Полный текст (1 990 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
روى عن الناصر داود أشياء تدل عَلَى سوء عقيدته لأن من جالس أناساً تأثر بهم فتأثر بمنطقهم وفلسفتهم وعلومهم الباطلة، ففسدت عقيدة هذا الملك.
أماالخونجي فهومُحَمَّد بن ناماور بن عبد الملك الخونجي أبو عبد الله فضل الدين توفي (٦٤٦) أو (٦٤٩) كَانَ من أعلم أهل زمانه بالفلسفة أو ما يسمى بالحكمة؛ وكان قد ولي قضاء مصر وكان ينشر هنالك فلسفته وعلم الأوائل -أي: علم اليونان - وأشهر كتاب كتبه الخونجي كشف الأسرار عن غوامض الأفكار كتبه في الفلسفة ويظن أنه كشف الأستار عن الأفكار الغامضة ووضحها وجلاها للناس، وعند الموت قَالَ: "ما عرفت مما حصلته شيئاً سوى أن الممكن يفتقر إِلَى المرجح" ثُمَّ استدرك عَلَى نفسه فقَالَ: "الافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئاً " نعوذ بالله من علم لا ينفع.
والخسرو شاهي وابن أبي الحديد والخونجي كلهم متعاصرون في زمن واحد.
والخسرو شاهي كان من أجل تلامذة الفخر الرازي، والرازي له كتاب الآيات البينات وشمس الدين الخسرو شاهي له تلخيص الآيات البينات وهو أشعري شافعي.
وابن أبي الحديد شيعي رافضي ومع ذلك فإن له كتاب اسمه شرح الآيات البينات، فتستنتج أنه يشترك في الاقتباس من علوم الفخر الرازي فقد جمع الرازي في كتبه بين مذاهب الرافضة والأشعرية والفلسفة والجامع المشترك لهذه المذاهب الفلسفة.
ومما يذكر أن رجلاً يهودياً يسمى يوسف بن ميمون كان من كبار الفلاسفة في الأندلس، ألف كتاباً في صفات الله ينفى صفات الله ويقرر الإيمان بالله عَلَى طريقة الفلاسفة، واسم كتابه المقدمات الخمس والعشرون ذكر خمساً وعشرين مقدمة في ذلك الشأن.
стр. 877
واهتم تلاميذ الرازي والذين كَانَ منهمشمس الدين بهذا الكتاب، وأخذوا يشرحونه ويستدلون به، حتى جَاءَ الكوثري الذي كَانَ من آخر كبار علماء الضلال والمحرفين والمؤولين فاهتم أيضاً بنشر هذا الكتاب وهو مؤلف مستشرق يهودي كَانَ يعيش في مصر قبل قيام دولة إسرائيل اسمه اسرائيل وليفنستن، فاشتغل الكوثري بهذا الكتاب وقدم له وأثنى عليه، وهكذا تجد ميل أهل البدع من الأشعرية والرافضة إِلَى الفلسفة والفلاسفة ويجمعهم عَلَى ذلك التعلق بعلوم اليونان وإنكار صفات الله وعداوة مذهب السلف الصالح.
قَالَ المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
[ومن يصل إِلَى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق كما قال أبو يوسف ﵀: "من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب" وقال الشَّافِعِيّ ﵀: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويُقَالَ: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل عَلَى الكلام" وقَالَ: لقد اطلعت من أهل الكلام عَلَى شيء ما ظننت مسلماً يقوله، ولأن يُبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه - ما خلا الشرك بالله - خير له من أن يُبتلى بالكلام". انتهى.
стр. 878
وتجد أحد هَؤُلاءِ عند الموت يرجع إِلَى مذهب العجائز فيقر بما أقروا به ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك التي كَانَ يقطع بها، ثُمَّ تبين له فسادها أولم يتبين له صحتها، فيكونون في نهاياتهم - إذا سلموا من العذاب- بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب؛ والدواء النافع لمثل هذا المرض ما كَانَ طبيب القلوب صلوات الله وسلامه عليه يقوله: إذا قام من الليل يفتتح الصلاة (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إِلَى صراط مستقيم) خرَّجه مسلم]
توسل ﷺ إِلَى ربه بربوبية جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه إذ حياة القلب بالهداية، وقد وكلَّ الله -سبحانه- هَؤُلاءِ الثلاثة بالحياة: فجبريل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إِلَى أجسادها، فالتوسل إِلَى الله -سبحانه- بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول المطلوب، والله المستعان] اهـ.
الشرح:
يذكر المُصنِّفُ ﵀ أن من يصل إِلَى مثل هذه الحال إن لم يدركه الله برحمته وإلا تزندق، ومات عَلَى الزندقة، وبعض الزنادقة ما مرقوا من الدين وخرجوا منه إلا لما اشتغلوا أول أمرهم بعلم الكلام، ولذلك يقول الإمام أبو يوسف ﵀ وهو صاحب الإمام أبي حنيفة: "من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب".
стр. 879
وهذا الكلام المنقول عن أبى يوسف قد نقله المُصنِّفُ في أول الكتاب وأيضاً نقله في موضع آخر، فهو يستشهد به أكثر من مرة ﵀ لأنه من الكلام النفيس الذي يقوله هَؤُلاءِ العلماء، الشاهد أن علماء السلف كأبي يوسف والشَّافِعِيّ يقولون مثل هذا الكلام الذي يحمل الدرر، والذي إذا قرأه الإِنسَان أخذ منه العبرة والعظة.
وقد ذكرهما الحافظ ابن عساكر بسنده إِلَى كل منهما في كتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب للإمام الأشعري صفحة (٣٣٣) و (٣٣٥) إلا أن الكلام الذي نُقل عن أبي يوسف نقل أيضاً عن الشعبي، ولكن الراجح أنه لأبي يوسف، وليس للشعبي لأن وفاة الشعبي متقدمة ولم يكن في عصره قد اشتهر علم الكلام، فالصحيح أنه لأبي يوسف.
ومعنى قوله: من طلب الدين بالكلام تزندق وذلك لأن علم الكلام يفضي إلي الشك والحيرة وهي الزندقة أو بابها ومن طلب المال بالكيمياء أفلس وكانوا يظنون أنه عن طريق الكيمياء يمكن تحويل المعادن الخسيسة إِلَى معادن نفيسة، وهذا عجزت عنه الكيمياء الحديثة، لأن الذهب لا يمكن أن يستخرج من الرصاص وإلا فالكيمياء الحديثة أقدر عَلَى ذلك ولو أمكن ذلك لما كَانَ هناك أزمة ذهب أو أزمة عملة صعبة كما يسمونها، لكن الذهب هو الذهب فطلبوا استخراج الذهب من غيره وفي هذا جهد ومشقة وضياع وقت وعمر.
والثالثة: من طلب غريب الحديث كذب، أي: أن الإِنسَان إذا أراد أن يجمع الحديث، واستكثر من غرائب الحديث اضطر إِلَى أن يكذب؛ لأن غريب الأسانيد أو غريب الألفاظ أو كلاهما أصبح مطلوباً، وهو ظاهر في المتأخرين أكثر منهم في المتقدمين، وهذه الثلاثة التي ذكرها أبو يوسف نتيجتها واحدة وهي الخسارة.
نقل ابن عساكر لكلام الشافعي
стр. 880
الرد عَلَى أهل الشبه في القديم والحديث في أي زمان ومكان إنما يكون بالكتاب والسنة أو بما دل عليه الكتاب والسنة ثُمَّ يقول: الشَّافِعِيّ ﵀: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل عَلَى الكلام.
فإن هذا من روائع كلام السلف نقله ابن عساكر في نفس الموضع تقريباً صفحة (٣٣٥) كأن قائلاً أو سائلاً قال للإمام الشَّافِعِيّ ﵀: ما رأيك في أهل الكلام، وبم تحكم عليهم؟ فذكر أن حكمه فيهم هو أنهم يزجرون ويردعون ويعزرون ويمنعون من الخوض في هذه العلوم، وهذه العقوبة إنما يستحقونها بناء عَلَى إعراضهم عن الكتاب والسنة واشتغالهم بعلم الكلام الذي يزعمون أنه لولا اشتغالهم به لما استطاعوا أن يدافعوا عن العقيدة ويذودون حياضها وذلك لما كثرت الشبهات، وكثرت الفتن أما السلف الصالح فلم يكونوا يشتغلون بذلك لقلة الشبهة في أيامهم!.
الرد على شبهة أهل الكلام
الرد عَلَى أهل الشبه في القديم والحديث في أي زمان ومكان إنما يكون بالكتاب والسنة أو بما دل عليه الكتاب والسنة ثُمَّ يقول الشَّافِعِيّ: " لقد اطلعت من علم أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلماً يقوله" بل وصل الأمر بهم إِلَى إنكار جميع أسماء الله وصفاته ؛ بل وصل الأمر بالغلاة من الجهمية والقرامطة إِلَى أن يقولوا: لا نقول موجود ولا غير موجود، وهذا الكلام الذي يقوله فلاسفة اليونان C>.
وكان يقول أفلاطون: الله تَعَالَى كامل والكامل لا يفكر في الناقص فإذا قلنا: إن الله يعلم أحوال النَّاس أو يطلع عليها أو يراقبها أو يحصيها فنكون قد انتقصنا الله، وهذا لا يقوله إلا الزنديق المجوسي أو اليوناني المشرك الوثني.
стр. 881
ثُمَّ يقول الشَّافِعِيّ ﵀: "ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه -ما خلا الشرك بالله- خير له من أن يبتلى بالكلام". فجعل الشرك بالله والاشتغال بالكلام في منزلة واحدة؛ لأن الفتنة بهما هي أعظم أنواع الفتنة؛ فالشرك أعظم الذنوب؛ لأنه توجه بالعبادة لغير الله، فهو شرك في الطلب والإرادة والقصد، والاشتغال بعلم الكلام شرك في الأسماء والصفات، وصاحبه يصرف النَّاس عن معرفة الله المعرفة الحقيقية إِلَى الضلالات والبدع والآراء الباطلة.
ثُمَّ يقول المُصْنِّف ﵀: [وتجد أحد هَؤُلاءِ عند الموت يرجع إِلَى مذهب العجائز، فيقر بما أقروا به، ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك التي كَانَ يقطع بها، ثُمَّ تبين له فسادها أو لم يتبين له صحتها] كما قال أبو المعالي الجويني: وها أنا ذا أموت عَلَى عقيدة أمي، أو وها أنا ذا أموت عَلَى عقيدة عجائز نيسابور -البلد التي كَانَ فيها-.
فغاية ما في الأمر أن الواحد منهم عند الموت يقول: أنا أموت عَلَى دين العجائز، أما الدقائق والغوامض التي ألفوا وأفنوا الأعمار فيها فهي إما قد ظهر لهم فسادها، وإما أنهم غير متأكدين من صحتها، مع أنهم كانوا في حياتهم يجزمون بها ويوالون ويعادون عليها كانوا يقولون: هذا هو الكتاب وهذا هو الحكم من لم يعتقده فليس عَلَى عقيدة الإسلام الصحيحة.
طعن الرازي في البخاري ومسلم وفي كتابيهما والرد عليه
стр. 882
الرازي الشيخ الكبير، شيخ المتأخرين منأهل الكلام وإمامهم لما كتب كتاب أساس التقديس لم يسلم منه أصحاب النبي ﷺ ، فكان مما قَالَ: إذا أخذنا بالروايات التي في الصحيحين وغيرهما في الأسماء والصفات، فإن هذا هو مذهب المشبهة والحشوية، والبُخَارِيّ ومسلم ما كانا يعلمان الغيب! هكذا يطعن بغير حجة وبغير علم في الرجال أو في الروايات الصحيحة، فيزعم أنه لا يبعد أن الزنادقة قد أدخلا في كتابيهما أحاديث -أي في الأسماء والصفات- ولم يعلما من هَؤُلاءِ الزنادقة! كيف لا يدري البُخَارِيّ ومسلم ما في كتابيهما وهما مرويان بالسند. بل إنك تجد الذهبي ﵀ -وهو متأخر- يترجم في سير أعلام النبلاء لرجل ويقول: ومن طريقه روينا كتاب أبي داود أو كتاب البُخَارِيّ أو كتاب مسلم، ويأتي بالسند من القرن الثامن حتى يصل إِلَى البُخَارِيّ ومسلم وغيرهما.
ثُمَّ تجدالرازي يقول: إنأبا هريرة قال كذا وخطأه فلان في كذا، وعَائِِِشَةَ استدركت عَلَى بعض الصحابة كابن عمر وعَلِيّ وغيرهما، ويأتي ببعض الروايات التي حصل فيها نوع من الخلاف بين الصحابة -رضوان الله تعالى- عليهم ليستشهد بها عَلَى أنه لا يؤخذ قولهم في هذه المسائل وأن الضبط لم يكن دقيقاً!
وقد رد عليه شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ في كتابه نقض التأسيس الذي يُسمى بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ومطبوع بعض الكتاب، ولعله يخرج كاملاً -إن شاء الله- وهو كتاب عظيم ونفيس جداً في الرد عَلَى كتاب أساس التقديس للرازي، وكتاب الرازي مطبوع أيضاً طبعة قديمة في مصر. المقصود أن هذه الأمور التي كانوا يقطعون بها ويوالون فيها ويعادون من أجلها ويتهمون غيرهم ومخالفهم فيها بأنه عَلَى مذهب الحشوية أو النابتة أو غير ذلك، يقر أصحابها عند الموت بأنها كانت باطلاً وخطئاً.
стр. 883
ثُمَّ يقول المُصْنِّف ﵀: [فيكونون في نهاياتهم -إذا سلموا من العذاب-] يعني: إذا قدر الله تَعَالَى وكتب لهم حسن الخاتمة قبل الموت وسلموا من الموت عَلَى هذه البدع يكونون [بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب] بعد أن كانوا في حياتهم ينافسون أهل العلم وينتقدون أهل العلم كما كَانَ الرازي ينتقد البُخَارِيّ ومسلم وهما من هما في المكانة والثقة والتثبت، فهم الآن عند الموت يريدون أن يموتوا عَلَى دين العجائز، عَلَى دين أتباع أهل العلم من العجائز والصبيان والأعراب، حتى المعاصرين منهم المتعمقين في الكلام وأساتذة الكلام المتمرسين فيه في أرقى الجامعات التي تدرس علم الكلام يقولون: دين العجائز هو أصح الأديان! فإذا كَانَ دين العجائز أصح الأديان فلماذا تتعلمون علم الكلام؟! لكن المؤمنون الصادقون وعلماء السلف وأئمتهم عَلَى دين الراسخين في العلم الذين يكشفون الشبهات والذين يقيم الله بهم الحجة عَلَى الناس، وأتباع أهل السنة من العجائز وغيرهم هم أفضل من أولئك، فكيف بأولئك العلماء الأجلاء الذين جعلهم الله ﵎ في كل زمان فترة، مقيمين للحجة ينفون عن هذا الدين انتحال المغرضين وتأويل الجاهلين والمبطلين؟!
علماء الكلام يقولون: إن الدين دينان: دين التقليد وهذا ما عليه العوام ويدخلون فيهم العلماء المشتغلين بالحديث؛ لأنهم لم يشتغلوا بعلم الكلام فيقولون: هَؤُلاءِ مؤمنون عَلَى التقليد، ولدوا عَلَى الإسلام وتعلموا القُرْآن والسنة ولم ينقحوا الإيمان ولم يقووه بالدلائل العقلية!
والنوع الآخر إيمان علماءأهل الكلام الذي يقولون فيه: إنه إيمان راسخ، مبني عَلَى العلم، وعلى البرهان، والحجة والدليل. والواقع أن اعترافهم في آخر أعمارهم بأن دين العجائز أفضل مما هم عليه ينفي ذلك أي: أنه تقليد.
стр. 884
فالمسألة إذاً ليست تقليد، فهذا الدين هو فطرة الله التي خلق النَّاس عليها لا تبديل لخلق الله- فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:٣٠] فالله تَعَالَى فطر النفوس عَلَى هذا الدين كما وضح ذلك النبي ﷺ في الحديث الصحيح (كل مولود يولد عَلَى الفطرة) أي: يولد عَلَى الملة، وفي رواية: (عَلَى هذه الملة) وكلها معناها واحد وهو: أن كل مولود يولد عَلَى الإسلام، وعلى الملة الصحيحة القويمة، وهي الإسلام والتوحيد، ومعرفة الله تَعَالَى معرفة مجملة؛ لكنها صحيحة وسليمة، ولهذا لو سألت العجوز أو الأعرابي أو الطفل -المميز- أين الله تعالى؟ لقال لك: في السماء. حتى أولاد اليهود وأولاد النَّصارَى يولدون عَلَى أن الله واحد، وإذا كَبُرَ علَّموه أنه سبحانه ثلاثة تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومن رحمة الله تَعَالَى وحكمته أنه لم يُقِمِ الحجةَ علينا بالمعرفةِ الفطرية وحدها، وإلَّا لكانت كافية قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:١٧٢] فهذا الميثاق الفطري الذي أخذه الله - تعالى- من الذرية من ظهور بني آدم، هو فطرهم عَلَى الشهادة والإقرار له بالوحدانية، فهو إذاً أمر موجود في النفوس؛ لكن من رحمة الله أنه لم يجعل ذلك مناط العقوبة، فيعاقبنا بناءً عَلَى العهد الذي أخذه منا، أو بناءً عَلَى الفطرة التي فطرنا عليها؛ بل بعث الله تَعَالَى الرسل رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] وهذا من فضله تَعَالَى أنه لا يعاقب أحداً إلا بعد مجيء النذير وهو الرَّسُول أو القُرْآن أو الحق. فهذا من كمال عدل الله وحكمته.
стр. 885
ثُمَّ يقول المُصنِّفُ ﵀: [والدواء النافع لمثل هذا المرض] مرض الشك والريب وعدم معرفة الأدلة ووضوحها أمام اختلاف الآراء فيها [ما كَانَ طبيب القلوب صلوات الله وسلامه عليه يقوله: إذا قام من الليل يفتتح الصلاة] كما في صحيح مسلم [اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إِلَى صراط مستقيم] خرَّجه مسلم وهذا تعليم لنا، فنحن أحوج -بلا شك ولا ريب- إِلَى أن ندعو بهذا الدعاء، والنبي ﷺ هداه ربه إِلَى ما اختلف فيه من الحق من هذه الأمور، عَلَى أن كثيراً مما يختلف فيه علماء الكلام هو بالنسبة لنا إذا أخذناه من كلامالسلف الصالح ومنهجهم لا اختلاف فيه ولا شبهة ولا شك، لكن قد توجد أمور دقيقة في بعض المسائل مما يغمض ويدق فهذا الذي ندعو الله أن يرينا الحق فيه، وقد كَانَ أكابر العلماء كشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ يدعون بهذا الدعاء وأمثاله، إذا أشكلت عليهم المسائل وتعقدت عليهم الأمور فترى أحدهم يتوجه إِلَى الله ؛ لأنه هو الذي يعلم الغيب وهو الذي بيده كل شيء، وهو الذي أحاط بكل شيء علماً.
ثُمَّ يقول المُصنِّفُ ﵀: [توسل ﷺ إِلَى ربه بربوبية جبريل ... ] يعني: ربوبية الله -تعالى- لجبريل وميكائيل وإسرافيل [أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه إذ حياة القلب بالهداية] فإذا لم يكن القلب مهتدياً كَانَ ميتاً.
والقلوب ثلاثة أنواع:
١- قلب حي.
٢- قلب ميت.
٣- قلب مريض.
وقد دل القُرْآن عليها وجاءت بذلك الأحاديث، والقلب يحيى بالهداية وبالإيمان بالله ، وبقراءة القرآن، وبذكر الله، وبالتفكر في آلاء الله، وشكره عليها.
стр. 886
والمناسبة في سؤال الله بهَؤُلاءِ الثلاثة من الملائكة أنهم موكلون بأمور الحياة هكذا جعلهم الله -تعالى-، فعندما يدعو العبد بهذا الدعاء فكأنه يدعو الله الذي جعل عَلَى أيدي هَؤُلاءِ الثلاثة الحياة وهو ربهم أن يحيي قلبه بالهداية قال المصنف: [فجبريل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب] جبريل أمين الوحي، وبالوحي تحيى القلوب وتحيى الأمم أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:١٢٢] فهذا النور هو القُرْآن العظيم، وهو الذي أحيا الله ﵎ به القلوب الميتة، وفتح به الآذان الصم، والأعين العمي: أي بالنبي ﷺ وبما أعطاه الله من الوحي.
[وميكائيل موكل بالقطر] والقطر المطر وهو سببٌ لحياة الحيوان، والنبات في هذه الحياة الدنيا.
[وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إِلَى أجسادها] ينفخ النفخة الثانية فيقوم الخلائق لله رَبِّ الْعَالَمِينَ فالنبي ﷺ يدعو ربه ويتوسل إليه بربوبيته لهؤلاء الملائكة العظام الثلاثة الذين بهم حياة القلوب، والأحياء، والأجساد بعد الموت، أن يمن عليه بمعرفة الحق المختلف فيه. [فاطر السماوات والأرض] هو الله الذي أنشأهما وذللهما ابتداء لم يشاركه فيه أحد وأوجدهما على غير مثال سابق لهما عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة [الأنعام:٧٣] أحاط بكل شيء علماً يعلم الغيب والشهادة ولا يخرج عن علمه أي أمر مختلف فيه بين الناس، والنَّاس يختلفون لقلة أفهامهم في العلم؛ لأن النَّاس يتفاوتون في الفهم حتى العالم الكبير قد يخفى عليه أمور من العلم، لكن عالم الغيب والشهادة لا يخفي عليه شيء.
стр. 887
ثُمَّ قَالَ: [أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون -وهذا هو وجه الشاهد من الحديث- اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إِلَى صراط مستقيم] فالله هو الذي يحكم بين عباده وقد اختلف أهل الكتاب من قبلنا واختلفت هذه الأمة والله -تعالى- هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون وجعل لذلك أجلاً مسمى ليبلو بعضهم ببعض قال تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [يونس:١٩] فهذا دعاء عظيم نسأل الله أن يهدينا إِلَى الصراط المستقيم إنه سميع مجيب.
قال الطّّحاويّ ﵀:
[ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم، إذ كَانَ تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إِلَى الربوبية بترك التأويل ولزوم التسليم وعليه دين الْمُسْلِمِينَ، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زلَّ ولم يُصب التنزيه]
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
[يشير الشيخ ﵀ إِلَى الرد عَلَى المعتزلة ومن يقول بقولهم في نفي الرؤية وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته فإن النبي ﷺ قَالَ: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) الحديث، أدخل "كاف" التشبيه عَلَى "ما" المصدرية أو الموصولة بـ "ترون" التي تتأول مع صلتها إِلَى المصدر الذي هو الرؤية، فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي. وهذا بيَّنٌ واضحٌ في أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها ودفع الاحتمالات عنها وماذا بعد هذا البيان وهذا الإيضاح؟ !
فإذا سلط التأويل عَلَى مثل هذا النص كيف يستدل بنص من النصوص؟!
وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه: إنكم تعلمون ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر؟!
стр. 888
ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصحَابِ الْفِيلِ [الفيل:١] ونحو ذلك مما استعمل فيه "رأى" التي من أفعال القلوب، ولا شك أن "رأى" تارة تكون بصرية وتارة قلبية وتارة تكون من رؤيا الحلم وغير ذلك، ولكن ما يخلو الكلام من قرينه تخلص أحد معانيه من الباقي: وإلا لو أخلى المتكلم كلامه من القرينة المخلصة لأحد المعاني لكان مجملاً مُلغزاً لا مبيناً موضحاً وأي بيان وقرينة فوق قوله: (ترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب) فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر أو برؤية القلب؟!
وهل يخفى مثل هذا إلا عَلَى من أعمى الله قلبه؟!
فإن قالوا: ألجأنا إِلَى هذا التأويل حكم العقل بأن رؤيته -تعالى- محال لا يتصور إمكانها. فالجواب: أن هذه دعوى منكم خالفكم فيها أكثر العقلاء وليس في العقل ما يحيلها، بل لو عرض عَلَى العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم بأن هذا محال وقوله: (لمن اعتبرها منهم بوهم) أي: توهم أن الله تَعَالَى يرى عَلَى صفة كذا فيتوهم تشبيهاً، ثُمَّ بعد هذا التوهم إن أثبت ما توهمه من الوصف فهو مشبه وإن نفى الرؤية من أصلها لأجل ذلك التوهم -فهو جاحد معطل. بل الواجب دفع ذلك الوهم وحده ولا يعم بنفيه الحق والباطل فينفيهما رداً عَلَى من أثبت الباطل، بل الواجب رد الباطل وإثبات الحق وإلى هذا المعنى أشار الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- بقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) فإن هَؤُلاءِ المعتزلة يزعمون أنهم ينزهون الله بهذا النفي وهل يكون التنزيه بنفي صفة كمال؟!
فإن نفي الرؤية ليس بصفة الكمال إذ المعدوم لا يُرى، وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي له إدراك إحاطة كما في العلم، فإن نفي العلم به ليس بكمال، وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي الإحاطة به علماً، فهو سبحانه لايحاط به رؤية كما لا يحاط به علماً] اهـ
الشرح:
стр. 889
خرج المُصنِّفُ ﵀ من موضوع الرؤية إِلَى موضوع التأويل وهو من أدق الموضوعات ومن أهمها التي ينبغي أن تفهم، فإنه إذا أُولت آيات الرؤية وأحاديث الرؤية وهي في غاية الوضوح كَانَ ما سوى ذلك أسهل في التأويل، ويستنبط الإمام أبي جعفر الطّّحاويّ أنه لا تأويل في شيء من صفات الله أبداً، ولذا كَانَ تأويل كل معنى يضاف إِلَى الربوبية من باب أولى؛ لأنه أعم فلا يؤول أي معنى يضاف إِلَى الله مطلقاً. .
أهل البدع يكفرون من قال إن الله يرى في الآخرة
قَالَ: [ولا يصح الإيمان بالرؤية -أي: برؤية المؤمنين لربهم في الجنة- لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم] وسيأتي الإيضاح في ذلك.
يقول المخالفون في الرؤية من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية والإباضية: من قال إن الله -تعالى- يرى في الآخرة فقد كفر، وعلى كلامهم هذا يكون أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ كفاراً؛ لأنهم يعتقدون أن الله يُرى.
فهَؤُلاءِ يرون أن من قَالَ: إنه يُرى -سبحانه- في الدنيا أو في الآخرة فقد كفر! هكذا بإطلاق، وهو قول الإمامية أو الإثنا عشرية، ويسمى بهم أغلب الشيعة ويسمون أيضاً جعفرية من الناحية الفقهية، وهم أغلب الشيعة المعروفين اليوم؛ ولكن الإمامية أو الإثنا عشرية أو الجعفرية غالباً إذا ذكر اسم الشيعة فإنه ينصرف إليهم.
وكما قَالَ المُصْنِّفُ إن أبا جعفر رد عَلَى المعتزلة ومن تبعهم من المؤولة الذين يقولون: نؤول رؤية الله، فنوؤل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] ، ونؤول قول النبي ﷺ : (سترون ربكم كما ترون هذا وأشار إِلَى القمر) وفي حديث آخر: (فأشار إِلَى الشمس) وقَالَ: (كما ترون الشمس في الظهيرة) وكان مما قالوه إنّ كلمة "ترى" أو "رأى" أو "أرى" تفيد الرؤية العلمية، لا الرؤية البصرية.
стр. 890
وقال الأشعرية: إنه يرى من غير جهة ولا مقابلة، فينكرون أن يكون المخلوق -مثلاً- في جهة، والله تَعَالَى عالٍ عليه فلا يتصورون ذلك، ويقولون: هذا شيء لا تدركه عقولنا، وهل ندرك الجنة ونعرف نعيمها أصلاً حتى نتكلم عن رؤية الله في الجنة؟! فالتجأوا إِلَى أن يقولوا: يرى من غير جهة ومن غير مقابلة، فأنكروا الجهة وأنكروا العلو لله تَعَالَى وأثبتوا رؤية هي أشبه ما تكون بالشيء المحال، فقالت لهم المعتزلة: من أثبت الرؤية ونفى الجهة فقد أضحك النَّاس عَلَى عقله! وهذا الذي قاله المُصْنِّف لو أنه عرض عَلَى العقل موجود قائم بنفسه ولا يمكن رؤيته، لحكم باستحالة ذلك، والمقصود أنهم أولوها وغيروها وحرفوا معناها بالأوهام وبالتأويلات الباطلة.
الرد على المعتزلة وذكر معاني "رأى"
يقول المُصْنِّف ﵀: [يشير الشيخ ﵀ إِلَى الرد عَلَى المعتزلة ومن يقول بقولهم] أي: من الفرق التي ذكرنا [في نفي الرؤية وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته، فإن النبي ﷺ قَالَ: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) الحديث أدخل كاف التشبيه عَلَى "ما" المصدرية أو الموصولة] كلاهما يصح ومما هو معلوم أن المصدر المنسبك والمؤول يتركب من ما المصدرية أو الموصولة، والفعل، أو أن والفعل كقوله ﵎: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُم [البقرة: ١٨٤] أي: صيامكم خير لكم.
وفي الحديث: (كما ترون) أي: كرؤيتكم، فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي، يعني: ترونه رؤية كرؤية القمر، فهل يعد هذا تشبيهاً لله تَعَالَى بالقمر تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً؟! لا يمكن، وقد فهم القوم من هذا الحديث أنه يوهم التشبيه فَقَالُوا: لابد أن نؤوله، فأعمى الله أبصارهم عن هذه الحقائق التي تتضح لمن يفهم لغة العرب وأسلوبها، ولجأوا إِلَى التأويل الباطل.
стр. 891
قَالَ: [ومن تأمل النصوص حق التأمل علم أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها ودفع الاحتمالات عنها] لأن النبي ﷺ -كما في الروايات الأخرى- لما أشار أشار إِلَى القمر ثُمَّ قَالَ: (لا تُضامُّون في رؤيته) فلا يمكن بعد هذا البيان أن يؤول، وإذا أولنا مثل هذه الأمور الواضحة فما الذي لا يؤول؟! فذكر المُصْنِّف أنه [إذا سلط التأويل عَلَى مثل هذا النص كيف يستدل بنص من النصوص] فما هو النص الذي يمكن أن نقول: إنه صريح قطعي لا يحتمل التأويل؟! وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه "أنكم تعلمون ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر"؟! هذا مما لا يقوله إنسان عربي فضلاً عن رَسُول الله ﷺ أعلم النَّاس بربه وأفصح العرب.
ثُمَّ يقول المصنف: ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:١] ونحو ذلك مما استعمل فيه رأى التي من أفعال القلوب] ، فالمؤولة يقولون: الرؤية التي في الحديث ليست رؤية حقيقة؛ وإنما هي رؤية قلبية كما في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:١] والنبي ﷺ ولد في عام الفيل ولم ير ما فعل الله بأصحاب الفيل.
فالرؤية إنما كانت رؤية قلبية أو مثلها قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [المجادلة: ٧] يعني: ألم تعلم ذلك بقلبك! وهذا الاستدلال في غير موضعه فهو من أبطل الباطل في مثل هذه النصوص الواضحة نعم، تأتي "رأى" لثلاثة معان: بصرية وقلبية ومن الرؤيا التي تحصل في المنام، فكما في البيت الشعري المشهور
رأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأكثرهم جنودا
стр. 892
وقد نصبت مفعولين في هذا البيت: المفعول الأول: لفظ الجلالة "الله" والمفعول الثاني: أكبر، وكقولك: رأيت زيداً عالماً، أي: علمته عالماً أو وجدته عالماً فـ"زيد" مفعول أول.
و"عالماً" مفعول ثان، أما رأى البصرية فإنها تنصب مفعولاً واحداً، تقول: رأيت زيداً، أي: بعيني.
أما رأى التي تأتي بمعنى الرؤيا التي تحصل في المنام: فتتضح من خلال السياق مثالها: قول إبراهيم ﵇ لابنه إسماعيل: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] وقول يوسف ﵇ لأبيه: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:٤] فَقَالَ له أبوه: يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ [يوسف:٥] ومعنى هذا أنه قال له: إني رأيت ذلك في المنام، فَقَالَ له أبوه: لا تقصص رؤياك، وفي آخر الأمر قَالَ: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ [يوسف:١٠٠] فعلم بعد هذا التفريق أن الثلاثة المعاني لا تشتبه ولا تلتبس في الكلام، وإذا جَاءَ شخص، وقَالَ: أنا لم أفهم من كلام فلان ماذا يقصد بالرؤية أهي القلبية أو البصرية أو المنامية؟! كَانَ هذا من ضعف تعبير المتكلم وعجزه وعيه، وليس هذا من فصاحته وبلاغته أو أن يكون تعمد عدم الإفهام، وهذه الاحتمالات لاترد بأي حال من الأحوال في كلام الله، ولا في كلام رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 893
يقول المصنف: [ولا شك أن "رأى" تارة تكون بصرية وتارة قلبية وتارة تكون من رؤيا الحلم وغير ذلك، ولكن ما يخلو كلام من قرينه تخلص أحد معانيه من الباقي؛ وإلا لو أخلى المتكلم كلامه من القرينة المخلصة لأحد المعاني -الثلاثة- لكان مجملاً ملغزاً لا مبيناً موضحاً وأي بيان وقرينة فوق قوله: (ترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب) فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر أو برؤية القلب، وهل يخفى مثل هذا إلا عَلَى من أعمى الله قلبه؟!] نسأل الله العافية فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:٤٦] فإذا عميت القلوب فإنها تعمى عن الأدلة الواضحة الجلية، ولا حيلة فيمن عمي قلبه عن فهم هذه النصوص، ولا نستطيع أن نهدي من أضل الله، والواجب عَلَى المتبصرين أن يقيموا الحجة عَلَى أهل العمى وأما هدايتهم وبصيرة قلوبهم فهي عَلَى الله متى أراد ومتى شاء الهداية منَّ بها عليهم، وإلا تركهم في ضلالهم يعمهون.
ثُمَّ يقول ﵀: [فإن قالوا: ألجأنا -أي: ألجأتنا قرينة عقلية- إِلَى هذا التأويل حكم العقل بأن رؤيته تَعَالَى محال لا يتصور إمكانها! فالجواب: أن هذه دعوى منكم خالفكم فيها أكثر العقلاء] ومن الذي قال لكم: إن العقل يحكم في هذه الأمور، وإنه المرجع لها؟! ثُمَّ كيف وقد جَاءَ النص بتقرير هذه الأمور؟!
إيمان الصحابة برؤية الله تعالى في الآخرة
стр. 894
أصحاب النبي ﷺ أعقل النَّاس ولا يوجد أعقل منهم ولا أذكى، وعندما سمعوا هذا الكلام منه ﷺ أصبحوا يشتاقون إِلَى رؤية الله -تعالى- حتى قال عبد الله بن مسعود وهذا مما له حكم المرفوع: (إن منازل النَّاس من رؤية الله ﵎ في الجنة كمنزلتهم منه في الحضور إِلَى صلاة الجمعة) فمن يبكر إِلَى صلاة الجمعة ويكون في الصف الأول؛ فإنه يكون يَوْمَ القِيَامَةِ في مقدمة من يرى الله .
فالصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم كانوا يفهمون هذا المعنى وكانوا يحثون التابعين وتلاميذهم عَلَى المبادرة والتبكير إِلَى صلاة الجمعة مقرين بهذا الأمر بأنكم ترون ربكم بمقدار ما تبكرون وتسبقون إِلَى صلاة الجمعة، فيكون النَّاس صفوفاً لرؤية الله تَعَالَى وأقربهم وأدناهم منه منزلة أقربهم إِلَى الإمام في يوم الجمعة، فكان هذا الذي فهمه الصحابة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- وربوا عليه من بعدهم.
فياترى من هو أكمل عقلاً: أفلاطون أو أرسطو أوالجهم وغيرهم ممن أعمى الله بصائرهم من أهل الشرك والوثنية والمجوسية، أم الصحابة رضوان الله عليهم؟ العقل الحقيقي، والفهم الصحيح، والعقلاء لا ينفون ذلك؛ بل يقول: [وليس في العقل ما يحيلها؛ بل لو عرض عَلَى العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم بأن هذا محال] لقال العقل: إن هذا محال، فما الذي جعل رؤيته مستحيلة وهو موجود قائم بنفسه؟ إن العقل السليم النقي لا يقول بذلك، ولا يحكم به؛ بل يستغرب ويتعجب! كيف لا وهو أعظم الموجودات، والموجودات الأخرى ما هي إلا آثار من موجوداته سبحانه.
стр. 895
قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وقوله: لمن اعتبرها منهم بوهم أي: توهم أن الله تَعَالَى يرى عَلَى صفة كذا فيتوهم تشبيهاً] فأول ما يأتي عَلَى ذهن أهل التأويل: يأتيهم الشيطان بوهم وبتشبيه معين، ثُمَّ بعدها يتوهمون أنهم إذا أثبتوا ما توهموه من الوصف فهم مشبهة، فانقسموا نوعين: منهم من أثبت هذا الوهم الذي ألقاه الشيطان في ذهنه، فهذا هو المشبه الذي يشبه الله -تعالى- بخلقه، والبعض الآخر قَالَ: مادام أنه لا يوجد إلا هذا الشكل فأنا أنفي الرؤية كليةً وأنفي الشكل الذي ألقاه الشيطان في ذهني! وذلك لأنه لم يتصور هذه الصفة إلا بهذا الشكل، فنتج عن ذلك أنه أنكرها بالكلية.
فيقول المُصْنِّف ﵀: [إن اثبت ما توهمه من وصف فهو مشبه، وإن نفى الرؤية من أصلها لأجل ذلك التوهم فهو جاحد معطل، بل الواجب دفع ذلك الوهم وحده] فإذا دفعت هذا الوهم عن عقلك فستجد نفسك بعد ذلك أنك تؤمن بأنه -تعالى- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] وتؤمن بأنه يُرى، ويزول عنك كل تناقض قد يرد بل هذا هو الذي يؤمن به العقل وتؤمن به الفطرة يقول: [ولا يعم بنفيه الحق والباطل] ينفي الدليل وينفي الوهم [فينفيهما رداً عَلَى من أثبت الباطل] والصحيح والواجب هو رد الباطل: وهو التوهم والتشبيه وإثبات الحق: وهو الإثبات إثبات الصفة أو المعنى المضاف إِلَى الربوبية [وإلى هذا المعنى] أي: معنى إثبات الحق ورد الباطل أشار الشيخ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بقوله: [ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه] .
التنزيه لا يكون بنفي صفة الكمال
يزعم أهل البدع من المعتزلة وغيرهم أنهم بنفيهم للصفات ينزهون والأمر ليس كما توهموه وزعموه فإن التنزيه لا يكون بنفي صفة الكمال.
стр. 896
يقول: [فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال إذ أن المعدوم لا يرى، وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي إدراك إحاطة]
أما نَحْنُ أهل السنة فنثبت الرؤية وننفي أن يكون أحد يرى ربه رؤية إدراك كما في العلم لا يحيطون به علما ولا يحيطون به -تعالى- كذلك رؤيةً [فإن نفي العلم به ليس بكمال، وإنما الكمال في إثبات العلم] وهكذا يُقال في الرؤية: فالكمال هو في إثباتها لا في نفيها، ومع ذلك فإننا ننفي الإحاطة به رؤيةً -سبحانه- كما ننفي الإحاطة به علماً، فهو لا يحاط به رؤيةً كما لا يحاط به علماً، وهناك رسالة لشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ اسمها الإكليل في المتشابه والتأويل مطبوعة مستقلة وموجودة أيضاً في ضمن الجزء الثالث عشر من مجموع الفتاوى، يمكن أن يرجع إليها من شاء.
إن موضوع التأويل موضوع مهم لكثرة ما يثار حوله.
فما هو التأويل؟
وما هي أنواعه؟
وهل نؤول أو نفوض في صفات الله تعالى أم ماذا نفعل؟
وهل التأويل يدخل في أمور أخرى غير العقيدة -الصفات- أم لا؟
ونظراً لتعدد معانيه فإن اللبس قد يقع لطالب العلم وهو يقرأ أي كتاب من الكتب حول هذا الموضوع؟
ولذلك سنوضحه إن شاء الله.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-:
стр. 897
[وقوله: "أو تأولها بفهم" أي: ادعى أنه فهم لها تأويلاً يخالف ظاهرها، وما يفهمه كل عربي من معناها، فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل أنه صرف اللفظ عن ظاهره، وبهذا تسلط المحرفون على النصوص، وقالوا: نحن نؤول ما يخالف قولنا فسموا التحريف: تأويلاً، تزييناً له وزخرفة ليقبل، وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:١١٢] ، والعبرة للمعاني لا للألفاظ، فكم من باطل قد أقيم عليه دليل مزخرف عورض به دليل الحق، وكلامه هنا نظير قوله فيما تقدم [لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا] ، ثم أكد هذا المعنى بقوله: [إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل، ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين] .
ومراده ترك التأويل الذي يسمونه تأويلاً وهو تحريف؛ ولكن الشيخ رحمه الله تعالى تأدب وجادل بالتي هي أحسن كما أمر الله تعالى بقوله: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:١٢٥] ، وليس مراده ترك كل ما يسمى تأويلاً، ولا ترك شيئاً من الظواهر لبعض الناس لدليل راجح من الكتاب والسنة، وإنما مراده ترك التأويلات الفاسدة المبتدعة المخالفة لمذهب السلف، التي يدل الكتاب والسنة على فسادها وترك القول على الله بلا علم، فمن التأويلات الفاسدة تأويل أدلة الرؤية، وأدلة العلو، وأنه لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، ثم قد صار لفظ التأويل مستعملاً في غير معناه الأصلي.
стр. 898
فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، فتأويل الخبر: هو عين المخبر به، وتأويل الأمر: نفس الفعل المأمور به كما قالت عائشة ﵂ (كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) يتأول القرآن، وقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ [الأعراف:٥٣] ، ومنه تأويل الرؤيا وتأويل العمل كقوله: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:١٠٠] وقوله: وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيث [يوسف:٦] وقوله: ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:٥٩] وقوله: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صبْراً [الكهف:٧٨] إلى قوله: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صبْراً [الكهف:٨٢] .
فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل، والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه؟ وأما ما كان خبراً كالإخبار عن الله واليوم الآخر فهذا قد لا يعلم تأويله الذي هو حقيقته إذ كانت لا تعلم بمجرد الإخبار فإن المخبر إن لم يكن قد تصور المخبر به، أو ما يعرفه قبل ذلك لم يعرف حقيقته التي هي تأويله بمجرد الإخبار، وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه فما في القرآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها، وما أنزل آية إلا وهو يحب أن يعلم ما عني بها، وإن كان من تأويله ما لا يعلمه إلا الله فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف وسواء كان هذا التأويل موافقاً للظاهر أو مخالفاً له.
стр. 899
والتأويل في كلام كثير من المفسرين كابن جرير ونحوه، يريدون به تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو خالف وهذا اصطلاح معروف وهذا التأويل كالتفسير يحمد حقه ويرد باطله، وقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ الآية [آل عمران:٧] فيها قراءتان:
قراءة من يقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ وقراءة من لا يقف عندها، وكلتا القراءتين حق، ويراد بالأولى: المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله.
ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره وهو تأويله، ولا يريد من وقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ أن يكون التأويل بمعنى التفسير للمعنى، فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلاماً لا يعلم معناه جميع الأمة ولا الرسول ويكون الراسخون في العلم لاحظ لهم في معرفة معناها سوى قولهم: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧] .
وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك وقد قال ابن عباس ﵄: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله، ولقد صدق ﵁ فإن النبي ﷺ دعا له وقال: (اللهم فقه في الدين وعلّمه التأويل) رواه البخاري وغيره ودعاؤه ﷺ لا يرد.
قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أقفه عند كل آية وأسأله عنها.
وقد تواترت النقول عنه أنه تكلم في جميع معاني القرآن، ولم يقل عن آية: إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا الله] اهـ.
الشرح:
قول الطحاوي ﵀: (أو تأولها بفهم) كلمة (تأولها) جعلت المصنف ابن أبي العز ﵀ يستطرد الكلام في بيان ما هو التأويل، وبيان معانيه الثلاثة وهي: الحقيقة (حقيقة الكلام) .
ثانياً: التفسير.
стр. 900
وثالثاً: صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح لقرينة، فيقول ﵀: (أو تأولها بفهم) أي: ادعى أنه فهمها بتأويل يخالف ظاهرها، وما يفهمه كل عربي من معناها فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل أنه صرف اللفظ عن ظاهره، وبهذا تسلط المحرفون على النصوص.
التعريف المبتدع للتأويل
التعريف الثالث: هو تعريف المتأخرين، وهو تعريف مبتدع، وهو: صرف اللفظ عن معناه الظاهر الراجح إِلَى معنى مرجوح لقرينه أو احتمال مرجوح.
وبهذا تسلط المحرفون عَلَى النصوص، وَقَالُوا: نَحْنُ نؤول ما يخالف قولنا، فسموا التحريف تأويلاً تزييناً له وزخرفة ليقبل، وقد ذم الله -تعالى- الذين زخرفوا الباطل لكننا نؤمن بجميع ما أثبت الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف -تأويل- ولاتعطيل.
فقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] هذا المعنى ظاهر اللفظ وما يفهمه كل عربي من الاستواء كما قال الإمام مالك.
وكما قال شيخهربيعة من قبل: (الاستواء معلوم) أي: معلوم في لغة العرب: وفسره السلف بأنه علا وارتفع وصعد، فعندما يأتي شخص ويقول: إن معنى (استوى) أي (استولى) فإن هذا تحريف، لا تأويل كما يدعي.
ومثال آخر في الحديث الصحيح (إن الله يضع قدمه في النَّار فتقول: قط قط) وفي بعض الروايات (يضع الجبار) الذي هو الله فإذا قال شخص: (الجبار) ملك من الملائكة أو رجل من أهل النَّار يأمره الله تَعَالَى فيضع قدمه في النَّار.
стр. 901
فنقول: هذا تحريف وصرف للفظ عن معناه الظاهر الواضح إِلَى معنى بعيد لا يكاد يخطر عَلَى ذهن الإِنسَان، ويقولون: نَحْنُ نضطر إِلَى التأويل حتى ندفع التشبيه، فنرد عليهم: بأنه ليس في إثبات صفات الله تشبيه وليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ أي معنى يضاف إِلَى الربوبية يوهم التشبيه، إنما أنتم قد تتوهمون في أنفسكم، وهذه الزخرفة أو تغيير المعنى من التحريف إِلَى التأويل ليقبل المعنى تسمية اصطلاحية بدعية حديثة لم تكن معروفة لا في نصوص الكتاب والسنة ولا في كلام سلف الأمة، إِلَى أن ظهر هَؤُلاءِ المبتدعة، واستخدموا كلمة التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره الواضح الذي يفهمه النَّاس إِلَى معنى آخر، وسموه تأويلاً ليقبل، فهذه هي الزخرفة التي أرادها المُصْنِّف ﵀.
ويقول ﵀: [وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:١١٢]] ، فهم يزخرفون القول لكي يقبل عند من لا يفقه الحقيقة.
العبرة بالمعاني لا بالألفاظ
يقول المُصْنِّف ﵀: [والعبرة للمعاني لا للألفاظ، فكم من باطل قد أقيم عليه دليل مزخرف عورض به دليل الحق] أي: أن الذين يسمون نفي الصفات تنزيهاً، ويسمون تحريف المعاني تأويلاً، أياً كانت المسميات والأسماء والألفاظ والتحريفات والزخرفات، فإنها لا تغير الحقيقة، فقد يأتي إنسان بقولٍ كاذب ويزخرف أدلته ويظهره في قالب الحق كما هو في عصرنا، فكم من كتب وأفكار ونظريات وآراء باطلة، ولكنها مزخرفة ومموهة وكأنها هي الحق ولكنها في الواقع من أبطل الباطل، فالعبرة بالحقائق وليست بالاصطلاحات ولا بالألفاظ
стр. 902
ثُمَّ يقول: [وكلامه هنا نظير قوله فيما تقدم "لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا" ثُمَّ أكد هذا المعنى بقوله: إذ كَانَ تأويل الرؤية، وتأويل كل معنى يضاف إِلَى الربوبية بترك التأويل] وإذاً هنا: تعليلية، وتأويل الرؤية هو ترك التأويل، وكيف يكون التأويل هو ترك التأويل؟!
يقول المصنف [ومراده ترك التأويل الذي يسمونه تأويلاً] هذا هو الصحيح، لكن الإمام الطّّحاويّ ﵀ تأدب وجادلهم بالتي هي أحسن، وتنزل معهم في العبارة كأنه يقول: التأويل هو ترك التأويل، فإذا كنتم ترون التأويل بأنه حق، وأنه واجب، فالواجب هو ترك التأويل.
فلهذا قَالَ: [وتأويل كل معنى يضاف إِلَى الربوبية: بترك التأويل] وليس مراد المُصْنِّف ترك كل ما يسمى تأويلاً، لأن التأويل له معانٍ منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل وهو يقصد المعنى الباطل لأنه عطف فقَالَ: [ولا ترك شيء من الظواهر لبعض النَّاس لدليل راجح من الكتاب والسنة] أي: لا يقصد ترك الحق لأجل النَّاس.
ليس كل ما في نصوص الكتاب والسنة يؤخذ على ظاهره
ليس في ظواهر نصوص الكتاب والسنة أي ممسك للمبتدعة بأن يقولوا: إن ظواهر نصوص الكتاب والسنة تفيد التشبيه، فيجب نفيها أو تحريفها، ونقول: كل لفظ في القُرْآن والسنة لا يؤخذ عَلَى ظاهرة مطلقاً.
стр. 903
بمعنى: أن بعض الألفاظ ليست عَلَى ظاهرها بإطلاق، لكن هذه الألفاظ ليست في باب الصفات والعقائد ولكنها في باب الأحكام، فمثلاً: الألفاظ العامة التي ورد ما يخصصها، فلا يراد به ظاهر اللفظ لأنه ما دام أنه قد خصص فلا يراد به الظاهر بإطلاق، وإنما يراد ظواهر الألفاظ العامة فيما لم يخصص، وكذلك المطلق: فإن الألفاظ جاءت في كتاب الله مطلقة وورد تقييدها إما في القُرْآن وإما في السنة فلا نأخذ بظاهر المطلق في كل شيء؛ ولكن فيما لم يقيد، وكذلك الألفاظ المجملة لا يؤخذ بظاهرها مطلقاً، وإنما يؤخذ بظاهر الذي لم يبين، والأمثلة عَلَى ذلك كثيرة جداً.
معنى النسخ عند السلف وعند المتأخرين
كان السلف الصالح ﵃ يسمون العام الذي خصص أو المطلق الذي قيد نسخاً، ففي أيام الصحابة ﵃ كانوا يسمون بعض الأحكام محكمة وبعضها منسوخة كما في آية: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:٧] فالمنسوخ عندهم أي: الذي قيد أو خصص أو بُيِّن، فعدم إرادة الظاهر بإطلاق يسمى عندهم في الجملة منسوخ، لكن علماء الأصول المتأخرين حددوا هذه الألفاظ بتحديدات اصطلاحية فنية، وذهبوا إِلَى أن النسخ هو تغيير الحكم أو تبديله، وأن تخصيص العام وتقييد المطلق وبيان المجمل لا يسمى نسخاً.
فمثلاً: كل لفظ جَاءَ في الحث عَلَى إقامة الصلاة فهذا لفظ عام يشمل جميع الْمُسْلِمِينَ، لكن الحائض والنفساء، لا تدخل في هذا اللفظ العام. إذاً هذا العموم يُخصُ منه الحائض والنفساء، ومثل: عتق الرقبة في الكفارات، فقد جعل في بعض الآيات مطلقاً وفي بعضها مقيداً بالإيمان، كما قال تعالى:: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:٩٢] فذاك يسمى إطلاق وهذا يسمى تقييد وكذلك الآيات التي جاءت تدل عَلَى الجهاد مثل آيات الاستنفار انْفِرُوا خِفَافاً [التوبة:٤١] .
стр. 904
فهذه الآيات تدل عَلَى أن كل مسلم يجب عليه أن ينفر، فجاءت آيات وأحاديث أخرى تخصص الضعفاء والمرضى الذين لا يجدون نفقة الجهاد، والذي لم يستأذن أبويه، أو كَانَ أبواه ضعيفين وهكذا: فالألفاظ التي في الكتاب والسنة التي لا يؤخذ ظاهرها بإطلاق، مثل العام المخصص، أو المطلق المقيد، أو المجمل المبين وهذا لا يكون إلا في الأحكام إلا أنه قد تشتبه بعض المعاني، فنحتاج إِلَى أن نجمع بين النصوص في غير الأحكام في أمور العقيدة كما يأتي، مثل: أمور الوعد والوعيد وما أشبه ذلك، لكن هذه ليست هي الأصل فيما نقوله هنا؛ بل تدخل في قسم المتشابه عَلَى قول بعض السلف.
فالمقصود: أن نعرف أن بعض ألفاظ الكتاب والسنة يراد بها غير ظاهرها -كما سبق- أما أن يأتي لفظ من الكتاب والسنة ويغير معناه بالكلية إِلَى معنى آخر بعيد لمجرد قرينه عقلية كما يسميها أصحابها فلا. هذا هو التأويل الذي وقع فيه المتأخرون.
قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [ليس مراده ترك كل ما يسمى تأويلاً] لأن التأويل له معانٍ: منها حق ومنها باطل [ولا ترك شيء من الظواهر لبعض النَّاس لدليل راجح من الكتاب والسنة، وإنما مراده ترك التأويلات الفاسدة المبتدعة المخالفة لمذهب السلف التي يدل الكتاب والسنة عَلَى فسادها؛ وترك القول عَلَى الله بلا علم] ففي نفي شيء أثبته الله لنفسه، أو إثبات شيء لم يثبته الله لنفسه قول عَلَى الله تَعَالَى بغير علم، وكفى بذلك إثماً مبينا.
. بعض التأويلات الفاسدة
стр. 905
يقول: [فمن التأويلات الفاسدة تأويل أدلة الرؤية] فأولوا قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] قالوا: ناظرة اسم فعل من الانتظار فهي ناظرة أي: تنتظر رحمة الله، قوله: [وأدلة العلو] مثل: تحريف الاستواء بالاستيلاء [وأنه لم يكلم موسى تكليما] ، أولوا آيات التكليم، فَقَالُوا: الكلام ينسب إِلَى الشجرة، لأنه - تَعَالَى - قَالَ: (مِنَ الشَّجَرَةِ) فالشجرة: هي التي تكلمت.
ولهذا قال كثير منالسلف الصالح وهذا مروي عند الأئمة بالأسانيد، كما في كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد والشريعة للآجرى والإبانة لابن بطة وغيرهم أن من يقول: "إنني أنا الله لا إله إلا أنا" وهو مخلوق فقد كفر، وقالوا في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:١٦٤] قالوا: نجعل موسى هو المتكلم والله هو المتكلَم معه، فقيل لهم: ما تقولون في قوله: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:١٤٣] فحرفوا معنى الكلام في "كلَّمه" وَقَالُوا: هو من التكليم الذي هو التجريح؛ لأن الكَلْم هو الجرح، فإذا قلنا: رجل مكلوم أي: مجروح.
ثُمَّ يقولون: [وهذا هو المعنى الحق، والذي يعتقد خلاف ذلك، فهو حشوي مشبه مجسم إِلَى آخره] كما يقول الكوثري وتلاميذه، ولهم كتب كثيرة ورائجة تدرس في أكثر جامعات العالم الإسلامي، أمثال هذه التأويلات عافانا الله منها.
ويقولون: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، وأنكروا المحبة، وَقَالُوا: إن الله لا يُحِب ولايُحَب ولهذا لما قتل خالد بن عبد الله القسري ﵀ الجعد بن درهم كان هذا من أجل هذه البدعة، وإن كَانَ هناك من يقول: إنما قتله لقضية سياسية كانت بينهما.
معنى التأويل في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
стр. 906
يقول المُصْنِّف ﵀: [ثُمَّ قد صار التأويل مستعملاً في غير معناه الأصلي، فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام] والمآل هو: والعاقبة والنهاية، أي: ينتهي إليها الكلام وتراد بالكلام [فتأويل المخبر به] مثلاً أخبرنا الله عن الجنة والنار، فَقَالَ في النار: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:٧١] فتأويل هذه الآية -على هذا المعنى- أن العالمين جميعاً يردون فوق جسر جهنم هذا تأويلها.
وتأويل دخول الجنة أن يدخل المؤمنون الجنة.
وتأويل دخول النَّار أن يدخل الكفار النار.
وتأويل أخبار الدجال أن يظهر الدجال وتظهر الآيات التي ذكرها النبي ﷺ فيه.
وتأويل أخبار الدابة أن تظهر الدابة فإذا خرجت قلنا قد وقع تأويل ذلك، فكل ما كَانَ من الأخبار فتأويله هو وقوع نفس المخبر به.
وتأويل الأمر: نفس الفعل المأمور به.
فعندما يقول الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:٤٣] فتأويلها أن تصلي، فإذا كنت تصلي فأنت تأول هذه الآية بمعنى تأتي بما أمرك الله به وعلى هذا الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عَائِِِشَةَ قالت كان النبي ﷺ يقول في ركوعه (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن) أي: يتأول قوله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ َ تَوَّاباً [النصر:١-٣] فالنبي ﷺ لما تحقق له ذلك تأول القُرْآن أي: عَلَى لغتنا يطبق ذلك ويتمثله.
стр. 907
وقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ [الأعراف:٥٣] أي: هل ينظرون إلا أن يأتي تأويله: فالنبي ﷺ يحدث كفار قريش وما أكثر ما يحدثهم بكتاب الله عن قيام الساعة؛ لكنهم ينكرونها ويكذبون بها كما قال تَعَالَى عنهم: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:٦٦] فلا يؤمنون بأن الساعة ستقوم والنبي ﷺ يكرر عليهم الآيات والأحاديث في الإيمان بها فماذا ينتظرون بعد ذلك: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ أي: وقوع ذلك الشيء، فإذا وقع وجاء سيؤمنون! يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ فهم ينكرون البعث؛ فإذا نفخ في الصور وبعثر من في القبور، فإنهم حينئذ يقولون: قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ لكن هل ينفع حينئذٍ؟ لا ينفع؛ لأن من صفات المؤمنين الإيمان بالغيب قال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:٣] وأخبرنا النبي ﷺ أن كل إنسان سوف يموت كما قال تَعَالَى:حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:٦١] فتنزع روحه الملائكة، إما ملائكة الرحمة، إن كَانَ من أهل النعيم والإيمان، وإما ملائكة العذاب إن كَانَ من الشقاوة والجحيم، هكذا أخبرنا النبي ﷺ فنؤمن بذلك ونصدق به، فتأويل هذا وتحققه أنه عندما تأتي الملائكة لقبض الروح لا يزداد المؤمن إيماناً، ولا يؤمن المنافق أو الكافر، وكذلك قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه [يونس:٣٩] .
стр. 908
فقوله: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أي: القُرْآن هذه العلة الأولى من مناط التكذيب، الثانية: هو
وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه أي: لم يستطيعوا أن يستوعبوه بعقولهم ولا أن يفهموه، فنشاهد في هذه الآية أن الأمر عندهم دائر بين شيئين: أنهم لم يحيطوا بعلمه، وأنهم لمَّا يأتهم تأويله.
الفرق بين الإحاطة بالعلم وبين التأويل
هناك فرق بين الإحاطة بالشيء علماً وبين أن يأتي تأويله، فكثير من المكذبين الذين يكذبون بآيات الله، كعذاب القبر وغيرها يقولون: هذا شيء ليس معقولاً بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس:٣٩] فهو لم يدرك ذلك بعقله الضعيف، ولم يستوعب هذا الشيء وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه أي: أمر لم يقع، ولم يؤمنوا به حتى يقع، هذا هو التفريق بين الإحاطة بالعلم وبين التأويل، ومن هذا نفهم آية آل عمران وهي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:٧] وهذه الآية أشكل تفسيرها عَلَى أكثر المفسرين قديماً وحديثاً.
الكلام على قوله: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ))
إن التفريق بين الإحاطة بالعلم وبين التأويل يعين عَلَى فهم قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:٧] لأن الراسخين في العلم يحيطون بمعاني القُرْآن علماً، ولكن لا يدركون تأويله عَلَى معنى الوقف عَلَى قوله: إِلَّا اللَّهُ فهذا أحد ما يُخَّرج به ذلك وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:٧] .
стр. 909
فالراسخون في العلم لا يجهلون معاني كتاب الله ، كما ورد عن ابن عباس أنه كَانَ يوقفه تلميذه مجاهد عند كل آية ويسأله عن معناها، فلا توجد آية خَفْيَ معناها عَلَى ابن عباس -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما- سواء كَانَ هذا التفسير صواباً، أو قد يكون هناك ما هو أولى منه، لكن المقصود أن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما- يعلم التأويل، إذاً هذا أحد الأوجه التي نفهم بها الآية وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:٧] فهم يعلمون معاني القُرْآن إذا كانت أخباراً، ولكنهم لا يعلمون تأويله، أي: حقيقته التي يؤول إليها، وأما الأوامر والنواهي فإن تأويلها معروف وذلك بتحقيقها وتطبيقها.
أمثلة لمعنى التأويل
стр. 910
يقول المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: [ومنه تأويل الرؤيا وتأويل العمل] أي: تفسيرها الذي ستقع وفقه، فملك مصر رأى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ [يوسف:٤٣] فأرادوا تأويلها، فالذين لا علم لهم قالوا: أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ [يوسف:٤٤] لكن الذي أعطاه الله تَعَالَى العلم وعلمه من تأويل الأحاديث، قَالَ: هذه السبع السمان هي السنوات المخصبة التي فيها الخصب والنماء: يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ [يوسف:٤٣] أي: يأتي بعد ذلك سبع سنين فيها جدب وقحط، فيأكل النَّاس ويستهلكوا ما ادخروه في أيام الخصب، فهذا تأويلها وتفسيرها، وكذلك لمَّا رأى يوسف ﵇ الرؤيا، فقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:٤] ثُمَّ قَالَ: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:١٠٠] وقد قيل: إن بين الرؤيا وبين وقوع التأويل أربعون سنة، فتأويلها إذاً تفسيرها أو وقوعها، وتأويل العمل تفسيره، وبيان لماذا وقع بهذه الكيفية أي: بيان الحكمة.
ومثال آخر قوله تَعَالَى حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا [الكهف:٧١] تعجب موسى ﵇: كيف يحسنون إلينا ويركبوننا في السفينة ثُمَّ نخرقها؟!
وبعدها لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ [الكهف:٧٤] فَقَالَ موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس [الكهف:٧٤] كأنه يقول: ما ذنب هذا الغلام الصغير حتى تقتلته؟
وفي الثالثة يذهب موسى والخضر إِلَى قرية من القرى فيستطعموا أهلها فيأبوا أن يضيفوهما، ثُمَّ يجدون فيها جداراً يريد أن ينقض فيقيمه الخضر حتى لا يسقط، فيتعجب موسى من ذلك فيقول: لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف:٧٧] .
стр. 911
فما كَانَ من الخضر ﵇ إلا أن قَالَ: قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:٧٨] أي: أنا سأخبرك الآن بالعلة والسر والحكمة في الأفعال التي رأيتها ولم تستطع أن تصبر عليها، ثُمَّ أخذ يبين له: أَمَّا السَّفِينَةُ فتأويلها العملي فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف:٧٩] عن أهلها وبعد أن نزل موسى والخضر ﵉ من السفينة، ذهب المساكين بسفينتهم إِلَى الميناء وجاء أعوان ذلك الملك الظالم، فَقَالُوا: نريد هذه السفينة إن كانت تصلح لنا وإلا تركناها؟ فخاف المساكين عَلَى سفينتهم فلما رأى أعوان الظالم الخرق قالوا: هذه مخروقة لو ركب فيها الجند لغرقوا فتركوها، ففرح المساكين وذهبوا وأصلحوا الخرق وسلمت لهم السفينة. إذاً هذا الخرق كَانَ خيراً لهم، لكن موسى ﵇ لا يعلم تأويل ذلك، ولا يعلم الغيب الذي أطلع الله تَعَالَى عليه الخضر ولم يطلع عليه موسى، ولهذا قال له الخضر: أنت عَلَى علم من الله علمك إياه لا أعلمه، وأنا عَلَى علم من الله علمني إياه لا تعلمه.
وكذلك أولَّ لَهُ سببَ قتله للغلام وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً [الكهف:٨٠] قال المفسرون: إن هذا الغلام طبع يوم طبع كافراً، فكان جزاؤه أن يُقتل لئلا يفتن أبويه.
стр. 912
وكذلك الجدار الذي أقامه لم يكن إكراماً لتلك القرية اللئيمة، وإنما كَانَ لحكمة غيبية لا يطلع عليها إلا من أطلعه الله عَلَى علم وذلك أنه كان: لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً [الكهف:٨٢] فجدد هذا البناء لكي يبلغا أشدهما ويستخرجا الكنز عندما يكبرا، ويطلعهم عَلَى ذلك الكنز.
قال في الأخير: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:٨٢] فكل هذه المعاني التي جاءت في القُرْآن سواءً كَانَ وقوع حقيقة الشيء المخبر به، أو تأويل الرؤيا، أو تأويل العمل، فالمعنى فيها واحد، وهذا هو التأويل الذي جَاءَ في الكتاب والسنة.
يقول: [فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه؟] ، هذا رد من المُصْنِّف ﵀ عَلَى من فهم أن الإمام أبا جعفر أبا جعفر الطّّحاويّ ينكر التأويل بإطلاق فَيَقُولُ: هو لا ينكر التأويل بإطلاق لكن ينكر التأويل بالمعنى البدعي المحدث.
أمور الغيب لا يعلم تأويلها إلا الله
стр. 913
قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [وأما ما كَانَ خبراً كالإخبار عن الله واليوم الآخر فهذا قد لا يعلم تأويله الذي هو حقيقته إذ كانت لا تعلم بمجرد الإخبار؛ فإن المخبر إن لم يكن قد تصور المخبر به، أو ما يعرفه قبل ذلك لم يعرف حقيقته التي هي تأويله بمجرد الإخبار وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله] كالحديث عن الجنة والنَّار وعن صفات الله وعن صفات بعض المخلوقات كالملائكة كما قال عبد الله بن المبارك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "قد بلغنا -وذلك كما في الحديث الصحيح- أن لجبريل ستمائة جناح، ونحن نعلم أن الطير ماله إلا جناحان فأين يكون الثالث؟ " أي: أن العقل لا يستطيع أن يتصور أين يكون الجناح الثالث؟ فكيف يستطيع العقل أن يتصور ستمائة جناح؟ فهذه من الأمور الغيبية التي أخبرنا الله بها ورسوله الله ﷺ ، وكذلك صفات الله، وصفات العالم الغيبي، هذه أمور لا نعلم حقيقتها بمجرد الإخبار، وإلا فالنبي ﷺ وأصحابه هم أعلم النَّاس وأفهمهم للقرآن؛ لكنهم لم يعرفوا حقيقة هذه الأمور إلا ما أطلع الله عليه رسوله ﷺ كما في الإسراء، فمثلاً: نؤمن بأن الجنة فيها أنهار من عسل ولبن وخمر وماء وفواكه وغير ذلك، وكل ذلك لا نعلم حقيقته، إلا أنَّ هناك لفظاً مشتركاً يدل عَلَى قدر معين من العلم والشوق والرغبة إِلَى هذا الشيء، وإن كنا لا ندري حقيقته الكاملة، فذهب الجنة وزعفرانها وفضتها والحور العين واللؤلؤ والمرجان كل ذلك أسماء إلا أنها تدلنا عَلَى معنى الآخرة حتى قال بعض العلماء: إن الله جعل في الأرض الأنهار والأشجار والنساء الجميلات ... ، وجعل هذه الأشياء، لكي يستدل العاقل بها عَلَى نعيم الجنة، فعندما تذهب إِلَى بلد من البلدان وترى منظراً لم يكن يخطر عَلَى بالك أن في الدنيا هذا
стр. 914
الجمال والأشجار والمياه والفاكهة والخضرة، فتتعظ وتعتبر، فكيف لو رأيت الآخرة؟!.
التأويل الباطني الخبيث
إن فائدة القول بهذا القدر اللفظي المشترك أنه يعيننا في الرد عَلَى الباطنية الذين أوّلوُا النعيم، وَقَالُوا: هذا ليس له أصل وإنما هو تقريب للأذهان، فينكرون الحقائق، ويقولون: هذا عالم غيب، وأنتم لا تعرفون عنه شيئاً، فنقول لهم: لكننا بناءاً عَلَى ما نعرف من الألفاظ التي أنزلها الله تعالى، ومعرفة أن هذه المعاني مراده، وأن لها مدلولات حقيقية هي فوق ما نتخيل من المعاني، فهذا القدر نرد به عَلَى أمثال هَؤُلاءِ المعطلين الذين عطلوا النصوص جميعاً، ولم يكتفوا بإنكار الصفات؛ بل أنكروا الحشر، وَقَالُوا: حشر روحاني، وأنكروا نعيم الجنة، وَقَالُوا: نعيم روحاني، وأنكروا عذاب النار، فَقَالُوا: عذاب روحاني، إِلَى آخر ما أبطلوا به الكتاب والسنة، فأبطلوا الصلاة والزكاة وصفات الله وأبطلوا الجنة ولم يُبقوا من كتاب الله شيئاً.
فعندما نقول لهم قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:٤٣] قالوا: الصلوات الخمس هي عَلِيّ وفاطمة والحسن والحسين، ومحسن، وقالوا في قوله تعالى: وَآتُوا الزَّكَاةَ أن تدفع المال للإمام المعصوم أو تنفق في كذا، وفي قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:١٨٣] هو حفظ أسرار الإمام المعصوم، وقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت [آل عمران:٩٧] أن تذهب إِلَى الإمام المعصوم، فهذه هي حيلة اليهود والمجوس الذين أسسوا دين الرفض، ثُمَّ دين الباطنية والصوفية الذي هو أوسع من الرافضة، الذي يخرج الإِنسَان من جميع التكاليف ومن جميع التعبدات، فلا يؤمن بكتاب ولا بسنة، ولا بأمر ولا بنهي عافانا الله من ذلك
فالمقصود من ذلك: أن التأويل الذي هو معرفة حقيقة ما يؤول إليه المخبر عنه في الكتاب والسنة لا يعلمه إلا الله.
стр. 915
ثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه -ثُمَّ وضح ذلك فقال- فما في القُرْآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها، وما أنزل آية إلا وهو يحب أو أن يُعلم ما عني بها وإن كَانَ من تأويله ما لا يعلمه إلا الله، فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف] .
إذاً مع قولنا: إن حقائق الأشياء لا يعلمها إلا الله، لكن هل يفهم من هذا أن معانيها لا تعلم؟ فهل نقول: الفاكهة أو الرمان والنخل والحور العين والأبكار واللحم والطير لا يعلم معناها؟ لا، ليس الأمر كذلك، فمعنى استوى نعلمه، ومعنى الجبار نعلمه، والقيوم والعزيز والحكيم كل هذه المعاني نعلم معناها؛ لكن حقائقها وكيفية اتصاف الله بها لا نعلمه، فالمهم هو: معرفة أن نفي العلم بتأويل -حقيقة- الشيء لا يعني نفي معرفة المعنى، فلا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا.
لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى
ولا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي معرفة المعنى هذا أمر مهم جداً، فما في القُرْآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها.
فالمفوضة تقول: نَحْنُ لا نثبت أي معنى من هذه المعاني، فإذا قلت له: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] يقول: الله أعلم بمراده فلا أنفي ولا أثبت! يقول: لأن الله تَعَالَى يقول: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:٧] ، فنحن نتبع سبيل الراسخين في العلم، فنؤمن بأنها آية في القرآن؛ لكن لا نؤمن بأن لها معنى ولا نفسر هذا المعنى، وهذا مذهب خطير جداً.
следующие страницы →