← Акыда

Акыда · id 2827

شرح العقيدة الطحاوية - سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

فلو أن كل أحد جعل في نفسه قاعدة، وهي أنك تأخذ الحق من الكتاب والسنة، وكلما أتاك حديث آمنت به، ثُمَّ اطلعت عَلَى معناه إن لم تفهمه، أو تسأل أهل الذكر عن معناه حتى تفهمه، فإنك بذلك لا تجد أي إشكالٍ بإذن الله ﵎؛ لأن هذا الدين لا تناقض فيه أبداً كما قال الله تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:٨٢] فهو من عند الله والنبي ﷺ يتكلم أيضاً من عند الله كما قال الله في نبيه ﷺ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:٤] فلا يمكن أن يكون هناك اختلاف أو تناقض. وإن أشكل شيء فإنما قد يشكل عَلَى عقول بعض النَّاس لكن لو ردوه إِلَى أهل العلم وأهل الذكر لزال هذا الإشكال، فأكثر روايات الحديث عَلَى كثرتها وكثرت ألفاظها فيها أنه (لقى موسى آدم ﵇ . ومن الممكن أن يقَالَ: أين لقي آدم موسى. يقول لبعض العلماء: إنه لم يلقه وإنما هذا سيكون إذا التقيا في الآخرة والنبي ﷺ أخبر عن شيء سيقع وهذا خلاف ظاهر الحديث. فما الذي يجعلنا نقول: إنه لم يلقه وإنما سوف يلقاه؟ بل نقول: لقيه وعادت الأرواح في الملأ الأعلى ونحن لا ندرك منه شيئاً إلا ما جاءنا عن الله وعن رسوله ﷺ لكن عندنا علم أن الأرواح تتلاقى وتتزاور وتتخاطب وأن لها أموراً لا نعلمها عند الله تَعَالَى لا نعلمها وأكمل حياة برزخية هي للأنبياء، ولهذا فالنبي ﷺ قابلهما وقابل غيرهما من الأَنْبِيَاء ليلة أسري به إِلَى السماء، ودار بينهما هذا النقاش وهذه المحاجة عندما لقي موسى آدم.

стр. 1297

وهذا الحديث أيضاً فيه دليل عَلَى إثبات اليد لله تَعَالَى كما في آخره (وكتب لك التوراة بيده) في كلا القولين عَلَى هذه الرواية إثبات اليد لله تَعَالَى. ولا حجة لمن يحتج بالقدر عَلَى الإطلاق، لأن هناك شيئين: هناك ذنب أو معصية فعلها آدم ﵇ وهي أنه أكل من الشجرة، وترتب عَلَى الأكل من الشجرة عقوبة ربانية من الله ليكون درساً لآدم وذريته، ألا يطيعوا الشيطان ولا يتبعوا سبيله وغيرها من الحكم الكثيرة، وهناك شيء آخر وهو: إخراج الله تَعَالَى آدم ﵇ بأن قال له: أنت الذي أذنبت، وأنت الذي عصيت وأنت الذي أكلت من الشجرة؟ لا، فلم يكن اللوم متوجه إِلَى المعصية، ولو قلنا ذلك؛ لكان موسى لائماً بهذا، ولقال له آدم في الجواب: هذا ذنب قد غفره الله لي، فإذا غفر الله لعبد ذنباً لا يحق لأحد من المخلوقين أن يقول له: لماذا تخطئ وتذنب قد غفر الله لك، فإن الله هو الذي يحاسب العبد وليس للعبد أن يُحاسب عبداً هذه المحاسبة في ذنب قد غفر الله تَعَالَى له، فاتضح بهذا أن السؤال لم يكن هكذا ولكن قال أنت أخرجتنا وخبيتنا فكان جواب آدم ﵇ لست أنا الذي أخرجتكم فآدم ﵇، ليس هو الذي أخرجنا وقد بكى الأعوام الطوال -كما يروى- (أن دموعه خطت خديه، ونزلت إِلَى الأرض) لأنه لما أنزل من النعيم الذي في الجنة إِلَى هذا التراب بكى وندم، فالإخراج ليس بإرادة آدم ﵇ فلذلك احتج ورد عليه، قال له: (أتلومني عَلَى أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة) فأنا ما خرجت ولا أخرجتكم هذا معنى كلام أبينا آدم ﵇ لكن الإخراج والإنزال إِلَى الأرض كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة معنى التقدير قبل أربعين سنة

стр. 1298

وقد بحث بعض العلماء في معنى تقدير الله قبل أن يخلق آدم بأربعين سنة، قالوا: لماذا يقول آدم أربعين سنة مع أن الله قدر مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، والأظهر والله أعلم في معنى هذه الأربعين أنها الفترة التي لم يكن آدم فيها مذكوراً، كما جَاءَ في الحديث الصحيح في تفسير قوله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الانسان:١] قال النبي ﷺ : (أربعون سنة) فيقول آدم منذ أن خلقني الله تَعَالَى من الطين قبل أن ينفخ فيَّ الروح كتب أنه ينزلني إِلَى الأرض. ويظهر أن هذا وقت الخطاب من الله للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:٣٠] وهذا الكلام موجود في التوراة ولهذا قال آدم يا موسى أتلومني عَلَى أمر تجده عندك في التوراة مكتوباً قبل أن أخلق بأربعين عاماً كيف تقرأ في التوراة أن الله سيجعل في الأرض خليفة والملائكة تعترض عَلَى ذلك ثُمَّ يعيبهم الله تَعَالَى بعد ذلك، وتأتي وتلومني وتقول أنت الذي أخرجتنا وأنت الذي خيبتنا. فالإخراج والإنزال إِلَى الأرض مكتوب علي قبل أن أخلق. فهناك فرق بين الإخراج وبين الذنب فالذنب وقع من آدم أما الإخراج فهو من الله تعالى، وكذلك أن آدم تاب وموسى يعلم أن الله قبل توبته فلا يمكن لموسى أن يعاتب عَلَى الذنب وقد تاب منه وغفر الله تَعَالَى له.

стр. 1299

مثال ذلك: لو أن رجلاً كَانَ كافراً ويشرب الخمر أو يأكل الميتة ثُمَّ أسلم، فأتى شخص وقال له أنت في جاهليتك شربت الخمر أو أكلت الميتة هل هذا كلام يقال؟ لاأحد يقوله؛ لأنه سيقول له: أنا أسلمت والإسلام يجب ما قبله، وكذلك التوبة تجب ما قبلها فلذلك عندما تأتي فالقدرية ومنهم كثير من الصوفية حتى صاحب منازل السائرين يقولون: لا تنكرون عَلَى أصحاب المعاصي؛ لأن الكل في العبودية سواء فأنت ومن يفعل المنكر سواء في العبودية والذي ينكر عليه ويحاسبه هو الله تَعَالَى أما أنت فإذا رأيت أحداً يعمل شيئاً فقل: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:١١٢] وهذا القول من أسقط الأقوال أبعدها عن الكتاب والسنة لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والشعائر العظيمة تبطل بهذا القول. خطر من يحتج بالقدر على المعاصي

стр. 1300

إن غرض هَؤُلاءِ أنهم يريدون أن يبطلوا بهذا الكلام وبهذا اللغو الشريعة والدين، وكوني أنا وهو عبيد نعم، ولكن الله أمرني أن أنكر المنكر، وهو عبد وقع في المنكر فلا بد أن أنكر عليه، وكون الله هو الذي يحاسب العباد فهذا لا شك فيه، ولكن يجب علي أن أنكر المنكر، ولا أحاسبه محاسبة الرب للعبد، فلا حجة لهم في قولهم إن آدم قد غلب موسى، فإن كل من فعل ذنباً ثُمَّ أتيت تنكر عليه فإنه يغلبك بالحجة إذا احتج بالقدر كما تقوله الجبرية لأن معنى هذا لا تنكر أي منكر وهذا ترده الأصول الشرعية القوية المبنية عَلَى آيات وأحاديث عن النبي ﷺ ، وهذا يدل عَلَى بيان ضلال وخطأ هَؤُلاءِ والمصنف ركز عَلَى هذه الفقرة الواضحة في الرد عَلَى هَؤُلاءِ الذين لم يفهموا هذا الحديث وهي قوله (وقع اللوم عَلَى المصيبة ولم يقع عَلَى المعصية والقدر والأقدار يحتج بها عَلَى المصائب ولا يحتج بها عَلَى المعاصي، فقد أمرنا بشيئين أمرنا في باب الأقدار أن نصبر عَلَى أقدار الله وهذا من الإيمان بقدر الله تَعَالَى أما المعاصي والذنوب، فأمرنا بالتوبة والاستغفار ولم نؤمر بالرضى بها وأن نفعلها فضلاً عَلَى أن نقر من يحتج بها من المحتجين. قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وأما قول إبليس رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي [الحجر:٣٩] إنما ذم عَلَى احتجاجه بالقدر لا عَلَى اعترافه بالمقدر وإثباته له ألم تسمع قول نوح ﵇ ولا يَنْفَعُكُمْ نُصحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ َ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ A> [هود:٣٤] ولقد أحسن القائل: فما شئتََ كَانَ وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن وعن وهب بن منبه أنه قَالَ: "نظرت في القدر فتحيرت ثُمَّ نظرت فيه فتحريت ووجدت أعلم النَّاس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل النَّاس بالقدر أنطقهم به"] اهـ. الشرح:

стр. 1301

من الآيات التي استدل بها من يحتج بالقدر عَلَى المعاصي، آيات الأنعام، والنحل، والحديث الذي سبق، واستدلوا كذلك بقوله تعالى: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي [الحجر:٣٩] فَقَالُوا: إن إبليس لما قَالَ: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي [الحجر:٣٩] أنكر الله عليه واحتجاجه هذا مردود وعلى هذا فنحن لا نثبت المشيئة، أي: لا نقول إن الله هو الذي أغوى إبليس؛ لأن إبليس هو الذي قال إن ربه هو الذي أغواه محتجاً بذلك، فبناءاً عليه فنحن ننكر الإغواء، فهم يريدون أن ينكروا أن الله قدر الأقدار بناءاً عَلَى أن الذين احتجوا بالقدر هم المُشْرِكُونَ، ومنهم إبليس وَقَالُوا: لا نأخذ ديننا عن إبليس ولا عن الْمُشْرِكِينَ فلا قدر إذاً، ونرد عليهم بمثل ما رددنا عَلَى الْمُشْرِكِينَ من أن الله تَعَالَى لم ينكر أنه شاء الشرك، ولم ينكر أنه أغوى إبليس. وإنما كَانَ الإنكار بما يحتج المُشْرِكُونَ -بمشيئته عَلَى شركهم- وبما يحتج إبليس -بإغواء الله له عَلَى ما فعله من التزين بالإِنسَان وإغواءه- فَيَقُولُ: إنما ذم عَلَى احتجاجه بالقدر لا عَلَى اعتراضه به فنحن نقول: إن اعتراض الْمُشْرِكِينَ بأن الله هو الذي شاء أن يعبدوا هذه الأصنام لا اعتراض عليه. ونقول: لا يقع في ملك الله إلا ما شاؤه الله، واعتراض قول إبليس بأن الله قدر عليه الغواية نَحْنُ نقول نعم قدر الله عليه الغواية، لكن احتجاجه بأن الله قدر عليه بأنه غير مؤاخذ هذا الذي نرده.

стр. 1302

فإن المشيئة لا تستلزم الجبر والقهر فهذا شيء شاءه الله تعالى، لكن المسئول عنه هو من فعله، أي: أن إبليس خاطبه الله تَعَالَى وأمره بالسجود مع الملائكة وهو يعلم عقوبة المعصية ومع ذلك ارتكبها بمشيئة الله، ولأن لله حكمة لكنه بإرادته وبطوعه خالف أمر الله وعصاه، ومن هنا طُرد ولُعن وأصبح رذيلاً مذموماً ويستدل عَلَى ذلك بقوله تَعَالَى عن نوح ﵇: (َلا يَنْفَعُكُمْ نُصحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ َ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [هود:٣٤] فما عَلَى الرَّسُول إلا البلاغ مع أنه يبين لهم ويدعوهم إِلَى الله، ويقول لهم إن ما آتيكم به من الحجج والبراهين لا ينفعكم إن كَانَ الله يريد أن يغويكم، لكن لو فرضنا أن الله يريد أن يغويهم -ولا شك أنه أغوى منهم الأكثرين وما آمن له منهم إلا القليل- لكنه ليس راضياً بغوايتهم بدليل أنه بعث فيهم نوحاً يجادلهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ليلاً ونهاراً سراً وعلانية يدعوهم، كما ذكر الله ذلك في سورة نوح واستخدم معهم شتى أنواع الدعوة فالله ليس راضياً عن شركهم وما فعلوه وكونه ﵎ اقتضت حكمته ومشيئته أن يكون في النَّاس مؤمن وكافر، فإن هذا شيء نقرُّ به ونؤمن به، وهذا من حكمته التي لا نستطيع أن ندركها وأن نعرف أبعادها، يقول المُصنِّفُ نقلاً عن هذا الشاعر: فما شئتَ كَانَ وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن لقد أحسن القائل، وهذه الأبيات التي قالها السلف الصالح في بيان الإيمان بالقدر وأن الله تَعَالَى مع أنه أعطانا مشيئة، إلا أن المشيئة النافذة هي مشيئته فَيَقُولُ: (فما شئت كَانَ وإن لم أشأ) ما شاء الله كَانَ وإن لم يشأ العبد أن يكون (وما شئت) أي: أنا المخلوق (إن لم تشأ لم يكن) فالمشيئة التي تنفذ هي مشيئة الله. مقالات بعض السلف في القدر

стр. 1303

يقول المُصْنِّف عن وهب بن منبه وهو من أهل الكتاب الذين أسلموا قَالَ: [نظرت في القدر، فتحيرت، ثُمَّ نظرت فيه فتحيرت، فوجدت أعلم النَّاس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل النَّاس بالقدر أنطقهم به] . وذلك لأن الله لما خلق النَّاس وجعلهم فريقين هذا إِلَى الجنة وهذا إِلَى النار، ووفق هذا إِلَى الهدى وحجبه عن هذا، وهذه الأمور من الأمور العميقة الدقيقة، ولا يعني قول وهب أن كل أحد يتوقف فيها أولا يدرك حكمتها، فإذا كَانَ وهب بن منبه لم يدرك شيئاً من ذلك، فإن غيره قد يدرك ما يفتح الله به عَلَى أهل العلم، وإنما يأتي المُصْنِّف بأمثال هذا الكلام ليبين أن الأصل هو عدم الخوض في باب القدر، وأن علينا أن نؤمن بالقدر بأن الله قدر مقادير كل شيء، ثُمَّ نؤمن بأنه تَعَالَى لا يظلم أحداً، ثُمَّ نؤمن بأنه ليس لأحد يعصي الله تَعَالَى أن يحتج بالقدر نؤمن بذلك كله، ونرد علم غير ذلك إِلَى خالقه تعالى، كما قال تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:٨٥] وعقولنا لا تستطيع أن تفسر كل شيء إِلَى أبعاده أعماقه، ولكن إذا وجدنا من العلماء الموثوق بهم أو من السلف الصالح كلاماً في بيان بعض الاشكالات التي تعترضنا، حمدنا الله تَعَالَى وعرفناها وتعلمناها، وإن لم نجد نقف حيث وقفوا، ونكِلُ ما وراء ذلك إِلَى الله ﵎. مذهب المعتزلة والرد عليهم ثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: قال الإمام الطّّحاويّ ﵀: [يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً] . يقول المُصْنِّف ﵀: [هذا رد عَلَى المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد عَلَى الله، وهي مسألة الهدى والإضلال، قالت المعتزلة: الهدى من الله بيان طريق الصواب، والإضلال: تسميه العبد ضالاً أو حكمه تَعَالَى عَلَى العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه.

стр. 1304

وهذا مبني عَلَى أصلهم الفاسد أن أفعال العباد مخلوقة لهم والدليل عَلَى ما قلناه قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:٥٦] ولو كَانَ الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي عن نبيه؛ لأنه ﷺ بين الطريق لمن أحب وأبغض، وقوله تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة:١٣] وقوله: يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [المدثر:٣١] ولو كَانَ الهدى من الله البيان وهو عام في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة وكذا قوله تعالى: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:٥٧] وقوله: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:٣٩] اهـ. الشرح: إن مسألة الهدى والضلال من أدق الأمور التي ينبغي أن نفهمها لكثرة ما وقع فيها من الخوض، لا سيما بين المعتزلة والأشعرية حيث قالت المعتزلة -الذين أورد المُصْنِّف هذه الفقرة في الرد عليهم-: الهدى من الله هو أنه بين طريق الصواب، مثل ما نقول: وضع علامات عَلَى الطريق، وقال هذا هو الطريق الحق وأما الإضلال من الله، فهو أنه يسمى العبد ضالاً إذ أن العبد ضل من عند نفسه وارتسم الضلال فيه فسماه الله ضالاً. هذا هو معنى الهدى والضلال عند المعتزلة وهذا باطل.

стр. 1305

والصحيح في معنى الهدى والضلال، أن الهدى من الله وهو توفيق العبد للإيمان وإعانته عليه، والفضل كما قال المصنف: (ويعصم ويعافي فضلاً) أي: تفضل الله عَلَى العبد بأن يعينه ويوفقه إِلَى طريق الحق والخير، ويمده بذلك كما نقول دائما في صلاتنا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] وهذه الاستعانة لا تريدها المعتزلة، يقولون: نَحْنُ من عند أنفسنا نخلق فعل أنفسنا ونفعل الطاعات، أما المؤمن فَيَقُولُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] فإليك نتوجه يا رب وبك نستعين، ولولا عون الله -تعالى- وتوفيقه لنا ما عبدناه ولا صلينا ولا زكينا، ولكن وفقنا لذلك وبينه لنا، وهدانا إليه، وأعطانا القوة عليه، وحجب عنا الشبهات والشهوات، وذلك من فضله ومنته حتى عبدناه فصلينا وصمنا إِلَى آخر ذلك، فالمسألة أكبر من أنه بين الطريق لنا فقط أو قال هذا هو الحق؛ بل إنه وفقنا وأعاننا وأمدنا وتفضل علينا، حتى فعلنا الهدى واهتدينا، وأما إضلال العبد فليس أن الله يسميه ضالاً بعد أن خلق العبد فعل نفسه الذي هو المعصية إنما إضلال الله ﵎ للعبد أي يُحجب الله عنه ويحرمه الفضل ويحرمه التوفيق مع بيان طريق الحق له. وهذا هو الفارق وما تجعله المعتزلة للمؤمنين وهو بيان طريق الحق، ونحن نقول هذا البيان حصل ووقع للعاصي وللكافر، وللفاجر، بين لكل واحد منهم طريق الحق، لكنه لم يعينه ولم يوفقه إلا أنه يفعله عدلاً منه ﵎ وأما المؤمن فمع أنه بين له أيضاً إلا أنه وفقه وأمده وأعطاه فضلاً منه ﵎ فالمعتزلة يقولون: يجب عَلَى الله. وفي هذه العبارة جرأة، فمن يتجرأ أن يوجب عَلَى الله تَعَالَى شيئاً أن يفعل الأصلح للعباد.

стр. 1306

والأصلح لهذا العبد: أن يبين له طريق الهدى وأن يتركه ليعمل لنفسه مثلاً، فيرون أنه يجب عليه ذلك فنقول: لا يجب عَلَى الله تَعَالَى شيء ولكن الأمر يدور بين العدل وبين الفضل، فأما فضله تَعَالَى فإنه عَلَى المؤمنين: وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء:١١٣] تفضل الله عَلَى النبي ﷺ بأن أوحى إليه، وأنزل إليه الكتاب، وجعله سيد ولد آدم، وجعله إمام المتقين، وإمام الغر المحجلين، ورسالته رحمةً للعالمين، كل هذا فضل من الله عَلَى نبيه مُحَمَّد ﷺ . لا يستطيع أحد أن يوجب على الله فعل شيء لا يستطيع أحد أن يوجب عَلَى الله شيئاً ولكن الله تَعَالَى حجب الإيمان وحرم الهداية والتوفيق عدلاً منه جل شأنه، فقد حرم أبا لهب ومنعه من هذا الإيمان، وبين له الطريق وأوضحها له ومن أعظم الأدلة عَلَى ذلك: أن أبا لهب كَانَ يعلم أن النبي ﷺ صادق، وأنه لا يكذب أبداً، ولو أن أبا لهب وسأل نفسه هل مُحَمَّد هذا صادق أم أنه كاذب في دعوى الوحي! لقالت له نفسه: هو نبي وصادق، وما أكثر ما صرح به الكفار المعاندون للنبوة. فالحجة قامت عَلَى أبي لهب ولكن لماذا لم يؤمن؟ هل هو من عند نفسه؟

стр. 1307

نعم، نقول: إن الله لم يوفقه ولم يتفضل عليه بالإيمان؛ لكن هذا التوفيق فضل من الله يعطه من يشاء ويحجبه عمن يشاء، ولا يحرمه أحد إلا لسبب من العبد لذاته، علم الله أنه لا خير فيه، كما قال الله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ [الأنفال:٢٣] لكن علم أنه لا خير فيه وأنه يرفض هذا الإيمان رغم الحجج الواضحة البينة، ولهذا لم يوفقه للإيمان وهذا عدل منه ﵎ مع أنه بين له طريق الهدى وقول المعتزلة بأن الهدى بيان الطريق وأن الإضلال تسمية العبد ضالاً هذا خطأ بل الهدى من الله تعالى: هو التوفيق والعون والإمداد والتفضل بالهداية وسلوك طريق الطاعة، وأما الإضلال فهو: صرف الإِنسَان وحجبه عن طريق الخير لفعل يفعله بسبب منه لعدم قابليته الهدى فالله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ولهذا جَاءَ في الحديث الصحيح (عملت اليهود إلى منتصف النهار كما نقول: إِلَى صلاة الظهر وعملت النَّصَارَى ما بين صلاة الظهر والعصر، وعملت هذه الأمة من صلاة العصر إِلَى المغرب.

стр. 1308

فضرب الله لذلك مثلاً بثلاثة عمال فرجل استأجرته بأجر إِلَى الظهر، فأعطيته ديناراً، والآخر استأجرته من الظهر إِلَى العصر فأعطيته ديناراً، ورجل استأجرته من العصر إِلَى المغرب فأعطيته ثلاث دنانير أو أكثر، فَقَالَ الأول والثاني لماذا تعطيه أكثر منا؟ فاحتجت اليهود والنَّصَارَى- عَلَى أن الله تَعَالَى أعطى هذه الأمة أكثر منها - فَقَالُوا: يا رب عملوا قليلاً وأعطيتهم كثيراً؟ فَقَالَ تعالى: (أوقد حرمتكم من حقكم شيئاً) قالوا: لا يا رب قَالَ: (ذلك فضلي أعطيه من أشاء) فهذا فضل من الله، فأنت إذا حرمت شيئاً من حقك تطالب به، فلا تعترض وقد أعطيت حقك إذا أعطى غيرك أكثر مما يستحق لتفضل المعطي بذلك، ومع ذلك إذا كَانَ المتفضل هو الله، فإنما يتفضل عَلَى أحد ويحرم آخر من هذا الفضل لِمَا يعلمه مما في نفس هذا من الخير والقابلية والتوجه ومراغمة النفس عَلَى قبول الحق، وما يعلم في نفس ذلك من رد الحق ودفعه وغمطه. فلما لم يقم العبد بما وجب عليه من طاعة الله ﵎ والاستعانة به عَلَى نفسه خذله الله ووكله إِلَى نفسه، ومن وُكل إِلَى نفسه فقد خاب وخسر، ولهذا كَانَ من دعائه ﷺ : (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إِلَى نفسي طرفة عين) وفي الرواية الأخرى: (فإنك إن تكلني إِلَى نفسي تكلني إِلَى ضعف وعجز وخطيئة) فالإِنسَان إذا وكل إِلَى نفسه فقد وكل إِلَى عقله وتفكيره وحرصه وأنه يعرف الحق ويعرف الخير والهدى والضلال فيخيب ويخسر ويشقى، بل الواجب عَلَى الإِنسَان أن يدعو الله تَعَالَى أن يهديه للحق، فإذا وجد من يبين له الحق فعليه أن يحمد الله ﵎ وأن يشكره.

стр. 1309

ولذلك استدل المُصْنِّف في الرد عَلَى قول المعتزلة بأن الهدى لو كَانَ هو بيان الطريق لما قال الله لنبيه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:٥٦] لأن النبي ﷺ قد بين الطريق فالبيان والإرشاد حصل منه ﷺ ، لكن هداية التوفيق والامتثال والتفضل ليست من عنده كما قال الله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:٥٦] وقد قال له وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:٥٢] أي: إنك تبين الطريق المستقيم وتدعو إليه وتوضحه للناس، أما قوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:٥٦] أي: إنك لا توفق من تشاء ليكون مؤمناً. وهذه الآية نزلت في عمه أبي طالب لما حرص النبي ﷺ وأخذ يُلح عليه أن يسلم، ويقول له: (يا عمِ قل كلمة أحاجُّ لك بها عند الله) ففاضت روح عمه وهو يقول إنه عَلَى ملة عبد المطلب، فرَسُول الله يُلح عليه وهو يعلم صدقه، ولا يوجد أحد من الْمُشْرِكِينَ أعلم بصدق النبي ﷺ منأبي طالب، ولذلك حماه وأواه وحوصر معه في الشعب في سبيل نصرته النبي ﷺ . ولو كَانَ كاذباً لما تحمل هذا الأذى كله من أجله، ولكنه يعلم أنه صادق لكن مع ذلك كله لم يؤمن به فالمسالة مسألة هداية وتوفيق من الله وليست بالرأي ولا بالعقل ولا ببيان الحجج فعلينا أن نسأل الله دائماً الهدية والتوفيق كما جَاءَ في سورة الفاتحة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] .

стр. 1310

ونعلم أنه هو الذي يعيننا عَلَى الطاعة، وأنه لو وكلنا إِلَى أنفسنا طرفة عين لهلكنا، ونقول بعد ذلك: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:٦] فهو الذي يهدينا ، فندعوه دائماً في كل ركعة بأنك أنت الذي تعين العبد ولولا توفيقك وإعانتك لما عبدك أحد، ولما آمن بك أحد، حتى بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة يقولون: =وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ فالأمر كله فضل منه ﵎. ثُمَّ قال الطّّحاويّ ﵀: [وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله] . قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [فإنهم كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:٢] فمن هداه إِلَى الإيمان فبفضله وله الحمد، ومن أضله فبعدله وله الحمد، وسيأتي لهذا المعنى زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى، فإن الشيخ ﵀ لم يجمع الكلام في القدر في مكان واحد، بل فرقة، فأتيت به عَلَى ترتيبه] اهـ قال الطّّحاويّ ﵀: [وهو متعال عن الأضداد والأنداد] . قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [الضد: المخالف، والند: المثل، فهو سبحانه لا معارض له، بل ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا مثل له، كما قال تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:٤] ويشير الشيخ ﵀ بنفي الضد أو الند إِلَى الرد عَلَى المعتزلة في زعمهم أن العبد يخلق فعله] اهـ. قال الطّّحاويّ ﵀: [لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره] قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [أي لا يرد قضاء الله راد ولا يعقب أي: لا يؤخر حكمه مؤخر، ولا يغلب أمره غالب، بل هو الله الواحد القهار] اهـ قال الطّّحاويّ ﵀: [آمنا بذلك كله وأيقنا أن كلاً من عنده]

стр. 1311

قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [أما الإيمان فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى، والإيقان الاستقرار من يقن الماء في الحوض إذا استقر، والتنوين في "كلاً" بدل الإضافة: أي كل كائن محدث من عند الله أي: بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته وتكوينه، وسيأتي الكلام عَلَى ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى] اهـ. الشرح: قوله: [وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد] لقد نفى الله أن يكون له ضد أو ند في ملكه وأفعاله أو أفعال العباد كما قال تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الاخلاص] بل يجب أن يفرد وحده بالعبادة، وأما الذين اتخذوا من دون الله أنداداً؛ فأولئك هم المُشْرِكُونَ الذين توعدهم الله بالعذاب الشديد في الدنيا والآخرة، والتخليد في النارفي النار فاتخاذ الأنداد من دون الله تَعَالَى هو عين الشرك، فليس له تَعَالَى ضد ولا ند. وقوله ﵀: [ولا راد لقضائه] . قد سبق شرحه، ومعناه: أنه قد كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكل ما كتبه الله تَعَالَى فهو واقع لا محالة ولا راد له كائناً من كان. وقوله [ولا معقب لحكمه] الحكم هنا يشمل الحكم الشرعي والقدري فأما حكمه القدري: فهو قضاؤه الذي سبق أن حكم به فلا يستطع أحد أن يدفعه. وأما حكمه الشرعي: فلا معقب لحكمه أي: لا مستدرك عليه مثال ذلك: عقوبة الزاني الجلد إن كَانَ بكراً، والرجم إن كَانَ ثيباً فلا معقب لحكمه كَانَ يأتي أحد فيجعلها السجن والغرامة أو يجعل الجلد أقل أو أكثر، كذلك حرم الله تَعَالَى الربا، فلا معقب لحكمه.

стр. 1312

كأن يأتي أحد فَيَقُولُ: الربا حلال ويتأول ويتفلسف في بيان استحلال ما حرم الله تعالى، فلا معقب لحكمه أبداً فما عَلَى العباد إلا أن يطيعوه وينقادوا له ويسلموا ولهذا خلقهم وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦] فلم يخلقهم ليعترضوا عليه، وإنما أعطاهم الله العقول؛ ليفكروا بها فيما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم ويفهموا بها دينه وشرعه فلم يعطهم العقول ليفكروا بها فيما يعارضون به شرعه ودينه، ويردون به عَلَى أنبياءه، أو عَلَى من يدعوهم إِلَى الحق والهدى. وقوله: [ولا غالب لأمره] أي: ولا غالب لأمر الله تَعَالَى إذا قدَّر أمراً بخلاف المخلوقين فإنه يغلب عَلَى كثير من أمورهم إلا ما شاء الله أنه ينفذ. وقوله: [آمنا بذلك كله وأيقنا أن كلاً من عنده] أي: آمنا بجميع ما تقدم من المباحث في إثبات الصفات والقدر آمنا بذلك كله، وأيقنا أنه من عند الله تعالى، وكل ما جَاءَ في كتاب الله، أو في سنة الرَّسُول ﷺ ، فنحن نؤمن به. إن علاقة الميثاق بالعقيدة هي: أولاً: من جهة الفطرة، ففي سورة الأعراف يقول الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف:١٧٢] هذا عَلَى قراءة، وعلى قراءة أخرى سبعية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهُمْ بالجمع ونحن نقرأ عَلَى القراءة الأولى وهي وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٢، ١٧٣] .

стр. 1313

دليل الفطرة آية الميثاق ذكرها الله في كتابه، وقرأها السلف الصالح والجميع عَلَى اختلافهم يقولون: هل كَانَ ذلك استخراجاً حقيقياً أو أنها مجرد الفطرة؟ وكلا القولين يؤدي إِلَى أن الله قد أخذ إقرار بني آدم عَلَى التوحيد وفطرهم عليه، هذا من جهة. ومن جهة أخرى أن كل إنسان يعرف الله بالفطرة، وأنه قد بين ذلك وفصله وخلقهم عليه. وموضوع الفطرة هو من الموضوعات التي تدخل في صلب العقيدة والإيمان، سواءً من جهة ما يجب علينا وهو أن نؤمن بأن الله قد فطر العباد على الإيمان به وتوحيده، أو من جهة ما يقتضيه ذلك الإيمان من الانقياد، وإخلاص التوحيد لله ، فكل ذلك حق، وقد أطال السلف في هذه المسألة، وممن أطال فيها أيضاً: شيخ الإسلام ابْن تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه -العظيم المشهور الكبير- درء تعارض العقل والنقل، حيث سرد الأقوال التي ذكرت فيها، والترجيح في ذلك، والرد عَلَى الفرقِ والمذاهب المخالفة. ومعنى دليل الفطرة هو أن النبي ﷺ قَالَ: (ما من مولود إلاّ يولد عَلَى الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) في روايات كثيرة ذكرها الإمام مسلم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ورواها غيره. لكن الإمام مسلم ﵀ فصل الروايات وذكرها عَلَى نسق، (كل مولود يولد عَلَى الفطرة) وفي رواية (عَلَى الملة) وفي رواية (ما من مولود إلاّ يولد عَلَى هذه الملة) والأدلة قطعية ونصية عَلَى أن الإِنسَان مخلوق ومفطور عَلَى ملة الإسلام. الأصل في الإنسان أن يولد على فطرة الإسلام

стр. 1314

إن كل إنسان في أي بيئة وجد فيها يولد عَلَى الإسلام الذي بعث به الرسل، وبيَّن ذلك النبي ﷺ حين ضرب لأصحابه ما كانت تفعله العرب، كانوا إذا أنتجت الدابة من الإبل أو البقر أو الغنم يقطعون أذنها أو يَسِمُونها بعلامات -كما هو معروف إِلَى الآن- وهذه العلامات تبين انتماء هذه الدابة لصاحبها، لكن التي تولد ولا تكون عليها علامة أبداً، كما قال ﷺ (كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء هل ترون فيها من جدعاء) فكل مولود يولد عَلَى هذه الملةِ، كالصفحة البيضاء النقية التي لو تركت وحدها لما عرفت إلاّ توحيد الله ولم تنحرف عنه إِلَى الشرك، لكن يأتي من يجعل لها انتماء إِلَى أي دين، أو إِلَى أي ملة. فالتربية أو المجتمع يهودان أو ينصران أو يمجسان، أو عَلَى أي مذهب من المذاهب، لكن هذا لا يلغي الحقيقة، لأنها حقيقة أزلية أخبر الله ﵎ عنها بقوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم [الروم:٣٠] هذا هو الدين القيم، ولا يستطيع أحد أن يبدله ولا يمكن أبداً أن يولد مولود إلاّ عَلَى هذا الدين القويم، ولكن حكمة الله في أن جعل النفس البشرية تتأثر وتقبل التغيير. ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله تَعَالَى في مسألة أطفال الْمُشْرِكِينَ إذا ماتوا، هل يكونون من أصحاب الجنة أم لا؟ وهل يمتحنون أم لا؟ عَلَى أقوال معروفة ليس هذا مجالها، إنما المقصود أن هَؤُلاءِ الأطفال يولدون عَلَى الإسلام، وأن الذي يصرفهم عن ذلك هي التربية أو المجتمع من الأحبار، أو الرهبان، أو الكهان، أو ما أشبه ذلك من الصوارف. حكم الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام

стр. 1315

ورد في الغلام الذي قتله الخضر ﵇ كما قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس [الكهف:٧٤] أنه كَانَ قد طبع كافراً مخالفاً لبقية النَّاس، وأن له حكماً خاصاً، وهو أنه خلق كافراً، ولهذا كَانَ حكمه مخالفاً ومغايراً لحكم سائر الناس، فإنهم يدعون فإن أسلموا وإلاّ قتلوا. فالمقصود أنه لا خلاف بين المسلمين في أن الله قد فطر النَّاس وغرس في أذهانهم الدلائل والبراهين عَلَى معرفته والاتجاه إليه وحده لا إِلَى أحد سواه. ومن أعظم الشبهات التي دخلت في علم الكلام، وأفسد بها علماء الكلام دين الْمُسْلِمِينَ قولهم بأن التدين إنما يكون تقليداً، وممن ذكره وفصله أبو حامد الغزالي في الإحياء وذكره غيره، وهو أن النَّاس إنما يتعبدون بحسب البيئة التي يولدون عليها، ولهذا يصبح الإِنسَان الذي ينشأ بين النَّصارَى نصرانياً والذي ينشأ بين اليهوديهودياً. وقد أدخل علماء الكلام -وأصلهم زنادقة براهمية- هذا على المسلمين، ولبسوا عليهم ذلك، فَقَالُوا: إذا كان من يولد بين الهنود يصبح هندوسياً، والذين يولد بين المسلمين يصبح مسلماً، أي: أن الأمر كله تقليد، ولا أصل للفطرة. إذاً لا بد أن نقول للناس -حسب انحرافهم-: لا تؤمنوا إلاّ إيماناً عقلياً لا تقليد فيه، ولذا نجد في كتبأهل الكلام وكتبالأشاعرة، وكتب أخرى كثيرة كما في شرح المواقف وشرح اليقينات الكبرى، وشرح السنوسية، والجوهرة، وغيرها من كتبهم نجد مسائل منها: حكم المؤمن المقلد. حكم المؤمن المقلد عند أهل الكلام يقولون في كلامه عَلَى حكم المؤمن المقلد، وقد اختلف فيه، فَقَالَ بعضهم: إنه كافر لا يقبل إيمانه، وقَالَ بعضهم: إنه عاصي، وقال بعضهم: يقبل لأن الإِنسَان ضعيف وجاهل لا يملك إلا التقليد.

стр. 1316

وهذه الأقوال كلها مبنية عَلَى أصل فاسد؛ لأن المسلم ليس مقلداً في الفطرة، بل الأصل في جميع بني آدم منذ أن خلقهم الله إِلَى أن يرث الله الأرض ومن عليها أنهم يولدون عَلَى هذه الفطرة وعلى هذا الدين، فمن كَانَ مؤمناً من الْمُسْلِمِينَ فقد بقي عَلَى الأصل الذي ولد عليه ولهذا تأتينا مسائل لها علاقة بهذا الموضوع ونعرف بطلانها وفسادها: المسألة الأولى: وهو قول علماء الكلام إنه يجب عَلَى كل عاقل مكلف أن يخرج من هذا الخلاف ويتخلص منه بأن ينظر ويتفكر في دليل عقلي يدله عَلَى وجود الله وعلى الإيمان بالله، ولو مرة واحدة، يجلس ويقول: العالمَ متغير، وكل متغير حادث، والحادث لا بد له من محدث، فالعالم محدَث، والله هو المحدِث، ويقولون: بهذا يخرج إيمانك عن كونه تقليداً، وعلى هذا تكون قد آمنت عَلَى عقل لا عَلَى تقليد، مع أن الحقيقة أن هذا هو عين التقليد، وأصبح هذا الدليل يلقن للناس؛ بل وللعامة، وهو مقرر ومكتوب في كتب راقية تدرس كمناهج التعليم. بعض المسائل التي بنيت على الأصل الفاسد في مفهوم الفطرة وهناك مسائل بنيت عَلَى الأصل الفاسد الذي بناه علماء الكلام في حقيقة الفطرة ومن هذه المسائل: أنه يجب عَلَى الإِنسَان إذا وصل إِلَى مرحلة البلوغ أن يقول: (أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً رَسُول الله) ويكون بذلك قد دخل في الإسلام، ثُمَّ ينظر في إيمانه عَلَى ذلك الدليل الذي سبق، لأنه في البداية لم يكن مسلماً، وأما الآن فهو يدرك ويعي، فالآن عليه أن يسلم!! سُبْحانَ اللَّه!! كيف يُسلم وهو إنما وُلد عَلَى الفطرة من أبوين مسلمين في دار الإسلام.

стр. 1317

فنسألهم ما حكم هذا الإِنسَان قبل ذلك؟ ثُمَّ نقول لهم: لو أنه مثلاً حينما رأى علامة البلوغ ذهب فتوضأ فصلى وَالمفترض أنه يصلي قبل ذلك، لأن المسلم لا يمكن أن يصل إِلَى هذا السن ولم يصل ماذا تعتبرون هذه الصلاة هل هي باطلة لأنه لم يتشهد حين البلوغ؟ هذا كلام لا دليل عليه، فيتناقضون في أمثال هذه المسائل، وهكذا! وكم تترتب من مسائل باطلة، لا نريد أن نستطرد فيها، وليس المقام مقام إيضاحها، وإنما هو مقام توضيحٍ لأهمية اتباع ما دل عليه الكتاب والسنة في مسألة الإيمان، وفي مسألة الفطرة، وهو: أن الله قد فطر العباد جميعاً عَلَى معرفته وعلى ربوبيته، وقد أشهدهم عَلَى ذلك. إعتراف الذين أسلموا بأن الإسلام هو دين الفطرة عندما ندعو يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً؛ فإنما ندعوه إِلَى أمر يعلمه في نفسه ولا ندعوه لأن يصرف فطرته إِلَى أمر لم يخلق عليه، ويشهد لذلك من دخل في الإسلام من غير الْمُسْلِمِينَ، فكثير منهم يصرح ويقول: إنني لم أذهب إِلَى الكنيسةِ في حياتي قط منذ أن وعيت وأدركت إلا وأنا أشعر بفطرتي أن هذا الدين باطل. وبعد أن أسلم بعض القساوسة يقول: كنت أحس بنفسي أن هذا ليس هو دين الله ، فلمّا قرأت عن الإسلام كتاب كذا وكتاب كذا وترجمة معاني القرآن، وجدت أن هذا هو الذي أشعر به في فطرتي. وهكذا نفهم ونستنتج منه أيضاً دليلاً حسياً حقيقياً عَلَى أننا عندما ندعو أي إنسان إِلَى دينِ الإسلام، فإننا ندعوه إِلَى ما هو في فطرته التي خلقه الله عليها لا ندعوه إِلَى أمر يخالف ذلك، ومن هنا دخل أقوام كثيرون في دين الله مع أن كثيراً منهم يجهل كثيراً مما جَاءَ به الإسلام، لكنهم يدركون أن الله حق وأنه إله واحد، وأنه رب السماوات والأرض.

стр. 1318

ولهذا كَانَ عُمَرُ ﵁ إذا أرسل جيشاً يَقَولُ: (إذا حاصرتم قلعةً أو حصناً أو قوماً فأخرج أحدهم يده وأشار إِلَى السماء فاقبلوا منه) وهذا يستدل به عَلَى إثبات العلو، وأنه فطري، وأن الإيمان بالله فطري، فمن عبر بالإشارة حيث لا يستطيع أن يعبر باللسان فتعبيره مقبول، ومن هنا كَانَ أول واجب عَلَى الإِنسَان هو شهادة أن لا إله إلا الله وهو توحيد الله. أما أهل الكلام فيقولون: الواجب عَلَى الإِنسَان أن ينظر في هذا الكون ويتفكر فيه. وقال بعضهم: إذا الإنسان لم ينظر، فكيف نلزمه أن ينظر، قالوا: إذاً نجعل أول واجب عَلَى الإِنسَان القصد إِلَى النظر. وقال بعض المعتزلة -: نفس القصد هو النظر فكيف نوجبه عليه؟ وقال أبو هاشم الجبائي -وهو من أئمة المعتزلة -: وأفضل شيءٍ أن نقول: إن أول واجبٍ عَلَى الإِنسَانِ هو الشكُّ، لأنه بعد أن يشك يحتاج إِلَى أن ينظر، فإذا قصد إِلَى النظر نظر، فإذا نظر آمن، فيكون قد أتى بالثلاثة كلها، وبعد ذلك يؤمن أن هذا الكون متغير، وكل متغير حادث، وكل حادث لا بد له من محدِث إذن له رب خلقه. كل هذا الكلام الطويل، وهذه الفلسفة التي ما أنزل الله بها من سلطان مؤدّاها ونهايتها لكي يقول: (إن لهذا الكون رباً وإلهاً) سُبْحانَ اللَّه! وهل وجدت أمة تنكر أن هذا الكون ليس له خالق؟ حتى الْمُشْرِكِينَ كانوا يقولون: إنَّ اللهَ هُوَ الخالقُ، واللهُ إنما بعثَ الرسل ليقولوا للناسِ: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٥٩] وهم يقولون: نَحْنُ نعبد الله، ولكن نعبد معه غيره، ونتقرب إِلَى الله بعبادة الصالحين. وأما الذين أعلنوا الإلحاد الصريح كفرعون حيث قَالَ: " أنا ربكم الأعلى" وَكَمَا كَانَ حال صاحب الأخدود الذي كَانَ يريد أن يقول للناس أن يؤمنوا بأنه ربهم.

стр. 1319

وأما أن أناساً كانوا ينكرون ذلك بحق وحقيقة فلا يوجد ذلك، حتى فرعون فقد قال الله ﵎ عنه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل:١٤] وهو الذي يقول لموسى ﵇: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:٢٣] . وهذا السؤال لغرض التحايل والتهرب، وليس غرضه أن يعلم ما هي ماهيته، بل هو إنكار يحيد به عن الإيمان بالله وإلاّ فهو يعلم ذلك، فلا نحتاج إِلَى أن نشك في أن فرعون يعلم أو لا يعلم، لأنه لما أدركه الغرق قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ [يونس:٩٠] ولم يقل: أنا ربكم الأعلى، فذهبت هذه المقالة في القصر في مكان العز والتمكين أما عند الغرق فقد نطقت الحقيقة، ولكن حيث لا ينفع الإقرار بها. فمسألة الفطرة من أجل المباحث التي ينبغي أن تبحث، لكن ليس المقصود هنا هو ذلك وإنما المراد هنا أن نعرف علاقة الميثاق الذي أخذه الله ﵎ عَلَى بني آدم بالفطرة، فالله أخذ الميثاق عَلَى بني آدم حينما استخرج ذرية آدم ﵇ من صلبه وأشهدهم عَلَى أنفسهم واستنطقهم كما قال المفسرون في تفسير الآية وفي قول النبي ﷺ (وأن عيسي عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إِلَى مريم وروح منه) .

стр. 1320

وقالوا: إن عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله واستنطقها، كما صرح بذلك كعب الأحبار وغيره، فالله تعالى خلق الأرواح ثم استنطقها، فسألها أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] أي شهدنا عَلَى أنفسنا ونطقنا بذلك، ثُمَّ يقول الله ﵎: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ [الأعراف:١٧٢] جملة أن تقولوا معناها: أي استنطقناكم واستشهدناكم كي لا تقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] وعَلَى الوجه الآخر أنه لا يجوز أن تقرأ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] وتقف عَلَى كلمة (شَهِدْنَا) بعد أن وقفت عَلَى كلمة (بَلَى) ، بل تقف عَلَى الأول أو الثاني لأن كلمة (شَهِدْنَا) ستصبح هنا لا متعلق لها ولا معنى، فهذا الذي نفهم به هذه الآية من جهة علاقتها بموضوع الفطرة. علاقة الميثاق بالروح هذه المسألة تترتب عليها مسألة هل الأرواح مخلوقة قبل الأجساد أم لا؟ فذهب بعض النَّاس إِلَى أن الأرواح في جميع بني آدم خلقها الله ﵎ في القدم، فبعد أن خلق آدم ﵇ خلق أرواح ذريته جميعاً، فإذا أراد الله أن يخلقَ واحداً بعينه، يُحضرُ الملك الموكل بالأرواحِ، فينفخ تلك الروح فيه بينما هي مخلوقة من قبل وذهب إِلَى هذا القول بعض العلماء. وقال بعضهم: لا يشترط أن تكون الروح بذاتها مخلوقة موجودة مستقلة قبل أن تخلق الأجساد، ولكنَّ الله الذي هو عَلَى كل شيء قدير استخرجها ثُمَّ أعادها، فهي كما شاء في عالم الغيب إِلَى أن يشاء أن يخلق من شاء، فحينئذ يخلق روحه وما ذلك عَلَى الله بعزيز. علاقة الميثاق بالقدر وبمراتبه

стр. 1321

العلاقة الأخرى لموضوع الميثاق هي علاقته بموضوع القدر وهو من أجل وأهم الموضوعات، لأنه ركن من أركان الإيمان، ولا يصح إيمان أحد إلاّ به "ولو أنفق الإِنسَان مثل أحد ذهباً ما تقبل منه حتى يؤمن بالقدر" كما صرح بذلك أصحاب النبي ﷺ ، وأن الرجل لا يؤمن ولا يتقبل منه صلاة ولا صيام ولا حج ولا عمل إلاّ إذا آمن بالقدر. ومعنى أننا نؤمن بالقدر أن نؤمن بمراتبه الأربع، ونضع الميثاق في مرتبة الكتابة، ونختصر المراتب الأربع إِلَى مرتبتين هما: (العلم، والكتابة) وكل المراتب الأربع مترابطة، أي: كل ما خلقه فهو يشاؤه، وكل مايشاؤه، فهو أيضاً كتبه وكل ما كتبه فهو علمه. ولقد قسم العلماء مرتبة الكتابة إِلَى خمسةِ أنواعٍ: النوع الأولى: هي ماكتبه الله قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وهي الكتابة الكونية، وسميت كونية: لأن الله كتب كل ما يقع في هذا الكون. النوع الثاني: الكتابة النوعية: أي ما يتعلق منها بنوع الإِنسَان خاصة، وهذه هي التي كتبها الله عَلَى ذرية آدم، حينما كتب أن هَؤُلاءِ في النَّار، وأخذ قبضةً بشمالهِ وقَالَ: هَؤُلاءِ في النَّار ولا أبالي، وأخذ قبضةً بيمنيه، وقَالَ: هَؤُلاءِ في الجنة ولا أبالي، والميثاق يتعلق بها، وهو أن الله استنطق تلك الأرواح، ولكن تلك الأرواح كانت عَلَى نوعين: نوع منها: كتب الله له السعادة أزلاً، فهذا النوع مكتوب له أنه من أهل الجنة.

стр. 1322

والنوع الآخر: من كَانَ من أهل الشقاوة، وهذا قد ورد ما يؤيده فيحديث الإسراء لما عرج بالنبي ﷺ فوجد أبانا آدم فإذا عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة، فإذا نظر ذات اليمين ضحك، وإذا نظر ذات الشمال بكى، فلما سأل النبي ﷺ جبريل ما هذا يا جبريل قَالَ: هذا آدم إذا نظر إلي اليمين رأي أهل الجنة من ذريته فيضحك، وإذا نظر إِلَى اليسار رأى أهل النَّار من ذريته فيبكي، إذاً فالأمر قد كتب وَقُدِرَ عَلَى النَّوعِ الإِنسَاني، أنهم فريق في الجنة، وفريق في السعير. النوع الثالث: الكتابة العُمْرية أو الفردية: التي تتعلق بالعمر ومقداره، وقد دل عليها حديث عبد الله ابن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أخبرنا النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق (إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك ثُمَّ يرسل إليه الملك فيؤمر بكتب أربع كلمات: رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد) فكل إنسان له كتابة خاصة، الكون له كتابة عامة، والجنس الإِنسَاني له كتابة عامة. النوع الرابع: الكتابة السنوية أو الحولية وهي: ما يقدره اللهُ في كلِ سنةٍ، وتكون هذه الكتابة في ليلة القدر إِلَى مثلها في العام القادم. النوع الخامس: التقدير اليومي، كما قال الله ﵎: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:٢٩] فالله كل يوم يقضي ويحكم ويكتب ما يشاء كما قَالَ: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] وكل حادث يحدث لك في كل لحظة أو في كل يوم فهو أيضاً بقدر وبتدبير وبتصريف منه ، لا شريك له في ذلك كله. وبهذا التفصيل كله نفهم أن هذه الكتابة التي هي مرتبة من مراتب القدر تتعلق بالأنواع الخمسة كلها.

стр. 1323

المؤمنين بالقدر والجاحدين له يمكن أن ندرك غاية الفرق بين المؤمنين بالقدر، وبين الكفار المنكرين له، وذلك بأن نتصور كيف تكون حياتنا ومشاعرنا وإحساسنا إذا أدركنا هذه الحقيقة؟ وهي: أن الله قد كَتَبَ كل هذا الذي سبق، وأنه يَعلمُ كُلَّ شَيءٍ. فلو أنك تستشعر هذه الحقيقة دائماً وتتفكر فيها، وتقارن نفسك بأولئك الكفار في الصين أو الهند أو أمريكا أو في أي مكان من الذين لا يدرون لماذا جاءوا؟ وإلى أين يذهبون؟ ولماذا تقدر عليهم هذه الأقدار؟ أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ [الأعراف:١٧٩] فهم يعيشون في ظلام دامس، لو عرفنا ذلك لاشتد خوفنا من الله ولاجتهدنا في طاعته، فهل يمكن لأي عقل مهما كَانَ أن يتصور مراتب القدر الأربع وأن يتصور مراتب الكتابة الخمس، وأن يتفكر كيف يدبر الله هذا الكون، فهذا شيء لا يمكن عَلَى الإطلاق أن يوصل إليه إلا عن طريق الوحي، والوحي قد جاءنا من الله بفضله ومنه وكرمه قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر:٣٢] فهو اختيار من الله، ثُمَّ تأتي الأمة المصطفاة المختارة فتتبع الأمة الضالة الضائعة الذين حكى الله حالهم أنهم يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:١٢] .

стр. 1324

فالكافر مثل قطعة الخشب المنقطعة -التي لها مدة مقطوعة- لا تشعر أن لها صلة بماضٍ ولا بمستقبل، وأما المؤمن فهو كالغصنِ المُزهرِ الرطب كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم:٢٤] تمتد في أعماق الدنيا، فنحن الآن بإيماننا بالله وبرسوله ﷺ ، وبإيماننا بأقدار الله، وما كَانَ منها وما سيكون، نشعر بأننا مرتبطون بآدم ﵇، أو بأبينا الثاني نوح ﵇ وبدعوته فحينما نقرأ دعوته ومعاناته مع قومه، نشعر كأننا نعيش معه، وعندما نقرأ عن إبراهيم الذي جعله الله إماماً للناس، ونحن من أبنائه بالذات العرب، والذي أمرنا الله أن نتبعه ومن معه، وأن نكون عَلَى ملته ونتبرأ من الْمُشْرِكِينَ، كما تبرأ أي نبي من الأنبياء. وإذا قرأ الواحد منا قصة الشاب الذي يكفر بالدجال ويقاومه فيقتله الدجال ويشقه بالسيف، ثُمَّ يحييه، ثُمَّ يقول: أرأيت أنني ربك؟ فَيَقُولُ: والله ما أزددت بك إلاّ كفراً، إذا عرفت ذلك تشعر بأنك مُرتبط بهَؤُلاءِ، ومُرتبط بهَؤُلاءِ وهذه الرابطة هي رابطة الإيمان بالله التي يجب علينا أن نتمسك بها وأن نحمد الله تَعَالَى الذي وفقنا لها، لكن الذي لا يؤمن بذلك، لا يشعر بهذه الرابطة عَلَى الإطلاق، ولهذا تجدون مجتمعاتهم مقطعة الأوصال، الابن لا يعرف أباه، والأب لا يعرف ابنه، والزوجة لا تعرف زوجها، أمة ضائعة تائهة، تعيش كما تعيش أحقر البهائم في الغابة، اللهم إلا أن تلك البهائم لا عقل لها ولاحساب عليها إلا القصاص الذي يقتص الله لبعضها من بعض، أما أُولَئِكَ القوم فإن لديهم العقول ولكن لا يفقهون بها، وعندهم الآذان ولكن لا يسمعون بها، وعندهم الأعين ولكن لا يبصرون بها.

стр. 1325

وكذلك أصحاب الغفلة من المؤمنين متى يفيقون؟ إذا رأو ملائكة الموت حينئذٍ يقولون: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:٩٩،١٠٠] لا ينفع هذا الآن لأنه انتهى وقته. أين القلب والسمع والبصر والجوارح والعبر والعظات، والآيات المقروءة والآيات الناطقة المشاهدة في الكون؟ يقولميمون بن مهران ﵀ وهو سيد التابعين - في بلاد العراق -: (كَانَ أبي شيخاً كبيراً وكنا بالبصرة نذهب، فنستمع إِلَى موعظةالحسن البصري ﵀ -وكان مشهوراً بمواعظه البليغة المؤثرة- فَقَالَ أين ميمون - وكان ضريراً -؟ يا ميمون! خذ بيدي نذهب إلىالحسن البصري نسمع منه موعظة يقول: ففرحتُ لعلي أسمع موعظة الحسن قَالَ: فذهبت بأبي وفي الطريق قابلنا جدول صغير، فلم أستطع أن أعبر بأبي -لأن أباه كَانَ أعمى- فلم أجد إلاّ أن انبطحت وعبر من فوق ظهري، ولا أستطيع أن أحمله -فمد جسمه كالجسر وعبر أبوه من فوق ظهره- ثم أخذ بيده ودخلا عَلَى الحسن ﵀ فقَالَ: أبوه، يا أبا سعيد جئناك لتعظنا -انظر إِلَى الذين يبحثون عن طب القلوب، يذهب إليه، ويقول له: عظني ذكّرني- فجلس الحسن ﵀ وقَالَ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:٢٠٤-٢٠٧] ثُمَّ أخذ الشيخ في البكاء فبكى الحسن، يقول ميمون: فبكيا بكاءً شديداً وأنا أعجب، قَالَ: ثُمَّ أخذت أبي، فلما خرجُت قلت لأبي: أهذه موعظة يا أبتاه، إني ظننت أنه سيقول شيئاً من كلامه، قَالَ: يا بني قد قرأ آية لو قرأت عَلَى الجبال لتفطرت أو لتزلزلت.

стр. 1326

نعم هذا القُرْآن أعظم موعظة، ولكن الغفلة تعرض لقلوب النَّاس والقرآن يذهبها، والشاهد هو الآيات التي ذكرها الله سبحانه تَعَالَى بعد ذلك حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:٩٩،١٠٠] . علاقة هذه بما قبلها: أن الإِنسَان في حال النعيم يستعجل العذاب أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ماذا سيغني ذلك المتاع حين تأتي ملائكة الموت لقبض روحك، فحينها تكون الحسرة والندامة رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ يتوسل ويترجى كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:١٠٠] فإذا حضر الموت وعاين الملائكة أخذ يتمنى الرجوع، ولكن لا وقت لذلك، فلا ينفع الاستعتاب ولا الرجاء ولا الاستيقاظ، وإنما الآيات تتلى وتشاهد في كل وقت وفي كل حين لنؤمن بالله حق الإيمان قبل أن تدركنا تلك الحالة.

стр. 1327

فالشاهد أن الله قد ألهمنا وفطرنا عَلَى التوحيد والإيمان به ، وقد أخذ منا العهد والميثاق عَلَى أن نعبده وحده لا شريك له، وأشهدنا عَلَى أنفسنا أنه هو وحده ربنا ولا رب لنا سواه، وموجب ذلك ومقتضاه: أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، وأن لا نغفل عن طاعته ولا نعتذر بأي عذر أو علة فنقول: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [الأعراف:١٧٣] ولن يحاسبنا يَوْمَ القِيَامَةِ على الميثاق، وإنما عَلَى إجابةِ الرسل فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦] يسألنا ويقول: مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:٦٥] وهذه نعمة من الله أنه لا يحاسبنا عَلَى الميثاق وحده، وإنما يحاسبنا عَلَى ما جاءنا من الرسل، وكذلك السؤال في القبر (ماذا كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟) . فبعد دليل الفطرة المجمل، جَاءَ دليل النبوة مفصلاً كاملاً واضحاً ناصعاً يبين لنا الطريق، فلا عذر ولا حجة لأحد، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب، فما بقي لمن بلغه هذا الدين وهذا النبي ﷺ ومن سمع به إلا الإيمان والاتباع قال ﷺ : (والذي نفسي بيده لا يَسْمَعُ بي يَهُّودِيٌّ ولا نَصرَانيٌّ ثُمَّ لا يُؤمِنُ بي إلا دَخَلَ النَّار) لأن الفطرة موجودة في قلوب النَّاس، وسمعوا بالنبي الذي بعث بهذه الملة. قال الإمام الطحاوي ﵀: [والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق] قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 1328

[قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] يخبر سبحانه أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو، وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم ﵇ وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وإلى أصحاب الشمال وفي بعضها الإشهاد عليهم بأن الله ربهم. فمنها: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان -يعني: عرفه - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلا، قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] إلى قوله (الْمُبْطِلُونَ) ورواه النسائي أيضاً وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وروى الإمام أحمد أيضاً عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سئل عن هذه الآية فقال سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها، فقال: (إن الله خلق آدم ﵇ ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ قال رسول الله ﷺ : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير وابن حبان في صحيحه.

стр. 1329

وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ (لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك فرأى رجلاً منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه. فقال: أي رب من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له: داود. قال رب كم عمره؟ قال: ستون سنة. قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت. قال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته) ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وروى الإمام أحمد أيضاً عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء. أكنت مفتدياً به؟ قال فيقول: نعم، قال فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي) وأخرجاه في الصحيحين أيضاً] اهـ. الشرح: ذكر المصنف ﵀ الآيات والأحاديث التي تدل على الميثاق، وذكر من هذه الآيات قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٢،١٧٣] .

стр. 1330

وهذه الآيات العظيمة من أعظم الآيات الدالة على توحيد الربوبية، وعلىأنه أمر فطري فطر الله تعالى الخلق عليه، فمعناها ومضمونها مؤكد لقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:٣٠] فهذا الإيمان والإقرار بربوبية الله تعالى، وأنه هو وحده الرب الخالق الرازق وأنه يجب علينا أن نعبده وحده، وأن نتوجه ونتقرب إليه وحده، هذا أمر فطر الله عليه كل نسمة خلقها منذ أن خلق الإنسان الأول أبانا آدم ﵇ إلى آخر مخلوق يُخلق في هذه الأرض. ويتضح بذلك ما سبق بيانه وهو بطلان قول المتكلمين الذين قالوا: إن أول ما يجب على الإنسان هو: النظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك، أو ما أشبه ذلك ليستدل على وجود الله وإلا كان إيمانه عن تقليد! وكيف يصبح إيمان المقلد؟! فحكم بعضهم بأن هذا كفر، وقال بعضهم: إن الإيمان عن طريق التقليد ليس بكفر وإنما هو معصية! وقال بعضهم: إنه من الخطأ المغفور له، وهذا من الخبط والتخليط الذي سببه الابتعاد عن الدليل، والإعراض عن كتاب الله تعالى المصرح فيه بأنه تعالى فطر العباد على التوحيد، وشهدت بذلك الأحاديث الصحيحة التي سبق ذكرها، ولا يوجد خلاف فيها بين أهل السنة والجماعة. الخلاف في معنى الإشهاد مع ذكر الراجح وقد حصل الخلاف هل كَانَ الإشهاد حقيقياً؟ يعني: هل الله تَعَالَى استخرج من ظهر آدم ذريته عَلَى الحقيقة كالذر، وأشهدهم عَلَى أنفسهم، وخاطبهم واستنطقهم ونطقوا؟ أم أن هذا مجاز أو للتقريب؟! وتعلمون أننا قد رجحنا مقدماً أن الأمر عَلَى الحقيقة، وأن هذا هو الأصل الذي يجب أن نسير عليه، فلا عدول عن الحقيقة، ولا عن ظواهر النصوص الشرعية أبداً فهذا هو مضمون الآية.

стр. 1331

ومعناها الذي أخبر الله به، وفي قوله تعالى بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] سواء كانت قراءتنا في الآية شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا فيكون المعنى وأنطقناكم واستشهدناكم عَلَى الربوبية أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أو قرأناها بَلَى شَهِدْنَا فتكون كلمة شَهِدْنَا هنا من قول الذرية، ثُمَّ قال تعالى: أَنْ تَقُولُوا أي: فعلنا ذلك وأخذنا الإقرار منكم لكي لا تقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنا كنا عن هذا غافلين، فلا عذر ولا حجة لِمَنْ يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ، وقد عَبَدَ غيرَ اللهِ تَعَالَى بأن يقول: إني كنت في غفلة عن هذا الأمر، أو إنني إنما اتبعت شرك آبائي وأجدادي. ولكن هل اكتفى الله تَعَالَى من الأعذار لبني آدم بهذا الإقرار؟ وهل يحاسبهم يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مجرد هذا الإقرار؟ "لا"؛ لأن الله أعذر بغير هذا الإقرار، وهم: الرسل. رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل [النساء:١٦٥] . لهذا لا يكون السؤال يَوْمَ القِيَامَةِ عن الإقرار، وإنما يكون مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:٦٥] فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦] فالله يسئل الرسل: ماذا أُجبتم؟ ويسأل المرسل إليهم: ماذا أجبتم المرسلين؟ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأنعام:١٣٠] ويقول: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك:٨] فيقررهم الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى إرسال الرسل وكفرهم بهم، وليس عَلَى مجرد الإقرار، وهذا فضل منه وقطع للحجة لكي لا يبقى بعد ذلك عذر لأحد.

стр. 1332

ولهذا إذا قال أُولَئِكَ المجرمون المُشْرِكُونَ: رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا [الأحزاب:٦٧] فلا يقبل جوابهم، وهم لا يؤاخذون ولا يحاسبون عَلَى ما أخذ الله تَعَالَى عليهم وهم في ظهر آدم ﵇ في قولهم: إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا عَلَى طاعةِ الرَّسُولِ ﷺ ، فيكونُ هَؤُلاءِ المجرمون بين طاعتين: إما أن يطيعوا الرَّسُول الذي بعثه الله ، وإما أن يطيعوا السادة والكبراء والآباء والمجتمع الذي رباهم عَلَى أمر ما وهذا من فضله تَعَالَى عَلَى الإِنسَانية جمعاء، ومن كمال عدله . ثُمَّ يقول ﵀: [يُخْبِرُ سبحانَه أنَّه استخرج ذُرِّيَّةَ بني آدَمَ من أصلابهم شاهِدِينَ عَلَى أنفسهم أنَّ اللهَ رَبُّهُمْ ومليكُهم وأنَّه لا إله إلا هُوَ، وقَدْ وَرَدتْ أحادِيثُ في أخذِ الذُّرِّيَّةِ من صُلْبِ آدَمَ ﵇، وتمييزهم إِلَى أصحابِ اليمين، وإلى أصحاب الشمال، وفي بعضها الإشهادُ عليهم بأن اللهَ ربُّهم] وهنا يبدأ المُصنِّفُ ﵀ يمهد للقول الذي اختاره، وهو أن الإشهاد لم يكن حقيقياً.

стр. 1333

وهذا الكلام فيه إشعار وتمهيد لما يريدُ المُصنِّفُ ﵀ أن يقوله، وذكر أشهر الأحاديث وأكثرها ذكراً واستشهاداً عَلَى موضوع الميثاق هو حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قَالَ: (إنَّ اللهَ أَخَذَ المِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ﵇ بِنَعْمَانَ -يعني عَرَفَهَ) ونَعْمَانَ هو الوادي المعروف، وكما هو معروف في الكتب القديمة أنه بطن واد لهذيل، وهو أيضاً لهذيل إِلَى اليوم تسكنه هذه القبيلة المعروفة، ففي هذه الرواية ورد تعيين المكان أنه في نعمان أو أنه في عرفة وعَرَفَهَ ونَعْمَانَ ليس بينهما كبير مسافة ولعل نَعْمَانَ اسم عَرَفَهَ وغيرها فتكون عَرَفَهَ جزء منه، فالله أعلم أي ذلك وقع. والمقصود أنه وقع في هذه الأرض بعد إنزال أبينا آدم ﵇، فأخرج من صلبه كل ذريته، وفي ذلك الوقت لم يكن الله قد خلقها وإنما كل ذرية كتب أنه سيخلقها (فَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُم قُبُلا) فليس في الأمر مجاز ولا احتمال للمجاز، بل أخرجهم من ظهره ونثرهم بين يديه وكلمهم وخاطبهم قبلاً أي: مقابلة، فقَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] رواه الإمام أَحْمَد والنَّسَائِيُّ والحاكم ورواه غيرهم كابن أبي حاتم. تعليل ابن كثير لحديث ابن عباس ولو رجعنا إِلَى تفسير ابن كثير فسنجد أنه أعله بأنه موقوف، وقد سبق أن أحلنا إِلَى سلسلة الأحاديث الصحيحة. وما كتبه الشيخ ناصر الدين هو الصواب، وهو الحق وهو الذي عليه كثير من السلف قديماً وحديثاً. وما ذهب إليه المُصْنِّف وابن كثير وابن القيم قول مرجوح لا ينبغي أن يذهب إليه من قرأ تلك الروايات التي جمعها الشيخ ناصر. تصحيح الشيخ ناصر لحديث ابن عباس

стр. 1334

فهذا الحديث قد صح متصلاً مرفوعاً عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، وقد ورد عن عدة من الصحابة غير ابن عباس بآثار كثيرة عن أعلام المفسرين من الصحابة من التابعين كلُّها تؤيد وتشهد أنه أخذ واستخراج حقيقي وإشهاد حقيقي، فهذا الحديث علق عليه الشيخ ناصر وقَالَ: صحيح بطرقه وشواهده. أي: الحديث السابق المروي من طريق كلثوم بن جبر عنسعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما. وهذا هو الذي رواه الإمام أَحْمَد والنَّسَائِيُّ والحاكم في المستدرك.

стр. 1335

وأما الحديث الثاني وهو: ما رواه الإمام أَحْمَد عن عُمَرَ بن الخطاب أنه سُئِلَ عَنْ هذه الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ [الأعراف:١٧٢] فَقَالَ عُمَرُ ﵁: سمعتُ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنَها، فقَالَ: (إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ﵇ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْت هَؤُلاءِ لِلجنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجََنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ للنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ فَقَالَ رجل: يا رَسُول الله فَفِيمَ العَمَلُ؟ قال رَسُول الله ﷺ : إنَّ اللهَ إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلجنَّةِ استَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجََنَّةِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجََنَّةِ، فَيَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ للنَّارِ استَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ بِهِ النَّارَ) ورواه أبو داود والتِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وابنُ أبي حاتِمِ وابنُ جرير وابنُ حِبَّان في صحيحه. تعقب على العلامة الألباني أثابه الله
следующие страницы →