Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
فالله تَعَالَى هو الذي كتب الخير والشر، فهذه الأرزاق من الله ، وهَؤُلاءِ البشر يسخرهم الله ، نعم يُثنى عَلَى النَّاس ويشكرون ويكافئون ولو بالدعاء، وهذا من حسن أخلاق المسلم أنه يكافئ ويحسن إِلَى من أحسن إليه ولو بالدعاء إذا عجز، لكن أن ينسب كل خير ونعمة وفضل إِلَى الأسباب وينسى الله ﵎، فهذه غفلة كبيرة عن الله ، ولو علم أنه هو وحده الخالق والرازق لعبده وحده كما أشار المُصْنِّف ﵀ هنا كما قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:٣٤] ,.
هذا هو الوصف الذي وصفه الله رَبّ الْعَالَمِينَ، هذا الإِنسَان وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:٥٣] فالله ﵎ هو الذي يخلق، ولكن يعبد سواه، ويرزق، ولكن يعبد غيره، خيره نازل إِلَى العباد، فكم ينزل الله ﵎ كل يوم من الخيرات عَلَى هَؤُلاءِ العباد، فكم من فقير أغناه الله تعالى، وكم من مريض عافاه الله ، وكم من مكروب فرج الله تَعَالَى كربه، وكم من مهموم أزال الله همه؟
стр. 1227
كم وكم يتحنن عَلَى هَؤُلاءِ العباد ويرحمهم ويمتنُّ عليهم كل يوم، بل كل حين، بل كل لحظة ونِعَم الله نازلة عَلَى هَؤُلاءِ العباد، ولكن ما الذي يصعد إِلَى الله ، فالملائكة الذين يتعاقبون فينا في الليل والنهار، ما الذي يصعدون به، دعونا من عالم الكفر، فماذا تتوقعون أن تصعد الملائكة به من عالم الكفر، انظروا إِلَى عالم الْمُسْلِمِينَ ودعونا من عالم الْمُسْلِمِينَ عامة، انظروا إِلَى حالتنا نَحْنُ طلبة العلم الذين نعيش -ولله الحمد- في الغالب مع كتاب الله وسنة رَسُول الله ﷺ ، ومع أهل الذكر، ومع أهل الخير، بم ترتفع الملائكة إِلَى ربنا ، ما الذي في صحفنا، صلوات نغفل عنها، ونحن في أثنائها قد لا ندري كم صلينا، وربما جاءت من هاهنا كلمة، ومن هاهنا نظرة، ومن هاهنا شبهة أوشك، فدمرت وأهلكت ما يظن الإِنسَان أنه جمعه من حسنات نتيجة هذه الصلوات، فمن الذي يسلم إلا من عصمه الله تَعَالَى وسلمه.
نحن لا نستغني عن الله فخير الله إلينا نازل، كل حين يمدنا بالنعم وبالعافية، وبهذه الحواس التي أعطانا الله إياها من سمع وبصر وفكر وأجساد وقلوب وأموال كل ذلك من نعم الله، وسخر لنا هذه الدنيا وهذا الكون وهذه الكواكب، وجعل الشمس والقمر دائبين لأجل هذا الإِنسَان وليعرف المواقيت والزمان، وليكون لديه نصف العمر ضياءاً، فيكدح ويعمل وينصب، والنصف الآخر هدوءً وراحةً.
стр. 1228
وهذا الماء العجيب الذي لا يمكن للحياة أن تكون بغيره كيف أنزله الله ﵎، وكيف جعله نوعين عذب فرات، وملح أجاج، وهذا فيه من العجائب وهذا فيه من الفوائد وغير ذلك، وكل هذا من عظيم نعم الله فخير الله إلينا نازل، ولكن شرورنا وذنوبنا وسيئات أعمالنا إليه صاعدة، تصعد بها الملائكة كل يوم، وهو ﵎ يتحبب إلينا بالنعم، ولكننا نتبغض إليه بالمعاصي نعوذ بالله، فإن العبد إذا عصى الله ﵎ فقد باعد بينه وبين ربه ، الصلة فتضعف حتى تنقطع.
ومع ذلك يتحبب إليه الله بالنعم ويستر عليه، حتى إذا فعل الذنب وراء الذنب والله تَعَالَى يستره عليه، ويذكره ولا يوجد مذنب يفعل ذنباً إلا ويقول الآن سلمت، إذاً لماذا لا أتوب؟ يذكره الله أن داعي الخير في نفسه موجود، وقد جعله الله تَعَالَى في قلب كل مؤمن عرف الله وآمن به، فنعمة الرزق رغم الاستمرار في المعصية موجودة ونعمة الفؤاد موجودة ولم يحجبها الله عنه، ومع ذلك يلح الإِنسَان ويصر إلا أن يستخدم هذه النعم في معصية المنعم الذي أعطاه إياها ، فالإِنسَان ظلوم كفار وهذا شأنه، ولكن في الحقيقة هل العبد يظلم ربه: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة:٥٧] هذا التمادي إنما هو عليك أيها العبد الفقير المسكين المحتاج إِلَى ربك وإذا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ يتعجب كثير من النَّاس.
стр. 1229
قال الله تعالى: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:٤٧] فماذا تتوقعون أن يرى الكافر، وكذلك المسلم العاصي؟ كَانَ بعض السلف إذا قرأ هذه الآية يبكي: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ، لأن الإِنسَان لا يدري ما حاله عند الله، كيف إذا جيء بالثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النَّار نسأل الله العفو والعافية، يؤتى بالقارئ أو العالم فَيَقُولُ: قد قرأت القرآن، وتعلمت العلم، وتفقهت في الدين، من أجلك يارب، فيُقَالُ له: كذبت، إنما تعلمت ليقال قارئ أو عالم، وقد قيل، اذهبوا به إِلَى النَّار نسأل الله العفو والعافية، كَانَ يرى أنه عَلَى خير، وعلى حسنات، وإذا بتلك الأكوام من الحسنات تذهب وتمضي، وكذلك الجواد الكريم المرائي، وكذلك المجاهد المرائي.
كذلك الذي يظلم عباد الله ﵎ ويغشهم ويفتري عليهم ويغتابهم ويضربهم ويؤذيهم هَؤُلاءِ يأتون بحسنات كالجبال، ولكن يأتي أحدهم وقد ضرب هذا، وظلم هذا، وسفك دم هذا، وغصب مال هذا، فماذا تكون النتيجة إذا طالب أهل الحقوق بحقوقهم؟ يأخذ من حسناته فتعطى لهم، ففي الآخرة لا درهم ولا دينار، إنما هي الحسنات والسيئات فيؤخذ من حسناته فيعطى لأولئك الغرماء، وإذا لم تكفِ يؤخذ من سيئاتهم فتطرح عليه فيطرح في النَّار نسأل الله العفو والعافية، إذاً هذا يوجب من العبد كمال التيقظ ودوام التذكر والتدبر، فالعبد إذا عرف بالعقل أن له رباً أوجده، كيف يليق به أن يعبد غيره؟ وكلما تفكر وتدبر، ازداد يقينا وتوحيداً، والله الموفق، لا رب غيره، ولا إله سواه.
دعوة إلى التفكر في الأنفس والآفاق
стр. 1230
ولهذا أُمرنا في آيات كثيرة بأن نتفكر وأن نتدبر في أنفسنا وفي الآفاق وفي الأحياء والأموات وفي الماء وفي الجبال والشمس والقمر والنجوم والسماء وفي هذه الحدائق والأزهار والأشجار، وكل ما نراه أمامنا فهو موضع عبرة، وموضع تفكر، لو تفكر الإِنسَان لازداد يقيناً، وازداد توحيداً، وطاعة لله .
ولقد كَانَ السلف الصالح رضوان الله تَعَالَى عليهم يتفكرون في هذا، ويتفكرون معه في أحوال الأمم، وفي مصير الغابرين والهالكين من الموتى، وهذه عبر عظيمة لا يتفكر فيها إلا المؤمنون.
فالنظر في الطبيعة من هذا الكون يشترك فيه المؤمن والكافر ويتعجبون، لكنِ المؤمنون يختصون بنظر اعتبار وإيمان في الموتى وفي الأمم الخالية وفي العصور السابقة.
ويتفكر الإِنسَان أين قوم نوح؟ وكم كَانَ يعيش الإِنسَان من قوم، نوح وأين عاد؟
وكيف كَانَ حال عاد؟ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:٧،٨] .
وكيف كَانَ حال ثمود الذين نحتوا الجبال واتخذوا من سهولها قصوراً، وأمدَّهم الله ﵎ بالأنعام والبنين، ماذا صنع الله ﵎ بهم؟ وماذا كَانَ جزاؤهم ومصيرهم؟
وأين قوم لوط؟ ولماذا أهلكوا؟ ولماذا عذبوا؟ وما هو الذنب الذي فعلوه؟ كل ذلك مما يتفكر به عباد الله المؤمنون، يتفكرون في أقدار الله ، وفي عجائب خلقه وتدبيره.
كيف يموت أبو طالب عَلَى الكفر وقد ولد وتربى مُحَمَّد ﷺ في حضنه وفي حجره، جَاءَ الوحي إِلَى النبي ﷺ وعاش ﷺ يدعو إِلَى الله وهو في حماية أبي طالب حتى أنه حوصر معه في الشعب، ودافع عنه وحماه، ولكنه مات عَلَى الكفر.
стр. 1231
وسلمان الفارسي في أقصى البلاد يترك النَّار ويتحول من راهب إِلَى راهب، كل ذلك ليبحث عن الدين والحق، ثُمَّ يؤمن، فيهديه الله ﵎ للإيمان وينفر بفطرته من الكفر، وهذا الذي يرى الآيات البينات الساطعات أمام عينيه، ولكنه لم يؤمن، فالله إذا شاء أهلك الإِنسَان، وأماته وهو في منتهى القوة، وإذا شاء أنقذه من موت محقق، وقد شارف عَلَى الهلاك وقارب الموت، فإذا به يعود صحيحاً سوياً معافىً كأنه لم يضره شيء.
اعرف نفسك تعرف ربك
لو تفكر الإِنسَان في ربه لآمن به وازداد به يقيناً ومعرفة، ولهذا قال من قال من السلف: "اعرف نفسك تعرف ربك"، فإذا عرفت ضعفك عرفت قوة الله ، وإذا اعرفت جهلك عرفت علم الله سبحانه تعالى، وإذا عرفت ذنوبك عرفت رحمة الله بك ولطفه، وأنه لم يهلكك بهذه الذنوب ولم يؤاخذك بها بل تركك لعلك تتوب، وإذا عرفت تقصيرك عرفت كرم الله ومنَه عليك بالنعم والخيرات التي تتابع وتتوالى وأنت في غفلة عنها ولا تدري ولا تحسب لها أي حساب، ولو فقدت واحدة منها لتغيرت حياتك جميعها.
إذاً: لو أن الإِنسَان عرف نفسه عَلَى الحقيقة فلن يرى في نفسه إلا الضعف والعجز والافتقار، ويعرف أن ربه هو الموصوف بكمال الغنى، وكمال العلم، وكمال الحكمة، وأنه ﵎ لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، فالتفكر في هذه الأمور، مما يجب علينا جميعاً، لنزداد إيماناً بالله ﵎، ونزداد عبودية له سبحانه في أنفسنا.
العبودية عبوديتان
стр. 1232
لنكن عباداً لله حقيقة وإلا فكل ما في الكون هو عبد لله: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً [مريم:٩٣] كلهم عباده، لكن فرق بين العبد المتعبد بالاختيار، وبين العبد الذي يتكبر عَلَى الله، فلا بد أن نحقق عبودية الاختيار لله ، ولنحذر من الاعتراض عَلَى الله ﵎ والاعتراض عَلَى أمره وأقداره وأحكامه، فإن هذه تتنافى مع اليقين والتوحيد، وتتنافى مع التفكر، لأنه لا يعترض إلا الجاهل الذي لم يتفطن إِلَى حكمة الله أبداً، من إذا قيل له: هذا حرام اعترض، هذا جاهل بحكمة الله في التشريع، ومن إذا قيل له: هذا قدر الله، فاعترض وأبى هذا جاهل بحكمة الله بالمقادير،.
فيجب أن يكون المؤمن دائماً منقاداً مذعناً مستسلماً لربه ﵎، هذه الدرجة التي لو بلغ الإِنسَان ذروتها لكان كما قال ﷺ في حديث جبريل (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وإذا وصل العبد إِلَى هذه الحالة، فإنه يصبح في منزلة عظيمة عند ربه كما في حديث الولي (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سئلنى لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، هو يكره الموت، وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه) .
стр. 1233
فالإِنسَان إذا ازداد به اليقين والتفكر والتأمل يصل إِلَى هذه الدرجة، الله هو الذي كتب الموت عَلَى كل حي كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:٣٥] ، فلا يتردد في شيء مثل تردده في هذا، وهنا أمران يتعارضان، هو يكره الموت، وأنا أكره مساءته، لا يريد أن يسوء هذا العبد بالموت، والعبد طبيعتة أنه يكره الموت، فهذا الذي هو ملك لله، وهو غني عنه في لحظة، ومع ذلك تبلغ قيمة هذا العبد عند الله أن يصير عنده بهذه المنزلة، وبهذه الدرجة، لما أن تقرب إِلَى الله .
стр. 1234
شرح العقيدة الطحاوية
القدر
فضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي
موضوعنا هو عن إثبات الإرادة لله والفرق بين الإرادة والمشيئة، ومتعلق كل منهما، وأما موضوع الإيمان بالقدر بكامله وما يتعلق به؛ فإنه من المباحث التي تأتي -بإذن الله تعالى- في الثلث الأخير من هذا الكتاب، عند قولالطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وأصل القدر سر الله في خلقه لم يطلع عليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخِذلان وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان.
فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله طوى علمه عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تَعَالَى في كتابه: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣] ، فمن سأل لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كَانَ من الكافرين] .
يحسن بنا أن نبدأ الحديث عن نشأة القدرية، وما حكمهم؟ ومن هم القدرية الموجودون اليوم؟
أولاً: حديث جبريل ﵇ لما جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إِلَى ركبتيه، ووضع يديه عَلَى فخذيه، وسأل النبي ﷺ عن أركان الإسلام وأركان الإيمان، فَقَالَ له النبي ﷺ : (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) .
فكان أصحاب النبي ﷺ يؤمنون بالقدر، وأنه من ضمن العقيدة التي يجب أن يعتقدها كل مؤمن.
стр. 1235
ومن ذلك حديث علي قال: ﴿كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة قال فقال رجل يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فقال من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قرأ قول الله ﵎: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى *وَصدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:٥-١٠] .
فبين لهم النبي ﷺ أنه لا بد من العمل.
стр. 1236
وفي حديث صحيح آخر سأله الصحابة سؤالاً أصرح وأجلى من ذلك، ﴿بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيما العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟﴾ -أي: هذه الأعمال والطاعات والكدح في الدنيا أفي أمر قد جرت به الأقدار، وجفت به الأقلام، أم هو أمر جديد؟ - فَقَالَ النبي ﷺ : ﴿بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به الأقدار﴾ ، أي: أن الله ﵎ قد علمه وكتبه، ومع ذلك اعملوا؛ فإنكم لا تدرون الغيب المكنون ولا ما كتب لكم، فيجب علينا أن نعلم أن الله قد كتب كل شيء الطاعة والمعصية، وأما قبل ذلك، فإن بأيدينا حرية الاختيار، وعلم الغيب محجوب عنا، فعلينا أن نختار طريقة أهل الخير والطاعة والسعادة وأهل الحسنى، ونعمل بما أمر الله فإننا إن فعلنا الخير والطاعة أو فعلنا الشر؛ فإنه يطابق ما عند الله كوناً وقدراً وإرادةً؛ لأنه لا يخرج عن إرادة الله سبحانه شيء.
стр. 1237
قال تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإِنسَان:٣] فهو الذي يختار أن يكون من الشاكرين أو يكون من الكافرين بمحض إرادته واختياره، والله ﵎ إنما فضل بني آدم عَلَى المخلوقات في الأرض بهذه الإرادة وهذا الاختيار، وكذلك إذا عمل بالطاعة أكرمه الله ﵎ بالجزاء الأوفى، وهي الجنة ورؤيته ﵎ وإن عمل بالمعصية عاقبه أعظم وأشد العقوبة وهي النار، بخلاف العجمي-الحيوان- يحشرها الله يَوْمَ القِيَامَةِ ويقتص لبعضها من بعض؛ حتى إنه ﴿يقتص للشاة الجلحاء -التي ليس لها قرون- من الشاة القرناء﴾ -ذات القرون- وبعد أن يفصل الله ﵎ بينها يقول لها ﵎: كوني تراباً، وحينئذٍ يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً؛ لأنه في الدنيا اختار المعصية، فتمنى يَوْمَ القِيَامَةِ أن يكون حيواناً ليكون تراباً ولا يدخل النَّار.
فالإِنسَان قد احتمل الأمانة وكلف بهذا الدين، وجعل الله له سبيل الاختيار، فبإمكانه أن يترقى في أعلى درجات المقربين، وبإمكانه أن يسفل إِلَى أحط درجات المبعدين المبغضين عند الله ﵎.
وأول ما ظهر التكذيب بالقدر في مكانيين: البصرة، ودمشق.
والذي أظهره في البصرة هو معبد الجهني، وفي دمشق رجل يدعى غيلان الدمشقي.
стр. 1238
أما غيلان فإنه يبدو أنه أخذها عن أهل الكتاب -فإنه كَانَ في دمشق نصارى- ويقَالَ: إنه تتلمذ عَلَى يد أحد الرهبان يدعى يوحنا النصراني -وهذا في أيام بني أمية- وقال عنهالذهبي: ضال مسكين أخذ هذه البدعة -إنكار القدر- من يوحنا، وأما معبد الجهني فإنه كَانَ بالبصرة، وكانت أول بلاد الإسلام ظهوراً للبدع؛ لأنها تقع في أقرب نقطة إِلَى الفرس وبلاد الهند، وهذه الدول لها فلسفات وأديان وعقائد موروثة، فلما اختطتالبصرة وسكنها الْمُسْلِمُونَ من قبائل بني تميم وأشباهها -ممن تأخر دخولهم في الإسلام وبعضهم ارتد عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ ثُمَّ عاد فيه، كَانَ فيها بعض أصحاب النبي ﷺ ، وهم الذين أشاعوا فيها النور والخير؛ لكن مع ذلك فيها هَؤُلاءِ الذين أسلموا حديثاً من الفرس والهنود، ولديهم بقايا من موروثاتهم ومعتقداتهم.
فظهرت في البصرة أول البدع، من ذلك بدعة الغلو في العبادة، والزهد إِلَى حد التصوف، وبدعة إنكار القدر، وفي أول صحيح مسلم أن رجلين من التابعين أتيا إِلَى ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما- وقالا له: إن قوماً عندنا بالبصرة قد أظهروا إنكار القدر، فغضب ابْنُ عُمَرَ ﵁ من ذلك غضباً شديداً، وقَالَ: بلغوهم أنني منهم براء، وأنهم مني براء، ثُمَّ ذكر الحديث عن أبيه عمربن الخطاب وهو حديث جبريل المعروف.
стр. 1239
وأما عبد الله بن عباس ﵄ فإنه لما بلغه قول من أنكر القدر -وكان قد كبر وكف بصره- قَالَ: قربوه مني فوالله لئن أمكنني الله منه لأدقن عنقه، ثُمَّ أَخبر أن هَؤُلاءِ مجوس مُشْرِكُونَ، وأنهم والله سينكرون الخير كما أنكروا الشر، يعني: كما أنكروا نسبة الشر إِلَى الله فسوف يأتي عليهم يوم ينكرون أيضاً الخير، فيكونون مجوساً، ويعلنون الشرك، كما أن إليات نساء دوس ستضطرب عَلَى ذي الخلصة، فكما سيقع الشرك في الألوهية والعبودية، فسوف يقع شرك هَؤُلاءِ في القدر، هكذا قال ابن عباس ﵄ فيما رواه اللالكائي.
فالقول بالقدر ظهر في أواخر حياة الصحابة -وعبد الله بن عمر وابن عباس من صغار الصحابة- ثم ظهرت المعتزلة وأخذوا مقالة المجوس الذين قالوا: أن للعالم إلهين، أو خالقين: إلهاً للخير، وإلهاً للشر، فالمعتزلة الذين سُمو قدرية قالوا: إن الله إنما يقدر على أن يخلق في الإنسان، وأما الشر: فإن الإنسان هو الذي يخلقه من عند نفسه، فجعلوا خالقاً مع الله ، وجعلوا الله خالقاً للخير، والإنسان خالقاً للشر، ولهذا سموا ﴿مجوس هذه الأمة﴾ ، وقد ورد تسميتهم في عدة أحاديث مرفوعة، وكثير من العلماء يرجح أنها موقوفة عَلَى كلام الصحابة كابن عباس وغيره، وسيأتي تفصيله -إن شاء الله-. .
ثانياً: إنما سميت القدرية بهذا الإسم لأنهم نفوا القدر، فنُسبوا إِلَى الشيء الذي نفوه.
стр. 1240
وقد جَاءَ رجل من الأعراب فيه ذكاء وذهن وقاد إِلَى عمرو بن عبيد، وكان المعتزلة يعظمونه ويقولون: هذا يضرب به المثل في العبادة والزهد في الدنيا والتقشف والتقلل؛ لكنه كَانَ عَلَى عقيدة منحرفة لا تغني ولا تنفع صاحبها أبداً، مثل أحبار اليهود والنَّصارَى، يتعبدون ويخشعون ولكن لا ينفعهم ذلك، فالأعرابي -مسكين من أهل البصرة - سرقت ناقته فلم يجدها فاحتار، فَقَالُوا: اذهب إِلَى هذا الولي العابد الزاهد، واطلب منه أن يدعو الله ليرد لك ناقتك، فذهب إِلَى عمرو بن عبيد وشكا إليه الحال، وقَالَ: إن الناقة قد سرقت، وإني أرجو أن تدعوا الله أن يرد إلي الناقة، فرفع عمرو بن عبيد يديه وقَالَ: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقة هذا الأعرابي، اللهم فارددها عليه! فَقَالَ الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك!! ما دام أنه أراد أن لا تسرق فسرقت، فأخشى أن يريد أن ترجع فلا ترجع.
فالفطرة السليمة عندما تكون حاضرة وحية في النفس، تعرف بالذكاء أن هذا المذهب مذهب باطل.
فمذهب المعتزلة: أن الخير ينسب إِلَى الله، والشر يخلقه ويفعله العبد، والله تَعَالَى لم يرد وقوعه، وتطور هذا المذهب إِلَى أن صار مذهب عامة المعتزلة وفرقهم عَلَى اختلافها.
سبق في موضوع التمثيل والتشبيه أن الشيعة كانوا مشبهة، ثُمَّ غَلب عليهم التعطيل لما دخلوا في مذهب الاعتزال واعتنقوه.
وذكرنا السبب الذي جعل الشيعة يصبحون معتزلة وقدرية، فالشيعة الزيدية والشيعة الغلاة الرافضة كلهم يجمعهم أنهم عَلَى مذهب الاعتزال في القدر.
стр. 1241
وشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رد عَلَى الشيعة بكتاب منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية لأن الذي سمى نفسه بالمطهر ألف كتاب منهاج الكرامة وقَالَ: إن مذهبنا -مذهب القدرية - إنما أخذه عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء عن أبي هاشم أخي الحسن بن مُحَمَّد بن عَلَى بن أبي طالب الذي يسمى مُحَمَّد بن الحنفية، وهو ابن لعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب، ولكن ليس منفاطمة ﵃ أجمعين- وأمه من بني حنيفة.
فمذهبنا في نفي القدر صحيح؛ لأن واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد تتلمذا علىأبي هاشم، ولذلك رد عليهم شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ فقَالَ: هذا الكلام غير صحيح، فإن أبا هاشم لم يكن من المعتزلة، والمعروف عنمُحَمَّد بن الحنفية أنه لم يكن معتزلياً، ولو أن أحداً من ذريته أثرت عنه بدعة، لما كَانَ حجة في أن تتبع ويخالف ما كَانَ عليه النبي ﷺ وأصحابه، لكن الشيعة اختلفوا سنداً لنفي القدر لا ينتهي إِلَى عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الذين هم أساس الاعتزال؛ لأنه لو قيل إنهم أخذوا القدر عن معبد وغيلان وعن تلاميذهم، لكان هذا عاراً ومسبةً، فجعلوا كل علومهم وأديانهم متلقاة عن آل النبي ﷺ ، ولذلك أتوا بهذا السند وَقَالُوا: أخذوا عن أبي هاشم بن مُحَمَّد بن عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ، وهذا كذب صراح؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر القدر والعياذ بالله.
стр. 1242
وهناك فرقة أخرى تسمىالقدرية؛ لأنها تثبت القدر إثباتاً مطلقاً، فيقولون: كل ما يفعله الإِنسَان فإن الله قد قدره عليه، والإِنسَان ليس له إرادة مطلقاً، فلا يختار الخير ولا الشر، وإنما هو كالريشة في مهب الريح، فهَؤُلاءِ يسمون القدرية للغلو في إثباته، لكن اسمهم المشهور هو الجهمية؛ لأن أول من قال بهذه المقالة في الإسلام هو الجهم بن صفوان.
وأشهر ما يسمون به الجبرية، وأعظم ما يستدلون به حديث احتجاج آدم وموسى ﵉، وهي فكرة قديمة موروثة أخذوا يتلمسون ويبحثون لها عن حجج واهية، أو متشابه من الكتاب والسنة يفهمونها فهماً خاطئاً ثُمَّ يدعون أنها بينات.
فهاتان الفرقتان -الذين غلو في نفي القدر، والذين غلوا في إثبات القدر- يسميان القدرية؛ ولكن أحدهما: قدرية نفاة، والأخرى جبرية.
ثالثاً: حكم القدرية:
أما من ينفي علم الله بالأعمال قبل أن تقع سواء كانت أعمال الخير أو أعمال الشر ويقول: إن الله لا يعلمها حتى تقع؛ فإنه كافر خارج من الملة؛ لأنه نفى صفة من صفات الله ورد إثباتها في مواضع كثيرة من القُرْآن والسنة.
فالله عليم بكل شيء، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فمن ظن أنه يعزب عن علم الله شيء من ذلك، وأن الله لا يعلمه فقد كفر.
стр. 1243
بل اللوح المحفوظ الذي ذكره الله كتب فيه مقادير كل شيء، كماجاء في الحديث الصحيح: (أول ما خلق الله القلم، فَقَالَ له: اكتب. فكتب مقادير كل شيء) وهذا كَانَ قبل أن يخلق الله السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ولذلك قال ابن عباس ﵄: ألستم عرباً تقرؤون؟! إنما يكون النسخ من كتاب، وهذا في قول الله ﵎: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:٢٩] فالملائكة الذين يكتبون ما يعمله كل إنسان، يستنسخون من اللوح المحفوظ، فما يفعله الإِنسَان يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ ويعرض عليه، ويقال له: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، فهذا مستنسخ من اللوح المحفوظ وهو مطابق لما سيفعله.
ونجد أن أول ما خلق الله آدم ﵇ أخذ من صلبه ذريته، فكان كل منهم كالذر، وقال هَؤُلاءِ في الجنة ولا أبالي، وهَؤُلاءِ في النَّار ولا أبالي، كما سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في شرح آية الميثاقوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] .
وكل واحد من بني آدم عندما يكون في رحم أمه، بعد أن يأتي عليه أربعون ليلة، أو اثنتان وأربعون ليلة، أو مائة وعشرون ليلة -على اختلاف الروايات، والأرجح -والله أعلم- أن رواية الثنتين والأربعين نص في ذلك- يأتيه ملك، فيؤمر بكتب أربع كلمات، وهذا هو القدر الشخصي للإنسان، والذي كتب لما خلق الله القلم هو القدر الكوني العام، ولما خلق الله آدم كتب قدر البشرية جميعاً، فهذا التقدير مكتوب معلوم عند الله -سبحانه تعالى- عَلَى مستوى الكون كله، وعلى مستوى العالم الإِنسَاني، وعلى مستوى الفرد البشري يعلمه الله ويكتبه.
стр. 1244
وأما من قَالَ: إن الله يعلم ذلك، لكن لا نثبت أنه أراد ذلك؛ تنزيهاً له عن إرادة الشر، فهَؤُلاءِ عَلَى بدعة خطيرة وضلالة كبيرة، ولكن لا يكفرون، وإنما تقام عليهم الحجة الدامغة، فلعلهم يرجعون ويهتدون، ونجادلهم بقضية العلم، ثُمَّ نثنّي عليها بآيات الإرادة، ونبين لهم معنى الإرادة وأنها نوعان.
وأما الجهمية الذين قالوا: إن الإِنسَان لا إرادة له مطلقاً، وأنه كالريشة في مهب الريح، فإن هَؤُلاءِ يكفرون، وقد سبق الكلام في الجهمية ومن كفرهم من العلماء مثل: وكيع، وابن المبارك، والإمام أَحْمَد، وسفيان بن عيينة، وإسحاق بن راهويه ﵃ أجمعين- وهي ليست من فرق الأمة الثلاث والسبعين.
قال الإمامالطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[ولا يكون إلا ما يريد] .
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[هذا رد لقول القدرية والمعتزلة، فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من النَّاس كلهم، والكافر أراد الكفر، وقولهم فاسد مردود لمخالفته الكتاب والسنة، والمعقول الصحيح، وهي مسألة القدر المشهورة، وسيأتي لها زيادة بيان -إن شاء الله تعالى-.
وسُموا قدرية لإنكارهم القدر، وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية أيضاً، والتسمية عَلَى الطائفة الأولى أغلب.
أما أهل السنة، فيقولون: إن الله وإن كَانَ أراد المعاصي قدراً، فهو لا يحبها ولا يرضاها، ولا يأمر بها، بل يبغضها، ويسخطها، ويكرهها، وينهى عنها، وهذا قول السلف قاطبة، فيقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولهذا اتفق الفقهاء عَلَى أن الحالف لو قَالَ: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لم يحنث إذا لم يفعله، وإن كَانَ واجباً أو مستحباً، ولو قَالَ: إن أحبّ الله، حنث إذا كَانَ واجباً أو مستحباً. والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان:
стр. 1245
إرادة قدرية كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية: هي المتضمنة للمحبة والرضى. والكونية: هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث.
وهذا كقوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:١٢٥] وقوله تَعَالَى عن نوح ﵇: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:٣٤] وقوله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:٢٥٣] وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية، فكقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:١٨٥] وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء:٢٦] وقوله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانسَانُ ضَعِيفاً [النساء:٢٨،٢٧] وقوله تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:٦] وقوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب:٣٣] ، فهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول النَّاس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ما لا يريده الله، أي: لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به.
стр. 1246
وأما الإرادة الكونية، فهي الإرادة المذكورة في قول الْمُسْلِمِينَ: ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن. والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل، وبين إرادته من غيره أن يفعل. فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلاً فهذه الإرادة المعلقة بفعله، وإذا أراد من غيره أن يفعل فعلاً، فهذه الإرادة لفعل الغير، وكلا النوعين معقول للناس، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى، فالله تَعَالَى إذا أمر العباد بأمر، فقد يريد إعانة المأمور عَلَى ما أمر به، وقد لا يريد ذلك، وإن كَانَ مريداً منه فعله] ا. هـ
الشرح:
قول الطّّحاويّ ﵀: [ولا يكون إلا ما يريد] هذا رد عَلَى القدرية والمعتزلة؛ فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من النَّاس كلهم، والكافر أراد الكفر.
فغلبت إرادة الكافر إرادة الله -والعياذ بالله- عَلَى مقتضى كلامهم؛ ولهذا يقولون: إن الكافر يخلق فعل نفسه، وأما الله فلا يخلق فعل الكافر ولا معصية العاصي، ويقولون: ننزه الله ونجله عن ذلك.
стр. 1247
وهذا مردود بالكتاب والسنة -كما بينا - وأما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كَانَ يريد المعاصي قدراً، فهو لا يحبها ولا يرضاها؛ لأن الإرادة الكونية أمر مقضي مكتوب قبل أن تخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وأما الإرادة الشرعية فإنها تأتي بعد ذلك في حق الإِنسَان، فمثلاً: لما بعث الله الأَنْبِيَاء أتى كل نبي يأمر قومه بما يريده الله شرعاً وأمراً من الإيمان به وتوحيده -جل شأنه- أو الكفر بالطاغوت والانتهاء عن المعاصي، فكل من يبلغه كلام الله يقتضي منه ذلك، وهو فعل مأمور أو ترك محظور، فإن هذه هي إرادة الله الشرعية، يريد منه شرعاً أن يصلي، ويريد منه شرعاً أن ينتهي عن الزنا أو الربا أو الخمر أو غير ذلك، أما الإرادة الكونية فأمرٌ قد أمضاه الله ، وجفت به الأقلام، وجرت به المقادير، كما جَاءَ في الحديث.
стр. 1248
وأما احتجاج الْمُشْرِكِينَ بقدر الله فيقول الله في سورة الأنعام: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:١٤٨-١٤٩] وقال الله ﵎ في سورة النحل: وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:٣٥] وقال في سورة الزخرف: وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الزخرف:٢٠] وفي سورة يس: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:٤٧] .
فالمهم هي هذه المواضع الثلاثة الأولى التي احتج بها المُشْرِكُونَ عَلَى شركهم بالقدر.
فكان الرد عليهم من القُرْآن الذي فيه البيان الشافي والجواب الكافي لكل شبهة إِلَى أن تقوم الساعة، كما قال عبد الله بن عباس ﵄: " ما من شبهة إِلَى أن تقوم الساعة إلا وجوابها في القرآن ".
فأجاب الله عَلَى الذين يحتجون بالقدر من الْمُشْرِكِينَ، أو من عصاة هذه الأمة، ويقولون: إن الله قد قدر علينا المعاصي!!
стр. 1249
أولاً قَالَ: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام:١٤٨] وقال في سورة النحل: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النحل:٣٣]
فهذا الكلام قد قاله أمم من قبلهم -وهو الاحتجاج بالقدر- فكفار قريش قالوا: نَحْنُ نحتج عَلَى مُحَمَّد بأنه لو كَانَ الله لا يرضى أن نعبد هذه الأصنام فكيف شاء ذلك؟ فلو شاء الله ما أشركنا؛ لكن نَحْنُ نعبدها لأنه شاء ذلك، فَقَالَ الله : كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:١٤٨] ثُمَّ طالبهم الله بالحجة، وذكر أنه قد بين جل شأنه الحجة، وأن حجته الأمرية الشرعية لا يمكن أن تتفق مع كونه رضي بذلك الشيء وأقره.
فقَالَ: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:١٤٨] ، وقال جل شأنه: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:١٤٩] ، وقال جل شأنه: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:٧] فلو أن المشيئة هي الرضا لهداكم أجمعين، فلو شاء لهداكم أجمعين، وخلقكم أمة واحدة مؤمنة، لكن من حكمة الله أن خلقكم فمنكم كافر، ومنكم مؤمن، وهذا فيه حكم عظيمة جداً منها: بعث الرسل، واصطفاء عباد الله المؤمنين، وإذلال الكافرين، وليكون الإِنسَان الذي كرمه الله تَعَالَى عَلَى جميع المخلوقات حر الإرادة، يختار هذا الطريق أو ضده، ومنها: أن يكون للجنة أهل، وللنار أهل.
стр. 1250
فالاحتجاج بالمشيئة والإرادة قد أجاب الله عنه في سورة النحل، فَقَالَ جل شأنه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] فجعل الإِنسَان مختاراً وأقام الحجة عليه، فيا سُبْحانَ اللَّه! كيف تقولون: إن الله تَعَالَى راض عن شركنا، وأنه يريد لنا الشرك، وهو يقول: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] ولو قيل كيف يهدي أناساً ويضل آخرين، قال الله: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] .
ثُمَّ قال بعد ذلك إِنْ تَحْرِص عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [النحل:٣٧] .
فالله ﵎ يوفق للهداية من شاء تفضلاً بعد أن تقوم الحجة، ويحجب هذه الهداية عمن شاء بعد أن تقوم عليه الحجة، فما كفر كافر إلا باختيار منه بعد قيام الحجة عليه من الأنبياء، وهو يتحمل عاقبة وجزاء هذا الاختيار، وما آمن مؤمن إلا بفضل من الله وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [يونس:١٠٠] فهذا فضل وتكرم من الله ومن كمال عدله أنه أوجب عَلَى نفسه أن لا يعذبهم حتى يبعث فيهم رسولاً: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] .
والنَّاس يَوْمَ القِيَامَةِ نوعان:
стр. 1251
أ-نوع لم يأتهم نذير: كمن عاش في جزيرة نائية؛ أو في مكان لم تبلغهم الدعوة قط، فعدل الله ورحمته وحكمته اقتضت أن لا يعذبهم حتى يقيم عليهم الحجة؛ لأنهم لم يأتهم نذير، فيختبرهم الله يَوْمَ القِيَامَةِ؛ فإن أطاعوه أدخلهم الجنة، وإن عصوه أدخلهم النار، عَلَى القول الراجح.
٢-نوع يقولونها افتراءً وكذباً، كما في الحديث الصحيح عندما يسأل الله قوم نوحوَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:٦٥] ماذا أجبتم نوح؟! هل جاءكم من نذير؟! لماذا أشركتم؟! فيجيب قوم نوح: ما جاءنا من نذير.
فيقول الله : يا نوح ما صنعت بقومك؟ فَيَقُولُ: يا رب دعوتهم إِلَى ما أمرتني به.
فيقول لقوم نوح: ما تقولون في قوله هذا فيقولون كذب، فيقول الله ﵎: يا نوح من يشهد لك؟ فيقول نوح: مُحَمَّد ﷺ وأمته، فيأتي رَسُول الله ﷺ وأمته فيشهدون أن نوحاً قد بلّغ -ونحن والله نشهد أن نوحاً بلغ أمته- لأن كتاب الله بين أيدينا ينطق بذلك وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُول ولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:١٤٣] فنحن شهداء عَلَى الناس، ما من نبي تكذبه أمته يَوْمَ القِيَامَةِ في البلاغ؛ إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ؛ لأن الله أخبرنا بذلك في كتابه -الذكر المحفوظ - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فاحتجاج الْمُشْرِكِينَ باطل ومردود بأعظم دليل وهو بعثة الرسل، فإن بعثة الرسل تبطل دعواهم أن الله شاء لهم الكفر، أي: رضيه لهم.
стр. 1252
وكذلك كل من فجر أو بغى أو عصى من هذه الأمة فقَالَ: لا أصلي؛ لأن الله لم يشأ لي الهداية، يرد عليه بما رد الله ﵎ أن الله لو شاء ذلك بمعنى: أنه رضيه له، فلماذا شرع الحلال والحرام؟! ولماذا بعث نبينا ﷺ ؟! فحرم الزنا، وشرع عقوبة له، إما الجلد وإما الرجم، وشرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل هذه الأمور لماذا تكون؟!
فلو أن الله رضي بالزنا -والعياذ بالله- فلماذا حرمه؟!.
إذن. لا يرضاه، فإنه تَعَالَى وإن كَانَ كتبه أو شاءه إلا أنه يبغضه ويسخطه ولا يرضاه، بل توعد صاحبه بالنَّار والجزاء الأشد، فلماذا تختار ذلك بمحض مشيئتك وإرادتك؟!
فأنت تعاقب عَلَى هذه المشيئة والإرادة، ولهذا فرق بين من جيء به مقيداً مغلولاً فأخذ مال إنسان أو قتل إنساناً دون أن يتعمد ذلك، وهو مقيد مغلول مقهور، وبين من يذهب إليها راضياً مطمئناً، فعندما يحتج هذا بأنه مجبور وأنه مقدر عليه؛ فكأنه يقول: أنا مكتَّف ومقيد ومرغم عَلَى أن أفعل هذا.
وإنما قالت القدرية ذلك لجهلهم وسوء استدلالهم، كما في قصيدة شَيْخ الإِسْلامِ التائية في الاحتجاج بالقدر التي شرحها الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى يقول: إن قول هَؤُلاءِ النَّاس كقول الذئب هذه طبيعتي، فلو جَاءَ ذئب وهجم عَلَى مزرعتك، وعبث في الغنم، ثُمَّ قتلته، فقيل لك: أتقتله وهذه طبيعته وهو هكذا خُلق يأكل الغنم؟ فلا شك أنك لن تقبل هذا الكلام، فالله خلقه ليأكل الغنم وهذا قدر الله، لكن أيضاً قدر الله أن أعطاني أيضاً من الإرادة ما أحفظ بها غنمي، فأنا أرد القدر بالقدر.
فالواحد منهم لو أخذ الذئب غنمه لكان أشجع ما يكون حتى يقتله، وإذا ارتكب معاصي الله قَالَ: هذا قدر الله علينا، وهذه طبيعتنا، وكذا خلقنا.
стр. 1253
وهذه الشبهات تنشأ من مرض القلب، وليست مبنية عَلَى هدى، فلذلك قال الله : قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:١٤٨] .
هناك فرق بين المشيئة والمحبة، فالمشيئة غير المحبة فمثلاً الله أراد الكفر قضاءً وقدراً، وكتب أن هناك أناساً يكفرون؛ لأنه لا يقع إلا ما يريد الله، ولكنه -سبحانه- لا يحب الكفر ولا يرضى لعباده الكفر، والله لا يحب الكافرين، ولا يحب الفاسقين، ولا يحب الظالمين، فهناك فرق بين الرضا وبين المشيئة، ولذا ذكر المُصنِّفُ مثالاً فقهياً -حتى من كَانَ معتزلياً أو قدرياً فإنه يفتي به- وهو أنه لو حلف أو نذر رجل عَلَى شيء، ثُمَّ علقه بالمشيئة أو بالمحبة، فقَالَ: والله لأتصدقن بألف ريال -إن شاء الله- فهذا عند جميع المذاهب الأربعة حكمه أنه إن تصدق فله الأجر، وإن لم يتصدق فلا شيء عليه؛ لأنه قَالَ: إن شاء الله، يخير الإِنسَان في فعله أو عدمه؛ لأنه لا يدري هل يشاء الله أم لا يشاء؛ لأن ذلك في اللوح المحفوظ، والإِنسَان بحريته واختياره يفعل ما يشاء وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإِنسَان:٣٠] ، لكن لو قَالَ: والله لأتصدقن بألف ريال إن أحب الله، قال الفقهاء: يجب عليه أن يتصدق، فالله يحب المتصدقين، ويحب عطاء المساكين.
فكونه شاء شيئاً لا يقتضي أنه يحبه، لكن كونه يحب شيئاً فمعناه أنه مأمور ومطلوبٌ شرعاً، إما وجوباً وإما استحباباً، فهذا هو الفرق: أن المشيئة لا تتضمن المحبة.
والإرادة الواردة في القُرْآن والسنة نوعان:
الإرادة الكونية القدرية
стр. 1254
وهي: أن ما أراده الله وقضاه كوناً وقدراً قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، جرت به المقادير وجفت به الأقلام، فلا ينسخه شيء، وهو في اللوح المحفوظ، ومن هذه الإرادة: أن الله أراد أن يوجد فرعون ويكون كافراً، ويكذب موسى ثُمَّ يغرق، وأن يكفر أبو لهب، وأن يكون من أهل النار، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً [الفرقان:٣١] ، وهذه الإرادة لا يخرج عنها شيء بإطلاق، فإن الله قد شاء وأراد وكتب وقضى، وقدر طاعة المطيع ومعصية العاصي، وكفر الكافر، وشرك المشرك، وبدعة المبتدع، والحياة والموت وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:٥٩] حتى سقوط الحبة يابسة جافة في ظلام الليل لا يسمعها الإِنسَان وهو في جوارها؛ فإنها مكتوبة، حتى حركة الذر، وحركة أصغر الكائنات -الميكروبات أو الجراثيم- كل شيء مكتوب، فهذه الإرادة الكونية شاملة لجميع الموجودات والكائنات، ولذلك نقول: أراد الله كذا. أي: خلقة وقدره وشاء وقوعه.
الإرادة الشرعية الأمرية
стр. 1255
هذه الإرادة الشرعية مثل إرادة الله منا أن نصلى ونزكي، وإرادته من قوم نوح أن يؤمنوا، ومنفرعون أن يؤمن، ومن أبي لهب أن يؤمن، فهنا شرع وطلب ذلك، والفرق -كما يذكر المُصْنِّف -أن الإرادة الأولى فعل من الله هو كتبه وأمضاه وقدره، وأما الإرادة الثانية فهو فعل من العبد مطلوب منه أن يفعله، فالكونية (أراد) بمعنى: خلق وقدر، والشرعية (أراد) بمعنى: أمر ونهى، فهما إرادتان مختلفتان، فالله يقول: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:٥٦] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:١٢٥] ويقول نوح لقومه: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ َ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:٣٤] وقول الله : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:٢٥٣] وقوله : فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] وقوله تعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣] فهذه الإرادة الكونية.
стр. 1256
وأما الإرادة الشرعية الأمرية فمثل قول الله سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:١٨٥] أي: شرع لكم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً [النساء:٢٧] ويقول: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء:٢٦] يقول: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة:٦] فلم يرد الله لنا شرعاً أن نقع في حرج، لكن قد نقع فيه قدراً كونياً.
فالله أراد كوناً وقدراً أن أبا لهب وفرعون لا يؤمنان، بل يكونان كافرين، وأراد منهما شرعاً وأمراً أن يؤمنا، وجاءت لهما البراهين والبينات من موسى ﵇ ومُحَمَّد ﷺ ، فكفرفرعونوأبو لهب بهذه الآيات وبهذا النور المبين، فاستحق كل منهما عذاب الله ولم تتحقق فيهما الإرادة الشرعية؛ لأنها من فعل العبد، فلا يلزم أن تتحقق ولا أن تقع، وإنما له الخيار أن يفعل فيدخل الجنة، أو أن يعصي فيدخل النار، فوقع منأبي لهب وفرعون اختيار الكفر، أما المؤمن كأبِي بَكْرٍ وعُمَر ﵄ فإن الله تَعَالَى أراد لهم الهداية كوناً وقدراً وكتب عنده في اللوح المحفوظ أنهما يكونان مؤمنين قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، فلما بعث الله نبيه محمداً ﷺ طلب منهما طلباً وشرعاً أن يؤمنا فآمنا، فتحققت فيهما إرادة الله الكونية التي لا يقع شيء إلا وفقها ومقتضاها، وتحققت الإرادة الشرعية التي هي محل اختيار العبد.
стр. 1257
فمن هنا نعرف الفرق بين الإرادتين، ويتبين لنا كيف نرد عَلَى شبهة هَؤُلاءِ القدرية: الذين يقولون إن الإرادة والمشيئة تستلزم المحبة.
ولهذا يقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فهذه الإرادة -يعني: الإرادة الشرعية- هي المذكورة في مثل قول النَّاس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ما لا يريده الله، يعني: لا يرضاه ولا يحبه الله، لكن لو قالها آخر بمعنى: ما قدره الله ولا كتبه، فهذا إما أن يكون منكراً للعلم فيكون كافراً، وإما أن يكون فقط ينكر نسبة الشر إِلَى الله فيكون ضالاً مبتدعاً، ففرق بين الحالتين، لكن عامة النَّاس يستخدمونها بمعنى: لا يحبه، وهو شيئ محرم؛ لأن الله ورسوله لا يريدان الحرام وهكذا ...
وأما الإرادة الكونية فهي الإرادة المذكورة في قول الْمُسْلِمِينَ: ما شاء الله كَانَ وما لم يشأ لم يكن، يعني: ما أراد الله كَانَ وما لم يرد الله لم يكن، فتبين لنا الفرق بين نوعي من الإرادة.
ثُمَّ قَالَ: والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل، وبين إرادته من غيره أن يفعل، أي: بين إرادة الله أن يفعل الشيء سبحانه؛ فهو فعال لما يريد، وبين إرادته من غيره أن يفعل، فالأولى متعلقة بفعله، والأخرى متعلقة بفعل المأمور، ثُمَّ إن المأمور قد يعان عَلَى ما أمر، وقد لا يعان.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
стр. 1258
[وتحقيق هذا مما يبين فصل النزاع في أمر الله تعالى: هل هو مستلزم لإرادته أم لا؟ فهو سبحانه أمر الخلق عَلَى ألسن رسله ﵈ بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم، ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله، فأراد سبحانه أن يخلق ذلك الفعل، ويجعله فاعلاً له، ومنهم من لم يرد أن يخلق فعله، فجهة خلقه سبحانه لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات غير جهة أمره للعبد عَلَى وجه البيان، لما هو مصلحة للعبد أو مفسدة، وهو سبحانه إذا أمرفرعون وأبا لهب وغيرهما بالإيمان، كَانَ قد بين لهم ما ينفعهم ويصلحهم إذا فعلوه، ولا يلزم إذا أمرهم أن يعينهم، بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل وإعانتهم عليه وجه مفسدة من حيث هو فعل له؛ فإنه يخلق ما يخلق لحكمة، ولا يلزم إذا كَانَ الفعل المأمور به مصلحة للمأمور إذا فعله أن يكون مصلحة للآمر إذا فعله هو، أو جعل المأمور فاعلاً له، فأين جهة الخلق من جهة الأمر؟ فالواحد من النَّاس يأمر غيره وينهاه مريداً لنصحه ومبيناً لما ينفعه، وإن كَانَ مع ذلك لا يريد أن يعينه عَلَى ذلك الفعل، إذ ليس كل ما كَانَ مصلحتي في أن آمر به غيري وأنصحه، يكون مصلحتي في أن أعاونه أنا عليه، بل قد تكون مصلحتي إرادة ما يضاده، فجهة أمره لغيره نصحاً غير جهة فعله لنفسه، وإذا أمكن الفرق في حق المخلوقين، فهو في حق الله أولى بالإمكان.
والقدرية تضرب مثلاً بمن أمر غيره بأمره؛ فإنه لا بد أن يفعل ما يكون المأمور أقرب إِلَى فعله، كالبشر والطلاقة وتهيئة المساند والمقاعد، ونحو ذلك.
فيقال لهم: هذا يكون عَلَى وجهين: أحدهما: أن تكون مصلحة الأمر تعود إِلَى الآمر، كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه، وأمر السيد عبده بما يصلح ملكه، وأمر الإِنسَان شركاءه بما يصلح الأمر المشترك بينهما، ونحو ذلك.
стр. 1259
الثاني: أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له، كالأمر بالمعروف، وإذا أعان المأمور عَلَى البر والتقوى، فإنه قد علم أن الله يثيبه عَلَى إعانته عَلَى الطاعة، وأنه في عون العبد ما كَانَ العبد في عون أخيه. فأما إذا قدر أن الآمر إنما أمر المأمور لمصلحة المأمور لا لنفع يعود عَلَى الآمر من فعل المأمور، كالناصح المشير، وقدر أنه إذا أعانه لم يكن ذلك مصلحة للآمر، وأن في حصول مصلحة المأمور مضرة عَلَى الآمر، مثل الذي جَاءَ من أقصى المدينة يسعى، وقال لموسى ﵇: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:٢٠] فهذا مصلحته في أن يأمر موسى ﵇ بالخروج، لا في أن يعينه عَلَى ذلك، إذ لو أعانه لضره قومه، ومثل هذا كثير.
وإذا قيل: إن الله أمر العباد بما يصلحهم، لم يلزم من ذلك أن يعينهم عَلَى ما أمرهم به، لا سيما وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحداً عَلَى ما به يصير فاعلاً.
وإذا عللت أفعاله بالحكمة، فهي ثابتة في نفس الأمر، وإن كنا نَحْنُ لا نعلمها، فلا يلزم إذا كَانَ في نفس الآمر له حكمة في الأمر أن يكون في الإعانة عَلَى فعل المأمور به حكمة، بل قد تكون الحكمة تقتضي أن لا يعينه عَلَى ذلك. فإنه إذا أمكن في المخلوقات أن يكون مقتضى الحكمة والمصلحة أن يأمر بأمر لمصلحة المأمور، وأن تكون الحكمة والمصلحة للآمر أن لا يعينه عَلَى ذلك، فإمكان ذلك في حق الرب أولى وأحرى.
والمقصود: أنه يمكن في حق المخلوق الحكيم أن يأمر غيره بأمر ولا يعينه عليه، فالخالق أولى بإمكان ذلك في حقه مع حكمته، فمن أمره وأعانه عَلَى فعل المأمور، كَانَ ذلك المأمور به قد تعلق به خلقه وأمره نشأةً وخلقاً ومحبةً، فكان مراداً بجهة الخلق ومراداً بجهة الأمر.
стр. 1260
ومن لم يعنه عَلَى فعل المأمور، كَانَ ذلك المأمور قد تعلق به أمره ولم يتعلق به خلقه، لعدم الحكمة المقتضية لتعلق الخلق به، ولحصول الحكمة المقتضية لخلق ضده.
وخلق أحد الضدين ينافي خلق الضد الآخر، فإن خلق المرض الذي يحصل به ذل العبد لربه ودعاؤه وتوبته، وتكفير خطاياه، ويرق به قلبه، ويذهب عنه الكبرياء والعظمة والعدوان، يضاد خلق الصحة التي لا تحصل معها هذه المصالح، ولذلك كَانَ خلق ظلم الظالم الذي يحصل به للمظلوم من جنس ما يحصل بالمرض، يضاد خلق عدله الذي لا يحصل به هذه المصالح، وإن كانت مصلحته هو في أن يعدل.
وتفصيل حكمة الله في خلقه وأمره، يعجز عن معرفتها عقول البشر، والقدرية دخلوا في التعليل عَلَى طريقة فاسدة مثلوا الله فيها بخلقه، ولم يثبتوا حكمة تعود إليه] اهـ
الشرح:
هذا الكلام على طوله يناقش قضية فرعية جزئية قالها القدرية وهي: أن الآمر إذا أمر بشيء، أو المريد إذا أراد شيئاً، فإن إرادته ذلك تستلزم الإعانة على فعله.
وقد رد المُصنِّفُ ﵀ عَلَى القدرية: بأن الموضوع له جهتان:
جهة خلقه وإرادته للشيء والأمر به.
وجهة إعانته العبد عَلَى فعل ما أراده .
стр. 1261
والله إنما يعاقب العبد الكافر والعاصي بعد أن يبين له الحجة، وهو قد كتب عَلَى نفسه أن لا يعاقب أحداً إلا بعد أن يبين له الحق والحجة والصواب وَمَا كَانَ َ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة:١١٥] فضرب المثال بفرعون وأبي لهب، جاءتهما الحجج من عند الله والبيان فكفرا به، فلا يلزم من إرادة الإيمان منهما أن يعينهما الله ، وأن يوفقهما الله للإيمان؛ لأن هناك حِكما ومصالح تفوت في عدم كفرفرعون وأبي لهب، بل في وجود الكافرين عموماً، فهذه الحكم تفوت وتنتفي لو أنه وفقهما للإيمان كما وفق أبا بكر وعُمَرَ، وإنما بيّن لهما وأراهما الحجة، ثُمَّ وفقهما الله وتفضل عليهم فاختارا الهدى، فهو أعان المؤمنين عَلَى هداهم ووفقهم وتفضل عليهم بالهداية، لكنه لم يمنع الكافرين حقاً لهم عليه .
وإنما أعذر إليهم وأقام الحجة عليهم، فقول القدرية هَؤُلاءِ: إن الآمر يلزمه أن يعين المأمور، كلام مردود، وهذا من تشبيههم لله بخلقه، مثلما قالوا: إن الإِنسَان إذا أمر أحداً بشيء فإنه لا بد أن يظهر عليه من البشر أو الطلاقة أو من واقع الحال ما يدل عَلَى أنه يعينه عليه، لذلك قالوا: إن الله يلزم عليه أن يعين الكافر ويوفقه للإيمان أو الطاعة.
مع أن الخلق عندهم الأمر ينفك عن الإعانة، فقد لا يكون مصلحة للآمر أن يعينه، بل قد يكون خلاف ذلك، كالرجل الذي جَاءَ من أقصى المدينة يسعى فَقَالَ لموسى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:٢٠] .
стр. 1262
فمصلحته أن يأمر موسى ﵇ بالخروج فقط، لكنه لو أعانه وأرشده وأخذ بيده، أو حمله عَلَى بعيره حتى يخرجه، لكانت هناك مضرة عَلَى هذا الرجل لو رآهفرعون وقومه؛ لكن هو مصلحته في أن يخبره ويبلغه، فَقَالَ له: إن بقيت ظفر بك قومفرعون؛ فإنهم سوف يؤذونك ويقتلونك، وإذا خرجت فستسلم، فاخرج إني لك من الناصحين.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[فإن قيل: هل يلزم من تأثير صلة الرحم، في زيادة العمر ونقصانه تأثير الدعاء في ذلك، أم لا؟
فالجواب: أن ذلك غير لازم، لقوله ﷺ لأم حبيبة ﵂: (قد سألت الله تَعَالَى لآجال مضروبة) الحديث، كما تقدم.
فعُلمَ أن الأعمار مقدرة، لم يشرع الدعاء بتغييرها، بخلاف النجاة من عذاب الآخرة. فإن الدعاء مشروع له نافع فيه، ألا ترى أن الدعاء بتغيير العمر لما تضمن النفع الأخروي شرع كما في الدعاء الذي رواه النَّسَائِيُّ من حديث عمار بن ياسر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك عَلَى الخلق أحيني ماكنت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) إِلَى آخر الدعاء.
ويؤيد هذا مارواه الحاكم في مستدركه من حديث ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ : (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) .
وفي الحديث رد عَلَى من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء، وقد ثبت فيالصحيحن عن النبي ﷺ أنه (نهى عن النذر، وقَالَ: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) .
واعلم أن الدعاء يكون مشروعاً نافعاً في بعض الأشياء دون بعض، وكذلك هو.
ولهذا لا يحب الله المعتدين في الدعاء.
стр. 1263
وكان الإمام أَحْمَد ﵀ يكره أن يدعى له بطول العمر، ويقول: هذا أمر قد فرغ منه] اهـ.
الشرح:
هو ماورد في الحديث وذلك بأن نسأل الله بكل اسم هو له -مثلاً- اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ... إِلَى آخر الدعاء المعروف.
أو نقول: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت الحي القيوم) أو نحو ذلك، فهذا أفضل أنواع التوسل أن يُسأل الله بأسمائه وصفاته، أو بعمل صالح عمله الإِنسَان كما كَانَ من أصحاب الغار -الثلاثة النفر- الذين دعوا الله بأعمالهم الصالحة التي فعلوها فكشف الله عنهم ما هم فيه.
وأما التوسل بذوات المخلوقين فإنه لا يجوز بل هو بدعة، فالأولى للعبد المسلم أن يتوسل إِلَى الله بأسمائه وصفاته أو بعمل صالح عمله، وكذلك التوسل بجاه فلان من النَّاس لا يجوز، ولو كَانَ هذا المتوسل بجاهه نبي، أو ولي ممن لديه منزلة عظيمة عند الله؛ لأنه لا رابطة هنا بين المتوسل والمتوسل به.
ومن شروط الدعاء وآدابه: ألا يدعو فيه بقطيعة رحم، كما جَاءَ في الحديث: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) ، وكثير من النَّاس لم يعملوا بهذا الشرط فتراهم يدعون عَلَى أزواجهم وأولادهم وأقربائهم وهذا لا ينبغي أن يكون ولو حصل له من هَؤُلاءِ الأذى والعنت.
فقد (جَاءَ رجل إِلَى النبي ﷺ وقَالَ: يا رَسُول الله ! إن لي قرابة: أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي قَالَ: إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل) والمل هو الرماد الحار.
والشرط الأخير: أن لا يدعو الإِنسَان بدعاء فيه اعتداء قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:٥٥] .
стр. 1264
والاعتداء في الدعاء يمنع من قبول الدعاء. ومثاله: أن تعلم أن الله إذا قبض ميتاً لا يبعثه مرة أخرى في هذه الحياة الدنيا، فتدعو الله أن يبعثه! لأن هذا لا يمكن أن يتحقق. أو تدعو الله أن ينتقم من رجل صالح من عباد الله الأتقياء، وأنواع الاعتداء في الدعاء كثيرة.
وظاهر دعاء أم حبيبة ﵂ أنه نوع من الاعتداء في الدعاء؛ لأن دعاء الإِنسَان لأحد بطول العمر أو قصره مع الاعتقاد الجازم أن الله خلق الخلق وقدر لهم أقداراً، وضرب لهم آجالاً، فيه اعتداء واضح.
وجهة النظر الأخرى: الدعاء سبب والأسباب مخلوقة والله يقول: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] فلا يبعد أن يكون هذا من الأسباب التي تدفع البلاء وترد القضاء وتجعل صاحبها يطول عمره، وكما أن الإِنسَان إذا وصل رحمه، فإنه يطول عمره فكذلك إذا قطعهم، فإنه يقصر عمره.
النذر لا يرد القضاء
وتطرق المُصْنِّفُ بعد ذلك إِلَى النذر، لأن كثيراً من العوام يظنون أن النذر يحقق لهم ما يريدون، فإذا مرض لأحدهم مريض نذر أنه إذا شفى الله مريضه أن يتصدق بكذا وكذا من المال، فإذا شفي المريض ظن أن ذلك بسبب النذر، وأنه قد استرضى الله تَعَالَى بهذا العمل الصالح، وهذا أيضاً مما رده النبي ﷺ في قولهِ: (إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) وذلك أن البخيل قبل أن يبتليه الله تَعَالَى لا ينفق ولا يتصدق، فلما حلت به البلية نذر عَلَى نفسه بالإنفاق والتصدق، وهذا مالا ينبغي أن يكون عليه المؤمن.
стр. 1265
كما قال النبي ﷺ عندما (سُئل أي الصدقة أعظم أجراً، قَالَ: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر وترجو الغنى) فالمؤمن في وقت الرخاء يتصدق ويعطي، فإذا نزلت به بعد ذلك نازلة فإنه يسأل الله ولا ينذر، فإن سأله - مثلاً - بالعمل الصالح الذي عمله في وقت الرخاء، كأن يقول: اللهم يا رب! إني تصدقت بتلك الصدقة عَلَى فلان فإن كنت تعلم أنها خالصة لوجهك الكريم فاشف مريضي، كما فعل أصحاب الغار، فهنا يكون الدعاء في محله، وتكون تلك الصدقة في محلها؛ لأنها حصلت في وقت رخاء، فيكون أحسن حالاً من ذلك البخيل.
الدعاء وهو العبادة
والذي ينبغي أن يعلم أن الدعاء بحد ذاته عبادة لا يستغنى عنه أي مخلوق، وقد طلب الله تَعَالَى منا ذلك بقوله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:٦٠] ، أما ما يقوله بعض الفلاسفة أو بعضالصوفية الغلاة - وتسرب إِلَى بعض العوام- أنه لا حاجة إِلَى الدعاء، وبعضهم يفلسفها بكلمة واحدة فَيَقُولُ: (علمه بحالي يغني عن سؤالي) ، وهذا غير صحيح، لأن الله سبحانه يعلم أحوال العباد لكنه يريد من العبد أن يتضرع إليه وأن يظهر الانكسار بين يديه، والخضوع؛ لأن هذه قربة وعبادة، وأشد ما يكون العبد خاضعاً لله عندما يتضرع إليه في أمر ملح وهو محتاج مضطر إليه.
следующие страницы →