← Акыда

Акыда · id 2827

شرح العقيدة الطحاوية - سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ختم المُصْنِّف هذه الفقرة بقوله: [والدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها عَلَى السنة والاتباع، لا عَلَى الهوى والابتداع] وحينما يكون دعاء أكثر الْمُسْلِمِينَ الذين وقعوا في هذه البدعة "اللهم وبجاه نبيك" أو "بحق نبيك" كلما جلس أو قام، وكلما تذكر أن له حاجة، يتحول الأمر إِلَى اعتداء وابتداع، في حين أن الأدعية المشروعة المأثورة في القُرْآن والسنة كثيرة جداً، ومع ذلك فالدعاء المباح بابه واسع. وكون الدعاء من أفضل العبادات يدل له أن النبي ﷺ قَالَ: (الدعاء هو العبادة) فحقيقة العبادة بجميع أنواعها هي التقرب إِلَى الله لنيل رضاه واجتناب سخطه هذه هي: التي من أجلها يسعى الساعون جميعاً، من الأَنْبِيَاء والملائكة إلى أدنى عباد الله، هذا هو غايتهم، إذاً فالدعاء هو العبادة، والعبادة هي الدعاء في حقيقتها. والله ﵎ هو الذي شرع لنا الدين، وأمرنا بعبادته، وجعل لنا هذا الطريق المشروع الواضح إليه، وأرسل رسله ليبينوه، فهل يضيِّقون علينا طريق دعائه، وطريق الوسيلة إليه، فلا يكون إلا عن طريق التوسل بالذوات المخلوقة، قلنا: هذا لا يمكن. وقد ذكر الشيخ مُحَمَّد الأمين الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان هَؤُلاءِ الجُّهال عند تفسير قوله تَعَالَى من سورة المائدة: أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:٣٥] قَالَ: وليست الوسيلة ما يزعمه جهال الملاحدة من الصوفية وأمثالهم أنها الواسطة، وبين أن من الوسيلة هي: العمل الصالح فقوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ أي: تقربوا إليه وتوسلوا إليه بما شرع. وكما بين المصنف: أن العبادات مبناها عَلَى السنة والاتباع فنتقرب إليه ونتوسل إليه بالاتباع بما شرع، لا بالأهواء والبدع.

стр. 1192

ثم انتقل المصنف ﵀ إلى الاحتمال الثاني: وهو أن يقول الرجل: اللهم بحق فلان أعطني كذا، أو اللهم بحق نبيك محمد ﷺ اغفر لي ذنبي أو اشفِ مريضي أو ما أشبه ذلك، فإذا قالها هذا الرجل، وهو يقصد الإقسام على الله بحق النبي ﷺ ، أو بحق أي مخلوق يظن أنه من الأولياء لله المقربين عنده . يقول المصنف: [وإن كان مراده الإقسام على الله بحق فلان فذلك محذور أيضاً؛ لأن الإقسام بالمخلوق لا يجوز فكيف على الخالق؟] أي أن مجرد أن يقسم إنسان بأي شيء مخلوق لا يجوز، بل هو شرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، فكيف إذا كان الإقسام على الله؟! فإنه يتضاعف الإثم والكبيرة، ومن ذا الذي يقسم على الله ويتألى عليه بحقه أو بحق أحد من خلقه، هذا فيه زيادة اعتداء فهو يجمع بين أنه إقسام وحلف بغير الله، وبين ما فيه من الاعتداء، وهو أنه على الله لا على أحد من خلقه، يقول: [وقد قال ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك) ] أو فقد: (فقد كفر) على روايتين، وبيِّنا أن الحالف بغير الله ﵎ إن كان معتقداً تعظيم المحلوف به ومساواته بالله تعالى، وأنه يقسم به لأنه في منزلة من التعظيم، كما لو أقسم بالله فهذا يكون من الشرك الأكبر، لأن هذا هو العدل والتسوية والندِّية التي ذكرها الله في قوله تعالى: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً [البقرة:١٦٥] ، وفي الآية الأخرى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:١] .

стр. 1193

وفي الآية الثالثة إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِين [الشعراء:٩٨] فالمصيبة التي وقع فيها المسلمون في هذا الباب: أنهم أصبحوا يحلفون بالولي أو بالشيخ، مع اعتقاد أن له التصرف في الكون، وأنه يضر أو ينفع؛ بل يعتقدون أنه يحيي ويمت -عياذاً بالله- ويوردون ذلك في أخبارهم عندما يتحدثون عن كرامات الشيخ وعن أحواله، أنه أحيا، وأنه أمات، وأنه اطلع على اللوح المحفوظ، وأنه تصرف في الكون إلى آخر ذلك، فلو حلف أحد بالشيخ على هذا الاعتقاد فيكون هذا النوع من الشرك الأكبر، أما الشرك الأصغر فهو شرك الألفاظ، وندِّية الألفاظ كـ (الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: ما شاء الله وشئت فقال رسول الله ﷺ : أجعلتني لله نداً؟) ، هذا لم يجعله لله نداً في الخلق والرزق والإحياء والإماتة وتدبير الأمر ولا شيء من ذلك، وإنما قرنه في اللفظ بواو العطف فقال له النبي ﷺ : (أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله، ثم شئت) و"ثم" للتراخي تفيد أن المعطوف غير الغاية المعطوفة عليه ومتراخية عنه، لكن الواو للمصاحبة والمساواة فجعله النبي ﷺ نوعاً من الندِّية فقال: (أجعلتني لله نداً) لكن النوع الذي في الآيةوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:١٦٥] من أنواع الشرك الأكبر؛ لأن المحبة والتعظيم والإجلال تدخل في باب الشرك الأكبر لأنها إما أن تصرف لله.

стр. 1194

وإما أن تصرف لغير الله، فتكون شركاً أكبر، وهذا مناقض للتوحيد، الذي من أجله كان الجهاد بالقرآن وبالدعوة، ثم الحرب بالسيف، وهذا يدل على أن التوحيد شأنه أعظم مما يظن هؤلاء، ومن لم يكن الله ﵎ في قلبه بالمنزلة اللائقة بجلاله ، وبربوبيته للعالمين جميعاً، فإنه لا يستحق أن يكون من أهل الإيمان، لأنه قد ارتكب الشرك المخرج من الملة عافانا الله وإياكم من دقيقه وجليله. بعد ذلك انتقل المصنف إلى بيان المذهب، والمصنف -رحمه الله تعالى- حنفي المذهب وهو أيضاً ثقة عندما ينقل عن المذهب؛ لأنه من علمائه المتمكنين منه، فهو يكتب في بعض الأبواب ثم يعرج على المذهب ليبين ما وقع فيه أصحابه، لأن أتباع أبي حنيفة ﵀ هم أكثر أتباع المذاهب الأربعة عدداً، في نفس الوقت يقع فيهم من الشرك ومن الأخطاء الشيء الكثير لا سيما معظمهم من العجم، وطريقة المصنف أن يأتي بمذهب السلف من آيات وأحاديث ليوضح مذهب السلف الحق، ثم يأتي بالمذهب الفقهي أبي حنيفة ﵀ هم أكثر أتباع المذاهب الأربعة عدداً، في نفس الوقت يقع فيهم من الشرك ومن الأخطاء الشيء الكثير لا سيما ومعظمهم من العجم. وطريقة المصنف أن يأتي بمذهب السلف من آيات وأحاديث ليوضح مذهب السلف الحق، ثم يأتي بالمذهب الفقهي لأبي حنيفة ﵀ ولصاحبيه، ليبين أن هذا مثل هذا، وأنه لا منافاة بينهما لأن الأئمة الأربعة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- على عقيدة ومنهج السلف الصالح، فلم يكن في الأئمة الأربعة من هو مبتدع في أي باب من أبواب العقيدة والإيمان، إلا ما نقل عن أبي حنيفة في مسألة الإرجاء، وقد نقل الرجوع عنه، وهو أخف أنواع الإرجاء؛ لكن الإمام أبا حنيفة رحمة الله في الصفات من أشد الأئمة في هذا الباب حتى أنه قال: من قال: لا أدري أربي في السماء أو في الأرض فقد كفر؛ لأن الله ﵎ قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] .

стр. 1195

فالمؤسف أن الأمة الإسلامية لما انحرفت وضلت عبر القرون، أصبح الإنسان ينتمي إلى أي مذهب من المذاهب في الفقه فقط، وينتمي إلى أي مذهب كلامي في العقيدة، فيكون مثلاً معتزلياً في العقيدة حنفياً في الفقه، صوفياً في الطريقة؛ والمصنف هنا يأتي بكلام الإمام أبي حنيفة وصاحبيه -رضي الله تعالى عنهم- ليبين أنهم على منهجالسلف، وأن من انتسب إليهم في الفقه يجب عليه أن يكون على مذهبهم في العقيدة، والطريقة من باب أولى؛ لأن ما أحدث من الطرق الصوفية هو أكثر وأوغل في البدعة، حتى جعلوا الفقه -مع أنه يقبل الاجتهاد مع المرونة التي فيه- لا يتعلق بالتعبد، فالأئمة الأربعة وكل علماء الإسلام لم يكن لهم في التعبد إلا منهج واحد فقط، فالعبادة أوضح شيء في حياة المسلم لأنها عمل يومي، وقد كان النبي ﷺ والصحابة يعملونه يومياً ولذلك طبقته الأمة ونقلته بالتواتر حتى جاء هؤلاء الصوفية فغيروا طريقة التعبد في الصلوات وتلاوة القرآن وقراءة الأذكار النبوية، فكتبوا الأوراد وجعلوها كتباً عقيمة سقيمة، تحفظ غيباً ولا يفهمها أحد ولا يفقه معناها، وأرغموا بها الناس وجعلوها ورداً للطريقة تتبع ويتقرب بها إلى الله في اليوم آلاف المرات. فهؤلاء الانتساب إليهم لا أصل له بإطلاق؛ لأن الانتساب في الفقه أصله أن رجلاً رأى إماماً من أئمة الفقه والعلم فانتسب إليه، لكن هذا ينتسب إلى أي شيء عندما يقول: أنا طريقتي شاذلي، أو قادري، أو رفاعي، ماذا عمل الشاذلي، أو الرفاعي، إن كانت عبادات وأذكار مشروعة يعملها المسلمون، فنحن والحمد لله نأخذ هذه العبادات من مصادرها الصحيحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولماذا نفرق أنفسنا فنجعل هذا قادري وهذا شاذلي وهذا رفاعي؟ من الذي شرع هذا الاسم بالذات؟ وشرع لي هذا الانتماء، وهذا الانتساب بالذات؟

стр. 1196

وإذا لقيت الله يوم القيامة فقلت له: يا رب أنا عبدتك على الطريقة الشاذلية، فإن قبلها الله وقال: نعم هذا هو المقبول، إذاً لن يقبل لا رفاعياً ولا نقشبندياً ولا ... ولا ... آلاف من الطرق، وإن قلت: يقبل الجميع، فعلام التفرقة؟ لكنهم يقولون: كلها طرق تؤدي إلى الله، سبحان الله! وهل قال الله : "وأن هذه طرقاً تؤدي إلي" أو قال: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:١٥٣] فالصراط واحد، والرسول واحدٌ أرسله الله إلينا، فكيفما تعبد رسول الله ﷺ نتعبد، وكيفما ذكر الله نذكر، وما ورد به الأمر سعة فنحن في السعة من الأذكار والحمد لله. ويرد المصنف على هؤلاء بأن الإمام أبا حنيفة وصاحبه ﵁ قالوا: يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسولك، أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام ونحو ذلك وهذا هو المنقول عنهم، وكرهوه لأنه بدعة، والكراهية في كلام العلماء المتقدمين لا تعني بالضرورة ما اصطلح عليه الفقهاء، فكلمة: كره عند السلف كانوا يطلقونها على "الأمر الحرام" يقول أحدهم: أكره كذا، وكانوا يفعلون ذلك -رضي الله تعالى عنهم- أي التعبير بالكراهة، لأن أحدهم كان يستصعب أن يقول: هذا حرام وإن كان يعلم أنه حرام، ويعلم الناس أنه لو قال: أكرهه فإنه حرام، حتى لا يتجرأ على الله، أو يقول أحدهم: كانوا يكرهون كذا فيحيل إلى من قبله من العلماء من الصحابة والتابعين، ويفتي في ذلك ليعلم السامعون أن هذا الأمر لا يجوز، أو أنه بدعة، لكن فيما بعد أصبح من الجهال ممن يقولون على الله بغير علم من يقول: هذا حلال وهذا حرام بدون تفصيل، وبلا دليل وقد قال الله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِب [النحل:١١٦] .

стр. 1197

ولا يجوز للإنسان أن يتكلم إلا بعلم وببينة في هذا الأمر وفيما عداه، فكرهوا أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، أو بحق البيت الحرام، أو المشعر الحرام وغير ذلك، لأن كل ذلك لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، ولا على ألسنة الصحابة الكرام، بل الذي ورد إنما هو عن العرب في الجاهلية، فكانوا يقسمون بغير الله، ويسألون بغير الله، ومن جملتها السؤال بالحق، والإقسام بالحق، فيأتي الإسلام فيحرم ويمنع منعاً باتاً الإقسام أو الحلف بغير الله ، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة الإقسام بحق أي أحد من الخلق، وهذا مما يدل على أن الأمر فعلاً بدعة الجاهلية، فهذا طرفة بن العبد صاحب المعلقة المشهورة يقول: ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدن لم أحفل متى قام غودي لولا ثلاث حاجات منها: سقي العاذلات بشربة كؤوس متى ما تغلى بالماء تزبد أول شيء شرب الخمر، هذه الشربة الحمراء الأرجوانية التي إذا غليت بالماء يكون لها زبد، وهؤلاء الشعراء هم أفضل ما كانت القبائل في الجاهلية تعتد بهم، فلولا الخمر والزنى والسلب والنهب لما بالى طرفة متى يموت. فالمقصود أن الحلف بالحق كان معروفاً عند العرب في الجاهلية، فلما كان الحلف بغير الله لا يجوز بأي حال من الأحوال، كان هذا الحلف بالحق لا يجوز كالحلف بالأمور المعظمة عند المسلمين، كأن يحلف الرجل بالكعبة أو بالنبي ﷺ ، أو بحق الكعبة أو بحق النبي ﷺ أو بحق الأنبياء أو بحق الرسل أو بحق المشعر الحرام أو ما أشبه ذلك، لأنه لم يرد عن السلف، مع أن هذه مما عظمها الله ، كما قال تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:٣٢] .

стр. 1198

لكن لا يجوز أن نقسم ولا أن نحلف بغير الله ﵎، فمن حلف بذلك أو سأل الله بذلك فلا يجوز له، لأن سؤاله هذا إن كان سؤالاً فلا يجوز، وإن كان إقساماً فهو أيضاً لا يجوز، فعلى كلا الحالين لم يرد، ولهذا كرهه العلماء رضي الله تعالى عنهم ونهوا عنه، ومنهم أبو حنيفة وأصحابه، وكل العلماء الذين يعتد بقولهم في هذا الشأن لم يقل أحد منهم أن ذلك جائزاً، ولكن وُجِدَت روايات في كتب تروي الضعاف والمنكرات ولم يصح منها شيء. أبو حنيفة وكراهيته للإقسام بشيء مخلوق يقول المصنف: حتى كره أبو حنيفة ومحمد ﵄ أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك] . الإمام أبو حنيفة معروف، وصاحباه هما مُحَمَّد بن الحسن الشيباني، وأبو يوسف القاضي، وقول المُصْنِّف أن: أبا حنيفة ومحمد كرها أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، أما أبو يوسف فلم يكرهه لأنه بلغه الأثر فيه، وهما كرهاه لأنه لا يوجد فيه أثر، وتبقى مسألة هل صح هذا الأثر أم لا؟ الذي توصلت إليه أن هذا الأثر لا يصح. فلا يجوز أن يسأل الله بمعقد العز من عرشه؛ لكن نقول: هذا لم يثبت إِلَى حد الآن بحسب علمنا أنه ورد عن النبي ﷺ ، يقول الشيخناصر: [قلت: هو حديث مرفوع موضوع كما بينه الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٢٠٣) ] يعني: كونه مرفوعاً إِلَى النبي ﷺ هذا موضو كما قال الشيخ ناصر، وتبقى أيضاً مسألة هل هو موقوف عَلَى أحد من الصحابة أو من كلام أحد التابعين أو من أمثالهم؟ وهذا لم يثبت، لكن لو ثبت عن صحابي أو عن تابعي فإن الحجة هي فيما يثبت عن الرَّسُول ﷺ وحده، وما صح فنحن تبع له كما فعل هَؤُلاءِ الأئمة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم أجمعين.

стр. 1199

يقول المصنف: [وتارةً يقول: بجاه فلان عندك، أو يقول: نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك، ومراده لأن فلاناً عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة] فأقول: أسألك بجاهه عندك أن تغفر لي وترزقني وتحفظني إِلَى آخر ما يدعو به النَّاس كثيراً في هذه الأيام، يقول: [وهذا أيضاً محذور فإنه لو كَانَ هذا هو التوسل الذي كَانَ الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته] فكيف يموت هذا الجاه أو المنزلة عند الله ؟!! فإذاً كَانَ المقصودُ مِنَ النبي ﷺ ليس هو ذاته الشريفة، فكيف يصح هذا وقد كَانَ الصحابة الكرام يتبركون بشيء من ذاته، فلما مات انقطع التبرك، وجاه الرَّسُول ﷺ عند ربه هل ينقطع بموته؟ هل ينتهي بانتهاء وجوده في هذه الحياة الدنيا والتحاقه بالرفيق الأعلى؟ والجواب: أن جاهه لا ينتهي فهو موجود، إذاً فما المحذور؟ المحذور أن ندعو الله بجاهه، إذ لو أن المسألة تعود إِلَى مجردِ أن له جاهاً عِندَ اللهِ لما ترك الصحابة التوسل به. نعم له جاه ﷺ ومَن مِنْ الخلق أعظم جاهاً عندَ اللهِ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو سيد ولد آدم الأولين منهم والآخرين، وهو أفضل الرسل أجمعين، وهو خيرة الله ومصطفاه من هَؤُلاءِ الخلائق أجمعين، وهل أحد أكثر جاهاً عند رَبّ الْعَالَمِينَ من عبده ورسوله الأمين مُحَمَّد ﷺ ؟! لا يوجد أبداً من هو أكثر جاهاً ومنزلة وشرفاً من رَسُول الله ﷺ ، وهل يوجد في الأمة من هو أكثر عبادةً وأكثر حرصاً عَلَى التوسل والتقرب إِلَى الله ، وأكثر معرفة بقدر النبي ﷺ وجاهه من صحابته الكرام؟ لا يمكن أبداً، ولكن بماذا دعا الصحابة؟

стр. 1200

توسل الصحابة بجاه النبي ﷺ في حياته يقول المصنف: [فإنه لو كَانَ هذا التوسل، هو الذي كَانَ الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه يطلبون منه أن يدعو لهم وهم يؤمِّنون عَلَى دعائه، كما في الاستسقاء وغيره، فلما مات ﷺ قال عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- لما خرجوا يستسقون: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فسقينا، وإنا نتوسل بعم نبينا]- يعني: العباس. ثُمَّ أمر العباس بالدعاء فدعا العباس، ودعا الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- والصحابة الكرام هم أفضل النَّاس في العبادة وأحرصهم عَلَى التوسل الصحيح المشروع، وأرجاهم لله، وأحرصهم عَلَى قبول العمل عند الله ، وأعظمهم معرفةً بحق رَسُول الله ﷺ ومنزلته. فقد كانوا في حياته ﷺ يستسقون ويتوسلون بدعائه، فهذا رجل دخل والنبي ﷺ عَلَى المنبر فقَالَ: يا رَسُول الله هلكت العيال وانقطعت السبل، وكذا وكذا، فادعو الله لنا، فدعا النبي ﷺ ربه فجاء الغيث العميم، والحديث مخرج في الصحيحين. كذلك الأعمى الذي جَاءَ إِلَى النبيِ ﷺ وشكا إليه أنه لا بصر، فخيره النبي ﷺ بين أن يصبر أو يدعو له، فاختار الدعاء، فدعا له النبي ﷺ .

стр. 1201

وهكذا نَجِدُ أنَّ الصحابة الكرام في حياة النبي ﷺ كانوا يتوسلون إِلَى الله بدعائه، وقد يرده ﷺ ، فلما جاءوا إليه وهو متوسداً في ظل الكعبة قالوا: يا رَسُول الله ﷺ ادعُ اللهَ لنا، إن البلاء قد اشتد علينا من قريش، فلم يستجب لهم؛ بل قام ﷺ وهو محمر وجهه من الغضب، المقصود من هذا كله أنهم كانوا يأتون إِلَى رَسُول الله ويقولون: ادع الله لنا في كذا، أو يخرجون يدعون وهو يدعو معهم، أو يدعو وهم يؤمنون، فهذا هو التوسل المقصود به في حياته ﷺ . وما ورد فيه من أحاديث كثيرة فهذه صورته وهذه حقيقته، فعندما توفي رَسُولُ اللهِ ﷺ وجَاءَ الجدب في عهد عُمَر خرجوا يستسقون ويدعون الله، فلو كَانَ التوسل بالرَّسُول ﷺ جائزاً فلماذا لم يقولوا: اللهم إنا نسألك بجاه نبيك ﷺ أن ترحمنا وأن تسقنا وأن تغيثنا؟ ما المانع من ذلك؟! وهَؤُلاءِ هم الصحابة كلهم وعلى رأسهم أمير المؤمنين عُمَر، الذي تعلمون عِلمَهُ وفقهه ودرجته في الدين يقول: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا مُحَمَّد ﷺ ، والآن لأنه ﷺ قد مات نتوسل إليك بعم نبينا، إذاً المسالة بعد وفاته ﷺ تختلف اختلافاً كلياً عنها في حياته.

стр. 1202

وقوله: [وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم وهم يؤمِّنون عَلَى دعائه كما في الاستسقاء وغيره] ، ثُمَّ ذكر ماذا صنع الصحابة الكرام بعد وفاة النبي ﷺ ، مع أنهم أكثر الأمة إيماناً، وحرصاً عَلَى الخير، وأعظمهم تقرباً وحباً لرَسُول ﷺ ، ومعرفة لمنزلته وجاهه عند ربه، حتى توفي ولحق بالرفيق الأعلى. وإن توسل الصحابة بجاهه كما يزعم هَؤُلاءِ النَّاس فهم القدوة، ولا محظور في ذلك، وما نَحْنُ إلا أتباع وإن كانوا انصرفوا وعمدوا إِلَى أمر غير ذلك مع معرفتهم به، فنذهب إِلَى ما ذهبوا إليه، إلا أن يتهمهم متهم بأنهم جهلة ولاسيما أنهم جميعاً خرجوا للاستسقاء واحتاجوا إِلَى ذلك، ولم يتوسلوا بجاه النبي. فهل جهلوا أو نسوا كلهم أن الرَّسُول ﷺ له جاهه عند الله لا يموت ولا يفني بموته ﷺ وانتقاله إِلَى ربه، وأنه كَانَ يجب عليهم أن يتوسلوا بهذا الجاه، فإن قال ذلك قائل، فيا لها من تهمة، وإن لم يقلها فالحق واضح، فالذي وقفنا عليه هو: أن النبي ﷺ لما مات انقطع توسل الصحابة الكرام بدعائه ﷺ . توسل عمر بدعاء العباس دليل واضح على عدم جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد موته عندما وقع الجدب في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، خرج الصحابة يستسقون، وكان معهم العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، فَقَالَ أمير المؤمنين في دعائه، اللهم إنِّا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، أي: كنا في حياته ﷺ نتوسل إليك يارب بدعائه.

стр. 1203

فهو يدعو ﷺ ، أو هم يطلبون منه الدعاء، وعلى أي حال: فطلب الدعاء من الْمُسْلِمِينَ بعضهم لبعض لا محذور فيه إن لم يتجاوز به قدره، ويعتقد في إنسان بذاته، ولم يتكل عَلَى دعاء غيره له، لكنك لو دعوت لي وأنا دعوت لك، فهذا لا حرج فيه لأنه من التعاون عَلَى البر والتقوى، وفي الحديث الصحيح (ما من عبد يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكل به ملك يقول: آمين، ولك مثل ذلك) . فينبغي لنا أن نغتنم هذه الفرصة، وأن يدعو بعض الْمُسْلِمِينَ لبعض، وكان الْمُسْلِمُونَ ولا يزالون أهل الخير والتقى والصلاح يفعلون ذلك، لكن المحظور أن يستغني الإِنسَان عن التضرع إِلَى الله، والانكسار بين يديه، بالذهاب إِلَى أخ صالح أو فاضل يدعو له وهذا لا ينبغي؛ لأن الدعاء هو العبادة، فعلى الإِنسَان أن يتضرع إِلَى الله، ويبذل السبب، ولا بأس أن يستعين بدعاء أخيه له. هل كل دعوات النبي ﷺ مستجابة؟ الحالة الأولى: لمَّا اشتد أذى قريش عَلَى المؤمنين في مكة، ذهب الصحابة إِلَى النبي ﷺ وهو متوسد في ظل الكعبة نائم، وشكوا إليه ما يلاقون وَقَالُوا: ادعوا الله لنا عَلَى قريش، فلم يستجيب الرَّسُولُ ﷺ ، بل قام غاضباً محمرَّاً وجهه وبين لهم أنهم يستعجلون، كما في حديث خباب في البُخَارِيّ، وأنهم لو تدبروا ما لاقى الأنبياء، وما يلاقي دعاة الخير من الأذى لما استعجلوا؛ ثُمَّ بشرهم بأن الله سيتم هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين حضرموت وصنعاء لا يخاف إلا الله والذئب عَلَى غنمه، وهذا الحديث صحيح له عدة روايات.

стр. 1204

الحالة الثانية: طلبوا منه أن يدعو لهم، فدعا واستجيب له، وهذا مثل ما حصل في الاستسقاء (أجدبت المدينة واشتد القحط والمحل في زمنه ﷺ ، وكان عَلَى المنبر يخطب الجمعة، فدخل رجل من الأعراب وقَالَ: يا رَسُول الله، هلكت العيال، وانقطعت السبل) الحديث متفق عليه، وكحديث الأعمى وغيره مما هو موجود في كتب السنة الثابتة. الحالة الثالثة: أن يدعو النبي ﷺ ، فلا يستجاب له وهذا واقع في السيرة، فمن ذلك: لما صلّى ﷺ ركعتين، صلاة رغبة ورهبة أطال فيها، وسأل ربه ثلاثاً فأعطاه اثنتين ومنعه الثالثة، بمقتضى ما أنزل الله ﵎ في سورة الأنعام: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض [الأنعام:٦٥] الآية. وأيضاً قنت النبي ﷺ يدعو عَلَى زعماء قريش. وكذلك قنت شهراً يدعو عَلَى رعل وذكوان وعصية ولم يستجب له؛ بل أنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:١٢٨] . فكان أن تاب وأسلم من تلك القبائل خلق كثير، وكذلك من زعماء قريش، فلا بد أن نعلم أن لمقام الألوهية قدر عظيم جداً، والله هو الذي يفعل ما يشاء فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:١٠٧] .

стр. 1205

فمشيئته لا يحدها ولا يقيدها أحد، تنفذ كما يشاء وكما يريد، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ومقام الرسالة عظيم، ولهذا كَانَ الصحابة الكرام يطلبون من النبي ﷺ أن يدعو الله لهم، لمعرفتهم بقدره ﷺ ومقامه عند ربه، ولا يتوسلوا في حياته لا بالعباس ولا بغيره، فلما توفي ﷺ ولحق بالرفيق الأعلى، كان الصحابة يعرفون حقيقة التوحيد، فقالوا كما قال عُمَر ﵁ في حياته: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل إ ليك بعم نبينا ﷺ فاسقنا" مع أن العباس لم يكن أفضل الأمة بعد الرَّسُول ﷺ بل كَانَ عُمَر ﵁ وبقية العشرة، وأهل بدر وأهل الشجرة أفضل، ولكن العباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أفضليته هنا من جهة قرابته، ولذلك قال عُمَر: "بعم نبينا" ولو أن الأفضلية للعباس في ذاته لقالوا: نتوسل إليك بالعباس، فهو رجل صالح فاضل، وهو قريب رَسُولِ اللهِ ﷺ وكبير القرابة، وإن كَانَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ابن عمه؛ لكن العباس أكبر، وهو بمنزلة الوالد، والعم أولى وأقرب من ابن العم، ولم يكن العباس ﵁ رغم تأخر إسلامه يوماً ما يتمنى الهزيمة للمسلمين، أو الخذلان لمُحَمَّدٍ ﷺ . وقد قال بعض العلماء: إنه كَانَ يكتم إيمانه، وكان عيناً للنبي ﷺ ، ويرسل إليه بكل ما يقع، ويحاول أن يطلعه عَلَى كل ما تديره قريش، وكان يحضر معهم عَلَى أنه من كبار قريش، الذين يعملون ضد الدعوة، لكن شيمة الوفاء والقرابة والغيرة والحمية لرَسُولِ ﷺ كانت لديه كما كانت لدى أبي طالب.

стр. 1206

فالقرابة هي السبب في التوسل، ولايعني ذلك أن التوسل محصور في قرابة رَسُول الله ﷺ ، وعُمَر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ إنما اجتهد ورأى أن فعله هذا قرينة يستجاب له مع وجودها، وليس شرطاً أننا لا نتوسل إلا بقريب لرَسُول الله ﷺ . وكذلك ما فعله معاوية رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وقد وصفه ابن عباس بأنه فقيه، فأعطى أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان هذه الشهادة وهي وثيقة عظيمة بقوله: "إنه فقيه"، فمن فقه معاوية ﵁ أنه لما أجدب أهل دمشق فاحتاجوا إِلَى استسقاء، خرجوا وكان معهم جملة من خيار الأمة في الشام، وكان أحد التابعين الفضلاء الصالحين الأولياء يُقال له: الأسود بن يزيد الجرشي فقال معاوية كمقولة عُمَر في العباس "اللهم إنا نتوسل إليك بالأسود بن يزيد يا أسود ارفع يديك وادع واسأل الله فدعا ودعوا، فمطروا بإذن الله تعالى". فهذا فقه الصحابة الكرام، كانوا يعلمون حقيقة التوسل بعبدٍ من عباد الله الصالحين، نخرج به إِلَى الاستسقاء يدعو ونؤمن عَلَى دعائه، فإن كَانَ قريباً للنبي ﷺ فحسن، وإن لم يكن فلا بأس، وليس في ذلك تحديد ﵃ وأرضاهم. وقول عُمَر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك" أي: بذات نبيك، "بدعائه وسؤاله" وليس بجاهه، أو أن نقسم عليك به، فالاحتمالين كلاهما غير وارد في الباء. يقول: [إذ لو كَانَ ذلك مراداً، لكان جاه النبي ﷺ أعظم وأعظم من جاهالعباس] وجاه النبي ﷺ لا ينقطع بالموت، لكن لأن الأموات لا يدعون، ولا يطلب منهم أن يدعو ولو كَانَ ذلك رَسُول الله ﷺ ، أما إن كَانَ من الأحياء، فنطلب منه أن يدعو الله تَعَالَى وهذا كل ما في الأمر.

стр. 1207

ذكر حديث الأعمى والتعليق عليه أما حديث الأعمى الذي يشيعه أهل البدع ويحتجون به فقد رواه التِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيُّ والبيهقي، وغيرهم، وقضيته أن رجلاً أعمى جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فقَالَ: يا رَسُول الله ادع الله أن يرد علي بصري، فَقَالَ له النبي ﷺ : (إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك) . فالنبي ﷺ لم يجعل الأمر مجرد دعاء، وإنما خيره بين الصبر والدعاء، -والصبر أعظم- كما في الحديث الآخر (ما من عبد صالح أخذت منه حبيبتيه -أي عينيه- فصبر إلا عوضته عنهما الجنة) فالذي يصبر عَلَى اللأواء والنصب يخفف الله تَعَالَى عنه، فلا نكره المرض والمصائب، وإن كنا نكرهها بحكم الجبلة والطبيعة الإِنسَانية، لكن إذا وقعت فنقول: قدر الله وما شاء فعل، ونقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، ولعل في هذا خير فقد يكفر عنا من الذنوب والخطايا. لكن الأعمى لم يأخذ بذلك الصبر، لأنه لو كَانَ عنده صبر لما جَاءَ إِلَى النبي ﷺ ، وقال له: يا رَسُولَ اللهِ! بل ادع لي، فقَالَ: قم فتوضأ وصل ركعتين، وادعوا الله فذهب الرجل فتوضأ وصلى، ثُمَّ أخذ يدعو: اللهم يا رب رد علي بصري، أو "يا مُحَمَّد يا نبي الرحمة، إني أتوجه إِلَى الله بك"، أو "اللهم شفعه فيَّ، ورد علي بصري" عَلَى ألفاظ مختلفة في الروايات. وهذا الحديث صحيح وإن كَانَ التِّرْمِذِيّ قد شكك في أحد الرواة عَلَى أنه مجهول العين إلا أنه قد عُلم هذا المجهول من روايات أخرى، وقد صححه شَيْخُ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀، وغيره من الحفاظ.

стр. 1208

وفيه دلالة عظيمة لمذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في التوسل ورد جلي عَلَى أهل البدع والضلال، لأن النبي ﷺ كَانَ حياً يقول: إن شئت دعوت لك، وأيضاً لم يكتفِ ﷺ بأن دعا له بل قَالَ: توضأ وصل وادعو، فيكون ذلك أرجى لقبوله دعائه، فالاستجابة بعد وضوئه وصلاته ركعتين بإخلاص لا سيما في ذلك الوقت، لأن المسألة ليست هينة، بل مسألة عظيمة ترتب عليها أن يعود له بصره. فكم كَانَ في المدينة من عميان في ذلك الزمان؟ وكم فيها من ذوي العاهات؟ وهل أحد أحرص عَلَى الخير من أصحاب النبي ﷺ ؟ ومع ذلك لم يبلغنا قط عن أحد منهم أنه دعا بهذا الدعاء، أو بمثله أو توسل بالنبي ﷺ أو بجاهه ليشفى من مرضه، فهل القوم جهلة؟ أم غافلون عن هذا الدعاء؟ لا؛ بل علموا أن هذه معجزة للنبي ﷺ ، ودليل من دلائل النبوة الدالة عَلَى صدق نبوته ﷺ ؛ لأنه تحقق شيء يعجز عنه الأطباء ويعجز عنه كل البشر إلا إذا شاء الله، فعلم الصحابة أن هذه الحادثة خاصة بهذا الأعمى، ولو أن الأمر أمر دعاء لحفظ كل أعمى هذا الدعاء ودعا به، فبقيت هذه القصة دليلاً من أدلة نبوته ﷺ .

стр. 1209

ولهذا يروي هذه القصة أصحاب السيرة عَلَى أنها من دلائل النبوة، لا عَلَى أنها من الأدعية والأذكار الواردة، ومن هنا فرق بين هذا وهذا، وقوله: "اللهم شفعه في" نعم، يجوز هذا لمن كَانَ في حياته ﷺ ، وقصده دعاء الرَّسُول ﷺ ، فلا تزاح الأحاديث الصحيحة التي أثبتت أن الشَّفَاعَةَ للأمةِ جميعاً، فنحن ندعو الله أن يجعلنا من الأمة المرحومة التي يشفع فيها النبي ﷺ ، ولا حرج في هذا الدعاء، لأننا لم ندعُ إلا الله، ولم نعتدِ في الدعاء، بل دعوناه بأمر قد أخبرنا أنه حق. ما كَانَ لنبي قط أن يرضى بأدنى جرح في التوحيد، فضلاً عن رَسُول الله ﷺ الذي سد كل ذريعة توصل إِلَى الشرك من الآثار أو المقابر، أو ما يعظمه النَّاس كتعظيم الصور والتماثيل، والصلاة عَلَى المقابر، كل ذلك ورد النهي عنه صريحاً، وأنه وسيلة إِلَى الشرك، وقد نهى النبي ﷺ بنفسه رجلاً أتاه فقَالَ: "ما شاء الله وشئت"، فَقَالَ له النبي (أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده) . وفي الحديث الآخر -وإن كَانَ في سنده كلام- أنهم لما قالوا: قوموا بنا نستغيث بالرَّسُول ﷺ فقَالَ: (إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله) .

стр. 1210

ولما جَاءَ رجل وأخذ يطري فيه قَالَ: (إنما السيد الله) وينكر في مواضع كثيرة من يقرنه بالله تَعَالَى اقتراناً لفظياً فقط، والله تَعَالَى يقول: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:٧٩-٨٠] . فالآية تفيد أن الله تَعَالَى يقول: إنه لم يكن وما كَانَ أبداً، ولا ينبغي ولا يصح لنبي من الأَنْبِيَاء أن يقول للناس: كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ لأن الله بعثهم ليخرجوا النَّاس من الشرك إِلَى التوحيد، فهذا الرجل الأعمى إنما كَانَ يخاطب النبي ﷺ -يا محمد- ويكلمه لأنه بين يديه، والآن وبعد تلك القرون يقوم الرجل فيعثر فَيَقُولُ: يا محمد، أو يكتب عَلَى السيارة وعلى جدار المسجد "يا الله يا محمد" وإن أنكرت عليه استدل بحديث الأعمى، ولا تقارب بينهما، ولو سأل النَّاس أهلَ الذكر ما وقعوا في أمثال هذه الأغلاط الجسيمة. التوسل الشرعي وبم يكون وهو قول المصنف:

стр. 1211

[وتارة يقول: باتباعي لرسولك ومحبتي له، وإيماني به، وبسائر أنبيائك ورسلك وتصديقي لهم، ونحو ذلك فهذا من أحسن ما يكون من الدعاء والتوسل الاستشفاع، فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال، غلط بسببه من لم يفهم معناه، فإن أريد به التسبب به لكونه داعياً وشافعاً، وهذا في حياته يكون، أو لكون الداعي محباً له، مطيعاً لأمره، مقتدياً به، وذلك أهل للمحبة والطاعة والاقتداء، فيكون التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته، وإما بمحبة السائل واتباعه، ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فهذا الثاني هو الذي كرهوه، ونهوا عنه، وكذلك السؤال بالشيء قد يراد به التسبب به، لكونه سبباً في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام به. ومن الأول: حديث الثلاثة الذين أووا إِلَى الغار، وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم، فتوسلوا إِلَى الله بذكر أعمالهم الصالحة الخالصة، وكل واحد منهم يقول: فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نَحْنُ فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون، فهَؤُلاءِ دعوا الله بصالح الأعمال، لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إِلَى الله، ويتوجه به إليه ويسأله به؛ لأنه وعد أن يستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله] اهـ. الشرح:

стр. 1212

التوسل الشرعي هو: طلب الوسيلة من اللهِ تَعَالَى كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:٣٥] الآية. وهي أن يتوسل العبد ويتقرب إِلَى الله تَعَالَى بالأعمال الصالحة، فما كَانَ له علاقة بالنبي ﷺ ، فإن التوسل إليه تَعَالَى يكون باتباعه وبمحبته ﷺ وهذا عمل صالح ينجينا، بل نتوسل إليه بغير ذلك مما قد لا تظن أنه عمل في ذاته، وهو: الإقرار والاعتراف بالذنب والانكسار بين يدي الله كما في الحديث الثابت عن النبي ﷺ قوله: (رب إني ظلمت نفسي ظلماً كثيرا فاغفر لي) كأنك تقول: اللهم إني أتوسل إليك بإقراري واعترافي بتقصيري وذنوبي وأخطائي، أن تغفر لي، وأبوء بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فهذا الإقرار هو في ذاته عمل صالح. فوسيلتنا إليه العمل الصالح وإن دعونا فبذلك العمل، لأن العبادة كلها دعاء، ومن الدعاء: دعاء المسألة، وهي: أن يكون لك حاجة فتدعو ربك، اللهم اعطني كذا، واصرف عني كذا؛ فأنت العبد الفقير الضعيف تدعو الغني الحميد في هذه المسألة. أمثلة على التوسل هناك أمثلة تدل عَلَى هذا النوع من التوسل الشرعي.

стр. 1213

فمثلاً: حديث الثلاثة النفر الذين خرجوا ولم يجمعهم أيُّ جامع إلا أنهم خافوا من المطر، فأووا إِلَى غار فانطبقت عليهم الصخرة، وفي هذه الحالة الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء هو الله، ولو انطبقت عَلَى أعتى الطواغيت، وأكبر الملحدين المنكرين لوجود الله، لتضرع ودعا الله، لأن ذلك الوقت تتبخر فيه تلك البهرجة والكذب المنمق والأفكار المادية، والنظريات عن الكون والحياة، لكن أين الملجأ في هذه الحالة؟ مهما كَانَ عتو العبد وطغيانه فلن يبقى أمامه إلا رب العباد ، فهذا: الطاغية الكبير وهو عَلَى سرير الملك يقول "أنا ربكم الأعلى"، فلما أدركه الغرق ماذا قَالَ: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيل [يونس:٩٠] لكنه لم ينفعه ذلك. فكلنا نضطر في لحظات الضيق والكرب إِلَى أن ندعو الله، لكن المؤلم والمؤسف أن بعض من ينتسب إِلَى مُحَمَّد ﷺ ودينه نجده في حالة الكرب والضيق والشدة يقول: يا سيدي فلان، فأين تذهب العقول حتى في هذه الحالة؟ فهل ملكوا -هؤلاء المدعويين- لأنفسهم شيئاً لما جَاءَ ملك الموت؟ بل إنما يدعون من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، وينسون الحي الذي لا يموت، الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء. فهَؤُلاءِ الثلاثة قالوا: ما الحيلة؟ كل منَّا يدعو الله بخالص عمله، فنجاهم الله ، بل حتى الكفار فإنهم إذا ركبوا في الفلك، وجاءت الريح وهاجت الأمواج من كل مكان دعوا الله مخلصين له الدين نجاهم، لكن إذا نجاهم إِلَى البر إذا هم يشركون. فالإِنسَان هكذا إذا مسه الضر دعا ربه قائماً وقاعداً وعلى جنب، ولكن إذا عوفي مر كَانَ لم يدع الله إِلَى ضر مسه، سُبْحانَ اللَّه! ما أكثر عتوه! لأنه ظلوم جهول.

стр. 1214

فهَؤُلاءِ الثلاثة توسل الأول منهم ببر الوالدين، ولو كَانَا كافرين، كما قال تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:١٥] الآية. أي: الأبوان الكافران لا تطعهما عَلَى الكفر، ولكن صاحبهما في الدنيا معروفاً، قدم لهم الطعام والكساء، وأعطهم طلباتهم المادية في غير معصية الله، وادعهم إِلَى الخير بالتي هي أحسن، هذا حق واجب عليك وهما كافران، فكيف إذا كانا مؤمنين، فهذا الأول كَانَ يحلب لهما اللبن، وينتظرهما ويعطيهما قبل أن يطعم الأطفال، وذات مرة غلبهما النوم فانتظرهما وهو واقف، والأطفال يتضاغون ويصيحون، ولم يوقظهما ولم يطعم أطفاله، تأمل هذه المواقف، كيف وقف هذا الرجل؟! والثاني توسل إليه بترك الزنى، الذي أصبح اليوم في هذه الدنيا وكأنه من مستلذات الحياة، ومن الأمور العادية -عافانا الله من ذلك- فهذا الرجل تمكن من الفاحشة، ثُمَّ قام لما قالت له: اتق الله، وهذا الزمان كم من واحد تقول له: اتق الله ولكنه من الذين قال الله فيهم: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ [البقرة:٢٠٦] ، وقد قال الله تَعَالَى لنبيه يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:١] وكلنا في حاجة إِلَى أن يقال لنا: اتق الله في كل وقت وحين، ولا خير فينا إن لم نقلها لبعضنا البعض ونتناصح بها، فلما قالت له: اتق الله، ماتت الشهوة وذهبت، واستحضر عظمة الله، وقام وقد قعد منها مقعد الرجل من أهله.

стр. 1215

في هذا الموقف والصخرة عَلَى فم الغار فرجت للأول قليلاً لكن لا يستطيعون الخروج منها، وفرجت للثاني قليلاً؛ ولكنهم كذلك لا يستطيعون الخروج منها، والثالث: دعا الله أنه أوفى الأجير حقه بعد أن نماه له، فهَؤُلاءِ النَّاس عملوا أعمالاً صالحة، وتوسلوا إِلَى الله بها، ألم يكن عندهم أنبياء؟ بلى كَانَ عندهم أنبياء وأولياء ولم يتوسلوا إلا بالمشروع، ففرج الله عنهم ما هم فيه بالتوحيد فالتوحيد يفرج الله به عن الإِنسَان، فبالتوحيد تنال العزة في الدنيا والآخرة، وبالشرك يكون الخزي والذل في الدنيا ويكون العذاب الأبدي في الآخرة، فهذا هو شأن الثلاثة، فالتوسل بالأشخاص لم يكن لا بالنبي ﷺ ولا بغيره، وفيه إجمال كما قال المصنف. أما التوسل بدعائه في حياته فلا بأس به أما بعد موته فلا نتوسل إلا بالإيمان به، وبمحبته وطاعته ﷺ ، فإن كَانَ عبداً صالحاً حياً فلا بأس أن يدعو للمسلمين، وإن كَانَ ميتاً فلا يُدعى، وأما إذا أريد به الإقسام بالحق والجاه -ولو كان جاه النبي - فلا يجوز، وهو مما لم يُشرع لنا أن نتقرب به إِلَى ربنا، يقول المُصْنِّف ﵀: فهَؤُلاءِ -يعني: الثلاثة- دعوا الله بصالح الأعمال؛ لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إِلَى الله، ويتوجه به إليه ويسأله به، لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله. التوحيد أمر مركوز في الفطر لا يحتاج إِلَى استدلال، وإنما يحتاج إِلَى أن يتذكر ويستظهر، ولذلك ذكر الله ﵎ دلائل الربوبية العظمى في القُرْآن مربوطة بالنظر في ملكوت السموات والأرض والتأمل في الأنفس والآفاق. قَالَ المُصنِّفُ ﵀:

стр. 1216

[ومحال توهم عمل الطبائع فيها لأنها موات عاجزة، ولا توصف بحياة، ولن يتأتى من الموات فعل وتدبير، فإذا تفكر في ذلك، وانتقال هذه النطفة من حال إِلَى حال، علم بذلك توحيد الربوبية، فانتقل منه إِلَى توحيد الإلهية. فإنه إذا علم بالعقل أن له رباً أوجده، كيف يليق به أن يعبد غيره؟ وكلما تفكر وتدبر، ازداد يقيناً وتوحيداً، والله الموفق، لا رب غيره، ولا إله سواه] اهـ. الشرح: تعرض المُصنِّفُ لشبهة كانت تثار قديماً وحديثاً وهي القول بأن الطبيعة هي التي تخلق، فتسند أفعال الربوبية إِلَى الطبيعة، فيُقَالُ: الطبيعة خَلَقت، والطبيعة أَوجدَت، والطبيعة أَعطَت، إِلَى آخر ما تقرأونه وتسمعونه، فينسبون أفعال الربوبية إِلَى الطبيعة. والمصنف رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ذكر هذا هنا -وذكره من قبله من العلماء- لأن التأليه للطبيعة أو نسبة الربوبية لها كانت معروفة عند اليونان، فهم أول من أطلق هذه الكلمة وأله الطبيعة، واليونان أمة جاهلية وثنية، وأول نظرية ظهرت واصطدمت بهذا هي نظرية جاليلو، ونظرية كوبرنيك التي حولت أنظار النَّاس إِلَى أن الأرض ليست هي مركز الكون كما قال كوبرنيك: إن الأرض ليست مركز المجموعة الشمسية أو الكون، وإنما الأرض تابع للشمس، ومعها ظهرت نظريةجوردا نوبرونو وأمثالهم. فقام البابوات فأحرقوا هَؤُلاءِ، وأما كوبرنيف فكان له رتبة من رتب الكنيسة فسلم من الأذى، وأما جاليلو فقد عذب وسجن، فكانت هذه المعركة سبباً في أن هرب من الكنيسة هَؤُلاءِ الذين يريدون أن يتخذوا طريقة للعلم والبحث والفكر والعقل، وفي ذلك الوقت لم تكن الطبيعة تسمى إلهاً، وإنما بعد ذلك بزمن، وبالذات لما ظهرت نظرية نيوتن في الجاذبية، قالت النظرية: "إن هذا الكون متماسك بشكل ميكانيكي" أي كل مجموعة وكل جرم من أجرامه متماسك مع الآخر حسب قوانين الجاذبية، فهو بهذه الطريقة يتحرك ويدور تلقائياً وفق هذا القانون الذي اكتشفه نيوتن.

стр. 1217

صراع بين الكنيسة والعلم والعلماء بعد هذا الصراع وجد هَؤُلاءِ النافرون من العبودية لرجال الدين مهرباً يفسرون به هذه الحياة بعيداً عن الإنجيل وبعيداً عن سيطرة رجال الدين، وَقَالُوا: إن كَانَ هناك من إله فإنه قد خلق الكون، ثُمَّ تركه يمشي في طبيعته ويسير وفق هذا القانون، ونادى بذلك كثير من الزعماء، في نفس الوقت الذي كانت الديانة النصرانية ضد الفطرة وضد الطبيعة في الناحية الاجتماعية. ولقد وصف الله تَعَالَى الرهبانية بقوله: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [الحديد:٢٧] . فهذه الرهبانية تفرض عَلَى رجل الدين - لكي يكون الإِنسَان ديِّناً، ومقبولاً في ملكوت الرب كما يعبرون - أن لا يتزوج، فيمتنع عن هذه الغريزة الفطرية التي جعلها الله ﵎ في جميع الحيوانات، فكان هذا بالنسبة لهم موضع ثورة عَلَى الكنيسة تبدأ الاعتراضية من هنا وعلى مبادئها -فالكنيسة معناها المجمع البابوي ورجال الدين "البابا" والكاردينالات الذين من تحته، ثُمَّ القساوسة، ثُمَّ هذا المجمع الديني كله يسمى الكنيسة- لأنهم وجدوا أن هذا ضد الفطرة وضد الطبيعة، وبدأوا يتحللون من هذه القيود، فثار مارتن لوثر وكالسن وأمثالهم من رجال الدين من أجل أن يتحرروا ويتزوجوا.

стр. 1218

أما بالنسبة لبقية المجتمع فهم يريدون أن يثوروا عَلَى هذا النظام الذي هو ضد الفطرة من أجل تحقيق الشهوات، فعندما يلبي بنفسه هذه الرغبة الفطرية حكم عَلَى نفسه بأنه خارج أهل الطهر وأهل النقاء الذين يترفعون عن الشهوات، فوجدت في نفسياتهم هذه الحاجة والإلحاح وهو الزواج، إلا أن يحطم هذا القيد حتى ولو تزوج فإنه يستشعر أنه مقصر ومذنب، هذا الشعور هو الذي بقي مكبوتاً، ثُمَّ تولدت عنه الثورة الجنسية التي شاعت وعمت في أوروبا إِلَى اليوم فلم تشبع ولا تريد أن تشبع من الانهماك في هذه اللذة وهذه الشهوة، كيف قاوم علماء الاجتماع، هذه النظرية وهذا الوضع؟ قالوا: لو ترك الإِنسَان عَلَى طبيعته لتزوج، فالحيوان يتزوج في الغابة، إذاً هذه القيود ضد الطبيعة، ثُمَّ جاءت نظرية نيوتن، وقالت: الطبيعة نظمت الكون، فالأجرام لا تصطدم بعضها ببعض؛ لأن الطبيعة نسقتها ورتبتها، وَقَالُوا: لو تركت الحياة الإِنسَانية عَلَى الطبيعة لانتظم أمر النَّاس ولأفلحوا ولسعدوا، وإنما يأتي الخلل والضرر والشر من تدخل الملوك والأباطرة فيفرضون عَلَى الناس أمور غير طبيعية، ومن هنا دخل تأليه الطبيعة في جميع مناحي الحياة. يقول علماء الاجتماع: الإله هو الطبيعة، ويقولون: الطبيعة هي التي تنظم حياة النَّاس في صورة تلقائية لا انفصام فيها ولا عداء، وعلماء القانون وجد عندهم ما يسمى بالقانون الطبيعي وهو عبارة عن مبادئ عامة أو ما يسمى أحياناً بالعدالة المطلقة وهي مبادئ مركوزه في الطباع مبثوثة في الكون، فيقولون: الطبيعة أودعت قوانين أبدية سرمدية هي الحق والعدل، والإِنسَان إذا خالف هذه القوانين يكون مخطئاً، ومتجاوزاً للحد، فوضعوا قانوناً يسمى القانون الطبيعي، أو الشريعة الطبيعية.

стр. 1219

وجاء علماء الاقتصاد فَقَالُوا: إن تحريم الربا، أو تحريم بعض الأنواع من البيوع، أو تحريم حركة الإِنسَان يخالف الطبيعة؛ لأن النظام السائد في أوروبا هو النظام الإقطاعي، أي: مجموعة قرى يملكها واحد يتحكم فيها، والفلاحون الذين هم فيها أرقاء له، فلا يخرجون إِلَى أي إقطاعية أخرى، ولا يعملون عند أي إقطاعي آخر، فهو متحكم في الأرض ومن عليها قالوا: هذا قانون ضد الطبيعة، وهي أن الإِنسَان يمشي كما يشاء، ويعمل كما يشاء، ولهذا أطلقت جميع القيود باسم القانون الطبيعي وباسم العدالة الطبيعية. ففي علم الاقتصاد أُلَّهت الطبيعة بناءاً عَلَى هذا الشيء، فخرج النَّاس وقامت الثورات وابتدأت ما يسمى بـ"حرية الإِنسَان" بأن يكسب المال بأي وجه شاء، وينفقه فيما يشاء، لأن هذه الحرية هي مقتضى الطبيعة، وهذا هو الذي تدعوا إليه طبائع الأشياء، أو تؤيده القوانين الطبيعية المودعة في الأشياء. ونتيجة لذلك نجد أن الطبيعة قد ألهت في معظم مجالات الحياة، حتى أصبحت بمنزلة الإله فعلاً، فهي تُشرِّع وتَقنَّن وتخلق وترزق، وفي الجانب العلمي الخاص كَانَ العجب أكثر، لأن الذين يشتغلون في الجوانب العلمية في دراسة الطبيعة التي هي الطبيعة فعلاً، لما أخذوا يدرسونها بدأوا يقولون: الطبيعة هي التي تخلق، ثُمَّ بعد ذلك قالوا: كيف نقول: إن الطبيعة تخلق، وكلمة الرب تخلو عنها تماماً؟ فأصبحوا يكتبون كلمة الطبيعة عَلَى أنها علم لا مجرد مخلوق، ولذلك يبتدئون الاسم بالحرف الكبير عادة، كعادة الأعلام في اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات. وثاروا عَلَى ما يسمى بالإله والرب عند النصرانية وأسندوا هذه الأفعال إِلَى الطبيعة. بطلان نظرية المصادفة في الكون

стр. 1220

كلما تطور العلم نظر هَؤُلاءِ الطبائعيون في دقائق الكون ووجدوا أن هذا لا يمكن، ولا يؤدي إِلَى تفسير صحيح، فَقَالُوا: إذاً لمن ننسب الخلق ولمن ننسب الحياة؛ فَقَالُوا: إِلَى المصادفة، فاستخدموا كلمة المصادفة، ووجدوا بعد ذلك أن القوانين الرياضية، والقوانين العلمية نفسها تنفى نفياً قاطعاً أن يكون للمصادفة أي دور في إيجاد هذا الخلق، أفهذا الكون المنظم البديع وجد بالمصادفة؟ هذا شيء لا يقبله أي عقل ولا يمكن عَلَى الإطلاق، بل علماؤهم في أوروبا كتبوا كتباً كثيرة ضد المصادفة، وَقَالُوا: لا يمكن أن يكون للمصادفة أي دور في الحياة لا لأنهم متدينون، ولكن بالنظريات العقلية والبراهين الرياضية وجدوا أن المصادفة لا يمكن أن تفعل أي شيء عَلَى الإطلاق، ولهذا ظهر واشتهر عالم إنجليزي كبير في الطبيعة اسمه وايت هيد فقَالَ: نضع اصطلاحاً وهو: ضد المصادفة، فضد المصادفة هو الذي خلق الإِنسَان، وضد المصادفة خلقت الطبيعة. إذاً ما هو ضد المصادفة؟ فلو قالوا: الطبيعة ليس تحتها حقيقة وإن قالوا مصادفةً، فقد أنكروها، وإن قالوا الرب، قالوا: لا، الرب قد تركناه من قبل أربعة أو خمسة قرون وانتهينا مع الكنيسة. إذاً: ما الذي نقول؟ قالوا: نقول ضد المصادفة، ويعتبرون هذا الوصف أفضل ما يعبر عنه، بل قال بعض مفكريهم لاداعي أن نستخدم أي فاعل أصلاً، فنقول: وجد الإِنسَان قبل ١٠٠٠٠ سنة مثلاً، ووجدت الأرض قبل كذا، ونأتي بها منسوبة إِلَى المجهول، فلا داعي لذكر فاعل يدخلنا في ورطة كما سبق، فنجعلها عامة هكذا، فنقول: وُجِد وخُلِق وهكذا تصبح الأفعال مبنية للمجهول ونرتاح، فانظروا إذا غفلت القلوب وطبع عليها، هَؤُلاءِ النَّاس الذين ألهوا الطبيعة.

стр. 1221

أما في المجال العلمي الخاص، وفي المجال العام وفي المجال الصحفي وفي مجال المؤلفات، بقيت كلمة الطبيعة هي الرائجة وهي المشهورة، لأنها سهلة، ولأنها متداولة عند اليونان وعند الرومان في أكثر من قرنين أو ثلاثة قرون في أوروبا ولأنها أيسر، حتى أصبحت إلها، وأصبح الإِنسَان يستخدمها وهو لا يشعر، فَيَقُولُ: أوجدت الطبيعة، وخلقت الطبيعة وفعلت الطبيعة، وهذا كله مصادم للفطرة السليمة. وهذا أول رائد فضاء في العالم جاجارين السوفيتي، عندما خرج إِلَى الفضاء، ورأى الأرض فذهل ودهش ونسي الرقابة الأرضية عليه واستيقظت فطرته، لأنه ابتعد عن الأرض ونسي أن كلامه محسوب عليه، فكان يقول وهو في الفضاء عندما رأى هذا الكون: لا بد أن لهذا الكون من إله، ولما هبط إِلَى الأرض أرغمته وكالة الأنباء السوفيتية أن يعترف أنه ليس لهذا الكون إله، لا يريدون أن يقولوا: هذا الكون خلقه الله، حتى لا يقال لهم: أنتم رجعيون متعصبون، ومتزمتون ومتدينون ومتطرفون، فيهربون من هذه الكلمة، فَقَالُوا: نقول الطبيعة لأنها تدل عَلَى أننا أناس علميون متحضرون. وفي الحقيقة ما زادوا عَلَى أنهم سموا الله ﵎ بغير اسمه، فسموه "الطبيعة" وليس من أسماء الله الطبيعة، وهم يثبتون الحكمة، ويقولون: الطبيعة حكيمة، الطبيعة عاقلة، الطبيعة تقدر، الطبيعة تخلق، وهذه صفات الله، لكن لا يريدون أن يسمونه باسمه، فهم في الحقيقة لم ينكروا وجود خالق، وإنما سموا هذا الخالق بغير اسمه. وإن كانوا يقولون: نَحْنُ نقصد بالطبيعة حقيقة هذه الأشياء المخلوقة، الموجودة، فنقول: أنتم نسبتم هذا الشيء إِلَى نفسه مثل الذي يقول: الإِنسَان خلق الإِنسَان، والطبيعة خلقت الطبيعة.

стр. 1222

وهذا الكلام لا يقبله أي عاقل، لأنها هي الخالقة وهي المخلوقة في نفس الوقت، وهذا لا يمكن أبداً، وإنما هي اسم يطلق عَلَى المخلوقات، فمن الذي يخلق المخلوقات؟ فأنتم إِلَى الآن لم تأتوا بحل، والكفار في الغرب والشرق الذين نشروا هذا المذهب الإلحادي، والذين أظهروا هذه الكلمة، وعممومها في العالم، وجعلوها هي الإله، أو الذي يُكتب مكان الإله هم يعرفون أنهم يتعلقون بأسماء سموها ليس لها حقيقة، وليس تحتها شيء، وإنما هي أسماء واصطلاحات وضعت هروباً من الإقرار بالله ومن الاعتراف بالحق. وإذا بينا للناس حقيقة صفات الله كما وردت في الكتاب والسنة، فإنه لن يبقى في أذهان النَّاس التباس بأن هذا هو الله وهو الرب وهو الخالق ، من آمن منهم يؤمن عَلَى بينة، ومن كفر فإنه يكفر عن بينة أيضاً، وإلا فإن هذا مفطور ومركوز في جميع الأذهان، وفي جميع القلوب: بأن الله عالم بكل شيء، وأنه عَلَى كل شيء قدير، وأنه هو الخالق ، وأنه الرزاق، وأنه المدبر. فهذه أمور في ذهن كل إنسان، ولكن هذه المعارك التاريخية التي تدور، وهذه الأحقاد والمخاصمات والمجادلات التي تقع بين الناس، وحب الشهوات والاستكبار، وحب الاستعباد، كل هذه أسباب تطرأ عَلَى الإِنسَان، فينكر ربه ، ويُؤلِّه غير الله كما ألهت الطبيعة من قبل. استحالة عمل الطبائع في النطفة

стр. 1223

يقول المُصْنِّف ﵀: [ومحال توهم عمل الطبائع فيها] أي: في هذه النطفة التي خلق الإِنسَان منها، وهي عجيبة. وأصبحت أكثر إثارة للعجب في العصر الحاضر، لأن هذه النطفة عدة ملايين من الحيوان المنوي، يقول: [لأنها موات عاجزة ولا توصف بحياة، ولن يتأتى من الموات فعلٌ وتدبير] كيف يأتي من الميت الذي يسمونه الطبيعة، وهي الجبال والأشجار وما إِلَى ذلك إيجاد الحياة، وكيف يتأتي منها الفعل أو التدبير؟ فإذا تفكر الإِنسَان كيف تنتقل هذه النطفة من حال إِلَى حال، علم بذلك توحيد الربوبية، وهل يكفي أن يعلم الإِنسَان توحيد الربوبية؟ يطلق الناس عَلَى بعض العلماء -في الغرب- أنهم مؤمنون، لأنهم يؤمنون بوجود الله، وأن الذي خلق هذا الكون ويدبره هو الله، والذي يؤمن بوجود الله من علماء الطبيعة والفيزياء والكيمياء، فليس بمؤمن في الشرع؛ لأنه لا فرق بينه وبين كفار قريش، كما قال الله تَعَالَى عنهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:٢٥] . فهم مؤمنون بأن الله هو الخالق وكانوا يدعونه، بل كانوا يصرفون أنواعاً من العبادات له سبحانه، لكن يشركون فيها معه غيره، إذاً فكفار قريش أكثر إيماناً من هَؤُلاءِ، لأن هَؤُلاءِ لا يتعبدون لله تَعَالَى بشيء، ولا يؤمنون بدين الإسلام ولا بنبوة مُحَمَّد ﷺ ، ولا يؤمنون بالقرآن، ولا يقدمون لله تَعَالَى أي نوع من أنواع العبودية، إلا أنهم يقولون: إن الله موجود وهو الذي خلق ورزق وهو الذي يدبر الكون، وهَؤُلاءِ ليسوا بمؤمنين، وإنما هم كفار، ولكن نقول: هَؤُلاءِ الكفار يقرون بالربوبية، هذا غاية ما في الأمر. حقيقة العبودية

стр. 1224

إن التوحيد الذي أنزل الله ﵎ من أجله الكتب، وأرسل من أجله الرسل، هو توحيد الألوهية، ليس توحيد الله في أفعاله، كما هو الحال في توحيد الربوبية، بل هو توحيد الله في أفعال العباد، بأن يعبده الخلق وحده لا شريك له، وأن ينقادوا لأمره، ولا يعترضوا عَلَى حكمه القدري أو حكمه الشرعي، بل يكونون عبيداً لله ، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والتقرب إِلَى الله بما شرع، هذه حقيقة العبودية كما قال تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] فلا بد من تحقيق ذلك، لكي يكون العبد مؤمناً، وإلا فإنه مشرك. فَيَقُولُ: إذا علم ذلك وتفكر في حال النطفة وفي خلقه وفي طعامه كما أمر الله : فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [عبس:٢٤] إذا تأمل في هذا الكون فإنه يقر حينئذ بتوحيد الربوبية، وإذا فعل ذلك انتقل منه إِلَى توحيد الألوهية، فإنه إذا علم بالعقل أن له رباً أوجده، كيف يليق به أن يعبد غيره؟ سُبْحانَ اللَّه! يخلقك ويرزقك ويحييك ويميتك ويعطيك وينعم عليك، ثُمَّ تعبد غيره قُتِلَ الإِنسَانسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس:١٧] وَكَانَ الإِنسَانسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:٥٤] . ولهذا روي في بعض الآثار القدسية (إني والجن والإنس لفي أمر عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إليهم نازل، وشرهم إِلَى صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي) ، وهذا من العجب وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [يونس:١٨] .

стр. 1225

يعبدون الأبقار في الهند قرابة ٨٠٠ مليون، وفي الصين أكثر من ١٠٠٠ مليون، يعبدون تماثيل بوذا -سُبْحانَ اللَّه- وفي الدول الأخرى يعبد الصليب ويعبد عيسى وتعبد مريم، كيف يعبدون غير الله؟! (أخلق ويعبد غيري) وعبدوا النَّار الكواكب، حتى يقال: إنه يوجد في الهند، من يعبد النمل! إن الإِنسَان إذا لم يعبد الله فإنه يتيه ويضل، يوقد النَّار ويعبدها، يصنع الصنم من التمر كما كَانَ العرب في الجاهلية ويعبدونه، ويصنع الحجر ويعبده، فإذا أراد أن يطبخ جَاءَ بحجرين وهذا الثالث وطبخ فوقه، أهذا إله؟ أين عقلك أيها الإِنسَان؟ والعجب أنهم يقولون: إن الله هو الخالق. فإذاً يخلق ويعبدون غيره، هذا من العجب العجاب، ويرزق ويشكرون سواه، انظروا إِلَى حال النَّاس اليوم، إن حصل أحدهم عَلَى رزق، كم من النَّاس يرد الفضل والشكر لله وحده، وكم منهم من النَّاس من يقول إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:٧٨] (هَذَا لِي) [فصلت:٥٠] وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [فصلت:٥٠] . الاعتماد على الأسباب ينافي حقيقة العبودية قال النبي ﷺ كما في حديث ابن عباس ﵄: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت عَلَى أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا عَلَى أن ينفعوك، لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) .

стр. 1226

فالله تَعَالَى هو الذي كتب الخير والشر، فهذه الأرزاق من الله ، وهَؤُلاءِ البشر يسخرهم الله ، نعم يُثنى عَلَى النَّاس ويشكرون ويكافئون ولو بالدعاء، وهذا من حسن أخلاق المسلم أنه يكافئ ويحسن إِلَى من أحسن إليه ولو بالدعاء إذا عجز، لكن أن ينسب كل خير ونعمة وفضل إِلَى الأسباب وينسى الله ﵎، فهذه غفلة كبيرة عن الله ، ولو علم أنه هو وحده الخالق والرازق لعبده وحده كما أشار المُصْنِّف ﵀ هنا كما قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:٣٤] ,. هذا هو الوصف الذي وصفه الله رَبّ الْعَالَمِينَ، هذا الإِنسَان وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:٥٣] فالله ﵎ هو الذي يخلق، ولكن يعبد سواه، ويرزق، ولكن يعبد غيره، خيره نازل إِلَى العباد، فكم ينزل الله ﵎ كل يوم من الخيرات عَلَى هَؤُلاءِ العباد، فكم من فقير أغناه الله تعالى، وكم من مريض عافاه الله ، وكم من مكروب فرج الله تَعَالَى كربه، وكم من مهموم أزال الله همه؟

стр. 1227

كم وكم يتحنن عَلَى هَؤُلاءِ العباد ويرحمهم ويمتنُّ عليهم كل يوم، بل كل حين، بل كل لحظة ونِعَم الله نازلة عَلَى هَؤُلاءِ العباد، ولكن ما الذي يصعد إِلَى الله ، فالملائكة الذين يتعاقبون فينا في الليل والنهار، ما الذي يصعدون به، دعونا من عالم الكفر، فماذا تتوقعون أن تصعد الملائكة به من عالم الكفر، انظروا إِلَى عالم الْمُسْلِمِينَ ودعونا من عالم الْمُسْلِمِينَ عامة، انظروا إِلَى حالتنا نَحْنُ طلبة العلم الذين نعيش -ولله الحمد- في الغالب مع كتاب الله وسنة رَسُول الله ﷺ ، ومع أهل الذكر، ومع أهل الخير، بم ترتفع الملائكة إِلَى ربنا ، ما الذي في صحفنا، صلوات نغفل عنها، ونحن في أثنائها قد لا ندري كم صلينا، وربما جاءت من هاهنا كلمة، ومن هاهنا نظرة، ومن هاهنا شبهة أوشك، فدمرت وأهلكت ما يظن الإِنسَان أنه جمعه من حسنات نتيجة هذه الصلوات، فمن الذي يسلم إلا من عصمه الله تَعَالَى وسلمه. نحن لا نستغني عن الله فخير الله إلينا نازل، كل حين يمدنا بالنعم وبالعافية، وبهذه الحواس التي أعطانا الله إياها من سمع وبصر وفكر وأجساد وقلوب وأموال كل ذلك من نعم الله، وسخر لنا هذه الدنيا وهذا الكون وهذه الكواكب، وجعل الشمس والقمر دائبين لأجل هذا الإِنسَان وليعرف المواقيت والزمان، وليكون لديه نصف العمر ضياءاً، فيكدح ويعمل وينصب، والنصف الآخر هدوءً وراحةً.

стр. 1228

وهذا الماء العجيب الذي لا يمكن للحياة أن تكون بغيره كيف أنزله الله ﵎، وكيف جعله نوعين عذب فرات، وملح أجاج، وهذا فيه من العجائب وهذا فيه من الفوائد وغير ذلك، وكل هذا من عظيم نعم الله فخير الله إلينا نازل، ولكن شرورنا وذنوبنا وسيئات أعمالنا إليه صاعدة، تصعد بها الملائكة كل يوم، وهو ﵎ يتحبب إلينا بالنعم، ولكننا نتبغض إليه بالمعاصي نعوذ بالله، فإن العبد إذا عصى الله ﵎ فقد باعد بينه وبين ربه ، الصلة فتضعف حتى تنقطع. ومع ذلك يتحبب إليه الله بالنعم ويستر عليه، حتى إذا فعل الذنب وراء الذنب والله تَعَالَى يستره عليه، ويذكره ولا يوجد مذنب يفعل ذنباً إلا ويقول الآن سلمت، إذاً لماذا لا أتوب؟ يذكره الله أن داعي الخير في نفسه موجود، وقد جعله الله تَعَالَى في قلب كل مؤمن عرف الله وآمن به، فنعمة الرزق رغم الاستمرار في المعصية موجودة ونعمة الفؤاد موجودة ولم يحجبها الله عنه، ومع ذلك يلح الإِنسَان ويصر إلا أن يستخدم هذه النعم في معصية المنعم الذي أعطاه إياها ، فالإِنسَان ظلوم كفار وهذا شأنه، ولكن في الحقيقة هل العبد يظلم ربه: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة:٥٧] هذا التمادي إنما هو عليك أيها العبد الفقير المسكين المحتاج إِلَى ربك وإذا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ يتعجب كثير من النَّاس.

стр. 1229

قال الله تعالى: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:٤٧] فماذا تتوقعون أن يرى الكافر، وكذلك المسلم العاصي؟ كَانَ بعض السلف إذا قرأ هذه الآية يبكي: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ، لأن الإِنسَان لا يدري ما حاله عند الله، كيف إذا جيء بالثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النَّار نسأل الله العفو والعافية، يؤتى بالقارئ أو العالم فَيَقُولُ: قد قرأت القرآن، وتعلمت العلم، وتفقهت في الدين، من أجلك يارب، فيُقَالُ له: كذبت، إنما تعلمت ليقال قارئ أو عالم، وقد قيل، اذهبوا به إِلَى النَّار نسأل الله العفو والعافية، كَانَ يرى أنه عَلَى خير، وعلى حسنات، وإذا بتلك الأكوام من الحسنات تذهب وتمضي، وكذلك الجواد الكريم المرائي، وكذلك المجاهد المرائي. كذلك الذي يظلم عباد الله ﵎ ويغشهم ويفتري عليهم ويغتابهم ويضربهم ويؤذيهم هَؤُلاءِ يأتون بحسنات كالجبال، ولكن يأتي أحدهم وقد ضرب هذا، وظلم هذا، وسفك دم هذا، وغصب مال هذا، فماذا تكون النتيجة إذا طالب أهل الحقوق بحقوقهم؟ يأخذ من حسناته فتعطى لهم، ففي الآخرة لا درهم ولا دينار، إنما هي الحسنات والسيئات فيؤخذ من حسناته فيعطى لأولئك الغرماء، وإذا لم تكفِ يؤخذ من سيئاتهم فتطرح عليه فيطرح في النَّار نسأل الله العفو والعافية، إذاً هذا يوجب من العبد كمال التيقظ ودوام التذكر والتدبر، فالعبد إذا عرف بالعقل أن له رباً أوجده، كيف يليق به أن يعبد غيره؟ وكلما تفكر وتدبر، ازداد يقينا وتوحيداً، والله الموفق، لا رب غيره، ولا إله سواه. دعوة إلى التفكر في الأنفس والآفاق

стр. 1230

ولهذا أُمرنا في آيات كثيرة بأن نتفكر وأن نتدبر في أنفسنا وفي الآفاق وفي الأحياء والأموات وفي الماء وفي الجبال والشمس والقمر والنجوم والسماء وفي هذه الحدائق والأزهار والأشجار، وكل ما نراه أمامنا فهو موضع عبرة، وموضع تفكر، لو تفكر الإِنسَان لازداد يقيناً، وازداد توحيداً، وطاعة لله . ولقد كَانَ السلف الصالح رضوان الله تَعَالَى عليهم يتفكرون في هذا، ويتفكرون معه في أحوال الأمم، وفي مصير الغابرين والهالكين من الموتى، وهذه عبر عظيمة لا يتفكر فيها إلا المؤمنون. فالنظر في الطبيعة من هذا الكون يشترك فيه المؤمن والكافر ويتعجبون، لكنِ المؤمنون يختصون بنظر اعتبار وإيمان في الموتى وفي الأمم الخالية وفي العصور السابقة. ويتفكر الإِنسَان أين قوم نوح؟ وكم كَانَ يعيش الإِنسَان من قوم، نوح وأين عاد؟ وكيف كَانَ حال عاد؟ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:٧،٨] . وكيف كَانَ حال ثمود الذين نحتوا الجبال واتخذوا من سهولها قصوراً، وأمدَّهم الله ﵎ بالأنعام والبنين، ماذا صنع الله ﵎ بهم؟ وماذا كَانَ جزاؤهم ومصيرهم؟ وأين قوم لوط؟ ولماذا أهلكوا؟ ولماذا عذبوا؟ وما هو الذنب الذي فعلوه؟ كل ذلك مما يتفكر به عباد الله المؤمنون، يتفكرون في أقدار الله ، وفي عجائب خلقه وتدبيره. كيف يموت أبو طالب عَلَى الكفر وقد ولد وتربى مُحَمَّد ﷺ في حضنه وفي حجره، جَاءَ الوحي إِلَى النبي ﷺ وعاش ﷺ يدعو إِلَى الله وهو في حماية أبي طالب حتى أنه حوصر معه في الشعب، ودافع عنه وحماه، ولكنه مات عَلَى الكفر.
следующие страницы →