Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
فالله بيّن وحدانيته بالقرآن والسنة والآيات الكونية، وبآيات أعطاها لأنبيائه الداعين إليه، تدل عَلَى أن الواحد المعبود حقاً هو الله ، وأن الأَنْبِيَاء عندما يدعون الأمم إِلَى التوحيد لا يدعونهم بكلام مجرد، وإنما ببراهين قاطعة لا يملك أحد إلا أن يؤمن بها، إلا من يكابر ويعرض ويستكبر بعد قيام الحجة ووضوحها، فهو ﵎ لكمال عدله ورحمته وإحسانه بخلقه، ولأنه لا أحد أحب إليه العذر منه كما في الحديث الصحيح: (ليس أحد أحب إليه العذر من الله) ؛ يقدم ويعطي للإنسان طرق الخير موضحة، فإن عذب بعد ذلك وأهلك وعاقب، فإنما يعاقب بعد إقامة الحجة والإعذار البالغ الذي ليس وراءه إعذار، ولو أن الأمم جاءها العذاب قبل أن يأتيها الأَنْبِيَاء لقالوا: رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه:١٣٤] ، ولكن حكمة الله اقتضت أن جعل رسلاً مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس عَلَى الله حجة بعد الرسل، فآيات الأَنْبِيَاء عظيمة، وهي من أعظم الأدلة عَلَى أنه تَعَالَى قد جلى ووضح هذه الوحدانية، فكل نبي جَاءَ ببينة عظيمة يراها قومه ويفتخرون بها، ومن أعظم هذه البينات -ليس كما يقول علماء الكلام: إنها مجرد معجزة أن موسى ﵇ قد ألقى العصا فإذا هي حية، وأن عيسى ﵇ أحيا الموتى، ففي حقيقة الأمر لو تدبرنا آيات الأنبياء، لوجدناها من أولها إِلَى آخرها دلائل وبراهين عَلَى أنهم عَلَى الحق، وأنهم يدعون إِلَى الحق، ويولد أحدهم وينشأ عَلَى ما يدل عَلَى الاختيار والاصطفاء اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ [الحج:٧٥] وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [القصص:٦٨] يختاره الله من أوسط قومه وأشرفهم، كما في صحيح البُخَارِيّ قصة هرقل
стр. 1122
لما سأل أبا سفيان فقَالَ: ما نسبه فيكم؟
فَقَالَ أبو سفيان: هو من أوسطنا نسباً -أي من أشرفنا- فيقولهرقل: وكذلك الأَنْبِيَاء تبعث من أوسط أقوامهم، يختار الله نسبه وأباءه من أشرف القوم، لا من أراذلهم المحتقرين أو المرذولين، فمثلاً: موسى ﵇، كَانَ فرعون يأمر بقتل كل طفل يولد من بني إسرائيل، إلا هذا الطفل حفظه الله ، والأم التي هي أحرص ما تكون عَلَى ابنها ينفث في روعها ونفسها أن تضع هذا الابن -الذي تخاف عليه من زبانية الطاغوت- في صندوق ثُمَّ ترميه في البحر، ثُمَّ يلتقطه آل فرعون، ثُمَّ لما شعر أنه لم يلب ما في نفس زوجته من حاجة ومن إلحاح فطري إِلَى وجود ابن، لما قالت له: قُرَّتُ عينٍ لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً [القصص:٩] انهزم الطاغوت أمام إلحاح المرأة فقَالَ: فليكن ذلك، وهذه المرأة ألقى الله محبة موسى في قلبها، فبعثت إِلَى المراضع تخشى أن يموت هذا الطفل ولم يرضع من امرأة قط، وأرسلت أم موسى أخته فتتبعت وسمعت أن في بيتفرعونطفلاً حالته كذا وكذا، وهو لا يرضع من أي امرأة، فقالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ [القصص:١٢] وتكون النتيجة أن يعود الطفل إِلَى الأم، وفرحت امرأة فرعون فرحاً شديداً لما رأت الطفل قبل هذا الثدي، وأعطوها النفقة ورجع إِلَى أمه، ثُمَّ كَبُر، ونشأ تنشئة العز في مجتمع الذل -مجتمع بني إسرائيل- ثُمَّ يوحى إليه ويأتي إِلَى هذا الطاغوت، بالآيات الأخرى، ثُمَّ تكون الآية العظمى -بعد ذلك- الدالة عَلَى صدق ما جَاءَ به، ثُمَّ يهلك اللهفرعون وجنده، ويغرقهم في الوقت الذي ينجي فيه موسى ﵇ ومن آمن معه.
стр. 1123
فآيات الأَنْبِيَاء عظيمة وعجيبة كآيات النبي ﷺ ، حيث تأتي البشائر منذ لحظة ولادته، فيولد في المكان الذي كانت العرب تهفو قلوبها إليه ثُمَّ ينشأ، ويسمونه الأمين ﷺ ، ولم يحفظوا عنه كذباً قط، وكان معصوماً بعصمة الله عن أن يعبد الأصنام أو يسجد لها، أو يشارك أهل الجاهلية في أي عمل من أعمالهم الشركية الجاهلية، وما كَانَ يرجو أن يلقى إليه الكتاب، وما كَانَ يعلم ذاك ولا يتوقعه أبداً، ثُمَّ جاءت رحمة الله وبعث بالآيات البينات، فلما جاءه جبريل بالوحي، كَانَ تقييم ورقة بن نوفل له ﷺ -شهادة شهد بها رجل من أُولَئِكَ القوم عنده علم من الكتاب فإنه قَالَ: (إن هذا هو الناموس الذي أنزل عَلَى موسى) يعني: جبريل ﵇ ثُمَّ يؤيده الله بالبراهين العظيمة، كانشقاق القمر، وتكثير الماء من بين أصابعه، والإسراء، والمعراج به إِلَى السماء، ثُمَّ يكون التأييد الأعظم الذي ليس بعده تأييد؛ أن تتحول الأمة الأمية المحتقرة التي ليس لها تأريخ عَلَى الإطلاق ولا حضارات ولا أمجاد، وإنما يعرف الرجل منهم أن أباه فلان، وأنه من قبيلة كذا، وهي أقل أمم الأرض عدداً، أن تتحول هذه الأمة فتكون سيدة العالم وتفتح دول العالم، كل هذه آيات بينات عَلَى صدق رَسُول الله ﷺ .
وكذلك ثمود لما أعطاهم الله الناقة مبصرة، وأخرج لهم هذا الحيوان العجيب العظيم الذي يأتي وله شرب يوم، ويعطيهم الحليب، كل هذه آيات بينات جعلها الله لأنبيائه.
стр. 1124
وحقيقة الأمر: أن أعداء الله ليس الأمر أنهم لم يعقلوا، وأن المجادلة لهم كَانَ فيها ضعف في الحجة مثلاً، أو لم تأتهم براهين عقلية تقنعهم بها، بل كما قال تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:٣٣] لذا قال قوم هود: إن من كَانَ قبلك جاؤا ببينات، وأنت يا هود ما جئتنا ببينة فلن نؤمن لك. فكان جوابه ﵇ هو في حد ذاته بينة قال:: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود: ٥٤-٥٦] فكان هود ﵇ يقول: إني أعلن إعلاناً عاماً عَلَى الملأ أنني برئ من معبوداتكم التي تقولون: إنها تضر أو تنفع فأنا برئ من هذه الآلهة، ومما تشركون من دونه، فكيدوني بأي أمر تريدون، واعملوا بي ما شئتم، فإنني لن يصيبني إلا ما يقدره الله فهو ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذٌ بناصيتها.
стр. 1125
فماذا بعد هذا التحدي لهم؟ من إعطائهم آية وبرهاناً مثل من أحيا ميتاً، أو ألقى عصاً فإذا هي حيةٌ تسعى، أو أخرج لهم من الجبل ماءً، وهذه آيةٌ خفية؛ لكن من تدبرها وجدها آيةً عظيمة؛ إذْ كيف يأتي هذا الرجل فيتحدى أمةً من الأمم بآلهتها وقواها ومعبوداتها، وهو مطمئن معتمد عَلَى صدق توكله إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ [هود:٥٦] فلا يجرؤ الكاذب في أي قضية من القضايا عَلَى أن يتحدى جميع الملأ وجميع الناس، ويصبر وهو كاذب، بل الكاذب إذا حدث اثنين فلا يريد أن يدري الثالث بهذه الكذبة، ولذلك نجد أن خوارق الكُهّان والمشعوذين والسحرة لا يبرزونها للعيان أبداً، لأنها ليست آيات، بل هي شعوذات وأكاذيب وأوهام مختلقات، وتجده مخفياً لا يعرفه إلا بعض مريديه ومن يأتون إليه، وتجده مع دعوى أنه يشفي جميع الأمراض، ويستطيع أن يخبرك بأي شئ من المغيبات، لا يعرفه أهل العلم والعقول؛ بل هو في الأحياء الفقيرة والأماكن المنزوية، ومع الطبقات الحقيرة أو مع النساء، فكلما كَانَ المجال والوسط الذي يعيش فيه أضعف عقلاً كَانَ عمله هناك أكثر.
وأما أنبياء الله عزوجل فلأنهم عَلَى الصواب والحق والبرهان، يواجهون نفس الطاغوت الأكبر، فيأتي موسى ويخاطبفرعون، ويأتي إبراهيم ويخاطب النمرود، ويأتي نبينا ويخاطب الملأ الأعلى من قومه فيرقى عَلَى الصفا ويدعو جميع كبراء قريش، فيخاطبهم خطاباً عاماً ويبين لهم ما يدعوهم إليه من الحق.
دلالة الأسماء والصفات على وحدانية الله
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 1126
[ومن أسمائه تعالى: "المؤمن" وهو في أحد التفسيرين: المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم؛ فإنه لا بد أن يُري العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله حقٌ، قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:٥٣] .
أي: القرآن، فإنه هو المتقدم في قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [فصلت:٥٢] ثُمَّ قَالَ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:٥٣] فشهد سبحانه لرسوله بقوله: إن ما جَاءَ به حق، ووعد أن يُري العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضاً، ثُمَّ ذكر ما هو أعظم من ذلك كله وأجل، وهو شهادته -سبحانه- عَلَى كل شيء، فإن من أسمائه: الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه، بل هو مُطًّلعٌ عَلَى كل شيءً مشاهدٌ له، عليم بتفاصيله.
وهذا استدلال بأسمائه وصفاته، والأول استدلال بقوله وكلماته، والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته.
فإن قلت: كيف يستدل بأسمائه وصفاته، فإن الاستدلال بذلك لا يعهد في الاصطلاح؟
فالجواب: أن الله تَعَالَى قد أودع في الفطر التي لم تتنجس بالجحود والتعطيل، ولا بالتشبيه والتمثيل، أنه -سبحانه- الكامل في أسمائه وصفاته، وأنه الموصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رُسُلُه، وما خفي عن الخلق من كماله أعظم وأعظم مما عرفوه منه.
стр. 1127
ومن كماله المقدس شهادته عَلَى كل شيء واطلاعه عليه، بحيث لا يغيب عنه ذرة في السماوات ولا في الأرض باطناً وظاهراً، ومَن هذا شأنه كيف يليق بالعباد أن يشركوا به، وأن يعبدوا غيره، ويجعلوا معه إلهاً آخر؟! وكيف يليق بكماله أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثُمَّ ينصره عَلَى ذلك ويؤيدَه ويعلي شأنه ويجيب دعوته، ويهلك عدوه، ويظهر عَلَى يديه من الآيات والبراهين ما يعجِزُ عن مثله قوى البشر، وهو مع ذلك كاذب عليه مفتر؟! ومعلوم أن شهادته عَلَى كل شيء وقدرته وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك، ومن جوَّز ذلك فهو من أبعد النَّاس عن معرفته.
والقرآن مملوء من هذه الطريق، وهي طريق الخواص، يستدلون بالله عَلَى أفعاله وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله، قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة:٤٤-٤٧] وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى.
ويستدل أيضاً بأسمائه وصفاته عَلَى وحدانيته وعلى بطلان الشرك كما في قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الحشر:٢٣] وأضعاف ذلك في القرآن. وهذه الطريق قليل سالكها، لا يهتدي إليها إلا الخواص. وطريقة الجمهور الاستدلال بالآيات المشاهدة؛ لأنها أسهل تناولاً وأوسع، والله سبحانه يفضل بعض خلقه عَلَى بعض.
فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره، فإنه الدليل والمدلول عليه، والشاهد والمشهود له، قال تَعَالَى لمن طلب آية تدل عَلَى صدق رسوله:
стр. 1128
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت:٥١]] اهـ.
الشرح:
هذا نوع آخر من أنواع الاستدلالات في بيان وحدانيته وهو:
الاستدلال بأسمائه وصفاته عَلَى وحدانيته -سبحانه- وهذا الاستدلال خفي لا يدركه كل أحد، بخلاف الاستدلال بالآيات الكونية أو النفسية المشاهدة، لكن من رقي إيمانه وعظم في قلبه معرفة الله تَعَالَى وقدر الله تَعَالَى حق قدره، فإنه يستدل بمعرفته بالله عَلَى ما يليق به تَعَالَى أو ما لا يليق به من الأفعال.
ومن ذلك: أنه يستدل بمعرفته بالله وأسمائه وصفاته عَلَى أنه لا يجوز أن يُشْرَك به أي أحد سواه، بأي نوع من أنواع العبادة، ومن أسمائه تَعَالَى "المؤمن" ومعناه عَلَى أحد القولين: "المصدق" الذي يصدق الصادقين. -أي: يصدق المؤمنين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، وبما يعطيهم من الأدلة الشاهدة عَلَى أنهم صادقون-، كما قال الله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [النحل:٣٨] وهذا قول الكفار من الأمم الماضية، فكان الجواب عَلَى ذلك: بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ*لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيه [النحل:٣٨،٣٩] فهذه حكمة، أن جعل الله هنالك يوماً يبين فيه الذي يختلفون فيه فيظهر المحق من المبطل، ثُمَّ قَالَ: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ [النحل:٣٩] .
стр. 1129
وقال تَعَالَى في آخر سورة فصلت: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:٥٣] ، ثُمَّ قَالَ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:٥٣] أي: إننا سنري الْمُشْرِكِينَ آياتنا، وهذا والله أعلم فيه إشارة إِلَى ما وقع وترونه الآن، أن أكثر الآيات الكونية والنفسية أكثر النَّاس إطلاعاً عليها هم الكفار، ومع ذلك لم يؤمنوا، لكن الله تَعَالَى يقول: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:٥٣] أي: القُرْآن حق، ثُمَّ قَالَ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:٥٢] .
ومن ذلك: أننا نطبق هذا الاستدلال عَلَى نبوة النبي ﷺ ، وعلى القُرْآن الذي جَاءَ به النبي ﷺ ، فنقول: إن الله لما بعث هذا الرَّسُول وأنزل هذا القرآن، كَانَ النَّاس في الأرض عَلَى نوعين:
١- أهل كتاب يزعمون: أن ما في أيديهم من الصحائف والكتب هو الوحي الحق المنزل من عند الله.
٢- ومشركين كمشركي العرب وغيرهم من عبدة النيران والأبقار، الذين لا كتاب لهم وإنما ورثوا هذه الأديان عن الآباء والأجداد كما قال الله عنهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:٢٣]
فكانت البشرية عَلَى نوعين، فظهرت دعوة جديدة عَلَى يد رجل يزعم أنه نبي -كما يقولون- وأن كتاباً من عند الله ﵎ نقياً خالصاً، قد نزل تصديقاً لما بين يديه من الكتب، وهدى وبشرى للمؤمنين، ومن علماء أهل الكتاب من شهد بصدق هذا النبي ﷺ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ [الشعراء:١٩٧] وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ [الأحقاف:١٠] .
стр. 1130
وقَالَ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص:٥٢-٥٣] ومن كذب بهذا النبي الذي جَاءَ بهذا القُرْآن يقتلهم، كما فعل ببني قريظة، ويجليهم من بلادهم، كما فعل ببني النضير، ويأتي إِلَى مقر الدولة العظمى التي تحمي هذا الدين، وهي الامبراطورية الرومانية في بلاد الشام الذين يقولون: نَحْنُ أهل الدين الحق، ولدينا الإنجيل، ونحن أتباع عيسى، فيقتلهم ويأخذهم أسرى عنده، ويحكم بأن هذه الكتب باطلة ومحرفة، فيضرب عليهم الجزية ويسترق منهم من يسترق، ويقتل منهم من يقتل.
ثُمَّ يأتي أيضاً إِلَى الأمم الشرقية التي كانت تعبد النيران والأحجار، الذين يقولون: نَحْنُ أهل الدين الحق، ونحن الذين عَلَى ملة إسماعيل وإبراهيم، فيقتلهم أيضاً كما فعل في بدر ويوم الفتح ببعضهم، ثُمَّ يفتح هذا البيت، ويكون له ولأتباعه من بعده إِلَى قيام الساعة، وقريش لم تأخذ من النبي ﷺ شيئاً، وإنما هو ظاهرٌ عليها، حتى عندما حاولت أن تقتله لم تستطع، وحاولت اليهودية أن تضع له السم فأنطق الله الذراع المسمومة، فما عمل عملاً إلا والنصر معه، وما خطا خطوة إلا والنصر حليفه، وما تقدمت الجيوش التي ترفع رايته لتعلى كلمته إلا وهي منتصرة عَلَى رغم قلة العدد والعدة، وكثرة الأعداء، وما نوظروا بمناظرة إلا وأفحموا خصمهم، ولا جادلوا غيرهم إلا وغلبوه، وما احتج عَلَى دينهم أحد إلا وغُلب وأُفحم وظهر عليه الخزي والذل والعار.
هذا التمكين للنبي ﷺ يدل عَلَى صدقه أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:٥٣] فلولا أن هذا النبي حق ورسالته صدق لما تحصلت له هذه الأدلة العظيمة.
стр. 1131
لذا قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:٤٤-٤٦] أي: لعاقبناه عقوبة أعظم من عقوبتكم.
فهل يليق فعلاً بمن يؤمن بالله، وأنه حكيم وعادل ورحيم، أن يظن أن الله يؤيد هذا الرجل وهو كاذب عليه؟!
لا شك أن رحمة الله بالعالمين، وحكمته وإحسانه بالبشرية هو الذي اقتضى بأن يبعث في الأميين رسولاً منهم، هذا هو اللائق بالله .
وبهذا الاستدلال الخفي العجيب -الذي لا يستدل به إلا الخواص -كما يقول المصنف- استدلت خديجة رضى الله عنها، وهذا يدل عَلَى فقهها وكمال عقلها، فإن النبي ﷺ قال لها: (لقد خشيت عَلَى نفسي، فقالت له خديجة رضى الله عنها: كلا والله لا يخزيك الله أبداً) .
فلا يصح ما قاله بعض المتكلمين: أنه يجوز أن يدخل الله إبليس الجنة، ويعذب الأولياء والأنبياء؛ لأن هذا لا يليق بحكمة الله تعالى، كما قال تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:٣٥،٣٦] فحكمة الله تدل عَلَى أن هذا غير ممكن أبداً، ولذلك لما ادعى مسيلمة الكذاب النبوة، وأن لديه قرآناً، فضحه الله من واقع كلامه الذي يقوله: يا ضفدع نقي.. في الماء تنقنقين.. ولا الطير تبلعين..، وأيضاً: والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً ...
فلا يمكن أن يكون هذا قرآناً أبدا، وقالوا لـ مسيلمة الكذاب: إن محمداً جيء له بعلي يوم خيبر، وكان في عينه رمد فتفل فيها فبرأت، فجيء له برجل مريض العين فتفل فيها فعميت.
стр. 1132
وقالوا لـ مسيلمة: إن كل نبي يأتي برحمة يرحم بها قومه، فبم ترحم قومك؟ قَالَ: "قد أسقطت عنكم ثلاث فرائض فصلوا فريضتين" لكن النبي ﷺ لما قال له الكفار: ائت بقرآن غير هذا أو بدله، قال الرَّسُول ﷺ : قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [يونس:١٥] وقالت عَائِِِشَةَ ﵂: لو كَانَ الرَّسُول ﷺ كاتماً شيئاً من القُرْآن لكتم هذه الآية التي جاءت بشأن قصة زيد ﵁، قال الله : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [الأحزاب:٣٧] ولكتم قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى [عبس:١-٢] وهذا عتاب من الله له، ولكتم قوله تعالى: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال:٦٨] أما أحمد القادياني -هذا الكذاب- فإنه كَانَ يأتي بكتب ويسميها البيان والكتاب الأقدس، ويقول: هذا وحي، أوحي إلي من عند الله، وهذا الرجل كَانَ لا يعرف الحذاء الأيمن من الأيسر إذا أراد أن يلبس، ولذلك اضطر -كما يقول خادمه- أن يغير لون أحد الأحذية، ثُمَّ يقول: قد سقط عنكم جهاد الإنجليز، والحكومة الإنجليزية هي التي تمثل الله في الأرض.
стр. 1133
وما كَانَ للأنبياء فهو أيضاً لأتباع الأنبياء، فلو قيل لأحدنا -مثلاً- من هو الخليفة الذي عذب الإمام أحمد؟ أو من هو قائد الشرطة أيام الإمام أَحْمَد؟ ومن هو الوالي الذي طرد البُخَارِيّ وأخرجه وآذاه؟! لما عرف هذه الأسماء إلا من تخصص وقرأ، بل لو قيل لأحدنا: من العلماء الذين كانوا في زمن شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ يناظرونه ووشوا به إِلَى السلطان فسجن من أجلهم؟! لما عرفهم أحد إلا من تخصص في التاريخ؛ لكن الإمامأَحْمَد أظهره الله ونصره، حتى عرفه الخاصة والعامة، وعرفوا أنه كَانَ صادقاً، وأنه عَلَى الحق. وكذلك الإمام البُخَارِيّ، والإمام شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الذي أصبح يعرفه أكثر الْمُسْلِمِينَ الآن في العالم، وقد ظهرت دعوته، وانتشرت كتبه، وقد مات وهو سجين وحيد في القلعة، لا يملك أي شيء، حتى أنهم جردوه من قلمه.
فمن كَانَ عَلَى الحق فإن الله ينصره ويؤيده ولو بعد حين، ومن كَانَ عَلَى الباطل ونسبه إِلَى الله، وافترى الكذب عَلَى الله، وابتدع في دين الله ونسبه إليه، فإن الله يفضحه ويخزيه، ويظهر للعالمين كذبه وزيف ما ادعاه وبطلانه، ولو بعد حين.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب، كما تقدمت إليه الإشارة، فلا يلتفت إِلَى قول من قسم التوحيد إِلَى ثلاثة أنواع، وجعل هذا النوع توحيد العامة، والنوع الثاني: توحيد الخاصة، وهو الذي يَثبُت بالحقائق، والنوع الثالث: توحيد قائم بالقِدم، وهو توحيد خاصة الخاصة، فإن أكمل النَّاس توحيداً الأَنْبِيَاء - صلوات الله عليهم- والمرسلون منهم أكمل في ذلك، وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيداً وهم: "نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومُحَمَّد، صلى الله وسلم عليهم أجمعين".
стр. 1134
وأكملهم توحيداً الخليلان: مُحَمَّد وإبراهيم صلوات الله عليهما وسلامه، فإنهما قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علماً ومعرفةً وحالاً ودعوةً للخلق وجهاداً، فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل، ودعوا إليه، وجاهدوا الأمم عليه، ولهذا أمر سبحانه نبيه ﷺ أن يقتدي بهم فيه، كما قال تَعَالَى بعد أن ذكر مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك، وصحة التوحيد وذكر الأَنْبِيَاء من ذريته: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:٩٠] .
فلا أكمل من توحيد من أُمر رَسُول الله ﷺ أن يقتدي بهم.
وكان ﷺ يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: ﴿أصبحنا عَلَى فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كَانَ من الْمُشْرِكِينَ﴾
فملة إبراهيم: التوحيد، ودين مُحَمَّد ﷺ : ما جَاءَ به من عند الله قولاً وعملاً واعتقاداً، وكلمة الإخلاص: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وفطرة الإسلام هي: ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له، والاستسلام له عبوديةً وذلاً وانقياداً وإنابةً.
فهذا هو توحيد خاصة الخاصة الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء، قال تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:١٣٠-١٣١]
стр. 1135
وكل من له حس سليم، وعقل يميز به، لا يحتاج في الاستدلال إِلَى أوضاع أهل الكلام والجدل واصطلاحهم وطرقهم ألبتة، بل ربما يقع بسببها في شكوك وشبه يحصل له بها الحيرة والضلال والريبة، فإن التوحيد إنما ينفع إذا سلم قلب صاحبه من ذلك، وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من أتى الله به] اهـ.
الشرح:
تدّعي الصوفية أن العلم علمان: علم الحقيقة وعلم الشريعة، فالشريعة هي ظاهر هذه الآيات: من القُرْآن والسنة، والأحكام الظاهرة التي نسميها نَحْنُ الشريعة يسمونها هم -أيضاً- الشريعة، ويقولون: إن الحقيقة أمر آخر غير الشريعة، وقد يثبت بالحقيقة ما لا يثبت بالشريعة، -وسبق أن ضربنا مثالاً لذلك- وهو استدلالهم بقصة الخضر مع موسى ﵉، فإنهم قالوا: إن الشريعة لا تبيح أن تقتل نفس برئية، والشريعة لا تبيح أن تخرق مركب لمن قد أحسن إليك، والشريعة أيضاً لا تجيز أن الإِنسَان يذهب ويحسن إِلَى قوم لم يطعموه ولم يضيفوه ويبني هذا الجدار عندهم، إما أنها لا تجيز ذلك أو أنها لا تدعو إليه، فكيف فعل الخضر ذلك؟!
يقولون: إن موسى كَانَ عَلَى الشريعة، وأما الخضر فإنه كَانَ عَلَى الحقيقة، وقد فندنا ذلك القول ولا داعي لإعادته، فالخلاصة أن كلاً منهما كَانَ عاملاً بالشريعة ولم يخالفها، وأما ما يسمى بالحقيقة فإنه لا وجود له إلا في أذهان الذين اختلقوه ليهدموا به الدين، فيقولون: الصلاة والزكاة والحج والجهاد هذه كلها من الشريعة، أما نَحْنُ فنحن أهل الحقائق. والذين يسمونهم الخاصة هم الذين يوحدون الله بتوحيد الحقيقة. كما سبق. حيث يقولون: إن غاية التوحيد هو إثبات الربوبية، ثُمَّ أن يترقى الواحد منهم في التوحيد حتى يرى من قوة توحيده أن الله تَعَالَى هو الفاعل لكل شيء، وأنه لا فعل لأحد معه عَلَى الإطلاق في هذا الكون، هذا هو غاية التوحيد عندهم.
стр. 1136
وتوحيد خاصة الخاصة: هو الحلول والاتحاد وهو أن لا يبقى ذات معبودة وذات عابدة، وإنما تصبح الذاتان ذاتاً واحدة -والعياذ بالله- وهذا هو الفناء وهو غاية السالكين كما يسمونه؛ لأن الطريق عندهم كالتالي:
يبدء المرء مريداً، وهذا المريد يتعلم، ثُمَّ السالك يمشي في المقامات، ثُمَّ الواصل وهو الذي قد وصل وانتهى وفني وسقطت عنه التكاليف، فهذا يسمى الواصل.
وعندما يبتدئ الإِنسَان عندهم يقولون له: عَلَى المريد أولاً: أن يلتزم بأحكام الشريعة، ويجب عليه أن يصلي وأن يصوم لأنه أولاً: لن يألف توحيد خاصة الخاصة لأن قلبه لم يتعود بعد عليه.
стр. 1137
ثانياً: حتى لا ينكر عليه العامة، إذ لو أنكروا عليه العامة في أول الطريق لهرب منهم، ولم يمشِ في الطريق، ففي أول الطريق يعمل بالأحكام الظاهرة، التي هي الشريعة الظاهرة من إقامة الصلاة ونحو ذلك كما يعمل النَّاس وهذا هو توحيد العامة عندهم، ولكنه يترقى بالأفكار التي يعطونه وكل طريقة تعطيه كما تشاء، حتى يصبح من أهل الحقيقة فإذا أصبح من أهل الحقيقة فإن التكاليف تتحول عنده من تكاليف صلاة وصيام ونحو ذلك، إِلَى أذكار وأوراد وعبادات يملونها هم عليه، ثُمَّ يترقى حتى يصبح من أهل الفناء ومن أهل الشهود، وهَؤُلاءِ هم أهل وحدة الوجود -والعياذ بالله- فيرى نفسه أنه هو الخالق والمخلوق عياذاً بالله فلا يبقى هناك ذاتان منفصلتان، وإنما ذات واحدة، وهذا من أعظم أنواع الكفر، وأبو حامد الغزالي -غفر الله له- قد رجع عن هذا في آخر حياته، وندم عَلَى ما فرط منه، لكن نقول: إن أبا حامد عندما ذكر هذه الأشياء ذكرها كمصدر من مصادر الحقيقة ومصادر المعرفة، ولم يكن مستيقناً من لوازم هذا القول وما ينبني عليه، لأنه يقول كما ذكر في الإحياء: كيف يترقى الإِنسَان لينتقل من كونه من أصحاب توحيد العامة [من أصحاب الشريعة] إِلَى أن يكون من أصحاب الحقيقة، يقول: إما أن يذهب إِلَى جبل أو إِلَى مغارة يختبئ فيها ويذكر الله حتى يأتيه الكشف، فإن لم يستطع فليأخذ كساء أسوداً غليظاً ويلفه عَلَى رأسه، وبهذا يكون قد اختلى ويظل يردد ويقول: الله الله الله وغيرها من الأذكار حتى يأتي الكشف، فمثل هذا الكلام من الإمام أبي حامد الغزالي والهروي شيء غريب جداً لكن نحسن الظن بهم لأنهم لم يكونوا يدركون ماذا سيترتب عَلَى هذا الكلام، فإنه كَانَ سبباً لأن يأتي بعدهم الملاحدة الذين كشفوا القناع وصرحوا بذلك، وقد كَانَ قبلهم من صرح بذلك، ولكن أكثر المتأخرين يعتمدون عَلَى كتاب الهروي منازل السائرين الذي شرحه ابن القيم في كتابه مدارج السالكين، وكتاب أبي
стр. 1138
حامد الغزالي إحياء علوم الدين وكذلك المنقذ من الضلال، وكذلك الرسائل الأخرى التي جمعت وطبعت وفيها من هذا الكلام.
الرد عليهم
ونرد عَلَى هَؤُلاءِ جميعاً وهذا هو الذي يهمنا بأن أكمل النَّاس توحيداً هم الخليلان كما قال الإمام مالك: مُحَمَّد ﷺ وإبراهيم ﵇ هما أكمل النَّاس توحيداً، فليس هناك رقي ولا ترقي في التوحيد بحيث يكون الإِنسَان أعظم من مُحَمَّد ﷺ أو إبراهيم ﵇، ومع ذلك: فإن دين الخليل ودين مُحَمَّد ﷺ هو إفراد الله بالعبادة، أي توحيد الألوهية وهو عبادته تَعَالَى إِلَى أن يأتي الموت كما قال تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:٩٩] أي: لا تنفك عن عبادته تَعَالَى إِلَى أن يدركك الموت، فما دمت عبداً حياً فوصف العبودية لا ينفك عنك مطلقاً، أما ما يقال من الحقيقة والفناء أو من الشهود، فهذه مصطلحات بدعية شركية لم يعرفها الخليلان ولم يعرفها أصحاب النبي ﷺ من بعده، ولم يعرفها أولوا العزم من الرسل، وإنما هذه بدع وضلالات ابتدعها هَؤُلاءِ القوم وأدخلوها في دين الإسلام، فهل كَانَ فيما حققوه أنهم جعلوا التوحيد ثلاثة أقسام، توحيد العامة، وتوحيد الخاصة، ثُمَّ توحيد خاصة الخاصة؟
стр. 1139
بل وإنما كانت الدعوة إِلَى عبادة الله، وكان النبي ﷺ يعبد الله أمام أصحابه، وكان أصحابه يقتدون به في عبادته، وهكذا كَانَ الأَنْبِيَاء من قبل ولم يكن أحد منهم أبداً عَلَى هذا التوحيد الذي هو مجرد ذكر أو ترانيم، توصل صاحبها إِلَى ما يسمى بالفناء المزعوم، قال تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:١٣٠-١٣١] وفي الحديث الذي أخرجه الدارمي وابن السني أن النبي ﷺ كَانَ يعلم أصحابه ويقول: (أصبحنا عَلَى فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا مُحَمَّد ﷺ وملة إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كَانَ من الْمُشْرِكِينَ) ويستدل المُصْنِّف بمعناه، ومعناه صحيح من حيث إن ملة إبراهيم هي دين مُحَمَّد ﷺ ، ولا شك في ذلك وهي كلمة التوحيد التي جعلها إبراهيم في عقبه كما قال تعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:٢٨] وهي الشهادة شهادة أن لا إله إلا الله كلمة التوحيد فبين المُصْنِّف ﵀ أن هَؤُلاءِ الصوفية ومن ادَّعى هذه الدعوى قد افتروا عَلَى الله الكذب حين قسموا التوحيد إِلَى هذه الأنواع الثلاثة، وأما القسمة الصحيحة الحقيقية للتوحيد فهي أن نقول: إنه توحيدان توحيد خبري علمي اعتقادي، الذي هو توحيد المعرفة أي توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد عملي طلبي إرادي وهو توحيد الألوهية، أي: توحيد العبادة، وأيضاً قلنا: إن المُصْنِّف قال إن هناك توحيدان -أي باعتبار آخر- توحيد المرسِل، وهو الله ، وتوحيد المرسَل أي: متابعة الرَّسُول
стр. 1140
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنوحد الله تَعَالَى بالطاعة والعبادة بأن نعبده وحده، ونوحد النبي ﷺ بالاقتداء فلا نقتدي بأحد غيره.
شرح أبيات الإمام الهروي والرد عليها
ثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ ﵀:
[ولا شك أن النوع الثاني والثالث من التوحيد الذي ادعوا أنه توحيد الخاصة وخاصة الخاصة، ينتهي إِلَى الفناء الذي يشمر إليه غالب الصوفية، وهو درب خطر، يفضي إِلَى الاتحاد. انظر إِلَى ما أنشده شَيْخ الإِسْلامِ أبو إسماعيل الأنصاري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حيث يقول:
ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد
توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد
وإن كَانَ قائله ﵀ لم يرد به الاتحاد، لكن ذكر لفظاً مجملاً محتملاً جذبه به الاتحادي إليه، وأقسم بالله جهد أيمانه أنه معه، ولو سلك الألفاظ الشرعية التي لا إجمال فيها كَانَ أحق، مع أن المعنى الذي حام حوله لو كَانَ مطلوباً منا لنبه الشارع عليه، ودعا النَّاس إليه وبينه، فإن عَلَى الرَّسُول البلاغ المبين، فأين قال الرسول: هذا توحيد العامة، وهذا توحيد الخاصة، وهذا توحيد خاصة الخاصة؟ أو ما يقرب من هذا المعنى؟ أو أشار إليه؟ ! هذه النقول والعقول حاضرة.
فهذا كلام الله المنزل عَلَى رسوله ﷺ ، وهذه سنة الرسول، وهذا كلام خير القرون بعد الرسول، وسادات العارفين من الأئمة، هل جَاءَ ذكر الفناء فيها، وهذا التقسيم عن أحد منهم؟ وإنما حصل هذا من زيادة الغلو في الدين، المشبه لغلو الخوارج، بل لغلو النَّصَارَى في دينهم.
стр. 1141
وقد ذم الله تَعَالَى الغلو في الدين ونهى عنه، فَقَالَ تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُول لُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً [النساء:١٧١] قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:٧٧] .
وقال ﷺ : (لا تشددوا فيشدد الله عليكم، فإن من كَانَ قبلكم شددوا فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) رواه أبو داود] اهـ
الشرح:
كما ذكر المُصْنِّف ﵀، أن القول بقسمة التوحيد إِلَى ثلاثة أقسام يفضي إِلَى القول بالحلول والاتحاد وقد ذكر المُصْنِّف عَلَى ذلك مثالاً: فالأبيات التي ذكرها الهروي في كتابه منازل السائرين يقول:
ما وحد الواحد من واحد
الواحد هو الله ، أي: [لم يوحده أحد] .
إذ كل من وحده جاحد
فيحكم بأن كل من وحد الله فهو جاحد
توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد
يقول: إن توحيد من ينطق عن نعته أي: كل من تكلم في التوحيد وفي صفات التوحيد من النَّاس فإن هذا التوحيد عارية أبطلها الواحد الذي هو الله فلا حقيقة لتوحيد هَؤُلاءِ القوم.
توحيده إياه توحيده
стр. 1142
"توحيده" الأولى مبتدأ، و"توحيده" الثانية خبر، فتوحيد الله لنفسه هو التوحيد [توحيده إياه توحيده] حقيقة توحيده هو ما وحد به نفسه لا ما وحده غيره.
ونعت من ينعته لاحد
أي أن وصف غير الله له إلحاد، ونستطيع أن نرد عَلَى هذه الأبيات كما رد عليها ابن القيم في المدارج وهو قول الله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران:١٨] ثُمَّ قال بعد ذلك:
وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ فأثبت الله أن الملائكة وأن أولى العلم وحدوه أي شهدوا له بالوحدانية فمن يقول: إنه لم يوحد الله أحد، وأن من وحده أو نعته فإنه ملحد جاحد، فهو مكذب لهذه الآية، فإن الله قد بين أن عباده يوحدونه، بل إن ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يقول: "إن الأرض والسماء نفسها هذه هي التي تسبح الله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:٤٤] فهي نفسها توحد الله وتعبده فهذا نقض لهذا الكلام الذي ذكر فيه أن لا شيء يوحد الله لا الأنبياء، ولا العباد الصالحون، ولا مخلوقات الله التي تسبح الله وحده والآيتان دليل عَلَى بطلان هذا القول، والذي أوقع الهروي في هذا هو الغلو في فهم التوحيد، حتى ظن أن حقيقة التوحيد -الذي في ذهنه- أمر خفي عميق بعيد لا يدركه أحد، ومن هذا المنطلق -منطلق الغلو مع الابتعاد عن نصوص الكتاب والسنة- وقع فيما وقع فيه أهل الكتاب لقوله بهذا القول الذي تبطله الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة.
стр. 1143
وجاء أهل الحلول والاتحاد، وتعلقوا بهذه الأبيات وَقَالُوا: إن الهروي كَانَ من أهل الحلول والاتحاد، لأنه يقول: إن الله لم يوحده أحد غيره، فهو الذي وحد نفسه إذاً كل البشر لا يوحدون الله، والذي يعرف حقيقة التوحيد -كما قالوا- هو من يؤمن بوحدة الوجود، أي: من يؤمن بالحلول والاتحاد، فهذا الكلام دليل لهم.
يقول المصنف: [وإن كَانَ قائله ﵀ لم يرد به الاتحاد] نعم الهروي إنما أراد الغلو في مفهوم التوحيد ولم يرد حقيقة الاتحاد؛ لكنه لما جَاءَ بهذا الكلام الباطل الذي أبطله القُرْآن وأبطلته السنة جَاءَ الاتحادي فنسبه إليه وادعاه، ولا يهمنا أن يكون الهروي أراد هذا أو لم يرده وإن كَانَ الظاهر من سيرة الرجل أنه كَانَ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وكان من المثبتين لصفات الله تعالى، وإنما المأخذ عليه هو أنه مشى عَلَى منهج الصوفية، وأخذ اصطلاحاتهم في المقامات والأحوال والمنازل والإشارات، لكن لا يهمنا ذلك بقدر ما يهمنا أن هذه المعاني باطلة، وأن التوحيد الحقيقي الذي هو توحيد الله قد قام به الأَنْبِيَاء أكبر قيام ومنهم الخليلان إبراهيم ومُحَمَّد صلى الله عليهما وعلى أنبيائه أجمعين، وقام به أصحابه ﷺ وأننا يجب علينا أن نبتعد عن الغلو في الدين، حتى ولو كَانَ غلواً في التوحيد فلا نعمل ولا نقول إلا بما ثبت في القُرْآن أو في السنة.
стр. 1144
وأما الغلو فإنه قد أهلك أهل الكتاب من قبلنا، وقد أهلك هَؤُلاءِ الذين ظنوا أنهم بهذه التعقديات والتجريدات والخيالات والشطحات، يوحدون الله حق توحيده، ويعرفون قدره وعظمته، ويظنون أن من تعظيم الله أن يقولوا: إن الله لن يوحده أحد، ونحن نقول: من تعظيم الله أن نقول: إننا لم نعبد الله حق عبادته ، ونقر بأننا لا نعرف الله حق معرفته ولا نقدر الله حق قدره؛ لأن هذه درجة عالية عظيمة، ولكن نسأل الله أن نحقق ذلك في أنفسنا، وأن يتحقق لنا، ونسعى في ذلك ونرجوه.
أما أن نقول: إنه لم يوحده أحد، وأن كل من نعته أو وصفه فإنه ملحد، فهذا غلو فاحش باطل، وهذا هو الفرق بين اعتراف المؤمن بالتقصير، وأنه لم يعرف الله حق معرفته، ولم يعبده حق عبادته ولم يتقه حق تقاته، وبين من يقول: إنه لم يوحده ولن يوحده أحد مطلقاً وإنما توحيده إلحاد، ووجه استدلال المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الرد عَلَى الأبيات هو في قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [المائدة:٧٧] أي: أن هذه نتيجة الغلو، وبقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود (لا تشددوا فيشدد الله عليكم) فإن هذا نهي عن التشدد حتى في مفهومات الإيمان والتوحيد ولذلك وقع الخوارج في تكفير الْمُسْلِمِينَ بسبب هذا التشدد، والله أعلم.
стр. 1145
اللهُ هو الغاية التي يسعى إليها كل المخلوقين، فيسعون إِلَى معرفة ربهم ، ويسعون إِلَى نيل رضاه، ويحرصون عَلَى أن يدفع الله ﵎ عنهم ما يكرهون، وأن يمنَّ عليهم ويتكرم بما يريدون، فالأصل في البشرية جميعاً أن اتجاهها هو إِلَى اللهِ ، وأن غايتها وإرادتها تنتهي إليه ، ولكن الانحراف واقع، وقد وقع قديماً وحديثاً، فيظن أن غير الله يملك ما يملكه الله، أو يمكن أن يكون وسيلة إِلَى ما عند الله .
أعظم ما يتوسل به إلى الله
إن القلوب لا تطمئن ولا تسعد ولا ترتاح في هذه الحياة الدنيا إلا إذا عرفت ربها ، وتقربت إليه بأنواع القربات، التي جعلها الله ﵎ وسيلة إليه، فهذه هي الوسيلة الشرعية، والله ﵎ لما أن علم ذلك وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:٢٩] جعل هذه النفوس هكذا مجبولة، لا ترتاح ولا تطمئن ولا تسعد في الدنيا ولا في الآخرة، إلا بعبادته وطاعته، وبمعرفته، وبالتقرب إليه، وما عدا ذلك فهو شقاء وضياع ونكد، وهو أرحم الراحمين، وهو الغني ، وهو الكريم الذي كَّرم بني آدم، وهو الذي امتن عليهم بالرسل، وهو الذي أنزل عليهم الكتب، فجعل هذا الباب واسعاً جداً، لأنه لا سعادة للخلق إلا به.
وهو جعل نعيمه مترتباً عَلَى التقرب والتوسل إليه بما شرع، وجعل عقوبته وعذابه لمن توسل أو تقرب إليه بغير ما شرع ، أو استكبر وأعرض عن التقرب والتوسل إليه .
توسل الأنبياء والملائكة
стр. 1146
لقد ذكر الله عن أفضل خلقه وأعلاهم درجة، وأرفعهم رتبة وقرباً منه ، وهم الأنبياء، فقَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً [الإسراء:٥٧] فهَؤُلاءِ الأنبياء والملائكة، والصالحون الذين ما دعوا وعبدوا إلا لمتابعتهم لطريق الأنبياء -هَؤُلاءِ- أعظم ما وصفهم الله به أنهم يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، واللهُ تَعَالَى أمرنا جميعاً بأن نبتغي إليه الْوَسِيلَةَ فَقَالَ سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:٣٥] فيجب أن نبتغي إِلَى اللهِ الْوَسِيلَةَ وأن نتزلف ونطلب الْوَسِيلَةَ إليه والقرب منه، فهَؤُلاءِ الأنبياء والملائكة والصالحون الذين عبدوا من دون الله، والذين أُشِرك بهم مع الله ، والذين ابتدع أهل الباطل وأهل الشرك في حقهم ما لم يأذن به الله، وما لم يشرعه ، هَؤُلاءِ المدعوون المعبودون، الذين يشرك بهم من أشرك ويستغيث ويستعيذ ويلوذ بهم البعض، هَؤُلاءِ بأنفسهم يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ، فجبريل ﵇ أفضل الملائكة، ومُحَمَّد ﷺ أفضل البشر يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ، والملائكة الذين خلقهم الله مطهرين من كل ذنب، ولا تخطر لهم خاطرة بسوء أو معصية، وهم مع ذلك من خشيته مشفقون، ويعبدونه ، ويسبحون له بالليل والنهار، لا يملون ولا يفترون، ويتقربون إليه جل شأنه، ويخافون من عذابه وسطوته، ومن نقمته ، وهم بهذه الحالة من القرب ومن
стр. 1147
التقرب.
توسل النبي ﷺ بربه
وقد كَانَ ﷺ مع أنه أعرف الخلق بالله، وأقرب الخلق إِلَى الله، وأخشى الخلق لله واتقاهم له سبحانه، كما صرح بذلك ﷺ ، فقَالَ: (إني: لأعلمكم بالله، وأخشاكم له) ومع ذلك كله كَانَ يتقرب بنفسه إِلَى الله وكان يبتغي إِلَى الله الوسيلة بكل ما تستجلب به مرضاة الله، وكل ما يؤدي إِلَى جنة الله ووعده، وبعث الله أنبياءه الكرام جميعاً ليعلموا النَّاس كيف يتوسلون إليه، وكيف يتوصلون إليه.
التوسل بمعناه العام
стр. 1148
وأعظم ما يُتوسل به إِلَى الله هو توحيده جل شأنه ثُمَّ يتوسل إليه بالعمل الصالح، وهذه هي الوسيلة العامة، أو الدعاء بمعناه العام، و (الدعاء هو العبادة) ، كما صح في الحديث عن النبي ﷺ ، فمن يعبد الله فهو يدعو الله، أو من يدعو الله، فهو يعبد الله ، فكل ما يريده الناس من قربة تقربهم إِلَى الله، أو يتطلعون إِلَى وسيلة تكون لهم زلفى عند الله ، فقد جَاءَ بها الأَنْبِيَاء والرسل، وامتن الله ﵎ بها عليهم، وهي أعظم ما امتن به، حتى أن الله لما قَالَ: الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:١-٤] في هذه الآيات جعل تعليم القُرْآن قبل خلق الإِنسَان لأن تعليم دين الله ، وما يقرب إليه سُبْحَانَهُ وما يهتدي به المهتدي إليه أعظم من كونه خلق الإِنسَان، وإلا فكم من مخلوق ليس بمهتد إِلَى اللهِ ولا يعرف الطريق إِلَى ربه لا فائدة في حياته، والأموات خير منه، وعدمه خير من وجوده أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:١٢٢] هذا هو المؤمن الذي أحياه الله وأنار قلبه بالإيمان والهدى، والقرآن، فهذا الدعاء بمعناه العام، والتوسل بمعناه العام، هو العبادة، ولهذا لا طريق للتوسل إِلَى الله إلا بما شرعه الله وبما أنزله عَلَى نبيه مُحَمَّدٍ ﷺ ، وما سنه رَسُولهُ ﷺ ، وما عدا ذلك فلا يوصل إِلَى الله، ولا يقرب منه بل هو طريق الضلال، والغواية وفي الأخير نهايته إِلَى النار، وإلى غضب الجبار، تَعَالَى وتقدس.
стр. 1149
لقد انحرف كثير من النَّاس في مفهوم التوسل فوقعوا في التوسل بذوات المخلوقين، حتى بلغ بهم الأمر أن عبدوا أُولَئِكَ المخلوقين، وما كَانَ غرضهم في الأصل إلا أن يتوسلوا بذواتهم أو يتقربوا بهم إِلَى الله .
شرك قوم نوح
أقدم شرك وقع في بني آدم هو شرك قوم نوح، وذلك بسبب هذا الأمر، أنه كَانَ يوجد فيهم عباد وأولياء صالحون، "ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسراً" كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في حديث ابن عباس، وهَؤُلاءِ الصالحون قال قومهم لما ماتوا: كيف نتذكرهم؟ وكيف نعبد الله مثل عبادتهم ونتقرب إليه مثل تقربهم؟ فلو صورناهم فتذكرنا عبادتهم وتقواهم، فعبدنا مثل عبادتهم واتقينا مثل تقواهم، فلما صوروهم، ونسخ العلم، وجاءت الأجيال بعد الأجيال نسيت القضية الأساسية وهي التذكر وأصبحت توسلاً، فَقَالُوا: نتقرب بهَؤُلاءِ إِلَى اللهِ، ثُمَّ أصبحوا يعبدونهم من دون الله ، ومن النَّاس من عبد الملائكة، ومنهم من عبد الكواكب، والهدف واحد مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] الآية. أي: جعلناهم واسطة بيننا وبين ربنا ، ووسيلة نتوسل بها إِلَى الله .
стр. 1150
ولما أن بعث الله نبينا محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق، ورفع راية التوحيد ونشرها في الآفاق، وحطم الله به الطواغيت والأصنام، وهدمت بيوت النار، وهدمت الصوامع الشركية وكل أنواع العبادات لغير الله بما قدَّر الله أن تصل إليه دعوة الإسلام؛ ظل أعداء الإسلام يكيدون لهذه الأمة وحرصوا عَلَى أن يعيدوها إِلَى ملة الجاهلية الأولى، وِإلَى التوسل، ودعاء غير الله، ودعاء الأموات، وعبادة الصالحين، يريدون أن يردوها إِلَى تلك القرون السحيقة، وكأن نوحاً لم يبعث ولا النبيون من بعده وآخرهم مُحَمَّد ﷺ .
العبيديون وإحداث بدعة التوسل
نستطيع أن نقول: إن أول من أحدث وأحيا عبادة القبور وبنى الأضرحة والقباب في دين الإسلام هم العبيديون المنتسبون زوراً وبهتاناً إِلَى فاطمة، وهذه الحركة الباطنية جزء من المجوسية الباطنية، أو من الباطنية التي كانت مكونة من اليهود والمجوس وأعوانهم، ممن أرادوا هدم الإسلام عن طريق هذه الحيلة العظيمة، وكتابهم الذين يرجعون إليه ويقتبسون منه، وينقلون منه، وأرادوا أن يجعلوه بديلاً عن القرآن.
стр. 1151
وهو عبارة عن خمسين رسالة كتبت عَلَى رأس الثلاث المائة، قيل: إنه بُدئ في كتابتها في أيام المأمون ولكن المترجح أنها عَلَى رأس الثلاث مائة وزيادة، وهي خمسون رسالة كتبت في الفلسفة، كل رسالة في موضوع معين من الموضوعات الفلسفية، مشتقة من الفلسفة اليونانية القديمة، ومن بعض فلاسفة الهند وفارس، وكانوا يرجعون إليها وينسجون عَلَى منوالها، ويهتدون بما فيها -وما فيها إلا الضلال- وهذه الرسائل سميت رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا وهي موجودة الآن ومطبوعة، وهي تشتمل عَلَى هذا الشرك ويقول أصحابها: وجدنا أننا ضعفاء عاجزون، ومذنبون، وأنه لا يمكن الوصول إِلَى الله مباشرة، فلا بد أن نتخذ بيننا وبينه الوسائل والوسائط نتوسل بها إليه ، وكلاماً هذا مجمل معناه، فأحيوا هذا الدين الفاسد وإلا فهو قديم من عهد قوم نو.
ولما أن سيطر هؤلاء العبيديون، وحكموا القسم الغربي من العالم الإسلامي -كما هو معلوم- فإن حكمهم بدأ من المغرب، من المدينة التي سماها أبو عبيد الله الشيعي بالمهدية في تونس، وهناك بدأت الدعوة ثُمَّ جاءوا إِلَى مصر، وكان قائدهمجوهر الصقلي، ففتحوا القاهرة، وفتحوا مصر، وفيها أسسوا قاعدتهم ومنها دخلوا إِلَى بلاد الشام، فاحتلوها حتى أنهم في فترة من الفترات، وصلوا بغداد وخطب لهم عَلَى منابر ببغداد في أيام وسط فترة خلافة الدولة العباسية.
حتى جَاءَ ملوك السلاجقة، فطردوهم عَلَى ما هو مفصل في التاريخ، فاحتلوا هذه المساحة الكبيرة من المغرب، ومصر والشام وكذلك الحجاز واليمن، وكان في القسم الشرفي الذي يشمل جنوب بلاد الشام وشرقيها وجنوب العراق، وبلاد فارس وشرق الجزيرة العربية كَانَ القرامطة وهم أيضاً عَلَى دين الباطنية، وأعلنوا الكفر بالله والشرك جهاراً نهاراً.
стр. 1152
وشرعت مسألة التوسل تطبيقاً لماشرعه أُولَئِكَ الكهنة أو الأحبار الذي كتبوا رسائل إخوان الصفا ففي مصر لما بنوا المدينة التي سموها القاهرة قالوا: نَحْنُ من آل البيت، وابتدعوا قولاً وهو أن رأس الحسين بن علي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما لما قتل في كربلاء أرسل إِلَى مصر، وليس لهذا ذكر في التاريخ، وليس له من مبرر، حتى قيل: إن إرسال رأسه من كربلاء إلى دمشق لم يحصل أصلاً، ولماذا يرسل رأسه هل للتأكد من موته؟ وهل هو إنسان مجهول حتى يعلم أنه مات أو لم يمت؟!
إن موت الكبراء والعظماء معروف سواء كانوا عَلَى حق أو عَلَى باطل، فزعموا وادعوا أنالحسين قد أرسل رأسه إِلَى مصر فقالوا: نتوسل إِلَى الله بالحسين، وبرأس الحسين ثُمَّ وضعوا أيضاً، مشهداً للسيدة زينب، وهذا للسيدة نفيسه وهكذا حتى يؤكدوا أنهم من آل البيت، وأنهم يعظمون ويحيون ما اندرس من شعائر الدين التي يستحقها أهل البيت، والتي يأذن بها ويشرعها أهل البيت، عملاً بما جَاءَ في كتب الرافضة -قبحهم الله- من كذب وافتراء عَلَى آل البيت أنهم هم الوسيلة إِلَى الله -كما في كتاب الكافي - فالأصل أن المنبع واحد، فهذا هو الذي أوجد قضية التوسل في العالم الإسلامي، وأصبحت بهذا الشكل المشاهد الآن.
فالرافضة رووا روايات -كما في الكافي - عن جعفر الصادق أنه قال (نَحْنُ آل بيت رَسُول الله، ونحن الوسيلة إِلَى الله، ولا وسيلة إِلَى الله إلا عن غير طريقنا أو من سوانا) فَقَالُوا: إذاً آل البيت هم الوسيلة إِلَى الله، وأولئك يزعمون أنهم من آل البيت فاتفقت الفكرة المجوسية القديمة، مع تلك الفكرة الرافضية التي منابعها وأصولها مجوسية أيضاً، والهدف من الجميع واحد وربما كَانَ المخطط أيضاً واحد، فهؤلاء أقاموا في بلادهم القباب والقبور وشيدوها وكذلك هؤلاء وكل ذلك بدعوى محبة آل البيت، وبهذه الطريقة انتشرت عبادة القبور.
الصوفية والتوسل
стр. 1153
تُعدُّ الصوفية الجناح الثالث الذي نشر هذه الفكرة باسم التوسل وتعظيم القبور، حتى أصبح الآن أنك إذا قلت: هذا صوفي، فمعناه: أنه يعظم الأموات والقبور، بينما كانت في الأصل الباطنية.
والقائمون اليوم عَلَى الأضرحة والمشاهد والقباب والقبور كُلهم من الصوفية، مما يدل عَلَى أن هناك أصلاً مشتركاً، كما أنهم يقولون: إن أصل التصوف هو عَلِيّ رضي الله تَعَالَى عنه، وأصل العلم الباطن هوعَلِيّ فكل دعاة الإلحاد والإفساد في دين الله دخلوا من باب التشيع ومن باب محبة آل البيت، إلا أنه وفي المرحلة الأولى، وأول ما وجدت هذه المشاهد كانت عَلَى أيدي العبيديون، الذين كانوا كما قيل فيهم: ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض، فأظهروا المولد وبنوا المساجد عَلَى القبور كما فعل النَّصَارَى الذين قَالَ فِيهمُ النبي ﷺ : (لعن الله اليهود والنَّصَارَى اتخذوا قبورا أنبيائهم مساجد) أو قَالَ: (كانوا إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا عَلَى قبره مسجداً) هذا ما فعله أُولَئِكَ وامتلأ به العالم الإسلامي.
الرافضة والتوسل
بعد أن انقرضت وهلكت دولة العبيدين عَلَى يد الأمير المجاهدصلاح الدين الأيوبي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الذي أفنى الله تَعَالَى بسيفه أُولَئِكَ المجرمين الزنادقة وأهلكهم وورث التركة الرافضة وورثتها الصوفية فيما بعد، فأما الرافضة فإنهم يعتقدون أن الوسيلة التي شرعها الله هي التوسل إِلَى الله بعبادة الذوات وبالأخص أهل البيت: علي، الحسن، الحسين، عقيل، وصاحب السرداب هذا المعدوم الموهوم وغيره.
стр. 1154
وتجدون ذلك في جميع كتبهم كما في كتابهم المسمى الجنان أو البستان وتعليق عَلَى البستان وأمثال ذلك، ففيها أدعية من أولها إِلَى آخرها ماذا يقال عند مشهد وقبر كل واحد منهم، حتى ألف أحدهم وهو من كبرائهم الخبيث المسمىابن المفيد ألف كتاباً سماه مناسك المشاهد فكما أن للحج والعمرة مناسك، فقد جعلت الرافضة مناسك لزيارة المشاهد وَقَالُوا: إن تربة قبر الحسين عندهم أفضل من الكعبة، وأن من جَاءَ لزيارة الحسين فهو أفضل من الحج إِلَى مكة، قيل: بسبع مرات، وقيل: بسبعين مرة، وقيل أضعاف ذلك، فهذا هو الرفض الأساسي، صرف النَّاس عن التوحيد وعن تعظيم ما عظم الله، فالله تَعَالَى شرع تعظيم شعائره، ومن شعائره تعظيم هذا البيت المحرم، وهذا الحرم الآمن فهم يريدون أن ينقلوا ذلك إِلَى غيره، فهم اتجهوا شرقاً، والعبيديون اتجهوا غرباً.
قبر الحسين عند الرافضة:
لقد أصبحنا نجد في مصر قبراً يقال له: قبر الحسين أو مشهد الحسين وهو من أكبر أماكن العبادة لغير الله، والعياذ بالله، كما يوجد في شمال أفغانستان في مدينة كبيرة مشهورة تسمى مزار شريف أي المزار الشريف وهو قبرُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، في بلد لم يصل أمير المؤمنين علي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وإنما المعروف المتواتر أنه قتل بالكوفة ودفن هنالك وجُهِلَ وخفي قبره.
ويحضر عنده الآلاف للحج كأنك ترى النّاس في منى أو في عرفة، وخاصة في فترات معينة من السنة، يحضرون من أفغانستان ومنباكستان ومن التركستان ومن مناطق عديدة، وترى النّاس وكأنك في المشاعر التي عظمها الله وقدسها وأمرنا أن نعظمها.
стр. 1155
وفي نفس الوقت تجد الحسين الذي قتل في كربلاء يعبد في مصر، ويعبد في دمشق ويعبد في العراق أيضاً، فكل يدعي أن الحسين قبر عندهم ولو ثبت أنه في مكان معين لما صح أن يعبد الله عند قبره فضلاً عن أن يعبده أو أن يدعوه من دون الله، ثم جَاءَ بعد ذلك دور التصوف لما ظهرت أعلام السنة، وأصبح كل من انتسب إِلَى الرافضة أو التشيع عرف الْمُسْلِمُونَ أنه عدو الله ولرسوله وللمؤمنين.
الحروب بين الرافضة وأهل السنة:
قامت الحروب المشتعلة في كل مكان بين الْمُسْلِمِينَ وبين هَؤُلاءِ الروافض، فعلى سبيل المثال في بغداد عاصمة العالم الإسلامي عاصمة الدنيا جميعاً في القرون الوسطى، كانت تنقسم إِلَى قسمين: الكرخ، والرصافة، ففي كتب التاريخ أن المعارك نشبت بين الكرخ وبينالرصافة، والشيعة في الكرخ وأهل السنة فيالرصافة، فأحياناًأهل السنة يهجمون عَلَى الكرخ ويحرقونهم.
وأحياناً يحرق أهل الكرخ الرصافة وهكذا طوال التاريخ، وهذه عاصمة الخلافة الإسلامية، وعاصمة الدنيا، وهذا الحال فيها، وكذلك كثير من البلدان، فعداوة الرافضة اتضحت وأُعِلَنت، فجاءوا من طريق آخر خفي وهو الأخبث، ولا يزال موجوداً إِلَى اليوم ينشر الشرك وهو الذي وَرِثَتهُ الصوفية عن الرافضة والباطنية.
стр. 1156
كتب أحد أساتذة التاريخ في جامعة القاهرة كتاباً كبيراً عنوانه السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة أثبت الكاتب فيه بالمصادر وبالتحليل أن المسألة تدبير وتخطيط لإعادة المجد العبيدي الفاطمي -كما يُسَمى- فهي مؤامرة للقضاء عَلَى الإسلام متلبسة بلباس أهل البيت ولكن عن طريق آخر غير صريح، ولا مباشر، وهذا هو طريق التصوف، ولهذا فالبدوي وأمثاله يدعون أنهم من أهل البيت، فكل من خرج وادَّعى وشرع طريقة من طرق الصوفية فهو من آل البيت، ولو كَانَ من أبعد بلاد الله تَعَالَى عن جزيرة العرب فضلاً عن أن يكون عربياً، فضلاً عن أن يكون من قريش، يختلقون له نسباً ويدَّعون أنه من أهل البيت لتتوطد تلك العلاقة التي يريدونها.
فذكر الكاتب كيف أن هذا البدوي وأمثاله خططوا لإعادة تلك الفكرة سواء عن طريق دولة تقوم أو عن طريق إحياء ذلك المبدأ وذلك الهدف الذي شرع، والغرض منه القضاء عَلَى الإسلام وأن ينقل الْمُسْلِمُونَ من دين الإسلام إِلَى دين الشرك وهم يظنون أنهم مسلمون، وبذلك يحقق أعداء الإسلام من اليهود والمجوس والنَّصارَى وأمثالهم المآرب التي يريدونها؛ لأنهم يعلمون أن هذه الأمة متى خرجت عن دينها وانحرفت، ومتى تعلقت بالأموات والقبور، فلن تقومَ لها قائمة، بل هي من ذُلٍ إِلَى ذُلٍ، ومن هزيمةٍ إِلَى هزيمةٍ، ومن ضياعٍ إِلَى ضياعٍ.
وإذا وحَّدت وآمنت واعتصمت بالله فإنها سوف تحقق الأعاجيب، وقد رأوا ذلك في تاريخهم القديم، وفي تاريخهم الحديث وهم جربوا ذلك وعرفوه بالتجربة.
стр. 1157
وذكر الكاتب كيف كَانَ الدعاة يأتون من المشرق والمغرب يهدفون جميعاً إِلَى شيء واحد، وكانت لهم صلة لا تخفى عَلَى كل من قرأ حياتهم بشياطين الجن، فكانوا هم شياطين الإنس، وأولئك هم شياطين الجن كما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:١١٢] .
فكانوا يستعينون بأولئك الشياطين ويدعون الكرامات والخوارق الكاذبة حتى سحروا ألباب النَّاس وسخروا من عقولهم، فغنموا الأموال والجاه والسلطة، وغنموا كل شيء باسم أنهم أولياء وأتقياء لله ، ومن أهل الدين، ومن أهل الولاية والقربة، فكان كثير منهم له غرض واضح في إقامة دولة مجوسية شيعية، والبعض الآخر لم يفكر في ذلك، أو لم يستطيع أن يفعل ذلك؛ لكنه اكتفى بغرض هدم الدين، وإخراج الْمُسْلِمِينَ عن الصراط المستقيم، وعن عبادة الله وتوحيده الذي هو أساس نجاحهم وسر حياتهم.
أثر هذه المخططات أيام الاستعمار
وقد ظهرت آثار هذه المؤامرات والاتصالات الخفية عندما جَاءَ الاستعمار، وإذا به يدس في أولئك من أوليائه وتكون الصلة بينهم وبينه، وما دخل الاإنجليز والفرنسيون بلداً، إلا ولهم أولياء وأصفياء مقربون من أهل تلك البلاد، ولذلك لما دخل الانجليز إِلَى الهند مثلاً ظهر الذي يسمى سيد أحمد خان، وجاء بدعوة جديدة، وظهر أيضاً في المقابل أحمد القادياني والكل يدعو إِلَى تعظيم الإنجليز وإلى محبتهم، وإلى ترك الخروج عليهم وعدم مجاهدتهم.
وهكذا ظهر من الباطنية سيف الدين الذي تنتسب إليه الفرقة السيفية من الباطنية التي لا تزال قائمة إِلَى اليوم، وقد أمَّده الانجليز وساعدوه وشجَّعوه في إحياء الباطنية من جديد، وكذلك الآغاخانية.
стр. 1158
وهكذا في كل بلد دخلها هَؤُلاءِ يمدون العلاقات والصلات مع الباطنية ومع الصوفية، فانتشرت هذه الضلالات وهذا الشرك في العالم الإسلامي تحت اسم التوسل، فإذا قلت لأحد منهم: لا تشرك بالله، لا تقل: يا علي، يا حسين، يا عباس، يا كذا! لا تدعوا غير الله فَيَقُولُ: أنا لا أشرك بالله بدعاء هَؤُلاءِ الأولياء والصالحين، بل هذا توسل والتوسل قد قال بعض العلماء: إنه بدعة، وقال بعضهم: لا بأس به فينقلك إِلَى خلاف العلماء، فهو يفعل التوسل الشركي، ويحاول أن يجعله من التوسل البدعي.
والتوسل البدعي هو الذي تكلم عليه المُصْنِّف ﵀ وسوف نشرحه بإذن الله؛ لكن رأينا أن أهم منه وأولى الحديث عن التوسل الشركي الذي ابتدأ منذ أن عبد الرجال الصالحون من قوم نوح، وانتهى بما ترونه اليوم مما يعبد في مشارق الدنيا ومغاربها من الأضرحة والقبور والأولياء بحجة واحدة وهي التوسل، وكثير من النَّاس أصحاب علم في تلك البلاد، وأصحاب عمائم ولديهم الباع الطويل في الفقه وفي غيره، ولكنهم واقعون في هذا الشرك والعياذ بالله ويبررونه ويفلسفونه، ويقولون: هذا هو التوسل، بل يسمون تلك الأماكن بالأماكن المباركة، المقدسة، الطاهرة، ويحرصون أن يُعقد الزواج في تلك الأماكن المقدسة، وأن تكون حلقات العلم في تلك الأماكن المقدسة، هكذا بلغ تقديسها وتعظيمها، وكأنك تقول أنت أيها المؤمن الموحد السني: إننا في بيت من بيوت الله أو في مسجد رَسُولِ اللهِ ﷺ أو في المسجد الأقصى، فالمساجد التي هي فعلاً بيوت الله، وقد أمر الله أن ترفع وأن تقَّدس وتعظَّم، وهي لا تعظم عندهم إلا إذا كَانَ فيها شرك.
стр. 1159
ولهذا فالعلامات كثيره والأمر واضح، وتجدون أن زعيم الباطنية الآغاخانية وزعيم الصوفية الجديدة وأمثالهم يتبرعون بتكاليف بناء المنابر والقباب -وبتجديدها وتلميعها- عَلَى الأضرحة وعلى المزارات التي يعبد فيها غير الله ، وينفقون عَلَى ذلك الأموال الطائلة، وتطلى بالذهب وبأفخر أنواع الرخام والفضة والخشب النادر الثمين، وأُولَئِكَ المغفلين السذج يتقربون إليها ويعبدونها.
فهذا كاتب مصري ليس من العلماء عاش مأساة هذه الأمور ثُمَّ هداه الله وعرف التوحيد عَلَى يد الشيخ مُحَمَّد جميل غازي كتب كتيباً صغير سماه اعترافات كنت قبورياً ذكر فيه أمور يتعجب منها القارئ، هذه الأمور التي ذكرها لا يصح معها دين ولا صلاة ولا صيام كيف يقبل عمله وهو يعتقد أن البدوي يرزق الولد، ويحفظه من الموت، فأي عبادة تقبل منه والله ﵎ يقول: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:٢٣] فإذا خاطبت هَؤُلاءِ الجهال احتجوا بالعلماء، وإذا ذهبت إِلَى العلماء قالوا: هذا توسل، نتوسل إِلَى الله، والشرك فقط أن تعتقد أن أحداً غير الله يؤثر في شيء من الأشياء، ونحن نعتقد أنه لا فاعل إلا الله ولا مؤثر إلا الله، فجعلوها جبرية محضة، وأثبتوا جزءاً من توحيد الربوبية، وليس هو توحيد الربوبية الحقيقي، وإنما هو ما ظنوه أو فهموا أنه هو التوحيد، وهو أن تعتقد أن الله خالق كل شئ وأنه الفاعل لكل شيء، وهذه عقيدة شركية باطلة، فمعنى من يعتقد أن الله هو الفاعل لكل شيء: أنه إذا زنى زان، أو شرب الخمر شارب، ماذا يُقال عَلَى اعتقادهم هذا عياذاً بالله؟ الجواب معروف يعتقدون المجاز؟ فهم يعبدون الأموات ويدعون غير الله الزمن الطويل ولا يعبدون ولا يدعون الله إلا قليلاً.
стр. 1160
فيقال لهم: لو كَانَ ذلك حقاً وأنكم ترون أن عين التوحيد وحقيقته هو ذلك، فلماذا تقولون إن البدوي حفظ الولد، فالبدوي لا يحفظه؛ لأنه لا فاعل إلا الله فالفاعل الحقيقي هو الله وهذا عَلَى سبيل التنزل معهم، ولكنَّ هذا من تلبيسات الشيطان، والله جعل ذلك فتنة للناس، وكما مر معنا أنه ما عُبدَ غيرُ اللهِ، ولا أُنكِرت صفاته، ولا أَلحدَ المُلحدون، ولا ابتدع المبطلون، إلا بشبهات وتأويلات.
أن مما يفسر به هَؤُلاءِ الصوفية والروافض قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:٣٥] قالوا: إن الله يأمرنا أن نبتغي إليه الوسيلة ومعنى ذلك أن نتخذ وسائل ووسائط من العباد لندعو الله عن طريقهم أو ندعوهم فإذا قال أحدهم: بجاه مُحَمَّد، أو بجاه الحسين، أو بجاه عَلِيٍّ، أعطني يارب كذا فَيَقُولُ: الآن اتخذت إِلَى الله الوسيلة، وهذا هو التوسل البدعي كما سنفصله إن شاء الله.
لكن أكثر ما يستخدمون هو الدعاء المباشر يا علي، يا حسين، يا بدوي، فإذا قلت لهم: كيف تدعون هَؤُلاءِ من دون الله، قالوا: هذا فقط مجرد وسيلة، فنحن لا نقصد الدعاء المباشر لهم، فسواء قلنا: يا علي، أو قلنا بجاه علي، أو يا مُحَمَّد أو بجاه مُحَمَّد كله واحد لأنه لا فاعل إلا الله، فنجدهم يلَّبسون فيجعلون التوسل الشركي بدعياً ثُمَّ يأتون للبدعي ويقولون: هذا هو الصحيح.
فتكون النتيجة: أنهم نقلوا الجماهير المغفلة المسكينة من الشرك الأكبر، إِلَى حقيقة التوحيد -في ظنهم وفي زعمهم- فيشركون بالله ليلاً ونهاراً وهم يحسبون أنهم يحسنون وأنهم يوحدون الله .
التوسل المشروع
وأعظم ما يكون به التوسل عند أهل السنة هو التوسل بتوحيد الله وبطاعته.
следующие страницы →