Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تَعَالَى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر به عن نفسه، وكما أخبر رسوله ﷺ . وقد أفصح القُرْآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول (الحديد) و (طه) وآخر (الحشر) وأول آلم تنزيل السجدة وأول آل عمران وسورة الإخلاص بكمالها وغير ذلك.
والثاني: وهو توحيد الطلب والقصد: مثل ما تضمنته سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
[آل عمران:٦٤] وأول سورة: (تنزيل الكتاب) وآخرها، وأول سورة (يونس) وأوسطها وآخرها، وأول سورة (الأعراف) وآخرها وجملة سورة (الأنعام) .وغالب سور القُرْآن متضمنة لنوعي التوحيد بل كل سورة في القرآن.
فإن القرآن: إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وهو التوحيد العلمي الخبري.
وإما دعوة إِلَى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يُعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته.
وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلُّ بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم،
فـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ توحيدالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ توحيدمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِتوحيدإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ توحيد اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَتوحيد متضمن لسؤال الهداية إِلَى طريق أهل التوحيد الذين أنعم عليهم غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَالذين فارقوا التوحيد] اهـ.
الشرح:-
стр. 1087
جرى المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- هنا عَلَى أحد القسمة الاصطلاحية في التوحيد.
فبعض العلماء يقسم التوحي-د إِلَى نوعين، وبعض العلماء يقسمه إِلَى ثلاثة، وبعضهم يقسمه إِلَى نوعين باعتبار آخر ووجهة نظر أخرى، وبعضهم يقسمه إِلَى أربعة وغير ذلك.
فأما العلماء الذين قسموا التوحيد إِلَى نوعين ومنها هذه القسمة التي هنا أي: توحيد الإثبات والمعرفة، وتوحيد الإرادة والطلب، وإن شئت فقل: هو التوحيد العلمي الاعتقادي أو التوحيد العملي الخبري.
وليس هناك خلاف بين من يجعل التوحيد ثلاثة أقسام أو قسمين أو أربعة، وإنما كلٌ يقسم باعتبار.
أقسام التوحيد باعتبار تعلقه بالله تعالى
فإذا قسمنا التوحيد باعتبار أنه حق الله تعالى، وباعتبار تعلقه بالله فهو ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية توحيد الأسماء والصفات وهذا هو المشهور كثيراً.
أقسام التوحيد باعتبار تعلقه بالعباد
وأما إذا نظرنا إِلَى التوحيد من جهة تعلقه بنا نَحْنُ كحق لله تَعَالَى علينا فإنه نوعان:
١-التوحيد الاعتقادي أو توحيد المعرفة والإثبات وهو: أن نثبت لله تَعَالَى ما أثبته لنفسه، ونعتقد له ما أخبر به في كتابه، سواء التوحيد العلمي الاعتقادي، أو توحيد المعرفة والإثبات بالنسبة لنا.
٢-والتوحيد العملي أو التوحيد الإرادي الطلبي فهو: أن نعبده وحده، فنعرفه حق معرفته ونعبده حق عبادته، فلا يغني أحد نوعي التوحيد عن الآخر.
تقسم آخر لأنواع التوحيد
ومن ناحية أخرى بعض العلماء يجعل التوحيد قسمين:
١- توحيد المرسِل.
٢-وتوحيد متابعة الرَّسُول ﷺ .
وسورة الفاتحة يجب أن ننتبه لها، وأن نعلم أن هذه السورة ليست مجرد عبارات نكررها حتى تعود كأنها ألفاظ روتينية عادية، وإنما لا بد أن نعي ونتدبر معاني هذه السورة العظيمة.
стр. 1088
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:٢] (هذا إثبات لتوحيد الربوبية،) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّين [الفاتحة:٣،٤] إثبات لتوحيد الأسماء والصفات وقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] توحيد الألوهية وقوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:٦] هذا توحيد من النوع الآخر وهو توحيد متابعة الرَّسُول ﷺ .
فالصراط المستقيم هو الذي أوصى به الله ، وهو الوصية العاشرة من الوصايا العشر التي لا يدخلها التغيير ولا يدخلها النسخ مهما تغيرت الشرائع (َأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:١٥٣] فلما فسرها النبي ﷺ : (خط خطاً واحداً مستقيماً وخط خطوطاً معوجة فقرأ هذه الآية) .
والخط المستقيم هو: الصراط المستقيم الذي نسأل الله وندعوه أن يهدينا إليه في كل ركعة، (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو السنة الصحيحة التي كَانَ عليها النبي ﷺ ، ومهما اختلفت الأقوال في تفسيره فقيل: القُرْآن أو الإسلام أو السنة أو طريق أبِي بَكْرٍ وعُمَر فمعناها واحد، وهو من اختلاف التنوع لا من اختلاف التضاد، فهذا توحيد متابعة الرَّسُول ﷺ وترك البدع.
وقوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين) [الفاتحة:٧] أي: غير من غلى ومن جفا ومن فرط ومن أفرط وهكذا فاليهود والنَّصَارَى هم قمة في الاتجاهين.
فالخوارج والصوفية غلوهم يشبه غلو النَّصَارَى، وأيضا المرجئة تفريطهم يشبه تفريط اليهود، وكذا أهل الكلام -مثلا- مجادلتهم في دين الله تشبه مجادلات ومماحكات اليهودمع أممهم ومع كتبهم.
стр. 1089
وإن قلنا إن التوحيد نوعان: فتكون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا توحيد المعرفة والإثبات، و (ِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إِلَى آخرها توحيد الإرادة والطلب؛ لأن الإرادة والطلب لا تكون إلا بعبادة الله وحده، والاستعانة بالله وحده، واتباع طريق النبي ﷺ وحده الذي هو الصراط المستقيم، فتكون السورة نصفين عَلَى هذا الأساس أي: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الطلب والإرادة والقصد.
وكما يقول المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إن القُرْآن أفصح عن النوع الأول - توحيد المعرفة- كل الإفصاح، وقد سبق أن شرحنا معنى (المعرفة) .
ومعرفة الله إثبات ما أثبته لنفسه تَعَالَى أو أثبته رسوله ﷺ مما يتعلق بمعرفته، ولا يستلزم منا -عملاً- إلا الإيمان به والإقرار به، وإن كَانَ له أثره عَلَى جوارحنا وعلى أعمالنا.
وتوحيد الألوهية: هي أوامره علينا، فيأمرنا الله أن نصلي له وحده، وأن نذبح له وحده، وأن ننذر له وحده، وكذلك الخوف والرجاء والمحبة وبقية أنواع العبادة، هذا جانب توحيد الألوهية.
وأما توحيد المعرفة والإثبات، أو توحيد الأسماء والصفات، فإنما يستلزم أو يتطلب منا أن نعرفه، ونؤمن به، ونستيقن، ولا يشترط أن يترتب عليه في ذاته أمر لنا إلا الاعتقاد، فلم يكلفنا نَحْنُ بعمل، لكن كلفنا أن نعتقد أن لله يدين وأن له عينين، وأنه ينزل في الثلث الأخير من كل ليلة، فنؤمن ونعتقد بها، ونؤجر عَلَى الإيمان بها واعتقادها.
стр. 1090
أما توحيد الألوهية الذي هو توحيد الإرادة والطلب فإنه أعمال؛ ولذلك قلنا التوحيد العملي وذاك التوحيد الاعتقادي، فهذا إيضاح لسبب هذه القسمة، ولذلك ذكر المُصْنِّف -هنا- أمثلة كما في أول سورة "الحديد:"، وسورة "طه"، وآخر سورة "الحشر"، وسورة "السجدة"، وآخر سورة "آل عمران" وسورة "الإخلاص"، وآية الكرسي وهي أعظم آية في كتاب الله .
وآية الكرسي: هي من أعظم الأدلة عَلَى توحيد المعرفة والإثبات، وكذلك تضمنت توحيد الألوهية أو توحيد الطلب والإرادة؛ وهي آية قصيرة أو صغيرة وقد لا يدرك المرء معانيها ولكنها في الحقيقة لم تكن أعظم آية من كتاب الله إلا لحكم عظيمة لو تأملها المسلم لو عرف شيئاً كثيراً منها.
فآية الكرسي: عبارة عن عَشْر جُمل، كل جملة من هذه الجمل تشتمل عَلَى أصل عظيم، وقاعدة عظيمة فيما يتعلق بمعرفة الله ولو أن أحداً فهم هذه الآية حق الفهم، وأدرك معانيها حق الإدراك، لعرف حقيقتها وعرف الله معرفة عظيمة بآية واحدة في جمل معدودة، وهذا من عجائب القُرْآن وعظمته، حيث أودع فيه من العجائب ما لا تدركه أكثر الأفهام، مهما نهلت منه ومهما أخذت منه.
فهذه السور في التوحيد الطلبي والقرآن كله متضمن لنوعي التوحيد:
توحيد المعرفة والإثبات، كالآيات التي جاءت في الاستواء، والتي جاءت في صفات الله مثل: آخر سورة "السجدة" وأول "الحديد".
وسورة "الإخلاص"كلها كما قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ولذلك صح الحديث (بأن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن) لاشتمالها عَلَى نوع من أنواع التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات.
стр. 1091
فالإِنسَان يقرأ سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون [الكافرون:١] وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد [الإخلاص:١] في ركعتي الفجر، وفي سنة المغرب والوتر وكذلك ركعتي الطواف ونحو ذلك، حيث تضمنت هذه السورة توحيد المعرفة والإثبات، وتضمنت سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ توحيد الطلب والإرادة.
فهناك حكمة في فضل هاتين السورتين، وتكرر قراءة النبي ﷺ لهما فيما ذكرنا.
أما التوحيد الثاني الذي ذكره المُصْنِّفُ فهو: توحيد الطلب والقصد ودليله مثل قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الآية [آل عمران:٦٤] التي كتبها النبي ﷺ إِلَى أعظم الملوك في الأرض في زمانه وهو هرقل عظيم الروم، وهو الذي كَانَ يمثل قمة وزعامة أرباب أوروبا النصرانية التي تدين بالدين المعروف الذي ينسبونه إِلَى المسيح ﵇.
فهذه الآية من الأدلة عَلَى التوحيد العملي وتوحيد الألوهية، وكذلك أيضاً أخبرنا الله ، عن أهل الكتاب أنفسهم في سورة التوبة حين قَالَ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّه [التوبة:٣١] وهنا يقول: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ آل عمران:٦٤] ، فهذه الآية دالة عَلَى أن أهل الكتاب وخاصة النَّصَارَىأعظم ما أضلوا فيه أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله فالبابوات والكردينلات والأساقفة والقساوسة والبطاريق يشرعون لهم العبادات من دون الله فيطيعونهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، ولذلك نزلت هذه الآية في حقهم.
стр. 1092
ويقول الله في حق أهل الكتاب: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:٥] فإن أهل الكتاب أتاهم الشيطان من هذا الجانب فعبدوا المسيح بن مريم واتخذوه وأمه إلهين، وعبدوا الأحبار والرهبان.
وكذلك أول سورة: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ [الزمر:١] فإنها تكرر فيها ذكر الإخلاص لله في أولها وفي آخرهاقُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:٦٤-٦٦] فهذه الآيات من ضمن الآيات التي جاءت في سورة الزمر تدل عَلَى أفراد الله بالعبادة وهو توحيد الألوهية، وكذلك أول سورة يونس وأوسطها وآخرها هي في التوحيد الذي هو توحيد الألوهية، وكذلك أول سورة الأعراف والآيات الأخيرة من السورة، وجملة سورة الأنعام من السور المتميزة المتفردة عَلَى طولها؛ لأنها ناقشت وبحثت وتحدثت عن قضية توحيد الله بجميع أنواعه، فجاءت بذكر ما لم يذكر في السور الأخرى من تفصيل لشرك الْمُشْرِكِينَ.
مثلاً: ذكر في بعض السور أن الْمُشْرِكِينَ عبدوا وأطاعوا من دون الله كما في الآية من سورة التوبة: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:٣١] وقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:٢١] ونحو ذلك من السور، لكن في سورة الأنعام تأتي الآيات بالتفصيل في بيان ما حرم المُشْرِكُونَ، وما شرعوا من البدع الضالة.
стр. 1093
وفي سورة المائدة: (َما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَام) [المائدة:١٠٣] وفي سورة الأنعام تفصيل أكثر: بأنهم حرموا ما رزقهم الله ﵎ واستحلوا المحرمات مثل قتل الأنبياء، وحرموا بعض الأنواع من الأنعام التي لا مجال الآن لتفصيلها، فرد الله عليهم بقوله -مثلا في الأنعام-: آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ [الأنعام:١٤٣] بمعنى: إما أن يكون التحريم لجنس الأنثى فتحرم كل أنثى، وإما أن يكون التحريم لجنس الذكور فيحرم كل ذكر، وإما أن يكون التحريم لما حمل البطن فيحرم ما حمل البطن جميعاً لكنهم خصصوا.
وهذا من أعظم الأدلة عَلَى تحريم البدع في دين الله ، مثال ذلك: لك أن تتصدق بما شئت وتقول هذه الشاة لله تعالى، وهذا المبلغ لله؛ لكن أن تخصص وقتاً معيناً ومبلغاً معيناً لكيفية معينة وتتحرى زمناً معيناً فيها فهذا التخصيص يجعل القضية تخرج من السنة إِلَى البدعة، وإلا لو بقي الأمر عَلَى إطلاقه لدخل في الأدلة العامة ولَمَا كَانَ هناك حرج.
فسورة الأنعام هي: سورة التوحيد الكبرى التي جَاءَ فيها تحريم اتخاذ غير الله رباً وولياً وحكماً، وهذه هي أصول التوحيد الثلاثة فإن الله هو وحده الرب الذي يعبد دون من سواه، وهو وحده الولي وهو وحده الحكم الذي يتحاكم إليه، وعلى هذه الثلاث القضايا تدور أكثر السورة بالإضافة إِلَى ما اشتملت عليه من توحيد الأسماء والصفات وتمجيد الله .
القرآن كله في التوحيد
يقول المُصْنِّف ﵀:
стр. 1094
[وغالب سور القُرْآن متضمنة لنوعي التوحيد] بل إن كل سورة في القُرْآن متضمنة للتوحيد، والقرآن كله في التوحيد فمثلاً: يذكر الله القصص في القرآن، وقد يذكر ما ليس له تعلق بالأنبياء، كقصة قارون ويحدثنا بالتفصيل عن أحوال الأمم، وهلاك قوم عاد وثمود ونوح وتكذيبهم، وما أجابوا من الرسل وليس فيها أمر صريح بالتوحيد، ولكنه خبر عن حال الذين كذبوا بالتوحيد، وماذا كَانَ مصيرهم لما جحدوا بالتوحيد وأشركوا بالله .
وكذا الآيات في وصف الجنة، في وصف النار، كما في سورة الإِنسَان، وكذلك في سورة الواقعة، علاقتها بالتوحيد أنها تتحدث عن مصير الموحدين وهو الجنة، وعن مصير الْمُشْرِكِينَ وهو النار، فكل شيء في القُرْآن فهو: إما عن التوحيد في ذاته وإما عن لوازمه ومقتضياته، وكذلك إما عن الشرك في ذاته وحقيقته، وإما عن لوازم الشرك ومقتضياته، وإما عن جزاء أهل الشرك أو جزاء أهل التوحيد.
فذكر المُصْنِّف ﵀ أن القُرْآن إما أخبر عن الله وأسمائه وصفاته مثل سورة: قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد وآية الكرسي وما أشبه ذلك، وهو التوحيد العلمي الخبري، أو توحيد المعرفة والإثبات أو التوحيد الاعتقادي كلها أسماء لشيء واحد.
وإما دعوة إِلَى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه وهو التوحيد الإرادي الطلبي، فمثلاً: سورة الكافرون والأنعام والزمر هي أمر ونهي وإلزام لطاعته، فآيات تأمرنا بالمحافظة عَلَى الصلاة، وآيات تحث عَلَى الإنفاق وتبين فضل الإنفاق في سبيل الله وآيات تدل عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالصلاة والزكاة من حقوق التوحيد كما قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رَسُول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) وقَالَ: (إلا بحقها) .
стр. 1095
وبذلك استدلأبو بكر الصديق ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ لما ارتدت العرب فَقَالَ له عُمَر ﵁ ومعظم الصحابة: كيف تقاتل من يشهد أن لا إله إلا الله، وقد قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) فاستدلوا عَلَى أبِي بَكْرٍ بالرواية المطلقة التي ليس فيها التفصيل واستدل عليهم أبُو بَكْرٍ بقوله: (إلا بحقها) وأن الزكاة حق المال.
ومثلاً تحدث في سورة يوسف عن سيرة إنسان موحد هو نبي من أنبياء الله، اصطفاه الله تَعَالَى لتتحقق عَلَى يديه هذه الآيات البينات ويدعو إِلَى الله ﵎ فَقَالَ في السجن: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ يوسف:٣٩] وأخذ يدعوهم وهم في السجن.
وأما قصة حسد إخوانه، وكيف ألقوه في البئر، وكيف شروه بثمن بخس، وكيف وقعت له الفتنة مع المرأة وخلصه الله ورفعه عن دنس الحرام والزنى، وكيف صار ملكاً، كل هذا حديث عن إكرام من الله لأهل التوحيد.
سعة مفهوم التوحيد
كل ما ذكر الله في القُرْآن من توحيد سواء في موضوعه من أصله أو مكملاته، كل هذا يدلنا عَلَى أهمية التوحيد من ناحية، وعلى سعة مفهوم التوحيد من ناحية أخرى، فإذا دعونا إِلَى الله فأول ما ندعو إليه هو توحيد الله، وهو البدء بتصحيح عقائد النَّاس سواء كانوا مسلمين لديهم انحرافات؛ أو كانوا كفاراً يعبدون غير الله، فندعوهم إما إِلَى التوحيد نفسه أو إِلَى تحقيقه وتصحيحه عند الْمُسْلِمِينَ فهذا في أهميه التوحيد.
стр. 1096
والجانب الآخر في سعة مفهوم التوحيد، فإن بعض النَّاس يأخذ أجزاء من التوحيد ويدعو إليها وينسى الأجزاء الأخرى، وهذا لا شك أنه قد أحسن وأنه يجزى عَلَى ذلك أجراً -بإذن الله تعالى- لكن ينبغي أن ندعو إِلَى التوحيد كله كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:٢٠٨] وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ الأنفال:٣٩] فينبغي لنا أن ندعو إِلَى جميع أنواع التوحيد.
وبعض النَّاس - هداهم الله - قد يكون عن إخلاص أو اجتهاد يدعون إِلَى أن يوحد الله في الألوهية، وأن يطاع وحده، وأن تتبع شريعته وحده ولكنهم لا يريدون الحديث عن توحيد الأسماء والصفات، فنقول لهم: مهلاً -جزاكم الله خيراً- هذا خطأ فكيف تدعون إِلَى جانب من جوانب التوحيد وتتركون الجانب الآخر.
وأكثر من ذلك أن يأتي فينتقد هذا الجانب من التوحيد وينتقد من يدعو إليه!! وهذا الإِنسَان في الحقيقة يخشى عليه لأن المسألة حرب أو إنكار لنوع من أنواع التوحيد هي في غاية الخطورة، ولولا ما نعرفه أنه قد يكون بعضهم قصده حسناً وهو جاهل به لكان حكمهم أصعب مما يظنون، لأن هذا محاربة لنوع من أنواع التوحيد.
وبعض النَّاس يدعو إِلَى توحيد الأسماء والصفات -مثلاً- أو إِلَى جانب من جوانب الألوهية، ويترك جوانب أخرى، فمثلاً يدعو إِلَى نبذ الشرك والتقرب والتنسك لغير الله كشرك الدعاء وما أشبه ذلك، ويهمل بالكلية مثلاً شرك الطاعة وشرك الاتباع.
стр. 1097
فكما نفرد الله بالعبادة وبالطاعة وبالتقرب معاً، فكذلك ندعو إِلَى توحيده بالطاعة والاتباع، فلا يحاكم إِلَى غير شرعه، ولا تتبع غير شرعته، ولذلك جاءت الآيات بنفي الإيمان عمن تحاكم إِلَى غير شرع الله فَقَالَ ﵎: اَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِه [النساء:٦٠] فدلت هذه الآية عَلَى أنه لا يتحاكم إلا لشرع الله وحده ولا يتحاكم إِلَى أي قانون بشري أو نظام وضعي أبداً فإن هذا من الشرك بالله، مثَلُه في ذلك مثل من يعبد غير الله عند قبر فيدعوه أو يتوسل بصاحبه، فالشرك في هذا كالشرك في هذا.
فيجب أن ندعو إِلَى التوحيد بشموله، وكماله الذي يجتث هذه الأمراض والأخطاء والجزئيات الكثيرة، التي لو ذهبنا نعالجها لتفانت الأعمار ولم تعالج، لكن إذا عولج الأصل وهو أن يدعى إِلَى الإيمان بالله ، وأن يوضح الإيمان بالله، وتوحيد الله كاملاً، فسنجد أن المسلم الذي يعبد الله وحده تتكامل شخصيته بتكامل حقيقة التوحيد في قلبه.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[وكذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد، وشهدت له به ملائكته وأنبياؤه ورسله قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلام [آل عمران:١٨، ١٩] فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد، والرد عَلَى جميع طوائف الضلال، فتضمنت أجلَّ شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها، من أجلَّ شاهد بأجلِّ مشهود به.
стр. 1098
وعبارات السلف في (شهد) تدور عَلَى الحكم، والقضاء، والإعلام، والبيان والإخبار.
وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها: فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه.
فلها أربع مراتب: فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته، وثانيها: تكلمه بذلك وإن لم يعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها. وثالثها: أن يعلم غيره بها بما يشهد به ويخبره به ويبينه له. ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به.
فشهادة الله -سبحانه- لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع: علمه سبحانه بذلك، وتكلمه به، وإعلامه وإخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به.
فأما مرتبة العلم فإن الشهادة تضمنتها ضرورة، وإلا كَانَ الشاهد شاهداً بما لا علم له به قال تعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] وقال ﷺ : (عَلَى مثلها فاشهد، وأشار إِلَى الشمس) .
وأما مرتبة التكلم والخبر، فَقَالَ تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ [الزخرف:١٩] فجعل ذلك منهم شهادة، وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم.
وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل، وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر: تارة يعلمه به بقوله، وتارة بفعله.
ولهذا كَانَ من جعل داره مسجداً وفتح بابها وأفرزها بطريقها وأذن للناس بالدخول والصلاة فيها معلماً أنها وقف وإن لم يتلفظ به، وكذلك من وجد متقرباً إِلَى غيره بأنواع المسار، يكون معلما له ولغيره أنه يحبه وإن لم يتلفظ بقوله، وكذلك بالعكس.
стр. 1099
وكذلك شهادة الرب وبيانه وإعلامه، يكون بقوله تارة وبفعله أخرى، فالقول ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه. وأما بيانه وإعلامه بفعله فكما قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه: "أنه لا إله إلا هو" وقال آخر:
وفي كل شيء له آية
تدل عَلَى أنه واحد
ومما يدل عَلَى أن الشهادة تكون بالفعل، قوله تعالى: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة:١٧] فهذه شهادة منهم عَلَى أنفسهم بما يفعلونه، والمقصود أنه -سبحانه- يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه، ودلالتها إنما هي بخلقه وجعله] اهـ.
الشرح:
لما أراد المُصنِّفُ ﵀ أن يستشهد عَلَى أن الله قد بين أنواع التوحيد، وأن القُرْآن كله توحيد، جَاءَ بآية الشهادة وهي من أعظم الدلائل عَلَى الأصل الكلي: أن القُرْآن هو الدعوى وهو الشاهد، وهو أيضاً الحكم وهذه الثلاث من خصائص القُرْآن.
فالقرآن تضمن الدعوى والبرهان القاطع عَلَى أنه من عند الله فكل من أراد أن يتأمل حقيقة الدعوى، عليه أن يتأمل القُرْآن فإن الدعوى هي نفسها البرهان.
هذه الآية هي حقاً من كتاب الله ففيها الدعوى وفيها البرهان معاً قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:١٨] ثُمَّ قَالَ: (ِإنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ [آل عمران:١٩] هذه الشهادة شهادة الله لنفسه، فما بالكم بأمر يكون الشاهد فيه هو الله والمشهود له هو الله سبحانه.
стр. 1100
فيشهد أنه هو وحده الإله فهو الشاهد، وهو المشهود له؛ ولذلك يقول المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: إن هذه الآية تضمنت إثبات حقيقة التوحيد والرد عَلَى جميع طوائف الضلال الذين خالفوا في توحيد الله وأنها تضمنت أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به وهو التوحيد.
فهي الشهادة التي جَاءَ بعدها قول الله تعالى: (ِإنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ فشهادة أن لا إله الله هي: دين الإسلام وحقيقته، وبقية أركان الإسلام وشعب الإيمان هي أسنان لهذه الشهادة.
وسبب نزول سورة آل عمران أن وفد نجران الذين كانوا عَلَى دين النَّصارَى، جاءوا إِلَى النبي ﷺ وجادلوه في ألوهية المسيح وبنوته لله -كما يعتقدون- فأنزل الله هذه الآيات يبين فيها حقيقة المسيح ﵇، ورد دعاوى هَؤُلاءِ النَّصارَى في ألوهية المسيح أو أنه ابن لله، وبين تَعَالَى أن ملة إبراهيم هي التوحيد، وأن أولى النَّاس بإبراهيم هم الذين آمنوا به في عهده والنبي ﷺ ومن اتبعه أيضاً، وأنكر عَلَى أهل الكتاب أنهم يكتمون الحق، وأنهم يلبسون الحق بالباطل، وألزمهم إن لم تنفع وتجدي فيهم هذه الحجج بالحجة المعروفة المشهورة التي لو تأملها كل من ينتمي إِلَى هذا الدين لأيقن بحقيقة دين الإسلام، وهي أنكم إن كنتم تقولون: أن المسيح ﵇ هو ابن لله! - تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً -لأنه ولد من أم بلا أب، فماذا تقولون في آدم؟!
стр. 1101
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:٥٩] فالأعجوبة الخارقة في آدم أعظم منها في عيسى، لأن الله ﵎ خلق آدم من غير أب ولا أم، ثُمَّ إنه خلق حواء من أب -وهو آدم- وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:١] بدون أم، وخلق عيسى ﵇ من أم بدون أب، فالله ﵎ يخلق ما يشاء، فلماذا يكون عيسى هو إله أو ابن لله كما تزعمون؟!
وبعد ذلك تأتي الحجة الأخيرة الدامغة في مناظرتنا دائماً لأهل الكتاب وهي المباهلة، ولهذا يقول الله في ذلك إذا حاجونا من بعد ما جاءتهم البينات موضحة لهم، أن نقول كما قال الله تَعَالَى لنبيه: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:٦١] .
وعبارات السلف في شهد جاءت بمعنى: حكم، وقضى، وأعلم، وبين وأخبر، وكلها حق، فحكم الله -سبحانه- أنه لا إله إلا هو، وقضى أنه لا إله إلا هو، وأعلم أنه لا إله إلا هو، وبين، وأخبر أنه لا إله إلا هو، فكل ذلك حق وكل ذلك تتضمنه كلمة شهد، فإذا أردنا أن نتبين ذلك فلنعلم مراتب الشهادة.
مراتب الشهادة
هذه الشهادة تتضمن أربع مراتب وهي: العلم، والتكلم، والإعلام والإخبار، والأمر والإلزام.
الأولى: مرتبة العلم، فعندما نقول: فلان يشهد بشيء، معنى ذلك أنه يعلمه لأنه شهد به، لكن فرق بين مرتبة العلم ومرتبة الإعلام؛ لأن الإِنسَان قد يعلم الشيء ولكنه لا يتكلم به ولا يخبر به.
وهذه المرتبة قد دلت عليها أدلة كثيرة من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسوله ﷺ .
стр. 1102
والمخلوقون ينبغي لهم أن يعلموا حقيقة هذه الشهادة أيضاً: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] أي: أنه لا إله إلا هو، فهو يعلم أنه لا يوجد هناك إله معبود بحق سواه ولا يمكن أن يكون شيء خارج عن علم الله، فهذا علم الله.
وفي حقنا نَحْنُ فالعلم بها: أن نعتقدها ونصدقها بأنه واحد لا شريك له.
الثانية: مرتبة التكلم، وفيه الحديث: (عَلَى مثلها فاشهد) فهذا الحديث معناه صحيح ولكن لفظه ضعيف، وهو ﴿أن رجلاً جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فسأل عن الشهادة، فأشار النبي ﷺ إِلَى الشمس وقَالَ: عَلَى مثلها فاشهد، أو دع﴾ فالإِنسَان لا يشهد إلا بما يعلم لا بما يظن، فلا يجوز لشاهد في قضية دنيوية أن يشهد فيها بظنه؛ وإنما يشهد بما يعلم وما هو متأكد ومستيقن منه، فما بالك بمن يشهد أنه لا إله إلا هو!
فمرتبة التكلم: أن تتكلم بما تشهد به بالنسبة لله تَعَالَى وبالنسبة لنا، فتتكلم به وتقول للناس: إن الله تكلم بهذه الشهادة، فجاءت ضمن القُرْآن شهادة أن لا إله إلا الله والأمر بتوحيد الله.
والتكلم بشيء شهادة له، والدليل عَلَى ذلك في كتاب الله قال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ [الزخرف:١٩] فهذا القول بذاته شهادة، فهم شهدوا بأن الملائكة إناث مع أنهم لم يقولوا شهدنا، وإنما قالوا: الملائكة إناث.
الثالثة: مرتبة الإعلام والإخبار: وهي أن تتكلم بشيء فتخبر غيرك به وهذا يكون شهادة، يقول المصنف: إنه عَلَى نوعين، فقد يكون بالفعل وقد يكون بالقول.
стр. 1103
النوع الأول: ومثاله: لو أن إنساناً فتح باباً لمبنى وجاء النَّاس يصلون فيه، وفرشه ووضع فيه مكبر الصوت -مثلاً- فهو وإن لم يكتب صكاً بأن هذا وقف فإنه يحكم فيه أنه وقف. ومثله إنسان يفتح بابه ويضع مائدة يدخل النَّاس إليها، ويأتي الذي يعرف والذي لا يعرف، فهو كأنه يقول: تعالوا أنا أدعوكم إِلَى وليمة، ودلالة الحال تدل عليه، ففعله هذا يدل عَلَى أنه معلن ومخبر.
والإعلام يكون بالفعل المجرد عن اللفظ، ويكون ذلك في حق الله بأن الله شهد بفعله وبقوله: أنه لا إله إلا هو، ولذلك قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه أنه لا إله إلا هو. حيث جعل الله السماء بروجاً، وجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وخلق الإِنسَان في أحسن تقويم، وأنزل من السماء ماء فأخرج به ثمرات مختلفةً ألوانها، وبث في الأرض من كل دابة، وسخر الرياح وسخر النجوم.
فبهذه الأفعال التي فعلها الله شهد أنه لا إله إلا هو كما قالأبو العتاهية:
فواعجباً كيف يُعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آيةٌ تدل عَلَى أنه الواحد
فهذه من الشهادة بالفعل، ولذلك يكون الإخبار عن صدق القُرْآن دل عليه السمع والبصر والقلب والنقل الذي هو الشرع.
стр. 1104
فعندما يقول الله : وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:٣٦] وكما في الآيات الأخرى التي تتحدث عن الأصنام والمعبودين من دون الله أنه ليس لهم سمع وليس لهم بصر، وكذلك الآيات التي تنفي السمع عمن يعبدون الأصنامإِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:٤٤] وأن النبي ﷺ لا يعطي العُمي الأبصار، ولا يعطي الصم الأسماع.
هذه كلها تدل عَلَى أن الله قد جعل الآيات الدالة عَلَى توحيده من هذه المنافذ العظيمة - منفذ السمع والبصر- فما يبصره الإِنسَان في هذا الكون من المخلوقات تنطق وتشهد بأنه لا إله إلا هو، وإن لم تتكلم بالكلام الحسي الذي نألفه ونعرفه.
دلالة الشهادة بالفعل
يقول المُصْنِّف ﵀: [ومما يدل عَلَى أن الشهادة تكون بالفعل] قوله تعالىمَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة:١٧] فهذه شهادتهم عَلَى أنفسهم بما يفعلون من أعمال الكفر وأقواله - في بعض طبعات الكتاب نقص، والزيادة هي قوله: [بما يفعلون من أعمال الكفر وأقواله]- فهي شهادة بكفرهم، وهم شاهدون عَلَى أنفسهم بما شهدت عليهم] .
فلو أن إنساناً يأكل الحرام -أجارنا الله وإياكم- وفي يوم من الأيام وقف وتكلم عن تحريم أكل الحرام فإنك ستقول: شهد عَلَى نفسه، وإن لم يقل أشهد عَلَى نفسي.
ومثله ما قاله الله تَعَالَى عن الْمُشْرِكِينَ: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ فإن هذا الفعل منهم شهادة بكفرهم ودلالة عَلَى أنهم لم يوحدوا الله .
стр. 1105
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
[وأما مرتبة الأمر بذلك والإلزام به وإن كَانَ مجرد الشهادة لا يستلزمه، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه فإنه -سبحانه- شهد به شهادة من حكم به، وقضى وأمر وألزم عباده به، كما قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:٢٣] وقال تعالى: وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ [النحل:٥١] وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً [التوبة:٣١] وقال تعالى: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [الإسراء:٣٩] وقال تعالى: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [القصص:٨٨] والقرآن كله شاهد بذلك.
ووجه استلزام شهادته -سبحانه- لذلك: أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو، فقد أخبر وبيَّن وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله، وأن إلهية ما سواه باطلة، فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية لغيره، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلهاً والنهي عن اتخاذ غيره معه إلهاً، وهذا يفهمه المخاطَب من هذا النفي والإثبات، كما إذا رأيت رجلاً يستفتي رجلاً أو يستشهده أو يستطبّه وهو ليس أهلاً لذلك، ويدع من هو أهلاً له فتقول: هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب، المفتي فلان، والشاهد فلان والطبيب فلان، فإن هذا أمر منه ونهي.
وأيضاً: فالآية دلت عَلَى أنه وحده المستحق للعبادة، فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة، تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه الرب تَعَالَى عليهم، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم.
стр. 1106
وأيضاً: فلفظ "الحكم" و"القضاء" يستعمل في الجمل الخبرية، ويقال للجمل الخبرية: قضية، وحكم، وقد حكم فيها بكذا، قال تعالى: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات:١٥١-١٥٤] فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكماً وقال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:٣٥،٣٦] لكن هذا حكم لا إلزام معه.
والحكم والقضاء بأنه لا إله إلا هو متضمن للإلزام. ولو كَانَ المراد مجرد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها، ولم ينتفعوا بها ولم تقم عليهم بها الحجة، بل قد تضمنت البيان للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به، كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها، لم ينتفع بها أحد ولم تقم بها حجة، وإذا كَانَ لا ينتفع بها إلا ببيانها، فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة:
السمع والبصر والعقل] اهـ.
الشرح:
ذكر المُصْنِّف ﵀ المرتبة الأخيرة من مراتب الشهادة وهي أهم المراتب: مرتبة الأمر والإلزام به.
стр. 1107
وقلنا: وإن كَانَ مجرد الشهادة لا يستلزمه؛ لأنه إذا شهد إنسان بشيء فشهادته في الأصل لا تستلزم أمراً ولا نهياً ولذا يقول المصنف: لكن الشهادة في موضع التوحيد لله تستلزم وتتضمن ذلك، -أي: المرتبة الرابعة والأخيرة- فإن الله شهد شهادة من حكم وأمر وقضى به، ولذلك جاءت الآيات في القُرْآن دالة عَلَى الأمر والقضاء بتوحيد الله ، وهو ما يقتضي أن شهادة الله عندما قال : َشهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران:١٨] تتضمن أمر الله بأنه لا يكون هناك إله إلا هو، وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:٥] وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [الإسراء:٢٢،٣٩] (َلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَر [القصص:٨٨] إِلَى غير ذلك.
فالمرتبة الرابعة من مراتب الشهادة: هي أمر الله وقضاؤه وحكمه بأن يفرد ويوحد بالعبادة دون من سواه، كما دلت الآيات الأخرى التي ورد فيها القضاء والأمر، وورد فيها النهي.
فمجرد الشهادة في ذاتها لا تتضمن الأمر؛ لكن هذه الشهادة - خاصة- أنه "لا إله إلا الله" تستلزم الأمر، ووجه استلزامها ذلك أن الله شهد أنه يعلم أنهم ما يدعون من دونه من شيء، فهو يعلم أنه هو الله الإله الواحد ثُمَّ أخبر به كما في الآية، ويتضمن ذلك أن إلهية ما سوى الله باطلة إذ كَانَ هو الإله المعبود بحق.
ويضرب المُصْنِّف ﵀ لذلك مثالاً فَيَقُولُ: لو جئت إِلَى إنسان قد ذهب إِلَى طبيب ما، فقلت له: ليس هذا بطبيب، الطبيب فلان، فأنت الآن لم تأمر باللفظ ولم تنه ولكن دلالة ذلك أنك تقول: دع هذا الإِنسَان واذهب إِلَى الطبيب الذي هو فلان.
стр. 1108
فعندما تقول: لا إله إلا الله فهذا نفي وإثبات، وهو متضمن للأمر والنهي أي: لا تعبدوا هذه الآلهة واعبدوا الله، فمعنى أنه إله ورب إلزام العباد أن يعبدوه وحده وأن العبادة خالص حقه -كما في الحديث المشهور- قال ﷺ : (حق الله عَلَى العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) .
من استعمالات الحكم والقضاء
ومن الأدلة عَلَى أن لفظ الحكم والقضاء قد يستعمل في الجمل الخبرية:
أولاً: أن الكلام نوعان: "خبر، وإنشاء" والفرق بينهما أن الجملة الخبرية تحتمل الصدق والكذب، تقول: جَاءَ فلان، ويقول آخر: ما جَاءَ فلان، فهذا محتمل الرد أو القبول يعني: التصديق أو التكذيب.
وأما الجمل الإنشائية فهي التي لا تتضمن ذلك مثل الأمر، كأن تقول: قم يا فلان، فهذا لا يحتمل الصدق والكذب، ومثل الاستفهام، تقول كيف حال فلان؟ فهذا لا يحتمل أن تقول له كذبت.
والحكم والقضاء في الأصل أمر ونهي ويكون في الجمل الإنشائية، فإذا قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:١١٠] وَأَنْفِقُوا [الجمعة:٩] (َكُلُوا وَاشْرَبُوا [الأعراف:٣١] هذه الأوامر كلها إنشاء.
فقوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران:١٨] هذا خبر، ولذلك يحتمل التكذيب، وقد كذب به الكفار المُشْرِكُونَ وصدق به المؤمنون فهذه الجمل خبرية.
стр. 1109
ثانياً: أن المرتبة الرابعة من مراتب الشهادة: فيها الأمر والإلزام وهو متعلق بالجمل الإنشائية، والآية هي جملة خبرية، فهذا إشكال، وحله أن لفظ: "الحكم والقضاء" يأتي في الجمل الخبرية، فإذا أخبرنا إنسان بشيء فكأنه أنشأ فحكم ودليله من القرآن: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات:١٥١-١٥٤] هم قالوا: ولد الله، ولم يأمروا ويلزموا فهذا خبر والله تَعَالَى يقول: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَفهذا الكلام منهم حكم، مثلما قال عن قول الملائكة: إنه شهادة: سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ [الزخرف:١٩] فكما أن الله سمى اتخاذهم للولد حكماً، لكنه حكم لا إلزام معه، فإن حكم الله بأنه لا إله غيره وشهادته تتضمن الإلزام والأمر، فتأتي الجمل الخبرية في موضع الجمل الانشائية، كما تأتي الجمل الإنشائية في موضع الجمل الخبرية، وكل ذلك بحسب دلالة المعنى، كما يقول الله : أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ [إبراهيم:١٠] فهذا استفهام لكن معناه نفي -أي: ليس في الله شك- وهذا كله مفصل في علم البلاغة.
فهذه الشهادة فيها إقامة الحجة عَلَى العباد حينما يعلمون أنه أعلمهم بذلك، وشهد أن لا إله إلا هو بآياته الكونية وآياته النفسية، وبما أنزل من الآيات القرآنية، فإن الله قد بين هذه الشهادة -شهادة أن لا إله إلا هو- بطرق ثلاث هي السمع والبصر والعقل.
طرق بيان الله لها
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 1110
[أما السمع: فبسمع آياته المتلوة المبينة لما عرفنا إياه من صفات كماله كلها، الوحدانية وغيرها، غاية البيان، لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة، ومعطلة بعض الصفات، من دعوى احتمالات توقع في الحيرة، تنافي البيان الذي وصف الله به كتابه العزيز ورسوله الكريم، كما قال تعالى: حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف:٢،١] الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف:١] الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [الحجر:١] هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:١٣٨] فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [المائدة:٩٢] وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:٤٤] .
وكذلك السنة تأتي مبينة أو مقررة لما دل عليه القرآن، لم يحوجنا ربنا إِلَى رأي فلان، ولا إِلَى ذوق فلان ووجْدِه في أصول ديننا. ولهذا نجد من خالف الكتاب والسنة مختلفين مضطربين، بل قد قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينا [المائدة:٣] فلا يحتاج في تكميله إِلَى أمر خارج عن الكتاب والسنة.
وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو جعفر الطّّحاويّ ﵀، فيما يأتي من كلامه بقوله: "لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ .
وأما آياته العيانية الخلقية: فالنظر فيها والاستدلال بها يدل عَلَى ما تدل عليه آياته القولية السمعية، والعقل يجمع بين هذه وهذه، فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل، فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة] اهـ.
الشرح:
стр. 1111
من رحمة الله أن بين للبشر وحدانيته غاية البيان، بطرق البيان الثلاثة وهي وسائط المعرفة التي عن طريقها نعرف أي شيء وهي:
أ-السمع.
ب-والبصر.
جـ-والعقل أو القلب أي: التفكر والتدبر.
وهذه الثلاثة هي المنافذ التي تصب جميعاً في المعرفة، فتتكون معرفة الإِنسَان للأشياء والأمور بهذه الطرق الثلاثة، ولذلك نجد أن الذي ولد أعمى -مثلاً- لا يكون لديه أحد هذه المصادر وهو النظر، فلا يستطيع أن يتمتع بآيات الله الكونية، وفاقد السمع أشد من ذلك، لأنه لا يستطيع أن يفهم إلا عن طريق السمع، وإن كَانَ يبصر هذه الأشياء، ومن حرم التفكير والعقل فقد حرم كل شيء أصلاً، وإن كَانَ به سمع أو بصر.
والله قد بين وجلى وحدانيته وأنه لا شريك له من هذه الطرق الثلاثة كلها، حتى يقر في قلب الإِنسَان معرفة الله ووحدانيته.
وأعظم المعارف -كما قال إمام النحاة - سيبويه- هو الله ؛ لأن هذه المنافذ الثلاثة، ووسائل المعرفة كلها تدل دلالات قطعية، وتبين بيانات لا لبس فيها أبداً؛ أنه واحد وأنه لا شريك له، لا في ربوبيته، ولا في أسمائه وصفاته.
قول المصنف: [أما السمع فبسمع آياته المتلوة ... ] .
كلمة السمع تطلق ويراد بها: هذه الحاسة "أي: الأذن" وتطلق في علم الكلام -كما يسمونه- بما يقابل الأدلة العقلية.
أنواع مباحث العقيدة عند علماء الكلام
يقولون في علم الكلام إن المباحث عَلَى نوعين:
عقليات وسمعيات:
стр. 1112
فالعقليات هي: التي يضبطها العقل؛ لأن الحَكَم هو العقل، ولذلك نجدهم يبدؤن الحديث عن الله وعن صفاته فيقولون: ما يجوز لله عقلاً، وما يجب له عقلاً، وما يمتنع عنه عقلاً، فتقول الأشعرية: إن العقل هو الذي يثبت الصفات السبع، وتقولالمعتزلة: العقل هو الذي يثبت الأسماء وينفي الصفات، وتقول الجهمية: إن العقل هو الذي ينفي الأسماء والصفات، ولا يثبت إلا وجوداً مطلقاً. فهذا القسم "العقليات" تدخل فيه معظم المباحث المتعلقة بصفات الله .
والسمعيات أي: التي دل عليها الخبر المجرد، والعقل لا يقتضي إثبات ذلك ولا نفيه -مثلاً- يقولون: الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه، لا يقتضي العقل وجوده ولا يحكم بنفيه، فهو من القسم الجائز عقلاً؛ لكن ورد خبراً وسمعاً ومثله: عذاب القبر.
ويرد عليهم: أن الآيات القرآنية التي تظنونها سمعية -كالآيات التي تتعلق بالآخرة- هي براهين عقلية، وقد استدل الله وبين حقيقة البعث والحساب والنشور بحجج وآيات، هي في ذاتها براهين عقلية لا تملك العقول إلا أن تسلم بصحتها، وتقتضيها إما اقتضاءً كلياً وإما اقتضاءً جزئياً -أي يقتضي كل مسألة بذاتها- مثل: مسألة اليوم الآخر، والبعث، والنشور، فإننا نرى رجلاً جباراً طاغياً ظالماً سفَّاكاً للدماء طول عمره، ثُمَّ يموت، ونرى آخر براً رحيماً تقياً عادلاً حسن العشرة إِلَى آخر صفات الخير ثُمَّ يموت. فالعقل السليم يقتضي -بدون أن يأتيه وحي- أن يكون هنالك جزاء، ويجازى هذا بظلمه وشره، ويجازى هذا بخيره وبره، والله سمى نفسه الحكيم، وعدم الحساب خلاف الحكمة.
وكلمة "السمع": تطلق عَلَى الأدلة النقلية، والنقل يعني: الكتاب والسنة. أي: التي نقلت إلينا عن النبي ﷺ ، ويقال لها: دليل خبري.
стр. 1113
ويبين المُصْنِّف ﵀: أن الله أنزل هذا القُرْآن بياناً للناس ولذلك قَالَ: حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف:٢] في آيات كثيرة، وقَالَ: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ [آل عمران:١٣٨] فهذا الكتاب مبين أي: مبين للحجج موضح للحق، وأعظم قضية بينها القُرْآن هي وحدانية الله، بل سائر صفات الله وما يتعلق بتوحيده في أنواعه الثلاثة -التي مرت معنا- لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة ومعطلة بعض الصفات؛ من دعوى أن الآيات والأحاديث السمعية النقلية توقع في الحيرة وتدل عَلَى معانٍ محيرة؛ ولهذا لجؤوا إِلَى القواطع أو البراهين العقلية، فرد عليهم المُصْنِّف ﵀ بأن الله قد أوضح وبين في كتابه، وحدانيته وسائر صفاته بما لا مجال معه لقول هَؤُلاءِ النَّاس بأنها غير واضحة، أو أنها توقع في الحيرة، فمثلاً: في قوله : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] ورد الاستواء في سبع آيات من القُرْآن الكريم فيقولون: إن هذا المعنى يوقع العقول في حيرة، فهي تتصور كذا وتتصور كذا، فتقع في حيرة، فنقول لهم: إن الله قد بين أعظم البيان، ولكن الحيرة أو الاضطراب وعدم الفهم سببه أن المحل الذي خوطب لا يفقه ولا يفهم كما قال الشاعر:
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
стр. 1114
فلما تخيلوا معنى الاستواء أنه فوق العرش بشكل هم يتخيلونه، وتركوا الآيات والأحاديث الأخرى، مثل قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] التي تدل عَلَى التنزيه، وأن الله أعظم من أن تتوهمه الأذهان أو الخيالات، قالوا هذه الآيات توقع في الحيرة، كيف نقول: إن الله عَلَى العرش استوى ثُمَّ نقرأ قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:٤] ؟ هذه توقع في الحيرة، فيردون هذه الآية، ويلجؤون إِلَى قواعد وضعوها هم أنه لا داخل العالم ولا خارجه، فردوا الآيتين معاً، ولو أنهم إذ لم يفهموا ذلك رجعوا إِلَى أهل العلم ليبينوا لهم أن الله بذاته فوق جميع المخلوقات، والعرش أحد هذه المخلوقات، وهو بعلمه وباطلاعه وإحاطته مع كل أحد، وليس هناك أي تعارض ولا تنافي، بل النبى ﷺ فصل ذلك، والصحابة فهموه ومن بعدهم وأجمعوا عليه، وليس في ديننا شيء أوضح من معرفة الله لأنها هي أشرف أنواع المعلومات، فهي أشرف العلوم جميعاً.
بعض أدلة وحدانية الله تعالى
إن الله قد بين في القُرْآن حقيقة الوحدانية في آي كثيرة جداً:
أ- منها: الاستدلال بتوحيد الربوبية الذي يؤمن به الكفار عَلَى الوحدانية.
стр. 1115
ومنها الاستدلال بالأمم الماضية ومانرى من آثارهم قال تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْل أفلا تبُصِرون [الصافات:١٣٧-١٣٨] فهذه الآية نزلت في قوم لوط، وكذلك الطوفان الذي أهلك الله به قوم نوح يؤمن به جميع البشر، فإن العلماء الذين تخصصوا في الدراسات الجيولوجية يثبتون أن الأرض في فترة ما قد عمها الماء، وكذا علماء الاجتماع درسوا دراسات نظرية بعيدة جداً عن الدراسات العلمية البحتة فَقَالُوا: إن الخرافة المشتركة هي أسطورة الطوفان؛ لأن كل مجتمع درسوه ودرسوا لغته فيأفريقيا، وفي أمريكا الوسطى، واستراليا، ومناطق آسيا يجدون أن هذه القبائل القديمة أو الهمجية عندها إثبات الطوفان، فَقَالُوا: هذه خرافة أو أسطورة مشتركة.
ومنها: الآيات القرآنية، فلها تعلق بالآيات العيانية، وهي نوع من أنواع الاستدلال عَلَى وحدانية الله، فإن الله سبحانه أخبرنا أن هذا هو مصير من كفر وكذب وجحد بآيات الله كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:٣٦] أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس:٦٨] أَفَلا يَسْمَعُونَ [السجدة:٢٦] فهي قرآنية سمعية نقلية خبرية، ولكنها أيضاً عقلية، فلو تأملها الإِنسَان لوجد أنها معجزة عظيمة، وكل الأمم قبلنا قد أهلكها الله لما كفرتوَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ [القصص:٥٨] وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُون [القصص:٥٩] وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:٢٤]
стр. 1116
ومنها كذلك: السنة فإنها تأتي مبينة ومقررة لما دل عليه القُرْآن في باب معرفة الله ﵎ وبيان أنواع التوحيد، فإن النبي ﷺ قد سد كل الذرائع المفضية إِلَى الشرك؛ ولذلك نهانا عن قول: ﴿لو أني فعلت كذا لكان كذا، وكذا﴾ ونهانا أن نقول: ﴿ما شاء الله وشئت﴾ بحرف العطف مباشرة، وهذه الأمور هي من باب الألفاظ، فما بالك بما كَانَ من باب الاعتقاد.
وكذلك توحيد الأسماء والصفات أو توحيد المعرفة، قد بينه النبي ﷺ غاية البيان؛ ولهذا جاءت بعض صفات الله في السنة ولم تأتِ في القرآن، وهو يفسر قوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:٤٤] فهذا بيانه ﷺ لما في كتاب الله ﵎ ولم يحوجنا الله إِلَى رأي فلان، ولا إِلَى ذوق فلان.
وهذه قاعدة عظيمة جداً، فكل إنسان له رأى، وكل ناظر من النٌظار يأتي برأي جديد، ويأتي بمذهب كلامي جديد، وهذا يرد عَلَى هذا، وهذا يناقض هذا؛ لذا الجميع حيارى -كما يقولون- والله لم يحوجنا في هذا الباب الذي هو أعظم أبواب العلوم أعني معرفة الله تَعَالَى إِلَى أي وجد من الوجدان، ولا أدلة عقلية مركبة من مقدمات ونتائج.
стр. 1117
فإن الصوفية وأمثالهم يعتمدون عَلَى الأدلة الوجدانية والأذواق والكشوفات الروحانية، وأهل الكلام يعتمدون عَلَى الأدلة العقلية المركبة من مقدمات ونتائج، فلا عَلَى هذا ولا هذا نعتمد في بيان ديننا، وإنما نعتمد عَلَى كتاب الله وعلى سنة رسوله ﷺ ولذا يقولأبو جعفر الطّّحاويّ: [لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلَّم لله ولرسوله ﷺ ] أي: إنما نؤمن بما جاءنا عن الله ورسوله، ولا نتوهم بآرائنا وعقولنا.
ومنها: الآيات العيانية والبصرية التي يبصرها الإِنسَان فإنها عظيمة جداً قال تعالىإِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار [آل عمران:١٩٠-١٩١] فالمتأمل في آيات الله من أعظم الأدلة عَلَى التوحيد، لذا قال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ [الذاريات:٢٠] وأينما رمى الإِنسَان ببصره ولاحظ، فإنه يجد الآيات العظيمة الدالة عَلَى وحدانية الله ، وهذه الآيات تحول الإيمان من مجرد إيمان فطري إِلَى إيمان راسخ عميق، فإن الإيمان يزيد وينقص كما هو في مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، والوسيلة لكي يزيد هذا الإيمان هي هذه المجالات الثلاثة: الآيات القرآنية، والآيات العيانية البصرية، والآيات العقلية أو التفكر العقلي.
стр. 1118
حتى إن العلماء الكفار "علماء الكون" الذين تمردوا عَلَى النصرانية، وتدينوا -كما يقال- بدين العلم، عندما تعمقوا، وجدوا أن كل هذه العلوم، وكل نتائجها تدل عَلَى أن لهذا الكون إلهاً واحداً هو الله ، فهذه الآيات قادتهم إِلَى الاعتقاد بأنه لا إله إلا الله، وأنه حكيم، خالق، رازق، يدبر هذا الكون وينظمه.
ولا شك أن المؤمن بالله ، وبما أنزل إذا تأمل في آيات الله الكونية يكون إيمانه أضعاف ذلك الإيمان السابق، ويختلف اختلافاً كلياً عن إيمان ذلك العالم الطبيعي أو الكيميائي أوالفيزيائي.
والله سبحانه خلق الكون لم يخلقه عبثاً ولا باطلاً؛ بل هذا ظن الكفار وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص:٢٧] أما قول المؤمنين فإنهم يقولون: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:٩١] كما تأمل من قبل إمام الموحدين إبراهيم ﵇ في ملكوت السموات والأرض، وهكذا كل مؤمن يكون حظه من زيادة الإيمان بقدر ما يقرأ ويتدبر من الآيات القرآنية، ومن النظر في الآيات العيانية المشاهدة، وبالتفكير بعقله في هذه الحجج والبراهين التي أنزلها الله في كتابه وأودعها في مخلوقاته.
فوحدانية الله مما تتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة عليها كما قاله المُصْنِّف ﵀.
الآيات التي أعطاها الله للأنبياء تدل على وحدانية الله
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 1119
[فهو -سبحانه- لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعذر وإقامته الحجة، لم يبعث نبياً إلا ومعه آية تدل عَلَى صدقه فيما أخبر به، قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد:٢٥] وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ [النحل:٤٤،٤٣] وقال تعالى: قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ [آل عمران:١٨٣] ، وقال تعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [آل عمران:١٨٤] وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ [الشورى:١٧] ، حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود، حتى قال له قومه: يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ [هود:٥٣] ، ومع هذا فبينته من أوضح البينات لمن وفقه الله لتدبرها، وقد أشار إليها بقوله: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود: ٥٤-٥٦] ، فهذا من أعظم الآيات: أن رجلاً واحداً يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب، غير جزعٍ ولا فزعٍ ولا خوَّار، بل هو واثقٌ بما قاله، جازم به، فأشهدَ الله أولاً عَلَى براءته من دينهم، وما هم عليه إشهاد واثق به معتمد عليه، معلم لقومه أنه وليه وناصره وغير مسلط لهم عليه، ثُمَّ أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه برئٌ من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها، ويعادون
стр. 1120
عليها، ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتهم لها، ثُمَّ أكد ذلك عليهم بالاستهانة بهم، واحتقارهم وازدرائهم، ولو يجتمعون كلهم عَلَى كيده وشفاء غيظهم منه، ثُمَّ يعاجلونه ولا يمهلونه لم يقدروا عَلَى ذلك إلا ما كتبه الله عليه، ثُمَّ قرر دعوتهم أحسن تقرير، وبين أن ربه تَعَالَى وربهم الذي نواصيهم بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده، وأنه عَلَى صراط مستقيم، فلا يخذل من توكل عليه وأقر به، ولا يُشمت به أعداءه.
فأي آية وبرهان أحسن من آيات الأَنْبِيَاء ﵈ وبراهينهم وأدلتهم؟
وهي شهادة من الله-سبحانه- لهم، بينها لعباده غاية البيان] اهـ.
الشرح:
موضوع النبوات يأتي -بإذن الله في باب قادم، لكن الشاهد هنا أنه من آيات الله الدالة عَلَى وحدانيته آيات الأنبياء.
ب- ومنها الآيات التي أعطاها لأنبيائه:
стр. 1121
فالله بيّن وحدانيته بالقرآن والسنة والآيات الكونية، وبآيات أعطاها لأنبيائه الداعين إليه، تدل عَلَى أن الواحد المعبود حقاً هو الله ، وأن الأَنْبِيَاء عندما يدعون الأمم إِلَى التوحيد لا يدعونهم بكلام مجرد، وإنما ببراهين قاطعة لا يملك أحد إلا أن يؤمن بها، إلا من يكابر ويعرض ويستكبر بعد قيام الحجة ووضوحها، فهو ﵎ لكمال عدله ورحمته وإحسانه بخلقه، ولأنه لا أحد أحب إليه العذر منه كما في الحديث الصحيح: (ليس أحد أحب إليه العذر من الله) ؛ يقدم ويعطي للإنسان طرق الخير موضحة، فإن عذب بعد ذلك وأهلك وعاقب، فإنما يعاقب بعد إقامة الحجة والإعذار البالغ الذي ليس وراءه إعذار، ولو أن الأمم جاءها العذاب قبل أن يأتيها الأَنْبِيَاء لقالوا: رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه:١٣٤] ، ولكن حكمة الله اقتضت أن جعل رسلاً مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس عَلَى الله حجة بعد الرسل، فآيات الأَنْبِيَاء عظيمة، وهي من أعظم الأدلة عَلَى أنه تَعَالَى قد جلى ووضح هذه الوحدانية، فكل نبي جَاءَ ببينة عظيمة يراها قومه ويفتخرون بها، ومن أعظم هذه البينات -ليس كما يقول علماء الكلام: إنها مجرد معجزة أن موسى ﵇ قد ألقى العصا فإذا هي حية، وأن عيسى ﵇ أحيا الموتى، ففي حقيقة الأمر لو تدبرنا آيات الأنبياء، لوجدناها من أولها إِلَى آخرها دلائل وبراهين عَلَى أنهم عَلَى الحق، وأنهم يدعون إِلَى الحق، ويولد أحدهم وينشأ عَلَى ما يدل عَلَى الاختيار والاصطفاء اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ [الحج:٧٥] وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [القصص:٦٨] يختاره الله من أوسط قومه وأشرفهم، كما في صحيح البُخَارِيّ قصة هرقل
стр. 1122
لما سأل أبا سفيان فقَالَ: ما نسبه فيكم؟
فَقَالَ أبو سفيان: هو من أوسطنا نسباً -أي من أشرفنا- فيقولهرقل: وكذلك الأَنْبِيَاء تبعث من أوسط أقوامهم، يختار الله نسبه وأباءه من أشرف القوم، لا من أراذلهم المحتقرين أو المرذولين، فمثلاً: موسى ﵇، كَانَ فرعون يأمر بقتل كل طفل يولد من بني إسرائيل، إلا هذا الطفل حفظه الله ، والأم التي هي أحرص ما تكون عَلَى ابنها ينفث في روعها ونفسها أن تضع هذا الابن -الذي تخاف عليه من زبانية الطاغوت- في صندوق ثُمَّ ترميه في البحر، ثُمَّ يلتقطه آل فرعون، ثُمَّ لما شعر أنه لم يلب ما في نفس زوجته من حاجة ومن إلحاح فطري إِلَى وجود ابن، لما قالت له: قُرَّتُ عينٍ لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً [القصص:٩] انهزم الطاغوت أمام إلحاح المرأة فقَالَ: فليكن ذلك، وهذه المرأة ألقى الله محبة موسى في قلبها، فبعثت إِلَى المراضع تخشى أن يموت هذا الطفل ولم يرضع من امرأة قط، وأرسلت أم موسى أخته فتتبعت وسمعت أن في بيتفرعونطفلاً حالته كذا وكذا، وهو لا يرضع من أي امرأة، فقالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ [القصص:١٢] وتكون النتيجة أن يعود الطفل إِلَى الأم، وفرحت امرأة فرعون فرحاً شديداً لما رأت الطفل قبل هذا الثدي، وأعطوها النفقة ورجع إِلَى أمه، ثُمَّ كَبُر، ونشأ تنشئة العز في مجتمع الذل -مجتمع بني إسرائيل- ثُمَّ يوحى إليه ويأتي إِلَى هذا الطاغوت، بالآيات الأخرى، ثُمَّ تكون الآية العظمى -بعد ذلك- الدالة عَلَى صدق ما جَاءَ به، ثُمَّ يهلك اللهفرعون وجنده، ويغرقهم في الوقت الذي ينجي فيه موسى ﵇ ومن آمن معه.
стр. 1123
فآيات الأَنْبِيَاء عظيمة وعجيبة كآيات النبي ﷺ ، حيث تأتي البشائر منذ لحظة ولادته، فيولد في المكان الذي كانت العرب تهفو قلوبها إليه ثُمَّ ينشأ، ويسمونه الأمين ﷺ ، ولم يحفظوا عنه كذباً قط، وكان معصوماً بعصمة الله عن أن يعبد الأصنام أو يسجد لها، أو يشارك أهل الجاهلية في أي عمل من أعمالهم الشركية الجاهلية، وما كَانَ يرجو أن يلقى إليه الكتاب، وما كَانَ يعلم ذاك ولا يتوقعه أبداً، ثُمَّ جاءت رحمة الله وبعث بالآيات البينات، فلما جاءه جبريل بالوحي، كَانَ تقييم ورقة بن نوفل له ﷺ -شهادة شهد بها رجل من أُولَئِكَ القوم عنده علم من الكتاب فإنه قَالَ: (إن هذا هو الناموس الذي أنزل عَلَى موسى) يعني: جبريل ﵇ ثُمَّ يؤيده الله بالبراهين العظيمة، كانشقاق القمر، وتكثير الماء من بين أصابعه، والإسراء، والمعراج به إِلَى السماء، ثُمَّ يكون التأييد الأعظم الذي ليس بعده تأييد؛ أن تتحول الأمة الأمية المحتقرة التي ليس لها تأريخ عَلَى الإطلاق ولا حضارات ولا أمجاد، وإنما يعرف الرجل منهم أن أباه فلان، وأنه من قبيلة كذا، وهي أقل أمم الأرض عدداً، أن تتحول هذه الأمة فتكون سيدة العالم وتفتح دول العالم، كل هذه آيات بينات عَلَى صدق رَسُول الله ﷺ .
وكذلك ثمود لما أعطاهم الله الناقة مبصرة، وأخرج لهم هذا الحيوان العجيب العظيم الذي يأتي وله شرب يوم، ويعطيهم الحليب، كل هذه آيات بينات جعلها الله لأنبيائه.
стр. 1124
وحقيقة الأمر: أن أعداء الله ليس الأمر أنهم لم يعقلوا، وأن المجادلة لهم كَانَ فيها ضعف في الحجة مثلاً، أو لم تأتهم براهين عقلية تقنعهم بها، بل كما قال تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:٣٣] لذا قال قوم هود: إن من كَانَ قبلك جاؤا ببينات، وأنت يا هود ما جئتنا ببينة فلن نؤمن لك. فكان جوابه ﵇ هو في حد ذاته بينة قال:: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود: ٥٤-٥٦] فكان هود ﵇ يقول: إني أعلن إعلاناً عاماً عَلَى الملأ أنني برئ من معبوداتكم التي تقولون: إنها تضر أو تنفع فأنا برئ من هذه الآلهة، ومما تشركون من دونه، فكيدوني بأي أمر تريدون، واعملوا بي ما شئتم، فإنني لن يصيبني إلا ما يقدره الله فهو ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذٌ بناصيتها.
стр. 1125
فماذا بعد هذا التحدي لهم؟ من إعطائهم آية وبرهاناً مثل من أحيا ميتاً، أو ألقى عصاً فإذا هي حيةٌ تسعى، أو أخرج لهم من الجبل ماءً، وهذه آيةٌ خفية؛ لكن من تدبرها وجدها آيةً عظيمة؛ إذْ كيف يأتي هذا الرجل فيتحدى أمةً من الأمم بآلهتها وقواها ومعبوداتها، وهو مطمئن معتمد عَلَى صدق توكله إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ [هود:٥٦] فلا يجرؤ الكاذب في أي قضية من القضايا عَلَى أن يتحدى جميع الملأ وجميع الناس، ويصبر وهو كاذب، بل الكاذب إذا حدث اثنين فلا يريد أن يدري الثالث بهذه الكذبة، ولذلك نجد أن خوارق الكُهّان والمشعوذين والسحرة لا يبرزونها للعيان أبداً، لأنها ليست آيات، بل هي شعوذات وأكاذيب وأوهام مختلقات، وتجده مخفياً لا يعرفه إلا بعض مريديه ومن يأتون إليه، وتجده مع دعوى أنه يشفي جميع الأمراض، ويستطيع أن يخبرك بأي شئ من المغيبات، لا يعرفه أهل العلم والعقول؛ بل هو في الأحياء الفقيرة والأماكن المنزوية، ومع الطبقات الحقيرة أو مع النساء، فكلما كَانَ المجال والوسط الذي يعيش فيه أضعف عقلاً كَانَ عمله هناك أكثر.
وأما أنبياء الله عزوجل فلأنهم عَلَى الصواب والحق والبرهان، يواجهون نفس الطاغوت الأكبر، فيأتي موسى ويخاطبفرعون، ويأتي إبراهيم ويخاطب النمرود، ويأتي نبينا ويخاطب الملأ الأعلى من قومه فيرقى عَلَى الصفا ويدعو جميع كبراء قريش، فيخاطبهم خطاباً عاماً ويبين لهم ما يدعوهم إليه من الحق.
دلالة الأسماء والصفات على وحدانية الله
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
следующие страницы →