Полный текст (1 990 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
ولا يقول أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ عموماً: إن الحجة يَوْمَ القِيَامَةِ تقوم عَلَى الإِنسَان بما أشهده الله تَعَالَى عليه في عالم الذر -أي: لما استخرجهم من ظهر أبيهم- وهل يجازي الإِنسَانُ يَوْمَ القِيَامَةِ ويحاسبه بناءً عَلَى ما أشهده الله وأقره في ذلك اليوم؟ لا، وإنما يخاطبون فيسألون ماذا أجبتم المرسلين؟ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦] فالحجة التي يسأل عنها النَّاس هي إجابة المرسلين، ولا يمنع ذلك من أن يكون لهذه الحجة طريق مساندة وممهدة ومنها الفطرة وهذا الميثاق، فلو لم يكن إلا هذا الإقرار وهذا الميثاق لقال الناس: يا ربنا إن هذا الميثاق في أنفسنا لكنك لم تبعث إلينا رسولاً فيذكرنا أو يبين لنا، ولهذا قال : رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] فلا حجة بعد الرسل، فالرسل جاءوا يذكرون بالميثاق وبما في الفطرة، فهي أدلة بعضها يؤيد بعضاً ولا تعارض بينها.
وأما قوله: [إن الآية دلت عَلَى ذلك] فهذا ما يقوله أصحاب القول الأول، ثُمَّ أخذ يبني بأن الآية لا تدل عليه بوجه، وهذه الوجوه التي ذكرها المُصْنِّف هنا مختصرة هي من كتاب الروح لابن القيم ﵀، ولهذا نذكر هذه الوجوه إن شاء الله ونشرحها إجمالاً.
الرد على المصنف فيما ذهب إليه في معنى الاستخراج
قَالَ المُصْنِّفُ ﵀:
[والآية لا تدل عليه لوجوه:
أحدها: أنه قال: مِنْ بَنِي آدَمَ [الأعراف:١٧٢] ، ولم يقل: من آدم.
الثاني: أنه قَالَ: مِنْ ظُهُورِهِمْ، ولم يقل: من ظهره، وهذا بدل بعض، أو بدل اشتمال، وهو أحسن.
الثالث: أنه قَالَ: ذُرِّيَّتَهُمْ ولم يقل: ذريته.
стр. 1367
الرابع: أنه قَالَ: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أي: جعلهم شاهدين عَلَى أنفسهم ولابد أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إِلَى هذه الدار كما تأتي الإشارة إِلَى ذلك لا يذكر شهادة قبله.
الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم، لئلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها، كما قال تَعَالَى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء:١٦٥] .
السادس: تذكيرهم بذلك، لئلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهادهم جميعاً ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم.
السابع: قوله تعالى: أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ، فذكر حكمتين في هذا الأخذ والإشهاد: لئلا يدَّعو الغفلة، أو يدَّعو التقليد، فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره. ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا عَلَى ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة.
الثامن: قوله: أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ، أي: لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك، وهو سبحانه إنما يهلكم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه، وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل.
стр. 1368
التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد عَلَى نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليه بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه، كقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:٢٥] ، فهذه هي الحجة التي أشهدهم عَلَى أنفسهم بمضمونها، وذكرتهم بها رسله، بقولهم: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض [إبراهيم:١٠] .
العاشر: أنه جعل هذا آية، وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها، بحيث لا يتخلف عنها المدلول وهذا شأن آيات الرب تعالى، فإنها أدلة معينة عَلَى مطلوب معين مستلزمة للعلم به فَقَالَ تعالى: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:١٧٤] ، وإنما ذلك بالفطرة التي فطر النَّاس عليها لا تبديل لخلق الله، فما من مولود إلا يولد عَلَى الفطرة، لا يولد مولود عَلَى غير هذه الفطرة، هذا أمر مفروغ منه، لا يتبدل ولا يتغير. وقد تقدمت الإشارة إِلَى هذا. والله أعلم] اهـ..
الشرح:-
سوف نبين عدم رجحان هذه الأوجة العشرة التي استدل بها المُصْنِّف فيما ذهب إليه فقوله: أن الآية تضمنت ما يلي:
الأول: أنه قال من بني آدم ولم يقل من آدم.
والثاني: أنه قال من ظهورهم ولم يقل من ظهره.
والثالث: أنه قال من ذريتهم ولم يقل من ذريته.
هذه الأوجه الثلاثة مضمونها: أن إشهاد الله لم يكن من ظهر آدم، وإنما الألفاظ -كما تلاحظون- من بني آدم، وكذلك ظهورهم وذرياتهم وهذا لا اعتراض فيه، وذلك لأن ذكرهم بهذا الجمع يدل عَلَى استخراج الأبناء من الآباء إِلَى آخر ما يكون من بني آدم، ولو لم يذكر إلا آدم ﵇ لظن ظان أن الذين استخرجوا هم ذريه آدم فقط -أي: الذين هم من صلبه- فلا دليل بعد ذلك يبقى واضحا عَلَى الأحفاد إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
стр. 1369
والرابع أنه قَالَ: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الأعراف:١٧٢] أي: جعلهم شاهدين عَلَى أنفسهم، ولابد أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إِلَى هذه الدار، ولا يذكر شهادة قبلها؛ نقول: ليس شرطاً أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به، لأن الاستشهاد كَانَ في عالم آخر، ونحن الآن في عالم مغاير، فليس من الشرط أن يبقى ذاكراً لذلك، وأما يَوْمُ القِيَامَةِ فلا يستبعد أن يتذكروا أي: أننا الآن -بني آدم- في هذه الدنيا نقول: لم نتذكر أن الله تَعَالَى أخذ علينا العهد بهذا الشي بالذات، وهذا صحيح، لكن لا يبعد أننا نذكر ذلك في يَوْمِ القِيَامَةِ، والحساب أو السؤال عن هذا الميثاق إنما يكون يَوْم القِيَامَةِ: (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] وأما في هذه الدار فمن رحمة الله أن الحجة لا تقوم إلا عن طريق الرسل
الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها، كما قال تعالى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] وهذا أيضا لا اعتراض فيه؛ لأننا نقول: إن إرسال الرسل، وإن الفطرة والميثاق الأول جميعها أدلة متظافرة ولا يتعارض بعضها مع بعض، فما المانع أن يكون مع هذين الدليلين، ومع هاتين الحجتين، دليل ثالث وحجه ثالثه، والله ﵎ قدير عَلَى ذلك.
والسادس: تذكيرهم بذلك لئلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهاد هم جميعا ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم] وهذا الوجه نجيب عليه بجوابين:
стр. 1370
الأول: أنهم ليسوا غافلين عن التوحيد، وهو المقصود بالإشهاد والإخراج، فلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنا كنا غافلين عن التوحيد، بل هو موجود في أنفسهم.
والجواب الآخر: أنه لا يستبعد أنهم يَوْمَ القِيَامَةِ يتذكرون ذلك ويقرون به، أو ينكره بعضهم مكابرة منهم، مع أنه ينبغي له أن يذكره أو ينساه.
والسابع: قوله تعالى: أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [الأعراف:١٧٣] فذكر حكمتين في هذا الإشهاد: لئلا يدعو الغفلة، أو يدعو التقليد فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره، ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا عَلَى ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة] نقول: الرسل والفطرة والإشهاد كلها مجتمعه تمنع وتقطع الشرك، وتمنع ادعاء الغفلة وادعاء التقليد، والله عندما ذكر هذا الإشهاد وإلاقرار، لم ينص عَلَى أنه هو الدليل الوحيد.
والثامن: قوله: أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٣] يقول: أي: لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا يا رب أفتهلكنا بما فعل المبطلون، ونحن لسنا من المبطلين، إنما نَحْنُ مقلدون أشرك آباؤنا وكنا ذرية من بعدهم، فتابعناهم عَلَى الشرك، فكيف تهلكنا بما فعل المبطلون. فَيَقُولُ: هذا لا يتناسب مع أن الله لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل فنقول: هذا نفس الجواب: أنَّ اللهَ لم يجعله دليلاً واحداً، وإنما جعله دليلاً من أدلة، فيَوْم القِيَامَةِ يسألهم ماذا أجبتم المرسلين؟ وسؤالهم عن ذلك يتضمن إنكارهم لرسالة المرسلين ويتضمن إنكارهم للفطرة وللميثاق الأول.
стр. 1371
قوله التاسع: أنه سبحاه أشهد كل واحد عَلَى نفسه أنه ربه وخالقه واحتج عليه بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه كقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:٢٥] أي: فكيف يصرفونه عن التوحيد بعد هذا الإقرار منهم أن الله ربهم وخالقهم وهذا كثير في القُرْآن [فهذه هي الحجة التي أشهدهم عَلَى أنفسهم بمضمونها وذكرتهم بها رسله بقوله: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضْ] .
أما العاشر فهو نفس التاسع مؤداهما واحد، وهو: أن الله قد أنزل وأودع في قلوب النَّاس الآية الدالة عَلَى وجوده وعلى توحيده وعلى ربوبيته، وهي الفطرة، والفطرة أمر معلوم أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضْ [إبراهيم:١٠] فالله ﵎ فطر النَّاس عَلَى الإيمان به، وأنه الخالق الرازق، فالإقرار والميثاق هو هذه الفطرة التي يولد عليها كل مولود، والتي لاشك أن النَّاس جميعا لا ينكرونها، وهذا ما يريد أن يقوله المصنف، وأيضاً: لا منافاة كما سبق بين أن تكون هناك فطرة، وأن يكون هنالك استخراج وإشهاد.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[وقد تفطن لهذاابن عطية وغيره، ولكن هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث التي فيها التصريح بأن الله أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم.
وكذلك حكى القولين الشيخ أبو منصور الماتريدي في شرح التأويلات ورجح القول الثاني، وتكلم عليه ومال إليه.
стр. 1372
ولاشك أن الإقرار بالربوبية أمر فطري، والشرك حادث طارئ، والأبناء تقلدوه عن الآباء، فإذا احتجوا يوم القيامة بأن الآباء أشركوا ونحن جرينا على عادتهم كما يجري الناس على عادة آبائهم في المطاعم والملابس والمساكن، يقال لهم: أنتم كنتم معترفين بالصانع، مقرين بأن الله ربكم لا شريك له، وقد شهدتم بذلك على أنفسكم، فإن شهادة المرء على نفسه هي إقراره بالشيء ليس إلا، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [النساء:١٣٥] وليس المراد أن يقول: أشهد على نفسي بكذا، بل من أقر بشيء فقد شهد على نفسه به، فلم عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار الذي شهدتم به على أنفسكم إلى الشرك؟
بل عدلتم عن المعلوم المتيقن إلى ما لا يعلم له حقيقة، تقليداً لمن لا حجة معه، بخلاف اتباعهم في العادات الدنيوية، فإن تلك لم يكن عندكم ما يعلم به فسادها، وفيه مصلحة لكم، بخلاف الشرك، فإنه كان عندكم من المعرفة والشهادة على أنفسكم ما يبين فساده وعدولكم فيه عن الصواب.
стр. 1373
فإن الدين الذي يأخذه الصبي عن أبويه هو: دين التربية والعادة، وهو لأجل مصلحة الدنيا، فإن الطفل لا بد له من كافل، وأحق الناس به أبواه، ولهذا جاءت الشريعة بأن الطفل مع أبويه على دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة، وهذا الدين لا يعاقبه الله عليه على الصحيح حتى يبلغ ويعقل وتقوم عليه الحجة، وحينئذ فعليه أن يتبع: دين العلم والعقل، وهو الذي يعلم بعقله هو أنه دين صحيح، فإن كان آباؤه مهتدين، كيوسف الصديق مع آبائه، قال: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوب [يوسف:٣٨] ، وقال ليعقوب بنوه: نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاق [البقرة:١٣٣] ، وإن كان الآباء مخالفين الرسل، كان عليه أن يتبع الرسل، كما قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [العنكبوت:٨] الآية.
فمن اتبع دين آبائه بغير بصيرة وعلم، بل يعدل عن الحق المعلوم إليه، فهذا اتبع هواه، كما قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة:١٧٠] .
وهذه حال كثير من الناس من الذين ولدوا على الإسلام، يتبع أحدهم أباه فيما كان عليه من اعتقاد ومذهب، وإن كان خطأ ليس هو فيه على بصيرة، بل هو من مسلمة الدار، لا مسلمة الاختيار، وهذا إذا قيل له في قبره: من ربك؟ قال: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.
стр. 1374
فليتأمل اللبيب هذا المحل، ولينصح نفسه، وليقم لله، ولينظر من أي الفريقين هو والله الموفق، فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل فإنه مركوز في الفطر وأقرب ما ينظر فيه المرء أمر نفسه لما كان نطفة، وقد خرج من بين الصلب والترائب "والترائب": عظام الصدر، ثم صارت تلك النطفة في قرار مكين، في ظلمات ثلاث، وانقطع عنها تدبير الأبوين وسائر الخلائق، ولو كانت موضوعة على لوح أو طبق، واجتمع حكماء العالم على أن يصوروا منها شيئاً لم يقدروا] اهـ.
الشرح:
كما هو معلوم أن الإقرار بالربوبية أمر فطري، وأن الشرك حادث طارئ، وهذا الكلام ينطبق على بني آدم جميعاً من جهتين:
الأولى: من جهة أصلهم ونشأتهم.
والثاني: من جهة كل فرد منهم.
فأما من جهة النوع والجنس الإنساني ككل فهو: أن الله فطرهم على التوحيد وظلوا كذلك فكان آدم ﵇ نبياً رسولاً مكلماً وبقيت ذريته على التوحيد عشرة قرون كما قال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [البقرة:٢١٣] فالناس كانوا أمة واحدة على التوحيد على القول الصحيح في الآية، فكان بنو آدم عشرة قرون على التوحيد حتى وقع الشرك الأول في قوم نوح.
стр. 1375
والله خلق كل نفس منفوسة وخلق كل بشر على الفطرة الصحيحة كما قال ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة) وفي رواية أخرى: (يولد على الملة) ، أي: على الإسلام وعلى التوحيد الخالص وعلى الإقرار لله بالربوبية والألوهية فكل مولود يولد على ذلك ولو ولد في بيئة يهود أو بيئة نصارى أو مجوس أو في أي مكان؛ فإنه يولد على ذلك، كما ذكر النبي ﷺ ، وضرب له مثلاً بالبهيمة التي تنتج بهيمة جمعاء ليس فيها خطوط ولا علامات ولا تغيير، وكما تولد البهائم سليمة من جميع جوانبها هكذا يولد الإنسان في جملته ليس فيه أي انتماء أو تميز أو علامة تصرفه عن الفطرة القويمة السليمة، ولكن الأبوين والبيئة والتربية هي التي تجعله يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا، ولم يقل أو "يسلمانه"؛ لأن البقاء على فطرة الإسلام هو الأصل، كما أن البهيمة إذا ولدت تبقى بدون علامات هذا هو الأصل فيها، ولكن لو خطها أحد بعلامات تجعلها تبع لفلان أو لفلان لكان ذلك أمراً حادثاً وطارئاً عليها.
فيقول إذا احتجوا يوم القيامة بأن آباءنا أشركوا فجرينا على عادتهم كما يجري الناس على عادات آباءهم في المطاعم والملابس والمساكن، فكذلك في ديننا كنا نعبد ما كان يعبد آباؤنا، لو أنهم قالوا ذلك يقال لهم: أنتم كنتم معترفين بالصانع، مقرين بأن الله ربكم لا شريك له، وقد شهدتم بذلك على أنفسكم، يقول: فإن شهادة المرء على نفسه هي: إقراره بالشي وسيأتي توضيح هذا.
الإقرار شهادة على النفس
стр. 1376
إن مجرد الإقرار هي الشهادة، وليس من شرط الاقرار أن يقول: أشهد عَلَى نفسي بكذا، وهذا حق، فلو أنَّ إنساناً أقر بشيء لقلنا: شهد عَلَى نفسه، وهذا كلام صحيح شرعاً ولغةً، فإن الإشهاد لا يشترط فيه أن يقول: أشهد عَلَى نفسي أن لفلان عندي كذا، فإذا أقر وقال: لفلان عندي كذا من المال، قلنا: فلان شهد عَلَى نفسه يعني: أقر عليها، فهو يقصد بذلك أن الإقرار لا يشترط أن يكون تلفظاً، وأن يكونوا استخرجوا استخراجاً حقيقياً، وأن يكونوا تلفظوا بذلك قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا [الأنعام:١٣٠] كما هو ظاهر في الآية التي دلت عليها الأحاديث، ولكن نقول: هذا لا ينافي ذلك، بل يؤيده فكونه إن قَالَ: أشهد عَلَى نفسي قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] ، هذا كله شهادة عَلَى نفسه، وإن لم يقلها فمجرد الإقرار هو شهادة عَلَى النفس، هذا حق.
فيقال لهم: لماذا عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار الذي شهدتم به عَلَى أنفسكم إِلَى الشرك؟
بل عدلتم عن المعلوم المتيقن إِلَى مالا يعلم له حقيقة تقليداً لمن لا حجه معه، بخلاف اتباعهم لآبائهم في العادات الدنيوية.
قيام الحجة على اليهود والنصارى والمشركين
أبناء اليهود والنَّصَارَى والمجوس وجميع الْمُشْرِكِينَ الذين أشركوا لا حجة لهم عند الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ، إلا أن يقولوا: إنا وجدنا آباءنا عَلَى أمة، ونحن عَلَى آثارهم مقتدون ومهتدون ومتبعون، فيقال لهم: لماذا عدلتم وتركتم الدين الذي غُرس في نفوسكم - بالفطرة والإيمان الصحيح واليقين بأن الله واحد - إِلَى الإشراك؟
وليس الأمر كحال أموركم الدنيوية، لأن الأمور الدنيوية لا يعلم فسادها بمجرد العقل، وإنما قد يتبع فيها الإِنسَان، ويجوز أن يتبع الإِنسَان آباءه أو بيئته في أمور الدنيا، ولا يكون لديه حجة عقلية تبين فساد ما هم عليه، وأما الدين فلا.
стр. 1377
يقول المصنف: [فإن الدين الذي يأخذه الصبي عن أبويه هو دين التربية والعادة وهو لأجل مصلحة الدنيا فإن الطفل لابد له من كافل] وأحق النَّاس بكفالة الطفل أبواه، فتجعل الشريعة الطفل مع أبويه عَلَى دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة، فهو منهم، كما أخبر النبي ﷺ عن نساء وذراري الْمُشْرِكِينَ أنهم منهم في الدنيا، أي: حسب الأحكام الظاهرة، أما لو مات فإن له حكماً آخر في الآخرة، وتفصيله هذا سيأتي فيما بعد.
لكن المقصود هنا أن الإِنسَان لما كَانَ لابد له من مربي يربيه فإنه يسير عَلَى ما يربيه عليه أبواه، فإذا كَانَ الأبوان مشركين وربياه عَلَى الشرك، فليس له عذر ولا حجة يَوْمَ القِيَامَةِ؟ لأن الله أعطاه العقل والهداية والفطرة التي يعرف بها أن هذين الأبوين عَلَى الشرك بخلاف بقيه الأمور. كما قال المصنف: [ولهذا جاءت الشريعة بأن الطفل مع أبويه عَلَى دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة وهذا الدين لا يعاقبه الله عليه عَلَى الصحيح حتى يبلغ ويعقل وتقوم عليه الحجة] وهذا إشارة إِلَى الخلاف الموجود في المسألة.
إن نشأة الطفل عَلَى دين أبويه ليس عَلَى الإطلاق، فيغلب جانب الإسلام في الأحكام الظاهرة، فمثلاً: لو وجدنا طفلاً ضائعاً أو لقيطاً ولم يعرف له أب في مدينة من المدن، ولم يكن في هذه المدينه إلا عدداً محدوداً من الْمُسْلِمِينَ وفيها أكثرية من الكفار.
فالقول الصحيح: إن الطفل يلحق بالْمُسْلِمِينَ؛ لأنا لو أعطيناه الكفار لربوه عَلَى الكفر، ولكن يلحق بالْمُسْلِمِينَ، لأن الاسلام هو الأغلب والأعم لسببين:
أولاً: أن الاسلام هو الأصل في بني الإِنسَان كافه، وإن انحرف من انحرف إِلَى الشرك، وإن كثروا فهم عَلَى خلاف الأصل وثانياً: أن هذا الطفل ولد عَلَى الفطرة، فالأصل أن يبقى عليها وأن يعطى لمن يكفله من الْمُسْلِمِينَ.
стр. 1378
ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله تَعَالَى في رجلين تداعيا في طفل أحدهما كافر والآخر مسلم، وكان الكافر لديه من الحجج والبينات أقوى مما عند المسلم، فَقَالَ بعضهم: يحكم القاضي بالحق؛ لأن الأصل في ديننا هو الحق والعدل ونحكم بالحق فنعطيه للكافر، لأن دلائله أقوى من المسلم. وقال آخرون: إننا لا نعطي الكافر؛ بل نغلب جانب الإسلام وجانب مصلحة الطفل وليس مصلحة الأب، لأن هذا الطفل إذا حكمنا بأنه تابع للمسلم فإنه يكون مسلماً، فينجوا من عذاب الله بإذن الله ، لكن لو حكمنا للأب فإن الأمر يكون بخلاف ذلك، فلا نضمن أنه يسلم، فقد يموت عَلَى الشرك.
فالمقصود: أن الإسلام يغلب حتى في الأحكام الظاهرة؛ بل قال بعض الفقهاء: لو أن سفينة أو طائرة في هذا العصر سقطت فتحطمت أو غرقت وفيها مائة أو مائتان من الركاب، ونحن نعلم أن فيها واحداً من الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يصلى عَلَى كل واحد من هَؤُلاءِ، من أجل هذا المسلم الذي بينهم، فالصلاة عَلَى الكافر لا تقع لكن من أجل هذا المؤمن نصلي.
تعرض المُصنِّفُ ﵀ هنا بعد أن انتهى من الأقوال في حقيقة الميثاق إِلَى مسألة مهمة وهي مسألة توحيد الربوبية، وهل الربوبية أمر فطري أم غير فطري؟ وما رسمه الله ﵎ في العقول والفطر من معرفته والإقرار بربوبيته، وتعرض لمسألة التقليد ومسألة الجهل، في عدم معرفة الله بناءً عَلَى أحد هاتين العلتين:
العلة الأولى: الجهل وعدم المعرفة بالله.
العلة الأخرى: التقليد والمتابعة من غير علم ولا بصيرة.
стр. 1379
فالله ﵎ يقطع هاتين العلتين كما قال تَعَالَى أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] أي: أشهدناكم وأقررناكم عَلَى ذلك لكي لا تقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ فهذا يقطع العلة الأولى وهي علة الجهل.
والكلام الآن في توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية خاصةً -تفصيلاته- لا يمكن أن تعلم إلا من طريق الرَّسُول، أي: كيف نعبد ربنا ، وما هي أنواع العبادة، ولكن الإقرار بأن الله ربنا وخالقنا ورازقنا وأنه الذي يستحق العبادة وحده هذا مركوز في الفطر، ويعلمه كل بنى آدم علماً ضرورياً بالبداهة من غير تفكير ولا نظر.
فالعلة الأولى التي يعتذر بها المُشْرِكُونَ وأعداء الله تَعَالَى والجاحدون هي: أنهم لا يعرفون ربهم، أو قد يقَالَ: إننا لا نعرف ربنا قتقطعها هذه الجملةأَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] فلا عذر لكم بالجهل فقد عُرِّفتم وعلمتم ربكم .
والعلة الأخرى: أن يقَالَ: إننا عرفنا ربنا ولم ننكر ولم نجحد، ولكننا وجدنا آبائنا عَلَى أمة، وإنا عَلَى آثارهم مقتدون، واتبعنا ما ألفينا عليه آباءنا، وأطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل، إِلَى آخر ما يقوله أُولَئِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ، هذا يقطعه ما أَنْ تَقُولُوا أي: لكي لا تقولوا أيضاً: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [الأعراف:١٧٣] أي: نَحْنُ لم نؤمن بالشرك، وإنما أشرك آباؤنا فتبعناهم وكنا ذرية من بعدهم.
стр. 1380
ولهذا قالوا أفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٣] أُولَئِكَ المبطلون الذين أحدثوا وغيروا ونحن اتبعناهم، ولو تأملنا حال كفار قريش الذين بعث فيهم رَسُول الله ﷺ لوجدناهم من هذا النوع، فالذي غير دين العرب وملة العرب هو: عمرو بن لحي الخزاعي وحرفهم عن الحنفية ملة إبراهيم وملة أبيهم إسماعيل، عقيدة الفطرة والملة القويمة.
فانصرفوا عنها إِلَى عبادة الأصنام، كما ثبت عن رَسُول الله ﷺ ، ومع ذلك فإن قريشاً اتبعت عمرو بن لحي فهل ينفعهم أن يقولوا: إننا كنا متبعين لآبائنا، لا ينفعهم ذلك لأن هذا عين ما قالوه للرَسُولِ ﷺ ، ومع ذلك فإن الله لم يقبل منهم هذا؛ بل جعل ذلك من موجبات غضبه عليهم؛ لأنه أقام عليهم الحجة، ثُمَّ احتجوا عليه بما فعل المبطلون.
المقصود من هذا: أن نعلم أنه ليس لأحدٍِ أن يعتذر عن عدم معرفته بالله وعدم الإقرار بها، بأنه كَانَ جاهلاً بذلك. فإن الدليل الفطري مركوز في نفسه، أو يقول: إني تابعت الآباء والأجداد، أو أخضعتني التربية لذلك؛ لأن الله قد قطع هذا العذر، ولو أن الإِنسَان فكر لعلم أن ما عليه الآباء والأجداد باطل.
ونتعرض الآن لمسألة ينبغي أن تعلم، وإن كانت ليست من مسائل أصول العقيدة، ولكنها من فروعها وأحكامها، ولكن المعرفة والعلم بها خير، ولا سيما وقد خالف فيها من خالف من الفرق، وهي مسألة الأطفال الذين يموتون صغاراً بِمَ يلتحقون؟ وهل يكونون مع المؤمنين في الجنة، أم مع الْمُشْرِكِينَ في النار؟.
أطفال المشركين في الدنيا
стр. 1381
نقول: أولاً: نفرق بين أطفال الْمُسْلِمِينَ وأطفال الْمُشْرِكِينَ، فأطفال الْمُسْلِمِينَ الذين يموتون وهم صغار فقول أكثر العلماء: إنهم في الجنة، بل لو قيل: إنه إجماع؛ لما كَانَ خطأً؛ لأن من خالف لم يأت بقول ثابت إِلَى مخالف من السلف وإنما قد ينقل أن السلف قد اختلفوا في الأطفال، وهم إنما اختلفوا في الحقيقة في أطفال الْمُشْرِكِينَ؛ لأنه يولد عَلَى الفطرة في دار الإسلام ومن أبوين مسلمين فسوف يموت عليه، ومن مات وهو دون سن التكليف لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:٢٨٦] لا يحاسبه الله وهو دون سن التكليف.
ولهذا إذا رأى الطفل علامة البلوغ من شعر أو احتلام أو بلغ سنه الخامسة عشر أصبح من البالغين، فهل تقول له: أسلم وقل: لا إله إلا الله، ثُمَّ ابدأ بالصلاة؟ لا؛ لأن هذا ليس له أصل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ ، وإنما أحدثه بعض أهل الكلام لأنه مولود عَلَى الفطرة القويمة، وإنما انتقل من مرحلة ما دون التكليف إِلَى مرحلة التكليف والالتزام بالأحكام الشرعية،.
فنأخذ من ذلك أن أطفال الْمُسْلِمِينَ مسلمون، والأبناء تبع لآبائهم، فأبناء الكفار في أحكام الدنيا تبعاً لآبائهم، فلو ذهبنا نقاتل كفاراً فهل نقتل أبناءهم، الأصل: أننا لا نقتل طفلاً أو امرأة ولا شيخاً هرماً، ولكن لو خرج الكفار بأطفالهم وذرياتهم صفاً فسيموتون جميعاً الأطفال والنساء والكبار، فأطفالهم منهم -كما جَاءَ في الحديث- في أحكام الدنيا، ولهذا من ثبت أنه ابن لكافرين، فإنه يظل ابناً لهما في أحكام الدنيا، سواء كانا ذميين أو حربيين، ولا ينقل عن ذلك إلا بالأحكام الشرعية المعروفة، بحيث لا يكون له عليهما ولاية.
المقصود: أنهم في الدنيا تبع لآبائهم، وفي الآخرة يختلف الحكم لأمر آخر؛ لأن هنالك الحساب وهنالك حكمة الله، فعدله سبحانه يمنع جريان ذلك.
стр. 1382
إذاً: فالأصل العام أن الأطفال تبعاً لآبائهم، وقد ثبت في الصحيحين (أن النبي ﷺ لما رأى من عجائب ما رأى في عالم الغيب ومن جملة ما رأى، أنه رأى شيخاً كبيراً وحوله ولدان، فلما سأل الملَكين اللَّذَيْن يقولان له: انطلق: من هذا الشيخ؟ ومن هَؤُلاءِ الذين معه؟ فَقَالُوا: هذا إبراهيم، وهَؤُلاءِ الذين معه ولدان لمسلمين) وأيضاً جَاءَ في رواية ذراري أو ولدان الْمُشْرِكِينَ) .
ولكن كلامنا الآن عن ولدان الْمُسْلِمِينَ، فنقول: إن هذا الحديث الصحيح المتفق عَلَى صحته دليل عَلَى أن أطفال الْمُسْلِمِينَ في الجنة، وقد اعترض عَلَى هذا القول بحديث عَائِِِشَةَ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها- لما أوتي بجنازة صبي فقالت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة فَقَالَ ﷺ -ولم يقر عَائِِِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها - أو غير ذلك ياعَائِِِشَةَ: (الله أعلم بما كانوا عاملين إن الله قد خلق الجنة وخلق لها أهلاً ولها يعملون وخلق النَّار وخلق لها أهلاً ولها يعملون) .
فيجاب عن هذا بأن النبي ﷺ لم يعترض عَلَى عَائِِِشَةَ في أنها قالت: إن أطفال الْمُسْلِمِينَ في الجنة، ولكنه اعترض عَلَى الإطلاق العام والتعيين عندما قالت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فهذا الإطلاق يفهم منه: أن كل معين يموت من أطفال الْمُسْلِمِينَ يقال: في الجنة بصيغة الجزم -وكما سبق- أن الصحيح أن أطفال الْمُسْلِمِينَ في الجنة، أي: في الجملة، كالشهداء في الجنة في الجملة، لكن لا نستطيع التعيين.
стр. 1383
ففي هذا الحديث أن عَائِِِشَةَ ﵂ لما أن جزمت بذلك وأطلقت ولم تستثنِ فالنبي ﷺ رد الأمر إِلَى القدر العام، وهو أن الله تَعَالَى خلق الجنة وخلق لها أهلاً ولها يعملون وخلق النَّار وخلق لها أهلاً ولها يعملون، فلم ينف الجنة عن ذلك، ولكنه نهى عن الإطلاق العام، وأما أطفال الْمُشْرِكِينَ فقد وقع فيهم خلاف.
أطفال المشركين في الآخرة
ومجمل القول في ذلك: أن المسألة عَلَى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن أطفال الْمُشْرِكِينَ في الجنة، واحتج لهذا بما احتجوا به في أطفال الْمُسْلِمِينَ.
أولاً: أنهم عَلَى الفطرة، (كل مولود يولد عَلَى الفطرة) .
ثانياً: أنهم لم يفعلوا ما يؤاخذون به، ولم يفعلوا ما يعذبون به، فهم إذاً عَلَى الفطرة القويمة السليمة، فاللائق بعدل الله أنهم من أصحاب الجنة.
ثالثاً: احتجوا بالرواية التي وردت في حديث إبراهيم ﵇ أنه رأى ذراري الْمُشْرِكِينَ مع ذراري المؤمنين،، ثُمَّ اختلف هَؤُلاءِ: فَقَالَ بعضهم: إن أطفال الْمُشْرِكِينَ مثل أطفال الْمُسْلِمِينَ في الجنة. وبعضهم قَالَ: إنهم في الجنة لكن ليسوا بمنزلة أطفال المؤمنين بل هم خدم في الجنة، واحتج أصحاب القول الأول القائلين بأن أطفال الْمُشْرِكِينَ في الجنة بما رواه الإمام أَحْمَد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد -أي: الموؤد- في الجنة) ، قالوا: جعل المولود مع الشهيد، ومع النبي، ومع المؤود، فهذا المولود عام ذكراً كَانَ أو أنثى من أب كافر أو مسلم فهو في الجنة.
والقول الثاني: ذهب إليه الخوارج وبعض أهل العلم، وقد استدل من ذهب من العلماء إِلَى هذا القول بأحاديث رويت عن النبي ﷺ ، لكن لا يثبت ولا يصح منها شيء.
стр. 1384
فأما الخوارج فإن كلمة الْمُشْرِكِينَ عندهم ليست الكلمة التي نستخدمها، فهم يقولون: كل من ليس من الخوارج فأطفالهم في النَّار؛ لأن الْمُسْلِمِينَ عندهم مُشْرِكُونَ، بل ذهب الحال ببعض الخوارج إلى أن قالوا: كل إنسان يبلغ سن البلوغ لا بد أن يمتحن فإن أقر بالإسلام والإيمان -كما يصفونه هم- وإلا فإنه كافر، والخوارج درجات أكثرهم غلواً الأزارقة أتباع نافع ابن الأزرق، ثُمَّ يليهم النجدات أتباع نجدة بن عامر الحنفي، ثُمَّ أخفهم الإباضية، ثُمَّ الميمونية وأشباههم وهم فرق كثيرة لا يعلمها إلا الله، كلهم ضلوا عن الحق،.
واختلفنجدة ونافع بن الأزرق في هذه المسألة، قال نجدة: نعتبر الأطفال ومن كَانَ في دار المشركين -دار الإسلام- منافقين ولا يجرم بكفرهم، ومن حجة الأزارقة ومن اتبعهم في هذه المسألة قول الله ﵎ في سورة نوح إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً [نوح:٢٧] فَقَالُوا: إن الآية صريحة في أن أولاد الكفار يولدوا عَلَى الكفر.
والجواب عن هذا الاستدلال من عدة أوجه:
أولاً: أن أطفال الكفار في الدنيا هم من الكفار كما سبق أن قررناه، ومنها أن نوحاً ﵇ قد يأس من دعوة قومه حتى أن ربه أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فلذلك دعا عليهم عندما تيقن أو غلب ذلك عَلَى ظنه.
ثانياً: أنه قال: ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا، أي: أن أولادهم سيتربون عَلَى الكفر فيصبحون كفاراً إذا كبروا.
وليس المراد أنه في حين ولادته يولد وهو فاجر كافر، إنما يولد عَلَى الفطرة كما ثبت ذلك في الأحاديث، ولكن هَؤُلاءِ القوم سيضلونهم، كما هو الحال فيمن ولد في بيئة شيوعية فإنه سيكون شيوعياً، فالتعبير عن الحال التي سيؤول إليه هذا الطفل إذا كبر في ظل هذه التربية وفي ظل هذا المجتمع.
стр. 1385
القول الثالث وهو منسوب للإمام أَحْمَد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وبعض السلف وهو: التوقف في الحكم عَلَى أطفال الْمُشْرِكِينَ، فلا نقول: إنهم من أهل الجنة، ولا من أهل النَّار، وذلك لما يلي:
أولاً: لتعارض الأدلة في ذلك وعدم وضوح وبيان شيء منها في نظرهم.
ثانياً: ما ورد وصح عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح السابق أنه قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) هذه هي المذاهب في ذلك.
القول الرابع: وهو الذي نرجحه ونختاره ونرجو أن يكون هو الصواب بإذن الله هو: ما ذهب إليه ورجحه شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ وابن القيم وابن كثير وجمع من العلماء، وهو: أن أطفال الْمُشْرِكِينَ يمتحنون يَوْمَ القِيَامَةِ، فإن آمنوا دخلوا الجنة وإن كَفَرُوا دخلوا النار.
وقد يتردد الإِنسَان في هذا الترجيح ومن أسباب هذا التردد أن حديث الامتحان لم يثبت بطريق يعتمد عليه بسند واحد صحيح، إنما هو في الحقيقة مجموع طرق يمكن أن يقَالَ: إنها حسنة، ويشد بعضها بعضاً، وحديث الامتحان رواه الإمام أَحْمَد وأبو يعلى وغيرهما بطرق مختلفة وبألفاظ مختلفة ولكنها متقاربة، أنه يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ أربعة يحاجون الله وهم رجل -في بعض الروايات- أصم، ورجل أبكم، ورجل أحمق، ورجل صاحب فترة، وفي بعض الروايات أنه مولود صغير والأحمق مكانه المجنون أو المعتوه والثالث أنه صاحب فترة والرابع أنه رجل هرم.
يأتي هَؤُلاءِ فيقول الطفل الصغير: يا رب إنني صغير ولم أسمع ما جَاءَ به النبي ﷺ .
ويقول الكبير: يا رب قد بعث النبي ﷺ وأنا لا أعقل ولم أفهم شيئاً.
ويقول المجنون أو المعتوه: يا رب بعث النبي ﷺ والأطفال يخذفونني بالحجارة لا أعقل شيئاً.
والأصم والأبكم كذلك.
стр. 1386
فلو تأملنا مجموع الطرق لوجدنا أن الأربعة مرجعهم إِلَى فقدان العقل والإحساس، وهذا يشمل المعتوه والأصم والأبكم، وأنهم ليس لديهم الحاسة التي يستطيعون بها أن يعلموا.
وصاحب الفترة يقول: يا رب ما سمعت ببني قط، وما وصلت إليَّ رسالة رَسُول قط، فهَؤُلاءِ الأربعة يمتحنهم الله في عرصات القيامة، بأن يوقد النَّار أو يخرج لهم لسان من النار، ويقول لهم: ادخلوها، فإن دخلوها كانت برداً وسلاماً عليهم، وإن عصوا وأبوا ألقوا فيها.
والاستدال عَلَى هذه القضية يأتي من وجهين:
الوجه الأول: هو هذا الذي ذكرناه من الطرق والأحاديث والروايات.
والوجه الثاني: أن الامتحان والابتلاء ليس خاصاً بهذه الحياة الدنيا، فإن الإِنسَان يمتحن في البرزخ، ويدل له حديث القبر. وفيه:
فيقال له: من ربك؟
وما دينك؟
ومن نبيك؟
وفي يَوْمِ القِيَامَةِ امتحانات، ومن ذلك أن الله يتجلى لعباده المؤمنين في صورة غير الصورة التي يعرفون ليمتحنهم بذلك في الموقف المهيب كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، لذلك فمن جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وقال: يا رب لم تبلغنِ الدعوة لم يأتنِ الرَّسُول.
وقد قال الله : رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] وقال ﷺ في الحديث الصحيح (لا أحد أحب إليه العذر من الله) فقد أعذر إِلَى النَّاس وأقام عليهم البينات، ولهذا أرسل الرسل، وأنزل الكتب، فإذا جَاءَ هَؤُلاءِ واشتكوا إِلَى ربهم وَقَالُوا: ما أتانا من رَسُول، وما جاءنا من نذير، فمن حكمة الله وعدله ورحمته التي وسعت كل شيء أنه يمتحنهم، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، فإن الذي يدخل الجنة، أو الذي يدخل النَّار، سواء كَانَ امتحن في الدنيا أو امتحن في الآخرة، فإنه لن يدخل أحد الدارين إلا بما عمل بإرادته واختياره.
стр. 1387
الجواب على الاستدلالات السابقة
وحديث (الله أعلم بما كانوا عاملين) لا يتنافى مع القول بالامتحان، ويمكن أن نجعله دليلاً عَلَى الامتحان لأن الله يعلم ما كانوا عاملين، أي: إن نجحوا وآمنوا ساعة الامتحان يَوْمَ القِيَامَةِ فالله تَعَالَى سيدخلهم الجنة.
وإن كَفَرُوا وعصوا الله تَعَالَى سيدخلهم النار، أما حديث الخليل ﵇ عَلَى رواية (أن ذراري الْمُشْرِكِينَ كانوا معه) يحتمل أنهم امتحنوا فنجحوا، أو أن هَؤُلاءِ سيكونون عَلَى الصورة التي كانوا عليها، أي: أن هَؤُلاءِ الذراري الذين امتحنوا فنجحوا سموا أطفال الْمُشْرِكِينَ، نسبةً إلى ما كانوا عليه في الدنيا، فلهذا قال: (ذراري الْمُشْرِكِينَ وأطفال الْمُشْرِكِينَ) فأطفال الْمُسْلِمِينَ دخلوا الجنة لأنهم أطفال الْمُسْلِمِينَ، وأطفال الْمُشْرِكِينَ كانوا مع الخليل في الجنة؛ لأنهم الذين نجحوا في الامتحان، أي أنهم أطاعوا الله .
إذاً: لا يمنع أن يوجد منهم من هو في النار.
هذا ما نلخص إليه في هذه المسألة وقد أطال فيها شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وذكرها الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عند تفسيره لقول الله ﵎: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:١٥] .
أما أطفال أهل البدع والمعاصى، فإذا كَانَ المراد بهم أهل البدع والمعاصي من الْمُسْلِمِينَ الذين لم يلتحقوا بالْمُشْرِكِينَ، فهَؤُلاءِ من أطفال الْمُسْلِمِينَ وحكمهم حكم أطفال الْمُسْلِمِينَ، أما البدعة التي تُخرج من الملة وأصحابها مُشْرِكُونَ، لهم الحكم السابق الذي ذكر الخلاف فيه، ولا نتبعهم بآبائهم؛ لأنهم مُشْرِكُونَ فنقول: إنهم مُشْرِكُونَ.
стр. 1388
وهناك مسألة وهي لماذا أولاد الروافض يبقون روافض؟ هل دين الرفض من الفطرة وهل دين الخوارج من الفطرة، وهكذا فالصوفي يريد أن يكون ابنه صوفياً، والخارجي يريد أن يكون ابنه خارجياً، فالرافضي يريد أن يكون ابنه رافضياً.
فإذاً لا ندعه عَلَى ذلك بل يوضح له الحق، فإذا وضح لديه الحق فقد قامت عليه الحجة، ولا نعنى بوضوح الحق أن يسمع جميع الحجج والبراهين، بل يكفي أن يفكر الإِنسَان في دينه وأن يعلم ويسمع بالمخالف، ولهذا نقول للنصارى واليهود الذين يقولون: نَحْنُ لا نسمع عن الإسلام شيئاً: يقال لهم: يكفيك أنك سمعت أن نبياً بعث هو محمد ﷺ ، وأن أمته هي الأمة التي تعبد الله، قال تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ َمَنْ بَلَغَ [الأنعام:١٩] ، وفي الحديث الصحيح (لا يَسْمَعُ بي يَهُّودِيٌّ ولا نَصرَانيٌّ ثُمَّ لا يُؤمِنُ بي إلا دَخَلَ النَّار) .
فعنده الميثاق الأول والفطرة والسماع، فالذي ينبغي في هذه الحالة هو الإيمان، وحينئذٍ ليس هنالك من عذر لا للمشركين، ولا ممن كَانَ بين أهل الإسلام وولد في ديار الإسلام ولكنه اتبع ما عليه الآباء من العادات القبلية، أو التقاليد البيئية، التي فيها شركيات أو بدع أو ضلالات أو أخلاقيات مخالفة لأحكام الله .
стр. 1389
ولهذا سماهم مسلمة الدار لا مسلمة الاختيار، مسلمة الدار، أي: مسلموا الدار، ولو ولدوا في أي دار لكانوا كما عليه أهل تلك الدار، وهذه نعمة من الله وفضل أن كثيراً من النَّاس يولد في دار الإسلام؛ لأن أكثر النَّاس لا يعقلون، ولا يفكرون، وإنما يدينون بما يرون النَّاس عليه، فمن لطف الله أن يولد ملايين من النَّاس في ديار الإسلام، فيكونون مسلمين بهذه التبعية، بغض النظر عما ينتشر من الخرافات والضلالات بين الْمُسْلِمِينَ، لكن هذا لا يعني أننا نرضى ونقر ونقول: إن إسلام الدار يكفي بل لا بد من الإسلام الطوعي -إسلام الاختيار- وهو أن يفقه الإِنسَان ما جَاءَ به مُحَمَّد ﷺ ، فيتفقه في الدين ويتعلمه ويعرف ربه حق المعرفة، ويعرف دينه، ويعرف كيف يعبد ربه، ولو إِلَى الحد الأدنى الذي لا يعفى ولا يعذر فيه أي إنسان، وعلى الإِنسَان أن ينظر من أي الفريقين هو.
كيف نقول: إن توحيد الربوبية لا يحتاج إِلَى دليل لأنه قائم ومركوز في النفس، ثم نقول: تفكروا وتبصروا؟ نقول: وجود الدليل شيء واستظهاره شيء آخر.
مثال ذلك: لا يوجد أحد إلا وهو متيقن بالموت، فالدليل قائم، ولكن من يستظهر هذا الدليل، وإلى أين سيذهب بعد الموت، وأكثر الناس في هذه المسألة كالأنعام بل هم أضل، وهذا حال عجيب كما قال الحسن ﵀: " ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت "، وكان أبو الدرداء يقول: " حال النَّاس أنهم: يبنون ما لا يسكنون، ويجمعون ما لا يأكلون، ويؤملون مالا يدركون " فما بالكم بالاستدلال عَلَى معرفة ربهم ، فلو قلت لأي إنسان: اعرف ربك سيقول لك: تعلمني ربي أنا أعرف ربي، فأكثر النَّاس يعرف أن هناك رباً فقط، لكن هذا الرب ما شأنه؟ وما شأنك معه؟ وما معاملتك له؟ وما مدى إيمانك بربك ؟ هل هو إيمان حقيقي وليس مجرد تقليد.
стр. 1390
ولو كان كذلك إذاً: انظر إِلَى ما شئت -كما ذكر المُصنِّفُ ﵀ انظر إِلَى أقرب ما ينظر إليه المرء في نفسه فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق:٥-٦] وعلماء الإسلام -رحمهم الله تَعَالَى- مثّل بعضهم بالنطفة، وبعضهم مثل البيضة وَقَالُوا: انظر إِلَى هذه البيضة، كيف تكون ماء في داخل هذا العظم، وغشاء وبياضاً وصفاراً، وكيف يخرج منها طائر له هذا المنقار، وأظافر، ويخرج وعليه ذلك الريش أنعم من القطن ... إلخ.
والمصنف يقول هنا: لو كانت النطفة موضوعة عَلَى لوح أو طبق، واجتمع حكماء العالم عَلَى أن يصوروا منها شيئاً لم يقدروا، فكان العلماء في السابق يظنون أن الإِنسَان يخلق من هذه النطفة جميعاً، فَيَقُولُ: من يستطيع أن يصور من هذه النطفة الإِنسَان.
стр. 1391
هذا الذي حير العقول بالماضي، ونحن الآن يجب أن نحتار أضعاف تلك الحيرة، لماذا؟ لأننا الآن عرفنا شيئاً كَانَ الأولون لا يعرفونه، عرفنا أن هذه النطفة ملايين من الحيوانات كما يقول علماء الأحياء، وكل واحد من هذه الملايين لو أراد الله ودخل حيث أعد الله هذه البيضة في الرحم فإنه سيكون بشراً سويا، وبعد ذلك قالوا: وهذا الصغير الذي لا يرى إلا بالمكبرات والذي يكون منه هذا الإِنسَان المتكبر عَلَى الله الذي إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم، والذي يسمع نداء الله حي عَلَى الصلاة حي عَلَى الفلاح ويعرض ولا يبالي، هذا الذي هذا أصله، ولا نقف عند هذا الحد بل أن الجينات حاملات الوراثة التي لم تكتشف إلا في هذا القرن فيها مختزل شكل الإِنسَان، وحياته، وتفكيره، ورغباته، وميوله بحيث لو أن الأب عندما يبلغ الثلاثين من عمره أو الأربعين وجدت له حبة صغيرة سوداء في أي مكان من جسده، فكذلك تكون هذه الحبة في ولده إذا بلغ الثلاثين، وهذه الحبة مختزلة في تلك النطفة، ولو فتشت جسده الآن لا تجد شيئاً، لكن بعد سنوات سيكون هذا، وهو مختزل في هذه النطفة التي لا ترى بالمجاهر الكبيرة، فهذا شيء عجيب لو تأمله الإِنسَان، ولهذا قال الله ﵎: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:٥٣] وليرجع إِلَى كتاب صغير ومؤلفه كافر لكن فيه العجائب مما يدل عَلَى أن توحيد الربوبية أمر مركوز في الفطرة كما قَالَ المُصنِّفُ ﵀ وهو كتاب العلم يدعو إِلَى الإيمان، لرجل يدعىكريس مرسون وهو رئيس الأكاديمية العالمية في نيويورك وعنوان الكتاب الأصلى الإِنسَان لا يقوم وحده أي لا بد للإنسان من خالق فالإِنسَان لا يقوم وحده، رد فيه عَلَى أحد الملاحدة الذي كتب كتاباً يقول فيه الإِنسَان يقوم وحده، وانظر إِلَى أي كتاب في الفلك أو
стр. 1392
الأحياء؛ فإنه سيدلك عَلَى توحيد الربوبية، والاستدلال عَلَى توحيد الربوبية وما يلزمه من الأولوهية، إنما يسره الله لكل ذي لب وذي عقل.
اهتمام كتب العقيدة بالقدر
لقد اهتمت كتب العقيدة التي تسمى كتب السنة بمسألة القدر، فنجد أن من أطولها استدلالاً أبواب القدر، كما في السنة لابن أبى عاصم والشريعة للآجرى والإبانة لابن بطة وأمثالها من الكتب التي ألفت في شرح أصول اعتقاد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
أول شرك وقع في هذه الأمة في القدر
باب القدر باب عظيم من أبواب الإيمان؛ وأول شرك وقع في هذه الأمة وقع فيه، والإيمان بالقدر لا تحفى أهميته فهو أحد أركان الإيمان الستة التي جاءت في الحديث العظيم المشهور حديث جبريل ﵇ لما جَاءَ إِلَى النبي ﷺ في آخر عمره بعد أن اكتملت الشريعة، وأبان الله ﵎ الدين وأظهره، كما روى ذلك عُمَر رضى الله تَعَالَى عنه (بينما نَحْنُ جلوس عند رَسُول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد) .
فأفضل خلق الله تَعَالَى من الملائكة جَاءَ ليبين لهذه الأمة دينها، كما قال النبي ﷺ عند انصرافه: (يا عُمَر أتدري من السائل قَالَ: قلت: الله ورسوله أعلم، قال هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) فسأله عن أركان الإسلام عَلَى أرجح الروايات، ثُمَّ سأله بعد ذلك عن أركان الإيمان فقَالَ: (أخبرني عن الإيمان فَقَالَ ﷺ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت) .
стр. 1393
فجعل الإيمان بالقدر ركنا من أركان الإيمان، وبهذا لا يمكن أن يؤمن أحد عَلَى الحقيقة إلا إذا آمن بالقدر، والإيمان بالقدر نعمة من نعم الله فوق أنه ركن من أركان الإيمان وعبادة لله ﵎، ومع ذلك يغفل عنه أكثر النَّاس ولا يأبهون به، بل أكثر خلق الله اليوم وفي كل زمان معترضون عَلَى أقدار الله ﵎، فكما أنهم يعترضون عَلَى أوامر الله الشرعية الدينية ويعصون الله بمخالفة أمره ونهيه، كذلك يعترضون عَلَى أقداره وعلى ما يبتلون به من المصائب والنكبات التي لا يرضون بها مما يقع في هذا الكون.
غلط الأمم الماضية في القدر
الإيمان بالقدر معلومٌ لدى الفطر، فأكثر النَّاس في العالم من قديم الزمان وحديثه لا ينكرونه، ولا ينكر القدر إلا الشواذ، وإنما وقع غلط الأمم الماضية في فهمه عندما أثبتوه عَلَى غير الوجه الشرعي، كما ذكر الله ﵎ احتجاج الْمُشْرِكِينَ عَلَى النبي ﷺ في القدر سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا [النحل:٣٥] وكذلك لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف:٢٠] وغير ذلك مما اعترض به المُشْرِكُونَ واحتجوا به عَلَى النبي ﷺ فهم يثبتون المشيئة لله، وأجابهم الله تَعَالَى في الموضعين في سورتي الأنعام والنحل فَقَالَ في النحل: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:١٤٨] وقَالَ: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النحل:٣٣] .
стр. 1394
فالأمم السابقة كانت تعرف القدر وتؤمن به وتثبته، ولكن لا تؤمن به عَلَى الحقيقة، وإنما تؤمن به في معرض الاحتجاج به لمضادة شرع الله، فتحتج بمشيئة الله عَلَى رضاه ومحبته وإرادته الدينية.
إقرار أهل الجاهلية بعلم الله
المرتبة الأولى من مراتب القدر: العلم. لم يكن العرب في الجاهلية ولا أي إنسان يشك أن الله يعلم كل شيء أبداً؛ بل ورد ذلك في أشعارهم، فهذا عنترة الفارس الجاهلي الشاعر المشهور يقول في أول قصيدة له:
يا عبل أين من المنية مهرب إن كَانَ ربي في السماء قضاها
فهو مقر بالقدر رغم جاهليته، لكن هذا الإقرار عَلَى تخبط.
وكذلك زهير يقول وهو في الجاهلية في إثبات المرتبة الأولى من مراتب القدر أي: العلم:
فلا تكتُمن الله ما في نفوسكم ليخفي ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم حسابٍ أو يعجل فينقم
كان يثبت أن الله لا يخفى عليه شيء إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ [الأنبياء:١١٠] فمضمون الآية ذكره زهير في شعره، وهو أن الله عليم بكل شيء، وكان هذا معلوما لدى العرب الْمُشْرِكِينَ قاطبة، لكن زهيراً هو القائل:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرمِ
فهذه نظرة زهير وهو حكيم العرب الذي يمتاز شعره بالحكم، ففي هذا البيت يذكر أن الموت والأقدار التي تنزل بالنَّاس فيموتون خبط عشواء، والعشواء هي الناقة ضعيفة البصر، تتخبط في المشي يميناً وشمالاً؛ لأنها لا ترى، لكن الأمر ليس كذلك فالله تَعَالَى يقول: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَاب [فاطر:١١] ليس في هذا الكون خبط عشواء أبداً، بل هذا العلم أثبته زهير وكان العرب يثبتونه في الجاهلية.
стр. 1395
يقتضي أنه لا يوجد أدنى شيء في الوجود إلا وهو بحكمة والله هو الذي دبره وقدره كما قال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:٥٩] .
فالشيء الرطب أدنى نقطة من الرطوبة من الماء يقول علماء الأحياء: "لو وضعتها تحت المجهر لوجدت فيها الملايين من الأحياء، تعيش وتموت وفق أعمار قدرها الله ﵎" فقدر أن هذا المكروب قد يعيش دقيقة أو نصف دقيقة، فبعضها لا يعيش إلا ثلاثين ثانية، وربما أقل من ذلك، لكن هذا العمر مكتوب ومحسوب ومقدر عند الله ، ما تنزل قطرة من السماء إلا والله يعلمها.
فهو يعلم منذ أن أخرجها من البحر، وساقها بهذا السحاب، ثم أين تنزل، يصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، كل هذا بقدره، ثُمَّ هذه النقطة تقع حيث شاء الله تَعَالَى، فكل شيء عند الله معلوم؛ بل أعجب من ذلك: أن الله ﵎ قد كتبه وقدره قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فعلْمهُ وكتْبهُ وخلْقهُ كل ذلك منه .
إذاً: لا يوجد عَلَى الإطلاق في هذا الكون ولا أدنى ذرة إلا وهي بقدر من الله تعالى، فالعرب في الجاهلية لم تكن تنكر القدر ولكنها تخطئ في فهم حقيقة القدر.
من آثار الإيمان بالقدر
стр. 1396
لما بعث الله ﵎ نبينا محمداً ﷺ بهذا الدين العظيم وبين ﷺ لنا ديننا؛ كَانَ من أعظم ما بينه الله في كتابه وما بينه رسوله مسألة القدر، فآمن بها صحابته الكرام والسلف الصالح، وكان لهذا الإيمان الأثر العظيم في طاعتهم لربهم وفي جهادهم في سبيل الله ، وفي تمسكهم بكتاب الله، وصبرهم عَلَى الشدائد والمحن.
فكان أحدهم يؤمن بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، كما أمرهم الله أن يقولوا للمنافقين الذين يشمتون بهم إذا أصيبوا قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا [التوبة:٥١] فكان هذا شأنهم لما آمنوا بهذه الحقيقة لا يعصون الله من أجل شيء من الدنيا؛ لأنهم يؤمنون أن ما كتب الله للعبد من رزق فإنه آتيه، وما لم يكتبه الله فلا يأتيه أبداً، كما قال النبي ﷺ : (إن روح القدس نفث في روعي -أي: ألقى في نفسي- أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقو الله وأجملوا في الطلب) .
فالإِنسَان يحتاج وقد يطلب ولكن يطلب طلباً جميلاً، أما الإلحاف فليس هذا من شأن المؤمنين، وليس هذا من أدب المتقين في السؤال، فقد كَانَ الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من أعظم النَّاس فهماً لحقيقة القدر، وأدركوا وعرفوا أن الإيمان بالقدر والتوكل عَلَى الله يدفع المؤمن إِلَى العمل الصالح، وإلى الاجتهاد في طاعة الله، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولم تكن تأخذهم في لله لومة لائم ولا يهابون في الله أحداً كائناً من كَانَ؛ فألقى الله ﵎ الرعب في قلوب أعدائهم لما امتلأت قلوبهم بمهابة الله وخوفه والتوكل عليه.
стр. 1397
ثُمَّ أنه حدث في هذه الأمة ما حدث في غيرها، كما أخبر بذلك النبي ﷺ : ﴿لتتبعن أو لتركبن سنن من كَانَ قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه﴾ وفي رواية: ﴿حتى لو أن أحدهم أتى امرأته عَلَى قارعة الطريق لفعلتموه﴾ .
نعم هذه مصيبة ابتليت بها هذه الأمة كما ابتلي غيرها من الأمم من قبلها، وقد ظهر الجدال في القدر في الأمم التي قبلنا عند النَّصَارَىواليهود واليونان والهنود فكانوا بين جبرية وبين قدرية منكرين، وكان الغالب عَلَى النَّاس -كما هو الحال اليوم- الجبر والاعتراض والاحتجاج بالقدر عَلَى الشرع.
أما النفي المطلق فلا ينفي القدر نفياً مطلقاً إلا الشواذ في جميع العصور؛ لكن وقع الخلاف فيمن كَانَ قبلنا وكذلك في هذه الأمة، وهذا أراده الله وقدره، ولم يقع الخلاف في القدر في عصر الخلفاء الراشدين، وإنما وقع بعد ذلك، والذين أدركوا القدرية هم صغار الصحابة الذين كانوا في عهد النبي ﷺ أحداثاً مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأمثالهما.
فلما ظهرمعبد الجهني في البصرة، وأنكر القدر جَاءَ التابعون إِلَى أصحاب رَسُول ﷺ يسألونهم، فسألوا ابن عمر وسألوا ابن عباس، وظهرت مقالة القدر في موضعين: البصرة ودمشق، وظهر في البصرة أمر آخر هو الغلو في التعبد "التصوف". فالصوفية الأوائل ظهروا في البصرة.
وأبعد البيئات عن البدع هي بيئة مكة والمدينة لوجود أصحاب النبي ﷺ فيهما بكثرة، ولأنها بعيدة عن فلسفات الهند واليونان، وبعيدة عن ضلالات اليهود والنَّصَارَى فهي بيئة نقية صافية.
стр. 1398
من أهم أسباب ظهور البدع في البصرة أنها منفذ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الهند، فالغلو في التعبد أُخذ من الطريقة البوذية وإنكار القدر كَانَ موجوداً في الهند والفرس المجوس ولا تزال كتب المجوس، وآثارهم وأفكارهم موجودة لدى تلك الأمم، فاستتروا بها سراً، وبثوها في ضعاف الإيمان هنالك.
بدعة التجهم
ظهر معبد الجهني، وغيلان الدمشقي في دمشق ويقال: إن أستاذ غيلان هو رجل من النَّصَارَىيقال له: يوحنا الدمشقي، وهو الذي ألقى إِلَى غيلان هذه المقالة.
ولم يكن معبد وغيلان عَلَى حال واحد فـ"معبد " كَانَ عالماً محدثاً، ولم يكن من سقط النَّاس، فوقع فيما وقع فيه المغضوب عليهم، وأما غيلان فقد وقع في طريق الضالين الذين يتكلمون عن جهل، فلم يكن غيلان من أهل العلم ولا من أهل الفضل والشأن، وإنما تلقف هذه المقالة وأخذ ينشرها فاشتهر بين النَّاس بهذه المقالة.
والقدرية لم ينكروا القدر متعمدين أن ينكروا علم الله أو أن ينكروا أن الله كتب مقادير كل شيء، إنما كانت الشبهة في أفعال العباد من المعاصي، وهذا هو السبب والباعث لهم في إنكار القدر، هل المعاصي من زنا وشرب خمر شاءها الله سبحانه أم لم يشأها؟ كيف يشاء شيئاً ويقدره، ولكنه يكرهه ولا يرضاه، وكيف ننسب هذا إِلَى الله؟!
مراتب القدر الأربع
مراتب القدر أربع:
أولاً: العلم: وهو أن نؤمن بأن الله عليم بكل شيء ما كَانَ وما سيكون أزلاً وأبداً.
стр. 1399
وثانياً: الكتابة وهي: أن نؤمن بأن الله كتب كل شيء وفق ما علم ، فلم يبدأ الجدال في إنكار علم الله ولا في إنكار الكتابة؛ لكن وقع الخلاف والجدال في المرتبتين الأخيرتين اللتين يمكن أن نجعلهما مرتبة واحدة، وهي المشيئة والخلق، ثُمَّ تطور الأمر بعد ذلك إِلَى أن وجد من ينكر المرتبة الأولى ثُمَّ الثانية، وهذا الإنكار وجد عند الجاهلية، فقد ثبت في صحيح مسلم أن الْمُشْرِكِينَ جاءوا يجادلون النبي ﷺ في القدر فأنزل الله إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر:٤٩،٥٠] .
ولما أراد علماء السلف -رضوان الله عليهم- أن يرسموا لنا الطريق الصحيح لمناظرة هَؤُلاءِ ولإفحامهم، أمرونا أن نناظرهم بالعلم، لنردهم إِلَى الأمر الأول الذي لا خلاف فيه بين جميع العقلاء، وهو أن الله بكل شيء عليم، وهذا هو موضوع المرتبة الأولى الذي بدأ به المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هنا، وقال الإمام الشَّافِعِيّ والإمام أَحْمَد وغيرهما: ''ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا وأقيمت الحجة عليهم''.
стр. 1400
أي أن الله تَعَالَى يعلم ما كَانَ وما سيكون؛ لأن الإِنسَان إذا أقر بأن الله بكل شيء عليم وأقر بأفعال العباد خيرها وشرها، فيقال: آمن بأن الله كتبها، فما الفرق بين العلم والكتابة؟ لهذا يمكن أن نجعلهما مرتبة واحدة، فإذا قال: أنا لا أؤمن بالمشيئة، فنقول: أمرٌ علمه وكتبه ما المانع أن يشاءه ، إذاً: علمه وكتبه وشاءه، فَيَقُولُ: نعم شاءه فنقول: أمرٌ علمه وكتبه وشاءه خلقه وأوجده، فلم يبق معه حجة فغلب وأفحم؛ لكن إذا قال: الأمر مستأنف، فكل ما وقع في الكون هو جديد لم يكن الله يعلمه والعياذ بالله، فنقول: كفرت؛ لأن من أنكر علم الله كفر، فلا نكون كفرناهم بالأمر الذي فيه شبهة أو إشكال، لأن الأمور المشتبهة لا يكفر بها، بل يكفر بالأمور الواضحة الجلية.
بدعة الاعتزال
ظهرت بعد بدعة معبد وغيلان بدعة الاعتزال، ورؤوس المعتزلة الذين نشروا هذه المقالةواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وأسسا مذهب المعتزلة القدرية وسموا قدرية لأنهم ينكرون القدر لا لأنهم يثبتونه، وقد يطلق عَلَى الجبرية قدرية لكن اصطلاح القدرية غلب عليهم، ولما ظهرت المعتزلة كان فيهم الغلاة الذين ينكرون علم الله، وحكم هَؤُلاءِ أنهم كفار لا حظ لهم في الإسلام، وكان منهم من ينكر فقط أن الله خالق أفعال العباد من الشر والمعاصي.
القدرية مجوس هذه الأمة
تقول القدرية: لو أن عبداً من العباد صلى وصام وزكّى وحج وفعل غيرها من أفعال الخير، فهذه الأفعال من خلق الله ، وإذا زنا وسرق وشرب الخمر، فهذه من فعله خلقها العبد، حتى لا ننسب الشر إِلَى الله، وحتى لا نقول: إن الله شاء شيئاً وقدره ثُمَّ يعذِّبه هكذا زعموا فوجد فيهم هَؤُلاءِ، ووجد فيهم هَؤُلاءِ ولهذا سمى هَؤُلاءِ مجوس هذه الأمة.
стр. 1401
فقد ورد ذلك في أحاديث لا يصح رفع شيء منها كما بين ذلك الحافظ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغيره، أما ما في كلام السلف فقد ورد ذلك أنهم سموا القدرية مجوس هذه الأمة، وسموا بذلك لأن المجوس يقولون: إن الشر إله وهو الظلام، والخير إله وهو النور، فجعلوا خالقين، وهَؤُلاءِ القدرية جعلوا لأفعال العبد خالقين، فالطاعات والقربات خالقها الله، والشر والمعاصي خالقها الإِنسَان.
إذاً: هَؤُلاءِ هم مجوس هذه الأمة؛ لأنهم شابهوا المجوس في ذلك، حيث أثبتوا خالقين، والله هو الخالق لكل شيء وحده، وقد أجمعأهل السنة عَلَى أن الله هو خالق أفعال العباد خيرها وشرها كما سيأتي بيانه إن شاء الله فيما بعد.
وانتقلت هذه المسألة إلى قضية الجبر إلى معنى أبعد وأعمق وأعظم بكثير، فأتوا بقول المعتزلة القدرية الذين ينكرون القدر وهَؤُلاءِ أثبتوا الجبر، وغلوا فيه، حتى سلبوا العبد إرادته وقدرته ومشيئة الإرادية التي جعلها الله فيه، فقالت الجبرية: إن الإِنسَان مثل الريشة في مهب الريح، وإن الحركات لا إرادية سواء فعل الخير أو فعل الشر فهي مثل حركات المرتعش؛ لأنها ليست إرادية ولا اختيارية.
ورأس هَؤُلاءِ الجبرية وزعيمهم الجهم بن صفوان الذي اشتهر إلحاده وعم شره في العالم الإسلامي ابتدع هذه المقالة التي أخذها من كلام الفلاسفة الصابئين فأثبت أن كل ما يجري في هذا الكون من أفعال أن الله تَعَالَى هو الفاعل لها، وليس لغير الله مشيئة ولا إرادة، فقابل الغلو بالغلو، وأخذ الفريقان يتصارعان.
стр. 1402
فأصبحت الفرقتان متميزتين فرقة تغلو في نفى القدر وهم المعتزلة الغلاة والفلاسفة حتى أنكروا العلم الذي لا ينكره إلا كافر، وَقَالُوا: إن الله تَعَالَى لا يعلم إلا الكليات -تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيرا- ولا يعلم الجزئيات، وقد أجمع الْمُسْلِمُونَ بجميع طوائفهم عَلَى تكفير الفلاسفة سواءً كَانَ الكندي أو الفاربي أو ابن سينا أو أمثالهم.
وقد أثبت الله تَعَالَى علمه بالجزئيات فأثبت علمه بالحبة والورقة التي تسقط قال تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:١٩] .
بدعة الصوفية وعلاقتها بالقدر
جاءت الصوفية في القرن الثالث الهجري فَقَالُوا: إن الإِنسَان إذا وصل إِلَى مرحلة التوحيد الحقيقي بأن لا يرى في هذا الكون شيئاً سوى الله، أو يقول: لا موجود إلا الله، فلا يرى إلا الله، وأن حركات النَّاس وسكناتهم كلها من فعل الله؛ فلا تقل هذه طاعة ولا تقل هذه معصية ولا هذا كفر، فكله من الله، وهذا غاية التوحيد عندهم نسأل الله العفو والعافية فقد قال قائلهم:
أصبحت منفعلاً لما تختاره مني ففعلي كله طاعات
стр. 1403
وأنا لا أختار شيئاً إن شاء الله فعلت المعصية، وإن شاء فعلت الطاعة، فهذه حقيقة التوحيد التي يزعمون، يقولون: ما دمت أيها العبد تؤمن بوجود ذاتيين منفصلتين عبد ومعبود، خالق ومخلوق؛ فأنت لم تصل بعد إِلَى قمة التوحيد والعياذ بالله ويجعلون توحيد الأَنْبِيَاء من توحيد العامة، وتوحيدهم: توحيد الخاصة، أو خاصة الخاصة، الذين إن ذكروا فبالضمير هو هو هو، لا يقولون: الله، لأن عندهم "لا إله إلا الله" للعامة و"الله" للخاصة، و"هو" لخاصة الخاصة، هذا ذكرهم وعبادتهم وعقيدتهم في الأفعال من طاعات أو معاصي أو فجور كلها من الله يسأل سائلهم يوسف الجنيد يقول: ما الخيرة؟ قال ترك الخيرة. قَالَ: فما الإرادة؟ ألا تريد. قَالَ: فما الحيلة؟ قَالَ: ترك الحيلة. هل هذا معقول؟ الخيرة: أن لا تختار، والإرادة: أن لا تريد، والحيلة: ألا تحتال؛ فهذا تناقض؛ فإما أن تريد الخير وإما أن تريد الشر، لكنهم قالوا:
العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبدٌ فذاك رب أو قلت رب أنّى يكلف
تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا، هذا هو الكفر الصريح بعينه وهو تطور لمسألة القدر، ووصل بهم إِلَى أن قالوا: إن الله هو الذي يفعل كل شيء .
وانتشر التصوف في العالم الإسلامي شرقاً وغرباً وانتشرت معه هذه العقائد الضالة في باب القدر، وأمسى الاعتزال وقد خفت شأنه؛ لأن الاعتزال انحصر في الطبقة المثقفة الذين يطلعون عَلَى كلام اليونان وكلام الهنود فليس كل أحد من النَّاس يفعل ذلك، وقد تحول الاعتزال إِلَى عقيدة شعبية عن طريق الرفض، فالروافض اعتنقوا مذهب المعتزلة في القرن الرابع، بعد أن كانوا في الأصل جبرية، وبعد أن كانوا مشبهه وممثلة.
стр. 1404
فأصبحت هناك فئة من الْمُسْلِمِينَ -الروافض وهم فئة محدودة- عَلَى مذهب المعتزلة، وأغلب الْمُسْلِمِينَ الذين انتشر فيهم التصوف اعتنقوا مذهباً آخر في العقيدة وفي الكلام وفي القدر والإيمان وهو منهج الأشعرية والماتريدية.
الكسب عند الأشاعرة
والأشعرية: أثبتوا شيئاً جديداً في مسألة القدر، وهو الكسب، والكسب في الحقيقة ليس من ابتداع أبي الحسن الأشعري وإنما نقله عن المعتزلة وعندما رجع عن الاعتزال إِلَى الكلابية وهي المرحلة الثانية من مراحله قبل أن يرجع إِلَى مذهب السلف، أخذ بهذه النظرية وهي الكسب، فقال: الله فاعل، والعبد: نافذ، فجاء بنظرية يرى أنها وسط بين الجبرية والقدرية.
وهي في الحقيقة وسط بين قول الجبرية وبين مذهب أهل السنة، وتمثل الأشعرية على ذلك بالمصباح الكهربائي: إذا أراد الأب أن يمتحن ابنه فَقَالَ له: لا تنفخ هذا المصباح فإذا نفخته وانطفأ عاقبتك، والمصباح الكهربائي لا ينطفئ بالنفخ، وإنما ينطفئ بالزر، والأب عنده الزر، فإذا نفخ الابن المصباح أطفأ الأب المصباح، ثُمَّ يضرب الابن فَيَقُولُ: أضربك لأنك خالفت أمري فأطفأت المصباح.
стр. 1405
ويضرب البغدادي صاحب الفرق بين الفرق مثالاً آخر فَيَقُولُ: في كتاب أصول الدين لو أن رجلين حملا حجراً واحداً وأحد الرجلين كبير والآخر صغير، فلو حمل الكبير الحجر وحده لاستطاع، لكن جَاءَ الصغير وحمل الحجر معه، فجاء المعاقب الذي يعاقب عَلَى حمل الحجر، فعاقب الصغير وضربه، فإنه لا يكون ظالماً، لأنه حمل مع الكبير، وإن كَانَ الكبير هو الذي يستقل بحملها وحده، يقول: هذا مثال عَلَى أن الله هو الفاعل الحقيقي، ولكن العبد يشارك فقط، وإلا لو ترك العبد الفعل لوقع الفعل من غيره، لكن يعاقب عَلَى هذه المشاركة وإن كانت مشاركة غير مؤثرة -تَعَالَى الله عما يصفون- فكل هذا مخالف للإيمان بالله، وللإيمان بقدره عَلَى حقيقته، فمثلاً لو قيل لهم: ماذا تقولون في رجل زنى أتنسبون هذا الفعل إِلَى الله، وهذا لازم كلامكم أنه لا فاعل إلا الله؟ وفي عقيدة الأشعرية المسماة جوهرة التوحيد منظمومة شعر يحفظونها ويدرسونها في أكثر أنحاء العالم الإسلامي مع الأسف يقال فيها:
والفعل في التأثير ليس إلا للواحد القهار جلا وعلا
فلا تثبت الفعل إلا لله جلا وعلا، فلا يؤثر إلا الله: ولا يفعل إلا الله: فيقال لهم: لو أن أحداً زنى من الفاعل في هذه الحالة؟ فإن قالوا: "الله" فهذا هو الكفر، وإن قالوا: فعل العبد فالعبد هو الفاعل، والله هو الخالق.
следующие страницы →