Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
[وهذا الذي أخبر به ﷺ هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه، منها: أن يُقَالَ: لا ريب أن الإِنسَان قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقاً، وتارة ما يكون باطلاً، وهو حساس متحرك بالإراداة، فلا بد له من أحدهما، ولا بد له من مرجح لأحدهما. ونعلم أنه إذا عرض عَلَى كل أحد أن يصدق وينتفع وأن يكذب ويتضرر، مال بفطرته إِلَى أن يصدق وينتفع، وحينئذ فالاعتراف بوجود الصانع والإيمان به هو الحق أو نقيضه.
والثاني فاسد قطعاً، فتعين الأول، فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمان به، وبعد ذلك: إما أن تكون محبته أنفع للعبد أو لا.
والثاني فاسد قطعاً، فوجب أن يكون في فطرته محبة ما ينفعه.
ومنها: أنه مفطور عَلَى جلب المنافع ودفع المضار بحسبه وحينئذ وإن لم تكن فطرة كل واحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج إِلَى سبب معين للفطرة، كالتعليم ونحوه، فإذا وجد الشرط وانتفى المانع استجابت لما فيها من المقتضي لذلك.
ومنها: أن يقَالَ: من المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق، ومجرد التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك، وإلا فلو علم الجماد والبهائم وحضضا لم يقبلا.
ومعلوم أن حصول إقرارها بالصانع ممكن من غير سبب منفصل من خارج، وتكون الذات كافية في ذلك. فإذا كَانَ المقتضي قائماً في النفس وقُدِّر عدم المعارض، فالمقتضي السالم عن المعارض يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها من يفسدها، كانت مقرة بالصانع عابدة له.
ومنها: أن يقَالَ: إنه إذا لم يحصل المفسد الخارج، ولا المصلح الخارج كانت الفطرة مقتضية للصلاح لأن المقتضي فيها للعلم والإرادة قائم، والمانع منتف] اهـ.
الشرح:
стр. 1052
[وهذا الذي أخبر به ﷺ هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه] هذه الأدلة العقلية التي ذكرها المُصْنِّف ﵀ فيها صعوبة، ولا يستطيع أي إنسان أن يفهمها إلا أن تؤخذ كلمة كلمة، ومع ذلك فإن فائدتها النهائية واضحة، وهي ما سبق أن قلناه، ونحب أن ننبه بهذه المناسبة أنه ستأتي موضوعات في شرح هذه العقيدة من مثل هذا النوع، فنقول: إننا -إن شاء الله تعالى- سوف نقتصر عَلَى الأمور التي يكون إيضاحها:
أولاً: الأمور النقلية التي جاءت في الآيات والأحاديث.
ثانياً الأمور العقلية التي تكون واضحة وجلية، أما القضايا الكلامية التي فيها تعقيدات، أو التي فيها بحوث متعمقة جداً نضيع من أجلها ساعات وراء ساعات، وقد يكون في الحاضرين من لا يستطيع أن يفهم هذه المصطلحات ولا يدركها، فهذه إن شاء الله سوف نضرب عنها صفحاً، ولأن هذه الموضوعات معقدة أو بعضها معقدة جداً، ويحتاج الإِنسَان أن يبين كل كلمة وكل مصطلح، فتضيع الفائدة العامة عَلَى الجميع، وهذا الأمر ليس بدعياً من عندنا، بل حتى في الجامعات كما هو معلوم أن هذا الكتاب مقرر في كليات المملكة جميعاً -تقريباً- وأن هناك مقاطع تحذف من المنهج إذا كانت في مثل هذه الأمور، لكن نقول: إن هذه التفصيلات ليست صعبة جداً لكن نَحْنُ ننبه إِلَى ما بعدها، وإلا ففي الإمكان أن تفهم وسنوضح هذه الوجوه التي ذكرها المُصْنِّف ﵀ هنا إن شاء الله، بكلام إذا فهم تفهم جميعاً بإذن الله فنقول: كل إنسان عنده إرادة وإحساس، فهو حساس ومريد، وكما قال ﷺ : (أصدق الأسماء حارث وهمام)
стр. 1053
لأن كل إنسان من البشر هو حارث وهمام، مؤمناً كَانَ أو كافراً، غبياً أو ذكياً، ما دام أنه إنسان فهو حارث وهمام، أي له إرادات واعتقادات وتصورات، ويقوم بأعمال يعملها بناءً عَلَى هذه الإرادات والإحساسات، والله قد فطر كل إنسان أن تكون إراداته وهمه وحرثه فيما ينفعه لا فيما يضره، فأي إنسان عندما يعمل أي عمل إنما يجتهد في عمل ما ينفعه، وإن كَانَ قد يكون ضاراً في الحقيقة، مثل الكافر الذي يجتهد في عبادة الأصنام فهذا شيء آخر، المهم أن يكون اجتهاده حسب ما يعتقد هو ويرى أنه نافع له، فهذه حقيقة واضحة فإذا كانت الفطرة بهذا الشيء، وكان الإِنسَان حارثاً وهماماً، وأنه لا يعمل ولا يكدح إلا فيما يعتقد أنه ينفعه، لا فيما يعتقد أنه يضره
فالمشاهد والمحسوس الآن عند النَّاس جميعاً أنهم يتجهون إِلَى الله ، وأن كل البشر الذين يولدون، يولدون وهم يريدون أن يتبعوا ديناً ما، ويتجهون إِلَى ربٍّ ما، كما سبق أن بينا شبه من يقول: إن الشيوعيين لا يتجهون إِلَى إله، بأن الشيوعي قبل أن يلقن مبادئ الحزب، وقبل أن يعرف أن مصلحته الدنيوية هي في اتباع هذا الحزب، هو أيضاً متجه إِلَى الإله بأي شكل من الأشكال، ولا يوجد عَلَى الإطلاق في أي عصر من العصور، وفي أي أمة من الأمم لا يوجد أبداً مجتمع بلا دين أبداً، حقاً كَانَ أو باطلاً، المهم أن هناك اتجاه إِلَى أن يكون هناك دين، وإله معبود.
وقد قلنا إن أكبر الملاحدة من أمثال البيركامل الذي هو من المدرسة العدنية -كما يسمونها- وهي مدرسة فلسفية أوروبية قال هذا الملحد: "إن مشكلة الإِنسَان المعاصر تتلخص في كلمة واحدة، وهي البحث عن الإله.
стр. 1054
إذاً فكل إنسان وكل مجتمع وكل أمة تتجه وتبحث عن إله، وتبحث عن دين، وهذا دليل عَلَى وجود الفطرة، وعلى أن هذه الفطرة تتجه إِلَى الله ؛ لكن قد تضل وقد تصيب، ولنضرب عَلَى ذلك أمثلة واقعية حسية من واقع الحيوان، فالحيوان إذا رأى النَّار ابتعد عنها، ولا يمكن أن يأتي حيوان ويدخل في النار، إلا إذا وقع طريق الخطأ، مثل الفراشة لأنها عندما ترى النَّار تظن أن هذه ألوان الطيف من الجمال، مثل الأزهار الجميلة، فالجمال يجعل الفراشة تقع في النار، مع أنها لا تريد أن تعذب نفسها، ولذلك إذا وقعت في النَّار واحترق جناح من أجنحتها تهرب وتحاول أن تتحرك لتبتعد عن النار، فكل إنسان متجه إِلَى ما ينفعه لا إِلَى ما يضره.
فإن زين له، أو لبس عليه، أو أغري فوقع فيما يضر، فإنه سرعان ما يحاول الخروج، وذلك مثل الكفار، عندما تزين لهم الشبهات فيعبدون غير الله، فالاتجاه إِلَى الإله موجود، لكن زينت لهم الشبهات والشهوات، وسول لهم الشيطان أن يعبدوا غير الله، فعبدوا غير الله ووقعوا في النَّار فعندما يقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:١٠٧] يدعون الله ويتمون أن يخرجهم من النَّار لأنهم قد وقعوا فيها بسبب التلبيس؛ لكن هل المُشْرِكُونَ والكفار عبدوا غير الله ليدخلوا النار؟
لا؛ بل قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] فهم لا يريدون أن يدخلوا النار، ولا يعبدون أصنامهم إلا لتدخلهم الجنة إن كَانَ هناك بعث.
وقد قالوا لرَسُول الله ﷺ : إن افترضنا عَلَى كلامك أن هناك جنة وناراً.
стр. 1055
فنحن أهل الجنة لأننا أكثر أموالاً وأولاداً في هذه الدنيا، وقالوا مرة أخرى نَحْنُ الذين بنينا البيت ونحن الذين نعظم الحرم، ونسقي الحجاج، فإن كَانَ هناك من جزاء ومن عمل يحاسب عليه الإِنسَان جزاؤه الجنة، فنحن من أهل الجنة.
فالشاهد مما سبق أن كل إنسان يتجه إِلَى ما ينفعه، وإلى ما يعتقد أن فيه مصلحته، ما لم يأت صارف فيصرفه عن ذلك، مثل ما جاءت الشياطين فاجتالت بني آدم عن دينهم وقالت: إن عبدتم غير الله فهذا خير لكم، مثل ما زين الشيطان لأبوينا عندما قال لهما: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:٢٠] سُبْحانَ اللَّه! آدم ﵇ نسي ما أخذه الله عليه من العهد، ووقع في المعصية؛ لأنه طمع أن يكون من الملائكة أو أن يكون من الخالدين.
ونسي أن الله تكفل له ما دام فيها ولم يأكل منها، أنه لا يجوع ولا يعرى ولا يضحى ولا يمسه أي أذى أو نصب أو ألم، لكنه نسي طمعاً في لذة أعظم من اللذة الموجودة، فالإِنسَان حساس ومتحرك وله إرادات، ولا يعمل أي عمل إلا وفيه مصلحته، وإن عمل غير ذلك فلأنه في تصوره يسعى إِلَى لذة أعلا، وإلى مصلحة أعظم، فهذا دليل عَلَى وجود الفطرة وأن الفطرة تتجه في طبيعتها إِلَى الله ،
ولو خلي الإِنسَان -الذي يبحث عن الحق مع نفسه- لاتجه إِلَى عبادة الله وحده لا شريك له، لكن تأتيه شياطين الجن والإنس، فتلبس له الشرك وتزينه له.
وإذا قلنا: إن توحيد الله هو الحق وهو النافع، فلو عرض عَلَى أي إنسان يهودي أو نصراني أو مجوسي فإنه يتجه إليه، ويترك التكذيب الذي يؤدي به إِلَى النار، وإنما يقع الشرك؛ لأنه يلبس عَلَى الإِنسَان الذي ينفعه بالذي يضره، لكن لو خليت الفطرة.
стр. 1056
ولو جئنا إِلَى هذا الإِنسَان، وأقنعناه أن يترك تقليده الذي مشى عليه، ويترك الفلسفات التي ورثها، ويتخلى عن حقده للنبي ﷺ لدين الإسلام، ويتخلى عن تعصبه، أي لو قلنا له: أزل هذه الموانع الخارجية جميعاً.
ثُمَّ انظر إِلَى نفسك فاختر الدين الذي تريد، ثُمَّ أزال هذه جميعاً، وأخذ يقرأ القُرْآن وبدأ بالفاتحة مثلاً ثُمَّ بالبقرة، وقرأ في الأحاديث، فإنه سيجد أن هذا هو الدين الحق، وسوف يؤمن به، وإذا قرأتم قصص الذين دخلوا في الإسلام، وما كتبوه، لوجدتم هذا الكلام تصديقا لما قَالَ المُصْنِّفُ ﵀ هنا؛ أنه إذا خليت النفس عن الموانع الخارجية، من التقليد أو الاتباع فإنها تهتدي إِلَى الدين الحق.
تجد الواحد منهم يقول: قرأت أديان الهند، وقرأت أديان الصين، ودخلت في دين كذا ودين كذا، ثُمَّ لم أقتنع بها، وأخذت أبحث عن الدين الحق وهنا جَاءَ ما يقوله المُصْنِّف أن الفطرة تبحث، وأنها لو تركت لاهتدت، يقول أحدهم: في أثناء البحث تعرفت عَلَى شاب مسلم، أو وقع بيدي نسخة من القرآن، فلما قرأت عرفت أن هذا هو الدين الحق، فاهتدى الرجل فأسلم، فهذا دليل عَلَى وجود الفطرة.
стр. 1057
لكن الفطرة وحدها لا تهتدي فقد تضل، والذي يقوم الطريق ويمنع الفطرة من الخطأ هو الوحي، ولذلك لم يؤاخذنا الله ، ولم يحاسبنا بمقتضى العهد الذي أخذه علينا في عالم الذر، ولم يحاسبنا أو يؤاخذنا بمقتضى الفطرة التي فطرها في أنفسنا، وإنما بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب، لئلا يكون للناس عَلَى الله حجة بعد الرسل، -أي: أن الحجة والبلاغ إنما هي بدعوى الأنبياء- فهذا من حكمة الله، ومن فضله علينا؛ أنه لا يعذب أحداً وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الاسراء:١٥] مع قيام الحجج في الفطرة، وقيام الحجج في العقل، ومع الميثاق الذي أخذه الله في عالم الذر، والبراهين التي جعلها في الكون والنفس والآفاق، مع ذلك كله فإن العذاب ودخول النَّار لا يكون إلا عَلَى ما يبلغ الإِنسَان من العلم النبوي،.
فهذا ملخص لهذه للأوجه التي ذكر المُصْنِّف ﵀ هنا، وهو أن الفطرة تتجه إِلَى الله ، وأن الإِنسَان لديه قابلية الاتباع، كما أن لدى كل إنسان قابلية التعلم والعبادة لله، والاهتداء بهديه ، فما لم يحل حائل، أو يأتي حجاب من الحجب يحجب الإِنسَان عن التوحيد، فإن بني آدم جميعاً يتجهون إِلَى التوحيد.
وكل مسلم عَلَى ظهر الأرض فليس مقلداً؛ لأنه مؤمن بالله بمقتضى الميثاق في عالم الذر، وبمقتضى الفطرة التي خلقه الله تَعَالَى عليها، وبمقتضى الإيمان بالنبي ﷺ ، الإيمان البدهي الذي هو أقوى من البراهين النظرية العقلية، ومع ذلك فلكل مؤمن براهينه وحجته التي أعطاه الله إياها عَلَى قدر علمه وعلى قدر ما بلغه.
دليل على وجود الله والكلام عليه
قَالَ المُصْنِّفُ ﵀:
стр. 1058
[ويُحكى عن أبي حنيفة ﵀: أن قوماً من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية، فَقَالَ لهم: أخبروني -قبل أن نتكلم في هذه المسألة- عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلأ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود بنفسها، فترسي بنفسها، وتتفرغ وترجع كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟!
فَقَالُوا: هذا محال لا يمكن أبداً!
فَقَالَ لهم: إذا كَانَ هذا محالاً في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟!
وتحكى هذه الحكاية عن غير أبي حنيفة أيضاً.
فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية الذي يقر به هَؤُلاءِ النظار، ويفنى فيه كثير من أهل التصوف، ويجعلونه غاية السالكين كما ذكره صاحب منازل السائرين وغيره، وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه كَانَ مشركاً من جنس أمثاله من الْمُشْرِكِينَ] ا. هـ.
الشرح:
стр. 1059
يقول المُصْنِّف ﵀: [ويُحكى عنأبي حنيفة] كلمة "يحكى" أو "يُقال" معناها: أن الخبر فيه كلام، فليس موثوقاً، والحقيقة أن هذه الواقعة لا تتصور أنها تصح عن الإمام أبي حنيفة لأنه لا يمكن أن يتجرأ أحد من الملاحدة في عهد الإمام أبي حنيفة وفي أوائل القرن الثاني، ويقول أنا أنكر وجود الله، ثُمَّ يؤتى به إِلَى الكوفة إلى عالم من أكبر علمائها ويقول له: أنا أريد أن أناظرك!! لأنه حتى في هذا العصر -والْحَمْدُ لِلَّهِ- عَلَى ضعف إيماننا، وعلى ضعف علمنا، لا يتجرأ الملحد أن يأتي فضلاً عن أن يبحث عن عالم من علماء الْمُسْلِمِينَ الكبار ويقول: أنا أريد أن أناظره، لأن الله ضرب عليهم الذل، وعلماء الْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمُونَ جميعاً حتى العامة منهم يرفضون أصلاً أن يقابلوا مثل هذا الإِنسَان، أو يتحدثوا معه، فضلاً عن أن يفتحوا له الطريق ويقبلوا المناظرة، ويقولون وإذا لم نقنعك نذهب بك إِلَى الإمام أبي حنيفة نقول: هذا لا يمكن ولا يتخيل لكن هذا مما يذكره بعض المتكلمين ليبينوا أن الأئمة الأربعة وغيرهم قد عرفوا الأدلة والبراهين والحجج العقلية، ومثل ذلك ما ينقل عن الإمام أَحْمَد والإمام الشَّافِعِيّ أنهم قالوا: انظروا إِلَى هذه البيضة أو عجبت لهذه البيضة، التي ظاهرها هذا العظم وباطنها الماء، ثُمَّ يخرج منها ذلك الحيوان ثُمَّ يكون له العين والمنقار والرئتان، مع ذلك نقول أن هذه النقولات لو ثبتت فليس معنى ذلك أن دليل الإمامأَحْمَد عَلَى وجود الله، هو هذه البيضة، أو أن دليل الإمام أبي حنيفة عَلَى وجود الله وعلى توحيد الربوبية هو السفينة.
أو من قال من الأئمة: من أراد أن يعرف الله فلينظر إِلَى الإِنسَان كيف خلق من طين، ثُمَّ من ماء، هذه أمثلة وعبر، مثلهم مثل أي واحد يرى منظراً في ملكوت الله في السماء فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّه كيف ينكر الله أحد؟!
стр. 1060
انظر هذا دليل عَلَى ربوبية الله، فليس هذا هو دليله الوحيد الذي يقوم إيمانه ويعتمد عليه إنما هو كمثال من الأمثلة وكدليل من جملة الأدلة، فهذا الدليل دليل السفينة يذكر كذلك، ولا يعني هذا أننا لا نؤمن بالله إلا بناء عَلَى هذا الدليل، أو أن هذا هو حجتنا الوحيدة، أو أننا لا نملك عَلَى وجود الله إلا أمثال هذه الأدلة.
فالله له في كل شيء آية تدل عَلَى أنه واحد ﵎ ووجوده أيقين في النفوس من وجود المخلوقين أنفسهم؛ لأننا نعلم أن هَؤُلاءِ المخلوقين إنما وجدوا؛ لأن الله هو الذي خلقهم، فوجود الخالق الموجد إيمان النفس به أكثر يقيناً من يقينها بوجود بلد اسمه أمريكا أو الهند، ومع أنه قد يكون الإِنسَان ربما لم يرها قط ومع ذلك هو مؤمن بوجودها، فالإيمان بوجود الله أعظم وأكثر يقيناً من اليقين بذلك؛ لأنه تمتلأ به الفطرة والقلب قبل أن يعرضه الدين عَلَى المباحث العقلية النظرية والمصنف ﵀ ذكر هذا المثال. وتفسيره واضح.
ونختتم بما ذكره مؤلف منازل السائرين، وهذا الكتاب ألفه الإمام أبو إسماعيل عبد الله الهروي والذي شرحه الإمام ابن القيم في كتابه مدارج السالكين شرح منازل السائرين وهو المذكور هنا في قوله: "ويفنى فيه كثير منأهل التصوف ويجعلونه غاية السالكين".
أما المتكلمون والنظار فقد سبق الحديث عنهم، وأما هذا الهروي صاحب منازل السائرين فإنه قد وقع -عفا الله عنه- فيما وقع فيه الصوفية من الحديث عن الفناء، حيث قالوا: إن حقيقية الفناء وحقيقة التوحيد، هو توحيد الربوبية: أن تعتقد أنه لا خالق إلا الله، وأنه لا فاعل إلا الله.
стр. 1061
وسيأتي تفصيل هذا قريباً، كما سيأتي ذكر الأبيات التي ذكرها المُصْنِّف ﵀ عن الهروي نفسه، وهي أبيات مردودة في موضوع التوحيد، وهذا الكلام الذي ذكره الهروي نقله صاحب حلية الأولياء عن الجنيد، وهو من كلام الصوفية حيث يعتقدون أن توحيد الربوبية هو غاية التوحيد فمن وصل عندهم إِلَى توحيد خاصة الخاصة فهو الذي يصل إِلَى اعتقاد أنه لا فاعل إلا الله، وأن كل ما في الكون إنما يتحرك بإذن الله ، وأن الله هو الذي حركه، أي: حقيقة الفعل هذه منسوبة إِلَى الله.
فلا ترى لغير الله فعلاً ولا حركة ولا إرادة فهذا هو غاية التوحيد عندهم، أما ما دمت تثبت فعلين، فأنت لا تزال في توحيد أقل، أو في الشرك كما قال ذلك ابن سينا حيث قَالَ: القُرْآن كله شرك، والعياذ بالله، وهذا كلام الفلاسفة، وأخذه الصوفية في الأصل أخذوا عن الفلاسفة، من اليونان والهنود، لكن فلسفة هَؤُلاءِ فلسفة روحانية، وأولئك فلسفة عقلانية.
والشاهد أن دعاوى المتكلمين والنظار، ودعاوى الصوفية وأمثالهم، أن التوحيد الحقيقي هو توحيد الربوبية، وهذا مردود عليهم؛ لأن التوحيد الحقيقي هو توحيد الألوهية، فهو الذي أمر النَّاس أن يتدرجوا فيه حتى يعرفوه حق معرفته، ويقوموا به حق قيامه، وكما سبق أن بينا أنه ليس كل الصوفية يقولون بوحدة الوجود، وليسوا جميعاً يقولون: إن التوحيد الحقيقي هو توحيد الربوبية، وإنما النَّاس دائماً درجات ومراتب في البدعة، أو في الضلالة، أو في الشرك، أو الكفر، فهم درجات ومراتب، والكلام عَلَى المنهج العام يختلف عن الكلام في الأعيان والأشخاص.
стр. 1062
فالأشخاص فيهم من يأخذ بذلك المنهج كله، وفيهم من يأخذ منه ببعضه، وفيهم من ينتسب إليه بالاسم ويدعيه وهو لا يعرفه ولا يأخذ منه بشيء، فالشاهد هو هذا، وسوف يأتي -إن شاء الله مزيد من الحديث عن الهروي وعن كتابه عند الحديث عن الأبيات التي ذكرها في نفس هذا الموضع فيما سيأتي.
إنما يقصد بتوحيد الربوبية الاستدلال والإلزام به على توحيد الإلوهية
وامتداداً لذلك نظر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إِلَى بيان أن هذا التوحيد ليس هو المطلوب لذاته، وإنما يأتي في القُرْآن للاستدلال به، وإلزام الْمُشْرِكِينَ بتوحيد الألوهية.
ومن جعله هو المطلوب لذاته وهو الغاية من الطريقة والعبادة كما يقول بعض الضلال والصوفية أو بعض علماء الكلام - فهو عَلَى خطأ عظيم، فالصوفية يدعون أن غاية التوحيد هو أن يعتقد أنه لا تأثير لأحد في الكون إلا لله ، ويقول صحاب جوهرة التوحيد المنظومة في العقيدة الأشعرية:
والفعل في التأثير ليس إلا للواحد القهار جل وعلا
ومن يقل بالقوة المودعةِ فذاك بدعي فلا تلتفتِ
ومن يقل بالطبع أو بالعلة فذاك كفر عند أهل الملة
فالتوحيد هو: أن يعتقد الإِنسَان أنه لا مؤثر ولا فاعل في الكون إلا الله ولو دعا غير الله، أو ذبح لغير الله، أو صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، وهو يعتقد أن المؤثر هو الله وحده، وأن هذا المدعو أو المرجو أو المعبود من دون الله سواء كَانَ ملكاً أو نبياً أو عبداً صالحاً ما هو إلا واسطة ووسيلة وشفيع، وأن المؤثر الفاعل الحقيقي هو الله فهذا عندهم لا يسمى مشركاً، فمن قَالَ: إنه مشرك فقد كفّر الْمُسْلِمِينَ وهو من الخوارج إِلَى آخر ما يقولون!
стр. 1063
فإن حقيقة التوحيد عندهم، والغاية النهائية من التوحيد أن يترقى الإِنسَان في فهم الوحدانية حتى يصل به الأمر -كما يقولون- إِلَى أن يعتقد أن هذا العالم كله لا تأثير فيه لأحد إلا الله، وكل هذه الأفعال التي نراها في الكون هي من فعل الله وحده فقط.
ونحن نرد عليهم ونبين ونكشف هذه الشبهات بالأدلة القطعية الجلية من كتاب الله ومن سنة رسوله الله ﷺ ، ومن البراهين اليقينية التي يجدها كل مسلم في نفسه، وهي: أن الْمُشْرِكِينَ في الجاهلية ما كانوا يعتقدون لأحد تأثيراً غير الله، وما كانوا يعتقدون أن أحداً خلق أو رزق غير الله .
هذه هي عقيدة الجاهليين والذين يعبدونهم من دون الله من الآلهة -اللات والعزى ومناة وهبل وود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا، فهذه المعبودات والكهان الذين كانوا يطيعونهم بما يأمرونهم، ويلقون إليهم إنما هم واسطة أو وسيلةأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ [الزمر:٤٣] ويقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك".
فلم يجعلوا لغير الله ملكاً ولا تأثيراً ولا فعلاً، ولم يكن أحد من كفار قريش يعتقد أن اللات أو هبل هي التي خلقت هذه الجبال التي يراها أهل مكة، أو هي التي خلقت فلاناً وفلاناً قصي وعبد المطلب من زعماء مكة.
إذاً؛ نقول لهم: أنتم تريدون أن ترجعونا إِلَى عين الشرك القديم، وإلى حقيقة الشرك القديم، وهو أنكم تقولون: إنَّ هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ الذين يدعون الإسلام -مثلاً- يعتقدون أنه لا تأثير لأحد إلا الله .
القرآن مملوء بالأدلة على توحيد الربوبية
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 1064
[والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه وضرب الأمثال له. ومن ذلك أنه يقرر توحيد الربوبية، ويبين أنه لا خالق إلا الله، وأن ذلك مستلزم أن لا يعبد إلا الله، فيجعل الأول دليلاً عَلَى الثاني، إذ كانوا يسلمون الأول، وينازعون في الثاني، فيبين لهم - سبحانه- أنكم إذا كنتم تعلمون أنه لا خالق إلا الله، وأنه هو الذي يأتي العباد بما ينفعهم، ويدفع عنهم ما يضرهم، لا شريك له في ذلك، فلم تعبدون غيره وتجعلون معه آلهة أخرى؟
كقوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل:٦٠،٥٩] .
يقول الله تَعَالَى في آخر كل آية: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ أي: أإله مع الله فعل هذا؟
وهذا استفهام إنكار، يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله، فاحتج عليهم بذلك، وليس المعنى استفهام: هل مع الله إله؟ -كما ظنه بعضهم- لأن هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام، والقوم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى كما قال تعالى: أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَد [الأنعام:١٩] .
وكانوا يقولون: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:٥] .
لكنهم ما كانوا يقولون: إن معه إلهاً جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً [النمل:٦١] بل هم مقرون بأن الله وحده فعل هذا وهكذا سائر الآيات.
стр. 1065
وكذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:٢١] .
وكذلك قوله في سورة الأنعام: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ [الأنعام:٤٦] وأمثال ذلك] اهـ.
الشرح:
يبين المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أن القُرْآن مملوء من تقرير وذكر توحيد الربوبية، وأن الله هو وحده الخالق الرازق المُحيي المميت الضار النافع، الذي يدبر الأمر، والذي يغيث الملهوف، ويجيب المضطر، ويكشف السوء ممن دعاه إِلَى غير ذلك من خصائص الربوبية، التي منها أيضاً التفرد: بعلم الغيب المطلق، والتي منها: التفرد بحق التشريع للبشر في الدين وفي مصالح الدنيا، ومنها لوازم كثيرة لعلنا نعرض بعضها -إن شاء الله-.
والقرآن مملوء بذكر هذا التوحيد لكن لا عَلَى انفراد، ولا عَلَى أساس أنه يقره كأمر جديد، وإنما يقول للمشركين: هذا الذي أنتم مقرون به يستلزم ويستوجب منكم الإقرار بما أنتم منازعون فيه، فالمُشْرِكُونَ كانوا ينازعون في أن الله تَعَالَى هو وحده المعبود، وهو الذي يرجى ويدعى ويخاف وحده لا شريك له، وكانت هذه هي المعركة بينهم وبين الرسل.
стр. 1066
وكان المُشْرِكُونَ وأهل الكتاب -أيضاً- يعتقدون أن غير الله هو الذي يملك أن يشرع وأن يحلل أو يحرم فالله يلزمهم بأنه وحده الذي خلق الكون والبشر، فهو وحده الذي يشرع لهم، وهو وحده الذي يجب أن يطيعوه، وأما غيره فلا يجوز أن يتخذ رباً كما قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:٣١] وقال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه ... إِلَى أن قَالَ: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.. ثُمَّ قَالَ: لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.. [الشورى:١٠-١٢]
ومن كَانَ فاطر السماوات والأرض، وله مقاليد السماوات والأرض، فهو الذي يحق له وحده أن يشرع في السماوات والأرض، وأن يطاع شرعه ويتبع أمره.
والآيات كثيرة من كتاب الله التي تذكر بهذه المعاني لتلزم بما بعدها من توحيد الألوهية، ومنها هذه الآيات التي في سورة النمل: قال الله : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى [النمل:٥٩] آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:٥٩] .
ثُمَّ ذكر خمس آيات تنتهي كل منها بقوله تعالى: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ... قال تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل:٦٠] إِلَى أن يقول: أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [النمل:٦٤] .
стр. 1067
وفي هذه السورة بعد أن ذكر في أولها تكذيب قومفرعون: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل:١٤] وبعد أن ذكر تكذيب قوم سبأ، وقصة أهل اليمن -الذين كانت ملكتهم بلقيس مع سليمان ﵇ ثُمَّ دخولها في دين الله وبعد أن ذكر تكذيب ثمود قوم صالح، ثُمَّ ذكر قوم لوط وإهلاكهم وما كَانَ لهم، ذكر بعد ذلك هذه الآيات، فالموضوع كله في بيان موضوع أن الله هو وحده المعبود، وهو وحده المطاع، وأنه ﵎ لا يجوز أن يشرك مع غيره في طاعته وفي عبادته وفي التقرب إليه.
فضرب لهم هذه الأمثلة وبين لهم: أنكم أنتم تقولون: إنه لم يخلق السماوات الأرض إلا الله، ولم ينزل الغيث من السماء فينبت به هذه الحدائق ذات البهجة إلا الله، فيقول ﵎ بعد ذلك منكراً عليهم: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ أي: أإله مع الله فعل هذا، فتعبدونه مع الله، فإنه إذا كَانَ غيره قد شاركه في فعل ذلك، فيجوز أن تعبدوا غيره الذي شاركه في هذا الفعل، أما إذا كنتم تقرون بأنه وحده: هو المتفرد بخلق هذه المخلوقات، والمتفرد بخلق السماوات والأرض، والمتفرد بأنه جعل الأرض قراراً، وجعل فيها أنهاراً، وجعل فيها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزاً، والمتفرد بأنه: هو الذي يهدي في ظلمات البر والبحر، وأنه هو الذي يكشف الضر ممن دعاه، فيجب عليكم أن تفردوه وحده بالعبادة، ولا تعبدوا غيره أبداً -سبحانه- فلا تدعوا غيره، ولا تصلوا لغيره، ولا تذبحوا لغيره، ولا تنذروا لغيره.
التفسير الصحيح لقوله تعالى ((أإله مع الله))
يقول المُصنِّفُ: ليس الأمر كما فهم بعض الشراح أو بعض المفسرين أن السياق قد انتهى، وكأن قوله:
أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ معناه هل هناك شريك لله؟
стр. 1068
فهذا الوجه خطأ لأن الكلام يجب أن يقرأ متصلاً فنقول مثلاً: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّه [النمل:٦٠] التقدير: أإله مع الله فعل هذا؟!
سيكون جوابهم: لا. وهذا سؤال إنكار هذا الوجه هو الصحيح في الآية أما الوجه الخطأ فهو أن يظن أن الآية تقول: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا [النمل:٦٠] انتهى.
ثُمَّ يقول: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ كأنه سؤال جديد يقول: هل لله شريك؟
فهذا الوجه خطأ لأنهم يثبتون لله شريكاً، والله تَعَالَى لا يسألهم هل له شريك؟
يعني مجرد سؤال، إنما المقصود أإِله مع الله فعل هذا فتعبدونه من دون الله؟ فإذا قلتم: لا، لم يفعل هذا أحد مع الله، وإنما فعله الله وحده، فهَؤُلاءِ الشركاء الذين تعبدونهم من دون الله إذن عبادتكم لهم باطلة وشرككم لهم باطل فهذا هو المراد.
وكما قال : أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى [الأنعام:١] فهم يشهدون، ولكن أنت قُلْ لا أَشْهَد أي: أنهم هم يشهدون أن مع الله آلهة أخرى ويدعون مع الله آلهة أخرى، والاستفهام هنا إنكار عليهم، كيف تؤمنون وتقرون بأنه لم يفعل ولم يخلق أحد غير الله ثُمَّ تعبدون وتدعون غير الله ؟!
وذكر المُصْنِّفُ ﵀ أيضاً الآيات التي في سورة البقرة -التي قلنا أن فيها أول أمر في القرآن- منها قول تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:٢١] .
стр. 1069
وسورة البقرة أول سورة نزلت في المدينة، وهي من أعظم سور القرآن؛ لاشتمالها عَلَى أعظم آية في كتاب الله وهي: آية الكرسي ولما اشتملت عليه من الأحكام العظيمة، والمعاني الجليلة، ولذلك -كما في الحديث الصحيح- (لا تستطيعها البطلة) -أي: السحرة والكهان- والشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه -كما في الحديث الآخر.
وهي أول سورة نزلت في المدينة، جاءت في مفتتح القُرْآن بعد الفاتحة، فذكر الله في أولها صفة القُرْآن العظيم، ثُمَّ صفات المؤمنين فيه ثُمَّ الكافرين ثُمَّ المنافقين، وبعد الانتهاء من صفات المنافقين أمر بهذا الأمر الذي هو أول أمر في القُرْآن فقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هذا خطاب عام لجميع النَّاس اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:٢١] .
أمر النَّاس جميعاً أن يعبدوه وحده، لأنه هو الذي خلقهم الَّذِي خَلَقَكُمْ فكونه هو الذي خلقكم، وكونه هو الذي خلق الذين من قبلكم، هذه قضية بدهية، وهي حقيقة مقررة عندكم؛ إذاً فاعبدوه وحده لا شريك له وأفردوه بالعبادة .
والآية التي في سورة الأنعام قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ [الأنعام:٤٦] وهم مقرون وعالمون أنه لا أحد غير الله يأتيهم بذلك، وأن الله هو الذي رزقهم.
فهذا يبين ويوضح أن كل الآيات التي وردت في القُرْآن -ومنها الآيات التي في سورة النمل- إنما المراد بها أنكم لِمَ تجعلون لله شريكاً في العبادة ما دام أنه ليس له شريكاً في الخلق؟! هذا هو مضمون ما ذكره المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى- في ذلك.
الغاية العظمى لإرسال الرسل هو توحيد الألوهية
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 1070
(وإذا كَانَ توحيد الربوبية، الذي يجعله هَؤُلاءِ النظار، ومن وافقهم من الصوفية هو الغاية في التوحيد: داخلاً في التوحيد الذي جاءت به الرسل ﵈ ونزلت به الكتب، فليعلم أن دلائله متعددة كدلائل إثبات الصانع ودلائل صدق الرسول، فإن العلم كلما كَانَ النَّاس إليه أحوج كانت أدلته أظهر، رحمةً من الله بخلقه.
والقرآن قد ضرب الله للناس فيه من كل مثل، وهي المقاييس العقلية المفيدة للمطالب الدينية، لكن القُرْآن يبين الحق في الحكم والدليل، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
وما كَانَ من المقدمات معلومة ضرورية متفقاً عليها استدل بها، ولم يحتج إِلَى الاستدلال عليها، والطريقة الفصيحة في البيان أن تحذف، وهي طريقة القُرْآن بخلاف ما يدعيه الجهال، الذين يظنون أن القُرْآن ليس فيه طريقة برهانية، بخلاف ما قد يشتبه ويقع فيه نزاع، فإنه يبينه ويدل عليه.
стр. 1071
ولما كَانَ الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند النَّاس كلهم، باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال، وإنما ذهب بعض الْمُشْرِكِينَ إِلَى أن ثُمَّ خالقاً خلق بعض العالم كما يقوله الثنوية في الظلمة، وكما يقوله القدرية في أفعال الحيوان، وكما يقوله الفلاسفة الدُّهرية في حركة الأفلاك أو حركات النفوس، أو الأجسام الطبيعية، فإن هَؤُلاءِ يثبتون أموراً محدثة بدون إحداث الله إياها، فهم مُشْرِكُونَ في بعض الربوبية، وكثير من مشركي العرب وغيرهم قد يظن في آلهته شيئاً من نفع أو ضر بدون أن يخلق الله ذلك، فلما كَانَ هذا الشرك في الربوبية موجوداً في الناس، بيَّن القُرْآن بطلانه، كما في قوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون:٩١] فتأمل هذا البرهان الباهر، بهذا اللفظ الوجيز الظاهر، فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقاً فاعلاً، يوصل إِلَى عابده النفع ويدفع عنه الضر فلو كَانَ معه -سبحانه- إله آخر يشركه في ملكه لكان له خلق وفعل، وحينئذٍ فلا يرضى تلك الشركة، بل إن قدر عَلَى قهر ذلك الشريك وتفرده بالملك والإلهية دونه فعل، وإن لم يقدر عَلَى ذلك انفرد بخلقه وذهب بذلك الخلق، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بممالكه، إذا لم يقدر المنفرد منهم عَلَى قهر الآخر والعلو عليه، فلا بد من أحد ثلاثة أمور:
إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه.
وإما أن يعلو بعضهم عَلَى بعض.
وإما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء، ولا يتصرفون فيه بل يكون وحده هو الإله، وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجه.
стр. 1072
وانتظام أمر العالم كله وإحكام أمره، من أدل دليل عَلَى أن مدبره إله واحد، وملك واحد، ورب واحد، لا إله للخلق غيره، ولا رب لهم سواه. كما قد دل دليل التمانع عَلَى أن خالق العالم واحد، لا رب غيره ولا إله سواه، فذاك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في العبادة والإلهية، فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان، كذلك يستحيل أن يكون لهم إلهان معبودان، فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته، مستقر في الفطر معلوم بصريح العقل بطلانه، فكذا تبطل إلهية اثنين. فالآية الكريمة موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية، دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الإلهية] اهـ.
الشرح:
هذا المقطع الطويل كله في بيان حقيقة توحيد الربوبية، ويبدؤه المُصْنِّف ﵀ ببيان أنه إذا كَانَ توحيد الربوبية الذي يجعله بعض النظار أو المتكلمين هو الغاية؛ فإن التوحيد الذي جَاءَ به الأَنْبِيَاء -وهو توحيد الألوهية- متضمن لهذا التوحيد، بمعني: أن توحيد الربوبية داخل في توحيد الألوهية، فكيف تجعلونه غاية وهي داخلة في الغاية العظمى التي دعا إليها الأَنْبِيَاء وهي التوحيد الحقيقي توحيد الألوهية؟! ثُمَّ يقول: إذا علم ذلك وأن هذا التوحيد داخل في ذلك التوحيد، فينبغي أن يعلم أن دلائل ذلك التوحيد -أي توحيد الربوبية- كثيرة مثلما أن دلائل توحيد الألوهية كثيرة، وأن دلائل صدق النبي ﷺ كثيرة، والدلائل عَلَى أن القُرْآن حق كثيرة، ثُمَّ يقول المُصْنِّف في تعليل كثرة الأدلة عَلَى توحيد الربوبية:
стр. 1073
إن العلم كلما كانت الحاجة إليه أكثر، كلما كَانَ دليله أظهر وأقوى رحمة من الله بخلقه، فإن أمور العقيدة الدقيقة التي لا يحتاج إليها كل إنسان لا يعلمها إلا الراسخون في العلم، وأدلتها تحتاج إِلَى تتبع وقراءة ودراسة ونظر، ولكن الأمور العظمى والكبرى التي يترتب عليها كون الإِنسَان مؤمناً أو كافراً، يدخل الجنة أو يدخل النار، فمن رحمة الله أنه أوضحها وأظهرها وجلاها لعباده، فجعل الأدلة عَلَى توحيد الربوبية كثيرة جداً في الكون وفي الآفاق وفي الأنفس.
إلا أنه قد يقال كما يقول هَؤُلاءِ النظار: أين الأدلة البرهانية في القُرْآن عَلَى توحيد الربوبية أي: الأدلة العقلية فقط.
عندما يقول الله : أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية:١٧] وقوله : إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [يونس:٦] في الآيات الكونية، فعندما يقول: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:٢١] وغير ذلك يقولون: هذه الآيات عيانية يعني: تشاهد بالعين والنظر، فهل جَاءَ في القُرْآن براهين نظرية يقينية عقلانية نفحم بها الفلاسفة ونسكت بها الملاحدة؟ فنقول لهم: إن الإعجاز العظيم والمعجزة العظمى التي جَاءَ بها القرآن، هو الإعجاز اليقيني قبل أي نوع من أنواع الإعجاز، والإعجاز اليقيني وبلاغته التي هي من أعظم أنواع الإعجاز الذي خرصت العرب أمامها، ما هي إلا وسيلة للإعجاز اليقيني، وهو أن هذا القُرْآن جعله الله ﵎ هداية مطلقة لا ضلال معها أبداً، وما من شهوة إِلَى قيام الساعة وإلا في القُرْآن ما يعالج هذه الشهوة، وما من بدعة ولا انحراف إلا وفي القُرْآن ما يدل عَلَى بطلانه، وبيان ضرره وانحرافه أوضح وأجلى بيان، علمه من علمه وجهله من جهله.
стр. 1074
فالقرآن إنما جَاءَ بياناً وهدى ورحمة وشفاء لما في الصدور، شفى الله به القلوب، وقضى عَلَى الشكوك والريب، فلا تجد إنساناً في أي دين من الأديان غير هذا الدين يعبد عَلَى ثقة واطمئنان قلبي أبداً، بل يتردد ويتشكك، ولهذا يوجد من كبار علماء اليهود والنَّصَارَى وأحبارهم من يفكر ثُمَّ يلحد ويترك دينه نهائياً، ويوجد منهم من يفكر ثُمَّ يدخل في الإسلام أو ينقلب إِلَى أي دين غير دينه، ولكن لم يوجد -ولله الحمد- فيمن رسخ إيمانه في هذا الدين من يرتد إِلَى دين آخر أبداً، لأن هذا الدين دين اليقين، وكل من يعبد الله بغير دين الإسلام فإنه في شك مما يعبد، ولو أنه حكم عقله لعرف أنه لا يعبد حقيقة إلا وفق آراء بشرية ومكتوبات إنسانية، إلا المؤمن فإنه يعبد الله عَلَى بينة وبرهان وطريق مستنير واضح.
فمعنى قول المصنف: إن هذه الشبهة التي يزعم بعض النظار أنهم يدافعون بها عن الإسلام، لأن القُرْآن إنما جَاءَ بالأدلة الخطابية والأدلة العيانية، ويقولون: نَحْنُ نزيد ونضيف فندافع عن الدين بالقضايا العقلية، قد يكون هذا قول بعضهم، وإما أن يكونوا ملاحدة ينكرون ما في القُرْآن لأنه لم يأت بهذه القواعد، وكلاهما عَلَى خطأ، وإن كَانَ هَؤُلاءِ كفار وأولئك مخطئون، لكن نقول كما قال المصنف: إن القُرْآن تضمن هذه الأدلة وجاء بأوجز وأعظم الأدلة البرهانية، فإن من أعظم ما تسمونه البراهين النظرية أن تقولوا مثلاً: العالم متغير وكل متغير حادث وكل حادث لا بد له من محدث، إذاً فالله موجود وهو المحدث لهذا الكون، هذه التي يسمونها براهين تقوم عَلَى مقدمات، وطريقة القُرْآن تأتي في أجلى وأوضح أنواع الاستدلال، بحيث تحذف المقدمة الضرورية المعلومة.
стр. 1075
فمثلاً: كون الكون متغيراً فهذه معلومة بدهية كل النَّاس يعرفونها، يتغير الليل والنهار والحياة والموت والمطر والجفاف، فالشيء البدهي المعلوم يستدل به ولا يستدل عليه، فالله لما كَانَ توحيد الربوبية بدهياً معلوماً، استدل به عَلَى توحيد الألوهية الذي فيه النزاع.
فالقرآن يجمع بين غاية الإعجاز اليقيني وغاية الإعجاز البلاغي العلمي في الأسلوب، فلا يصل به إِلَى الحق واليقين بعد مقدمات طويلة لا ثمرة ولا فائدة من ذكرها، فمثلاً العرب في الجاهلية كانوا يعظمون الشعر، ولذلك تجد المعلقات العشر، ولما فيها من البلاغة وقوة التعبير كتبوها وعلقوها في الكعبة، وسميت المعلقات لعظمتها ونفاستها، فالعرب أمة بيان يهمها البيان، فلما أنزل الله هذا القُرْآن الذي جَاءَ بالهداية، تضمنه كلام معجز لا يستطيع العرب ولا الإنس ولا الجن ولو اجتمعوا وكان بعضهم ظهيراً لبعض، أن يأتوا لا بمثله ولا بعشر سور من مثله ولا بسورة من مثله أبداً، فلما سمع أعرابي قول الله في سورة يوسف: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً [يوسف:٨٠] ما كَانَ منه إلا أن نزل من فوق البعير وسجد، وهو لم يؤمن ولم يدر أن في القُرْآن شيء اسمه سجود فتعجبوا وَقَالُوا: ما لك؟ قَالَ: والله هذا ليس من كلام البشر أبداً، فالجملة موجودة في كلام العرب (استيأس وخلص والنجوى والنجيء) لكن لم يوجد عَلَى الإطلاق في كلام العرب لا شعراً ولا نثراً أن جَاءَ بهذا المعنى فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً في ثلاث كلمات تدل عَلَى معنى طويل جداً، تدل عَلَى أنهم جادلوا الملك -الذي هو يوسف وهم لا يعرفونه- حتى تعبوا ثُمَّ اتفقوا عَلَى أنهم يخرجون إِلَى مكان بعيد ثُمَّ أخذوا يتشاورون: ماذا نصنع؟ وماذا نفعل؟ كل هذه المعاني التي هي عبارة عن عدة حلقات أو عدة فصول من الحديث والنقاش جاءت
стр. 1076
في هذه الكلمات الموجزاة، فلذلك لم يملك الأعرابي إلا أن نزل من عَلَى ظهر البعير وسجد وقَالَ: والله لا يكون هذا من كلام البشر أبداً.
والأعرابي الآخر الذي كَانَ يطوف وسمع القارئ يقرأ: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [الذاريات:٢١-٢٣] فعجب وقَالَ: من أغضب الجبار؟! من أغضب الجبار؟!، هذا الكلام الذي لم يعهدوا مثله يأتي باليقين إِلَى قلوبهم، حتى أنه لا يحتاج إِلَى تأكيد ولا يمين فَيَقُولُ: من الذي أغضب الجبار حتى أقسم فقَالَ: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ فمجرد أن سمع ذلك أيقن أنه حق ولا مجادلة فيه.
стр. 1077
والآية التي ذكرها المُصْنِّف ﵀: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ [المؤمنون:٩١] هي حقيقة يقررها الله أنه ما اتخذ الله من ولد -كما يقول اليهود والنَّصَارَى وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ كما يقول جميع الْمُشْرِكِينَ "إذاً" نلاحظ الكلمة -كلمة "إذاً"- أي: لو كَانَ كذا وكذا إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون:٩١] أي: لو افترض وجود ولد أو إله مع الله عَلَى الحقيقة - كما تزعمون - لحدث الذي يحدث في حال ملوك الدنيا وهو مشاهد أنهم يتغالبون، ويحاول الملك أن يأخذ ما تحت قبضة الملك الآخر ليتفرد وحده بالملك، فإن عجز عن المغالبة فإنه ينفرد بملكه، ويتصرف في مملكته، ويتصرف الآخر في مملكته، فانتظام أمر العالم واتساقه واتفاقه ينبيء ويشعر ويدل عَلَى أن مدبره واحد وهو الله أما التعارض والتصادم والاختلاف فهو الذي ينبيء ويشعر بأن هناك عدة آلهة وأنَّ كلاً منهم يملك جزءاً من هذا الكون، وحينئذ فلا بد إما أن يكون هذا الإله يغالب الإله الآخر وإما أن يتفرد بجزء من الكون، وإما أن يكون لا وجود له بل يغلبه الإله الآخر ويأخذ ما عنده.
стр. 1078
فالنتيجة أن المتفرد واحد، وما دام أن الكون عَلَى انتظام ولم يحدث أية تعارض ولا تصادم فيه، فالإله واحد كما يضرب علماء الفلك لذلك فيقولون: إن احتمال أن يتصادم نجم مع آخر في المدارات التي تدور فيها النجوم مثل احتمال أن تصطدم سفينة تمخر في المحيط الهادي بسفينة أخرى في المحيط الأطلسي، فلا يمكن عَلَى الإطلاق أن تصطدم سفينة في هذا المحيط بسفينة في المحيط الآخر، بل لو لم يكن بينهما إلا مسافة مائة ميل أو عشرة أو ميل واحد لما اصطدمتا، ما دام أن كلاً منها يتجه في اتجاه، فكيف إذا كانت هذه في محيط وهذه في محيط، هل يتصور أنهما تتصادمان؟!
ويقولون: إن هذا مثال بسيط للنجوم في مداراتها لا يتصور أن يصطدم نجمان عَلَى الإطلاق مع كثرة هذه المجرات والمجموعات ضمن المجرات التي لم يصلوا بعد إِلَى عمقها وإلى نهايتها، فهذا دليل عَلَى أن خالقهم واحد .
وقد سبق أن الشرك في الربوبية وإن كَانَ ممتنعاً بإطلاق، لكن توجد أنواع من الفرق مثل الثنوية الذين يقولون: إن الظلمة إله والنور إله، وهم مقرون في النهاية -كما سبق- بأن الإله الواحد والإله الحقيقي هو النور وهي الديانة الإيرانية القديمة.
والقدرية في أفعال الحيوان يقولون: إن الإِنسَان يخلق فعل نفسه والله لم يخلق أفعال العباد الاختيارية وإنما خلق أفعالهم غير الاختيارية -تعالى الله عن ذلك- هذا أيضاً نوع خفي من الشرك في الربوبية.
стр. 1079
وكذلك شرك الفلاسفة الدهرية الذين يقولون: إن الأفلاك بعضها يحرك بعضاً، فيثبتون وجود الله لكن يجعلونه وجوداً مطلقاً لا تأثير له في الكون، وأن الأفلاك بعضها يحرك بعضاً، فيقولون مثلاً: هذه الأفلاك تؤثر في المصائب والنكبات والزلازل والفتن، فإذا تحرك الكوكب واتجه اتجاهاً معيناً قالوا: سيذهب ملك فلان ويقوم ملك لفلان، سيموت كذا من الأمة، ويأتي كذا من الغيث، ويعتقدون أن هذه الأمور تكون بتدبير من الأفلاك، كل هذه الأفكار هي أنواع من الشرك في الربوبية، ولذلك جاءت الأدلة في القُرْآن لتنفي هذا الشرك، والأصل أن يستدل بنفي الشرك في الربوبية عَلَى تقرير حقيقة الألوهية وهذا هو الأهم.
ويقول المُصْنِّف ﵀: [كما قد دل دليل التمانع عَلَى أن خالق العالم واحد] فهذا الدليل كذلك يدل عَلَى أن الإله أو المعبود واحد.
فهذا الدليل العقلي البرهاني -كما يسمونه-: عَلَى أن خالق الكون واحد. وهناك شيء مهم يجب أن يفهم في كلمة الكون أو الفساد، فالكون نعني به: العالم كله، نقول: في الكون كذا أي في العالم، والفساد هو البطلان أو هو ضد الصلاح.
وأما اصطلاح الفلاسفة عندما يقولون الكون والفساد يقصدون بالكون: الوجود أو الإيجاد، ويقصدون بالفساد ضد ذلك وهو العدم، وأصل المعنى اللغوي للكون هو: كَانَ يكون كوناً أي وجد يوجد وجوداً، فالكون والوجود لهما معنى عند الفلاسفة أكثر اصطلاحاً من المعنى اللغوي الذي نَحْنُ نستخدمه، وهذا هو سبب ضلالهم في قول الله ﵎:لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] فظنوا أن الفساد هو العدم، فيقولون: لو كَانَ هناك أرباباً لم يوجد الكون؛ لأن هذا الإله يريد أن يخلق والآخر لا يريد أن يخلق فتتعارض إرادتان فيكون الذي تحققت إرادته هو الإله، ولهذا رد عليهم المُصْنِّفُ في هذه الآية كما سبق.
стр. 1080
التفسير الصحيح لقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللهُ لَفَسَدتَا
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى: لَوْ كَانَ َ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره، وهو أنه لو كَانَ للعالم صانعان.. الخ. وغفلوا عن مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كَانَ فيهما آلهة غيره. ولم يقل أرباب.
وأيضاً فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كَانَ فيهما -وهما موجودتان- آلهة سواه لفسدتا.
وأيضاً فإنه قَالَ: (لَفَسَدَتَا) وهذا فساد بعد الوجود، ولم يقل: لم يوجدا، ودلت الآية عَلَى أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة، بل لا يكون الإله إلا واحدا، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله وأن فساد السماوات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة، ومن كون الإله الواحد غير الله وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره، فلو كَانَ للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله، فإن قيامه إنما هو بالعدل، وبه قامت السماوات والأرض، وأظلم الظلم عَلَى الإطلاق الشرك وأعدل العدل التوحيد] اهـ.
الشرح:
هذه الآية: لَوْ كَانَ َ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] دلالتها عظيمة عَلَى توحيد الألوهية.
وهي برهان عقلي، لا كما يظنون أنها برهان التمانع أو دليل التمانع بمعنى أنه دليل لوجود الله فقط.
وذلك: أولاً: أن الله قَالَ: لَوْ كَانَ َ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ ولم يقل: (لو كَانَ فيهما أرباب) .
وثانياً: الكلام إنما هو بعد وجود السماوات والأرض فلو كَانَ فيهما هاتين الموجودتين آلهة غير الله لفسدتا وليس الكلام قبل أن توجدا -كما يقولون- وأن الفساد عندهم: هو عدم الوجود والكون: هو الوجود.
стр. 1081
وثالثاً: قوله: (لفسدتا) فلو فرضنا أن الفساد هو عدم الوجود فالآية تقول: لو كَانَ فيهما آلهة غير الله لفسدتا فعلى كلامكم: لو كَانَ هناك أرباب أخرى لبطل وجود السماوات والأرض؛ لأن الفساد عدم الوجود.
فأنتم تقولون: إنها دليل عَلَى أن الخالق في الابتداء هو واحد، والآية تتكلم عن شيء قد خلق ووجد، والفساد الذي يحصل فيه يكون بعد وجوده وخلقه، فهذا يوضح أنها ليست دليل التمانع الذي يقولون، وإنما هي دليل للألوهية وأنه متى عبد غير الله في السماوات أو في الأرض فإن الفساد يقع الذي هو ضد الصلاح، لأن السماوات والأرض لم تقم إلا بالعدل، وأعظم العدل هو التوحيد، وأعظم الظلم هوالشرك: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:١٣] أي: أكبر الظلم.
فانتظام السماوات والأرض وصلاح أمر السماوات والأرض، لا يكون إلا بأن يكون المعبود هو الله، وليس فقط أن نقول أن الذي أوجدها هو الله، وقد قلنا: إن السماوات لا فساد لها؛ لأن المعبود فيها واحد : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَه [الزخرف:٨٤] أي: هو الذي في السماء معبود، وفي الأرض معبود؛ لكنه في السماء معبود وحده ليس ثُمَّ شرك بالله تعالى، فالملائكة كلهم عباد الرحمن المكرمون يعبدونه : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:٢٠] .
стр. 1082
وأما الأرض ففيها يقع الفساد، ولذلك قالت الملائكة منذ اللحظة الأولى: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:٣٠] لأن الأرض مكان يتوقع فيه وقوع عبادة غير الله كالإشراك بالله وهذا أعظم الفساد، لكن لو انتظم أمر النَّاس في هذه الأرض، فلم يعبدوا ولم يطيعوا إلا الله ولم يتبعوا إلا أوامر الله لانتفى الفساد من الأرض، مثلما انتفى من السماء؛ ولكن حكمة الله أنهم لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم، حكمة الله أنه لا يزال إيمان وكفر وصلاح وفساد، ولذلك شرع الله ﵎ الجهاد ليدفع النَّاس بعضهم بعضاً وليدفع شر أهل الشر بقوة الحق عند أهل الإيمان؛ ولذلك كانت الأرض هي مكان التكليف والتعبد، وأما الذين في السماء فإنهم يعبدونه دائماً وأبداً بلا جزاء ولا ثواب، لأنهم لم يكلفوا بأمر يترتب عليه دخول الجنة أو دخول النار.
وهذه الآية عَلَى وجازة لفظها تدل وتبين أن صلاح العالم كله إنما يكون بأن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن يطاع وحده لا شريك له، ولننظر إِلَى واقع العالم اليوم -مثلاً- في حق النساء جعل الله للمرأة أعمالاً ومهمات محددة تعملها، ولا تتعداها، وجعل خروجها عن ذلك فساداً في الأرض وخروجاً عما أراد الله . فلما ترك النَّاس أمر الله في هذا الموضوع واتبعوا أمر غير الله وأُخرجت المرأة -كما في العالم الغربي وأكثر العالم الإسلامي- عن العمل الذي شرعه -اللهُ سُبْحَانَهُ- واتبعت أهواء وأقوال الشياطين ودعاة الضلالة، كم حصل من الفساد؟
وكم حصل من الشرور؟
وتجدون أن الأمراض في العالم الغربي ومن قلده كلها ترجع إِلَى أن الأسرة متفككة، وأن المرأة خرجت لتعمل مثل الرجل، والكفار أنفسهم مقرون بذلك.
стр. 1083
فلو كَانَ الله هو وحده المعبود المطاع واتُبعت أوامره لما كَانَ إلا الصلاح والخير، ولما وجد هذا الفساد في الأرض بإطلاق.
وكذلك القتل فالعالم يموج ويضطرب بالقتل، لا يكاد يمر يوم إلا والقتلى بسبب حروب أو انفجارات أو تدميرات، لأن الله ليس هو وحده المعبود بل اتخذوا آلهة من دون الله، فأطاعوا أحباراً ورهباناً أرباباً أو زعماء من دون الله -سُبْحَانَهُ- ومن هنا كَانَ الفساد والاضطراب في الأرض.
ولذلك فهذه الآية عَلَى قلة ألفاظها تدل عَلَى هذه المعاني كلها وأنه لَوْ كَانَ َ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] فالفساد الواقع في الأرض اليوم إنما هو نتيجة أن المحكم هو غير شريعة الله -سُبْحَانَهُ- فجميع الشرور التي في العالم هذا مصدرها وهذا سببها.
توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس. فمن لا يقدر عَلَى أن يخلق يكون عاجزاً. والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً قال تعالى: أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الأعراف:١٩١] .
وقال تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:١٧] .
وكذا قوله تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ َ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء:٤٢] وفيها للمتأخرين قولان:
أحدهما: لاتخذوا سبيلاً إِلَى مغالبته.
والثاني: وهو الصحيح المنقول عن السلف كقتادة وغيره، وهو الذي ذكره ابن جرير ولم يذكر غيره: لاتخذوا سبيلاً بالتقرب إليه، كقوله تعالى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً [الإِنسَان:٢٩] .
стр. 1084
وذلك أنه قَالَ: لَوْ كَانَ َ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ وهم لم يقولوا: إن العالم له صانعان بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء وَقَالُوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] بخلاف الآية الأولى] اهـ..
الشرح:
هذه الكلمة مهمة وهي قول المُصْنِّف ﵀: [وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس] فإن من أثبت أن الله خالق رازق محي ومميت، لا يلزم منه ولا يتضمن أنه مفرد وموحد له بالعبادة وبالطاعة، وهذا هو المهم في العلاقة بين التوحيدين، وفي بيان أن توحيد الألوهية هو الأهم.
وأما قول الله ﵎: قُلْ لَوْ كَانَ َ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء:٦٢] فهي أيضاً تتضمن برهاناً يقينياً عَلَى أن الإله المعبود واحد ، وكأنه يقول: لو كَانَ معه آلهة كما يقولون أو كما يزعمون إذاً لابتغوا إِلَى ذي العرش سبيلاً، فالمُشْرِكُونَ يثبتون ذا العرش الإله الأعظم أو الإله الأكبر -كما يسمونه- الذي هو الله ويثبتون معه آلهة أخرى هي شفعاء وتقرب إِلَى الله -سبحانه- وهي واسطة ووسيلة إِلَى الله سبحانه -كما يقولون- فيرد الله عليهم فَيَقُولُ: لو كَانَ هَؤُلاءِ الآلهة موجودين -كما تزعمون- لابتغوا إِلَى ذي العرش سبيلاً.
وفي معنى: لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا:
يقول بعض المفسرين: أي لابتغوا طريقاً إِلَى مغالبته، أي: لو كَانَ هناك آلهة لغالبوا ذا العرش حتى يكونوا هم الآلهة الكبرى، ولكن هذا المعنى مرجوح.
стр. 1085
والمعنى الصحيح: أنه لو كَانَ هناك آلهة غير الله سبحانه ممن تعبدون لابتغوا إِلَى ذي العرش سبيلاً، أي: لابتغوا التقرب والتعبد والتزلف إليه كما في الآية الأخرى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً [الإِنسَان:٢٩] كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة [المائدة:٣٥] وكما في قول الله : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:٥٧] فالمعبودون من الملائكة والأنبياء والأولياء الصالحين لله -سبحانه- هم يبتغون إِلَى الله سبيلاً.
فأنت تقول: أنا أتخذهم وسيلة إِلَى الله، بينما هم أنفسهم يتخذونه وسيلة إِلَى الله بالعبادة والعمل الصالح والخوف والرجاء والتقرب إليه، فعليك أن تتخذ أنت وسيلة إِلَى الله أيضاً.
وأما الأحجار والأشجار والأبقار والنَّار وكل ما يعبده المُشْرِكُونَ من دون الله مما لا تملك شيئاً ولا تفقه شيئاً، فهَؤُلاءِ لو كانت لهم إرادة في هذا الأمر -مثلاً- لتقربت هي إِلَى الله واتخذت الوسيلة إليه؛ لأن الله له وحدة الربوبية والألوهية لجميع المخلوقات فلا معبود سواه أبداً، فلو كَانَ هناك آلهة أخرى لكان شأنها أن تتقرب هي إِلَى الله سبحانه.
إذاً؛ لا توجد آلهة من دون الله ، وهذا من الأدلة عَلَى أن هناك آيات في كتاب الله لها كلمات موجزة، تتضمن من الدلائل اليقينيات والبرهانيات ما يعجز العقل عن تصوره.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[ثُمَّ التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد.
стр. 1086
فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تَعَالَى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر به عن نفسه، وكما أخبر رسوله ﷺ . وقد أفصح القُرْآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول (الحديد) و (طه) وآخر (الحشر) وأول آلم تنزيل السجدة وأول آل عمران وسورة الإخلاص بكمالها وغير ذلك.
والثاني: وهو توحيد الطلب والقصد: مثل ما تضمنته سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
[آل عمران:٦٤] وأول سورة: (تنزيل الكتاب) وآخرها، وأول سورة (يونس) وأوسطها وآخرها، وأول سورة (الأعراف) وآخرها وجملة سورة (الأنعام) .وغالب سور القُرْآن متضمنة لنوعي التوحيد بل كل سورة في القرآن.
فإن القرآن: إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وهو التوحيد العلمي الخبري.
وإما دعوة إِلَى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يُعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته.
وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلُّ بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم،
فـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ توحيدالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ توحيدمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِتوحيدإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ توحيد اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَتوحيد متضمن لسؤال الهداية إِلَى طريق أهل التوحيد الذين أنعم عليهم غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَالذين فارقوا التوحيد] اهـ.
الشرح:-
стр. 1087
جرى المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- هنا عَلَى أحد القسمة الاصطلاحية في التوحيد.
فبعض العلماء يقسم التوحي-د إِلَى نوعين، وبعض العلماء يقسمه إِلَى ثلاثة، وبعضهم يقسمه إِلَى نوعين باعتبار آخر ووجهة نظر أخرى، وبعضهم يقسمه إِلَى أربعة وغير ذلك.
فأما العلماء الذين قسموا التوحيد إِلَى نوعين ومنها هذه القسمة التي هنا أي: توحيد الإثبات والمعرفة، وتوحيد الإرادة والطلب، وإن شئت فقل: هو التوحيد العلمي الاعتقادي أو التوحيد العملي الخبري.
وليس هناك خلاف بين من يجعل التوحيد ثلاثة أقسام أو قسمين أو أربعة، وإنما كلٌ يقسم باعتبار.
أقسام التوحيد باعتبار تعلقه بالله تعالى
فإذا قسمنا التوحيد باعتبار أنه حق الله تعالى، وباعتبار تعلقه بالله فهو ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية توحيد الأسماء والصفات وهذا هو المشهور كثيراً.
أقسام التوحيد باعتبار تعلقه بالعباد
وأما إذا نظرنا إِلَى التوحيد من جهة تعلقه بنا نَحْنُ كحق لله تَعَالَى علينا فإنه نوعان:
١-التوحيد الاعتقادي أو توحيد المعرفة والإثبات وهو: أن نثبت لله تَعَالَى ما أثبته لنفسه، ونعتقد له ما أخبر به في كتابه، سواء التوحيد العلمي الاعتقادي، أو توحيد المعرفة والإثبات بالنسبة لنا.
٢-والتوحيد العملي أو التوحيد الإرادي الطلبي فهو: أن نعبده وحده، فنعرفه حق معرفته ونعبده حق عبادته، فلا يغني أحد نوعي التوحيد عن الآخر.
تقسم آخر لأنواع التوحيد
ومن ناحية أخرى بعض العلماء يجعل التوحيد قسمين:
١- توحيد المرسِل.
٢-وتوحيد متابعة الرَّسُول ﷺ .
وسورة الفاتحة يجب أن ننتبه لها، وأن نعلم أن هذه السورة ليست مجرد عبارات نكررها حتى تعود كأنها ألفاظ روتينية عادية، وإنما لا بد أن نعي ونتدبر معاني هذه السورة العظيمة.
стр. 1088
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:٢] (هذا إثبات لتوحيد الربوبية،) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّين [الفاتحة:٣،٤] إثبات لتوحيد الأسماء والصفات وقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] توحيد الألوهية وقوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:٦] هذا توحيد من النوع الآخر وهو توحيد متابعة الرَّسُول ﷺ .
فالصراط المستقيم هو الذي أوصى به الله ، وهو الوصية العاشرة من الوصايا العشر التي لا يدخلها التغيير ولا يدخلها النسخ مهما تغيرت الشرائع (َأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:١٥٣] فلما فسرها النبي ﷺ : (خط خطاً واحداً مستقيماً وخط خطوطاً معوجة فقرأ هذه الآية) .
والخط المستقيم هو: الصراط المستقيم الذي نسأل الله وندعوه أن يهدينا إليه في كل ركعة، (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو السنة الصحيحة التي كَانَ عليها النبي ﷺ ، ومهما اختلفت الأقوال في تفسيره فقيل: القُرْآن أو الإسلام أو السنة أو طريق أبِي بَكْرٍ وعُمَر فمعناها واحد، وهو من اختلاف التنوع لا من اختلاف التضاد، فهذا توحيد متابعة الرَّسُول ﷺ وترك البدع.
وقوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين) [الفاتحة:٧] أي: غير من غلى ومن جفا ومن فرط ومن أفرط وهكذا فاليهود والنَّصَارَى هم قمة في الاتجاهين.
فالخوارج والصوفية غلوهم يشبه غلو النَّصَارَى، وأيضا المرجئة تفريطهم يشبه تفريط اليهود، وكذا أهل الكلام -مثلا- مجادلتهم في دين الله تشبه مجادلات ومماحكات اليهودمع أممهم ومع كتبهم.
стр. 1089
وإن قلنا إن التوحيد نوعان: فتكون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا توحيد المعرفة والإثبات، و (ِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إِلَى آخرها توحيد الإرادة والطلب؛ لأن الإرادة والطلب لا تكون إلا بعبادة الله وحده، والاستعانة بالله وحده، واتباع طريق النبي ﷺ وحده الذي هو الصراط المستقيم، فتكون السورة نصفين عَلَى هذا الأساس أي: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الطلب والإرادة والقصد.
وكما يقول المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إن القُرْآن أفصح عن النوع الأول - توحيد المعرفة- كل الإفصاح، وقد سبق أن شرحنا معنى (المعرفة) .
ومعرفة الله إثبات ما أثبته لنفسه تَعَالَى أو أثبته رسوله ﷺ مما يتعلق بمعرفته، ولا يستلزم منا -عملاً- إلا الإيمان به والإقرار به، وإن كَانَ له أثره عَلَى جوارحنا وعلى أعمالنا.
وتوحيد الألوهية: هي أوامره علينا، فيأمرنا الله أن نصلي له وحده، وأن نذبح له وحده، وأن ننذر له وحده، وكذلك الخوف والرجاء والمحبة وبقية أنواع العبادة، هذا جانب توحيد الألوهية.
وأما توحيد المعرفة والإثبات، أو توحيد الأسماء والصفات، فإنما يستلزم أو يتطلب منا أن نعرفه، ونؤمن به، ونستيقن، ولا يشترط أن يترتب عليه في ذاته أمر لنا إلا الاعتقاد، فلم يكلفنا نَحْنُ بعمل، لكن كلفنا أن نعتقد أن لله يدين وأن له عينين، وأنه ينزل في الثلث الأخير من كل ليلة، فنؤمن ونعتقد بها، ونؤجر عَلَى الإيمان بها واعتقادها.
стр. 1090
أما توحيد الألوهية الذي هو توحيد الإرادة والطلب فإنه أعمال؛ ولذلك قلنا التوحيد العملي وذاك التوحيد الاعتقادي، فهذا إيضاح لسبب هذه القسمة، ولذلك ذكر المُصْنِّف -هنا- أمثلة كما في أول سورة "الحديد:"، وسورة "طه"، وآخر سورة "الحشر"، وسورة "السجدة"، وآخر سورة "آل عمران" وسورة "الإخلاص"، وآية الكرسي وهي أعظم آية في كتاب الله .
وآية الكرسي: هي من أعظم الأدلة عَلَى توحيد المعرفة والإثبات، وكذلك تضمنت توحيد الألوهية أو توحيد الطلب والإرادة؛ وهي آية قصيرة أو صغيرة وقد لا يدرك المرء معانيها ولكنها في الحقيقة لم تكن أعظم آية من كتاب الله إلا لحكم عظيمة لو تأملها المسلم لو عرف شيئاً كثيراً منها.
فآية الكرسي: عبارة عن عَشْر جُمل، كل جملة من هذه الجمل تشتمل عَلَى أصل عظيم، وقاعدة عظيمة فيما يتعلق بمعرفة الله ولو أن أحداً فهم هذه الآية حق الفهم، وأدرك معانيها حق الإدراك، لعرف حقيقتها وعرف الله معرفة عظيمة بآية واحدة في جمل معدودة، وهذا من عجائب القُرْآن وعظمته، حيث أودع فيه من العجائب ما لا تدركه أكثر الأفهام، مهما نهلت منه ومهما أخذت منه.
فهذه السور في التوحيد الطلبي والقرآن كله متضمن لنوعي التوحيد:
توحيد المعرفة والإثبات، كالآيات التي جاءت في الاستواء، والتي جاءت في صفات الله مثل: آخر سورة "السجدة" وأول "الحديد".
وسورة "الإخلاص"كلها كما قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ولذلك صح الحديث (بأن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن) لاشتمالها عَلَى نوع من أنواع التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات.
следующие страницы →