← Акыда

Акыда · id 2827

شرح العقيدة الطحاوية - سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

كتب أحد أساتذة التاريخ في جامعة القاهرة كتاباً كبيراً عنوانه السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة أثبت الكاتب فيه بالمصادر وبالتحليل أن المسألة تدبير وتخطيط لإعادة المجد العبيدي الفاطمي -كما يُسَمى- فهي مؤامرة للقضاء عَلَى الإسلام متلبسة بلباس أهل البيت ولكن عن طريق آخر غير صريح، ولا مباشر، وهذا هو طريق التصوف، ولهذا فالبدوي وأمثاله يدعون أنهم من أهل البيت، فكل من خرج وادَّعى وشرع طريقة من طرق الصوفية فهو من آل البيت، ولو كَانَ من أبعد بلاد الله تَعَالَى عن جزيرة العرب فضلاً عن أن يكون عربياً، فضلاً عن أن يكون من قريش، يختلقون له نسباً ويدَّعون أنه من أهل البيت لتتوطد تلك العلاقة التي يريدونها. فذكر الكاتب كيف أن هذا البدوي وأمثاله خططوا لإعادة تلك الفكرة سواء عن طريق دولة تقوم أو عن طريق إحياء ذلك المبدأ وذلك الهدف الذي شرع، والغرض منه القضاء عَلَى الإسلام وأن ينقل الْمُسْلِمُونَ من دين الإسلام إِلَى دين الشرك وهم يظنون أنهم مسلمون، وبذلك يحقق أعداء الإسلام من اليهود والمجوس والنَّصارَى وأمثالهم المآرب التي يريدونها؛ لأنهم يعلمون أن هذه الأمة متى خرجت عن دينها وانحرفت، ومتى تعلقت بالأموات والقبور، فلن تقومَ لها قائمة، بل هي من ذُلٍ إِلَى ذُلٍ، ومن هزيمةٍ إِلَى هزيمةٍ، ومن ضياعٍ إِلَى ضياعٍ. وإذا وحَّدت وآمنت واعتصمت بالله فإنها سوف تحقق الأعاجيب، وقد رأوا ذلك في تاريخهم القديم، وفي تاريخهم الحديث وهم جربوا ذلك وعرفوه بالتجربة.

стр. 1157

وذكر الكاتب كيف كَانَ الدعاة يأتون من المشرق والمغرب يهدفون جميعاً إِلَى شيء واحد، وكانت لهم صلة لا تخفى عَلَى كل من قرأ حياتهم بشياطين الجن، فكانوا هم شياطين الإنس، وأولئك هم شياطين الجن كما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:١١٢] . فكانوا يستعينون بأولئك الشياطين ويدعون الكرامات والخوارق الكاذبة حتى سحروا ألباب النَّاس وسخروا من عقولهم، فغنموا الأموال والجاه والسلطة، وغنموا كل شيء باسم أنهم أولياء وأتقياء لله ، ومن أهل الدين، ومن أهل الولاية والقربة، فكان كثير منهم له غرض واضح في إقامة دولة مجوسية شيعية، والبعض الآخر لم يفكر في ذلك، أو لم يستطيع أن يفعل ذلك؛ لكنه اكتفى بغرض هدم الدين، وإخراج الْمُسْلِمِينَ عن الصراط المستقيم، وعن عبادة الله وتوحيده الذي هو أساس نجاحهم وسر حياتهم. أثر هذه المخططات أيام الاستعمار وقد ظهرت آثار هذه المؤامرات والاتصالات الخفية عندما جَاءَ الاستعمار، وإذا به يدس في أولئك من أوليائه وتكون الصلة بينهم وبينه، وما دخل الاإنجليز والفرنسيون بلداً، إلا ولهم أولياء وأصفياء مقربون من أهل تلك البلاد، ولذلك لما دخل الانجليز إِلَى الهند مثلاً ظهر الذي يسمى سيد أحمد خان، وجاء بدعوة جديدة، وظهر أيضاً في المقابل أحمد القادياني والكل يدعو إِلَى تعظيم الإنجليز وإلى محبتهم، وإلى ترك الخروج عليهم وعدم مجاهدتهم. وهكذا ظهر من الباطنية سيف الدين الذي تنتسب إليه الفرقة السيفية من الباطنية التي لا تزال قائمة إِلَى اليوم، وقد أمَّده الانجليز وساعدوه وشجَّعوه في إحياء الباطنية من جديد، وكذلك الآغاخانية.

стр. 1158

وهكذا في كل بلد دخلها هَؤُلاءِ يمدون العلاقات والصلات مع الباطنية ومع الصوفية، فانتشرت هذه الضلالات وهذا الشرك في العالم الإسلامي تحت اسم التوسل، فإذا قلت لأحد منهم: لا تشرك بالله، لا تقل: يا علي، يا حسين، يا عباس، يا كذا! لا تدعوا غير الله فَيَقُولُ: أنا لا أشرك بالله بدعاء هَؤُلاءِ الأولياء والصالحين، بل هذا توسل والتوسل قد قال بعض العلماء: إنه بدعة، وقال بعضهم: لا بأس به فينقلك إِلَى خلاف العلماء، فهو يفعل التوسل الشركي، ويحاول أن يجعله من التوسل البدعي. والتوسل البدعي هو الذي تكلم عليه المُصْنِّف ﵀ وسوف نشرحه بإذن الله؛ لكن رأينا أن أهم منه وأولى الحديث عن التوسل الشركي الذي ابتدأ منذ أن عبد الرجال الصالحون من قوم نوح، وانتهى بما ترونه اليوم مما يعبد في مشارق الدنيا ومغاربها من الأضرحة والقبور والأولياء بحجة واحدة وهي التوسل، وكثير من النَّاس أصحاب علم في تلك البلاد، وأصحاب عمائم ولديهم الباع الطويل في الفقه وفي غيره، ولكنهم واقعون في هذا الشرك والعياذ بالله ويبررونه ويفلسفونه، ويقولون: هذا هو التوسل، بل يسمون تلك الأماكن بالأماكن المباركة، المقدسة، الطاهرة، ويحرصون أن يُعقد الزواج في تلك الأماكن المقدسة، وأن تكون حلقات العلم في تلك الأماكن المقدسة، هكذا بلغ تقديسها وتعظيمها، وكأنك تقول أنت أيها المؤمن الموحد السني: إننا في بيت من بيوت الله أو في مسجد رَسُولِ اللهِ ﷺ أو في المسجد الأقصى، فالمساجد التي هي فعلاً بيوت الله، وقد أمر الله أن ترفع وأن تقَّدس وتعظَّم، وهي لا تعظم عندهم إلا إذا كَانَ فيها شرك.

стр. 1159

ولهذا فالعلامات كثيره والأمر واضح، وتجدون أن زعيم الباطنية الآغاخانية وزعيم الصوفية الجديدة وأمثالهم يتبرعون بتكاليف بناء المنابر والقباب -وبتجديدها وتلميعها- عَلَى الأضرحة وعلى المزارات التي يعبد فيها غير الله ، وينفقون عَلَى ذلك الأموال الطائلة، وتطلى بالذهب وبأفخر أنواع الرخام والفضة والخشب النادر الثمين، وأُولَئِكَ المغفلين السذج يتقربون إليها ويعبدونها. فهذا كاتب مصري ليس من العلماء عاش مأساة هذه الأمور ثُمَّ هداه الله وعرف التوحيد عَلَى يد الشيخ مُحَمَّد جميل غازي كتب كتيباً صغير سماه اعترافات كنت قبورياً ذكر فيه أمور يتعجب منها القارئ، هذه الأمور التي ذكرها لا يصح معها دين ولا صلاة ولا صيام كيف يقبل عمله وهو يعتقد أن البدوي يرزق الولد، ويحفظه من الموت، فأي عبادة تقبل منه والله ﵎ يقول: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:٢٣] فإذا خاطبت هَؤُلاءِ الجهال احتجوا بالعلماء، وإذا ذهبت إِلَى العلماء قالوا: هذا توسل، نتوسل إِلَى الله، والشرك فقط أن تعتقد أن أحداً غير الله يؤثر في شيء من الأشياء، ونحن نعتقد أنه لا فاعل إلا الله ولا مؤثر إلا الله، فجعلوها جبرية محضة، وأثبتوا جزءاً من توحيد الربوبية، وليس هو توحيد الربوبية الحقيقي، وإنما هو ما ظنوه أو فهموا أنه هو التوحيد، وهو أن تعتقد أن الله خالق كل شئ وأنه الفاعل لكل شيء، وهذه عقيدة شركية باطلة، فمعنى من يعتقد أن الله هو الفاعل لكل شيء: أنه إذا زنى زان، أو شرب الخمر شارب، ماذا يُقال عَلَى اعتقادهم هذا عياذاً بالله؟ الجواب معروف يعتقدون المجاز؟ فهم يعبدون الأموات ويدعون غير الله الزمن الطويل ولا يعبدون ولا يدعون الله إلا قليلاً.

стр. 1160

فيقال لهم: لو كَانَ ذلك حقاً وأنكم ترون أن عين التوحيد وحقيقته هو ذلك، فلماذا تقولون إن البدوي حفظ الولد، فالبدوي لا يحفظه؛ لأنه لا فاعل إلا الله فالفاعل الحقيقي هو الله وهذا عَلَى سبيل التنزل معهم، ولكنَّ هذا من تلبيسات الشيطان، والله جعل ذلك فتنة للناس، وكما مر معنا أنه ما عُبدَ غيرُ اللهِ، ولا أُنكِرت صفاته، ولا أَلحدَ المُلحدون، ولا ابتدع المبطلون، إلا بشبهات وتأويلات. أن مما يفسر به هَؤُلاءِ الصوفية والروافض قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:٣٥] قالوا: إن الله يأمرنا أن نبتغي إليه الوسيلة ومعنى ذلك أن نتخذ وسائل ووسائط من العباد لندعو الله عن طريقهم أو ندعوهم فإذا قال أحدهم: بجاه مُحَمَّد، أو بجاه الحسين، أو بجاه عَلِيٍّ، أعطني يارب كذا فَيَقُولُ: الآن اتخذت إِلَى الله الوسيلة، وهذا هو التوسل البدعي كما سنفصله إن شاء الله. لكن أكثر ما يستخدمون هو الدعاء المباشر يا علي، يا حسين، يا بدوي، فإذا قلت لهم: كيف تدعون هَؤُلاءِ من دون الله، قالوا: هذا فقط مجرد وسيلة، فنحن لا نقصد الدعاء المباشر لهم، فسواء قلنا: يا علي، أو قلنا بجاه علي، أو يا مُحَمَّد أو بجاه مُحَمَّد كله واحد لأنه لا فاعل إلا الله، فنجدهم يلَّبسون فيجعلون التوسل الشركي بدعياً ثُمَّ يأتون للبدعي ويقولون: هذا هو الصحيح. فتكون النتيجة: أنهم نقلوا الجماهير المغفلة المسكينة من الشرك الأكبر، إِلَى حقيقة التوحيد -في ظنهم وفي زعمهم- فيشركون بالله ليلاً ونهاراً وهم يحسبون أنهم يحسنون وأنهم يوحدون الله . التوسل المشروع وأعظم ما يكون به التوسل عند أهل السنة هو التوسل بتوحيد الله وبطاعته.

стр. 1161

فمن أراد أن يتوسل إِلَى الله فهذا طريقه الذي أمر الله به أن تبتغى إليه الوسيلة هي: أن يطاع وأن يتقرب إليه بما شرع فهذا هو ابتغاء الوسيلة، وهذا هو توسل عباد الله الصالحين (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) [الإسراء:٥٧] في أنهم يعبدون الله ويتقونه ويخشونه، ولا يبتدعون في دين الله بل ولا يعصونه فيما هو أقل من ذلك. التوسل الشركي وأما التوسل الشركي فهو: أن يُدعي غير الله، وأن يستغاث بغير الله وأن يذبح وينذر لغير الله، أو أن يصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، ويُقَالُ: هذا واسطةٌ بيننا وبين الله، وهذا هو عين ما قاله المُشْرِكُونَ حينما قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] . التوسل البدعي وأما التوسل البدعي فهو أن يكون المدعو والمعبود هو الله عَلَى الحقيقة ولكن يتوسل إليه بذات من ذوات المخلوقين أو بجاههم، أو بعمل من الأعمال التي لا يصح التوسل بها، أو بحق من الحقوق فهذا هو التوسل البدعي، لأن لدينا قاعدة بسيطة سهلة يحفظها الجميع وهي أن كل عمل لم يعمله النبي ﷺ فهو بدعة، حتى ولو جَاءَ إنسان وقَالَ: هذا رَسُولُ اللهِ ﷺ وجاهه عند الله عظيم. فنقول: نعم، النبي ﷺ كذلك؛ لكن هل معنى ذلك أننا نسأل الله بذاته؟ هل ورد ذلك؟ هل فعل الصحابة ذلك بعد مماته؟ لا.

стр. 1162

ومن هنا نرجع إِلَى قضية الاتباع وليس الابتداع، فإذا وجدنا أن أصحاب النبي ﷺ بعد مماته توسلوا بذاته إِلَى الله، أو دعوا الله بذاته، فهم أولى النَّاس بالإتباع، وهم أعرف النَّاس بالدين، فنتبعهم وإن كانوا لم يفعلوا؛ بل بينوا لنا ما هو التوسل المشروع كما في قصة عُمَر ومعاوية مع العباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم، عرفنا ما هو التوسل المشروع وما هو غير المشروع. قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وأما الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره في الدنيا إِلَى الله تَعَالَى في الدعاء، ففيه تفصيل: فإن الداعي تارة يقول: بحق نبيّك. أو بحق فلان، يقسم عَلَى الله بأحد من مخلوقاته، فهذا محذور من وجهين: أحدهما: أنه أقسم بغير الله. والثاني: اعتقاده أن لأحد عَلَى الله حقاً، ولا يجوز الحلف بغير الله، وليس لأحد عَلَى الله حق إلا ما أحقه عَلَى نفسه، كقوله تعالى: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧] وكذلك ما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ لمعاذ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وهو رديفه يا معاذ، أتدري ما حقُّ الله عَلَى عباده؟ قال: قلتُ: الله ورسوله أعلم. قَالَ: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. قال: أتدري ما حقُّ العباد عَلَى الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قَالَ: حقهم عليه أن لا يعذبهم) . فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق لا أن العبد نفسه مستحق عَلَى الله شيئاً كما يكون للمخلوق عَلَى المخلوق، فإن الله هو المنعم عَلَى العباد بكل خير، وحقهم الواجب بوعده هو: أن لا يعذبهم، وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن يقسم به، ولا أن يسأل بسببه، ويتوسل به، لأن السبب هو ما نصبه الله سبباً] اهـ. الشرح:

стр. 1163

الاستشفاع بالنبي ﷺ له صور وحالات، فبعض الناس يدعو الرَّسُول ﷺ أو غيره مباشرة، فيقولون: الشَّفَاعَة يارَسُول الله! أو الشَّفَاعَة يا ابن عباس، أو يا حسين، أو يا عَلِيّ، أو يا جيلاني، أو يا بدوي أو غير ذلك، وهذا ما يكون دارج عَلَى ألسنة كثير من النّاس عافانا الله وإياكم من الشرك، فهو يطلب الشَّفَاعَة من غير الله طلباً صريحاً. هل من استشفع بغير الله قصده أن يدعو الله من المعلوم أن من دَعَا غيرَ اللهِ مباشرةً، فلا مجال لقول المتمحلين أو الملبسين: أن هذا إنما قصده أن يدعو الله، ولكن دعا ذلك الرجل ليقربه من الله. وإذا قلنا: إن هذا يحتمل أنه إنما أراد أن يقول: يا الله، ولكن سأل أو دعا غير الله، لقرب ذلك المدعو منه، فهذا من التوسط فقط. ولو قلنا بذلك لفسدت العقيدة والدين بل وتفسد اللغة العربية وأساليب العرب، فمثلاً: إذا كَانَ اسمك محمد، واسم ابنك علي، فلو قلت عَلَى سبيل المثال: يا علي فأجاب فتقول له: أنا لم أقصدك، وإنما أقصد أباك، فيقول الأب: أنا اسمي محمد، فأقول له نعم أنت اسمك محمد، ولكن هذا علي ولدك فأنا أدعو ولدك وأقصدك فهل هذا الكلام يعقل؟ فاللغة والمعاني تختل ويصبح ليس هناك عقل مميز، لأن القرب -كما تعلمون- درجات فالنبي ﷺ أقربُ الخلقِ إِلَى اللهِ وهم مُتوسلون به ﷺ ، وقد يتوسلون بأبِي بَكْرٍ وعُمَر، وهما أقل بلا شك في القرب من الرَّسُولِ ﷺ ، وقد يتوسلون برجل في القرن العاشر أو الثامن أو الرابع عشر أو الخامس عشر، وإذا قيل لهم: هذا شرك، قَالَ: أنا لم أقصد هذا، إنما أقصد "يا الله"، لكن هذا مقرب عند الله.

стр. 1164

وهذا الكلام لا يقوله عاقل أبداً، ولو فتشنا لغة العرب من أولها إِلَى آخرها لما وجدنا عَلَى الإطلاق ما يؤيد هذا الكلام ولا ما يشهد له، فإن العرب وإن كَانَ في كلامها ما يسمى مجازاً أو استعارة وما يسميه غيرهم: أسلوباً من أساليب العرب في الفصاحة والبلاغة، لا بد لهذه الأساليب من رابطة، ومن علاقة واضحة محددة ومفهومة، أما مجرد أن تدعو فلاناً وتقول: أنا لم أقصده وإنما أقصد غيره فهذا لا يمكن. فكيف بالله -ولله المثل الأعلى- فالفرق بينه وبين قرب كل أحد منه وبين قرب أي مخلوق من مخلوق فرقٌ بعيد جداً؛ لأن الكل بالنسبة إِلَى الله عبد فقير محتاج مضطر بالذات إِلَى اللهِ ، فمهما كانت درجته، ومهما كَانَ قُربهٌ من اللهِ، فهو مُفتقر إليه لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، حتى رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا يملك لأحدٍ من الناسِ، بل هو ﷺ والملائكة والأنبياء يدعون الله ، وينكسرون بين يديه ويطلبون منه أن يقضي حوائجهم من جلب نفع أو دفع ضر. ولهذا قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:٥٧] فالأنبياء يتوسلون إِلَى اللهِ تَعَالَى ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، ولا يملكون جنة، ولا يدفعون عن أنفسهم ولا عن أحد النَّار أبداً، فهذا هو الأصل. فمن قَالَ: إنه يدعو ذلك لقربه من الله، أو لعلاقة ما بينه وبين الله، ويدعو ذلك دعاءً صريحاً، ويزعم مع ذلك أنه إنما يدعو الله؛ فهذا شرك أكبر، ومهما تمحل من الاعتذار لشركه بأنه يقصد كذا أو كذا فهذا مما لا تقره الأساليب العربية، ويعرف ذلك كل من عرف لغة العرب وأساليبهم.

стр. 1165

هذا هو النوع الأول، وهو شرك أكبر، ولذلك كَانَ هو التوسل الشركي، أو هو نوع من أنواعه. دعاء الله تعالى بواسطة غيره من البشر يقول المصنف: [وأما الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره في الدنيا إِلَى الله تَعَالَى في الدعاء، ففيه تفصيل، فإن الداعي تارة يقول: بحق نبيك، أو بحق فلان] في هذه الصورة من صور الاستشفاع وهي: أن أحداً لا يقول: يا رَسُولَ اللهِ! اشفع لي، ولكن يقول: يارب! بحق نبيك، أو بحق فلان من الصالحين أعطني أو أدخلني الجنة، أو يدعو بما شاء، متوسلاً بحق أي إنسان ولو كَانَ رَسُولُ الله ﷺ ، فهو يقسم عَلَى الله بأحد من مخلوقاته فهذا محذور من وجهين: [أحدهما: أنه أقسم بغير الله] وذلك حينما قَالَ: "بحق فلان" كائناً من كان فلان، وكما سيذكر بعد ذلك في حكمه. [والثاني: اعتقاده أن لأحد عَلَى الله حقاً ولا يجوز الحلف بغير الله] هذا إبطال للعلة الأولى. وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) . والشرك ينقسم إِلَى قسمين: ١- الشرك الأكبر: الذي يخرج صاحًبه من الإسلام عافانا الله وإياكم. ٢- الشرك الأصغر: وهو ما كان دون ذلك، إلا أنه من أكبر الكبائر، فهو أكبر من الزنى ومن شرب الخمر، ومن اللواط، ومن كل معصية لم يسمها الله تَعَالَى ورسوله شركاً. درجات المعاصي المعاصي عَلَى ثلاث درجات: النوع الأول: وهو أكبر الكبائر، وهو الشرك بالله الذي يخرج بصاحبه من الملة، وهو المعصية الكبرى التي لا يغفرها الله أبداً إلا لمن تاب منها. والنوع الثاني: المعاصي التي لا تخرج صاحبها من الملة، ولكن سماها الله ورسوله شركاً أو كفراً، فهذه أكبر مما دونها.

стр. 1166

والنوع الثالث: المعاصي المعروفة، التي هي الكبائر والصغائر، التي لا يخفى أمثالها عَلَى أحد. الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر سميت المعاصي التي لا تخرج صاحبها من الملة شركاً تعظيماً لشأنها، وأنها أقرب شيء إليه، ولأن علاقتهما به واضحة، وهي أكبر في درجة المعصية من مجرد المعاصي، لأن النبي ﷺ سمى الرياء: الشرك الأصغر حينما قال لأصحابه: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فلما سئل عنه؟ قَالَ: الرياء) . أما الذين هم خارجون من الملة، يتقربون لغير الله، ويعبدونه رأساً من اللات أو العزى أو فرعونأو الأحبار أو الرهبان أو كائناً من كان، فهَؤُلاءِ يدعونه رأساً. أما المرائي فإنه يعبد الله من أجل غير الله، فهذا قريب ويلتحق بذلك، وهو أكبر من مجرد المعصية، ولهذا سمي شركاً وهو أصغر؛ لأنه لا يخرج من الملة. فمثلاً: الحلف بغير الله لا بد أن نفصل فيه: فإذا حلف بغير الله، معتقداً أن للمحلوف به ما لله ﵎ من التعظيم والمقام والقدر فسوى بين الله وبين أحد من خلقه، فهذا شرك أكبر يخرج صاحبه من الملة من أجل ذلك الاعتقاد فهذا اللفظ يعبر عن اعتقاد، وبمجموعهما خرج من الملة، أو فبالاعتقاد وحده وإن لم يحلف يخرج من الملة، لأن من ساوى بين الله وبين أحد من خلقه في الاعتقاد فقد خرج من دين الإسلام. خطورة الشرك

стр. 1167

لقد مقت الله الْمُشْرِكِينَ، وكتب وأوجب عليهم الخلود ولعنهم من أجل الشرك، كما ذكر الله تَعَالَى في القُرْآن في سورة الأنعام في موضعين منها حقيقة ما يفعله المُشْرِكُونَ، فَقَالَ في أول آية: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:١] والعدل في اللغة العربية معناه: التسوية أو المساواة، فكان العربي إذا ركب البعير أو الدابة وضع هاهنا حملاً وهاهنا حملاً فتعادل، فلا يميل أحدهما عَلَى الآخر. قَالَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي: يساوون، وجاء في آخر السورة أيضاً وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:١٥٠] وهذا العدل الذي جَاءَ في سورة الأنعام جَاءَ في سورة الشعراء مُعبراً عنه بكلمة أخرى هي التسوية كما قال تعالى: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الشعراء:٩٧] لماذا استوجبتم النَّار؟ عافانا الله وإياكم من ذلك، يقولون: إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:٩٨] فالعدل والتسوية هي الشرك بالله ، ويكون العدل، وتكون التسوية، كما بين ذلك في سورة البقرة فقَالَ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:١٦٥] عدلوا بالله غيره وسووا بين الله وبين وغيره في المحبة التي هي أساس كل الأعمال، ومن ساوى بين الله وبين أحد من خلقه في المحبة والتعظيم والإجلال، اللذان لا ينشأن إلا عن محبة.

стр. 1168

فقد اتخذ من دون الله أنداداً بل حتى الخوف الحقيقي الذي هو خوف العباد لا يكون إلا من خوف المحبة وكذلك الرجاء الحقيقي لا ينشأ إلا عن المحبة، فالمحبة أساس كل عمل من الأعمال بحيث لو أن أحداً أبغض الله، أو أبغض رسوله ﷺ ، أو أبغضَ شيئاً مما جَاءَ به رَسُول الله ﷺ فإنه يخرج من الدين نسأل الله العفو والعافية. والبغضُ هنا بغض اعتقاد لا مجرد غلبة النفس، أو عدم رغبتها، فالمقصود أن من حلف بغير الله، أو ساوى الله تَعَالَى بغيره، وعادله بالله، في التعظيم والإجلال فإنه يكفر -والعياذ بالله- ولا يكون مؤمناً قط وإن عمل ما عمل من الطاعات لأن الله ﵎ قال: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:٢٣] ولا ينفع الْمُشْرِكِينَ أي عمل وإنما من فضله وعدله أنه لا يظلم أحداً، فيعجل لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ويعطيهم بها الذكر الحسن، أو الصحة أو العافية أو المال، أو ما يشاؤون في هذه الحياة الدنيا، أما يَوْمُ القِيَامَةِ فلا يجدون شيئاً عَلَى الإطلاق؛ لأنه لا أساس لهذه الطاعات من توحيد الله، فكل ذلك قد محقه الشرك وأذهبه. التسوية مع التعظيم "شرك أكبر" هناك صور أشنع ممن عظَّم غير الله تعظيماً مساوياً لتعظيم الله وهو أن من يعتقد أن لغير الله من التعظيم أعظم مما لله عياذاً بالله، كمن يُحْلَف له بالله فلا يُصدِق، أو يحلف هو بالله، فلا يُصدَق فيحلف له بالشيخ فلان فيصدق ذلك، فلما أن جعل الشيخ آخر شيء؟! دل عَلَى أن الشيخ ليس بعده احتمال ولا ملجأ، فقد حلف حتى بالشيخ، وفي أول مرة حلف بالله، ولم يصدقه، وفي الأخير يقول: أخذنا معه حتى حلف بالشيخ، أي: ليس وراء الحلف بالشيخ أي شيء والعياذ بالله.

стр. 1169

إذاً: الأكثر تعظيماً هو هذا الشيخ، فهَؤُلاءِ الأمر عندهم ليس مجرد تسوية أو عدل، بل أكثر من ذلك فهم عكس من قَالَ اللهُ فيهم: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:١٦٥] . الحلف بغير الله عادة أو وراثة "شرك أصغر" الحالة الثانية: أن يحلف الرجل بغير الله، إما عادة تعودها أو وراثة ورثها، أو سبق لسانه إِلَى ذلك مع خلو القلب من اعتقاد أن ذلك الإِنسَان مثل الله أو أنه أحب إِلَى الله، فهذا هو الشرك الأصغر، ونعود إلى القاعدة السابقة: فمعصية سُميت شركاً هي أكبر من معصية لم تسم شركاً. ولهذا قال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: " لأن أحلف بالله كاذباً، أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً " انظروا إِلَى فقه الصحابة الكرام ومعرفتهم للتوحيد، ولهذا نقول: هذا هو الأثر والثمرة والبركة، ومن أثر ذلك: نصر الله الصحابة الكرام، فقد رفعهم في الدنيا قبل الآخرة، لأنهم عرفوا الله ولم يدعو إلا إِلَى توحيد الله، ووحدوه، وعبدوه عَلَى علم وبصيرة وبينة. حكم اليمين الغموس أما حكم الحلف بالله كاذباً فهذه هي اليمين الغموس، وهي كبيرة من الكبائر التي ورد التغليظ فيها، ولا يغرنكم ما هو رائج في النَّاس اليوم، فإن ما وقعت فيه الأمة من المصائب والدواهي فهي أكثر من أن تحصر، ولا سيما ما يتعلق بالتجار، يحلف ليروج سلعته، وأن هذا أفضل نوع، وأن رأس ماله كذا، وما أشبه ذلك.

стр. 1170

فالحلف الكاذب وهو أحد الثلاثة الذين َلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ -والعياذ بالله- لأنك حلفت عَلَى أمر من أمور الدنيا وكلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة فلا يستحق أن تحلف كاذباً بربك العزيز الجبار المتكبر ، حتى أن المشترين أصبحوا لا يبالون بالأيمان؛ لأنهم تعودوا أن يحلفوا بغير الله كذباً، فترى الواحد يتناقض بيمينه في نفس اللحظة، فنحن تهاونا بها لكنها في الحقيقة غموس تغمس صاحبها في النَّار ولا كفارة لها إلا ذلك، وهذا مما يخطئ فيه بعض العوام والواجب عَلَى طلاب العلم أن يعلموا النَّاس أن الكفارة لا تكون إلا عَلَى فعل شيء مستقبل، وقد أرشد النبي ﷺ إلى الحل وهو: إذا حلف أحدكم ورأى غيرها خيراً منها، فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير. فمن أقسم أنه لا يأكل نوع من الطعام، أو أنه لا يفعل عمل من الأشياء الحلال، وإِنْ كَانَ هذا العملُ وَاجِبَاً، فهذا أشد بلا شك وأوجب لأن يكفر عن يمينه بأن يطعم عشرة مساكين أو كسوتهم من أوسط ما يطعم أهله فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيام هذا في اليمين المنعقدة التي يعقدها الإِنسَان عازماً عَلَى أمر ما، لكن إذا نوى الكذب وأن يحلف عَلَى شيء ليس له أصل، فهذه تسمى اليمين الغموس، ولا كفارة لها إلا النار، إلا إذا تاب، فالله ﵎ يقبل التوبة عن عباده مما هو أكبر من ذلك وهو الشرك. ضرورة معرفة حقيقة ألفاظ الشارع

стр. 1171

إذا حلف الرجل بالولي فلان، وقال: إنني أعطيتك كذا، وقَالَ: أنا صادق فيما أحلف، نقول: القضية ليست في الكذب أو الصدق، لأننا خرجنا الآن من قضية المعاصي إِلَى مبحث آخر أهم وأكبر وهو أنك فعلت ما سماه الله ورسوله شركاً، فلا ننظر إِلَى كونه وقع أو لم يقع، وإنما ننظر إِلَى ذات اللفظ حين حلفت وأقسمت بغير الله، وهذا لا يجوز بأي حال من الأحوال، ومثل ذلك: الحديث الصحيح الثابت عن عبد الله ابن مسعود ﵁ يقول النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) كما نطبق ذلك عَلَى نفس الدرجات الثلاثة. هل قوله: (قتاله كفر) تعني: من قتل، أو قاتل مسلماً كفر وخرج من الملة؟ لا، فاللهُ تَعَالَى قَالَ: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:٩] فكون الإِنسَان قَتَلَ أو قَاتَلَ مؤمناً، لا يعني أنه قد خرج من الملة، لكن هذا الذنب عظيم لأن الرَّسُول ﷺ سماه كفراً، إذاً عندنا الكفر الحقيقي وعندنا ما سمي كفر هو أعظم من ما لم يسمَّى كفر، وهكذا فإذا قلت: إنَّ السبَّ مجرد فسق، فقد قال النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق) فإذا آذيته فهذا فسق؛ لكنك إذا قاتلته أو قتَلْتَهُ فهذا كفر كما سماه الرَّسُول ﷺ ؛ لذلك فهو جريمة أكبر وأشنع مما سبق، وهذا فعل الكفار، فلا يقتل الْمُسْلِمِينَ إلا الكفار -وإن كنا لا نخرجه من الملة- فهو إن قتلهم قال: أنا مسلم، وكفى بالله زَاجِرَاً لِمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ ورَسُولِهِ واليَومِ الآخِرِ. فلو قال قائل قال النبيُّ ﷺ : (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) هل هو مثل القتل، أم لا؟ الجواب: لا، وهو من ناحيتين:

стр. 1172

أولاً: أن ترك الصلاة قد دلت الأدلة وأجمع الصحابة -ولا يعتد بخلاف من خالف بعد إجماع الصحابة- عَلَى أن تارك الصلاة كافراً كفراً يخرج من الملة. والشيء الثاني: -كما في نفس اللفظ- فرق بين قوله: (قتاله كفر) ، وقوله: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) الكفر المعرف هذا غير قوله: (قتاله كفر) . ولهذا يجب أن نفهم ألفاظ ديننا فبعض النَّاس يخلط بين هذا وذاك، تجده لا يفقه نصوص الوعيد، ولا يفقه كلام العلماء، فإذا قال العلماء: هذا الفعل شرك، قَالَ: أنت تحكم عَلَى هَؤُلاءِ بأنهم مشركون، وفرق بين قوله: (هذا الفعل شرك) وبين قوله: (هَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ) ، فلهذا لا مجال للغلو فيه كما فعلت الخوارج حين جعلوا مجرد ارتكاب المعصية كفراً، وهذا لا يجوز لأنه من المروق في الدين والغلو فيه، ولا مجال أيضاً للاستهانة بالأوامر، وبما حرم اللهُ وارتكاب حدود الله بحجة أن هذه لا تخرج من الملة؛ بل يجب أن نعرف حقيقة وعيد الشارع وألفاظ الشرع ونتقيد بها، وتظهر مقتضياتها في حياتنا, هذا الوجه الأول. الوجه الثانية: اعتقاد ذلك الذي يقول "بحق نبيك أو بحق فلان" أنَّ لأحدٍ عَلَى الله حقاً، يقتضي أن يدعوه وأن يسأله به، فجعل ذلك الحق من الوجوب والتأكيد كما لو كَانَ من أسماء اللهِ وسيبدأ المُصْنِّف بالموضوع من أوله وسيأتي بتفصيل كلام العلماء في كلمة "الحق" وما تحتمله من معاني. كلمة " بحق فلان " وضلال المعتزلة فيها

стр. 1173

نبدأ بقضية الحق من أولها، لأن هذه الكلمة لا يعرفها النَّاس حق المعرفة، عندما نقول: "حق فلان عَلَى الله"، أو "حق فلان عند الله" والمعتزلة تَعرِفون ضلالهم وهو قولهم: إنه يجب عَلَى الله أن يعاقب المسيء نعوذ بالله كيف يجرأ لسان أو فم أو قلب أن يوجب عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ شيئاً الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، والذي عنده خزائن كل شيء وله الأمر والخلق، ولا معقب لحكمه ولا رادّ له ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ومع ذلك يقولون: يجب. ولهذا كما سبق لما أنكروا الشَّفَاعَة، قالوا: كيف نثبت الشَّفَاعَة في إنسان عصى الله وتذهب المعصية هكذا، لا، بل يجب عَلَى الله أن يعذبه -والعياذ بالله- وهَؤُلاءِ حجروا رحمة الله، وهو قد كتبها وجعلها سابقة لغضبه. فيقول المُصْنِّف ﵀: ليس لأحد عَلَى الله حق إلا ما أحقه عَلَى نفسه، ولا يفرض أحد عليه حقاً، بل هو من كمال عدله جعل ذلك وإلا لو شاء لفعل غير ذلك، ومن الذي يحاسبه أو يؤاخذه أو يقول: لم فعلت؟ لا أحد، فكل الخلق نواصيهم بيده .

стр. 1174

ثُمَّ من هذا الذي عَبَدَهُ فاستحقَّ بعبادته أن يكون له حق واجب عَلَى الله ، فلو نظرنا إلى هذا العابد: من الذي خلقه وهداه وأطعمه وسقاه وقواه وعلمه هذه العبادة؟ لوجدنا أنَّهُ اللهُ ، إذ الفضل أولاً وأخيراً لله وحده، فمن أين يكون لأحد حق عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ؟ لكن مِنْ رحمةِ اللهِ وفضله وعدله وهو الذي لا يظلم أحداً، وأخبرنا بذلك ويخاطبنا بهذا النداء ونحن العبيد الضعفاء المخلوقين: (يا عبادي: إني حرّمتُ الظلم عَلَى نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) فلو أن من يظلمون خلق الله بأي نوع من أنواع الظلم، فطنوا إِلَى هذا المعنى الذي يقوله الله تَعَالَى في هذا الحديث القدسي، حرَّمَ الظلم عَلَى نفسه. فهل يرضى منك أيها المخلوق أن تظلم مخلوقاً غيرك، وقد حرمه الذي له الفضل عَلَى كل أحد من كل وجه، وفي كل لحظة؟! لا والله؛ لكنهم ما قدروا الله حق قدره، ولم يعلموا عقوبته، ولهذا تجد الْمُسْلِمِينَ يفتري بعضهم عَلَى بعض، ويظلم بعضهم بعضاً عافانا الله وإياكم.

стр. 1175

والله تَعَالَى هو الذي أوجب عَلَى نفسه وحرم عَلَى نفسه ما يريد فَيَقُولُ: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:٤٧] وقَالَ: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً [النساء:١٢٢] وقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران:٩] فإذا وجدنا أناساً غير منصورين -كحالنا نَحْنُ الْمُسْلِمِينَ اليوم- فمعنى ذلك أنا لسنا بمؤمنين إيماناً نستحق به الوعد كما قال تعالى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:١٣٩] وفي الواقع اليوم الْمُسْلِمُونَ هم من أرذل الأمم إن لم يكونوا أرذلها في المجامع والمحافل العالمية، لأننا لسنا من الإيمان بالصفة التي نستحق أن نكون بها الأعلين، ويقول الله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء:١٤١] ونجد الآن أن الكفار متسلطين عَلَى المؤمنين، لأنهم ليسوا من الإيمان بحيث يستحقون ذلك، وهكذا قس ما شئت، والحديث الثابت في الصحيحين لما قال ﷺ لمعاذ: يا معاذ أتدري ما حق الله عَلَى عباده؟ قَالَ: قلت: الله ورسوله أعلم. قَالَ: حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً) . وأعظم حق له جل شأنه عَلَى عبيده هو التوحيد قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:١٥١] الآية. أو وصية من الوصايا: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً؛ ولهذا لما رتب الله الحقوق جعل أعظم حق هو التوحيد، وقال بعد ذلك: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً لأن الحق الثاني بعد حق الله حق الوالدين. ثُمَّ قال ﷺ : (أتدري ما حق العباد عَلَى الله إذا فعلوا ذلك؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم. قَالَ: حقهم عليه أن لا يعذبهم)

стр. 1176

فجاءت هنا كلمة "الحق"، فمعنى ذلك كما يقول المصنف: [فهذا الحق وجب بكلماته التامة، ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه مستحق عَلَى الله شيئاً، كما يكون للمخلوق عَلَى المخلوق] فالمخلوق ممكن أن يستغني عنه ولكن لا غنى للمخلوق عن الله . التوسل المشروع وهو ماذكر في الفقرة الثالثة، وهذا النوع من التوسل لا خلاف فيه وَلله الحمد بين العلماء بل هو الذي ينبغي أن نتوسل به إِلَى الله تَعَالَى بعد توسلنا إليه بأسمائه الحسنى. كما علَّمنا ربنا ﵎ وأخبرنا عن حال أولي الألباب الذين قالوا: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران:١٩٣] وهذا العمل الصالح هو أعظم الأعمال، كما ثبت عن النبي ﷺ لما سئل أي العمل أفضل؟ قَالَ: (إيمان بالله وبرسوله) فهذا هو العمل المتوسل به والمطلوب في هذا التوسل هو رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [آل عمران:١٩٣] ومثل هذا في القُرْآن والسنة كثير، وسوف نذكره إن شاء الله في موضعه. والمقصود أنه يبقى نوعان من التوسل هما اللذان فيهما الإجمال أو الإشكال، النوع الأول كقوله: "اللهم بحق نبيك" أو "بحق الشيخ فلان" أو "بحق الوالي فلان"، وهو يقصد بذلك: أن يقسم عَلَى الله تعالى بهذا المتوسل به، وهذا فيه محذوران كما تقدم، ويأتي بعد ذلك إن شاء الله تفصيل الكلام في النوع الثاني. يقول المُصْنِّف ﵀: [فإن الله هو المنعم عَلَى العباد بكل خير، وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم وترك تعذيبهم معنىً لا يصلح أن يقسم به، ولا أن يسأل بسببه ويتوسل به؛ لأن السبب هو ما نصبه الله سبباً] .

стр. 1177

والمقصود بهذا النوع في الحديث: (لا يعذبهم) من حقق كمال اليقين وكمال الإخلاص، وفي الوقت نفسه لم يأت بكبائر الذنوب التي تضعف ذلك وتوهنه. والأحاديث التي وردت في فضل قول: "لا إله إلا الله" عَلَى نوعين: النوع الأول: التي تدل عَلَى أن من قال: "لا إله إلا الله" عَلَى الروايات المطلقة، والروايات المقيدة (خالصاً من قلبه) أو (غير شاك) ، وأمثالها دخل الجنة. والنوع الثاني: التي تدل عَلَى أن من قال: "لا إله إلا الله" حرم الله عليه النَّار كما في حديث عتبان الطويل وفيه (فإن الله حرم عَلَى النَّار من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) . والوعد بدخول الجنة ليس معناه أنه لا يدخل النَّار إذ يحتمل أن يدخل النار، ثُمَّ يخرج منها، لأنه من أهل التوحيد -كما سبق معنا في أبواب الشَّفَاعَة الماضية-، أما النصوص التي جاءت بتحريم النَّار عليه كما في قوله: (فإن الله قد حرم النار) وقوله: (إلا غفرت لك ولا أبالى) وأمثال ذلك مما جَاءَ فيمن حقق التوحيد فإنها تفيد معنى آخر. وهو أن الذي حرم الله تَعَالَى عليه النَّار لاشك أن توحيده ويقينه وإخلاصه وصدقه أعظم من ذلك الذي جَاءَ فيه الوعد بأنه يدخل الجنة. وحديث معاذ قوله: (حقهم عليه أن لا يعذبهم) من النوع الثاني ومثل حديث عتبان رضى الله تَعَالَى عنه الذي يفيد أن من حقق التوحيد يحرم عَلَى النار، وهذا كما ذكر شَيْخُ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀: أن هذا الذي شهد أن لا إله إلا الله، وأتي بهذه الشهادة مع اليقين والإخلاص والصدق، ولم يأتِ معها بسيئات تضعفها أو توهنها، وهذا يحتمل في حقه حالتين: الحالة الأولى:

стр. 1178

أن يكون شهد أن لا إله إلا الله بهذا اليقين والإخلاص والصدق وحقق سائر الشروط، ثُمَّ ظلَّ يقوي إيمانه ويجاهد نفسه وكلما أرادت نفسه أن تضعف درجتها ومنزلتها في التوحيد والإيمان قواها، فلقي الله وهو لم يزل عَلَى تلك القوة في الإيمان وفي تحقيق الشهادة، فلذلك حَرُمَ عَلَى النَّار. الحالة الثانية: ارتكب المعاصي ثُمَّ حقق شروط التوحيد: كمن ارتكب من الموبقات والذنوب والمعاصي ما شاء الله ، وعند قرب الموت تاب توبة نَصوحاً، وشهد أن لا إله إلا الله بيقين وصدق وإخلاص، وحقق شروطها، لقي ربه وهو لم يقارف ما يوهنها من كبيرةٍ أو إصرارٍ عَلَى صغيرة، فهذا حاله يكون من النوع الأخير وهو الذي (حرم الله عليه النَّار) ومن هذه الطائفة السبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وهَؤُلاءِ هم قمة وذروة من حقق التوحيد من المؤمنين، وبهذا نعرف حقيقةُ مذهبِ السلف الصالح رِضْوُانُ اللهِ تَعَالَى عليهم، ومباينته لما كَانَ عليه الخوارج والمعتزلة من جهة، والمرجئة من جهة أخرى، عافانا الله وإياكم من الضلال. التوسل الممنوع ثُمَّ يقول المصنف: [لأن السبب هو ما نصبه الله سبباً] أي: أن السبب هو ما جعله الله ﵎ سبباً، لا ما يتوهمه النَّاس سبباً، فترك تعذيب أهل التوحيد معنى من المعاني لم يجعله الله تَعَالَى سبباً من الأسباب التي نتوسل بها إليه، بل هو مسألة أجنبية بعيدة فقول القائل: "بحق فلان" أو "بجاه فلان" أما النبي ﷺ فله جاه عند الله ﵎ ومنزلة عظيمة، لكن هذا القائل أجنبي عن هذا الجاه وعن هذه المنزلة.

стр. 1179

وقد وعد اللهُ تَعَالَى أهل الخير والصلاح والتقوى بالأجر العظيم، فما شأن هذا القائل عندما يتوسل إِلَى ربه بمنزلة غيره؟! وما العلاقة؟! لِمَ يسأل الله بعمل غيره والله جعلنا جميعاً عبيداً له، وافترض علينا عبادته وطاعته، وجعل لنا أسباباً مشروعة هي الوسيلة إليه ، وأمرنا أن نبتغي إليه الوسيلة بها، وهي توحيده جل وعلا وطاعته، وشرع لنا ما نتوسل به إليه وهي أسماؤه الحسنى، وكذلك الأعمال الصالحة عَلَى ما يأتي تفصيله إن شاء الله، ولكن المقصود هنا أن السبب هو ما جعله الله تَعَالَى سبباً لا ما جعله النَّاس أو توهموه أنه سبب، وهذا من القول عَلَى تَعَالَى بغير علم، أن يظن بعض النَّاس أن منزلة فلان عند الله تشفع للأجنبي فلان بن فلان!! أما إذا قال قائل: "اللهم إني أتوسل إليك بمحبتي أو باتباعي لرسولك ﷺ " لم تعد القضية علاقة أجنبية؛ بل أصبح هناك رابطاً لأن اتباعه ومحبته للرَسُول ﷺ من عمله، وهو في هذه الحالة يتوسل إِلَى ربه بعمله الذي عمله، وهو محبته له ﷺ واتباعه له، وهذه هي الوسيلة المشروعة التي شرعها الله ﵎، والتي وصف بها أولياءه في القُرْآن بأنهم يتوسلون إليه بالإيمان به وبطاعته. قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وكذلك الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد رضى الله عنه عن النبي ﷺ في قول الماشي إِلَى الصلاة (أسألك بحق ممشاي هذا، وبحق السائلين عليك) فهذا حق السائلين، هو أوجبه عَلَى نفسه، فهو الذي أحق للسائلين أن يُجيبهم، وللعابدين أن يُثيبَهم، ولقد أحسن القائل: ما للْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌ وَاجِبٌ كَلاَّ وَلا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ

стр. 1180

إنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أو نُعِّمُوا فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الكَرِيمُ السامِعُ فإن قيل: فأيُّ فرقٍ بين قول الداعي: (بحق السائلين عليك) وبين قوله: (بحق نبيك) أو نحو ذلك؟ فالجواب أن معنى قوله: (بحق السائلين عليك) أنك وعدت السائلين بالإجابة، وأنا من جملة السائلين، فأجب دعائي، بخلاف قوله: بحق فلان، فإن فلاناً وإن كَانَ له حقٌ عَلَى الله بوعده الصادق، فلا مُناسبة بين ذلك وبين إجابة دعاء هذا السائل: فكأنه يقول: (لكون فلانٍ من عبادك الصالحين أجب دعائي) وأي مناسبة في هذا وأيُّ ملازمة؟ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء، وقد قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:٥٥] وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة، ولم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين، ولا عن أحدٍ من الأئمة رضى الله عنهم، وإنما يُوجَد مثل هذا في الحُروز والهياكل التي يكتبها الجُهَّال والطُّرقية. والدعاءُ من أفضلِ العبادات، والعباداتُ مبناها عَلَى السنة والاتباع، لا عَلَى الهوى والابتداع] اهـ. الشرح: هذا الحديث أخرجه الإمام أَحْمَد في المسند وكذلك ابن ماجه عن فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد والحديث في إسناده كلام. الكلام على الحديث سنداً أولاً: فُضيل بن مرزوق ضعيف. ثانياً: فيه عطية العوفي، وفيه يقولُ شَيْخُ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ: "إنه ضعيف باتفاق العلماء" أي: أنه لم يوثقه أحد من العلماء إلا الحافظ ابن حجر ﵀ قَالَ: "إنه صدوق كثير الخطأ والأوهام"، ثُمَّ قَالَ: "كان شيعياً مدلساً"، وكيف كان مدلساً؟

стр. 1181

ذكر ذلك الشيخ الأرناؤوط ناقلاً عن ابن حبان قوله -وهو من كلام الإمام أَحْمَد عندما سُئل عن عطية - قَالَ: سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث، فلما مات جعل يجالس الكلبي ويحضر قصصه، وكان الكلبي من القصاص المشهورين بذلك، فإذا قال الكلبي: قال رَسُول الله ﷺ بكذا، فيحفظه عطية ورواه عن الكلبي مكنياً له بأبي سعيد فَيَقُولُ: عطية حدثنا أبو سعيد والنَّاس يعلمون أنه لقي أبا سعيد الخدري الصحابي المشهور رضى الله تَعَالَى عنه، بينما هو في الحقيقة رواه عن أبي سعيد الكلبي. وهذا نوع من شر أنواع التدليس؛ لأنه بمنزلة الكذب فهو يوهم السامع بأنه رواه عن ذلك الصحابي وأن الحديث محفوظ ومتصل وهو في الحقيقة ليس كذلك. وكفى بهذا الطعن رداً لهذا الحديث، والحديث لم يأت إلا من هذه الطريق، فهو لا يصح. الكلام عليه متناً ثُمَّ نقل المُصْنِّف ﵀ كلام شَيْخِ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ الموجود في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة قَالَ: [فإن قيل: فأي فرق بين قول الداعي " بحق السائلين عليك " وبين قوله: "بحق نبيك أو نحو ذلك" فالجواب أن معنى قوله: " بحق السائلين عليك" أنك وعدت السائلين بالإجابة وأنا من جملة السائلين] نفترض صحة الحديث، فإذا سأل العبد الله تَعَالَى بعمل عمله هو ويظن عند نفسه أن هذا العمل خالص لِوجه الله ، وأنه خرج من بيته متطهراً يبتغي وجه الله، ورضوانه، إِلَى بيت من بيوت الله فيتوسل إِلَى الله بهذا العمل فَيَقُولُ: "أسألك بحق مماشى هذا" فهو يسأل الله بعمل له صالح.

стр. 1182

ثُمَّ يقول: [وبحق السائلين عليك] ، وهو أحد السائلين، وعطفهم عَلَى عمله الذي عمله بنفسه فهذا لا يماثل من قَالَ: "أسألك بحق فلان" لأنه كما ذكر المُصْنِّف هنا لا مناسبة ولا ملازمة ولا علاقة بين هذين الأمرين فيقول المصنف: ففي قوله:"أسألك بحق ممشاى هذا وبحق السائلين عليك" هذا حق السائلين هو الذي أوجبه سبحانه عَلَى نفسه فهو الذي أحق لهم أن يجيبهم، وللعابدين أن يثيبهم. والمصنف ﵀ بنى الكلام عَلَى أساس افتراض صحة الحديث، والحديث غير صحيح فكلام المُصْنِّف هنا يجب أن يعلق عليه بأن الحديث غير صحيح وأن هذا الكلام عَلَى فرض صحته زيادة من علماء السنة رحمهم الله تَعَالَى في نفي أي استدلال لأهل البدعة بأي وجه من الوجوه، فأجابَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ بهذا الكلام الذي لخصه المُصْنِّف هنا: وهو أن الحديث لا دلالة فيه حتى عَلَى فرض صحته، ثم ذكر في ذلك قول الشاعر: ما للْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌ وَاجِبٌ كَلاَّ وَلا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ نعم، ليس لأحدٍ من الخلق عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ حق واجب، وكذلك لا سعي ضائع لأحد منهم، لأنه لا يظلم مثقال ذرة كما قَالَ: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء:٤٠] وقال أيضاً: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [الأنعام:١٦٠] فهذا ميزانه ، وهذه معاملته لعباده: "إن عذبوا فبعدله" فالله لا يظلم مثقال ذرة ولن يعذب الله ﵎ أحداً، إلا وهو مستحق لذلك. فإن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله ، فهو الذي أعطاهم الهداية، وهو الذي وفقهم لكل خير وصلاح.

стр. 1183

فالخير من الله ، وهو الذي أعطى الإِنسَان خلقه، وعافاه وهداه للإيمان، وأنعم عليه بنعمه ظاهرةً وباطنه، فإذا عبده العبد، أو أطاعه بأي أمر من الأمور فالفضل له أولاً وآخراً . ولو أن الله ﵎ لم يجعل لعباده من الجزاء والإفضال مقابل ما يقدمونه من طاعات إلا ما أنعم به عليهم من النعم في هذه الحياة الدنيا، لكان الفضل أيضاً لله ؛ لأن عبادةَ هَؤُلاءِ الخلق لا تكافئ أن تكون مقابل بعض نعمه التي تفضل بها عليهم، فكيف وهو جل شأنه الذي يمد الإِنسَان بالقوة والعافية والهداية، ثُمَّ يثيبه عَلَى ما يعمل من طاعات، وَهو الذي وفقه لها بجنةٍ عرضها السماوات والأرض خالداً فيها أبداً، هذا غاية الكرم ولا أحد أكرم منه فلهذا قال الشاعر: إنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أو نُعِّمُوا فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الكَرِيمُ السامِعُ ولو أنه قَالَ: "وهو الكريم الواسع"، لكان أولى من ناحية المعنى لأن الواسع ورد في القُرْآن إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:١١٥] وهو سامع أيضاً ، لكن ما دام أن القافية تصح مع ما ورد فأظن أن ذلك أولى. فإن قيل: فأي فرق بين قول الداعي: "بحق السائلين عليك" وبين قوله: "بحق نبيك" وأهل البدعة يأتون بمثل هذا الحديث. ويقولون: "إن الشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب ﵀ قد ذكر هذا الحديث في كتابه آداب المشي إِلَى الصلاة فالشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب يقر التوسل الذي -أنتم أيها الوهابيه - تنكرونه وتسمونه بدعياً"! فأنتم حتى خارجون عن الوهابية. وهذا الذي يريد أهل البدع أن يقولوه، وقد ذكر شَيْخ الإِسْلامِ عَلَى فرض صحة الحديث أن هناك فرق بين قول القائل "بحق السائلين عليك" وبين قوله: "بحق نبيك" ﷺ أو "بحق فلان من الناس".

стр. 1184

يقول المصنف: [فالجواب أن معنى قوله "بحق السائلين عليك" أنك وعدت السائلين بالإجابة وأنا من جملة السائلين فأجب دعائي] فهو في حالة سؤاله يسأله بحق السائلين، وهو منهم فهو لم يسأل بأجنبي، فَيَقُولُ: إنما أنا من جملة السائلين فأجب دعائي، فهنا صلة بين المتوسَّل به، وبين المتوسِل. أما قوله: " بحق فلان أو بحق فلان من النَّاس " فإن فلاناً وإن كَانَ له حق عَلَى الله بوعده الصادق فإنه لا مناسبة بين حق فلان الذي وعده الله تَعَالَى به وبين الداعي، ولهذا بين المُصْنِّف أن هذا الداعي المبتدع كأنه يقول: [لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعائي] وهذا حقيقة ما يريدون أن يقولوه، ولا ملازمة، ولا مناسبة، ولا علاقة بين هذا وبين ذاك، فعباد الله الصالحين كثر، فمنهم الملائكة المقربون عنده، ومنهم الأَنْبِيَاء والرسل والشهداء وعباد الله الصالحين، وكلهم عبيد لله ، كما قَالَ: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً [مريم:٩٣] فهذا هو حالهم جميعاً وهذا السائل من جملة المطالبين بالعبودية لله، والعبد مطلوب منه أن يعبد الله، وأن يتوسل إليه بما شرع من أعمال الخير، والطاعات وعلى رأسها التوحيد وعدم الابتداع. ثُمَّ قال المصنف: [وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء، وقد قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:٥٥]] . ووجه الاعتداء فيه أنه دعا بأمر غير مشروع وجعل سبباً لم يجعله الله ﵎ سبباً، وتوسل بما لم يجعله الله ﵎ وسيلة.

стр. 1185

ثُمَّ يقول: [وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين، ولا عن أحد من الأئمة رضى الله عنهم] وهذا صحيح، فلا يوجد نقل صحيح يُثبت ذلك، وإنما نقل من بعض الكتب التي تروي الموضوعات أو الواهيات كما ورد شيء من ذلك في كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم، وفي تاريخ ابن عساكر. وذكر بعضاً منها شَيْخُ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رحمه الله تَعَالَى في كتابه قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة وبين وجه بطلانها، وعدم صحتها، كما ينقل عن عبد الله بن الزبير أنه قَالَ: أسألك بحرمة هذا البيت العتيق وبحق الطائفين أن تزوجني فلانة، وهذه الرواية بعينها لم تصح، وغير هذا مما هو مشهور في كتب الأدب، ولا يصح ولا يمكن أن يحصل هذا عن أحد من السلف وإن حصل فالعبرة بما صح عن النبي ﷺ ، وأهل البدع يتمسكون بمثل هذه الأمور ليوقعوا النَّاس في الشرك الأكبر. ثُمَّ يقول ﵀: [وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتبها الجهال والطرقيه] ، ومثل هذا مما هو موجود في كتب السحر والشعوذة التي فيها الاستعانة والاستعاذة والاستغاثة بمردة الشياطين وملوكهم والتقرب إليهم بأنواع العبادات -عافنا الله من ذلك- وإذا كَانَ مَنْ يتوسل بحق النبي ﷺ ، أو بحق أي رجل صالح يكون توسله بدعياً، لا يصح ولا يُقبل الدعاء به! فما بالك بمن يتوسل بالشياطين المردة، الذين يتقرب إليهم هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ بأنواع من العبادات التي لا تجوز إلا لله ؟! وإذا سُئِلَ هذا المشرك المتقرب إِلَى هَؤُلاءِ الشياطين ماذا تفعل؟ قَالَ: هذا خادم لي أو هذه خادمة -أي: الشيطان- ولو سُئِلَ الشيطان المارد أيضاً لقال: هذا خادم لي -يعني: الإنسي- فكل منهما يخدم الآخر هذه هي الحقيقة.

стр. 1186

ولهذا في يَوْمِ القِيَامَةِ إذا تجلت الحقائق، وانكشفت ولم يعد هنا مجال للكذب، والإنكار والافتراء فإنهم يقولون: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ [الأنعام:١٢٨] ، وكما هو ملاحظ أنه كلما كثرت عبودية، وتعلق النَّاس بهَؤُلاءِ -الذين يسمونهم سادة أو أولياء وهم مشعوذون دجالون- تكثر الأمراض ويكثر دخول الجن في بني آدم ويكثر أذية الجن للناس لأنهم يزيدونهم رهقاً وخوفاً، وأذىً، حتى ظفر أُولَئِكَ بمزيدٍ من العبودية لأوليائهم الذين هم واسطة بين هَؤُلاءِ النَّاس المخدوعين العوام، وبين ذلك الطاغوت من طواغيت الجن الذي يعبد ويعظم من دون الله . مروجو الأدعية المبتدعة هدموا العقيدة والحياة الطرَّقية: نسبة إِلَى الطرق، والطرق الصوفية من أسباب تدهور الْمُسْلِمِينَ في العقيدة؛ وفي الحياة والعلم؛ لأن الإيمان بهذه الحروز والهياكل يدمر العقيدة فيجعل الإِنسَان مشركاً يعبد ويخاف، ويرجو غير الله، ويقضي كذلك عَلَى الحياة؛ لأن الله شرع لنا الأسباب التي بها ندفع العدو، وبها نتقي الأمراض، فالأمة التي لا تتعلق بهذه الخرافات تقوي نفسها وتعد ما استطاعت من قوة لمواجهة عدوها، وكذلك تتعلم ما ينفعها من العلوم كالطب وأمثاله، لكن عندما لجأوا إِلَى هَؤُلاءِ الطرُّقية أصبحوا يستدفعون الأعداء، ويستجلبون النصر عليهم بهذه الحروز والهياكل، فلا إعداد بعد ذلك ولا جهاد ولاصناعة حربية! لأن الأمر بيد هَؤُلاءِ الشياطين والعفاريت! فإذا قدم عليهم عدو توسلوا بقبر فلان ولاذوا بالولي فلان: كما قال قائلهم: يا خائفين من التتر لوذوا بقبرأبي عمر

стр. 1187

ويأتي هولاكو بجيش عرمرم ويفعل تلك المجزرة الرهيبة، ويأتيقازان ومن بعده بجيوش يدكون بها بلاد الْمُسْلِمِينَ، وهَؤُلاءِ يقولون: إذا خفتم من التتر لوذوا بقبر أبي عمر! وما ذلك إلا لأنهم تركوا ما أمروا به وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:٦٠] . هكذا أمر الله عباده المؤمنين وهكذا كَانَ أصحاب النبي ﷺ من بعده يمتثلون ذلك، فلم يكونوا يعلقون أحرازاً وتمائم ولو كانت من القرآن؛ لأنهم يعلمون أن هذه أمور لا تجوز ولأنها دمار الحياة والعقيدة. وعندما تفشت الأمراض بين الْمُسْلِمِينَ في العصور الأخيرة كالجدري وغيره من الأوبئة وكانت تأخذ من النَّاس بالآلاف وربما بالملايين لم يأخذ الْمُسْلِمُونَ بالأسباب المشروعة كالأدعية الصحيحة، أو الرقى المشروعة، أو تعلم الطب الصحيح أو غيرها بل لجأوا إِلَى أصحاب الأحراز والهياكل، وتعلقوا بما يعطونهم من حروز وهياكل، بل واتبعوهم وامتثلوا أوامرهم التي تجانب الكتاب والسنة صراحة. قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [وإن كَانَ مراده الإقسام عَلَى الله بحق فلان فذلك محذور أيضاً؛ لأن الإقسام بالمخلوق عَلَى المخلوق لا يجوز فكيف عَلَى الخالق؟ وقد قال ﷺ : " من حلف بغير الله فقد أشرك " ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه ﵃: يكره أن يقول الداعي أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام ونحو ذلك حتى كرهأبو حنيفة ومحمد ﵄ أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، ولم يكرهه أبو يوسف ﵀ لما بلغه الأثر فيه، وتارة يقول: بجاه فلان عندك، أو يقول: نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك.

стр. 1188

ومراده لأن فلاناً عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا. وهذا أيضاً محذور، فإنه لو كَانَ هذا هو التوسل الذي كَانَ الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم، وهم يؤمِّنون عَلَى دعائه، كما في الاستسقاء وغيره. فلما مات ﷺ قال عُمَر ﵁ لما خرجوا يستسقون: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. معناه: بدعائه هو ربه وشفاعته وسؤاله، ليس المراد أنا نقسم عليك به، أو نسألك بجاهه عندك، إذ لو كَانَ ذلك مراداً لكان جاه النبي ﷺ أعظم وأعظم من جاه العباس] اهـ. الشرح: صور التوسل تنحصر في ثلاث صور إما أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بحق نبيك، أو بجاه نبيك مثلاً، أو بجاه فلان من النَّاس عندك. وإما أن يقول: أسألك باتباعي لنبيك، أو بمحبتي له.

стр. 1189

وسبق أن قلنا: إن الإِنسَان إذا قَالَ: اللهم بحق نبيك، هكذا مجملة من غير أن يأتي بالفعل "اعطنا كذا" "اغفر لي" -أو بحق أي مخلوق- يحتمل الأمر وجهين: أن يكون سؤالاً وأن يكون إقساماً، فعلى هذا يكون الجاه "بحق" متعلقة بأي شيء لنقدر الفعل "أسأل" فكأنه قَالَ: اللهم إني أسالك بحق فلان، وإذا كانت كذلك كَانَ الاحتمال الآخر فكان الجاه متعلقه بفعل هو "أقسم" فكأنه يقول: أقسم عليك يا ربي بحق فلان، سواءً كَانَ ذلك النبي ﷺ أو غيره، أما إذا كَانَ الإقسام سؤالاً بالحق كَانَ يقول رجل: اللهم إني أسألك بحق نبيك مُحَمَّد ﷺ أو بحق فلان من النَّاس عندك أن تغفر لي فهذا الوجه من التوسل البدعي إذ لا مناسبة ولا علاقة بين كون هذا الرجل له حق عند الله ، وبين أنك أنت ذلك الأجنبي البعيد تدعو الله أو تسأله بحق فلان عندك، ما العلاقة بينك وبين فلان؟ فاللهُ تَعَالَى له عباد طائعون وله عباد عاصون، وله أولياء وله أعداء، ويجازي هذا بطاعته وبتقربه ويجازي ذلك بمعصيته. فما العلاقة أن مقصراً أو عاصياً يقول: يا رب! أسألك بحق فلان -عبدك الذي أطاعك- أن تغفر لي. ما العلاقة بينهما؟ إن هذا الشيء محذور وبدعي؛ لأنه لا يثبت أصلاً لأحد عَلَى الله حق، وإنما كتب الله ذلك عَلَى نفسه، وجعله حقاً يجازي به ذلك المحسن، فما علاقة المسيء الذي يريد أن يدعو ربه من خلال حق فلان عنده؟ هذا هو الوجه الأول.

стр. 1190

وقد استطرد المُصنِّفُ في الكلام السابق وتعرض لحديث: (أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين) وقد بينا أن هذا الحديث لا يحتج به ولا يثبت بحال من الأحوال، وعلى تقدير ثبوته فإنه لا وجه فيه للاستشهاد، لأن قوله: (بحق ممشاي وبحق السائلين) يدخل في عمل العبد نفسه، وأنه عمل المشي، وهو من جملة السائلين فهذا لا يدخل ولا يصلح دليلاً لما يستدلون به عَلَى جواز أن يقول الإِنسَان: أسألك بحق فلان؛ لأن كون الإِنسَان من جملة المجاهدين أو الحاجين أو المصلين، ويسأل الله ﵎ بذلك، هذا أقرب إِلَى أن يكون التوسل مباحاً؛ لأنه هو الذي عمل هذه الطاعة فهو يرجع في الحقيقة إِلَى النوع الثالث المباح الذي سوف نبينه إن شاء الله، وهو أن يسأل الله بالعمل الصالح، أو باتباع النبي ﷺ ومحبته، وهذا لا خلاف في جوازه، بل هذا هو كل العبادة وهذه حقيقة العبادة، وهي ابتغاء الوسيلة إِلَى الله ﵎. ثُمَّ ذكر المُصنِّفُ أن هذه الأدعية البدعية توجد في الحروز والهياكل التي يكتبها الجهال والطرُّقية وسبق أن التوسل الموجود فيها هو في الحقيقة من النوع الشركي؛ لأنه توسل بأسماء مجهولة، وهي في الغالب أسماء شياطين من الجن، يتقرب إليهم أصحاب الهياكل والحروز بهذه التوسلات، وغيرها من أنواع التعبدات، في مقابل أن يقدموا لهم أي خدمة، كَانَ يدخلوا في إنسان ثُمَّ يتركوه، أو يعطوه أمراً كخبر عن غائب، المهم أن يخدموه في أي قضية من القضايا التي هي من باب الاستمتاع الذي ذكره الله ﵎. الدعاء من أفضل العبادات

стр. 1191

ختم المُصْنِّف هذه الفقرة بقوله: [والدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها عَلَى السنة والاتباع، لا عَلَى الهوى والابتداع] وحينما يكون دعاء أكثر الْمُسْلِمِينَ الذين وقعوا في هذه البدعة "اللهم وبجاه نبيك" أو "بحق نبيك" كلما جلس أو قام، وكلما تذكر أن له حاجة، يتحول الأمر إِلَى اعتداء وابتداع، في حين أن الأدعية المشروعة المأثورة في القُرْآن والسنة كثيرة جداً، ومع ذلك فالدعاء المباح بابه واسع. وكون الدعاء من أفضل العبادات يدل له أن النبي ﷺ قَالَ: (الدعاء هو العبادة) فحقيقة العبادة بجميع أنواعها هي التقرب إِلَى الله لنيل رضاه واجتناب سخطه هذه هي: التي من أجلها يسعى الساعون جميعاً، من الأَنْبِيَاء والملائكة إلى أدنى عباد الله، هذا هو غايتهم، إذاً فالدعاء هو العبادة، والعبادة هي الدعاء في حقيقتها. والله ﵎ هو الذي شرع لنا الدين، وأمرنا بعبادته، وجعل لنا هذا الطريق المشروع الواضح إليه، وأرسل رسله ليبينوه، فهل يضيِّقون علينا طريق دعائه، وطريق الوسيلة إليه، فلا يكون إلا عن طريق التوسل بالذوات المخلوقة، قلنا: هذا لا يمكن. وقد ذكر الشيخ مُحَمَّد الأمين الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان هَؤُلاءِ الجُّهال عند تفسير قوله تَعَالَى من سورة المائدة: أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:٣٥] قَالَ: وليست الوسيلة ما يزعمه جهال الملاحدة من الصوفية وأمثالهم أنها الواسطة، وبين أن من الوسيلة هي: العمل الصالح فقوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ أي: تقربوا إليه وتوسلوا إليه بما شرع. وكما بين المصنف: أن العبادات مبناها عَلَى السنة والاتباع فنتقرب إليه ونتوسل إليه بالاتباع بما شرع، لا بالأهواء والبدع.

стр. 1192

ثم انتقل المصنف ﵀ إلى الاحتمال الثاني: وهو أن يقول الرجل: اللهم بحق فلان أعطني كذا، أو اللهم بحق نبيك محمد ﷺ اغفر لي ذنبي أو اشفِ مريضي أو ما أشبه ذلك، فإذا قالها هذا الرجل، وهو يقصد الإقسام على الله بحق النبي ﷺ ، أو بحق أي مخلوق يظن أنه من الأولياء لله المقربين عنده . يقول المصنف: [وإن كان مراده الإقسام على الله بحق فلان فذلك محذور أيضاً؛ لأن الإقسام بالمخلوق لا يجوز فكيف على الخالق؟] أي أن مجرد أن يقسم إنسان بأي شيء مخلوق لا يجوز، بل هو شرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، فكيف إذا كان الإقسام على الله؟! فإنه يتضاعف الإثم والكبيرة، ومن ذا الذي يقسم على الله ويتألى عليه بحقه أو بحق أحد من خلقه، هذا فيه زيادة اعتداء فهو يجمع بين أنه إقسام وحلف بغير الله، وبين ما فيه من الاعتداء، وهو أنه على الله لا على أحد من خلقه، يقول: [وقد قال ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك) ] أو فقد: (فقد كفر) على روايتين، وبيِّنا أن الحالف بغير الله ﵎ إن كان معتقداً تعظيم المحلوف به ومساواته بالله تعالى، وأنه يقسم به لأنه في منزلة من التعظيم، كما لو أقسم بالله فهذا يكون من الشرك الأكبر، لأن هذا هو العدل والتسوية والندِّية التي ذكرها الله في قوله تعالى: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً [البقرة:١٦٥] ، وفي الآية الأخرى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:١] .

стр. 1193

وفي الآية الثالثة إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِين [الشعراء:٩٨] فالمصيبة التي وقع فيها المسلمون في هذا الباب: أنهم أصبحوا يحلفون بالولي أو بالشيخ، مع اعتقاد أن له التصرف في الكون، وأنه يضر أو ينفع؛ بل يعتقدون أنه يحيي ويمت -عياذاً بالله- ويوردون ذلك في أخبارهم عندما يتحدثون عن كرامات الشيخ وعن أحواله، أنه أحيا، وأنه أمات، وأنه اطلع على اللوح المحفوظ، وأنه تصرف في الكون إلى آخر ذلك، فلو حلف أحد بالشيخ على هذا الاعتقاد فيكون هذا النوع من الشرك الأكبر، أما الشرك الأصغر فهو شرك الألفاظ، وندِّية الألفاظ كـ (الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: ما شاء الله وشئت فقال رسول الله ﷺ : أجعلتني لله نداً؟) ، هذا لم يجعله لله نداً في الخلق والرزق والإحياء والإماتة وتدبير الأمر ولا شيء من ذلك، وإنما قرنه في اللفظ بواو العطف فقال له النبي ﷺ : (أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله، ثم شئت) و"ثم" للتراخي تفيد أن المعطوف غير الغاية المعطوفة عليه ومتراخية عنه، لكن الواو للمصاحبة والمساواة فجعله النبي ﷺ نوعاً من الندِّية فقال: (أجعلتني لله نداً) لكن النوع الذي في الآيةوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:١٦٥] من أنواع الشرك الأكبر؛ لأن المحبة والتعظيم والإجلال تدخل في باب الشرك الأكبر لأنها إما أن تصرف لله.

стр. 1194

وإما أن تصرف لغير الله، فتكون شركاً أكبر، وهذا مناقض للتوحيد، الذي من أجله كان الجهاد بالقرآن وبالدعوة، ثم الحرب بالسيف، وهذا يدل على أن التوحيد شأنه أعظم مما يظن هؤلاء، ومن لم يكن الله ﵎ في قلبه بالمنزلة اللائقة بجلاله ، وبربوبيته للعالمين جميعاً، فإنه لا يستحق أن يكون من أهل الإيمان، لأنه قد ارتكب الشرك المخرج من الملة عافانا الله وإياكم من دقيقه وجليله. بعد ذلك انتقل المصنف إلى بيان المذهب، والمصنف -رحمه الله تعالى- حنفي المذهب وهو أيضاً ثقة عندما ينقل عن المذهب؛ لأنه من علمائه المتمكنين منه، فهو يكتب في بعض الأبواب ثم يعرج على المذهب ليبين ما وقع فيه أصحابه، لأن أتباع أبي حنيفة ﵀ هم أكثر أتباع المذاهب الأربعة عدداً، في نفس الوقت يقع فيهم من الشرك ومن الأخطاء الشيء الكثير لا سيما معظمهم من العجم، وطريقة المصنف أن يأتي بمذهب السلف من آيات وأحاديث ليوضح مذهب السلف الحق، ثم يأتي بالمذهب الفقهي أبي حنيفة ﵀ هم أكثر أتباع المذاهب الأربعة عدداً، في نفس الوقت يقع فيهم من الشرك ومن الأخطاء الشيء الكثير لا سيما ومعظمهم من العجم. وطريقة المصنف أن يأتي بمذهب السلف من آيات وأحاديث ليوضح مذهب السلف الحق، ثم يأتي بالمذهب الفقهي لأبي حنيفة ﵀ ولصاحبيه، ليبين أن هذا مثل هذا، وأنه لا منافاة بينهما لأن الأئمة الأربعة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- على عقيدة ومنهج السلف الصالح، فلم يكن في الأئمة الأربعة من هو مبتدع في أي باب من أبواب العقيدة والإيمان، إلا ما نقل عن أبي حنيفة في مسألة الإرجاء، وقد نقل الرجوع عنه، وهو أخف أنواع الإرجاء؛ لكن الإمام أبا حنيفة رحمة الله في الصفات من أشد الأئمة في هذا الباب حتى أنه قال: من قال: لا أدري أربي في السماء أو في الأرض فقد كفر؛ لأن الله ﵎ قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] .

стр. 1195

فالمؤسف أن الأمة الإسلامية لما انحرفت وضلت عبر القرون، أصبح الإنسان ينتمي إلى أي مذهب من المذاهب في الفقه فقط، وينتمي إلى أي مذهب كلامي في العقيدة، فيكون مثلاً معتزلياً في العقيدة حنفياً في الفقه، صوفياً في الطريقة؛ والمصنف هنا يأتي بكلام الإمام أبي حنيفة وصاحبيه -رضي الله تعالى عنهم- ليبين أنهم على منهجالسلف، وأن من انتسب إليهم في الفقه يجب عليه أن يكون على مذهبهم في العقيدة، والطريقة من باب أولى؛ لأن ما أحدث من الطرق الصوفية هو أكثر وأوغل في البدعة، حتى جعلوا الفقه -مع أنه يقبل الاجتهاد مع المرونة التي فيه- لا يتعلق بالتعبد، فالأئمة الأربعة وكل علماء الإسلام لم يكن لهم في التعبد إلا منهج واحد فقط، فالعبادة أوضح شيء في حياة المسلم لأنها عمل يومي، وقد كان النبي ﷺ والصحابة يعملونه يومياً ولذلك طبقته الأمة ونقلته بالتواتر حتى جاء هؤلاء الصوفية فغيروا طريقة التعبد في الصلوات وتلاوة القرآن وقراءة الأذكار النبوية، فكتبوا الأوراد وجعلوها كتباً عقيمة سقيمة، تحفظ غيباً ولا يفهمها أحد ولا يفقه معناها، وأرغموا بها الناس وجعلوها ورداً للطريقة تتبع ويتقرب بها إلى الله في اليوم آلاف المرات. فهؤلاء الانتساب إليهم لا أصل له بإطلاق؛ لأن الانتساب في الفقه أصله أن رجلاً رأى إماماً من أئمة الفقه والعلم فانتسب إليه، لكن هذا ينتسب إلى أي شيء عندما يقول: أنا طريقتي شاذلي، أو قادري، أو رفاعي، ماذا عمل الشاذلي، أو الرفاعي، إن كانت عبادات وأذكار مشروعة يعملها المسلمون، فنحن والحمد لله نأخذ هذه العبادات من مصادرها الصحيحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولماذا نفرق أنفسنا فنجعل هذا قادري وهذا شاذلي وهذا رفاعي؟ من الذي شرع هذا الاسم بالذات؟ وشرع لي هذا الانتماء، وهذا الانتساب بالذات؟
следующие страницы →