق ناداني. فهل الحق في الغراب والعياذ بالله؟!
وهذه كلها مرجعها إِلَى شيء واحد وهو: قضية الفناء الصوفي التي بنيت عَلَى قضية كلامية.
ثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [ومن فروعه أن الأَنْبِيَاء ضيقوا عَلَى النَّاس] .
стр. 985
لأن الأَنْبِيَاء في نظرهم عينوا لهم معبوداً واحداً، بينما المعبودات في نظرهم كثيرة جداً، وعينوا لهم أنواع محدودة من العبادات.
فهذا دين الله الذي جَاءَ به الأَنْبِيَاء جميعاً عقيدة وعبادة وشريعة محددة، وأما هَؤُلاءِ فوسعوا عَلَى النَّاس وَقَالُوا: الآلهة والمعبودات والعبادات متعددة كله لله ومن الله، بل قالوا: إن الفاعل الحقيقي هو الله، وهنا تلتقي النظرية الجبرية مع النظرية الصوفية.
بل قالوا أشد من ذلك: أنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله -هذا حقيقة التوحيد عندهم- والبشر وجودهم عارض لا قيمة له، فلو أن إنساناً أعطى فلاناً مبلغاً من المال فالمعطي الحقيقي هو الله، ولاشك أن الله هو الرازق، ولكن يجب أن ينتبه إِلَى أن هَؤُلاءِ يأتون بمثل هذه الأمثلة ثُمَّ يدخلون عليها أمثلة أخرى فيقولون: فإذا زنى الزاني ولا فاعل حقيقي إلا لله؟ ! -والعياذ بالله- فيجب أن يعلم أن هناك فرقاً بين الخالق للأسباب والفاعل للأسباب فكون الله هو خالق الأسباب هذا شيء، وكونه هو فاعل الأسباب جميعاً هذا شيء آخر، فالله خلقني وجعلني سبباً أن أعطي فلاناً هذا المبلغ من المال، ولا نقول: إن الله أعطى ذلك دون سبب مني. والجبرية والجهمية شيء واحد يقولون: إن البشر كالريشة في مهب الريح، فكل ما يفعله الإِنسَان مقهور عليه، والله هو الذي قدره عليه. وهذه المقولة مع شناعتها وكفرها أقرب من كلام أُولَئِكَ إِلَى العقل.
قَالَ المُصنِّفُ ﵀:
стр. 986
[وأما الثاني: وهو توحيد الربوبية، كالإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية، وهذا التوحيد لم يذهب إِلَى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة عَلَى إلا قرار به أعظم من كونها مفطورة عَلَى الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل ﵈، فيما حكى الله عنهم: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض [إبراهيم:١٠] .
وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كَانَ مستيقناً به في الباطن، كما قال له موسى ﵇: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ [الإسراء:١٠٢] وقال تَعَالَى عنه وعن قومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل: ١٤] ولهذا لما قَالَ: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى وجه الإنكار له تجاهل العارف، قال له موسى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [الشعراء:٢٤-٢٨] .
وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهماً عن الماهية، وأن المسؤول عنه لما لم تكن له ماهية، عجز مُوسَى عن الجواب، وهذا غلط.، وإنما هذا استفهام إنكار وجحد كما دلت سائر آيات القُرْآن عَلَى أن فرعون كَانَ جاحداً لله نافياً له، لم يكن مثبتاً له طالباً للعلم بماهيته، فلهذا بيّن لهم موسى أنه معروف، وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو؟
стр. 987
بل هو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل، بل معرفته مستقرة في الفطر أعظم من معرفة كل معروف.
ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قَالَ: إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال، فإن الثنوية من المجوس، والمانوية القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما: متفقون عَلَى أن النور خير من الظلمة. وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة، هل هي قديمة أو محدثة؟
فلم يثبتوا ربين متماثلين.
وأما النَّصارَى القائلون بالتثليث، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل هم متفقون عَلَى أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه، ولهذا كانوا مضطربين في فهمه، وفي التعبير عنه، لا يكاد واحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان عَلَى معنى واحد، فإنهم يقولون: هو واحد بالذات، ثلاثة بالأقنوم! والأقانيم يفسرونها تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص. وقد فطر الله العباد عَلَى فساد هذه الأقوال بعد التصور التام، وفي الجملة فهم لا يقولون بإثبات خالقين متماثلين.
والمقصود هنا: أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين، مع أن كثيراً من أهل الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في إثبات هذا المطلوب وتقريره، ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل وزعم أنه يتلقى من السمع] اهـ.
الشرح:
هذا الكلام كله في قضية واحدة معلومة لدى الجميع وهي: أن الله خالق كل شيء وحده لا شريك له.
إثبات وجود الله قضية فطرية
стр. 988
وهذه القضية بديهية فطرية، وهي توحيد الربوبية الذي أتى به الأنبياء، ولمعرفة حقيقة الفلسفة اليونانية فأفلاطون وأرسطو وغيرهم من أئمة الضلال في العالم لم يكونوا ممن ينكر وجود الله، بل هم وضعوا نظريات لإثبات وجود الله، ولكن لما كانوا ضالين وكاذبين ومفترين وتخيلوه عَلَى غير حقيقته، فهم كفار لأنهم لم يتبعوا شرائع الأنبياء، فلم ينفعهم إثبات وجود الله، لأنهم غير موحدين عَلَى دين الأنبياء.
والمتكلمون الذين ورثوا هذه الفلسفات من المعلم الأول أرسطو، قالوا: أعظم آية هي الإتيان بحجج تقرر بأن الله موجود، فأتوا بدليل التمانع وأتعبوا أنفسهم في تقرير ذلك، وسيمر بنا -إن شاء الله-.
ووجوده سبحانه في النفوس أعظم يقيناً من بديهيات الرياضيات مثل "١+١=٢" ومن كلام علماء الكلام؛ العلم الضروري أنه لابد أن تعلم أن الكل أكبر من الجزء، ويقولون: هذا علم ضروري، ولو أتيت بشخص من البادية فلعله لا يفهم مثل هذا الكلام، ولكنه يفهم أن الله موجود، ولذلك يقول علماء الاجتماع: عندما بدأت حركة الكشوفات في القرن السابع عشر والثامن عشر، وذهبوا إِلَى مناطق في أفريقيا والهند وأمريكا حيث لم يسبقهم أحد إليها وجدوا مجتمعات بدون حضارة أو دولة أو فن، ولكن لم يجدوا قط مجتمعاً بلا دين أبداً، ووجدوا أن كل هَؤُلاءِ النَّاس يؤمنون بأن هناك طوفان أتى وعم الأرض كلها وأطلقوا عليها اسم الضلالة المشتركة، وهي الحقيقة المشتركة: أن نوحاً هو أبو البشر الثاني بعد آدم وهَؤُلاءِ من ذريته، وأصبحوا يتناقلونها بينهم، فهي حقيقة مشتركة، وكذلك وجود الله هي حقيقة مشتركة، فالأدلة الفطرية عَلَى وجود الله أعظم وأشهر من أن يتكلم فيها.
стр. 989
وأما الصوفية فالغاية عندهم إثبات أن الله خالق كل شيء، فالموحد الحقيقي لا يثبت لأحد الأفعال، بل هو سبحانه الفاعل الحقيقي ولذلك لما دخل التتار إِلَى بغداد أخذ القطب الأكبر يقود الفرس لجنكيز خان ويقول: هذا هو الله، فعلينا أن نرضى بفعل الله، وهذا يقولونه عن اعتقاد أن هذا هو غاية التوحيد، وهو شهود الحقيقة الكونية بحيث لا ترى في الكون إلا هو، وأن كل ما يقع في الكون فهو منه تَعَالَى وهو الذي يفعله بذاته، وأما غيره فلا يثبت له أي شيء من ذلك.
وشهود الحقيقة الكونية هو عين توحيد الربوبية فيسقط اللوم ويعذر الخليقة؛ لذا لو وجدت شخصاً منهمكاً في المعصية فلا تلمه، لأن الله هو الذي يفعل هذه الأشياء وله حكم في ذلك.
فالصوفية وعلماء الكلام جعلوا توحيد الربوبية هو غاية التوحيد، بينما هو أمر فطري يستلزم التوحيد الذي جَاءَ به الأَنْبِيَاء وهو توحيد الألوهية.
стр. 990
ولذلك عندما يقول المتكلمون: إن الله واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، غير متعدد ولا متبعض، فهم يقصدون بواحد في صفاته أنه ليس له صفة، وواحد في أفعاله أن كل ما في الكون هو فعله وحده لا يشاركه أحد، ففرعون أنكر وجود الله، ولكنه لم يقله عن اعتقاد ويقين في نفسه لأن الله تَعَالَى يقول: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّا [النمل:١٤] وقال له موسى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً [الإسراء:١٠٢] فالخذلان الذي كتب عليه هو الذي جعله يقول ذلك، وإلا فهو يعلم أن ما أنزل هذه الآيات إلا الله، وهو وإن جحد الله باللسان فهو مستيقن بربوبيته بالقلب، فالنفس قد تستيقن بالشيء ولكن تأبى الإقرار به مكابرة، وهذا لا غرابة فيه، لأن من هم أعظم من فرعون في الدلائل أنكروا من هو أعظم أدلة من موسى وهم اليهود، فلديهم من الدلائل عَلَى نبوة مُحَمَّد ﷺ أعظم من أدلة فرعون عَلَى نبوة موسى ﵇، ومع ذلك كفروا.
وفي صحيح مسلم قال ﷺ للحبر: (أينفعك شيء إن حدثتك؟ فَقَالَ الحبر: (أسمع بأذني) .
والحبران اللذان جاءا وقبلا قدميه لما سألاه عن الآيات التسع، فقال لهما النبي ﷺ : ﴿لماذا لا تؤمنان بي؟ فقالا: إن الله قد أخذ علينا العهد أن لا يزال في ذرية داود نبي﴾ .
فالمشكلة عندهم أنه ﷺ من ذرية إسماعيل ولم يكن من ذرية إسحاق وداود.
стр. 991
وكذلك كفار قريش لما جحدوا نبوة النبي ﷺ كانوا يعلمون صدقه، كما في الحديث: ﴿لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:٢١٤] صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي، قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا﴾ .
وكذلك ﴿لما نزلت أول سورة فصلت وقرأها عليهم النبي ﷺ إِلَى قوله تعالى: َإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت:١٣] فقَالَ عتبة: (يا مُحَمَّد ناشدتك الله والرحم) فخاف مع ادعائه أنه كذب وسحر وأساطير الأولين، قال تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:٣٣] .
فتكذيب فرعون من هذا القبيل؛ لأن قضية وجود الله فطرية.
وكذلك الثنوية الذين يقولون: إن للعالم صانعين هما: النور والظلمة، لم يدّعوا أنهما متماثلان، ولذا قالوا: إن الإله الحق هو النور، ويحبونه ويجعلون له صفات الله، وأما الظلمة: فإنهم يجعلون له صفات الشيطان، وقال بعضهم: إن النور قديم واجب الوجود وهو الخالق، وأما الظلمة فهي محدثة مخلوقة، فالمجوس إذاً لا يثبتون حقيقة إلا رباً واحداً.
стр. 992
وكذلك النَّصَارَى الذين يقولون: بثلاثة آلهة كلهم خالق ورازق، وهم أكثر أمم أهل الأرض عدداً وأكثرها حضارة، في الحقيقة لم يثبتوا إلا رباً واحداً، لا ينفصل بعضه عن بعض، وقد نظر أحد ملوك الهند اللادينيين في أديان العالم، فلما بلغه دين النَّصَارَى، قَالَ: هذه الأمة سبة في جبين بني الإِنسَان؛ لأنهم يقولون عن عيسى: "إنه رب، وله أم ولدته، ونشأ عَلَى الأرض، وأن أعداءه اليهود قتلوه وصلبوه، فلذا نتخذ هذا الصليب شعاراً نرفعه عَلَى صدورنا ونضعه عَلَى الكنائس".
فهَؤُلاءِ ليس عندهم عقول، وإذا سئلوا: لماذا قتل الرب؟
قالوا: ليفدي الرب بني آدم من الخطيئة، لأن ابتداءنا كَانَ من الخطيئة، حيث أخطأ وأذنب آدم، ففدى الله الخليقة بابنه الوحيد.
سُبْحانَ اللَّه! أليس يقدر الله أن يغفر لهم ولا يعذب ابنه عَلَى زعمهم؟!
بل الذي أغرى آدم بالخطيئة هو الشيطان، فلماذا لا يكون الفداء بالشيطان أو بابنه؟!
هذه كلها تناقضات ودين لا يقبله العقل، وكيف يصلب اليهودالإله؟!
ولماذا يتخذ الصليب إله؟!
المفروض أن النصراني إذا رأى الصليب بكى وحزن وغضب.
ويقول بعض العلماء: إن شر الفرق وأجهلها وأقلها عقلاً هم الرافضة، ومع ذلك إذا ذكروا بمقتل الحسين بكوا وضربوا أنفسهم، فهم إذاً أعقل من النَّصَارَى.
قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [مع ذلك هم لا يقولون إن الإله لا ينفصل بعضه عن بعض، بل يقولون باسم الابن والأب وروح القدس -والمعروف في الأناجيل باسم الأب والابن وروح القدس- إله واحد] .
كيف ثلاثة هم واحد؟!
стр. 993
قال المصنف: [ولهذا كانوا مضطربين في فهمه، وفي التعبير عنه، حتى لا يكاد واحداً منهم يعبر عن ذلك بمعنى معقول، ولا يكاد يتفق اثنان منهم عَلَى معنى واحد] . ولذا ذكر مؤلف كتاب إظهار الحق أن أحد علماء النَّصَارَىذهب إِلَى الهند أو أفريقيا للتبشير، فجاء رجل كبير من الكنيسة الأم يزور المدارس التابعة لهم التي تبذل عليها الأموال والتضحيات، فَقَالَ العالم النصراني: هَؤُلاءِ الشباب كلهم أدخلتهم في نور المسيحية. فسأل الرجل ثلاثة طلاب: ماذا تعلمتم؟
فَقَالَ أحدهم: علمني القسيس أن الآلهة ثلاثة، واحد منهم نزل وبقي اثنان.
فَقَالَ له: أنت لا تعرف شيئاً وضربه.
ثُمَّ قال الثاني: علمني القسيس أن الآلهة ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، فأما روح القدس فهو الطائر الذي مثل الحمام لا نراه، وإنما أتى وسيلة وانتهى عمله، وأما الثاني فقد قتل عَلَى الصليب، فقتل منهما اثنان وبقي واحد.
فقَالَ: ما أحسنت العلم.
ثُمَّ قال الثالث: علمني أن الآلهة ثلاثة، وأن الثلاثة واحد، وأن واحداً منهم قتل عَلَى الصليب، فلما قتل الواحد -والثلاثة واحد- قتل الثلاثة، فلا إله الآن. قَالَ: هذا شر الثلاثة.
الأقنوم: لم يقدر النَّصَارَىأن يشرحوها، فَقَالَ بعضهم: هو الذات. يعني ثلاثة ذوات، وبعضهم قَالَ: هو بمعني العنصر، وقال بعضهم: هو بمعني الصفة، أي ثلاث صفات لإله واحد، وقال بعضهم: الأشخاص يعني الأعيان ولذلك النَّصَارَىيقولون: واحد وهو ثلاثة. فكيف هذا الواحد نزل ثلثه وقتل عَلَى الصليب، والثلث الثاني فوق العرش، والثلث الثالث مرة قالوا: مريم، ومرة قالوا: روح القدس جبريل وهو الحمام.
فالأناجيل مختلفة والقساوسة مختلفون، فكل واحد يفهم فهماً مخالفاً للآخر، كما قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [إنهم مضطربون لا يكاد يتفق اثنان من النَّصَارَىعلى معنى] .
стр. 994
ولذا نرى الإلحاد في أوروبا؛ لأنهم يقولون: إن كَانَ الله عَلَى هذه الهيئة، فدين الشيوعية أفضل من دين هَؤُلاءِ. وقد طبع رسمياً في أوروبا سبعون إنجيلاً تسمى الكتاب المقدس، كل واحد يكذب الآخر في اسم المسيح ونسبه! وهم متفقون أنه ليس له أب، ويقولون إنه عيسى بن يوسف النجار.
فالنَّصَارَىمضطربون، ومع ذلك فإن الإله عندهم هو إله واحد -كما يدعون ويزعمون- فهم لا يعارضون هذه الحقيقة القطعية.
قَالَ المُصْنِّفُ ﵀ سابقاً: [وهذا التوحيد لم يذهب إِلَى نقيضه طائفة معروفة من بنى آدم] .
توحيد الربوبية لم يذهب إلى نقيضه أحد
والشيوعية لم تكن معروفة من قبل لذا يقول ابن أبي العز: لم يذهب طائفة معروفة إِلَى نقيضه، فهل الحقيقة غير الكلام؟
فالشيوعيون حقيقة سموه بغير اسمه، لأنهم إذا سئلوا: من خلق الكون؟ قالوا: الطبيعة.
стр. 995
وهي كلمة معروفة باللغات القديمة وباللغة العربية، ومعناها واحد هو: الطبيعة والمدلول كذلك واحد -أي: فعيلة بمعني مفعولة أو بمعني فاعل- مثل أن تقول: فلانة كريمة بمعنى كارمة، أو امرأة قتيلة بمعنى مقتولة، فالطبيعة إما فاعلة أو مفعولة، فإن كانت فعيلة بمعنى مفعولة فلا شيء فيها، ومعناها: أنها مخلوقة، فلا بد لها من خالق وهو الله فإن كانت فعيلة بمعنى فاعلة ومعناها أنها خالقة، قلنا: أنتم سميتم الله تَعَالَى بغير اسمه، ولا يقولون الخالق هو الله، لأنهم لا يعرفون إلا الله التابع للكنيسة التي لا يتفقون معها، فاختاروا اسماً بعيداً فسموه الطبيعة، ولذا وجد في أوروبا في القرن التاسع عشر ما يسمى بالدين الطبيعي، والفلاسفة الطبيعيين، وعلم الاجتماع الطبيعي، وهذه النظريات تقول: إن الطبيعية هي الجمال الذي في الكون، وفي الأدب الرومنسي يقولون: "عبادة الطبيعة" لأن الطبيعة هي المناظر التي تعجبنا، والدين الطبيعي كما يقول روسو: "دين حر ليس كمثل أديان الكنيسة"، فإن رجال الدين يأتون بما يخالف العقول، فيفرضون الإتاوات والعشور والرهبنة عَلَى الناس، بخلاف الدين الطبيعي؛ فإنك تعشق وتحب وتتزوج وتقول الشعر وترسم كما تشاء، والكنيسة تقول: لا ترسم إلا صورة العذراء وصورة المسيح، وفي الحقيقة لا يوجد شيء اسمه دين طبيعي، ولكنهم أتوا بهذا الاسم حتى يخرجوا من سيطرة البابوات.
стр. 996
وجاء اليهودي كارل ماركس وإنجلز بنظريات اجتماعية للاشتراكية، وهي ليست من بنات أفكارهم، وإنما ذكرها أفلاطون في كتاب الجمهورية فقَالَ: "أحسن شيء أن يعيش النَّاس بلا أحقاد، فيكون الزواج مشاعاً، والأموال مشاعة، والسياسيون والجنود لا يملكون أي شيء" وذكرها شخص يسمى سان سيمون -وهو فرنسي وهذا الكلام كذلك جَاءَ به المنتسبون إِلَى الإسلام من الفلاسفة، كما في آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي، وكذلك اليوتوبايه جَاءَ به رجل يسمى توماس مور ومعناها: المدينة الفاضلة -قال سان الفرنسي -وهو قبل ماركس -: "يجب أن نقضي عَلَى الملكية الخاصة ونجعل الملكية مشاعة للجميع رحمة بالضعفاء والعمال" فجاء كارل ماركس وأخذ الإلحاد من الفلاسفة الطبيعيين، وأخذ مبدأ العدالة الإشتراكية من سان، وقَالَ: "هذه نظرية علمية لأن سان سيمون وتوماس مور وأفلاطون كلهم مثاليون خياليون غير حقيقيين، وأما نظريتي فهي علمية، لأنها مبنية عَلَى حتميات التطور، لأن نظرية ماركس: "أن الإِنسَان تطور"، وحقيقة أوروبا كانت تعيش في تطور من عصر الإقطاع إِلَى عصر الحضارة، فهذه النظرية تتفق مع العلم ومع التطور، فاشتراكيتي وشيوعيتي فقط هي العلمية، وأما اشتراكية من قبلي، فهي مثالية، لأنها مبنية عَلَى خيال وأخلاق، وأما أنا فلا أنظر إِلَى الأخلاق ولكن أنظر إِلَى العلم، والتاريخ يتطور حتماً من مرحلة إِلَى مرحلة، والشيوعية مرحلة حتمية في تاريخ الإِنسَان. فهذه خلاصة إنكار الله عند الشيوعيون، فهي نظرية يهودي حاقد عَلَى البشرية وعلى كل الأديان سماها بالطبيعة، وتبعه من الغرب من تبعه.
стр. 997
وهناك مفكر غربي ملحد اسمه أدنكتوت قَالَ: إن قلنا: "الله" عدنا إِلَى مشاكل الكنيسة، ومن قَالَ: "الطبيعة" فهذا إنسان جاهل أحمق ومغفل، ثُمَّ وجد أن علماء عصره يسمونها "الصدفة"، فإذا سئلوا: كيف نشأ الكون؟ قالوا: صدفة. فلم يجد بداً أن يسمي نظريته: "ضد المصادفة"، فالذي أنشأ الإِنسَان هو ضد المصادفة ولا يقدر أن يقول: الله، لأن الله هو ذلك التابع للكنيسة. فكلام شارح الطحاوية حق، وهو أنه لا يوجد أحد ينكر وجود الله عَلَى الحقيقة، لكن الشيوعيون والملاحدة يسمونه بغير اسمه، فهذا مجمع عليه بين بني الإِنسَان حتى الأطفال يسألون في كل شيء من أتى بهذا؟
لأن الفطرة في ذهن البشر أنه لابد وراء كل موجود من فاعل، ولذلك الذي جَاءَ به الأَنْبِيَاء هو أن يعبد هذا الخالق وحده لا شريك له، كما جَاءَ في الحديث القدسي: إنني والجن والإنس لفي أمر عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي) والله تَعَالَى يفضح كل معاند وكل جبار وكل كذاب، فمسيلمة مثلاً يتفل في عين الرجل حتى تبرأ فتعمى عينه فضيحة من الله، حيث أراد أن يتشبه بمُحَمَّد ﷺ عندما تفل في عين علي فبرأت، ولم يوجد أحد ادعى أنه خلق أبداً، وما ادعاه الكذابون فقد فضحهم الله، لئلا يغتر بهم أحد.
ويدل عَلَى ذلك الدلائل الفطرية، والآيات الكونية، والبراهين العقلية، ولذلك قال المصنف: [ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل، وزعم أنه يتلقى من السمع] .
إثبات وجود الله موجود في الفطرة قبل أن يعقل الإِنسَان وهو "الميثاق الفطري". وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] فإذا تحركت العقول بالنظر فإنها لا تخرج إلا بهذه النتيجة، وهو أنه موجود.
فواعجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
стр. 998
وفي كل شيء له آية تدل عَلَى أنه واحد
وأما قول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الذي سبق ومنه هذا الكلام:
[وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهماً عن الماهية، وأن المسؤول عنه لما لم تكن له ماهية، عجز موسى عن الجواب، وهذا غلط.، وإنما هذا استفهام إنكار وجحد كما دل سائر آيات القُرْآن عَلَى أنفرعون كَانَ جاحداً لله نافياً له، لم يكن مثبتاً له طالباً للعلم بماهيته، فلهذا بين لهم موسى أنه معروف، وأن آياته ودلائل ربو بيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو؟ بل هو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل، بل معرفته مستقرة في الفطر أعظم من معرفة كل معروف] .
كلام حول الماهية
استطرد المُصْنِّف هنا فتكلم عن مسألة الماهية.
يقول علماء المنطق: السؤال عن الماهية له أداتان "ما" وَ "أي".
فـ"ما": تسأل به عن الشيء لتعرف ماهيته أو حقيقته.
و"أي": تسأل به عن الشيء لتخصيصه عن غيره.
ولما قال فرعون: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:٢٣] سأل موسى عن الماهية، لأن "ما" أداة الماهية، فعجز موسى عن شرح ماهية الله، فعدل عن الجواب وقَالَ: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الشعراء:٢٤] وهذا الكلام خطأ متناقض.
وذلك أنفرعون لم يكن يعرف علم المنطق ولا الماهية معروفاً عنده، وإنما أراد أن يجحد وينكر أن يكون هناك إله، فقَالَ: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:٢٣] أي: ليس موجوداً هذا الإله، ولذلك لما ألزمته الحجة وقال له موسى: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء:٢٦] قَالَ: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء:٢٧] .
стр. 999
فلم يكن له حجة، ولذا نسب كلام موسى للجنون، ولم يكن مقصوده الاستفهام عن ماهية الله، ولذلك لما جَاءَ وقت الشدة قَالَ: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ [يونس:٩٠] فالشاهد أنفرعون كَانَ عالماً بوجود الله، ولكنه أنكر ذلك جحداً وقوله: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:٢٣] هو إنكار وجحد، وأما الاصطلاح المنطقي عن الماهية، وأنها تطلق عَلَى الذات مجردة من الصفات -أي عن الحقيقة الكلية الوجودية- فهذا كلام لا داعي بأن نتعب أنفسنا فيه وهو باطل ومردود.
يقول المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
стр. 1000
[والمشهور عند أهل النظر إثباته بدليل التمانع، وهو: أنه لو كَانَ للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه، أو يريد أحدهما إحياءه والآخر إماتته- فإما أن يحصل مرادهما أو مراد أحدهما أو لا يحصل مراد واحد منهما، والأول ممتنع، لأنه يستلزم الجمع بين الضدين، والثالث ممتنع، لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون، وهو ممتنع، ويستلزم أيضاً عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلها، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر، كَانَ هذا هو الإله القادر، والآخر عاجزاً لا يصلح للإلهية، وتمام الكلام عَلَى هذا الأصل معروف في موضعه، وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بينه القرآن، ودعت إليه الرسل ﵈ وليس الأمر كذلك،، بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن الْمُشْرِكِينَ من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السموات والأرض واحد، كما أخبر تَعَالَى عنهم بقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ () [لقمان:٢٥] قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
стр. 1001
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [المؤمنون:٨٤، ٨٥] ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كَانَ حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم، تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأَنْبِيَاء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء، ويتوسلون بهم إِلَى الله، وهذا كَانَ أصل شرك العرب، قال تَعَالَى حكاية عن قوم نوح: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً [نوح:٢٣] وقد ثبت في صحيح البُخَارِيّ، وكتب التفسير، وقصص الأَنْبِيَاء وغيرها، عن ابن عباس ﵄ وغيره من السلف، أن هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا عَلَى قبورهم، ثُمَّ صوروا تماثيلهم، ثُمَّ طال عليهم الأمد فعبدوهم، وأن هذه الأصنام بعينها صارت إِلَى قبائل العرب، ذكرها ابن عباس ﵄ قبيلة قبيلة] . اهـ
الشرح:-
ذكر المُصنِّفُ أن وجود الله والاقرار بتوحيد الربوبية في الجملة أمر مجمع عليه، مفطورة عليه الخلائق، وذكر عجز المتكلمين وأصحاب النظر والاجتهاد العقلي، أو البحث الكلامي، وأنهم كلما جاؤوا بدليل وضعوه عَلَى وجود الله جَاءَ الفلاسفة فأبطلوا عليهم هذا الدليل، فتناقض القول بذلك؛ لأن المتكلمين يضعون أدلة من جنس قواعد الفلاسفة - والفلاسفة أعلم بقواعدهم- فإذا وضعوا دليلاً من كلامهم هدمه أُولَئِكَ من قواعدهم وكلامهم.
стр. 1002
فلذلك اضطر بعضهم أن يقول: إن وجود الله وتوحيد الربوبية، أمر ثابت بالسمع وبالوحي فقط، بحيث لو لم يرد به الوحي فإن العقول تعجز عن إثباته؛ لأنه ما من دليل تضعه العقول إلا وتأتي عقول أخرى تنقض هذا الدليل، وهذا الذي بلغ بهم حتى أن أقروا بذلك، فَقَالُوا: إن القضية قضية خبرية ووحيٌ، وهذا من تفريطهم وجهلهم، وقد أوضحنا أن الله لما نزل هذا القرآن أنزل فيه أدلة برهانية، فهو أمر تسمعه، وخبر من عند الله تعتقده، وليس بنظريات فلسفية وإنما هو تنزيل من العزيز الحكيم ومع ذلك يشتمل على: البراهين القوية التي ليس في بابها أشد وأعظم إقناعاً منها، فذكر سبحانه تعالى الإيمان باليوم الآخر، وذكر صدق أنبيائه، بأقوى البراهين وأقوى الحجج، بل ويتحدى المشركين ويقول: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة:١١١] ، [النمل:٦٤] .
فمثلاً: قضية النبوة هي من أهم قضايا العقيدة، وقد ذكر لنا القُرْآن من الدلائل العظيمة عَلَى صدق الأَنْبِيَاء ما يذعن له كل أحد مهما قيل عن عقله، إلا أن يكون مكابراً معانداً، فإن العناد طبع وجبلة في أعداء الله المستكبرين، وما من نبي بعثه الله إلا وله أعداء.
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:٣١] وكل نبي ينقسم قومه إِلَى فريقين:
١-الملأ الذين استكبروا وهم الطبقة العليا أصحاب المناصب.
стр. 1003
٢-والملأ الذين استضعفوا وهم الأتباع وحواشي الناس، وطبيعة الطبقة العليا -المستكبرين في الأرض- أنهم يحادون ويعاندون أي دعوة جديدة، وخاصة إذا كانت ناشئة من الطبقات الدنيا، الذين لا مال لهم ولاجاه عندهم، ولذلك قالوا: لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآن آنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:٣١] لأن النبي ﷺ ليس من أصحاب الثرآء، ولا من أصحاب الأموال، فيعترضون عَلَى الأَنْبِيَاء بهذه الاعتراضات.
فالاعتراضات قديمة من عهد نوح ﵇، كل نبي يعترض عليه باعتراضات قديمة، والأنبياء يأتون بالحجج والبراهين والآيات البينات، التي لا يملك أي بشر إلا أن يؤمن بنبوتهم، ومن ثُمَّ يؤمن بأن الله حق، فإن أعتى طواغيت العالم -وهوفرعون- يتحدث عنه القُرْآن أنه يأتيهم هذا النبي وحده منفرداً، قد نشأ وتربى في بيته وفي رعايته، ولم يكن يدري أن له أباً ولا أماً ولا أحداً، وإنما هو لقيط، التقطه من البحر وربّاه، ثُمَّ يأتي ويقتل النفس ويهرب، ويقدر الله سبحانه أن يأتي هذا الذي تطالبه العدالة، وتبحث عنه لتقتص منه، وإذا به يدعي النبوة.
وجاء بدعوة جديدة غريبة، لا يطيق فرعون أن يسمعها ولا يأبه لها، فهل قال له موسى: القضية خبرية؟!
стр. 1004
لا، إنما قَالَ: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَادِقِينَ [الشعراء:٣٠،٣١] فأخرج يده فإذا هي بيضاء للناظرين، ووضع العصا فإذا هي حية تسعى، ثُمَّ تأتي المناظرة العظمي حيث أراد الله ﵎ أن يفضح فرعون عَلَى الملأ مثل ما ادعى الربوبية عَلَى الملأ فشاور قومه، فأشاروا عليه فَقَالُوا: أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء:٣٦] ، فالأمر بسيط جداً، ليس هناك أمة يجتمع لديها من السحرة أكثر من أمتنا، فليجمع السحرة جميعاً، وكانت حكمةً من الله، لأنه لو بقي أحد لقالوا: بقي سحرة، فجاء السحرة أجمعون، واحتاط فرعون بحيث لم يترك أحداً، وجاؤوا جميعاً ليتحدوا هذا الساحر بزعمهم: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ [الزخرف:٤٩] فأمرهم موسى ﵇ بإلقاء عصيهم، فلما ألقوها، خاف موسى ﵇، ولم يتوقع أن الله يوحي إليه، ولا أن يوجهه إِلَى هذا الطاغوت العنيد الجبار، فَأَلْقَى مُوسَى عَصاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الأعراف:١١٧،١١٨] فأتى بآيات عظيمة لا يمكن لأحد أن يماري فيها، لا من السحرة ولا من الجمهور، ولا من الملأ المستكبرين في الأرض.
فتأتي هذه الحية فتلقف جميع الحيات، ويأتي السحرة الذين أتى بهم فرعون. وقَالَ: إن لكم لأجراً، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الشعراء:٤٦-٤٨] .
стр. 1005
فأي حجة أعظم من هذه الحجة، وأي فضيحة أخزى وأذل لأعداء الله من هذه الفضيحة، فكل نبي من الأَنْبِيَاء يأتي بآية ومعجزة وبرهان يدل عَلَى أن المسألة ليست مجرد وحي أو سماع فقط، وإنما الوحي نفسه يأتي بالأدلة والبراهين الجدلية، التي لا يقوى أي مجادل ولا مناظر أن يقف أمامها بإطلاق، وأقل الأَنْبِيَاء معجزة هو شعيب، وكل نبي من الأَنْبِيَاء يأتي بآية بينة -كما سَّماها الله سبحانه- ولو لم يأت بآيةٍ إلا أن يتحدى قومه بأن الله سبحانه سيعصمه وسيحميه من مكرهم ومن شرهم، فهذه معجزة عظمى، وآية بينة، لو تأملتها الأمم! كل ذلك بينات عَلَى صدق الأنبياء، ولم يقف أي مناظر ولا مجادل في وجه النبي ﷺ ، فقد جادله اليهود، ولما جَاءَ وفد نجران إلى المدينة وأخذوا يجادلون النبي ﷺ ، فأنزل الله ﵎ عليه صدر سورة "آل عمران" وقرأها عليهم وجادلهم بما فيها، وكذلك جادله المُشْرِكُونَ طويلاً وأكثروا الجدال، وكذلك أصحابه من بعده، ما وقف في وجههم أي مجادل ولا مناظر، بل كانت الحجة والبينة والبرهان الساطع بين أيديهم دائماً في كل موقف، ولهذا جعلهم الله هم الأعلون: الأعلون في الحجة والبيان، والأعلون في السيف والسنان، فعجز المتكلمون عن إثبات دليل عَلَى ربوبيته هو عجز لهم، لأنهم رفضوا منهج القُرْآن -وهو اليقين- واتبعوا مناهج الفلاسفة واليونان المتقدمين، فأفحمهم أُولَئِكَ وعجزوا.
стр. 1006
ودليل التمانع: قال بعض المتكلمين عنه: عندنا دليل عَلَى وجود الله، ولا يستطيع أحد أن ينقضه. فلو افترضنا أن للعالم إلهين متماثلين، فلا بد أن لكل منهما إرادة مستقلة عن الآخر، فتأتي لجسم من الأجسام أحدهما: يريد تحريكه، والآخر: يريد تسكينه، فإما أن تتحقق الإرادتان وهذا ممتنع، لأنه لا يمكن أن يكون الجسم الواحد متحرك وساكن في لحظة واحدة! وإما أن لا تتحقق الإرادتان معاً وهذا باطل، لأن الجسم لا يخلوا عن الحركة أو السكون وأيضاً إذا بطلت الإرادتان معاً، فهما عاجزان كلاهما، فلا بد أن تتحقق إرادة واحد منهما، ولا تتحقق إرادة الآخر، فالذي تتحقق إرادته: هو الإله الواحد، والآخر ليس بإله، فَقَالُوا: هذا دليل عقلي عَلَى إثبات وحدانية الله، وهذا غاية ما عند المتكلمين، وهو يبين لنا هزال المتكلمين وجهلهم بالله وَقَالُوا: هذا الدليل العقلي جَاءَ به القرآن، وهم في الحقيقة أخذوه من علماء اليونان الذين كانوا يثبتون وجود الله بهذه الطريقة التي أغنانا الله عنها.
قالوا: والدليل عَلَى ذلك قول الله: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] أي: لو كَانَ هناك أكثر من إله، لأراد هذا الإله أن يحرك السموات والأرض، والإله الآخر لا يريد أن تتحرك، فإما أن تتفق الإرادتان، وإما أن تتخلف الإرادتان، وإما أن تتحقق إرادة واحدة، والموجود في العالم اليوم هو إرادة إله واحد وهو الله .
وقد رد عليهم المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: بأن التوحيد الذي قرره الله في هذه الآية ليس هو توحيد الخلق توحيد الربوبية، وإنما المراد بالتوحيد هنا هو: توحيد الألوهية، وهو موضوع المعركة بين الأَنْبِيَاء والرسل وبين قومهم، فالذي جاءت به هذه الآيات أنه إذا عبد غير الله حصل الفساد، لأن المعبود واحد.
стр. 1007
فالمعبود في السماء واحد، وهو الله ﵎ ولا فساد عَلَى الإطلاق في السماء، وإنما هنالك الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فننفي الفساد عنها، لأن المعبود في السماء واحد، والله ﵎ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَه [الزخرف:٨٤] يعني: وهو الذي في السماء معبود وفي الأرض معبود، فأما في السماء فظاهر، وصلاح السماء ظاهر، بأن الله هو وحده المعبود فيها، كما قال ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا وفيها ملك ساجد أو راكع أو قائم) ولهذا انتفى عنهم الفساد، ولهذا قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:٣٠] ، ولذلك قَالَ: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢١،٢٢] فالله ذكر أنهم اتخذوا آلهة في الأرض، وأما السماء فلأن الملائكة المقربين لم يعبدوا غير الله، ولم يتخذوا إلهاً غيره؛ فالصلاح فيها ظاهر، والصلاح ظاهر في المكان الذي يعبد فيه الله وحده في الأرض، وأما المكان الذي يعبد فيه مع الله غيره؛ فإن فيه أكبر الفساد وأعظمه وهو الشرك.
فعلم بذلك أن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمان.
وأما من حيث أن نظام الكون لم يختل، لأنه من صنع إله واحد سبحانه فهذا حق، لكنه ليس هو كل الحق، وإنما المراد ربط هذا الحق بالأهم وهو جانب الألوهية.
فإذا عبد الله -سجانه وتعالى- وحده لا شريك له، صلح الحال كله، لأنه هو وحده الذي يدبر نظام الكون، وأما من صادم ربه ﵎ بعبادته غير الله فحينئذٍ يحصل الفساد في الأرض.
стр. 1008
فالمؤمن يتآلف مع هذه المخلوقات جميعاً، لأنه يشعر أنها تعبد الله، والنجم والشجر يسجدان، كل شيء يسجد لله، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم [الإسراء:٤٤] ويقول النبي ﷺ عن أحد: (جبل يحبنا ونحبه) .
فهناك علاقة ومحبة بيننا وبين مخلوقات الله فنحن نشعر بأن هناك ما يربطنا به، وهو: عبوديتنا جميعاً لله أما أعداء الله والمستكبرون فلا ينظرون إليها إلا نظرة العداوة، ولذلك اصطلحت أوروبا منذ عصر ما يسمى: "عصر النهضة" إِلَى اليوم عَلَى أن تسمي كل إنجاز أو اكتشاف علمي "قهراً للطبيعة" فإذا فتحوا طريقاً في الجبل، قالوا: قهرنا الطبيعة، وفتحنا هذا الطريق، فالمسألة مقاهرة ومغالبة ومعاندة، أما المؤمن فيثق أن الله تَعَالَى سخر له ذلك، فإن فعل شيئاً من هذا فإنه يقول: هذا من فضل الله ، وهذا من تسخير الله فهذا هو توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية، والتوحيدان متلازمان.
توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية
стр. 1009
والتوحيد الذي جاءت به الأَنْبِيَاء هو: توحيد الألوهية، فكل ما جَاءَ في القُرْآن أو في دعوات الأَنْبِيَاء من بيان توحيد الربوبية، فهو ليبني عليه الإلزام بتوحيد الألوهية، وهكذا كانت العرب -كما ذكر المصنف- في الجاهلية يقرون بأن الله وحده لا شريك له، هو الإله الذي خلق السموات والأرض، وهو الذي يدبر الأمر، ولكنهم اتخذوا من دونه آلهة أخرى لدعاوي عدة، إما أن هذه الآلهة تقربهم إِلَى الله تَعَالَى زلفى! فهو الإله الأكبر، وهذه الآلهة الصغرى واسطة بيننا وبين الإله الأكبر، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) ووقع الشرك في الأمم بسبب تعظيم غير الله ، وإن كَانَ المقصود به عبادة الله، فأي بشر إن قدسته وعظمته بما يعظم به الله فقد أشركت به مع الله، وإن كانت النية في الأصل سليمة.
والله خلق الخلق عَلَى الحنيفية كما قال الله في الحديث القدسى عن عياض بن حمار في صحيح مسلم: (وإني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) فبقوا عَلَى الحنيفية عشرة قرون، كما ورد في تفسير ابن عباس عند قول الله ﵎: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِين فتقدير الآية: كان الناس أمة واحدة على التوحيد فاختلفوا.
стр. 1010
وقبل أن يختلفوا لم يُبعث نبي وإنما كانوا يعبدون الله، حتى ظهر قوم نوح وظهر الشرك فيهم، فقد كَانَ في قوم نوح أناسٌ صالحون متبتلون متعبدون لله وذكر الله وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، وهم رجال صالحون- فلما مات هَؤُلاءِ القوم؛ جَاءَ الشيطان ولعب بعقول قومهم فقَالَ: هَؤُلاءِ النَّاس كانوا يعبدون الله ويذكرونكم بعبادة الله وهم أحياء، وهم اليوم أموات، فصوروا صورهم حتى تتذكروا عبادة الله، فتعبدون الله وتتقربون مثل ما كانوا يتقربون ... فصوروا هذه الصور، وجعلوهم تماثيل، وأخذوا يتذكرون هَؤُلاءِ بوجود هذه الصور، ثُمَّ تناسخ العلم ومرت أجيال نست أن هَؤُلاءِ ليسوا معبودين، وأنهم إنما صوروا للتذكير فقط، فكانوا يرون آباءهم يأتون إِلَى هذه الصور، ويدعون الله بعدما يتذكرون الله بهذه الصور، فأصبحوا يدعون هذه المعبودات من دون الله ثُمَّ جَاءَ نوح ﵇ فوقع بينه وبين قومه ما وقع، وأغرقهم الله جميعاً وأهلكهم ودمرهم، وما آمن معه إلا قليل، وعاد التوحيد مرة أخرى -وهو الأساس- في الأرض، وقضي عَلَى الشرك، وقطع دابر القوم الَّذِينَ كَفَرُوا، ولم يبق منهم ديار، كما دعا نوح ﵇، وعاد الأمر من جديد عَلَى التوحيد، ولكن الشيطان عاد من جديد، فأعاد الشرك وأعاد الأصنام، ولم يبعث النبي ﷺ إلا ووداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً يعبدن بأعيانهن، وهي التي كانت أيام نوح، في أمد لا يعلمه إلا الله ومع ذلك -ولأن الشيطان واحد- أعاد تلك الأصنام بأعيانها وبأسمائها، كما فسرها ابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما في صحيح البُخَارِيّ، فكل قبيلة من العرب عبدت إلهاً من هذه الآلهة، الذي هو في الأصل اسم رجل صالح من قوم نوح، وقد سبق أن تحدثنا: كيف
стр. 1011
وقع الشرك في بلاد العرب؟، وقلنا إنه كَانَ بسبب الانبهار الحضاري، وأن عمرو بن لحي الخزاعي هو الذي أسس الشرك في جزيرة العرب بعد التوحيد، وغيّر ملة إبراهيم وإسماعيل ﵉ وذهب إِلَى بلاد الشام، ورأى النَّاس يعبدون الأصنام هناك، فجاء إِلَى العرب بهذه التجارة الفاسدة، واستوردها وجعلها عند البيت الحرام الذي جعله الله أول بيت وضع لكي لا يعبد إلا الله، فجاء عمرو بن لحي بالأصنام، ثُمَّ عبدت وبقيت قريش تتناقل ذلك، حتى بعث فيهم النبي الأمي دعوة إبراهيم ﵇ وهو مُحَمَّد ﷺ .
فلم يكن الشرك واقعاً في الربوبية، كما في توحيد الألوهية، وكان سبب وقوع الشرك هو: تعظيم غير الله وتقديسهم وخاصة الصور.
ولذلك ذكر المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الأحاديث الواردة في ذلك، وفي طمس الصور، وتسوية القبور، لأنها ذرائع إِلَى عبادة غير الله ﵎.
يقول المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهيّاج الأسدي قَالَ: قال لي على بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك عَلَى ما بعثني رَسُول الله ﷺ ؟: (أمرني أن لا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته) .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال في مرض موته: ﴿لعن الله اليهود والنَّصارَى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عَائِِِشَةَ ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً﴾ ، وفي الصحيحين أنه ذكر له في مرض موته كنيسة بأرض الحبشة، وذكر له من حسنها وتصاوير فيها، فقَالَ: (إن أُولَئِكَ إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا عَلَى قبره مسجداً وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يَوْمَ القِيَامَةِ) .
стр. 1012
وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال قبل أن يموت بخمس: (إن من كَانَ قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك] اهـ.
الشرح:
هذه الأحاديث من أعظم ما يدل عَلَى حرص النبي ﷺ عَلَى حماية جناب التوحيد، وسده لكل ذريعة توصل إِلَى الشرك بالله ، بأي صورة من الصور، فإن علياً ﵁ يقوللأبي الهياج: (ألا أبعثك عَلَى ما بعثني عليه النبي ﷺ ، قَالَ: أمرني أن لا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته ولا تمثالاً إلا طمسته) وهذه سنة لكل موحد من الموحدين من المؤمنين، أنه لا يدع قبراً مشرفاً إلا ويسويه، ولا يرى تمثالاً إلا ويطمسه، ومن سار عَلَى نهج النبي ﷺ يجب عليه إذا رأي قوماً يعظمون ذلك أو يفعلونه أن ينكر عليهم ويبين لهم، فإن كَانَ يستطيع أن يغيره باليد، كما فعل أبو الهياج وكما فعل عَلِيّ ﵁ فيجب عليه ذلك باليد، وإن لم يستطع وجب عليه أن يقيم الحجة عَلَى عباد القبور الذين يرفعون القبور، والذين ينصبون الصور والتماثيل ويعبدونها من دون الله فإن من رحمة الله -سبحانه- أننا أمة لا تنحت التماثيل، ولا تعظمها، ولا تقدسها، وهذه القضية ذكرها كثير من علماء الغرب في الدول الغربية، وحتى في كثير من دول العالم الإسلامي، لا تمر بميدان إلا وتجد تمثالاً، وهناك حركات دينية في داخل أوروبا تسمى حركة طمس التماثيل أو تحطيم التماثيل، ويدعون أن هذا امتهان للإنسان الحي، وتأليه للإنسان الميت، فكأن قائلاً يقول: إنكم أيها الأحياء لا يوجد فيكم من يمكن أن يقدم لأمته، مثل ما قدم هذا الرجل، وهذا احتقار للبشر الأحياء.
стр. 1013
وقد قال النبي ﷺ : (لتتبعن سنن من كَانَ قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، وحتى لو أن أحدهم أتى امرأته عَلَى قارعة الطريق لفعلتموه!) فالواجب عَلَى المؤمنين الموحدين هو: إنكار هذه الأمور أشد الإنكار وتوعية الناس، وتعليم الجهال بأن لا يرفعوا القبور، وأن لا ينصبوا التماثيل، وهذا مما هو مجمع عليه -ولله الحمد-، ولم يخالف عليه أحد من العلماء بإطلاق، ولم يكن هذا الأمر في أي بلد من بلدان الْمُسْلِمِينَ -على ما كثر فيها من الجهل والضلال- إلا في هذا العصر، متأثرين بأوروبا النصرانية الملحدة التي تصور عيسى ﵇ وأمه في كل مكان كما سيأتي في الحديث الآخر الذي اتفق عليه الشيخان وهو قوله ﷺ : ﴿لعن الله اليهود والنَّصارَى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ ولما ذكر له الكنيسة التي بأرض الحبشة وما فيها من الصور، وهذا من ديدن الكنائس أنهم يجعلون صور المسيح ﵇ في الكنائس وفي كل مكان، ولهذا يعبدونه من دون الله، ولم يعبدوا المسيح فقط بل حتى القديسين الذين يقدسونهم عبدوهم، بل في العالم الغربي لا يزال إِلَى الآن في قلوبهم تعظيم القديسين، وما تزال أسماء مدنهم وشوارعهم بأسماء القديسين سان مون، أو باسم القديس يوحنا، أو القديس جورج، أو القديس فلان فلعنهم النبي ﷺ لأنهم كانوا إذا مات فيهم النبي أو العبد الصالح إما أن ينصبوا تمثالاً يعبدونه، وإما أن يتخذوا قبره مسجداً فيبنون عليه القبة، ويقولون: نَحْنُ لا نعبد صاحب القبر وإنما نعبد الله كما قال أسلافهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] فإذا قيل لهم: إذا كنتم تعبدون الله، فلم لا تعبدونه إلا عند هذا القبر؟
ولم تشيدون هذا القبر؟
стр. 1014
قالوا: صاحب هذا القبر يقربنا إِلَى الله -بنفس الكلام الذي قاله أصحاب الجاهلية: (هَؤُلاءِ شفعاؤنا عند الله) - فهذا الميت الذي في القبر يشفع لنا عند الله، هذا ما يقولونه وهذا ما يزعمونه، ولكنه في الحقيقة: هو عين الشرك الذي جَاءَ النبي ﷺ والأنبياء بمحاربته.
وأوحى الله إِلَى نبيه مُحَمَّد ﷺ وإلى من قبله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:٦٥] وتهدد الله أنه لا يدخل الجنة مشرك قط أبداً، فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النَّار وما للظالمين من أنصار.
ويجب أن تبين لهم هذه الحقيقة، ليتركوها وليرتدعوا عنها، ولا يصلى في المسجد الذي فيه قبر، فهذا محرم، ولكن ليس فاعله مشركاً لأنه:
أولاً:- لا يجوز الصلاة في أماكن القبور.
ثانياً:- لأنه إذا كانت هذه الأماكن يعبد فيها غير الله، ثُمَّ جَاءَ الإِنسَان يعبد الله فيها، فكأنه يكثر سواد الْمُشْرِكِينَ، ولا يجوز لأحد أن ينحر بمكان ينحر فيه لغير الله، ولا أن يصلي بمكان يصلى فيه لغير الله، وإن لم يقصد الشرك لأن فيه تكثيراً لسوادهم وهو ذريعة بأن يأتي بعده أحد فيشرك، كما وقع الشرك في قوم نوح، ولهذا قطع عُمَر ﵁ الشجرة التي في الحديبية ولم يعلم أحد بمكانها.
ففي المرة الأولى: ستزار عَلَى أنها أثر مقدس، يتذكر الإِنسَان فيها الصحابة ﵃، وكيف بايعوا تحت هذه الشجرة.
والمرة الثانية: يزداد تعجباً ويتأمل في الأغصان وفي السيقان، وينسى موضوع البيعة.
والمرة الثالثة: يقول: إن كَانَ لي حاجة أقضيها دعوت الله عند هذه الشجرة فيستجيب الله لي، لأن هذا المكان عظيم اجتمع فيه الصحابة وبايعوا فيه الرَّسُول ﷺ .
стр. 1015
والرابعة: يتمسح بالشجرة ويقول كما كَانَ يقول المُشْرِكُونَ في نجد قبل دعوة الشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب ﵀ إذا أتوا إِلَى الجذع الضخم من جذوع الشجرة -النخل الذكور- قالوا: (يا فحل الفحول أبغي ولد قبل الحول) يعني: تريد من الشجرة أن تعطيها ولداً قبل نهاية الحول، فكأن الذي يخلق الأولاد والذرية هو هذه الأشجار.
والصحابة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- كانوا يحاربون أشد المحاربة كل ما يخرم كمال التوحيد، أو يخدش جناب التوحيد، ولو كَانَ من آثار النبي ﷺ فضلاً عن غيره، ولهذا قطعت تلك الشجرة، ويجب أن تقطع كل شجرة يظن فيها ذلك، ويجب أن يطمس ويسوى كل قبر يظن فيه ذلك، حتى نحمي جناب التوحيد ونحفظه.
وأما قبره ﷺ فكما تعلمون جميعاً أن قبر النبي ﷺ ليس مسجداً، ولم يكن موجوداً في المسجد؛ كما يظن الجهال، وإنما يدفن الأَنْبِيَاء في المكان الذي قبضوا فيه، كما في الحديث الصحيح ﴿ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه﴾ ، فيدفن في المكان الذي قبض فيه، ودفن ﷺ في حجرة عَائِِِشَةَ، ودفن بجواره صاحباه الصديق رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ والفاروق رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.
стр. 1016
وبعد التوسعة للمسجد من جميع الجهات في أيام الوليد بن عبد الملك أصبحت الحجرات وكأنها داخلة في بناء المسجد، ثُمَّ جَاءَ عصر المماليك فأدخلت أكثر، وهكذا مع الزمن أصبح القبر كأنه وسط المسجد، وأصبح الجاهل الذي لا يدري يقول: إن المسجد بني عَلَى القبر، وكذا بعض الجهال يظنون أن الكعبة -البيت الحرام - إنما بنيت عَلَى قبر إبراهيم ﵇، لأن أكثر ما رسخ في أذهان الْمُسْلِمِينَ هو تقليد اليهود والنَّصارَى في اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، ثُمَّ تناقله الْمُسْلِمُونَ أنفسهم بعد، عَلَى أنه لا يوجد مسجد بأي مكان إلا وهو عَلَى قبر.
وهذا من أعظم الخطر الذي أصاب الأمة الإسلامية، حتى لما جَاءَ التتر كَانَ بعض سدنة القبور يقول:
يا خائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر
فكان النَّاس يجتمعون عند أصحاب القبور يدعونهم ويقولون: إن المدينة الفلانية محروسة بالولي الفلاني -ويسمونه (الحارس) - فلا يدخلها التتار ولا الصليبيون لأن الحارس موجود. فإذا جَاءَ العدو تزاحموا عند القبر يدعون ... يا حارس! ... يا حارس!.
فاقتحم التتار المدن ودمروها، لأن هذه الضلالات والخرافات لا تقف أمام الواقع والحقيقة.
وهذا هو عين الشرك الذي إذا لم تتخلص هذه الأمة منه، فلن يرفع الله عنها الذل، وإذا وحدته وحده لا شريك له نصرها وأعلا شأنها.
стр. 1017
والشرك كما يباعد النَّاس عن الله وعن الجنة، فإنه يفرق القلوب، لأنه كذب وافتراء، فالحسين مثلاً: يُعبد في العراق عَلَى أن قبره هناك! ويُعبد فيالشام عَلَى أن قبره هناك! ويُعبد في مصر عَلَى أن قبره هناك! أو نفيسة، وزينب، وعَلِيّ، هم في كل مكان، حتى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- فإنه معروف قطعاً أنه إنما قتل في الكوفة، ودفن فيها في مكان مجهول، ومع ذلك نجد في مدينة من المدن الإسلامية التي تقع عَلَى الحدود مع الاتحاد السوفيتي، اسمها مزار شريف -أي المزار الشريف، فيقولون: هو دفن هناك وراء تركستان عَلَى حدود النهر.
وحدثني بعض إخواننا من تلك البلاد ممن درسوا معنا، أن عدد من يزور هذا المزار يصل أكثر من أربعة ملايين سنوياً.
-سُبْحانَ اللَّه العظيم! - كيف يلعب الشيطان بعقول هذه الأمة؟!، نعجب أن لعب بعقول اليهود والنَّصارَى واستحقوا اللعن الذي قاله النبي ﷺ : (لعن الله اليهود والنَّصارَى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ونعجب أكثر لأمة التوحيد التي تقول: لا إله إلا الله، والتي ترفع مآذنها خمس نداءات في اليوم "أشهد أن لا إله ألا الله وأشهد أن محمداً رَسُول الله"، فوافقنا أهل الكتاب اليهود والنَّصارَى -أعداء الله- في الشركيات وفي عبادة غير الله، فكيف تقدس أمة تتبع أعداء الله وتواليهم؟!.
стр. 1018
فأعظم أسباب وقوع الشرك هو: تعظيم الأولياء -وسيذكر المُصنِّفُ أسباباً أخرى- وقد رد الله تَعَالَى عليهم جميعاً فقَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:٥٧] أي: أُولَئِكَ المدعوون أنفسهم الذين يدعونهم هم يدعون الله، ويبتغون إِلَى ربهم الوسيلة، فهم يرجون رحمة الله، ويخافون عذابه، فكيف تأتي أنت وتدعوهم من دون الله؟! فإذا وقع بأحدهم الكرب قَالَ: يا عَلِيّ! يا عَلِيّ!، وعَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- عانى من الكروب في حياته، وآخرها انشقاق الأمة عليه، وخروج الخوارج عليه، حتى أتى الأشقى فقتله.
فلم يملك عَلِيّ ﵁ لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولم يحم نفسه من هذا الخارجي، ولا من عدوان الخوارج، ولا ممن انشقوا عن طاعته. وكان يريد أن يكون أمير المؤمنين عامة ويتوحدوا جميعاً تحت طاعته، والحسين ﵁ لما خرج إِلَى البر وجاءه الجيش وقتلوه، لا شك أنه قتل مظلوماً، وأن دمه لا يحل، ولا يحل دم أي مسلم أصلاً، ولا يجوز القتال في الفتنة -أصلاً- بين الْمُسْلِمِينَ، لكن لما جاءوا وأحاطوا به مات عطشاناً في البر، لا يملك أي شيء.
والآن! يبكون ويقولون: كيف نشرب الماء وقد مات الحسين عطشاناً في البر؟، ثُمَّ إذا نزل بأحدهم كرب قَالَ: يا حسين، سُبْحانَ اللَّه! كيف يقول ذلك والحسين لم يملك لنفسه شربة ماء؟!
تعظيم الأولياء والصالحين
يقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 1019
[ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب واتخاذ الأصنام بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها. وشرك قوم إبراهيم ﵇ كَانَ - فيما يقال- من هذا الباب، وكذلك الشرك بالملائكة والجن واتخاذ الأصنام لهم. وهَؤُلاءِ كانوا مقرين بالصانع، وأنه ليس للعالم صانعان، ولكن اتخذوا هذه الوسائط شفعاء، كما أخبر عنهم تَعَالَى بقوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:١٨] وكذلك كَانَ حال الأمم السالفة -الْمُشْرِكِينَ الذين كذبوا الرسل- كما حكى الله تَعَالَى عنهم في قصة صالح ﵇ عن التسعة رهط الذين تقاسموا بالله (أي: تحالفوا بالله) لنبيتنه وأهله، فهَؤُلاءِ المفسدون المُشْرِكُونَ تحالفوا بالله عَلَى قتل نبيهم وأهله، وهذا بيُّنٌ أنهم كانوا مؤمنين بالله إيمان الْمُشْرِكِينَ.
فعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية، الذي يتضمن توحيد الربو بية. قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ
مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون
стр. 1020
وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُون [الروم:٣٠- ٣٦] اهـ.
الشرح:
يذكر المُصْنِّف من أعظم أسباب وقوع الشرك هو تعظيم الأولياء والصالحين من دون الله وهناك أسباب أخرى في وقوع الشرك، ومنها: تعظيم الكواكب.
تعظيم الكواكب
وهذا الشرك وجد عند الصابئين، كما كَانَ عند قوم إبراهيم ﵊، الذين كانوا يعبدون الأصنام ببلاد الشام تجاه حران وما حولها، فكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل، وما تزال هذه الهياكل أو بعضاً منها باقية إِلَى اليوم، حتى أن علماء الحفريات والآثار لما بحثوا وجدوا أن أُولَئِكَ القوم كانوا يبنون المراصد والهياكل.
следующие страницы →