← Акыда

Акыда · id 2827

شرح العقيدة الطحاوية - سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ومعناها الذي أخبر الله به، وفي قوله تعالى بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] سواء كانت قراءتنا في الآية شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا فيكون المعنى وأنطقناكم واستشهدناكم عَلَى الربوبية أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أو قرأناها بَلَى شَهِدْنَا فتكون كلمة شَهِدْنَا هنا من قول الذرية، ثُمَّ قال تعالى: أَنْ تَقُولُوا أي: فعلنا ذلك وأخذنا الإقرار منكم لكي لا تقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنا كنا عن هذا غافلين، فلا عذر ولا حجة لِمَنْ يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ، وقد عَبَدَ غيرَ اللهِ تَعَالَى بأن يقول: إني كنت في غفلة عن هذا الأمر، أو إنني إنما اتبعت شرك آبائي وأجدادي. ولكن هل اكتفى الله تَعَالَى من الأعذار لبني آدم بهذا الإقرار؟ وهل يحاسبهم يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مجرد هذا الإقرار؟ "لا"؛ لأن الله أعذر بغير هذا الإقرار، وهم: الرسل. رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل [النساء:١٦٥] . لهذا لا يكون السؤال يَوْمَ القِيَامَةِ عن الإقرار، وإنما يكون مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:٦٥] فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦] فالله يسئل الرسل: ماذا أُجبتم؟ ويسأل المرسل إليهم: ماذا أجبتم المرسلين؟ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأنعام:١٣٠] ويقول: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك:٨] فيقررهم الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى إرسال الرسل وكفرهم بهم، وليس عَلَى مجرد الإقرار، وهذا فضل منه وقطع للحجة لكي لا يبقى بعد ذلك عذر لأحد.

стр. 1332

ولهذا إذا قال أُولَئِكَ المجرمون المُشْرِكُونَ: رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا [الأحزاب:٦٧] فلا يقبل جوابهم، وهم لا يؤاخذون ولا يحاسبون عَلَى ما أخذ الله تَعَالَى عليهم وهم في ظهر آدم ﵇ في قولهم: إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا عَلَى طاعةِ الرَّسُولِ ﷺ ، فيكونُ هَؤُلاءِ المجرمون بين طاعتين: إما أن يطيعوا الرَّسُول الذي بعثه الله ، وإما أن يطيعوا السادة والكبراء والآباء والمجتمع الذي رباهم عَلَى أمر ما وهذا من فضله تَعَالَى عَلَى الإِنسَانية جمعاء، ومن كمال عدله . ثُمَّ يقول ﵀: [يُخْبِرُ سبحانَه أنَّه استخرج ذُرِّيَّةَ بني آدَمَ من أصلابهم شاهِدِينَ عَلَى أنفسهم أنَّ اللهَ رَبُّهُمْ ومليكُهم وأنَّه لا إله إلا هُوَ، وقَدْ وَرَدتْ أحادِيثُ في أخذِ الذُّرِّيَّةِ من صُلْبِ آدَمَ ﵇، وتمييزهم إِلَى أصحابِ اليمين، وإلى أصحاب الشمال، وفي بعضها الإشهادُ عليهم بأن اللهَ ربُّهم] وهنا يبدأ المُصنِّفُ ﵀ يمهد للقول الذي اختاره، وهو أن الإشهاد لم يكن حقيقياً.

стр. 1333

وهذا الكلام فيه إشعار وتمهيد لما يريدُ المُصنِّفُ ﵀ أن يقوله، وذكر أشهر الأحاديث وأكثرها ذكراً واستشهاداً عَلَى موضوع الميثاق هو حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قَالَ: (إنَّ اللهَ أَخَذَ المِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ﵇ بِنَعْمَانَ -يعني عَرَفَهَ) ونَعْمَانَ هو الوادي المعروف، وكما هو معروف في الكتب القديمة أنه بطن واد لهذيل، وهو أيضاً لهذيل إِلَى اليوم تسكنه هذه القبيلة المعروفة، ففي هذه الرواية ورد تعيين المكان أنه في نعمان أو أنه في عرفة وعَرَفَهَ ونَعْمَانَ ليس بينهما كبير مسافة ولعل نَعْمَانَ اسم عَرَفَهَ وغيرها فتكون عَرَفَهَ جزء منه، فالله أعلم أي ذلك وقع. والمقصود أنه وقع في هذه الأرض بعد إنزال أبينا آدم ﵇، فأخرج من صلبه كل ذريته، وفي ذلك الوقت لم يكن الله قد خلقها وإنما كل ذرية كتب أنه سيخلقها (فَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُم قُبُلا) فليس في الأمر مجاز ولا احتمال للمجاز، بل أخرجهم من ظهره ونثرهم بين يديه وكلمهم وخاطبهم قبلاً أي: مقابلة، فقَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] رواه الإمام أَحْمَد والنَّسَائِيُّ والحاكم ورواه غيرهم كابن أبي حاتم. تعليل ابن كثير لحديث ابن عباس ولو رجعنا إِلَى تفسير ابن كثير فسنجد أنه أعله بأنه موقوف، وقد سبق أن أحلنا إِلَى سلسلة الأحاديث الصحيحة. وما كتبه الشيخ ناصر الدين هو الصواب، وهو الحق وهو الذي عليه كثير من السلف قديماً وحديثاً. وما ذهب إليه المُصْنِّف وابن كثير وابن القيم قول مرجوح لا ينبغي أن يذهب إليه من قرأ تلك الروايات التي جمعها الشيخ ناصر. تصحيح الشيخ ناصر لحديث ابن عباس

стр. 1334

فهذا الحديث قد صح متصلاً مرفوعاً عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، وقد ورد عن عدة من الصحابة غير ابن عباس بآثار كثيرة عن أعلام المفسرين من الصحابة من التابعين كلُّها تؤيد وتشهد أنه أخذ واستخراج حقيقي وإشهاد حقيقي، فهذا الحديث علق عليه الشيخ ناصر وقَالَ: صحيح بطرقه وشواهده. أي: الحديث السابق المروي من طريق كلثوم بن جبر عنسعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما. وهذا هو الذي رواه الإمام أَحْمَد والنَّسَائِيُّ والحاكم في المستدرك.

стр. 1335

وأما الحديث الثاني وهو: ما رواه الإمام أَحْمَد عن عُمَرَ بن الخطاب أنه سُئِلَ عَنْ هذه الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ [الأعراف:١٧٢] فَقَالَ عُمَرُ ﵁: سمعتُ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنَها، فقَالَ: (إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ﵇ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْت هَؤُلاءِ لِلجنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجََنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ للنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ فَقَالَ رجل: يا رَسُول الله فَفِيمَ العَمَلُ؟ قال رَسُول الله ﷺ : إنَّ اللهَ إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلجنَّةِ استَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجََنَّةِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجََنَّةِ، فَيَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ للنَّارِ استَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ بِهِ النَّارَ) ورواه أبو داود والتِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وابنُ أبي حاتِمِ وابنُ جرير وابنُ حِبَّان في صحيحه. تعقب على العلامة الألباني أثابه الله

стр. 1336

والشيخ ناصر الدين الألباني يعلق هنا ويقول: صحيح لغيره إلا مسح الظهر فلم أجد له شاهداً، والشيخناصر استدرك عَلَى ابن القيم وابن كثير وعلى المُصْنِّف وعلى من تقدمهم من العلماء الذين مالوا إِلَى القول بأن الإشهاد غير حقيقي، وإنما هو الإقرار والاعتراف الفطري، وهو نفسه ﵀ أخطأ عندما قَالَ: إن المسح الذي في حديث عُمَر لم يجد له شاهداً، ولو نظرنا إِلَى الحديث الآخر الذي رواه التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ورواه الحاكم وقَالَ: صحيح عَلَى شرط مسلم وقال الشيخناصر نفسه عن الحديث: (صحيح وجدت له أربع طرق بعضها عند ابن أبي عاصم في السنة بتحقيقي) لوجدناه شاهداً للفظة (ثُمَّ مسح عَلَى ظهره) فيكون الشيخ استدرك عَلَى من قبله ووقع هو في خطأ آخر.

стр. 1337

فالحقيقة أن حديث عُمَر ﵁ (إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ﵇ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْت هَؤُلاءِ لِلجنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجََنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ للنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ فَقَالَ رجل: يا رَسُول الله فَفِيمَ العَمَلُ؟ قال رَسُول الله ﷺ : إنَّ اللهَ إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلجنَّةِ استَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجََنَّةِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجََنَّةِ، فَيَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ للنَّارِ استَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ بِهِ النَّارَ) ولا نجد عند التأمل ذكراً للميثاق والاستشهاد في هذا الحديث، إذاً المُصْنِّف لما قال: (في بعضها الإشهاد عليهم) كَانَ كلامه علمياً وصحيحاً، وبعض الأحاديث ليس فيها: أن الله استشهدهم، إنما فيها: أنه استخرجهم، لكن هل هذا يعني أنه لا يصلح أن يكون دليلاً لمن يقول: إن الاستشهاد والإخراج حقيقي؟ الجواب: بلى يصلح، وإن كَانَ ليس فيه ذكر، ذلك لأننا نضم الأحاديث بعضها إِلَى بعض ويكفينا من هذا الحديث أنه صرح أن الله مسح عَلَى ظهر آدم بيمينه واستخرج منه الذرية. إذاً: الاستخراج حقيقيٌ، ثُمَّ بعد أن استخرجهم، واختلفت الروايات في ذكر ما قال لهم.

стр. 1338

اختلفت الروايات في ذكر ماذا قال الله لذرية آدم فرواية تقتصر عَلَى أنه قَالَ: خلقت هَؤُلاءِ للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثُمَّ مسح ظهره فاستخرج ذرية قَالَ: خلقت هَؤُلاءِ للنار وبعمل أهل النَّار يعملون) وفي روايات أخرى أنه (نثرهم بين يديه وكلمهم قبلاً، وقال لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٢،١٧٣] . ولا تعارض بين الروايتين فبعد الاستخراج كَانَ ذلك، وما المانع أن يستخرجهم ثُمَّ يخاطبهم، وبعد أن يخاطبهم يجعل من يشاء منهم في الجنة ومن يشاء في النار، ويقول: (خلقت هَؤُلاءِ للجنة ولا أبالي، وخلقت هَؤُلاءِ للنار ولا أبالي) لا مانع من ذلك ولا تعارض بين الحديثين.

стр. 1339

وحديث التِّرْمِذِيّ الذي يرويه عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فيه اختلاف في ألفاظه يقول: (لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِه إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَجَعَلَ -وهنا الزيادة- بَيْنَ عَيْنَي كُلِّ إنسَانٍ مِنْهُم وَبِيصاً مِنْ نُورٍ) فهو لما استخرجهم في عالم الذر جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من النور كأنه علامة عَلَى أن هذا إنسان وهذا إنسان، فجمعهم كلهم سبحانه بين يديه ورآهم آدم ورأى هذه الأشكال، ورأى أن علامة كل إنسان أن بين عينيه وبيص من النور فيرى هذه الجموع التي لا يعلم عددها إلا الله [ثُمَّ عَرَضْهَم عَلَى آدَمَ، فقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ ذُرِّيَّتُكَ] فأخذ آدم ينظر ويتعجب، هذه ذريتي ويكون منها هَؤُلاءِ البشر إِلَى قيام الساعة؟! فتعجب! ولكن الله تَعَالَى عَلَى كلِ شيءٍ قدير يفعل ما يشاء. ثُمَّ إن آدم [رَأَى رَجُلاً مِنْهُم، فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هذا؟ قَالَ: هَذَا رَجُلٍ مِنْ آخرِ الأُمَمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ يُقَالُ لهُ دَاودُ ﵇] . هنا جَاءَ السؤال من آدم ﵇ بعد أن أعجبه هذا الوبيص الذي بين عينيه [قَالَ: رَبِّ، كم عُمرُهُ؟ قَالَ: سِتُّونَ سَنَةَ، قَالَ: أَيْ رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعَينَ سَنَةَ، فَلَّمَا انقَضَى عُمُرُ آدَمَ، جَاءَ مَلَكُ المَوْتِ، قَالَ: أَولَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةَ؟] وانظر كيف حرص الإِنسَان عَلَى الحياة؟ [قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابنَك دَاوُدَ؟]

стр. 1340

فعقبَّ النبيُّ ﷺ بعد ذلك بقوله: [فَجَحَدَ! فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتَهُ، وَنَسِيَ آدَمُ، فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتَهُ، وَخَطِئ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتَهُ] هكذا ركبنا نَحْنُ البشر من الجحود والنسيان والخطأ، وليس هذا هو الشر بذاته ولا عيب بذاته، إنما العيب والخطأ أن يصر ابن آدم عَلَى الجحود، وأن يستمر عَلَى النسيان وأن لا يبالي بالأخطاء، فلا يستغفر ولا يتوب، فهذه هي المشكلة. أما فطرته وجبلته وخلقته ففيها الجحود والنسيان والخطأ، فإن آدم حاج في هذه الأربعين وجحدها بعد أن كَانَ أعطاها ونسي وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً نسي ما أوصاه الله تَعَالَى به، ولم يكن له العزم ليقف أمام شهوة حب الخلود، وأن يكون ملكاً؛ بل أغراه الشيطان بذلك فضاعت عزيمته أمام هذه الحيلة الشيطانية وخطئ آدم فأكل من الشجرة فخطئت ذريته، وكل بني آدم من طبعه الجحود والنسيان، والخطيئة هذا شرح ألفاظ الحديث والشاهد منه للباب هي الجملة الأولى فقط وهو قوله ﷺ : (لما خلق الله آدم مسح على ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة) وهذا يشهد لما تقدم في حديث عُمَرَ من أنه استخراج حقيقي وأن الاستخراج كَانَ بمسح الله تَعَالَى بيمينه الشريفة فخرجت ذرية آدم من ظهره. إذاً: هذا الحديث من النوع الذي ليس فيه تعرض ولا ذكر للاستشهاد، ولكن فيه ذكر للاستخراج فهو كحديث عُمَر ﵁، ولهذا نجد أن أكثر من طعن في هذه الأحاديث تركز طعنه في ابن عباس لأنه هو الذي صرح.

стр. 1341

ولهذا يذكر المُصنِّفُ الحديث الذي يَسندُ ويرجح حديث ابن عباس - ولا شك في صحته - وهو حديث أنس الذي رواه الإمام أَحْمَد يقول: وروى الإمام أَحْمَد -وهو في الصحيحين - عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قَالَ: (يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شيءٍ. أَكُنْتَ مُفْتَدِياً بِهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: نَعَمْ، قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ في ظَهْرِ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بي شَيْئاً، فَأَبَيْتَ إلاَّ أنْ تُشْرِكَ بي) . وهذا الحديث رواه البُخَارِيّ ومسلم بالإضافةِ إِلَى رواية الإمامأَحْمَد، فلا مطعن فيه من حيث الصحة، ومع ذلك هو أصرح كما نص عَلَى ذلك المُصنِّفُ نفسه، فقد قال -كما سيأتي-: وأقوى ما يشهد لصحة القول الأول حديث أنس المخرج في الصحيحين، وليس فيه في ظهر آدم، وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم عَلَى الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول وهناك رد عَلَى هذا الكلام سنبينه. ومع قوة الدليل فإننا ننظر إِلَى منطوق الحديث وإلى منطوق الآية: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٢، ١٧٣] .

стр. 1342

فنلاحظ أن منطوق الآية ومنطوق الحديث متفق، وهو أن الله أخذ العهد عليهم أن لا يشركوا به شيئاً، ولا إشكال في الحديث أنهم أخذوا من الظَهْرِ، ورُدُّوا إِلَى الظَهْرِ، ولم يكن هذا الخلق الحي الآن، ويكفي هذا الحديث دليلاً عَلَى ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو أن الإخراج حقيقي والاستشهاد حقيقي، فيقول النبي ﷺ : (يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شيءٍ. أَكُنْتَ مُفْتَدِياً بِهِ؟ - وفيه - قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ في ظَهْرِ آدَمَ ... ) الحديث. قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وفي ذلك أحاديث أخر أيضاً كلها دالة عَلَى أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل النَّار وأهل الجنة، ومن هنا قَالَ من قال: إن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد، وهذه الآثار لا تدل عَلَى سبق الأرواح الأجساد سبقاً مستقراً ثابتاً، وغايتها أن تدل عَلَى أن بارئها وفاطرها سبحانه، صور النسمة، وقدر خلقها وأجلها، وعملها واستخرج تلك الصور من مادتها، ثُمَّ أعادها إليها، وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، ولا يدل عَلَى أنها خلقت خلقاً مستقراً واستمرت موجودة ناطقة كلها في موضع واحد ثُمَّ يرسل منها إِلَى الأبدان جملة بعد جملة، كما قاله ابن حزم. فهذا لا تدل الآثار عليه، نعم، الرب سبحانه يخلق منها جملة بعد جملة عَلَى الوجه الذي سبق به التقدير أولاً، فيجيء الخلق الخارجي مطابقاً للتقدير السابق كشأنه سبحانه في جميع مخلوقاته، فإنه قدر لها أقداراً وآجالاً وصفات وهيآت، ثُمَّ أبرزها إِلَى الوجود مطابقة لذلك التقدير السابق، فالآثار المروية في ذلك إنما تدل عَلَى القدر السابق، وبعضها يدل عَلَى أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة] اهـ. الشرح:

стр. 1343

بعد ذكر الأحاديث التي سبق شرحها فيما مضى، قال المصنف: [وأحاديث أخرى كلها دالة عَلَى أن الله استخرج ذرية آدم من صلبة، وميز بين أهل النَّار وأهل الجنة] وذكر الفعل بالبناء للمجهول مبيناً أنه لم يتقدم هنا ما يدل عَلَى إمام أو مؤلف بعينه، وما ذكره ليس مختصاً ولا مقتصراً عَلَى الإمام أَحْمَد رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وإنما وردت آثار وأحاديث منها المرفوع ومنها الموقوف تثبت وتدل جميعها عَلَى أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه كما تقدم والمصنف ﵀ ذكر منها هنا: حديث عمر بن الخطاب ﵁ الذي رواه الإمام أَحْمَد ورواه -أيضاً- الإمام مالك في الموطأ. وقبله حديثابن عباس وهو أصرحها رواه الإمام أَحْمَد والحاكم، وغيرهما. والثالث: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عند التِّرْمِذِيّ، ورواه -أيضاً- الحاكم. والرابع: وهو ما رواه الإمام أَحْمَد وهو في الصحيحين. هل خلق الأرواح قبل خلق الأجساد؟ يقول ﵀ [ومن هنا قَالَ من قَالَ: إن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد] الذين قالوا بهذا القول، قالوه بناءً عَلَى أن الاستخراج كَانَ حقيقياً، وأنه ﵎ استخرج من ظهر آدم بنيه جميعاً استخراجاً حقيقياً وليس مجرد كناية عن الإخراج، وإنما استخرجهم وميزهم وخاطبهم واستنطقهم، وأقروا بما قال لهم وقطع الحجة والعذر عنهم، بناءً على ذلك قال من قال من السلف: إن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد. ودليلهم على ذلك قالوا: ما دام أن الله قد خاطب الأرواح وخاطبته، فهي مخلوقة قبل الأجساد، وإذا أراد الله ﵎ أن يخلق إنساناً من البشر، فإنه يأمر الملك بإدخال روحه في جسده فيكون بشراً حياً.

стр. 1344

ثُمَّ يقول المصنف: [وهذه الآثار لا تدل عَلَى سبق الأرواح الأجساد سبقاً مستقراً ثابتاً] وهذا من إضافة المصدر إِلَى فاعله، ومعناه أن هذه الآثار لا تدل عَلَى أن اللهَ خَلَقَ الأرواح خلقاً مستقراً ثابتاً منفصلاً، وأنها موجودة في عالم الغيب عنده ﵎، [وإنما غايتها أن تدل عَلَى أن بارئها وفاطرها سبحانه، صور النسمة، وقدر خلقها، وأجلها، وعملها، واستخرج تلك الصور من مادتها، ثُمَّ أعادها إليها، وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، وأن منهم أصحاب اليمين، ومنهم أصحاب الشمال] . بل ورد في بعض الروايات كما ذكرهاابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه الروح أن آدم ﵇ لما رأى النَّاس رأى فيهم المعافى ورأى منهم المبتلى، فقَالَ: يا رب! هلّا عافيتهم جميعاً، قَالَ: إني أريد أن أُشْكر، فالله ﵎ أخرجهم عَلَى صفات، وعلى هيئات، وهو أعلم بما سيكونون عليه في ذلك الوقت، ثُمَّ أعاد ذلك العالم "عالم الذر" إِلَى صلب أبينا آدم وأخذت ذريته تتناسل. وكل نسمة خلقها الله ، فإنها تخرج بإذن الله عندما يقدر الله أن يلتقي الزوجان الذكر والأنثى، وأن تخلق تلك النسمة فتنتقل من صلب ذلك الرجل، ثُمَّ تنفخ الروح وهكذا، فليس هنالك روح مستقلة منفردة موجودة من قبل، إنما يخلقها الله في ذلك الوقت، فيخلق الروح التي قضي وقدر أنه سوف يخلقها، وهذا هو الفرق بين القولين. ولهذا لما جَاءَ رجل إِلَى سعيد بن المسيب ﵁ فسأله عن العزل فقَالَ: إن الله ﵎ قَضَى بِكُلِ نسمة مخلوقة، واستخرجهم في كف آدم ورآهم وخاطبهم، وأنه لن يزيد من ذلك نفس، ولن ينقص منه نفس، فهذا ما يقرره السلف ويؤيدونه ويؤكدونه في مسألة القدر. تعلق مسألة الميثاق بمسألة القدر

стр. 1345

لقد اهتم كثير من أهل العلم ومنهم ابن القيم وابن عبد البر وغيرهم بمسألة الميثاق وبمسألة القدر وعلاقة الميثاق بها، وإثبات أن الله قد قدر أهل السعادة، وقدر أهل الشقاوة، وقضى ذلك وأمضاه. وهذا هو أكثر ما كَانَ يهم العلماء، وأن في ذلك تفسير للآية، وعليه يُقَالُ: إن ذلك استخراجاً حقيقي، فالاستخراج إذاً قضية من قضايا الغيب، مثله مثل قضايا الغيب الأخرى، كالإيمان بالصراط، والميزان، والحساب، والجزاء، والإسراء والمعراج ونحوها. كلام ابن حزم في هذه المسألة والرد عليه ثُمَّ يقول المصنف: [ولا يدل عَلَى أنها خلقت خلقاً مستقراً واستمرت موجودة ناطقة كلها في موضع واحد ثُمَّ يرسل منها إِلَى الأبدان جملة بعد جملة كما قاله ابن حزم] أي: إن الصحيح هو إذا أراد اللهُ أن يخلق إنساناً، فإنه يخلق روحه في ذلك اليوم الذي خلق فيه الجسد ويأمر الملك أن ينفخ فيه الروح، وقد ذكر ابن حزم ذلك في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٢٣ وأشار إِلَى ذلك في (٥/٢١٩) في الطبعة التي أصدرتها دار عكاظ وحققها الدكتور عبد الرحمن عميرة وزميله. يقول ابن حزم: وهذا هو القول الصحيح؛ بل ادعى أيضاً الإجماع عَلَى أن قوله هو الصحيح!! وقَالَ: الأدلة واضحة وجلية وظاهرة من القُرْآن والسنة، أما القُرْآن: فإن الله ﵎ يقول: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ َ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ َ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَم [الأعراف:١١] وهذه الآية تدل عَلَى أن الله خلق الخلق أولاً ثُمَّ صورهم -وثُمَّ للتعقيب مع الترتيب- ثُمَّ أمر الملائكة أن تسجد لآدم وعليه تكون الأرواح مخلوقة قبل الأجساد!

стр. 1346

ويعلق ابن القيم ﵀ عَلَى هذا فَيَقُولُ: " هذا أليق بظاهريته" فأخطأ والخلل جاءه من الظاهرية، وإذا أردنا أن نرد عَلَى هذا القول نرد على الظاهرية نفسها واللهُ ذَكَرَ في قولهِ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف:١٧٢] من بني آدم وليس فقط من آدم بل أخذ الذرية من أصلابهم، وجاء في الحديث: أنه استخرجها من ظهر آدم والحديث يفسر الآية، فلما مسح بيده عَلَى ظهر آدم واستخرج هذه الذرية، فإن آدم يكون موجوداً، فكيف يقول خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ َ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ َ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَم. ومعنى هذا الكلام أنه خلق الأرواح وهي منفصلة، فكأن خلقها متقدم عَلَى تصوير آدم وعلى إسجاد الملائكة له، وهذا الكلام لا يقول به أحد بل لو نظرنا إِلَى قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ لوجدنا أن ظاهر الآية لاتخص آدم بذلك؛ بل إن اللهَ لم يأمر الملائكة أن يسجدوا لآدم إلا بعد أن خلق البشر وبعد أن صورهم وهذا لا يقول به أحد، وابن حزم نفسه لا يقول بالظاهر المطلق، وهو يقول: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ أي: ولقد خلقنا أرواحكم ثُمَّ َ صَوَّرْنَاكُمْ أي: صورهم في عالم الذر ثُمَّ َ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، يقول ابن حزم: فما دام أنك قد قدرت مضافاً فالتقدير الصحيح للمضاف أن نقول: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ أي: خلقنا أباكم الذي أنتم من ذريته وجمهور السلف قالوا في قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ َ صَوَّرْنَاكُمْ أي: قدرنا خلقكم وصوركم، فيكون اللهُ قبل أن يخلق آدم قدر خلق الناس، وقدر صورهم، ثُمَّ خلق آدم وأسجد له الملائكة.

стр. 1347

أو وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ أي: خلقنا أباكم آدم، وقد ورد التعبير في القُرْآن الكريم عن الجنس الإِنسَاني كله بالبشر الواحد وهو آدم ﵇، أو يكون بالعكس؛ لأن هذه ذريته، والعلاقة بينها واضحة. والقصد أن هذه الآية وما ماثلها ليس فيها دليل لابن حزم عَلَى أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد، وإنما تدل عَلَى أن الله ، قدر الخلق وصوره ثُمَّ ركب الإِنسَان كما قَالَ: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:٨] فيخلق الإِنسَان ويركبه عَلَى الصورة التي قدرها وقضاها. أو المعنى الآخر: أنه خلق أبانا آدم وصوره وأسجد له الملائكة، ثُمَّ جعلنا منه ذريته، فخلقه من طين، وجعل نسله من سلالة من ماء مهين. والدليل الثاني: الذي استدل به ابن حزم هو قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) ، ووجه استدلاله أن الروح مخلوقة موجودة مستقلة تتعارف وتتناكر منفصلة عن الجسد، هكذا يقول، والواقع أننا لو تأملنا الحديث لوجدنا أن ما يدل عليه أن الأرواح خلقٌ من خلقِ الله "جنود مجندة" فهي أشباه ونظائر فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، وهذا موجود في واقع النَّاس، فالأرواح المتشابهة المتعارفة تأتلف، والأرواح المتخالفة المتناكرة تختلف، ونجد أن أهل الخير يحبون أهل الخير، وأهل الشر يحبون أهل الشر؛ لأن الأرواح جنود مجندة خلقها الله هكذا، وليس فيه دليل عَلَى أن الأرواح خلقت منفصلة في عالم الغيب، وبقيت هنالك.

стр. 1348

والدليل الثالث: الذي ذكره ابن حزم حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الذي فيه: (إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بكتب أربع كلمات) ووجه استدلال ابن حزم أن الله إذا أراد أن يخلق إنساناً، وأن ينفخ فيه الروح، فإنه يأتي بتلك الروح المخلوقة المنفصلة الموجودة التي خلقها واستنطقها وأقرها فينفخها في ذلك المخلوق، وهذا في الحقيقة لا دليل عليه، وإنما الوجه الصحيح في هذا أن الله إذا أراد أن يخلق نسمة، فإنه يخلق روحها، ثُمَّ يأمر الملك بأن ينفخ هذه الروح المخلوقة في ذلك الجنين. والذين قالوا: إن الأرواح قديمة أزلية هم طائفة من الفلاسفة ومن الزنادقة الذين لا يعتد بقولهم ولا بخلافهم في هذه المسألة. ثُمَّ يقولابن حزم بعد ذلك: "وقد ذكر مُحَمَّد بن نصر المروزي عنإسحاق بن راهويه -ذكر القول الذي قال به- ثُمَّ قَالَ: وعلى هذا أجمع أهل العلم، وقَالَ ابن حزم: وهذا قول جميع أهل الإسلام. ونقل ابن القيم ﵀ أن ابن حزم ادعى الإجماع ها هنا في أمرين مختلفين، فإن السلف لم يجمعوا عَلَى أن الأرواح مخلوقة موجودة منفصلة قبل الأجساد حقيقة، وإنما أجمعوا عَلَى أن الأرواح مخلوقة من خلق الله ، وعليه فإن الإجماع الذي نقله مُحَمَّد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه إنما هو في كون الأرواح مخلوقة. والآثار التي ذكرها مُحَمَّد بن نصر المروزي، ونقلها ابن القيم ﵀ في كتاب الروح تدل عَلَى هذا، ويكون قولابن حزمٍ بهذا شاذاً. القضايا المتعلقة بمسألة الاستخراج

стр. 1349

يقول المُصْنِّف ﵀: [فالآثار المروية في ذلك إنما تدل عَلَى القدر السابق، وبعضها يدل عَلَى أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم، وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة] وهذه مرتبة الكتابة وهي من مراتب القدر التي نقسمها إِلَى خمس درجات: الدرجة الأولى: وهي: الكتابة العامة بما يقع في الكون، وهو الذي كتبه الله في اللوح المحفوظ. والدرجة الثانية: الكتابة النوعية، التي هي: كتابة ما سيكون من نوع الإِنسَان بالأخص من شقاء أو سعادة، فمما نؤمن به من أقدار الله أنه قدَّر أن بني آدم فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، وأنه استخرجهم عَلَى ما ورد في حديث الاستخراج، وهذا هو الذي أراده أكثر العلماء وقصدوه للاستدلال بهذه الأحاديث وهذه الآثار، كما فعل ابن أبي عاصم في كتاب السنة، وأبو عمر بن عبد البر، وابن القيم، وأمثالهم من العلماء الذين أرادوا إثبات القدر. ولذا ذكروا هذه الأحاديث في أبواب القدر، ولكن المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هنا تبع الإمام أبا جعفر الطّّحاويّ حيث أفرد الميثاق بفقرة مستقلة في العقيدة والكلام من قوله: [هذه الآثار لا تدل عَلَى سبق الأرواح] إِلَى قوله: [من أهل الشقاوة] منقول عن ابن القيم من كتابه الروح، فيقول ابن القيم: إن الآثار تدل عَلَى القدر وبعضها يدل عَلَى أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم، وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وبعضها فيها زيادة عَلَى القدر، وهي: أن ذلك القدر لم يكن مجرد تقدير منه ، فخلق طائفة للجنة وطائفة للنار، وإنما استخرج أمثالهم وصورهم التي سيكونون عليها وميز هَؤُلاءِ من هَؤُلاءِ. وهنا أمور ثلاثة اتفق السلف عَلَى اثنتين منها واختلفوا في واحدة:

стр. 1350

القضية الأولى: قضية التقدير والخلق وأنه خلق طائفة للنار، وطائفة للجنة، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وقد صرحت بها الأحاديث. القضية الثانية: ورد في الأحاديث أن الله استخرج صورهم وأمثالهم وقدر طائفة في النار، وطائفة في الجنة، ولم يخالف فيه أحد من السلف والذي اختلف فيه السلف هي القضية الثالثة. القضية الثالثة: أنه حين استخرج صورهم وأمثالهم خاطبهم وأشهدهم، وأن هذا هو تفسير آية الأعراف، والخلاف يكون في حديث ابن عباس الأول، وفي حديث عُمَرَ. أمَّا حديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فلا إشكال فيه، ونصه (لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِه إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَي كُلِّ إنسَانٍ مِنْهُم وَبِيصَاً مِنْ نُورٍ ثُمَّ عَرَضْهَم عَلَى آدَمَ ... ) إلخ. وبهذا يتضح أنه لا إشكال في القضية ولا علاقة لها بآية الأعراف وآية الميثاق، وكذلك الحديث الذي بعده، ولكن بالنسبة لحديث ابن عباس فإنه صريح في أن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ فأخرج من صلبه ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثُمَّ كلمهم فقَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٢،١٧٣] هذا بالنسبة للآية.

стр. 1351

أما حديث عُمَر ﵁ الذي رواه الإمام مالك في الموطأ والإمام أَحْمَد فهو أيضاً صريح في ذلك؛ لأن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قيل له يا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف:١٧٢] فَقَالَ عُمَر ﵁: (سمعت النبي ﷺ سئل عنها فقَالَ: (إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ﵇ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْت هَؤُلاءِ لِلجنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجََنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ للنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ... ) إِلَى آخر الحديث. فالخلاف إذاً محصور في آية الأعراف: أهي دليل عَلَى الاستخراج، وأن الاستخراج كَانَ حقيقياً، أم نقول كما قال بعض السلف: إنها الفطرة؟. يقول المصنف رحمه الله تعالى: [وأما الإشهاد عليهم هناك فإنما هو في حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمرو ﵃، ومن ثم قال -قائلون- من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁. ومعنى قوله: "شهدنا": أي قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا وهذا قول ابن عباس واُبيّ بن كعب. وقال ابن عباس أيضاً: أشهد بعضهم على بعض. وقيل: شهدنا من قول الملائكة والوقف على قوله: "بلى " وهذا قول مجاهد، والضحاك والسدي. وقال السدي أيضاً: هو خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم والأول أظهر وما عداه احتمال لا دليل عليه وإنما يشهد ظاهر الآية للأول] اهـ. . الشرح:

стр. 1352

يقول المصنف ﵀: وأما الإشهاد عليهم هناك فإنما هو في حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمرو ﵃] ولا يكفيان للاستدلال، لكن يقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في تعليقه على كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "إخراج الذرية من ظهر آدم، أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني: عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنشرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ *أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ أخرجه أحمد وابن جرير في التفسير وابن أبي عاصم في السنة، والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات كلهم من طريق الحسين بن محمد المروذي، ثنا جرير بن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: فذكره، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. قلت: وحقهما أن يقيداه بأنه على شرط مسلم فإن كلثوم بن جبر من رجاله وسائرهم من رجال الشيخين، وتابعه وهب بن جرير حدثنا أبي به، دون ذكر نعمان، وقال أيضاً: صحيح الإسناد، وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر، ووافقه الذهبي أيضاً. وأما ابن كثير فتعقبه بقوله في التفسير: "هكذا قال، وقد رواه عبد الوارث عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فوقفه، وكذا رواه إسماعيل بن علية ووكيع عن ربيعه بن كلثوم بن جبر عن أبيه به. وكذا رواه عطاء بن السائب وحبيب بن أبي ثابت وعلي بن بذيمة عنسعيد بن جبير عن ابن عباس وكذا رواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عنابن عباس، فهذا أكثر وأثبت، والله أعلم. قلت: هو كما قال ﵀، ولكن ذلك لا يعني أن الحديث لا يصح مرفوعاً وذلك لأن الموقوف في حكم المرفوع لسببين:

стр. 1353

الأول: أنه في تفسير القرآن، وما كان كذلك فهو في حكم المرفوع ولذلك اشترط الحاكم في كتابه المستدرك أن يخرج فيه التفاسير عن الصحابة كما ذكر ذلك فيه. الآخر: أن له شواهد مرفوعة عن النبي ﷺ عن جمع من الصحابة، وهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو، وأبو هريرة، وأبو أمامة وهشام بن حكيم، أو عبد الرحمن بن قتادة السلمي، على خلاف عنهما، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو الدرداء وأبو موسى، وهي وإن كان غالب أسانيدها فيها مقال فإن بعضها يقوي بعضاً، بل قال الشيخ صالح المقبلي في الأبحاث المسددة: ولا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات في ذلك، ولا سيما وقد تلقى هذا -ما اتفقت عليه من إخراج الذرية من ظهر آدم وإشهادهم على أنفسهم- السلف الصالح من الصحابة والتابعين دون اختلاف بينهم منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب وسلمان الفارسي، ومحمد بن كعب والضحاك بن مزاحم والحسن البصري وقتادة وفاطمة بنت الحسين، وأبو جعفر الباقر وغيرهم. وقد أخرج هذه الآثار الموقوفة وتلك الأحاديث المرفوعة الحافظ السيوطي في الدر المنثور وأخرج بعضها الشوكاني في فتح القدير ومن قبله الحافظ ابن كثير في تفسيره وخرجت أنا - أي: الألباني - حديث عمر في الضعيفة -وصححته لغيره في تخريج شرح الطحاوية - وحديث أبي هريرة في تخريج السنة لابن أبي عاصم بتحقيقي، وصححته -أيضاً- هناك وفي الباب عن أبي الدرداء مرفوعاً وقد سبق برقم (٤٩) . وعن أنس برقم (١٧٢) ، وهو متفق عليه، فهو أصحها ولا إشكال في صحته على الإطلاق. (إن الله تعالى يقول للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ فيقول نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي!!)

стр. 1354

إذا عرفت هذا فمن العجيب قول الحافظ ابن كثير عقب الأحاديث والآثار التي سبقت الإشارة إلى أنه أخرجها: فهذه الأحاديث دالة على أن الله عزوجل استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عنابن عباس وفي حديث عبد الله بن عمرو وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم. قلت: -أي الشيخ ناصر -: وليس الأمر كما نفى بل الإشهاد وارد في كثير من تلك الأحاديث الأول: حديث أنس هذا ففيه كما رأيت قول الله تعالى: " قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً"، قال الحافظابن حجر: في فتح الباري فيه إشارة إلى قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الأعراف:١٧٢] قلت: ولفظ حديث ابن عمرو الذي أعلهابن كثير بالوقف إنما هو "أخذ من ظهره.." فأي فرق بينه وبين لفظ حديث أنس الصحيح. فالشيخ الألباني رحمه ينقد -كلام الحافظابن كثير - فنعرف بذلك أن كلام المصنف الذي هو منقول من كلام ابن كثير منتقد وأنه مرجوح. والحافظ ابن كثير ﵀ أعل حديث عبد الله بن عمر وقال: إنه موقوف ولفظ حديث عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : (وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، قال أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم ألست بربكم؟ قالوا بلى: قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة، إنا كنا عن هذا غافلين) ، يقول الشيخ ناصر: فأي فرق فلفظ حديث ابن عمرو الذي أعله ابن كثير "أخذ من ظهره" وفي حديث أنس في الصحيحين يقول: (قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً) فالحديثان في الحقيقة موردهما وموضوعهما واحد فحديث أنس لا شك في صحته وهو يؤيد ذلك الحديث الذي هو ضعيف أو موقوف.

стр. 1355

الثاني حديث عمر بلفظ: (ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية..) . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير وابن حبان ورواه كذلك الإمام مالك في الموطأ ومن هنا علق عليه الحافظابن عبد البر واحتج به لأن المالكية ﵏ يرون أن ما أخرجه مالك في الموطأ فهو صحيح. الثالث: حديث أبي هريرة الصحيح (مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة) وهو فيه قصة آدم وداود وكيف أنه أخذ من عمر آدم أربعين سنة وأضيفت إلى عمر داود. الرابع حديث هشام بن حكيم رضي الله تعالى عنه، عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي عن أبيه عن هشام بن حكيم ﵏، أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يارسول الله: أنبتدئ الأعمال أم قد قضى القضاء؟ وهذا يوافق ما في الصحيحين من سؤال الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم النبي ﷺ لما دخل على الجنازة ببقيع الغرقد، وجلس فسألوه فقالوا: يا رسول الله أهذه الأعمال أفيما يستأنف أم في أمر قد قضي وفرغ منه؟ وهذا السؤال الذي يسأله كل إنسان عندما يفكر في القدر وفي علاقته بأحوال الناس، فالسؤال هذا يشهد له وعليه فإن ما ورد في الصحيحين وغيرهما مما لا شك في صحته قال: فقال: رسول الله ﷺ : "إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، ثم قال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار " كما قال في الحديث الآخر، المتفق عليه: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ الآيات في سورة الليلفَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:٥-١٠] .

стр. 1356

إذاً ليس في هذا الحديث أي إشكال، لأن ما ورد فيه تشهد له الأحاديث الصحيحة الثابتة. الخامس: حديث أبي أمامة ﴿لما خلق الله الخلق وقضي القضية أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى﴾ وهذا أيضاً ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى قال وروىجعفر بن الزبير "وهو ضعيف" عن القاسم عنأبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (لماخلق الله الخلق وقضى القضية -أي: قدر ذلك وقضاه- أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله فقال: يا أصحاب اليمين، فقالوا: لبيك وسعديك قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، قال: يا أصحاب الشمال، قالوا: لبيك وسعديك، قال: ألست بربكم قالوا: بلى، ثم خلط بينهم فقال قائل له: يارب لم خلطت بينهم، قال لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ثم ردهم في صلب آدم) والحديث يقول عنه الحافظ ابن كثير إن فيه جعفر بن الزبير وهو ضعيف، لكن ما مر من ألفاظٍ من الحديث تشهد لها الأحاديث الصحيحة ومنطوق الآيات، فهذا الحديث يصلح للاستشهاد، وبعض الأحاديث تشد بعضها بعضاً، ففي ذلك رد على قول ابن القيم أيضاً في كتابه الروح بعد أن سرد طائفة من الأحاديث المتقدمة، والله تعالى أعلم. قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [واعلم أن من المفسرين من لم يذكر سوى القول بأن الله استخرج ذرية آدم من ظهره وأشهدهم عَلَى أنفسهم ثُمَّ أعادهم، كالثعلبي والبغوي وغيرهما، ومنهم من لم يذكره، بل ذكر أنه نصب لهم الأدلة عَلَى ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها الله فيهم، كالزمخشري وغيره، ومنهم من ذكر القولين، كالواحدي والرازي والقرطبي وغيرهم، لكن نسب الرازي القول الأول إلىأهل السنة، والثاني إِلَى المعتزلة] اهـ. الشرح:

стр. 1357

إن كل المفسرين الذين يفسرون بالأثر عن السلف الصالح ومن هَؤُلاءِ الثعلبي والبغوي ذكروا الآثار التي تدل عَلَى أن الله استخرج ذرية آدم من ظهره، وأشهدهم عَلَى أنفسهم ثُمَّ أعادهم، ومنهم من ذكر أنه نصب لهم الأدلة التي تدل عَلَى وحدانية الله، وشهدت بذلك عقولهم وبصائرهم ومن هَؤُلاءِ الزمخشري ورد الأحاديث الصحيحة التي تدل عَلَى القول الأول، ولا غرابة في ذلك لأنه كما تعلمون يفسر القُرْآن بالرأي، ويأتي بالقول الذي يرى أنه موافق للعقل. ومنهم من ذكر القولين كالواحدي والرازي والقرطبي وهَؤُلاءِ هم في الغالب: من الذين يجمعون بين النصوص، وبين كلامأهل الكلام، ولهذا نجد أن الرازي -مثلاً- وهو من أئمة المذهب الأشعري، يجتمع مع المعتزلة أحياناً، ومع أهل السنة أحياناً، يترددون ويتذبذبون بين هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، ولهذا فإنه هو وأمثاله الذين ذكرهم المُصنِّفُ جمعوا بين القولين، لكن الرازي في تفسيره نسب القول الأول إلىأهل السنة. والثاني إِلَى المعتزلة، وهذا ليس ببعيد أن يذكر أن أهل الحديث وأهل الأثر يقولون: إنه استخراج حقيقي عَلَى ظاهر النصوص وهو كذلك، والقول الثاني: نسبه إِلَى المعتزلة والواقع أنه ليس خاصاً بالمعتزلة؛ لأن هذا القول انتصر له الحافظ ابن كثير وانتصر له ابن القيم رحمها الله تَعَالَى كما سوف نلاحظ، وقد سبقت الإشارة إِلَى ذلك أيضاً. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 1358

[ولا ريب أن الآية لا تدل على القول الأول، أعني أن الأخذ كان من ظهر آدم، وإنما فيها أن الأخذ من ظهور بني آدم، وإنما ذكر الأخذ من ظهر آدم والإشهاد عليهم هناك في بعض الأحاديث، وفي بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار، كما في حديث عمر ﵁، وفي بعضها الأخذ وإراءة آدم إياهم من غير قضاء ولا إشهاد، كما في حديث أبي هريرة. والذي فيه الإشهاد -على الصفة التي قالها أهل القول الأول- موقوف على ابن عباس وابن عمرو، وتكلم فيه أهل الحديث، ولم يخرجه أحد من أهل الصحيح غير الحاكم في المستدرك على الصحيحين والحاكم معروف تساهله ﵀. والذي فيه القضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار دليل على مسألة القدر. وذلك شواهده كثيرة، ولا نزاع فيه بين أهل السنة، وإنما يخالف فيه القدرية المبطلون المبتدعون. وأما الأول: فالنزاع فيه بين أهل السنة من السلف والخلف، ولولا ما التزمته من الاختصار لبسطت الأحاديث الواردة في ذلك، وما قيل من الكلام عليها، وما ذكر فيه من المعاني المعقولة ودلالة ألفاظ الآية الكريمة. قالالقرطبي: وهذه الآية مشكلة، وقد تكلم العلماء في تأويلها، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه. فقال قوم: معنى الآية:أن الله أخرج من ظهر بني آدم بعضهم من بعض، قالوا ومعنى وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف:١٧٢] : دلهم بخلقة على توحيده، لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له رباً واحداً أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أي قال: فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم والإقرار منهم، كما قال تعالى في السماوات والأرض: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:١١] ذهب إلى هذا القفال وأطنب] اهـ. الشرح:

стр. 1359

يقول ابن القيم ﵀ في كتابه الروح كما نقل عنه المصنف: إن هذه الآية لا تدل على القول بأن الاستخراج كان حقيقياً؛ لأن الله تعالى قال: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِم ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف:١٧٢] والأخذ كان من ظهور بني آدم ولم يكن من ظهر آدم، وهذا الرأي ضعيف؛ لأن الآية فيها حكمة فلو تأملنا الأسلوب القرآني لوجدناه أبلغ أسلوب، ولا يمكن لأي أسلوب من الأساليب أن يشبهه، ولا يوجد في كلام العرب أبلغ منه على الإطلاق، ولا أوجز ولا أفصح ولا أوضح ولا أجلى منه فإذا وجدنا أن الأحاديث قد فسرت الآية، بأن الله تعالى مسح على ظهر آدم فاستخرج ذريته، فإنه قد ذكر أن هذه الذرية كل إنسان هو من ظهر أبيه وهكذا يتعاقبون، فإذاً كل هؤلاء الناس أُخرجوا دفعة واحدة بين يدي آدم ونثروا بين يديه، فيكون الله تعالى فعلاً قد أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم. ولو أن الآية اقتصرت على ذكر آدم، وأن الله تعالى أخرج من ظهر آدم ذريته، لقال قائل من الناس: هؤلاء ذرية آدم أخرجهم الله من ظهره -يعنى: أبناء من صلبه- فأين بقية البشر؟

стр. 1360

لا حجة عليهم، ولكن الله يريد أن يبين أن الحجة قائمة على جميع بني آدم فلهذا جاء بذريتهم وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف:١٧٢] فإذاً هو أخذ الذرية من "عالم الذر" وهذا كله بعضه من بعض أي: نثروا بين يدي آدم ﵇ الأجداد مع الأحفاد كلهم دفعة واحدة فلذلك كان الآخذ من ظهور بني آدم؛ لأنها أجيال متعاقبة إلى قيام الساعة؛ ولكنهم نثروا دفعة واحدة بين يديه فهذه الآية بهذا اللفظ تدل على معنى أعظم وأبعد مما يظنون، ولو كان الأمر كذلك لكان من ظهر آدم، قال: [إنما ذكر الأخذ من ظهر آدم والإشهاد عليهم هناك في بعض الأحاديث، وفي بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم من الجنة وبعضهم من النار، كما في حديث عمر وفي بعضها الآخر الأخذ، وإراءة آدم إياهم من غير قضاء ولا اشهاد] ، وهذا صحيح. كما في حديث أبى هريرة لكن لا تُعارِض أحاديث ذكرت الأخذ والاستخراج وأحاديث ذكرت الإراء لآدم ... لا تعارض؛ لأن هذه كلها واقعة واحدة، ولكن قد يقتصر الراوي من الصحابة فما بعده على بعض الحديث فلا يذكره كله، فإذا كان الكلام في القدر يذكر من الحديث أنه جعل طائفة في الجنة وطائفة في السعير، وإذا كان الكلام في الإقرار على توحيد الربوبية، يذكر منه الإقرار والاستشهاد والاستخراج، وإذا كان المراد أن آدم ﵇ رآهم وما في ذلك من العجب العجاب والآية البينة، يذكر أنه أريهم آدم ﵇، وهكذا ... )

стр. 1361

وقول المصنف: [والذي فيه الإشهاد على الصفة التي قالها أصحاب القول الأول، وهم المفسرون بالأثر، موقوف على ابن عباس وابن عمرو وتكلم فيه أهل الحديث ولم يخرجه أحد من أهل الصحيح غير الحاكم في المستدرك، والحاكم معروف تساهله] وهذا القول قد بينا لكم أنه قول ضعيف وخطأ؛ لأنه ليس بموقوف، بل له شواهد مرفوعة كثيرة وفي نفس الوقت ليس الحاكم وحده هو الذي رواها، بل رواها غيره مثل ابن أبي عاصم، وكثير ممن رووا ذلك ومنهم ابن جرير الطبري، والحافظابن كثير نفسه أعل هذا وذاك بالوقف مع أنه أوردها، وذكر من رواها وأخرجها فالقول: بأنه لم يروها إلا الحاكم خطأ، وإن كان قوله: (من أهل الصحيح) قد يوهم أن الذين رووا الاستخراج هم من غير العلماء الذين اشترطوا الصحة؛ لأن الحاكم اشترط الصحة كما اشترط الشيخان الصحة. لكن الحديث الصحيح يُقبل وإن رواه من رواه إذا صح السند؛ وإن كان من الكتب التي يغلب عليها الضعاف إذا صح أن هذا لا غبار عليه، والأمر الآخر: أنه ليس كل من ذكروا ذلك ممن لم يشترط الصحيح، فإن حديث أنس في الصحيحين كما سيأتي في آخر كلام المصنف، إذاً: ليس لكلام المصنف هنا أي تبرير إلا أن نقول: إنه خطأ غفر الله لنا وله آمين. اختلاف أهل السنة في معنى الاستخراج لافي القدر يقول المصنف: [والذي فيه القضاء بأن بعضهم إِلَى الجنة وبعضهم إِلَى النَّار دليل عَلَى مسألة القدر وذلك شواهده كثيرة ولا نزاع فيه بين أهل السنة، وإنما يخالف فيه القدرية المبطلون المبتدعون] . مسألة القدر لا خلاف بين أهل السنة فيها، وإنما يورد بعض أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ هذه الآية وبعض هذه الآثار التي ذكرها المُصْنِّف في باب القدر والرد عَلَى القدرية وهذا حق، ولكن لا ينفي هذا الجانب الآخر وهو مسألة الاستخراج.

стр. 1362

يقول: [وأما الأول: فالنزاع فيه بين أهل السنة من السلف والخلف] أي: ما عدا القدر وهو مجرد الاستخراج والإشهاد فيه نزاع [ولولا ما التزمت من الاختصار لبسطت الأحاديث الواردة في ذلك، وما قيل من الكلام عليها، وما ذكر فيه من المعاني المعقولة، ودلالة ألفاظ الآية الكريمة] وبسط هذه الآثار. والكلام عليها موحجود في وأيضاً في كتاب الروح وكتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم ﵀ "قال القرطبي: وهذه الآية مشكلة وقد تكلم العلماء في تأويلها وأحكامها، فنذكر ما ذكره من ذلك حسب ما وقفنا عليه. فَقَالَ قوم معنى الآية: أن الله أخرج من ظهور بني آدم بعضهم من بعض، قالوا: ومعنى: أشهدهم عَلَى أنفسهم ألست بربكم " دلهم بخلقه عَلَى توحيده؛ لأن كل بالغ يعلم ضرورةً أن له رباً واحداً: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف:١٧٢] أي: قال فقام الإشهاد عليهم والإقرار منهم، كما قال تَعَالَى في السموات والأرض: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:١١] وذهب إِلَى هذا القفال وأطنب". معنى الإشهاد في آية الميثاق قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وقيل: إنه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وإنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها. ثُمَّ ذكر القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك، إِلَى آخر كلامه. وأقوى ما يشهد لصحة القول الأول: حديث أنس المخرج في الصحيحين الذي فيه: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ في ظَهْرِ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بي شَيْئاً، فَأَبَيْتَ إلاَّ أنْ تُشْرِكَ بي. ولكن قدر روي من طريق أخرى: قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل، فيرد إِلَى النَّار. وليس فيه: (في ظهر آدم) . وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم عَلَى الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول.

стр. 1363

بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين: أحدهما: كون النَّاس تكلموا حينئذ وأقروا بالإيمان وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يَوْمَ القِيَامَةِ والثاني: أن الآية دلت عَلَى ذلك] اهـ. الشرح: يقول أصحاب القول الأول: كيف يقول الله تَعَالَى في ظاهر الآية: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] فكيف تخرجون هذا القول وتصرفونه عن ظاهره أنه قول إلى مجرد أنه إقرار. أي: أنه إقرار وممن ذكر ذلك الفخر الرازي في تفسيره، وَقَالُوا: إن هذا القول ليس قولاً حقيقياً وإنما المقصود مجرد الإقرار واستدلوا بقوله تعالى: عندما خاطب السموات والأرض: ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:١١] فَقَالُوا: إن السموات والأرض لم تتكلم وإنما أذعنت وأقرت، فكان ذلك منزلة لو أنها نطقت، وهذا القول أيضا مرجوح. فما المانع أن تنطق السموات والأرض وكل شيء يبقى عَلَى الظاهر، فالبشر في عالم الذر نطقوا ولا غرابه في ذلك عَلَى قدرة الله وكذلك السموات والأرض نطقت ولا غرابة في ذلك عَلَى قدرة الله، فقد أنطق النمل وأنطق الهدهد وفقه ما تكلم به سليمان ﵇، وأنطق الجبال سبحن مع داود بالعشي والإبكار، فما المانع أن تنطق السموات والأرض وينطق الإِنسَان في عالم الذر، في الحقيقة أن كل هذه الآيات لا حجة لهم فيها، لأننا لم نوافقهم عَلَى أن السموات والأرض لم تنطق، وإنما هو مجرد إقرار.

стр. 1364

فالله قادر عَلَى كل شيء، ويَوْمَ القِيَامَةِ إذا جحد الجاحدون والمكابرون ذنوبهم وأعمالهم ختم الله عَلَى فواههم وتكلمت أيديهم وتشهد أرجلهم وتنطق جلودهم؛ بل في آخر الزمان أخبر النبي ﷺ أنه يكلم الرجل فخذه وعذبة سوطه، وتخبره ما فعل أهله من بعده، وهناك أشياء كثيرة ثابتة لا مجال الآن لاستعراضها، والله لا يعجزه شيء وقد ذهب إِلَى هذا القول القفال وغيره من الذين فسروا الآية عَلَى خلاف ظاهرها. [وقيل: إنه أخذ الأرواح قبل خلق الأجسام؛ وأنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها، ثُمَّ ذكر القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك إِلَى آخر كلامه] ولا جديد في كلام القرطبي وإنما ذكره المُصْنِّف ﵀ ليبين أنه ذكر القولين، وأن المسالة خلافيه، والقول بأنه أخرج الأرواح هذا هو القول الذي يجري عَلَى ظاهر الآية. ثُمَّ قال: [وأقوى ما يشهد بصحة القول الأول: حديث أنس المخرج في الصحيحين الذي فيه (قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ في ظَهْرِ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بي شَيْئاً، فَأَبَيْتَ إلاَّ أنْ تُشْرِكَ بي) ] يقول: وهذا أقوى ما يشهد بصحة القول الأول، [وكفى به دليلاً قوياً] لأن حديث يرويه الإمامان الجليلان البُخَارِيّ ومسلم، فلا نطعن في صحته بأي وجه من الوجوه، وفيه التصريح بأن الله أخذ العهد عَلَى بني آدم في ظهر أبيهم آدم ألا يشركوا به شيئا.

стр. 1365

فلو نظرنا إِلَى منطوق الحديث، ومنطوق الآية لوجدنا أن منطوقهما واحد، وأنهما متظافران يدل بعضهما عَلَى ما يدل عليه الآخر. ولكن المُصْنِّف رده بقوله: [ولكن قد روي من طريق أخرى: قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل، فيرد إِلَى النَّار] والحقيقة أنه لا تعارض بين الروايتين: فهذه فسرت تلك؛ لأن الأيسر والأهون هو التوحيد، الذي هو يسير عَلَى من يسره الله ﵎ عليه قَالَ: [وليس فيه: (في ظهر آدم) ، وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم عَلَى الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول] ولكن فيه أخذ الإقرار وأنه إقرار وإشهاد حقيقي، وبعض الأحاديث تبين بعض، وكذلك الآيات والأحاديث تفسر الآيات ثُمَّ قَالَ: [بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين أحدهما: كون النَّاس تكلموا حينئذ وأقروا بالإيمان، وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يَوْمَ القِيَامَةِ، والثاني: أن الآية دلت عَلَى ذلك] . يذكر المُصْنِّف ﵀: أن القول بأن الاستخراج كَانَ حقيقياً يتضمن أمرين عجيبين الأمر الأول: ما ذكره كثير ممن طعنوا في هذا القول وهو أن النَّاس تكلموا وأقروا بالإيمان وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يَوْمَ القِيَامَةِ، حتى قال بعضهم: إن هذا يشبه القول بمذهب التناسخ، وما هذا إلا من التعسف في الفهم والاستدلال، فما هو الغريب أن يكون النَّاس تكلموا وأقروا بالإيمان فإن هذا شيء ذكره الله وفسرته الأحاديث المرفوعة والموقوفة فلا غرابة ولا عجب فيه، فالله خلق الأرواح واستنطقها، كما يستنطق ما شاء من خلقه ، قال: [وأنه تقوم الحجة عليهم يَوْمَ القِيَامَةِ] .

стр. 1366

ولا يقول أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ عموماً: إن الحجة يَوْمَ القِيَامَةِ تقوم عَلَى الإِنسَان بما أشهده الله تَعَالَى عليه في عالم الذر -أي: لما استخرجهم من ظهر أبيهم- وهل يجازي الإِنسَانُ يَوْمَ القِيَامَةِ ويحاسبه بناءً عَلَى ما أشهده الله وأقره في ذلك اليوم؟ لا، وإنما يخاطبون فيسألون ماذا أجبتم المرسلين؟ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦] فالحجة التي يسأل عنها النَّاس هي إجابة المرسلين، ولا يمنع ذلك من أن يكون لهذه الحجة طريق مساندة وممهدة ومنها الفطرة وهذا الميثاق، فلو لم يكن إلا هذا الإقرار وهذا الميثاق لقال الناس: يا ربنا إن هذا الميثاق في أنفسنا لكنك لم تبعث إلينا رسولاً فيذكرنا أو يبين لنا، ولهذا قال : رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] فلا حجة بعد الرسل، فالرسل جاءوا يذكرون بالميثاق وبما في الفطرة، فهي أدلة بعضها يؤيد بعضاً ولا تعارض بينها. وأما قوله: [إن الآية دلت عَلَى ذلك] فهذا ما يقوله أصحاب القول الأول، ثُمَّ أخذ يبني بأن الآية لا تدل عليه بوجه، وهذه الوجوه التي ذكرها المُصْنِّف هنا مختصرة هي من كتاب الروح لابن القيم ﵀، ولهذا نذكر هذه الوجوه إن شاء الله ونشرحها إجمالاً. الرد على المصنف فيما ذهب إليه في معنى الاستخراج قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [والآية لا تدل عليه لوجوه: أحدها: أنه قال: مِنْ بَنِي آدَمَ [الأعراف:١٧٢] ، ولم يقل: من آدم. الثاني: أنه قَالَ: مِنْ ظُهُورِهِمْ، ولم يقل: من ظهره، وهذا بدل بعض، أو بدل اشتمال، وهو أحسن. الثالث: أنه قَالَ: ذُرِّيَّتَهُمْ ولم يقل: ذريته.

стр. 1367

الرابع: أنه قَالَ: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أي: جعلهم شاهدين عَلَى أنفسهم ولابد أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إِلَى هذه الدار كما تأتي الإشارة إِلَى ذلك لا يذكر شهادة قبله. الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم، لئلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها، كما قال تَعَالَى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء:١٦٥] . السادس: تذكيرهم بذلك، لئلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهادهم جميعاً ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم. السابع: قوله تعالى: أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ، فذكر حكمتين في هذا الأخذ والإشهاد: لئلا يدَّعو الغفلة، أو يدَّعو التقليد، فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره. ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا عَلَى ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة. الثامن: قوله: أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ، أي: لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك، وهو سبحانه إنما يهلكم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه، وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل.

стр. 1368

التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد عَلَى نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليه بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه، كقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:٢٥] ، فهذه هي الحجة التي أشهدهم عَلَى أنفسهم بمضمونها، وذكرتهم بها رسله، بقولهم: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض [إبراهيم:١٠] . العاشر: أنه جعل هذا آية، وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها، بحيث لا يتخلف عنها المدلول وهذا شأن آيات الرب تعالى، فإنها أدلة معينة عَلَى مطلوب معين مستلزمة للعلم به فَقَالَ تعالى: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:١٧٤] ، وإنما ذلك بالفطرة التي فطر النَّاس عليها لا تبديل لخلق الله، فما من مولود إلا يولد عَلَى الفطرة، لا يولد مولود عَلَى غير هذه الفطرة، هذا أمر مفروغ منه، لا يتبدل ولا يتغير. وقد تقدمت الإشارة إِلَى هذا. والله أعلم] اهـ.. الشرح:- سوف نبين عدم رجحان هذه الأوجة العشرة التي استدل بها المُصْنِّف فيما ذهب إليه فقوله: أن الآية تضمنت ما يلي: الأول: أنه قال من بني آدم ولم يقل من آدم. والثاني: أنه قال من ظهورهم ولم يقل من ظهره. والثالث: أنه قال من ذريتهم ولم يقل من ذريته. هذه الأوجه الثلاثة مضمونها: أن إشهاد الله لم يكن من ظهر آدم، وإنما الألفاظ -كما تلاحظون- من بني آدم، وكذلك ظهورهم وذرياتهم وهذا لا اعتراض فيه، وذلك لأن ذكرهم بهذا الجمع يدل عَلَى استخراج الأبناء من الآباء إِلَى آخر ما يكون من بني آدم، ولو لم يذكر إلا آدم ﵇ لظن ظان أن الذين استخرجوا هم ذريه آدم فقط -أي: الذين هم من صلبه- فلا دليل بعد ذلك يبقى واضحا عَلَى الأحفاد إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.

стр. 1369

والرابع أنه قَالَ: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الأعراف:١٧٢] أي: جعلهم شاهدين عَلَى أنفسهم، ولابد أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إِلَى هذه الدار، ولا يذكر شهادة قبلها؛ نقول: ليس شرطاً أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به، لأن الاستشهاد كَانَ في عالم آخر، ونحن الآن في عالم مغاير، فليس من الشرط أن يبقى ذاكراً لذلك، وأما يَوْمُ القِيَامَةِ فلا يستبعد أن يتذكروا أي: أننا الآن -بني آدم- في هذه الدنيا نقول: لم نتذكر أن الله تَعَالَى أخذ علينا العهد بهذا الشي بالذات، وهذا صحيح، لكن لا يبعد أننا نذكر ذلك في يَوْمِ القِيَامَةِ، والحساب أو السؤال عن هذا الميثاق إنما يكون يَوْم القِيَامَةِ: (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] وأما في هذه الدار فمن رحمة الله أن الحجة لا تقوم إلا عن طريق الرسل الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها، كما قال تعالى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] وهذا أيضا لا اعتراض فيه؛ لأننا نقول: إن إرسال الرسل، وإن الفطرة والميثاق الأول جميعها أدلة متظافرة ولا يتعارض بعضها مع بعض، فما المانع أن يكون مع هذين الدليلين، ومع هاتين الحجتين، دليل ثالث وحجه ثالثه، والله ﵎ قدير عَلَى ذلك. والسادس: تذكيرهم بذلك لئلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهاد هم جميعا ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم] وهذا الوجه نجيب عليه بجوابين:

стр. 1370

الأول: أنهم ليسوا غافلين عن التوحيد، وهو المقصود بالإشهاد والإخراج، فلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنا كنا غافلين عن التوحيد، بل هو موجود في أنفسهم. والجواب الآخر: أنه لا يستبعد أنهم يَوْمَ القِيَامَةِ يتذكرون ذلك ويقرون به، أو ينكره بعضهم مكابرة منهم، مع أنه ينبغي له أن يذكره أو ينساه. والسابع: قوله تعالى: أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [الأعراف:١٧٣] فذكر حكمتين في هذا الإشهاد: لئلا يدعو الغفلة، أو يدعو التقليد فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره، ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا عَلَى ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة] نقول: الرسل والفطرة والإشهاد كلها مجتمعه تمنع وتقطع الشرك، وتمنع ادعاء الغفلة وادعاء التقليد، والله عندما ذكر هذا الإشهاد وإلاقرار، لم ينص عَلَى أنه هو الدليل الوحيد. والثامن: قوله: أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٣] يقول: أي: لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا يا رب أفتهلكنا بما فعل المبطلون، ونحن لسنا من المبطلين، إنما نَحْنُ مقلدون أشرك آباؤنا وكنا ذرية من بعدهم، فتابعناهم عَلَى الشرك، فكيف تهلكنا بما فعل المبطلون. فَيَقُولُ: هذا لا يتناسب مع أن الله لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل فنقول: هذا نفس الجواب: أنَّ اللهَ لم يجعله دليلاً واحداً، وإنما جعله دليلاً من أدلة، فيَوْم القِيَامَةِ يسألهم ماذا أجبتم المرسلين؟ وسؤالهم عن ذلك يتضمن إنكارهم لرسالة المرسلين ويتضمن إنكارهم للفطرة وللميثاق الأول.
следующие страницы →