← Акыда

Акыда · id 2827

شرح العقيدة الطحاوية - سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

والله إنما يعاقب العبد الكافر والعاصي بعد أن يبين له الحجة، وهو قد كتب عَلَى نفسه أن لا يعاقب أحداً إلا بعد أن يبين له الحق والحجة والصواب وَمَا كَانَ َ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة:١١٥] فضرب المثال بفرعون وأبي لهب، جاءتهما الحجج من عند الله والبيان فكفرا به، فلا يلزم من إرادة الإيمان منهما أن يعينهما الله ، وأن يوفقهما الله للإيمان؛ لأن هناك حِكما ومصالح تفوت في عدم كفرفرعون وأبي لهب، بل في وجود الكافرين عموماً، فهذه الحكم تفوت وتنتفي لو أنه وفقهما للإيمان كما وفق أبا بكر وعُمَرَ، وإنما بيّن لهما وأراهما الحجة، ثُمَّ وفقهما الله وتفضل عليهم فاختارا الهدى، فهو أعان المؤمنين عَلَى هداهم ووفقهم وتفضل عليهم بالهداية، لكنه لم يمنع الكافرين حقاً لهم عليه . وإنما أعذر إليهم وأقام الحجة عليهم، فقول القدرية هَؤُلاءِ: إن الآمر يلزمه أن يعين المأمور، كلام مردود، وهذا من تشبيههم لله بخلقه، مثلما قالوا: إن الإِنسَان إذا أمر أحداً بشيء فإنه لا بد أن يظهر عليه من البشر أو الطلاقة أو من واقع الحال ما يدل عَلَى أنه يعينه عليه، لذلك قالوا: إن الله يلزم عليه أن يعين الكافر ويوفقه للإيمان أو الطاعة. مع أن الخلق عندهم الأمر ينفك عن الإعانة، فقد لا يكون مصلحة للآمر أن يعينه، بل قد يكون خلاف ذلك، كالرجل الذي جَاءَ من أقصى المدينة يسعى فَقَالَ لموسى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:٢٠] .

стр. 1262

فمصلحته أن يأمر موسى ﵇ بالخروج فقط، لكنه لو أعانه وأرشده وأخذ بيده، أو حمله عَلَى بعيره حتى يخرجه، لكانت هناك مضرة عَلَى هذا الرجل لو رآهفرعون وقومه؛ لكن هو مصلحته في أن يخبره ويبلغه، فَقَالَ له: إن بقيت ظفر بك قومفرعون؛ فإنهم سوف يؤذونك ويقتلونك، وإذا خرجت فستسلم، فاخرج إني لك من الناصحين. قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [فإن قيل: هل يلزم من تأثير صلة الرحم، في زيادة العمر ونقصانه تأثير الدعاء في ذلك، أم لا؟ فالجواب: أن ذلك غير لازم، لقوله ﷺ لأم حبيبة ﵂: (قد سألت الله تَعَالَى لآجال مضروبة) الحديث، كما تقدم. فعُلمَ أن الأعمار مقدرة، لم يشرع الدعاء بتغييرها، بخلاف النجاة من عذاب الآخرة. فإن الدعاء مشروع له نافع فيه، ألا ترى أن الدعاء بتغيير العمر لما تضمن النفع الأخروي شرع كما في الدعاء الذي رواه النَّسَائِيُّ من حديث عمار بن ياسر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك عَلَى الخلق أحيني ماكنت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) إِلَى آخر الدعاء. ويؤيد هذا مارواه الحاكم في مستدركه من حديث ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ : (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) . وفي الحديث رد عَلَى من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء، وقد ثبت فيالصحيحن عن النبي ﷺ أنه (نهى عن النذر، وقَالَ: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) . واعلم أن الدعاء يكون مشروعاً نافعاً في بعض الأشياء دون بعض، وكذلك هو. ولهذا لا يحب الله المعتدين في الدعاء.

стр. 1263

وكان الإمام أَحْمَد ﵀ يكره أن يدعى له بطول العمر، ويقول: هذا أمر قد فرغ منه] اهـ. الشرح: هو ماورد في الحديث وذلك بأن نسأل الله بكل اسم هو له -مثلاً- اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ... إِلَى آخر الدعاء المعروف. أو نقول: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت الحي القيوم) أو نحو ذلك، فهذا أفضل أنواع التوسل أن يُسأل الله بأسمائه وصفاته، أو بعمل صالح عمله الإِنسَان كما كَانَ من أصحاب الغار -الثلاثة النفر- الذين دعوا الله بأعمالهم الصالحة التي فعلوها فكشف الله عنهم ما هم فيه. وأما التوسل بذوات المخلوقين فإنه لا يجوز بل هو بدعة، فالأولى للعبد المسلم أن يتوسل إِلَى الله بأسمائه وصفاته أو بعمل صالح عمله، وكذلك التوسل بجاه فلان من النَّاس لا يجوز، ولو كَانَ هذا المتوسل بجاهه نبي، أو ولي ممن لديه منزلة عظيمة عند الله؛ لأنه لا رابطة هنا بين المتوسل والمتوسل به. ومن شروط الدعاء وآدابه: ألا يدعو فيه بقطيعة رحم، كما جَاءَ في الحديث: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) ، وكثير من النَّاس لم يعملوا بهذا الشرط فتراهم يدعون عَلَى أزواجهم وأولادهم وأقربائهم وهذا لا ينبغي أن يكون ولو حصل له من هَؤُلاءِ الأذى والعنت. فقد (جَاءَ رجل إِلَى النبي ﷺ وقَالَ: يا رَسُول الله ! إن لي قرابة: أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي قَالَ: إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل) والمل هو الرماد الحار. والشرط الأخير: أن لا يدعو الإِنسَان بدعاء فيه اعتداء قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:٥٥] .

стр. 1264

والاعتداء في الدعاء يمنع من قبول الدعاء. ومثاله: أن تعلم أن الله إذا قبض ميتاً لا يبعثه مرة أخرى في هذه الحياة الدنيا، فتدعو الله أن يبعثه! لأن هذا لا يمكن أن يتحقق. أو تدعو الله أن ينتقم من رجل صالح من عباد الله الأتقياء، وأنواع الاعتداء في الدعاء كثيرة. وظاهر دعاء أم حبيبة ﵂ أنه نوع من الاعتداء في الدعاء؛ لأن دعاء الإِنسَان لأحد بطول العمر أو قصره مع الاعتقاد الجازم أن الله خلق الخلق وقدر لهم أقداراً، وضرب لهم آجالاً، فيه اعتداء واضح. وجهة النظر الأخرى: الدعاء سبب والأسباب مخلوقة والله يقول: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] فلا يبعد أن يكون هذا من الأسباب التي تدفع البلاء وترد القضاء وتجعل صاحبها يطول عمره، وكما أن الإِنسَان إذا وصل رحمه، فإنه يطول عمره فكذلك إذا قطعهم، فإنه يقصر عمره. النذر لا يرد القضاء وتطرق المُصْنِّفُ بعد ذلك إِلَى النذر، لأن كثيراً من العوام يظنون أن النذر يحقق لهم ما يريدون، فإذا مرض لأحدهم مريض نذر أنه إذا شفى الله مريضه أن يتصدق بكذا وكذا من المال، فإذا شفي المريض ظن أن ذلك بسبب النذر، وأنه قد استرضى الله تَعَالَى بهذا العمل الصالح، وهذا أيضاً مما رده النبي ﷺ في قولهِ: (إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) وذلك أن البخيل قبل أن يبتليه الله تَعَالَى لا ينفق ولا يتصدق، فلما حلت به البلية نذر عَلَى نفسه بالإنفاق والتصدق، وهذا مالا ينبغي أن يكون عليه المؤمن.

стр. 1265

كما قال النبي ﷺ عندما (سُئل أي الصدقة أعظم أجراً، قَالَ: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر وترجو الغنى) فالمؤمن في وقت الرخاء يتصدق ويعطي، فإذا نزلت به بعد ذلك نازلة فإنه يسأل الله ولا ينذر، فإن سأله - مثلاً - بالعمل الصالح الذي عمله في وقت الرخاء، كأن يقول: اللهم يا رب! إني تصدقت بتلك الصدقة عَلَى فلان فإن كنت تعلم أنها خالصة لوجهك الكريم فاشف مريضي، كما فعل أصحاب الغار، فهنا يكون الدعاء في محله، وتكون تلك الصدقة في محلها؛ لأنها حصلت في وقت رخاء، فيكون أحسن حالاً من ذلك البخيل. الدعاء وهو العبادة والذي ينبغي أن يعلم أن الدعاء بحد ذاته عبادة لا يستغنى عنه أي مخلوق، وقد طلب الله تَعَالَى منا ذلك بقوله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:٦٠] ، أما ما يقوله بعض الفلاسفة أو بعضالصوفية الغلاة - وتسرب إِلَى بعض العوام- أنه لا حاجة إِلَى الدعاء، وبعضهم يفلسفها بكلمة واحدة فَيَقُولُ: (علمه بحالي يغني عن سؤالي) ، وهذا غير صحيح، لأن الله سبحانه يعلم أحوال العباد لكنه يريد من العبد أن يتضرع إليه وأن يظهر الانكسار بين يديه، والخضوع؛ لأن هذه قربة وعبادة، وأشد ما يكون العبد خاضعاً لله عندما يتضرع إليه في أمر ملح وهو محتاج مضطر إليه.

стр. 1266

قول هَؤُلاءِالفلاسفة -ومن قال بمقالتهم-: إن المقادير إن كانت قد جرت بأن يتحقق للعبد ما يريد فلا حاجة للداعي أن يدعو، وإن كانت قد جرت بما لا يريده العبد فلا فائدة في الدعاء!! ورؤيتهم إنما هو اعتراض عَلَى القدر وهي من أبطل الباطل، وهذا مما زينه الشيطان لهَؤُلاءِ المتصوفة وأمثالهم، وإلا فالأنبياء هم أكثر النَّاس دعاءً، والنبي ﷺ قد شرع لنا الأدعية المأثورة الكثيرة الصحيحة في معظم الحركات والسكنات منها: إذا دخل بيته وإذا خرج منه، وإذا أتى أهله، وإذا أخذ مضجعه لينام، وإذا قام من مضجعه. فالحياة كلها متصلة بالدعاء وبذكر الله وما ذاك إلا لبيان الافتقار والحاجة إليه ، أما قولهم: إن كَانَ قد قضى ما نريد فلا حاجة إِلَى الدعاء، وإن قضى بضده فلا فائدة في الدعاء، فالرد عليهم بما أوضحنا في أول الموضوع وهو أن الدعاء سبب من الأسباب، فكما أنني إذا رأيت وحشاً يهجم علي وعندي بندقية فسأطلقها عليه، ولا أقول: إن كَانَ قد قدر الله موتي فلا يفيد إطلاق النار، وإن لم يكن قدر الله موتي، فإنه لن يأكلني، نقول: لا، بل أطلق النَّار عليه وأدفعه عني؛ لأن إطلاق البندقية سبب لدفع المكروه، فكذلك يُقال في الدعاء: إنه سبب، فإن نفع هذا السبب واستجيب الدعاء فالْحَمْدُ لِلَّهِ، وإن لم يقع فنقول حينها قد اتخذنا السبب، وأقدار الله لا غالب لها، ولا ينفع معها أي سبب من الأسباب. ومن هنا نفهم أنهم مخالفون للعقل وللشرع، وأن الحق هو ما عليه أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في هذه المسألة كما في غيرها من المسائل وهو الموافق للنصوص الشرعية، والموافق أيضاً للعقل والفطرة السليمة عند التأمل. قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وأما قوله تعالى: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ [فاطر:١١] الشرح:

стр. 1267

قال بعض العلماء عندما قرأوا هذه الآية: إن العمر يزيد وينقص، يعني: أن عمر الإِنسَانِ يقبل الزيادة والنقصان فلو أن الإِنسَان اجتهد في الطاعة أو بذل الأسباب من السلامة والوقاية فإن عمره يزيد، ولو أن الإِنسَان قصر في ذلك، فإن عمره ينقص وذلك بناء عَلَى أن الضمير في قوله تَعَالَى: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ [فاطر:١١] يعود عَلَى ذات الإِنسَان الواحد. فيرد عليهم المؤلف قائلاً: أنه بمنزلة قولهم: عندي درهم ونصفه، أي: ونصف درهم آخر، لكن هذا الضمير عود لفظي فقط، وليس عائداً عَلَى حقيقة الشيء، فيكون تفسير الآية عَلَى هذا المعنى: لا يزيد عمر أحد ولا ينقص عمر أحد آخر، إلا كَانَ ذلك في الكتاب، فمن النَّاس من يمد الله في عمره حتى يصل إِلَى مرحلة الضعف الأخيرة (الشيبة) . ومنهم من قضى الله بأن يموت وهو طفل وكل ذلك في كتاب، ومن ثُمَّ إذا قلنا: إن الآجال مقدرة ومضروبة، وأن كل ذلك في كتاب، وأنه قد تؤثر بعض الأسباب وبعضها لا تؤثر، فإن المعنى صحيح، وللقدر مراتب زمانية. مراتب القدر الزمنية قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وأما قوله تعالى: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ [فاطر:١١]

стр. 1268

فقد قيل في الضمير المذكور في قوله تعالى: مِنْ عُمُرِه إنه بمنزلة قولهم: عندي درهم ونصفه، أي ونصف درهم آخر، فيكون المعنى: ولا ينقص من عمر معمر آخر، وقيل الزيادة والنقصان في الصحف التي في أيدي الملائكة، وحمل قوله تعالى: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٨-٣٩] عَلَى أن المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة، وأن قوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] اللوح المحفوظ. ويدل عَلَى هذا الوجه سياق الآية وهو قوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، ثُمَّ قَالَ: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ أي: من ذلك الكتاب، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ. وقيل: يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، والسياق أدل عَلَى هذا الوجه من الوجه الأول، وهو قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِرَسُول لٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد:٣٨] فأخبر تَعَالَى أن الرَّسُول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه، بل من عند الله، ثُمَّ قَالَ: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٨-٣٩] أي: أن الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها، ثُمَّ تنسخ بالشريعة الأخرى، فينسخ الله ما يشاء من الشرائع عند انقضاء الأجل، ويثبت ما يشاء. وفي الآية أقوال أخرى، والله أعلم بالصواب] ا. هـ. الشرح:

стр. 1269

وقد سبق أن ذكرنا أن هناك تقديراً يومياً، وتقديراً سنوياً، وتقديراً عمرياً -على العمر كله- وتقديراً كونياً -على عمر الكون كله-، واللوح المحفوظ - أم الكتاب - قدر الله فيه الأمور الكونية التي لا تتغير ولا تتبدل، وهو الذي في حديث (أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب: قال وما أكتب، قال: اكتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) ، فهذا لا يتغير ولا يتبدل، أما التقدير اليومي في قوله : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:٢٩] فمعناه أنه يرفع ويخفض ويعطي ويمنع، وأما التقدير السنوي ففي ليلة القدر، وهي ليلة واحدة في العام فيقدر الله فيها ما سيقع في ذلك العام، فهذا التقدير عَلَى مستوى العام في العمر كله، يعني كل سنة من سنين العمر الكوني فإن الله تَعَالَى يقدر في ليلة القدر من تلك السنة من الآجال والأرزاق والحياة والموت وما أشبه ذلك، والتقدير العمري هو ما يتعلق بالعمر وهو أن العبد - كما مر معنا في حديث عبد الله بن مسعود - إذا مرت عليه مائة وعشرون ليلة أو اثنتان وأربعون ليلة - كما في الرواية الأخرى التي صرحت بذلك (أن الملك ينفخ فيه الروح ويكتب فيها رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد) ، هذا التقدير عَلَى مستوى عمر الإِنسَان، أحد ماسبق من المراتب. ولأجل هذه التقادير المختلفة اختلف العلماء في أيها يقع النسخ والتقدير، فذهب ابن عباس ﵁ وأبو وائل شقيق بن سلمة ومجاهد وبعض العلماء من السلف أن التقدير السنوي الذي في ليلة القدر: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:٤] يغير الله فيه ما يقضي وما يقدر. أصل التقدير الثابت في اللوح المحفوظ لا يغير

стр. 1270

لكن التقدير الذي لا يغير ما كَانَ في أم الكتاب، وعلى ذلك حملوا الآية في سورة الرعد لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٨-٣٩] أي: الآجال، كل أجل له كتاب والله يمحو ما يشاء ويثبت من هذه الآجال ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ المذكور في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْر [الأنبياء:١٠٥] ، فما كَانَ في اللوح المحفوظ فإنه لا يتغير ولا يتبدل ولا ينسخ منه شيء. التغيير في صحف الملائكة أما الصحف التي في أيدي الملائكة فهذه تقبل التغيير، والملائكة لا يعلمون الغيب إنما يأمرهم الله أن ينقلوا من اللوح المحفوظ، ولهذا قال ابن عباس - لما تقول الملائكة يَوْمَ القِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:٢٩]- ألستم عرباً؟ ألا تقرأون؟ فالملائكة تستنسخ بإذن الله ، والله يقدر الأقدار العمرية والسنوية ويأمر الملائكة بها؛ لكن المكتوب في اللوح المحفوظ الذي تستنسخه الملائكة هو النهاية الأخيرة التي لا تقبل التغيير والتبديل بأي حال من الأحوال، لذلك ذكر المصنف: إن زيادة ونقص العمر وأثر الأسباب في الآجال يحمل عَلَى الصحف التي في أيدي الملائكة، أو بمعنى أوسع. نقول: عَلَى القدر العمري أو القدر السنوي، أما أصل الكتاب فإنه لا يدخله التغيير ولا يدخله التبديل. ثُمَّ قَالَ: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت [الرعد:٣٩] أي: من هذه الآجال، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ التي لا محو فيها ولا تغيير وذهب البعض الآخرين من العلماء -من الذين لا يرون أثراً للأسباب في الآجال- إِلَى أن آية الرعد ليست في موضع علاقة الدعاء بالقضاء والآجال، وإنما هي في موضوع الشرائع.

стр. 1271

فالكتابة -التي هي الكتابة القدرية الكونية القضائية- إنما هي في الشرائع والأديان بدليل أول الآية، كما قال الله : وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٨، ٣٩] . النسخ في زمن الشرائع ويقولون: إن ظاهر الآية - وهذا الذي رجحه المُصْنِّف - يدل عَلَى أن الأَنْبِيَاء لا يأتون بآيات، ولابشرائع من عند أنفسهم، وإنما يأتيهم بها الله ، والله جعل لهذه الشرائع آجالاً لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد:٣٨] ، فإذا انتهى الأجل بطلت تلك الشريعة والعمل بها، وتأتي شريعة أخرى تنسخها، ثُمَّ قال بعد ذلك: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] . القول الراجح في هذه المسألة

стр. 1272

وإن كَانَ لهذا القول الآنف الذكر وجه من القوة إلا أن المتأمل لا يرى تناسباً وتوافقاً بين تفسيرهم لأم الكتاب أنها شريعة مُحَمَّد ﷺ التي نسخت جميع الشرائع وبين قوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ لكن إن قلنا: إن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ كَانَ ذلك المعنى مطرداً، وأما أول السياق وَمَا كَانَ َ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [الرعد:٣٨] ، فلا تعارض بينه وبين ما بعده؛ لأن الله يبين أن الأَنْبِيَاء لا يأتون بشيء من عند أنفسهم وإنما يأتون بأمر يعطيهم الله ﵎ ثُمَّ قال بعد ذلك: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد: ٣٨] أي: أن الآجال مكتوبة ومقدرة سواء ما كَانَ منها للأعمار أو للشرائع أو لغيرها، فالعام لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، ثُمَّ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ تكون خاصة بالأقدار التي يقدرها الله ، ولا شك أن إعطاء الرسل الآيات هو من أقدار الله أيضاً، فيكون في الآية انتقال من معنى إِلَى معنى آخر، مع وجود علاقة ورابطة بينهما، ولا يشترط أن تكون الآية إِلَى آخرها والآيات التي بعدها كلها في موضوع واحد وهو سياق أول الآية الأولى، هذا الذي يظهر والله أعلم، والذي يترجح وهو خلاف ما رجحه المُصْنِّف والله أعلم. قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [وفي الآية أقوال أخرى والله أعلم بالصواب] ، ومن أراد أن يطلع ويستفصل الأقوال الأخرى فليراجع تفسير ابن كثير ﵀ للآية، فإنه أطال النفس في تفسير هذه الآية، وذكر الأقوال عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

стр. 1273

ولأجل هذه التقادير المختلفة اختلف العلماء في أيها يقع النسخ والتقدير، فذهب ابن عباس ﵁ وأبو وائل شقيق بن سلمة ومجاهد وبعض العلماء من السلف أن التقدير السنوي الذي في ليلة القدر: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:٤] يغير الله فيه ما يقضي وما يقدر. أصل التقدير الثابت في اللوح المحفوظ لا يغير لكن التقدير الذي لا يغير ما كَانَ في أم الكتاب، وعلى ذلك حملوا الآية في سورة الرعد لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٨-٣٩] أي: الآجال، كل أجل له كتاب والله يمحو ما يشاء ويثبت من هذه الآجال ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ المذكور في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْر [الأنبياء:١٠٥] ، فما كَانَ في اللوح المحفوظ فإنه لا يتغير ولا يتبدل ولا ينسخ منه شيء. التغيير في صحف الملائكة

стр. 1274

أما الصحف التي في أيدي الملائكة فهذه تقبل التغيير، والملائكة لا يعلمون الغيب إنما يأمرهم الله أن ينقلوا من اللوح المحفوظ، ولهذا قال ابن عباس - لما تقول الملائكة يَوْمَ القِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:٢٩]- ألستم عرباً؟ ألا تقرأون؟ فالملائكة تستنسخ بإذن الله ، والله يقدر الأقدار العمرية والسنوية ويأمر الملائكة بها؛ لكن المكتوب في اللوح المحفوظ الذي تستنسخه الملائكة هو النهاية الأخيرة التي لا تقبل التغيير والتبديل بأي حال من الأحوال، لذلك ذكر المصنف: إن زيادة ونقص العمر وأثر الأسباب في الآجال يحمل عَلَى الصحف التي في أيدي الملائكة، أو بمعنى أوسع. نقول: عَلَى القدر العمري أو القدر السنوي، أما أصل الكتاب فإنه لا يدخله التغيير ولا يدخله التبديل. ثُمَّ قَالَ: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت [الرعد:٣٩] أي: من هذه الآجال، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ التي لا محو فيها ولا تغيير وذهب البعض الآخرين من العلماء -من الذين لا يرون أثراً للأسباب في الآجال- إِلَى أن آية الرعد ليست في موضع علاقة الدعاء بالقضاء والآجال، وإنما هي في موضوع الشرائع. فالكتابة -التي هي الكتابة القدرية الكونية القضائية- إنما هي في الشرائع والأديان بدليل أول الآية، كما قال الله : وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٨، ٣٩] . النسخ في زمن الشرائع

стр. 1275

ويقولون: إن ظاهر الآية - وهذا الذي رجحه المُصْنِّف - يدل عَلَى أن الأَنْبِيَاء لا يأتون بآيات، ولابشرائع من عند أنفسهم، وإنما يأتيهم بها الله ، والله جعل لهذه الشرائع آجالاً لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد:٣٨] ، فإذا انتهى الأجل بطلت تلك الشريعة والعمل بها، وتأتي شريعة أخرى تنسخها، ثُمَّ قال بعد ذلك: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] . القول الراجح في هذه المسألة وإن كَانَ لهذا القول الآنف الذكر وجه من القوة إلا أن المتأمل لا يرى تناسباً وتوافقاً بين تفسيرهم لأم الكتاب أنها شريعة مُحَمَّد ﷺ التي نسخت جميع الشرائع وبين قوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ لكن إن قلنا: إن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ كَانَ ذلك المعنى مطرداً، وأما أول السياق وَمَا كَانَ َ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [الرعد:٣٨] ، فلا تعارض بينه وبين ما بعده؛ لأن الله يبين أن الأَنْبِيَاء لا يأتون بشيء من عند أنفسهم وإنما يأتون بأمر يعطيهم الله ﵎ ثُمَّ قال بعد ذلك: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد: ٣٨] أي: أن الآجال مكتوبة ومقدرة سواء ما كَانَ منها للأعمار أو للشرائع أو لغيرها، فالعام لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، ثُمَّ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ تكون خاصة بالأقدار التي يقدرها الله ، ولا شك أن إعطاء الرسل الآيات هو من أقدار الله أيضاً، فيكون في الآية انتقال من معنى إِلَى معنى آخر، مع وجود علاقة ورابطة بينهما، ولا يشترط أن تكون الآية إِلَى آخرها والآيات التي بعدها كلها في موضوع واحد وهو سياق أول الآية الأولى، هذا الذي يظهر والله أعلم، والذي يترجح وهو خلاف ما رجحه المُصْنِّف والله أعلم.

стр. 1276

قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [وفي الآية أقوال أخرى والله أعلم بالصواب] ، ومن أراد أن يطلع ويستفصل الأقوال الأخرى فليراجع تفسير ابن كثير ﵀ للآية، فإنه أطال النفس في تفسير هذه الآية، وذكر الأقوال عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم. سعة علم الله وإحاطته بما كان وما لم يكن قال الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم] . قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [فإنه سبحانه يعلم ما كَانَ وما يكون، ومالم يكن أن لو كَانَ كيف يكون، كما قال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:٢٨] . وإن كَانَ يعلم أنهم لا يُردون، ولكن أخبر أنهم لو ردوا لعادوا، كما قال تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:٢٣] وفي ذلك رد عَلَى الرافضة والقدرية الذين قالوا: إنه لا يعلم الشيء قبل أن يخلقه ويوجده، وهي من فروع مسألة القدر، وسيأتي لها زيادة بيان إن شاء الله تَعَالَى] اهـ. الشرح:

стр. 1277

قول الإمام الطّّحاويّ ﵀: [ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم] . شرحها المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بالعبارة المعروفة التي نعتقدها في حق الله ، وفي علمه، وهو أنه جل شأنه يعلم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كَانَ كيف يكون، وهذه هي الإحاطة الكاملة بكل ما هو مندرج تحت إمكان العلم، فيعلم ما كَانَ جل شأنه لا يخفى عليه شيء مما مضى، ولهذا لما قالفرعون: قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى [طه:٥١] قال موسى ﵇: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:٥٢] ، فهو يعلم الماضي بكل دقائقه وتفاصيله، وأما نَحْنُ فما كلفنا أن نعلم هذه التفاصيل، وإنما كلفنا أن نأخذ العبرة والعظة من مصارع الله في الكون، وأيضاً يعلم الله جل شأنه ما يكون، ويعلم ما سيكون، وهذه هي العقبة التي تقف عندها جميع العقول وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت [لقمان:٣٤] . أي أن كل العقول البشرية، والعلم البشري مهما توصل إليه، ومهما حاول أن يتقدم لا يمكن أن يعرف ما سيكون بعد لحظة واحدة، وفي هذا إفحام من الله لهَؤُلاءِ المخلوقين، فهذا العلم استأثر الله به وحده فهو الذي يعلم ما كَانَ وما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كَانَ كيف يكون.

стр. 1278

ومن ذلك هذه الآية وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:٢٨] فهَؤُلاءِ الكفار إذا وقفوا عَلَى النَّار يقولون: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا [الأنعام:٢٧] أي يتمنون أن يعودوا إِلَى الدنيا ولئن عادوا فلن يكذبوا بزعمهم، بل ويكونوا من الموقنين، ومع ذلك يقول الله : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:٢٨] ؛ لأن مسألة الكفر والإيمان ليست متعلقة بقضية أنهم رأوا الحق أو لم يروا الحق؛ بل هي مسألة استكبار وعناد في نفوس الكفار، كما قال الله في آية أخرى وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر:١٥،١٤] فالكبر والعناد الذي في أنفس الكفار يجعلهم لا يقبلون الحق مهما رأوا من آيات الله في ذلكوَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا [الأعراف:١٤٦] نسأل الله أن يعافينا من الكبر ومن الاستكبار والعناد وأن يرزقنا الإخلاص والانقياد والإذعان لأمره والتسليم له. وأيضاً قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُم [الأنفال:٢٣]-على افتراض ذلك- لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:٢٣] . إذاً هو يعلم جل شأنه ما كَانَ وما سيكون وما لم يكن لو كَانَ كيف يكون. قَالَ: وفي ذلك رد عَلَى الرافضة والقدرية. الغاية من الخلق قالالطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته] قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

стр. 1279

[ذِكرُ الشيخ ﵀ الأمر والنهي، بعد ذكره الخلق والقدر، إشارةً إِلَى أن الله تَعَالَى خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦] ، وقال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:٢] اهـ. الشرح: بعد أن ذكر الطّّحاويّ أن الله خلق الخلق، وقدر لهم أقداراً وضرب لهم آجالاً، وأنه لم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، قَالَ: وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته. فالكلام الأول يتعلق بالأمر الكوني، وهو أنه خلق الخلق وقدر الآجال، وعلم ما كَانَ وما سيكون، وهذا أمره وقضاؤه وقدره الكوني. ثُمَّ انتقل إِلَى الحديث عن أمره الشرعي، فقَالَ: (وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته) كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦] الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:٢] . والأمر والنهي ابتلاء من الله لبني آدم، ولذلك كَانَ الخيار لهم فيه، فمع تقديره لآجالهم وأرزاقهم، وعلمه ما سيعملون كوناً وقدراً ابتلاهم بالأمر والنهي؛ ليطيعه من أطاعه فينجو، وليعصيه من عصاه فيهلك، فينجوا هذا عن بينة، ويهلك هذا عن بينة، وتقوم الحجة عليهم من أنفسهم. آثار صفات الله وأسمائه

стр. 1280

تظهر آثار صفات الله وأسمائه، لما سمى نفسه الغفور الرحيم ظهر أثر مغفرته ورحمته لهذا المخلوق، وهو رحمته به والتوبة عليه إذا أذنب واستغفر، ولما سمى نفسه الكريم ظهر أثر كرمه، وهو أن العبد يفعل الحسنة التي لا حول له فيها ولا قوة؛ بل هي من الله الذي وفقه لها وأعطاه القوة عليها، ثُمَّ يقابله الله بأن يجعل له عشرة أمثالها إِلَى سبعمائة ضعف، إِلَى أضعاف كثيرة، ولهذا الموضوع علاقة قوية بالدعاء. علاقة الدعاء بصفات الله وأسمائه ذكر ابن عقيل ﵀ في كتابه الفنون أن من حكم مشروعية الدعاء أنه يدل عَلَى صفات الله جل وعلا، فمن ذلك الوجود لأنه لا يدعى إلا وهو موجود، ومن ذلك الغنى لأن الفقير لا يدعى، فمن دعا الله فهو مؤمن ومثبت لصفة الغنى، وهو أن الله غني والعبد هو الفقير الذي يحتاج إِلَى الله ، ومن ذلك أيضاً أنه كريم؛ لأنه يوجد من الأغنياء من هو بخيل، ولكن الله غني ومع ذلك كريم فإنه يعطي حتى الكافر إذا دعاه في ساعة الشدة، وهكذا نجد أن الدعاء يتضمن هذه الصفات، فكذلك جميع أنواع العبادة تتضمن الإثبات، وظهور آثار صفات الله وأسمائه . فالله خلق الخلق وقدر لهم الأقدار، ثُمَّ أنزل لهم هذه الشرائع وأعطاهم المشيئة والقدرة والاختيار عَلَى أن يختاروا: طريق الإيمان أو طريق الكفر، وهذا الموضوع كله لا يزال دائراً في مسألة القدر وعلاقة ذلك بعلم الله وتقديره وبمشيئته جل شأنه. ولهذا نجد أن المُصْنِّف استمر في هذا الكلام كما سيأتي. قال الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن]

стр. 1281

قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [الإِنسَان:٣٠] وقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:٢٩] وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّنَا نزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام:١١١] ، وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:١١٢] . وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [يونس:٩٩] وقال تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:١٢٥] وقال تَعَالَى حكاية عن نوح ﵇ إذ قال لقومه: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:٣٤] وقال تعالى: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:٣٩] إِلَى غير ذلك من الأدلة عَلَى أنه ما شاء الله كَانَ ومالم يشأ لم يكن. وكيف يكون في ملكه ما لا يشاؤه؟! ومن أضل سبيلاً وأكفر ممن يزعم أن الله شاء الإيمان من الكافر، والكافر شاء الكفر، فغلبت مشيئة الكافر مشيئة الله!! تَعَالَى الله عما يقولون علواً كبيراً. فإن قيل: يشكل عَلَى هذا قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] الآية وقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [النحل:٣٥] .

стр. 1282

وقوله تعالى: وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الزخرف:٢٠] فقد ذمهم الله تَعَالَى حيث جعلوا الشرك كائناً منهم بمشيئة الله، وكذلك ذم إبليس حيث أضاف الإغواء إِلَى الله تَعَالَى إذ قَالَ: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:٣٩] . قيل: قد أجيب عَلَى هذا بأجوبة، من أحسنها: أنه أنكر عليهم ذلك لأنهم احتجوا بمشيئته عَلَى رضاه ومحبته، وَقَالُوا: لو كره ذلك وسخطه لما شاءه، فجعلوا مشيئته دليل رضاه، فرد الله عليهم ذلك. أو أنه أنكر عليهم اعتقادهم أن مشيئة الله دليل عَلَى أمره به، أو أنه أنكر عليهم معارضة شرعه وأمره الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه بقضائه وقدره، فجعلوا المشيئة العامة دافعة للأمر، فلم يذكروا المشيئة عَلَى جهة التوحيد، وإنما ذكروها معارضين بها لأمره، دافعين بها لشرعه، كفعل الزنادقة، والجهال إذا أُمروا أو نُهوا احتجوا بالقدر. وقد احتج سارق عَلَى عُمَر ﵁ بالقدر، فقَالَ: وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره. يشهد لذلك قوله تَعَالَى في الآية: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:١٤٨] . فعلم أن مرادهم التكذيب، فهو من قبل الفعل، من أين له أن الله لم يقدره؟ أطلع الغيب؟ ] اهـ. الشرح: هذه الفقرة كلها متماسكة، وموضوعها هو موضوع الاحتجاج بالقدر، وإثبات مشيئة الله ، والرد عَلَى المحتجين بالقدر وهو رد عَلَى بعض شبهاتهم، كما في الشبهة الإبليسية والشبهة الشركية، شبهة الْمُشْرِكِينَ وشبهة إبليس اللعين حينما احتج هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ بقدر الله تعالى.

стр. 1283

يقول أبو جعفر الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته ، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن] . الأدلة على المشيئة الكونية واستدل الشارح عَلَى ذلك بالآيات الكثيرة المعروفة: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:٢٩] وأمثال ذلك من الآيات، كما في قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [الأنعام:١٢٥] ونحوها من الآيات التي تدل عَلَى أن مشيئة الله شاملة ونافذة، لا يندُّ ولا يخرج عنها شيء رداً عَلَى دعوى المجوس، ومن اتبعهم في ذلك من هذه الأمة، وهم القدرية من المعتزلة وغيرهم إن الله قد كتب مقادير كل شيء، وما شاءه الله فهو كائن، فلا بد من هداية المهتدي، وإضلال المضل، وكفر الكافر، وإيمان المؤمن فكل ذلك لا يخرج عما شاءه الله ، وعما كتبه، وعما قدره وقضاه. الشبهة الإبليسية أما الشبهة التي وقعت لإبليس اللعين من قبل لما قال: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْض [الحجر:٣٩] ، كأنه يقول: إن ما سوف أفعله من التزيين ومن الإغواء إنما هو بسب أنك أغويتني، يعني: كأن هذا سببه هذا. الشبهة الشركية والمُشْرِكُونَ لما قالوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] ، وَقَالُوا: لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف:٢٠] .

стр. 1284

فاحتجوا عَلَى عبادتهم للأصنام بأن الله لو شاء ما أشركوا، وعلى تحريم ما أحل الله بأن الله لو شاء ما حرموا من دونه من شيء، كما في سورتي الأنعام والنحل، وأنهم لو شاء الله ما عبدوا هذه الآلهة. والرد عَلَى إبليس وعلى الْمُشْرِكِينَ قد سبق بيانه في أكثر من مرة عند تعرضنا لموضوع القدر، ومن الردود عَلَى ذلك ما ذكره المُصْنِّف بقوله: الرد على الشبهة الإبليسية والشركية (من أولى الأوجه ومن أحسنها: أنه أنكر عليهم ذلك لأنهم احتجوا بمشيئته عَلَى رضاه ومحبته) فحجة الْمُشْرِكِينَ قولهم: ما دام أن الله شاء أن نعبد الأصنام إذاًً هو راضٍ أن نعبدها، ولهذا جَاءَ تكذيبهم بأن الله بعث الرسل، وقد قال تَعَالَى في سورة النحل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] فليس الأمر كما يزعمون، فإذا كَانَ الله تَعَالَى راضياً بما هم عليه من الشرك فلماذا يرسل رسلاً ينهون عنه، وينزل عليهم كتباً فيها تكفيريهم واستباحت دماءهم وأموالهم؟!! إذاً لا تدل مشيئته عَلَى رضاه ومحبته، ولا تلازم بين المشيئة وبين المحبة. الوجه الثاني في الرد عَلَى شبهتهم في اعتقادهم أن مشيئة الله دليل عَلَى أمره به، فيقولون: إنه ما دام أن الله شاءه، فقد هو أمر به وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف:٢٨] والعياذ بالله، وهذه حجة من حجج الكفار الباطلة وهي: أنهم يحتجون عَلَى ما يفعلون بأن الله أمر به، والله لا يأمر بالفحشاء، ولذلك قَالَ: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:٢٨] هذا من التقول عَلَى الله بلا علم؛ لأنه لا يأمر بالفحشاء .

стр. 1285

الوجه الثالث: أنهم عارضوا مشيئة الله وقدره بشرعه، فردوا شرعه الذي أنزله عَلَى رسله وكتبه بمشيئته، وهذا من باب العناد ومن باب الاستكبار عَلَى الله أن يرد أمره ووحيه بمشيئته وقدره، ولذلك قال في سورة الأنعام: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:١٤٨] أي أن هذا التكذيب حصل من الكفار، فليس قول هَؤُلاءِ الكفار أو إبليس اللعين يعني أنهم يثبتون قدر الله ويؤمنون به، لا. إنما قالوه اعتراضاً منهم عَلَى الأمر وعلى التوحيد، ومثل هذا ما اعترض به السارق عَلَى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقال السارق: كيف تقطع يدي يا أمير المؤمنين وما سرقت إلا بقدر الله وقضاءه؟! واحتج بالقدر عَلَى فعل المعاصي. فأجاب أمير المؤمنين بجواب الموحدين. فقَالَ: أنت سرقت بقدر الله وأنا أقطع يدك بقدر الله. فقطع يده فعلمنا أن الله قدر أن تقطع يده، ولو لم يشأ الله أن تقطع يده، لما قطعها عُمَر. إذاً هذه بقدر الله وتلك بقدر الله، لأنه لا تعارض بين أمر الله شرعه وقدره، ولا تعارض بين إقامة الحد وبين القدر؛ لأن الحدود إنما تقام بقدر الله ، وهذا دليل عَلَى كمال فهم الصحابة ﵃ لهذه الأمور، لا كما يقول المتفلسفة والمتكلمون: إن الصحابة ما عرفوا هذه المسائل ولا أتقنوها ولا فهموها ولا استوعبوها؛ بل كانوا مشتغلين بالجهاد في الفتوحات، وليس الأمر كذلك؛ بل كانوا يفهمون ذلك غاية الفهم، ولكن لم يخوضوا فيها ولم يحتاجوا أن يتحدثوا عنها إلا بما ورد، وهو كثير وكافٍ لمن أراد الحق، ومن ذلك هذا الأثر المشهور.

стр. 1286

(١١,٦٨٦) >إن إثبات المشيئة الكاملة النافذة لله تَعَالَى التي ذكرها المُصنِّفُ ﵀ لا يعني أن يحتج المحتجون من العصاة والفجار بالقدر فيفعل أحدهم الذنب ويقول: إن الله قدره علي، وهذا الإثبات رد عَلَى الذين ينكرون القدر بحجة إنكار الله عَلَى من يحتج بالقدر، فإن الله أنكر عَلَى الذين يحتجون بالقدر بقوله: وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف:٢٠] وقوله: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] فأنكر عليهم هذا. فقال الذين ينكرون القدر: إذاً فليس لله مشيئة لأن الكفار والْمُشْرِكِينَ احتجوا بالمشيئة، والله تَعَالَى قد أنكر عليهم هذا القول، فعلى هذا فالله ينكر عَلَى من يثبت المشيئة، وقولهم هذا غير صحيح. فالله ينكر عَلَى من يحتج بالمشيئة عَلَى الرضا، فإن الله شاء أن يكفر الكفار بدليل أن الكفر واقع منهم، فيوجد في الأرض كفار، وهذا الذي نراه في الكون عليكم أن تؤمنوا أن الله شاءه وقدره، وإلا أن تقولوا: إن الله يقع في ملكه وكونه ما لا يشاؤه، فيلزمكم أن تقولوا أحد الأمرين إما: أن العبد يعمل مالم يشاؤه الله ولم يأذن به وهذا لا يقول به مسلم، وإما أن تؤمنوا بالقدر، وقد سبق شرح الآيات التي في الأنعام والزخرف والنحل في موضوع القدر مثل قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] وقوله: وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا [النحل:٣٥] .

стр. 1287

وقوله: وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف:٢٠] بالأوجه التي ذكرها المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، والتي من أجلها ومن أوضحها أن الكفار احتجوا بأن الله تَعَالَى لو شاء ما عبدوا هذه الأصنام وعليه فعبادة الأصنام هذه حق والله تَعَالَى راضٍ، بها وأيضاً فدعوى الأَنْبِيَاء مردودة عندما قالوا: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٥٩] كيف ذلك؟ قال المُشْرِكُونَ للأنبياء: لو أن الله لا يرضى منا أن نعبد الأصنام لما شاء ذلك، وما دام أنه قد شاء وقد وقع منا الشرك فهو راضٍ به، فنحن نرد كلامكم ولا نقبل دعواكم. وهذه هي شبهة الْمُشْرِكِينَ قديماً كما قال تعالى: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:٣٥] ، أي: أن تكذيب الْمُشْرِكِينَ للنبي ﷺ قد سبقهم أمم من قبل ذلك في تكذيب غيره من الأَنْبِيَاء ولذلك رد الله تَعَالَى عليهم فقَالَ: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] فلو كَانَ هذا مما يرضى الله به لما بعث الرسل ينكرون وأيدهم بالحجج والبينات الظاهرة التي تقطع كل دعوى ومنها هذه الشبهة. ولهذا قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] فجعل الله تَعَالَى الهداية فضلاً منه فقَالَ: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ فهذا توفيق من الله وفضل ونعمة منه تعالى، وأما الضلال فَقَالَ فيه: وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فهذا من فعلهم فهم أعرضوا عن الحق فلم يوفقهم للإيمان عدلاً منه تعالى وهذا ما سيأتينا عند قول الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ

стр. 1288

تَعَالَى: [وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله] فنحن في كل الأمور نتقلب بين فضل الله وعدله. تعذيب الله لعباده بسبب ذنوبهم ليس فيه ظلم لهم أما الظلم فإن الله لا يظلم أحداً كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء:٤٠] لأن الله تَعَالَى غني عن العالمين فما الذي يدفعه إِلَى ظلمهم وهو غني عنهم وهو الذي يقول كما أخبر عن نفسه في الحديث القدسي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا عَلَى اتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا عَلَى أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) . فلماذا يظلمهم؟ وهو الغني وهم فقراء إليه، وهو القادر عليهم في كل حال، وهم الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة أمام قدرته ﵎ وهو الذي خلقهم ومَنَّ عليهم وأسبغَ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ولو شاء لما خلقهم ولما أوجدهم، فمهما فكَّر الإِنسَان بنظره وبعقله فإنه يجد أن الله ﵎ غير محتاج إِلَى أن يظلم العباد وأنه تَعَالَى بريء من الظلم إذاً: فالبشرية يتقلبون بين فضل الله وعدله أما الذين يحتجون بالقدر فهذا من باب اتهام الله أنه ظالم للعبد، بمعنى: أن الله تَعَالَى يقدر عَلَى العبد الذنب ويرغمه عليه ثُمَّ يحاسبه عليه فلا خيار للعبد في هذا الفعل ولا إرادة له وهذا ظلم قبيح لا يليق بأي مخلوق فكيف يليق بالله ﵎؟ أقسام الناس في القدر

стр. 1289

لقد ضل النَّاس في القدر عَلَى فرقتين الجبرية والقدرية، فالقدرية ابتدأ أصلهم منغيلان الدمشقي ومعبد الجهني وهَؤُلاءِ كانوا في أواخر عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- في زمن التابعين، وأظهرا بدعة إنكار القدر ولهذا لما ظهر معبد الجهني وأنكر القدر بالبصرة جَاءَ التابعي من البصرة فحدثه ابن عمر بالحديث عن أبيه عُمَر بما رآه من مجيء جبريل إِلَى النبي ﷺ فالكلام في القدر حدث من أيام التابعين، من معبد الجهني بالبصرة ومن غيلان الدمشقي بالشام، والجبر حدث بعد ذلك من الجهم بن صفوان المتوفي سنة ١٢٨هـ. ثُمَّ تطور كلٌ من المنهجين من مجرد فكرة بسيطة -ومجرد إنكار للقدر أو إثبات له- كما تتطور الأفكار عادة فتدخل فيها الحوارات والنقاشات والآراء ثُمَّ تتطور وتتسع دائرتها حتى تصبح ألغازاً وهذا ما وقع في باب القدر. فأصبح المعتزلة الذين ابتدأ أصلهم منواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد الذين كانوا في مجلس الحسن البصري -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كانوا قدرية، وهم أنفسهم المعتزلة تعددت مآربهم ومشاربهم في أبحاث فرعية فرعوها عن باب إنكار القدر، وقد انقرض مسمى الجهمية ولكن ورث الجهم في مسألة الجبر أبو الحسن الأشعري الذي جَاءَ بنظرية الكسب وطلابه إِلَى الآن عَلَى ذلك، وهم أنفسهم عاجزون عن إيضاح هذه النظرية، ولهذا قال فيهم الشاعر: مما يُقال ولا حقيقة تحته معقولة تدنو إِلَى الأفهام الكسب عند الأشعري والحال عند البهـ شمي وطفرة النظام هذه ثلاثة أشياء عجزت العقول عن معرفتها، وعجز أصحابها عن شرحها وإيضاحها للناس.

стр. 1290

إن حقيقة مذهب الكسب عند الأشعرية أنه يؤول كثيراً بهم الأمر إِلَى الجبر ولذلك يقول الخطيب البغدادي صاحب كتاب الفرق بين الفرق: وهو كثير ما يقول قالأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أو أجمعأهل السنة فلا بد أن ننتبه فهو لا يقصد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ إنما يقصد الكلابية والأشعرية. ومن ذلك عندما يقول مثلاً: "وأجمع أهل السنة عَلَى سكون الأرض "فلو أتى أحد وقَالَ: عندنا دليل عَلَى أن الأرض تدور، وهذا الموضوع لا يهمنا؛ لأنه لا يدخل في مباحث العقيدة والدين؛ ولكن عندما يأتي شخص وينسب هذا إِلَى أهل السنة فقد يتضح الأمر خلاف ذلك، أو قد يقول به أحد من أهل السنة فيقول المخالف لأهل السنة هذا الإجماع خطأ، والإشكال ليس في أن أهل السنة أجمعوا عَلَى هذا أولاً: الخطأ في أن البغدادي يقول أهل السنة ونحن نظن أنه يقول أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بينما هو يعني المتكلمين من الكلابية والأشعرية. ولذا نحذر من أمثال هذه الكتب واصطلاحتها. والبغدادي هو من أوضح من أراد أن يفسر نظرية الكسب وعلاقتها بالجبر أو القدر فقَالَ: إن فعل العبد مع الله مثلاً: لو أن رجلين يحملان حجراً كبيراً، وأحد الرجلين كبير والآخر صغير، والصغير لا يستطيع أن يحمل الحجر بمفرده لا بد أن يحمله معه الكبير، والكبير يستطيع أن يحمل الحجر بمفرده، فإذا تعاونا وحملا الحجر مع بعض، فإننا لا نكون مخطئين حينما نعاقب الصغير، لأنه أيضاً حمل الحجر وإن كَانَ وحده لا يستطيع حمل الحجر.

стр. 1291

فيشبه قدرة الله بقدرة الكبير وقدرة الصغير بقدرة العبد، والقدرتين تتعاون مع بعض في فعل الذنب، فإذا فعل أحد ذنباً فقدرة الله في نظره، كالرجل الكبير وقدرة العبد مثل الصغير، فإذا عاقب الله العبد لم يكن ظالماً، وهذا كما تلاحظون أقرب شيء إِلَى أن العبد مجبور؛ لأن الصغير مادام أنه لا يستطيع وحده أن يحمل أي شيء، وما دام أن الكبير هو وحده الذي حمل فاللوم والعقوبة تتوجه إِلَى الكبير هذا في حكم البشر، وهذا مما يدل عَلَى خطأ هَؤُلاءِ النَّاس وعلى أنهم لم يؤمنوا بالقدر مثل ما آمن به السلف الصالح وهذا الكلام جرّأ الذين ينكرون القدر بأن ينكروه ولا يؤمنوا به نهائياً. والحديث الذي سنذكره الآن من أعظم الأدلة التي احتج بها الأشعرية عَلَى مذهبهم، ولكن المعتزلة والقدرية تجرؤوا أيما تجرؤ، فأنكروا الحديث الذي هو حديث محاجة آدم وموسى ﵉. قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

стр. 1292

[فإن قيل: فما تقولون في احتجاج آدم عَلَى موسى ﵉ بالقدر إذ قال له أتلومني عَلَى أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاماً، وشهد النبي ﷺ أن آدم حج موسى أي غلب عليه بالحجة، قيل: نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة لصحته عن رَسُول الله ﷺ ، ولا نتلقاها بالرد والتكذيب لراويه، كما فعلت القدرية ولا بالتأويلات الباردة؛ بل الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر عَلَى الذنب، وهو كَانَ أعلم بربه وذنبه؛ بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل، وموسى ﵇ كَانَ أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم عَلَى ذنب قد تاب منه وتاب الله عليه واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم عَلَى المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر عَلَى المصيبة لا عَلَى الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعايب، وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث، فما قدر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضى بالله رباً، وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب فيتوب من المعايب ويصبر عَلَى المصائب، قال تعالى: فَاصبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [غافر:٥٥] وقال تعالى: وَإِنْ تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:١٢٠] .] اهـ. الشرح:

стр. 1293

هذا الحديث ثابت وصحيح باتفاق الحفاظ وعلماء الحديث وقد رواه الإمام البُخَارِيّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في صحيحه ومن أشهر من رواه الإمام: أبو بكر بن خزيمة في كتاب التوحيد في باب إثبات اليد لله تعالى؛ لأنه ورد في أكثر روايته في قول آدم ﵇: (يا موسى أنت كليم الله وأنت نبي الله الذي كلمه الله من وراء حجاب وكتب له التوراة بيده) وذكر روايات كثيرة لهذا الحديث وكذلك ذكر الحافظابن حجر فيالفتح أنه روي من عشر طرق عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وكذلك رواه الإمام البُخَارِيّ في كتاب القدر، والمعروف عند علماء الحديث أنه إذا طعن أحد في صحة الحديث، أو تكلم في سنده أو متنه من واقع كونه عالماً من علماء السنة وعالماً من علماء الحديث، فإننا نقبل كلامه من حيث المبدأ ولا اعتراض عليه أن ينقض حديثاً ما، لكن علينا أن نتبين فقد يكون مخطئاً في الاعتراض. فنقول: تضعيف فلان للحديث خطأ هكذا يرد عليه علماء الحديث الآخرون، لكن هذا الحديث لم يضعفه أحد من علماء الحديث.

стр. 1294

فإن قيل ما الفرق بين تضعيف أحد علماء الحديث لحديث وبين رد أحد آخر غيره؟ نقول: الذي ليس من علماء الحديث؛ بل من المتكلمين ويرد الحديث ويقول: أنا أرده بالعقل كما قال بعضهم في حديث موسى مع ملك الموت لما لطمه: لا يمكن أن يصح، ولو رواه البُخَارِيّ في صحيحه، ولا يوجد عنده أي عذر في السند أو المتن؛ وهذا الرد والاعتراض والإنكار ليس مبني عَلَى علم وبصيرة بل عَلَى هوى، فالحديث إذاً ثابت وصحيح وأما ما فعلته الجبرية والقدرية فكما قال الإمام المقبلي صاحب كتابالعلم الشامخ في تفضيل الحق عَلَى الآباء والمشايخ وهو كتاب عظيم فيه فوائد عظيمة وفيه رد عَلَى المتكلمين وعلى الصوفية كابن عربي وأمثاله، وإن كَانَ عليه بعض الملاحظات التي لا يخلوا منها بشر؛ لكنه كإنسان متحرر من التقليد يعتبر رجلاً مجدداً؛ لأنه عاش في القرن الثاني عشر الهجري، فيقول -وكلامه صحيح-: هذا الحديث قد أطال فيه الأشعرية جداً حتى كأنهم جعلوا آدم ﵇ أشعرياً وموسى ﵇ معتزلياً، فهَؤُلاءِ أخذوا بطرف وهَؤُلاءِ أخذوا بطرف وعجزوا عن فهم الأحاديث، حتى أن كثيراً من كتب علم الكلام وخاصة الكتب الأشعرية التي هي أكثرها انتشاراً إذا وصل مصنفوها إِلَى هذا الحديث قالوا: وهذا الحديث مشكل، فيستدلون به عَلَى مذهبهم ويردون به عَلَى المعتزلة بقول النبي ﷺ في الأخير: (فحج آدم موسى) فهم يحتجون بالقدر ويثبتونه إِلَى حد أنه جبر، لكنهم يردون به عَلَى المعتزلة فإذا رجعوا إِلَى أنفسهم قالوا هذا الحديث مشكل، ومعناه غير مفهوم لنا؛ لكنهم لا يرضون أن يحتج به المعتزلة أما المعتزلة والقدرية فإنهم ينكرون الحديث. سبب ردّ القدرية حديث محاجة آدم وموسى عليهما السلام

стр. 1295

ومن أسباب رد القدرية لهذا الحديث هو قول النبي ﷺ في آخر الحديث: (فحج آدم موسى) ولهذا فإن بعض المعتزلة قالوا: نَحْنُ لا ننكر الحديث لكن نقول: (فحج آدمَ موسى) يجعلون موسى هو الذي غلب آدم ﵇ بالحجة، ويقولون: إننا عندما نعترض عَلَى الذين يقولون بالقدر معنا حق، لأنه قد سبقنا إِلَى ذلك موسى ﵇ فنحن نعترض، ولذلك من حقنا إذا قال أحد: إن الله قدر كذا أن نقول له: أنت الذي فعلت ذلك، ولم يقدره وننكر القدر؛ لأن موسى ﵇ قال لآدم ﵇: أنت أبونا أخرجتنا من الجنة وخيبتنا وفعلت وفعلت فلامه ولم يقبل منه الاحتجاج بالقدر ورواية (فحج آدم موسى) تعني: أن النبي ﷺ لما سقط قال هذه الكلمة، فيجعلون الفاعل هو موسى، والمفعول هو آدم. الرد على من رد حديث المحاجة ويرد عليهم: أن النبي ﷺ قال كما في بعض الروايات (فحجه آدم) وهذا الحديث واضح لمن تأمله، وأن الذي غلب بالحجة هو آدم ﵇، فعلينا أن نأخذ روايات هذا الحديث ونتأمل معناه ونأخذ خلاصته ونرى هل هو مشكل إِلَى هذا الحد؟ أم أن الإشكال ورد عند الشبهات.

стр. 1296

فلو أن كل أحد جعل في نفسه قاعدة، وهي أنك تأخذ الحق من الكتاب والسنة، وكلما أتاك حديث آمنت به، ثُمَّ اطلعت عَلَى معناه إن لم تفهمه، أو تسأل أهل الذكر عن معناه حتى تفهمه، فإنك بذلك لا تجد أي إشكالٍ بإذن الله ﵎؛ لأن هذا الدين لا تناقض فيه أبداً كما قال الله تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:٨٢] فهو من عند الله والنبي ﷺ يتكلم أيضاً من عند الله كما قال الله في نبيه ﷺ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:٤] فلا يمكن أن يكون هناك اختلاف أو تناقض. وإن أشكل شيء فإنما قد يشكل عَلَى عقول بعض النَّاس لكن لو ردوه إِلَى أهل العلم وأهل الذكر لزال هذا الإشكال، فأكثر روايات الحديث عَلَى كثرتها وكثرت ألفاظها فيها أنه (لقى موسى آدم ﵇ . ومن الممكن أن يقَالَ: أين لقي آدم موسى. يقول لبعض العلماء: إنه لم يلقه وإنما هذا سيكون إذا التقيا في الآخرة والنبي ﷺ أخبر عن شيء سيقع وهذا خلاف ظاهر الحديث. فما الذي يجعلنا نقول: إنه لم يلقه وإنما سوف يلقاه؟ بل نقول: لقيه وعادت الأرواح في الملأ الأعلى ونحن لا ندرك منه شيئاً إلا ما جاءنا عن الله وعن رسوله ﷺ لكن عندنا علم أن الأرواح تتلاقى وتتزاور وتتخاطب وأن لها أموراً لا نعلمها عند الله تَعَالَى لا نعلمها وأكمل حياة برزخية هي للأنبياء، ولهذا فالنبي ﷺ قابلهما وقابل غيرهما من الأَنْبِيَاء ليلة أسري به إِلَى السماء، ودار بينهما هذا النقاش وهذه المحاجة عندما لقي موسى آدم.

стр. 1297

وهذا الحديث أيضاً فيه دليل عَلَى إثبات اليد لله تَعَالَى كما في آخره (وكتب لك التوراة بيده) في كلا القولين عَلَى هذه الرواية إثبات اليد لله تَعَالَى. ولا حجة لمن يحتج بالقدر عَلَى الإطلاق، لأن هناك شيئين: هناك ذنب أو معصية فعلها آدم ﵇ وهي أنه أكل من الشجرة، وترتب عَلَى الأكل من الشجرة عقوبة ربانية من الله ليكون درساً لآدم وذريته، ألا يطيعوا الشيطان ولا يتبعوا سبيله وغيرها من الحكم الكثيرة، وهناك شيء آخر وهو: إخراج الله تَعَالَى آدم ﵇ بأن قال له: أنت الذي أذنبت، وأنت الذي عصيت وأنت الذي أكلت من الشجرة؟ لا، فلم يكن اللوم متوجه إِلَى المعصية، ولو قلنا ذلك؛ لكان موسى لائماً بهذا، ولقال له آدم في الجواب: هذا ذنب قد غفره الله لي، فإذا غفر الله لعبد ذنباً لا يحق لأحد من المخلوقين أن يقول له: لماذا تخطئ وتذنب قد غفر الله لك، فإن الله هو الذي يحاسب العبد وليس للعبد أن يُحاسب عبداً هذه المحاسبة في ذنب قد غفر الله تَعَالَى له، فاتضح بهذا أن السؤال لم يكن هكذا ولكن قال أنت أخرجتنا وخبيتنا فكان جواب آدم ﵇ لست أنا الذي أخرجتكم فآدم ﵇، ليس هو الذي أخرجنا وقد بكى الأعوام الطوال -كما يروى- (أن دموعه خطت خديه، ونزلت إِلَى الأرض) لأنه لما أنزل من النعيم الذي في الجنة إِلَى هذا التراب بكى وندم، فالإخراج ليس بإرادة آدم ﵇ فلذلك احتج ورد عليه، قال له: (أتلومني عَلَى أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة) فأنا ما خرجت ولا أخرجتكم هذا معنى كلام أبينا آدم ﵇ لكن الإخراج والإنزال إِلَى الأرض كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة معنى التقدير قبل أربعين سنة

стр. 1298

وقد بحث بعض العلماء في معنى تقدير الله قبل أن يخلق آدم بأربعين سنة، قالوا: لماذا يقول آدم أربعين سنة مع أن الله قدر مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، والأظهر والله أعلم في معنى هذه الأربعين أنها الفترة التي لم يكن آدم فيها مذكوراً، كما جَاءَ في الحديث الصحيح في تفسير قوله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الانسان:١] قال النبي ﷺ : (أربعون سنة) فيقول آدم منذ أن خلقني الله تَعَالَى من الطين قبل أن ينفخ فيَّ الروح كتب أنه ينزلني إِلَى الأرض. ويظهر أن هذا وقت الخطاب من الله للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:٣٠] وهذا الكلام موجود في التوراة ولهذا قال آدم يا موسى أتلومني عَلَى أمر تجده عندك في التوراة مكتوباً قبل أن أخلق بأربعين عاماً كيف تقرأ في التوراة أن الله سيجعل في الأرض خليفة والملائكة تعترض عَلَى ذلك ثُمَّ يعيبهم الله تَعَالَى بعد ذلك، وتأتي وتلومني وتقول أنت الذي أخرجتنا وأنت الذي خيبتنا. فالإخراج والإنزال إِلَى الأرض مكتوب علي قبل أن أخلق. فهناك فرق بين الإخراج وبين الذنب فالذنب وقع من آدم أما الإخراج فهو من الله تعالى، وكذلك أن آدم تاب وموسى يعلم أن الله قبل توبته فلا يمكن لموسى أن يعاتب عَلَى الذنب وقد تاب منه وغفر الله تَعَالَى له.

стр. 1299

مثال ذلك: لو أن رجلاً كَانَ كافراً ويشرب الخمر أو يأكل الميتة ثُمَّ أسلم، فأتى شخص وقال له أنت في جاهليتك شربت الخمر أو أكلت الميتة هل هذا كلام يقال؟ لاأحد يقوله؛ لأنه سيقول له: أنا أسلمت والإسلام يجب ما قبله، وكذلك التوبة تجب ما قبلها فلذلك عندما تأتي فالقدرية ومنهم كثير من الصوفية حتى صاحب منازل السائرين يقولون: لا تنكرون عَلَى أصحاب المعاصي؛ لأن الكل في العبودية سواء فأنت ومن يفعل المنكر سواء في العبودية والذي ينكر عليه ويحاسبه هو الله تَعَالَى أما أنت فإذا رأيت أحداً يعمل شيئاً فقل: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:١١٢] وهذا القول من أسقط الأقوال أبعدها عن الكتاب والسنة لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والشعائر العظيمة تبطل بهذا القول. خطر من يحتج بالقدر على المعاصي

стр. 1300

إن غرض هَؤُلاءِ أنهم يريدون أن يبطلوا بهذا الكلام وبهذا اللغو الشريعة والدين، وكوني أنا وهو عبيد نعم، ولكن الله أمرني أن أنكر المنكر، وهو عبد وقع في المنكر فلا بد أن أنكر عليه، وكون الله هو الذي يحاسب العباد فهذا لا شك فيه، ولكن يجب علي أن أنكر المنكر، ولا أحاسبه محاسبة الرب للعبد، فلا حجة لهم في قولهم إن آدم قد غلب موسى، فإن كل من فعل ذنباً ثُمَّ أتيت تنكر عليه فإنه يغلبك بالحجة إذا احتج بالقدر كما تقوله الجبرية لأن معنى هذا لا تنكر أي منكر وهذا ترده الأصول الشرعية القوية المبنية عَلَى آيات وأحاديث عن النبي ﷺ ، وهذا يدل عَلَى بيان ضلال وخطأ هَؤُلاءِ والمصنف ركز عَلَى هذه الفقرة الواضحة في الرد عَلَى هَؤُلاءِ الذين لم يفهموا هذا الحديث وهي قوله (وقع اللوم عَلَى المصيبة ولم يقع عَلَى المعصية والقدر والأقدار يحتج بها عَلَى المصائب ولا يحتج بها عَلَى المعاصي، فقد أمرنا بشيئين أمرنا في باب الأقدار أن نصبر عَلَى أقدار الله وهذا من الإيمان بقدر الله تَعَالَى أما المعاصي والذنوب، فأمرنا بالتوبة والاستغفار ولم نؤمر بالرضى بها وأن نفعلها فضلاً عَلَى أن نقر من يحتج بها من المحتجين. قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وأما قول إبليس رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي [الحجر:٣٩] إنما ذم عَلَى احتجاجه بالقدر لا عَلَى اعترافه بالمقدر وإثباته له ألم تسمع قول نوح ﵇ ولا يَنْفَعُكُمْ نُصحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ َ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ A> [هود:٣٤] ولقد أحسن القائل: فما شئتََ كَانَ وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن وعن وهب بن منبه أنه قَالَ: "نظرت في القدر فتحيرت ثُمَّ نظرت فيه فتحريت ووجدت أعلم النَّاس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل النَّاس بالقدر أنطقهم به"] اهـ. الشرح:
следующие страницы →