Полный текст (1 990 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
فما كَانَ من الخضر ﵇ إلا أن قَالَ: قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:٧٨] أي: أنا سأخبرك الآن بالعلة والسر والحكمة في الأفعال التي رأيتها ولم تستطع أن تصبر عليها، ثُمَّ أخذ يبين له: أَمَّا السَّفِينَةُ فتأويلها العملي فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف:٧٩] عن أهلها وبعد أن نزل موسى والخضر ﵉ من السفينة، ذهب المساكين بسفينتهم إِلَى الميناء وجاء أعوان ذلك الملك الظالم، فَقَالُوا: نريد هذه السفينة إن كانت تصلح لنا وإلا تركناها؟ فخاف المساكين عَلَى سفينتهم فلما رأى أعوان الظالم الخرق قالوا: هذه مخروقة لو ركب فيها الجند لغرقوا فتركوها، ففرح المساكين وذهبوا وأصلحوا الخرق وسلمت لهم السفينة. إذاً هذا الخرق كَانَ خيراً لهم، لكن موسى ﵇ لا يعلم تأويل ذلك، ولا يعلم الغيب الذي أطلع الله تَعَالَى عليه الخضر ولم يطلع عليه موسى، ولهذا قال له الخضر: أنت عَلَى علم من الله علمك إياه لا أعلمه، وأنا عَلَى علم من الله علمني إياه لا تعلمه.
وكذلك أولَّ لَهُ سببَ قتله للغلام وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً [الكهف:٨٠] قال المفسرون: إن هذا الغلام طبع يوم طبع كافراً، فكان جزاؤه أن يُقتل لئلا يفتن أبويه.
стр. 912
وكذلك الجدار الذي أقامه لم يكن إكراماً لتلك القرية اللئيمة، وإنما كَانَ لحكمة غيبية لا يطلع عليها إلا من أطلعه الله عَلَى علم وذلك أنه كان: لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً [الكهف:٨٢] فجدد هذا البناء لكي يبلغا أشدهما ويستخرجا الكنز عندما يكبرا، ويطلعهم عَلَى ذلك الكنز.
قال في الأخير: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:٨٢] فكل هذه المعاني التي جاءت في القُرْآن سواءً كَانَ وقوع حقيقة الشيء المخبر به، أو تأويل الرؤيا، أو تأويل العمل، فالمعنى فيها واحد، وهذا هو التأويل الذي جَاءَ في الكتاب والسنة.
يقول: [فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه؟] ، هذا رد من المُصْنِّف ﵀ عَلَى من فهم أن الإمام أبا جعفر أبا جعفر الطّّحاويّ ينكر التأويل بإطلاق فَيَقُولُ: هو لا ينكر التأويل بإطلاق لكن ينكر التأويل بالمعنى البدعي المحدث.
أمور الغيب لا يعلم تأويلها إلا الله
стр. 913
قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [وأما ما كَانَ خبراً كالإخبار عن الله واليوم الآخر فهذا قد لا يعلم تأويله الذي هو حقيقته إذ كانت لا تعلم بمجرد الإخبار؛ فإن المخبر إن لم يكن قد تصور المخبر به، أو ما يعرفه قبل ذلك لم يعرف حقيقته التي هي تأويله بمجرد الإخبار وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله] كالحديث عن الجنة والنَّار وعن صفات الله وعن صفات بعض المخلوقات كالملائكة كما قال عبد الله بن المبارك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "قد بلغنا -وذلك كما في الحديث الصحيح- أن لجبريل ستمائة جناح، ونحن نعلم أن الطير ماله إلا جناحان فأين يكون الثالث؟ " أي: أن العقل لا يستطيع أن يتصور أين يكون الجناح الثالث؟ فكيف يستطيع العقل أن يتصور ستمائة جناح؟ فهذه من الأمور الغيبية التي أخبرنا الله بها ورسوله الله ﷺ ، وكذلك صفات الله، وصفات العالم الغيبي، هذه أمور لا نعلم حقيقتها بمجرد الإخبار، وإلا فالنبي ﷺ وأصحابه هم أعلم النَّاس وأفهمهم للقرآن؛ لكنهم لم يعرفوا حقيقة هذه الأمور إلا ما أطلع الله عليه رسوله ﷺ كما في الإسراء، فمثلاً: نؤمن بأن الجنة فيها أنهار من عسل ولبن وخمر وماء وفواكه وغير ذلك، وكل ذلك لا نعلم حقيقته، إلا أنَّ هناك لفظاً مشتركاً يدل عَلَى قدر معين من العلم والشوق والرغبة إِلَى هذا الشيء، وإن كنا لا ندري حقيقته الكاملة، فذهب الجنة وزعفرانها وفضتها والحور العين واللؤلؤ والمرجان كل ذلك أسماء إلا أنها تدلنا عَلَى معنى الآخرة حتى قال بعض العلماء: إن الله جعل في الأرض الأنهار والأشجار والنساء الجميلات ... ، وجعل هذه الأشياء، لكي يستدل العاقل بها عَلَى نعيم الجنة، فعندما تذهب إِلَى بلد من البلدان وترى منظراً لم يكن يخطر عَلَى بالك أن في الدنيا هذا
стр. 914
الجمال والأشجار والمياه والفاكهة والخضرة، فتتعظ وتعتبر، فكيف لو رأيت الآخرة؟!.
التأويل الباطني الخبيث
إن فائدة القول بهذا القدر اللفظي المشترك أنه يعيننا في الرد عَلَى الباطنية الذين أوّلوُا النعيم، وَقَالُوا: هذا ليس له أصل وإنما هو تقريب للأذهان، فينكرون الحقائق، ويقولون: هذا عالم غيب، وأنتم لا تعرفون عنه شيئاً، فنقول لهم: لكننا بناءاً عَلَى ما نعرف من الألفاظ التي أنزلها الله تعالى، ومعرفة أن هذه المعاني مراده، وأن لها مدلولات حقيقية هي فوق ما نتخيل من المعاني، فهذا القدر نرد به عَلَى أمثال هَؤُلاءِ المعطلين الذين عطلوا النصوص جميعاً، ولم يكتفوا بإنكار الصفات؛ بل أنكروا الحشر، وَقَالُوا: حشر روحاني، وأنكروا نعيم الجنة، وَقَالُوا: نعيم روحاني، وأنكروا عذاب النار، فَقَالُوا: عذاب روحاني، إِلَى آخر ما أبطلوا به الكتاب والسنة، فأبطلوا الصلاة والزكاة وصفات الله وأبطلوا الجنة ولم يُبقوا من كتاب الله شيئاً.
فعندما نقول لهم قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:٤٣] قالوا: الصلوات الخمس هي عَلِيّ وفاطمة والحسن والحسين، ومحسن، وقالوا في قوله تعالى: وَآتُوا الزَّكَاةَ أن تدفع المال للإمام المعصوم أو تنفق في كذا، وفي قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:١٨٣] هو حفظ أسرار الإمام المعصوم، وقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت [آل عمران:٩٧] أن تذهب إِلَى الإمام المعصوم، فهذه هي حيلة اليهود والمجوس الذين أسسوا دين الرفض، ثُمَّ دين الباطنية والصوفية الذي هو أوسع من الرافضة، الذي يخرج الإِنسَان من جميع التكاليف ومن جميع التعبدات، فلا يؤمن بكتاب ولا بسنة، ولا بأمر ولا بنهي عافانا الله من ذلك
فالمقصود من ذلك: أن التأويل الذي هو معرفة حقيقة ما يؤول إليه المخبر عنه في الكتاب والسنة لا يعلمه إلا الله.
стр. 915
ثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه -ثُمَّ وضح ذلك فقال- فما في القُرْآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها، وما أنزل آية إلا وهو يحب أو أن يُعلم ما عني بها وإن كَانَ من تأويله ما لا يعلمه إلا الله، فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف] .
إذاً مع قولنا: إن حقائق الأشياء لا يعلمها إلا الله، لكن هل يفهم من هذا أن معانيها لا تعلم؟ فهل نقول: الفاكهة أو الرمان والنخل والحور العين والأبكار واللحم والطير لا يعلم معناها؟ لا، ليس الأمر كذلك، فمعنى استوى نعلمه، ومعنى الجبار نعلمه، والقيوم والعزيز والحكيم كل هذه المعاني نعلم معناها؛ لكن حقائقها وكيفية اتصاف الله بها لا نعلمه، فالمهم هو: معرفة أن نفي العلم بتأويل -حقيقة- الشيء لا يعني نفي معرفة المعنى، فلا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا.
لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى
ولا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي معرفة المعنى هذا أمر مهم جداً، فما في القُرْآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها.
فالمفوضة تقول: نَحْنُ لا نثبت أي معنى من هذه المعاني، فإذا قلت له: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] يقول: الله أعلم بمراده فلا أنفي ولا أثبت! يقول: لأن الله تَعَالَى يقول: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:٧] ، فنحن نتبع سبيل الراسخين في العلم، فنؤمن بأنها آية في القرآن؛ لكن لا نؤمن بأن لها معنى ولا نفسر هذا المعنى، وهذا مذهب خطير جداً.
стр. 916
ونتيجةً لجهل أكثر المتكلمين المتأخرين بهذا المعنى وقعوا في الحيرة، والاضطراب فأخذوا بهذا المبدأ، وَقَالُوا: نَحْنُ نفوض، فكانوا مفوضة، ومنهجهم خارج عن منهج السلف الصالح، وباطل كما أن مذهب المؤولة باطل، وهناك طائفة أخرى: لما رأوا أن هَؤُلاءِ أحجموا، وَقَالُوا: لا نثبت أي معنى من المعاني، قالوا: نَحْنُ نعرف هذه المعاني، ونعرف التأويل، ولهذا: أخذوا يؤولون الآيات ويخرجونها وفق قواعد اللغة العربية حسب زعمهم، والواقع أن كلاً منهما مخطئ من جهة، وهذا الذي يجب أن نعلمه في آية آل عمران.
يقول المصنف: [فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف وسواء كَانَ هذا التأويل موافقاً للظاهر أو مخالفاً له] أي: إن كَانَ المقصود بكلمة " التأويل" تأويل المعنى فالأمر واضح أن المعنى قد يوافق الظاهر، وقد يخالفه، فالذين يتكلمون في معاني القُرْآن قد يفسرونه بالمعاني التي توافق الظاهر أو تخالفه هذا شيء آخر.
لكن المقصود: أنهم يفسرون القُرْآن بمعانٍ ولا يفوضون، ويقولون: لا نعلم منه شيئاً، وإن كَانَ المقصود أن هذا التأويل هو وقوع حقيقة الشيء، وقد تكون موافقةً للفظ وقد تكون مخالفة له وهذا الاحتمال قد يرد، وتوضيحاً لهذا نقول: عندما أخبرنا النبي ﷺ عن صفات الدجال، قد يفهم الإِنسَان من ظاهر هذه الصفات معنى معيناً في الدجال، فإذا ظهر الدجال قد يكون التأويل خلافاً لِمَا كَانَ مفهوماً من ظاهر النص.
وهنا لا بد من التنبيه عَلَى أمر مهم وهو:
التأويل قد يقع خلاف الظاهر المفهوم من النص
قد يقع التأويل خلاف الظاهر الذي كَانَ مفهوماً من ظاهر النص فيحتمل هذا المعنى أو ذاك
стр. 917
الأولى: في التفسير نرجع الضمير إِلَى المعاني وليس إِلَى وقوع الحقيقة؛ لأن كلمة "الظاهر": ومعرفة الظاهر ومعرفة ما عدا الظاهر، سواء كَانَ هذا معنى راجحاً أو مرجوحاً، هذه مسألة تعود إِلَى الفهم والفقه والاجتهاد، فالخلاف في هذا لا حرج أن يقع، ولهذا فالتفسير الذي يأتي عن أصحاب النبي ﷺ قد يكون منه ما هو خطأ لأنه فهم محض، فتجد آية فهمها أحد الصحابة عَلَى وجه والآخر فهمها عَلَى وجه آخر، ولا نستطيع أن نجمع بينهما، فنرجح فهم هذا عَلَى فهم ذلك كما في الأحكام، فقد يكون الواحد مخطئاً لكن له أجر، والآخر مصيب فله أجران، فمعاني القُرْآن التي يفسرها العلماء قد تكون موافقة لظاهره أو مخالفة، وقد تكون خطأً، وقد تكون صواباً -هذا بالنسبة لأفهام الناس- لكنه في ذاته -أي: القرآن- لا بد أن له مراداً يريده الله أو لا بد أن هذه الآية لها من يفهمها ولا يمكن أن يكون في القُرْآن آية يخفى معناها عَلَى جميع العلماء ويخطئ جميع العلماء في معناها
يقول المصنف: [والتأويل في كلام كثير من المفسرين كابن جرير ونحوه يريدون به تفسير الكلام وبيان معناه] يقول ابن جرير في تفسيره: تأويل قوله تَعَالَى كذا، قال ابن عباس كذا ويأتي بسند إِلَى ابن عباس، وكذلك يأتي بسند إِلَى ابن جبير، وسند إِلَى جابر بن زيد، وسند إِلَى كذا، هذا هو التفسير، [سواء وافق ظاهره أو خالفه] فهو مجرد تفسير للكلمة [وهذا اصطلاح معروف، وهذا التأويل كالتفسير يحمد حقه ويرد باطله] أياً كان، وقد يكون من الحق ما يوافق ظاهر اللفظ، وقد يكون الظاهر مخالفاً له، كَانَ يكون هذا الظاهر عاماً مخصصاً أو مطلقاً لكنه قيده في موضع آخر، أو مجملاً وبيَّن في موضع آخر.
стр. 918
ثُمَّ ذكر المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:٧] وأن فيها قراءتين قراءة من يقف عَلَى قوله "إلا الله" ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ يستأنف.
والقراءة الأخرى -لِمن لا يقف- معناها: والراسخون في العلم حال كونهم قائلين آمنا به كل من عند ربنا، والقراءتان كلتاهما حق ولا اعتراض عليهما.
فإذاً يجوز لك أن تقف عَلَى قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ باعتبار، ويجوز لك أن لا تقف باعتبار آخر، ولذا قَالَ: [يراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله، ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره وهو تأويله ولا يريد من وقف عَلَى قوله "إلا الله" أن يكون التأويل بمعنى التفسير للمعنى] هذا مهم جداً، والمقصود به بيان أن هذه الآية مما أشكل فهمها وتفسيرها عَلَى كثير من الناس.
يرد متشابه القرآن إلى محكمه
لقد ذكر الله أنه أنزل القُرْآن عَلَى نبيه مُحَمَّد ﷺ وأنه جعله عَلَى قسمين: محكم ومتشابه، فالسلف الصالح كابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، والحسن وكثير من مفسري السلف فسروا المحكم كما في الدر المنثور في أول الجزء الثاني -وهو ينقل المأثور سواء كَانَ عن ابن أبي حاتم أو البيهقي أو البغوي أو الحاكم بالسند إِلَى من قال القول ويقول: قال السلف إن المحكم هو: الحلال والحرام والأمر والنهي مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:٧] .
стр. 919
والمتشابهات: مثل الوعد والوعيد، وما يؤمن به ولا يعمل به كثير من السلف كما في الدر المنثور، يعبرون عن أنفسهم وعن حالهم مع كتاب الله . يقولون: نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهة، ونتدبر أمثاله وأقسامه فبعضهم يقول: إذاً المحكم هو الحلال والحرام والأمر والنهي أي: ما نعمل به مثل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ومثل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:٢٢٨] إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ [الطلاق:١] فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:٨٩] فهذه الآيات في الأحكام نعمل بها، وأيضاً في الأوامر والنواهي كما في الآيات التي في سورة الإسراء كالنهي عن الإسراف والتبذير والكبر والحقد والغل وغيرها من النواهي، والمتشابه مثل: الوعد والوعيد والأمثال، وكثير من النَّاس لا يفهم ما هو المراد بأمثال القرآن، ولكنه يؤمن به ويقول: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:٧] وهذا قول أكثر السلف.
وقال بعض السلف ﵏: المحكم هو الذي لم ينسخ، والمتشابه: المنسوخ، وهذا في الحقيقة جزء من ذلك، لأن الإحكام قد يقابل النسخ، فمثلاً سورة المائدة: قد روى الحاكم وصححه والنَّسَائِيُّ أن عَائِِِشَةَ ﵂ قالت: هذه السورة من آخر ما نزل، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه، أو: فإنها محكمة، أي: أن سورة المائدة محكمة. فليس فيها حكم منسوخ لأنها آخر ما نزل. بخلاف السور الأخرى التي نزلت من قبل فقد يكون فيها آيات منسوخة.
стр. 920
إذاً: فالمحكم يأتي مقابل المنسوخ كما في أصول الفقه، ولكن إذا جَاءَ المحكم مقابل المتشابه فمعناه الذي لا يحتمل إلا معنىً واحداً أو هو النص الواضح الجلي، والمتشابه: ما يلتبس معناه وما يخفى، وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:٧] فهو ولا يريد الذين يتبعون المنسوخ بل الذين يتبعون ما تشابه منه مثل: الوعد والوعيد والأمثال والأقسام وأمثال ذلك مما قد يدق معناه ويخفى
ولهذا قَالَ: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وقد روي مرفوعاً عن النبي ﷺ ، لكن لا يصح رفعه "إنهم الخوارج " هكذا فسرها المفسرون من السلف، وقد جَاءَ في الصحيحين أن أم المؤمنين عَائِِِشَةَ ﵂: لما قرأت هذه الآية قالت: "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم" وكأن أم المؤمنين عَائِِِشَةَ ﵂ تشير إِلَى الخوارج "الحرورية " فهم مثلاً يتبعون قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:٤٤] فيجدون قاضي من قضاة الْمُسْلِمِينَ خالف أمر الله في مسألة فيقولون: هذا كافر، وآخر من الْمُسْلِمِينَ شرب الخمر فيقولون: هذا كافر؛ لأن معصية الله تَعَالَى عندهم كفر ويستدلون بقوله تَعَالَى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً [الأحزاب:٣٦] الضلال المبين هو الكفر كما في آيات أخرى.
стр. 921
إذاً: هذا كافر -هكذا يزعمون- فاتبعوا ما تشابه أي: ما تشابه معناه واحتمل عدة معاني، ولم يردوها إِلَى المحكم، ولوردوها إِلَى المحكم لوجدوا أن في كتاب الله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:٤٨] فالآية محكمة واضحة المعنى جلية لا التباس في معناها، وكذلك كلمة الضلال المبين والضلال البعيد تارة تطلق عَلَى الكفر وتارة تطلق عَلَى المعصية فقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:٧] الضالين: اليهودكما فسرها النبي ﷺ واليهود كفار.
والضالين أيضاً تلطق عَلَى الخارجين عن السنة إِلَى البدعة قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ [القلم:٢٦] أي: لمخطئون، تائهون عن الطريق، والمقصود هنا: أن الضلال يأتي بمعنى: الخطأ والذنب والكفر، لكن هذه الآية محكمة إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:٤٨] فتدل عَلَى أن صاحب الكبيرة تحت المشيئة يغفر الله له إن شاء أو يعذبه إن شاء، وأما قوله تعالى: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:٧] فهَؤُلاءِ ابتغوا الفتنة كالخوارج وأمثالهم وابتغوا المتشابه؛ كما قيل: إن النَّصَارَىقالوا: إن في القُرْآن ما يدل عَلَى أن الآلهة ثلاثة كما في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر:٩] قالوا: ونحن عَلَى الجمع وأقل جمع ثلاثة إذاً هو ثلاثة كما في التوراة، يقال لهم إن: معنى "نحن" متشابه، فالواحد المعظم لنفسه يقول: نحن، والجماعة يقولون: نحن، وهذا لا يلتبس بكتاب الله؛ لأننا نرده إِلَى المحكم، وهو قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:١٦٣] إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الأنعام:١٩] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:٧٣] .
стр. 922
وكذلك من التبس عليه قوله تعالى: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:٤٨] وقوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [ص:٧٥] فنردها إِلَى الأصل الثابت ليس كمثله شيء وليس ذلك لأن الآية متشابهة، فإن آيات الصفات ليست من المتشابة، ولكن قد يشتبه في الذهن معناها فنردها إِلَى المحكم.
وإذا أضفنا قوله: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ إِلَى قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ فمعنى ذلك أن الذين يتبعون الفتنة يظنون أنهم سيعلمون كيفية حقائق الأسماء والصفات، وحقائق الجنة والنَّار والوعد والوعيد، في حين أنه لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم يقولون في أمثال هذه الحقائق: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا أي: ما فهمنا معناه وما كَانَ واضحاً جلياً لنا؛ وما كَانَ في أخبار الآخرة، أو ما كَانَ في حقائق الأشياء، أو ما كَانَ مما يدق علينا أن نفهمه وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والراسخون في العلم يقولون ذلك عَلَى المعنى الآخر وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أي: أن أهل البدع الذين يتبعون المتشابهات ليسوا من الراسخين في العلم، وخطؤهم يأتي من جهة أنهم لا يفهمون كتاب الله، ولا يرجعون الأمر إِلَى الراسخين في العلم، كما قال الله تعالى: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْر [النحل:٤٣] .
стр. 923
فالله تَعَالَى يذمهم بالجهل، ويعيب عليهم أنهم لا يعلمون هذا التأويل، وتأويله لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، وأولئك الذين يتبعون الفتنة ليسوا من الراسخين في العلم، ومن هنا يخرج قول ابن عباس ﵁ لما قَالَ: (أنا من الراسخين في العلم) فنافع بن الأزرق الذي أوَّل كتاب الله، واستحل دماء الْمُسْلِمِينَ، لو ردَّ هذه الآيات إِلَى الراسخين في العلم من آيات الوعد والوعيد وغيرها إِلَى أمثال ابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما لما وقعت الفتنة، ولكنه ردها إِلَى عقله وهواه، فقَالَ: هَؤُلاءِ كفار واستحل دمائهم وأموالهم.
فلذلك ذهب المُصْنِّف إِلَى أن الأرجح في الآية: أن يكون التأويل فيها بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الشيء إذا وقفنا عَلَى قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ويكون الوقف عَلَى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ إذا كَانَ المقصود بالتأويل هو المتشابه الإضافي.
الوقف على "إلا الله " ارجح
لكننا نقول: ما ميزة الراسخين في العلم وبمقدور كل إنسان أن يقول: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا؟ نقول: إذا كَانَ الراسخون في العلم لا يعلمون تأويله ولكنهم يؤمنون به وبمعانيه وبحقائقه وهم لا يعلمونها، فأولى وأحرى بمن كَانَ دونهم من الجهال والعوام والأتباع أن يتأسوا بهم، وهذا معنى عظيم في الآية.
فلا يتجرأ بعد ذلك مبتدع أو صاحب شبهة في التعدي والتقول عَلَى الله تعالى، وليقف حيث وقف القوم هذا هو الذي يقوي وجهة نظر القائلين بأن الوقف أولى.
وتعبير المُصْنِّف [المتشابه في نفسه الذي لا يمكن أن يعرفه أحد؛ لأنه في ذاته متشابه] كما إذا قلنا: إن حقائق اليوم الآخر لا يمكن أن يعرفها أحد، لأنها في ذاتها متشابه، أي: يدق معناها، ويصعب فهمها في ذاتها فلذلك نؤمن بها. هذا هو المتشابه في نفسه.
стр. 924
وأما المتشابه الإضافي: ما كَانَ متشابهاً بالإضافة، أو بالنسبة لأحد دون أحد كآية يعلم تفسيرها عبد الله بن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما، ولكن لا يدرك معناها مجاهد أوسعيد بن جبير مثلاً، كما في عدد أصحاب الكهف، مثلاً فإن ابن عباس ﵄، فهم المراد من الآية، وأن المعنى الصحيح في عددهم سبعة وثامنهم كلبهم، وهذا معنى يدق فهمه وتفسيره، وهو من المتشابه الإضافي الذي قلَّ من يفهمه من الناس، فمن لم يفهم معنى آية من الآيات فليردها إِلَى الراسخين في العلم ليبينوا له معناها.
ليس في القرآن آية لا يفهمها جميع الأمة
لابد أن يُعلم أنه ليس في القُرْآن آية لا يفهمها جميع الأمة، وهذا هو الذي من أجله ساق المُصْنِّف ذلك الكلام فلا يلبس علينا المؤولون والمحرفون ويقولون: إن معنى قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أن في القُرْآن آيات لا يعرف تفسيرها أحد إلا الله، ولازم ذلك: أن الله أنزل علينا كتاباً وأمرنا بتدبره وتعقله والتفكر في آياته، وفيه مالا يعقله منا أحد مطلقاً، ابتداءً من النبي ﷺ وانتهاءً بآخرنا، ولا مدخل للمؤولين من جهة الصفات من الباطنية أو المفوضة الذين يقولون: إن في القُرْآن مالا يعلم معناه، فالقرآن بالنسبة للمفسرين وللعلماء كله معلوم، وإن كَانَ هذا التفسير قد يكون فيه الخطأ والصواب فهذا شيء آخر عائد إِلَى الأشخاص، لكن الأمة بمجموعها تعلم القُرْآن كله ولا تخطئ في فهم آية منه، وليس فيه ما لم يرد الله تَعَالَى منهم أن يفهموا معناه، هذا بالمعنى، وأما بالحقائق التي يؤول إليها وهي أمور الغيب فهذه لا يعلمها إلا الله .
стр. 925
هذه الآية أشكلت عَلَى كثير من المفسرين وغيرهم من العلماء، واختلفت فيها آراؤهم قديماً وحديثاً، وقد سبق أن الوجه الراجح الذي يُختار في الآية وفي القراءة من حيث الوقف والوصل هو أن يكون معنى التأويل: ما يؤول إليه الكلام، أي: حقيقته التي يؤول إليها، وهذا هو المعنى الذي كَانَ متداولاً عند السلف لا المعنى الآخر الذي هو التفسير وإن كَانَ أيضاً معروفاً عندهم.
السلف لم يقروا المعنى الثالث للتأويل
أما المعنى الثالث للتأويل: وهو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إِلَى احتمال مرجوح، فالسف الصالح لم يكن معروفاً عندهم إلا المعنيين السابقين، إما التفسير وإما الحقيقة التي يؤول إليها الشيء.
أما الاصطلاح الحادث، فهذا لم يتكلم فيه السلف، ولا يقرونه إنما يقرونه أهل الزيغ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.
ولا نختار أن نقف هنا؛ لأن الذين في قلوبهم زيغ، ومنهم الفرق التي ظهرت في زمن الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم، كالخوارج وأشباههم لم يكونوا يتبعون المتشابه من القرآن، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، بمعنى: ابتغاء تفسيره، وإنما ابتغاء الفتنة ليجادلوا ويماروا بالقرآن، (والمراء بالقرآن كفر) .
كما ورد عن النبي ﷺ ، فالفرق المارقة وأصحاب البدع، يتبعون المتشابه من الآيات التي يشكل معناها، أو تحتمل معنيين، فلا يردون المتشابه إِلَى المحكم، وإنما يتبعون هذا المتشابه، ابتغاء الفتنة وإيقاعها في قلوب الناس، وتفريقاً بينهم وإبعاداً لهم عن الطريق المستقيم الذي عليه الجماعة، وهم أصحاب النبي ﷺ .
стр. 926
فأهل الزيغ يبتغون أن يعلموا ما تؤول إليه معاني وحقائق هذا القرآن، فمن ذلك: أنهم ينزلون بعض الآيات عَلَى أن معانيها منزلة عَلَى أشخاص معينين وهي لم تنزل فيهم، أو يريدون معرفة معانيها التي لا يمكن أن يعلمها أحد وعلى هذا المعنى يكون الوقف عَلَى قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أولى، والمعنى متناسق، لأن الله تَعَالَى وحده هو الذي يعلم ما يؤول إليه هذا الكلام، مع أن التشابه نسبي.
سيبقى الإشكال -إذا كَانَ هذا هو الوجه المختار- فلماذا خُص الراسخون في العلم بأنهم يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا أي: إذا قلنا: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، وإنما يقولون: "آمنا به" فكل جاهل وكل إنسان لا يعلم المعنى وبإمكانه أن يقول: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا.
والله تَعَالَى إنما خص الراسخين في العلم تنبيهاً عَلَى من دونهم، فإذا كَانَ الراسخون في العلم من كبار الصحابة ومن بعدهم يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا أي: لا يعلم معناها وما تؤول إليه حقائقها إلا الله، ونرد تأويل ذلك إِلَى الله ، فمعنى ذلك: أن من عداهم من باب أولى أن لا يتكلم وأن لا يخوض في تأويله.
ومنهم بطبيعة الحال الذين يريدون الفتنة لأن في قلوبهم زيغ؟ إذا قلنا مثلاً: إن عبد الله بن عباس ﵁ وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، كَانَ يقول في مثل هذه الآيات آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا فكيف يجب أن يكون نافع بن الأزرق زعيم الخوارج الأزارقة الذي كَانَ يسائل عبد الله بن عباس كثيراً عن معاني القُرْآن في كثير من الآيات؟!.
стр. 927
هذا الذي في قلبه زيغ، أي: نافع يتبع الفتنة، وابتغاء تأويل هذه المعاني أولى وأحرى به أن يقول ما قاله الراسخون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا فكذلك من بعدهم أولى وأحرى بذلك وأعظم، فيكون في ذكر الراسخين في العلم مناسبة وحكمة جليلة عظيمة لمن تأملها.
ليس في القرآن شيء لا تفهمه جميع الأمة
القضية الأخرى التي يجب أن نفهمها ونعلمها، هي أن الله ﵎ لا يذكر في القُرْآن شيئاً لا يعلم معناه أحد من الأمة! لا يمكن ذلك أبداً؛ لأن الله تَعَالَى لم ينزل هذا القرآن، إلا وأمرنا بتدبره، والتفكر في آياته، وأن نعقل أمثاله بحسب الاستطاعة، والنَّاس يتفاوتون في ذلك بحسب ما يعطيهم الله من مواهب ومن فهم يمنُّ به عَلَى من يشاء، وفقه في دين الله وتعليم لتأويل كتابه، فهذا فضل من الله يتفاوت فيه الناس، لكن أن توجد آية لا يعلمها كل الأمة بإطلاق، لا النبي ﷺ ، ولا أحد؟! لا يمكن أن يكون ذلك أبداً.
فهذا هو الوجه الذي يقول به من يقول: إن الوصل أولى، أي: أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل، ونحن نقول هذا كلام صحيح، نقرره ونؤكده مع ترجيح الوقف الأول، حتى لا يكون للتأويل كلمتان وردتا في آية واحدة، وتكون إحداهما لها معنى والأخرى لها معنى آخر، وإنما السياق يقتضي أن يكون معناهما واحداً.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
стр. 928
[وقول الأصحاب ﵏ في الأصول: إن المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل السور، ويروى هذا عن ابن عباس، مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس، فإن كَانَ معناها معروفاً، فقد عرف معنى المتشابه، وإن لم يكن معروفاً، وهي المتشابه كَانَ ما سواها معلوم المعنى، وهذا المطلوب، وأيضاً فإن الله قَالَ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:٧] وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادّين] اهـ.
الشرح:
إذا قال الإمام ابن أبي العز ﵀: (وقول الأصحاب) ، فإنه يعني بالأصحاب الأحناف، لأنه حنفي المذهب، فهو يقول: إن أصحاب أبي حنيفة ﵏ يقولون: إن الراجح في مذهب أبي حنيفة والمختار عندهم: أن المتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل السور مثل: (الم، حم، كهيعص، المص، ق، ن) إِلَى آخرها، جمعها بعض العلماء في عبارة (نص حكيم له سر قاطع) فهي النون والصاد والحاء والكاف والياء والميم والقاف والألف والطاء والعين واللام والهاء والسين والراء، هذه الحروف المقطعة التي وردت في أوائل السور، وقول الأصحاب هذا هو مما قيل في معاني الحروف المقطعة، فهناك قولان في معنى الحروف المقطعة.
القول الأول: أنها من المتشابه
فريق يقولون عن الحروف المقطعة - الله أعلم- بمراده، وهذا يروى كما ذكر المصنف، وكما هو في الدر المنثور، عن عبد الله بن عباس وعلى ذلك عدد من العلماء، كما في تفسير الجلالين فنجده دائماً عند الحرف المقطعة يقول: الله أعلم بمراده، ولا يتكلم فيه أبداً، إنما يكل علمه إِلَى الله. فيقولون: إن المتشابه الذي استأثر الله تَعَالَى بعلمه ولا يعلمه أحد، هو هذه الحروف.
القول الثاني: أن لهذه الحروف معنى
стр. 929
والفريق الآخر وهم أكثر العلماء يقولون: إن لهذه الحروف معنى، وهذا المعنى اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، ولم يجمعوا فيه عَلَى قول كما نقل ذلك الحافظ ابن كثير ﵀، ولو ورد ذلك لألزم به الباقون.
إن هذه أسماء للسور، فـ"الم" كأنه اسم للسورة، ومنهم من قَالَ: إن هذه أسماء للقرآن، ومنهم من قَالَ: إنها فواتح يفتتح الله ﵎ بها القرآن، ومنهم من قَالَ: هي حروف من حروف المعجم ذكرها الله في أول القرآن، أو في أول الآيات، لينبه إِلَى أن القُرْآن مركب من هذه الحروف التي هي حروف المعجم، ومنهم من قَالَ: إن هذه أسماء من أسماء الله ﵎.
حتى ورد عن بعض السلف أنه قَالَ: آلم، اسم الله الأعظم، وورد عن بعضهم الألف إشارة إِلَى الله، واللام إِلَى اللطيف، والميم إِلَى المجيد، وأمثال ذلك، والأقوال في المسألة اجتهادية، وللإنسان أن يختار ويرجح القول الذي يراه، لكن لو تأملنا الحكمة التي ذكرها العلماء.
هذه الحكمة تدلنا عَلَى المعنى الصحيح -إن شاء الله- كما ذكرها الحافظابن كثير ﵀ واختارها وهي أنها بيان إعجاز القرآن، وبعضهم قَالَ: المقصود منها إثارة الْمُشْرِكِينَ؛ لأنهم يسمعون كلمات غريبة جديدة عَلَى أسماعهم فيصغون ويلقون السمع للقرآن، لكن مما هو معلوم أن في القُرْآن كثير من هذه الحروف المقطعة، كما في البقرة، وآل عمران، وغيرها من السور التي نزلت في المدينة، وهذا مما يضعف هذا القول كقولٍ من الأقوال.
القول الراجح في ذكر الحروف المقطعة
стр. 930
والقول الذي يختار ويرجح، والذي تظهر حكمته وفائدته جلية إن شاء الله، هو أن نقول: إن هذه الحروف ذكرها الله في أوائل السور، وكأنه يقول: إن القُرْآن يتركب من هذه الحروف، فهل تستطيعون أن تأتوا بمثله -لن تستطيعوا أن تأتوا بمثله- فآمنوا به، فإنكم لن تأتوا بمثله أبداً، ويرجح هذا القول: أن هذه السور التي وردت فيها هذه الحروف المقطعة عددها تسع وعشرون سورة، وأنها تشتمل عَلَى ما يدل عَلَى أن القُرْآن من عند الله، وينفي أقوال الْمُشْرِكِينَ بأنه مفترى، وتأتي فيها الإشارة إِلَى هذا القرآن، عقب ذكر هذه الحروف المقطعة، وهذا مما هو معلوم عند الجميع.
مثلاً: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) [البقرة:٢,١] آلم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ [آل عمران:١-٣] . يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يّس:١،٢] حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [غافر:١،٢] حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الدخان:١،٢] ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [صّ:١] ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [قّ:١] .
فلو تأملنا لوجدنا أن هذا المعنى ظاهر، وهو أن الله ، يأتي بما يدل في السورة -ولكن غالبها يأتي عقب هذه الحروف المقطعة- أن هذا القُرْآن من عند الله ، وهذه الحروف هي من كلام البشر العربي عموماً، فكلام أبلغ البلغاء وأقلهم بلاغة يتركب في هذه الحروف، وهذا القُرْآن أنزله الله تَعَالَى مركباً من هذه الحروف التي تقولونها، ومع ذلك فلن تستطيعوا أن تأتوا بمثله، ولو اجتمع الجن والإنس عَلَى ذلك، ولو كَانَ بعضهم لبعض ظهيراً، أو استعانوا أيضاً بمن شاءوا ممن عداهم لا يمكن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل ولا بعشر سور، بل ولا بسورة من مثله.
стр. 931
فهذا دليل عَلَى أن هذه الحروف لها حكمة واضحة، وأن هذا يعين عَلَى فهم معناها، بمعنى أنه لا يشترط أن نقول: النون لها معنى خاص، أو القاف لها معنى خاص، الحكمة من ذكرها تشير أو تدل عَلَى المراد، وهو أنه ، يصدر كتابه بهذه الحروف للدلالة عَلَى ما قلنا: إن القُرْآن يتركب منها، ومن يريد أن يكذب ويقول: أن هذا ليس من عند الله، كما قيل: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ [الشعراء:٢١٠] وقيل: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل:١٠٣] وقيل: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا [الفرقان:٥] وأمثال ذلك فهذه هي حروف القُرْآن التي تقولونها وتستخدمونها، فهل تستطيعون أن تأتوا بمثله؟!.
الرجل البهائي ورقم "١٩"
ومن المناسب أن نذكر لكم الشبهة التي خرجت مؤخراً، والتي اعتبرها النَّاس فتحاً عظيماً، وخطب بها خطباء الجمع، وكتبت في الجرائد والمجلات والكتب، وقيل: هذا من الإعجاز، وهذا من آيات القرآن، وهذا دليل عَلَى أن العصر الحديث، وأن الكمبيوتر يصحح أن القُرْآن من عند الله.
فإن قوماً افتروا فريةً وهي أن الحروف الموجودة في أوائل سور القُرْآن مركبة كلها عَلَى رقم (١٩) كما يزعمون، إما (١٩) أو أي مضاعف من مضاعفاته، وأمثال ذلك مما ذهب إليه بعض المفترين، ونحب أن نوضح أن الطائفة البهائية الخبيثة المجرمة التي نشأت في بلاد إيران في القرن الميلادي الماضي أو قبله، هي التي تركب عقائدها عَلَى الرقم (١٩) وجعلوا السنة (١٩) شهراً، والشهر (١٩) يوماً وهكذا، فركبوا عَلَى الرقم (١٩) معاني وعقائد وديناً كله يدور حول هذا الرقم.
وكما هو معلوم أن الباطنية هي التي تؤول كتاب الله بالتأويل الباطني، الذي لا يقبله عقل ولا يدل عليه نقل، وهذه البهائية ما هي إلا فرقة حديثة من فرق الباطنية التي خرجت في نفس المنبت الذي هو منبت الرفض.
стр. 932
وأصلهم هو أصل التكذيب بكتاب الله، والتحريف لكلام الله ، والذي كتب هذا وأشاعه رجل مصري، لكنه بهائي وهو الذي جَاءَ بهذه الفرية، وقَالَ: إن أول آية من القُرْآن هي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تسعة عشر حرفاً، والقرآن كله يتركب عَلَى هذا الأساس، وهذا من أول ما يدل عَلَى كذبه أن نفس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أكثر من تسعة عشر حرفاً.
وسبب خطئه أنه وضعها في الكمبيوتر، والكمبيوتر يسجل بحسب الحروف كما هي مكتوبة، ولا يحسب الحرف المكرر، ولا يحسب المد في مثل "الرحمان" فلذلك نجد أن هذا كلام إفك، وبهتان، وافتراء، المقصود منه تصحيح مذهب هذه الفرقة الضالة، وليس موضوعنا الآن بيان هذه الفرقة، ولا ما يتعلق بها، ولا حتى الاستطراد في شرح الحروف المقطعة.
لكن المقصود أنه يجب علينا قبل أن نفرح بأي نتيجة، أو نظن أنها تخدم ديننا، أو تهدف إليه، أن ندرك أن وراء هذا خططاً، فهذا الرجل أول ما أظهر هذا الكلام، اشتهر عند الْمُسْلِمِينَ وكتبوا عنه ونشروا اسمه، وعرف حتى أصبح كأنه من أعظم المكتشفين ومن أعظم العلماء الذين يؤخذ كلامهم في أي موضوع من موضوعات الدين، ومن جملة من أشهره أناس طيبون في الخطب عَلَى المنابر، والمجلات والجرائد الإسلامية.
وبعد سنوات أخذ يخرج السموم وينفثها ويقول: إن السنة لا حاجة لها، وحسبنا القرآن، هذا بعد أن اشتهر، فكيف يكون موقفنا بعد ذلك عندما نكذبه ونتهمه ونحن الذين رفعناه وأشهرناه؟! كَانَ الذي ينبغي علينا أن نقوم به أن نعرف دين الرجل وعلمه، فهذا الرجل يعيش في أمريكا وأتباعه في أمريكا كثير؛ لأن الجهل بالإسلام فيها كبير، فبحكم أنها بلد الصناعة والتكنولوجيا أدخلت الكمبيوتر في كل شيء.
стр. 933
فجاء هذا الرجل فأدخل السنة في الكمبيوتر فلم يستوعبها لكثرة رواياتها واختلطت عليه، فحينئذ ترك السنة لأن الكمبيوتر لم يتقبلها ... ؟! فالواجب علينا أن نعي ما يخطط أعداء الإسلام قديماً وحديثاً، فهم لن يتركوا معاداة هذا الدين أبداً، كما قال الله يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ [الصف:٨] فهم يحاولون ويحاولون وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:٢١٧] هذا هو عملهم، وهذا ما أحببنا أن ننبه إليه، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا جنوداً للدفاع عن دينه!! .
ثُمَّ قال المصنف: [مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس، فإن كَانَ معناها معروفاً] إن كَانَ هذا المعنى عَلَى احتمال وافتراض أن ما قالوه من المعاني حقيقية، وأن معانيها معروفة [فقد عرف معنى المتشابه] ، إذاً ليس في كتاب الله شيء، لا تعرف جميع الأمة معناه [وإن لم يكن معروفاً] عَلَى فرض أن غيرها قد عرف، فإذاً ما سواها هو المعلوم، فتكون هي المتشابه، وهذا هو المطلوب، أن آيات الصفات والآيات الأخرى ليست من المتشابه، فيبقى عَلَى هذا القول أن المتشابه رغم أنه ليس الراجح هو هذه الحروف المقطعة، وما عداها من القُرْآن ليس من المتشابه، إذاً القُرْآن ليس فيه حكم إلا وتعرفه الأمة، علمه من علمه منها وجهله من جهله، وهذا وجه في الجواب عن قول الأصحاب (إن الحروف المقطعة هي المتشابه) أي أنه قد تكلم في معناها كثير من النَّاس والوجه الثاني هو قوله: [فإن الله قَالَ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ
مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:٧] وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادّين] اهـ.
стр. 934
هنا رجع المُصْنِّف إِلَى مسألة اصطلاحية فنية، وهي أن الله تَعَالَى يقول: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وهذه الحروف عند البعض -سواءً صح أنها عند الجمهور، أو ليست عند الجمهور- ليست آيات، وإنما هي حروف، فلا تعد ولا تحسب آيات، وكما هو معلوم أن هناك اختلافاً بين العلماء رحمهم الله تَعَالَى في عدد آيات القرآن، وهذا لا يؤثر في ثبوت القرآن، وإنما هي أمور اصطلاحية فنية نقلية رآها العلماء، وليست مبنية عَلَى التوقيف، وهذا وجه من الأوجه التي قد تنفع في بيان أنه لا يوجد في القُرْآن شيء إلا وهو معلوم عند الأمة عامة، وليس فيه شيء لا يعلمه أحد من هذه الأمة والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، لدلالة توجب ذلك، وهذا هو التأويل الذي تنازع الناس فيه في كثير من الأمور الخبرية والطلبية. فالتأويل الصحيح منه: الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك فهو التأويل الفاسد، وهذا مبسوط في موضعه، وذكر في التبصرة أن نصير بن يحي البلخي روى عن عمرو بن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن محمد بن الحسن ﵏: أنه سئل عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله تعالى ما يؤدي ظاهره إلى التشبيه؟ فقال: نمرها كما جاءت، ونؤمن بها، ولا نقول: كيف وكيف، ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه، وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس:
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً وآفتهُ مِنْ الفهم السّقيم
ِ
وقيل:-
عليَّ نحت القوافي من معادنها وما عليَّ إذا لم تفهم البقر
стр. 935
فكيف يقال في قول الله، الذي هو أصدق الكلام وأحسن الحديث وهو الكتاب الذيأُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:١] إن حقيقة قولهم: إن ظاهر القرآن والحديث هو الكفر والضلال، وإنه ليس فيه بيان ما يصلح من الاعتقاد، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه!! هذا حقيقة قول المتأولين - والحق أن ما دل عليه القرآن فهو حق، وما كان باطلاً لم يدل عليه.
والمنازعون يدعون دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه! فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه، وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية: فقد فتحتم عليكم باباً لأنواع المشركين والمبتدعين، لا تقدرون على سده، فإنكم إذا سوغتم صرف القرآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي، فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟
فإن قلتم: ما دل القاطع العقلي على استحالته تأولناه، وإلا أقررناه!
قيل لكم: وبأي عقل نزن القاطع العقلي؟
فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على بطلان ظواهر الشرع!
ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد، ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى، وعلى امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تعالى!!
وباب التأويلات التي يدعي أصحابها وجوبها بالمعقولات أعظمُ من أن تنحصر في هذا المقام، ويلزم حنيئذٍ محذوران عظيمان:
أحدهما: أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث قبل ذلك بحوثاً طويلة عريضة في إمكان ذلك بالعقل، وكل طائفة من المختلفين في الكتاب، يدَّعون أن العقل يدل على ما ذهبوا إليه، فيؤول الأمر إلى الحيرة.
стр. 936
المحذور الثاني: أن القلوب تنحل عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول، إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد، وخاصة النبي هي الإنباء، والقرآن هو النبأ العظيم، ولهذا نجد أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتضاد لا للاعتماد، إن وافقت ما ادعوا أن العقل دل عليه قبلوه، وإن خالفته أولوه! وهذا فتح باب الزندقة والانحلال، نسأل الله العافية] اهـ.
الشرح:
هذا هو المعنى الثالث من أنواع التأويل وهو التأويل الذي اصطلح عليه أهل البدع: وهو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لقرينة، فيأتون إلى الآية أو الحديث الذي دلالته ظاهرة جلية، فيقولون: هذه الدلالة الظاهرة الجلية هي الاحتمال الراجح، لكن هناك احتمال مرجوح، فهم لا يستطيعوا أن يقولوا: إن ذلك الاحتمال أرجح، لأن هذا واضح لكل من يفهم البيان العربي، يقولون: لكن نصرف اللفظ من الراجح إلى المرجوح لقرينة الدلالة العقلية.
فهذا التأويل بهذا المعنى: هو الذي يقول المصنف ﵀ فيه: [هذا هو التأويل الذي تنازع الناس فيه في كثير من الأمور الخبرية والطلبية] لأن النصوص ترد على نوعين:
النوع الأول: الأخبار.
والنوع الثاني: الطلب.
أي: الأوامر والنواهي، فالأمة وقعت في خلاف حول هذا التأويل في كلا الجانبين، في الأمور الخبرية والأمور الطلبية، فيقول المصنف: [فالتأويل الصحيح منه: الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك، فهو التأويل الفاسد، وهذا مبسوط في موضعه] .
стр. 937
هذه العبارة يلاحظ فيها شيء من اللبس إذا دققنا النظر فيها، فهذا اصطلاح بدعي وهو صرف اللفظ إلى الاحتمال المرجوح، فكيف نقول: التأويل بهذا المعنى منه صحيح ومنه باطل؟ فالصحيح ما يوافق الكتاب والسنة، والباطل ما يخالفه، هكذا بإطلاق، وقد سبق أن قلنا: إن هذا المعنى بدعي، لكن كيف نُوجِّهُ كلام المصنف؟
لا شك أنه ﵀ يقصد معنى حقيقياً، لا غبار عليه، ولكن نفس التعبير فيه نظر، فكأنه جعل هذا التأويل بدعي، وجعله على قسمين: قسم منه يوافق الكتاب والسنة، وقسم آخر يخالف الكتاب والسنة فظاهر العبارة قد يفهم هكذا، لكن المقصود هو مجرد صرف النصوص عن ظاهرها، وهل كل ظاهر في الكتاب والسنة، يؤخذ على إطلاقه؟ فهناك من النصوص ما لا يؤخذ على إطلاقه، كالعام المخصص، لأن هذا الإطلاق مخصوص.
والأحكام المطلقة أيضاً، فالمطلق لا يؤخذ ظاهره بإطلاق؛ بل يؤخذ مضموماً إلى النص المقيد له، وكذلك الألفاظ المجملة إذا جاء ما يبينها، فالمقصود هو أن نفهم أنه ليس كل ظاهر في الكتاب والسنة يؤخذ على إطلاقه، ومما يدل على أن هذه العبارة فيها نظر، أننا إذا قلنا: إن كان الدليل يقتضي صرف دلالة الآية أو الحديث عن الظاهر.
إذاً: فليس هذا الظاهر راجحاً ما دام أن هناك دليلاً صحيحاً على صرفه، بل ننظر إلى هذا النص نظرة واحدة وهي أن له ظاهراً، لكن هذا الظاهر مخصوص أو مقيد، إذاً فليس الظاهر راجحاً وما صرفناه إليه مرجوحاً، بل ذاك هو الراجح وهذا يسمى متبادر، أي أن هذا المعنى يتبادر إلى ذهن الإنسان في الأول، لكن إذا تأمل وضم الدلالات إلى بعضها وجد أن هذا الذي يتبادر إلى ذهنه من العموم مثلاً ليس على إطلاقه، لورود نص مخصص يبين ويوضح أن هذا ليس على إطلاقه.
التأويل بالمعنى الثالث كله مردود
стр. 938
ونخرج بنتيجة وهي أن التأويل بهذا المعنى كله مردود، وباطل وليس يصح منه شيء، أما مسألة الظاهر والقول به أو عدم القول به فترجع إِلَى أن الظاهر قد لا يكون هو المعنى المراد أصلاً من الشارع عندما خاطبنا، فإن كَانَ في الأمور الخبرية، فإنه لم يرد أن يخبرنا به، وإن كَانَ في الأمور الطلبية، فإنه لم يطلب منا ذلك بإطلاق عَلَى ظاهره، وإنما المقصود من الخبر أو من الطلب أمراً مخصوصاً أو معيناً، وأن غيره لا يدخل فيه.
وذكر المُصْنِّف أنه قد ذُكر في التبصرة -وهو كتاب تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي، من كتبهم في علم الكلام- بسندٍ عن مُحَمَّد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهما الله تعالى، أنه سئل عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله تَعَالَى ما يؤدي ظاهره إِلَى التشبيه وليس في الآيات ولا في الأحاديث ما يؤدي ظاهره إِلَى التشبيه في الحقيقة، لكن قد يتبادر عند من لا يفهم أنه يؤدي إِلَى التشبيه، مع أن الله هو الذي وصف نفسه، ووصفه رسوله ﷺ ، مع العلم بالفرق بين صفات الخالق والمخلوق، وهذا دليل عَلَى أن ظاهرها حق، وأنها كما جاءت لا نغيرها عن ظاهرها، ولا نكيفها، كما قال الإمام مالك أو شيخه ربيعة (الاستواء معلوم، والكيف غير معقول أو الكيف مجهول) ، فنمرها كما جاءت ولا نفسرها أي بمعنى: لا نكيفها.
آيات الصفات نمرها كما جاءت
هناك قاعدة في الصفات وهي: إن كل ما يأتي من نصوص الصفات، فإننا نمرها كما جاءت ونؤمن بها، من دون تحريف ولا تبديل ولا تغيير في المعنى، ولا نخوض في الكيفية
стр. 939
إذاً: أئمة المذهب الحنفي هم كغيرهم من الأئمة المعاصرين لهم كسفيان بن عيينة، ووكيع وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي ثُمَّ الإمام أَحْمَد، كل أُولَئِكَ العلماء الأجلاء، كانوا جميعاً عَلَى هذا المذهب وعلى هذه القاعدة الذهبية العظيمة، وهو: أن ما جَاءَ عن الله أو صح عن رسوله ﷺ فإنهم يؤمنون به ويثبتونه، ويعتقدون أن ظاهره حق، فنفهم من هذا أن مذهب السلف يتنافى مع التأويل، لأنه قَالَ: (كما جاءت) فلا تأويل، فلا نقول: استوى، بمعنى استولى، واليد بمعنى القدرة، وينزل ربنا أي تنزل رحمته، أو أمره، وإلا فإننا لم نمرها كما جاءت، وإنما حولناها وحرفناها، فالتحريف هو التأويل في حقيقته؛ لأنه يغير المعنى ويغيير اللفظ عما أراده المخاطب الذي قاله.
ويرد علىأهل التفويض الذين لا يثبتون المعنى، يقولون في: الرحمن عَلَى العرش استوى الله أعلم بمراده، وله يد الله أعلم بمراده، وهكذا، لكن السلف الصالح يثبتون المعنى فالاستواء معلوم والكيف غير معقول
فبعض المفوضة يستدل بمثل هذه النصوص، ويقول: إن مذهب السلف هو التفويض لأنهم قالوا: نمرها كما جاءت، بمعنى نثبت الحروف والألفاظ كما جاءت دون أي فهم، ولا معنى لها، وهذا خطأ، وإنما مقصود السلف، هو أن نثبت ظاهرها ونؤمن به، ونقره ونمره كما جاء، إذاً هذه العبارة التي وردت عن كثير من السلف بمعاني وألفاظ متقاربة ترد عَلَى أهل التأويل، كما ترد عَلَى أهل التفويض
المعنى الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه
стр. 940
ثُمَّ يقول المصنف: [ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه] أراد بهذا أن ينفى ما يقوله أهل البدع والذي قد يفهم من عبارته السابقة خطأً وهو لا يريده، فهنا وضح وقَالَ: المعنى الفاسد الكفري -كأن يقال مثلاً: إن لله يداً كيد المخلوقين- ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، فلا يدل قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:١٠] .
وقوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] عَلَى أنها كيد المخلوقين أبداً، فهذا المعنى الباطل الكفري الفاسد ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، ومن فهم ذلك وقَالَ: إن العرب لا يفهمون من اليد إلا الجارحة، فإننا نقول: إن كتب اللغة القديمة كانت تقول: إن اليد كذا أو اليد كذا، وتأتي للكلمة الواحدة بعدة معاني في لغة العرب، حتى ظهرت المعتزلة وهم أصحاب التأويل، ونفي الصفات.
الزمخشري يخالف أئمة اللغة
وممن كَانَ يفعل ذلك مخالفاً لأئمة اللغة الزمخشري في كتابه المعجم الذي سماه أساس البلاغة فيأتي بالمعنى ويقول: معناه كذا والمجاز منه كذا، ويأتي بعدة معاني يجعلها مجازية، ويجعل معنى واحداً هو الأصل.
стр. 941
وهذا لا يوجد في كلام الخليل، ولا أبي عبيدة، ولا الزجاج، ولا النضر بن شميل وهَؤُلاءِ الذين هم أئمة اللغة المتقدمين، ما كانوا يقولون: إن الكلمة لها معنى أصلي والباقي مجاز، فجاء المعتزلة وفعلوا ذلك ثُمَّ جعلوا المعنى الذي في المخلوق هو الأصل وهو والظاهر والحقيقة، والذي في الله هو المجاز، وَقَالُوا: مثلاً: ننفي عن الله سبحانه، الرحمة؛ لأنها رقة وإنكسار في القلب، وهي في المخلوق عَلَى الحقيقة وفي الخالق عَلَى المجاز!! ولو أنهم قالوا: ما يتصف به الله هي الرحمة الحقيقية، وهي في المخلوق مجاز أو الملك أو الحكمة في المخلوق مجاز، وفي الله حقيقة لكان أقرب، أما أن يجعلوا الصفة في المخلوق عَلَى الحقيقة، وما يتصف به الله مجازاً، ثُمَّ ينفونه، فهذا من البدع ومن الضلال، ويكون هذا الظاهر غير مراد، فمن قال ذلك ففي فهمه ضعف وقصور.
وكم من عائب قولاً صحيحاً
ومن ظن أن الآيات والأحاديث فيها معان فاسدة كفرية باطلة في حق الله ، وأنها لا بد أن تؤول وأن تخرج عَلَى معاني لغوية، ليستقيم وصف الله تَعَالَى بها، فهذا من فساد عقله وفهمه، ولهذا استشهد المُصْنِّف بالبيت الذي قاله المتنبي:
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
والمتنبي شاعر مشهور وهو في هذا البيت يعتز بنفسه كما هي عادة الشعراء فهو يقول للذين يعيبون عليه شعره:-
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الأفهام منه على قدر القرائح والعلوم
стр. 942
يقول: أنا أقول كلاماً ولا يفهمه كثير من الناس، لكن يجب عليهم أن يفهموا من كلامي عَلَى قدر عقولهم، وتبقى هناك معاني لا يفهمها الناس، سُبْحانَ اللَّه! هذا الوصف لا يصح أن يقال إلا في القُرْآن أو في الحديث، الذي فيه من الحكم والعبر ما تعجز عنه العقول، أما شعر شاعر لا نأخذ منه إلا عَلَى قدر عقولنا، والباقي عميق لا يفهمه النقاد، ولا حتى ابن جني، ولا حتى النقاد الكبار، الذين انتقدواالمتنبي؟! فهذا من الاعتداد والفخر الكاذب، فأولى بهذا الوصف أن يكون لكلام الله وأنه:
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
مثل ما تروى أحاديث القدر، كحديث عبد الله بن مسعود ﵁ (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة..) قيل: للبدعي أتتهم رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: لا، أتتهم ابن مسعود؟ قَالَ: لا، أتتهم أبا وائل؟ قَالَ: نعم، في رواية قَالَ: اتهم من بعده.
فهو لا يستطيع أن يتهم النبي ﷺ ، وخاف كذلك أن يتهم الصحابي فقَالَ: أتهم الذي رواه من التابعين أو أتباع التابعين، فيقال له: أنت لم تفهم الحديث.
وهَؤُلاءِ النَّاس لو كانوا منصفين أو عَلَى الحقيقة لاتهموا عقولهم، فالنقلة الحفاظ الأثبات نقلوا الكلام بحق، وليسوا بمتهمين فيه، والصحابة والعلماء أجل النَّاس وأعظمهم فهماً وقد فهموا هذه النصوص بلا تعارض، إذاً فالمتهم هو عقول هَؤُلاءِ.
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
ولو اتهموا عقولهم لما اتهموا أحداً من السلف، ولا من الرواة النقلة، كما فعل الرازي في أساس التقديس عندما اتهم أكثر الرواة حتى الشيخين، بل حتى أصحاب النبي ﷺ ، وقال البحتري:
عليَّ نحت القوافي من معادنها وما عليَّ إذا لم تفهم البقر
стр. 943
النقاد ينتقدون شعره فَيَقُولُ: أنا علي أن آتي بالقوافي من معادنها الأصلية والمعاني الجزلة البليغة، وما علي إذا لم تفهم البقر، وكأن الذين لا يفهمون شعره من البقر، فإذا كَانَ هذا ما قاله شاعر أو آخر في كلامه، فكلام الله كما قَالَ المُصْنِّفُ ﵀:
[فكيف يقال في قول الله، الذي هو أصدق الكلام، وأحسن الحديث] كما قال ذلك النبي ﷺ ، وكان يكرره في خطبه الثابتة المشهورة [وهو الكتاب الذي أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:١]] اهـ.
فإن الأفهام تعجز عن إدراك حقيقته، والعيب ليس فيه، ولكن في الذين لا يفهمونه، وحاشاه من العيوب.
حقيقة قول المتأولين
ثُمَّ يقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [إن حقيقة قولهم إن ظاهر القُرْآن والحديث هو الكفر والضلال، وإنه ليس فيه بيان لما يصلح من الاعتقاد، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه، هذا حقيقة قول المتأولين] اهـ.
يقول السنوسي في شرح العقائد الكبرى: من أصول الكفر الأخذ بظواهر النصوص، كآيات الصفات، كاليد والاستواء، وما أشبه ذلك فجعلوها من أصول الكفر عافانا الله وإياكم؛ لأن هذه الظواهر تدل عَلَى الكفر، فيقول لا بد أن نحولها ونحرفها عن معانيها، وقالأبو المعالي الجويني -وتبعه كثير من الأشعرية في هذا-: نَحْنُ نؤول تأويلاً كلياً، وكذلك قال الرازي: نؤول تأويلاً كلياً، أي: نقول كل آيات وكل أحاديث الصفات ظاهرها غير مراد: وهذا يسمى التأويل الإجمالي، لقيام القاطع والبرهان العقلي عَلَى أن الله لا يشبهه شيء، ولا يشبه هو شيئاً، فكلها مؤولة تأويلاً إجمالياً، ثُمَّ إن شئت قلت: الله أعلم بمعانيها الحقيقية، وإن شئت أخذت في التأويل التفصيلي.
التأويل عند الأشاعرة نوعان
стр. 944
التأويل عند الأشاعرة نوعان: التأويل الإجمالي: وهو أن ترد كل معاني الصفات في الجملة وتقول بأن ظاهرها غير مراد، لقواطع وبراهين عقلية قامت عَلَى أن الله لا يشبهه شيء، فهذا هو التأويل الإجمالي، أما التأويل التفصيلي: أن تأخذ كل آية من آيات الصفات، وتخرجها بتأويل عَلَى مقتضى أي وجه من أوجه اللغة أو أي معنى كان، ولو كَانَ معنى بعيداً، ومثال ذلك ما ذكرهأبو حامد الغزالي في قوله ﷺ : "يضع الجبار قدمه " قَالَ: الجبار هو الرجل الظالم، أو ملك يخلقه الله، يضع قدمه في النَّار.
المهم أن نخرج الكلام بأي معنى من المعاني، فهذا هو التأويل التفصيلي، وقد سبق أنهم يقولون: إن ظاهر النصوص هو الضلال، ولا بد من تأويلٍ إما تفصيلي وإما إجمالي لهذه النصوص، إذاً فحقيقة قولهم هذا أن ظاهر القُرْآن هو الضلال، وأنه ليس فيه ما يصلح للاعتقاد، وليس فيه توحيد، ولا تنزيه، هذا حقيقة ما يقوله هَؤُلاءِ المؤولون.
يقول المصنف:
[والحق أن ما دل عليه القُرْآن فهو حق وما كَانَ باطلاً لم يدل عليه] اهـ.
فأي معنى باطل فإن القُرْآن والسنة لا يدل عليه، فلا نقول: القُرْآن دل عَلَى معنى باطل، ثُمَّ ننفي هذا المعنى، بل نقول: القُرْآن لا يدل عَلَى معنى باطل، وظاهر الآيات، والأحاديث لا يمكن أن تدل عَلَى معنى باطل، قال المصنف:
[والمنازعون يدعون دلالته عَلَى الباطل الذي يتعين صرفه] اهـ.
فيلاحظ الفرق بيننا وبينهم، نقول: هذا ظاهر القُرْآن والسنة، وهو حق، لا يمكن أن يدل عَلَى باطل، ولا يكون المعنى الباطل ظاهر النص ولا مقتضاه، فجاء هَؤُلاءِ وَقَالُوا: المعنى الذي يدل عليه ظاهر النص باطل، ومن هنا يتعين علينا أن نصرفه إما صرفاً إجمالياً كلياً، وإما صرفاً تفصيلياً، وهذا هو التأويل، فنرد عليهم بما قاله المُصنِّفُ ﵀.
стр. 945
قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [فيُقَالُ لهم: هذا الباب الذي فتحتموه، وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به عَلَى إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية: فقد فتحتم عليكم باباً لأنواع الْمُشْرِكِينَ والمبتدعين، لا تقدرون عَلَى سده، فإنكم إذا سوغتم صرف القُرْآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي، فما الضابط فيما يسوغ تأويله، وما لا يسوغ؟ فإن قلتم: ما دل القاطع العقلي عَلَى استحالته تأولناه وإلا أقررناه، قيل لكم: وبأي عقل نزن القاطع العقلي؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع عَلَى بطلان ظواهر الشرع! ويزعم الفيلسوف قيام القواطع عَلَى بطلان حشر الأجساد، ويزعم المعتزلي قيام القواطع عَلَى امتناع رؤية الله، وعلى امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تَعَالَى!! وباب التأويلات التي يدعي أصحابها وجوبها بالمعقولات، أعظم من أن تنحصر في هذا المقام] .
قول أهل التحريف فتح باباً للمشركين والمبتدعين
هذا موضوع مهم جداً وهو: ما هو موقف الناس، وما هي آراؤهم في الأخذ بدلالات الكتاب والسنة؟ نستطرد في بيان هذه الحقيقة بإجمال، ثُمَّ نعود إِلَى الشرح الذي له علاقة فقط بموضعنا هنا، وهو الرد عَلَى الذين يؤولون في الصفات ممن ينتسبون إِلَى أهل السنة، الذين ليسوا باطنية،ولا روافض، ولا شبههم، بل نَحْنُ وهم متفقون عَلَى الرد عَلَى الرافضة والباطنية والقرامطة وأمثالهم.
وقد ذكر المُصنِّفُ بعض هذه الفرق في آخر الكتاب ولا بأس أن نأخذ هنا ما يهمنا حتى نفهم أقسام الفرق في الأخذ بالنصوص.
стр. 946
قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [ولفرق الضُلال في الوحي: طريقتان: طريقة التبديل، وطريقة التجهيل، أما أهل التبديل فهم نوعان: أهل الوهم والتخييل، وأهل التحريف والتأويل، فأهل الوهم والتخييل هم الذين يقولون: إن الأَنْبِيَاء أخبروا عن الله واليوم الآخر والجنة والنَّار بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه! لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون، ويتوهمون به، أن الله شيء عظيم كبير، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيماً محسوساً، وعقاباً محسوساً، وإن كَانَ الأمر ليس كذلك، لأن مصلحة الجمهور في ذلك، وإن كَانَ كذباً فهو كذب لمصلحة الجمهور، وقد وضع ابن سينا، وأمثاله قانونهم عَلَى هذا الأصل] اهـ.
أهل الوهم والتخييل (الفلاسفة)
فأصحاب التخيل بالجملة هم الفلاسفة، المنتسبين للإسلام، ابن سينا، والكندي والفارابي، وأمثالهم، ومذهبهم: أن كل ما جَاءَ في الكتاب والسنة فهو عبارة عن تخيلات، وهذه الخطابات التي خاطب الله بها عباده تخيلات، وإنما ذكرت لمصلحة الجمهور، وهم عامة النَّاس ومصلحتهم أن يُقال لهم: هناك عذاب، ونعيم وجنة، ونار حتى تقوم حياتهم وفق قانون منضبط، فتكون حياة عَلَى العدل والاستقامة والخير؛ لكن في الحقيقة هذه الأمور ليس لها أصل من الصحة -هكذا يقولون- والعياذ بالله، وليس بعد هذا الكفر كفر، وهَؤُلاءِ ليسوا من الإسلام في شيء بإطلاق.
стр. 947
ومن ذلك الرسالة الأضحوية لابن سينا مطبوعة حققها الدكتورسليمان دنيا، ذكر فيها أن البعث للأجساد ليس حقيقياً - والعياذ بالله - وإنما هو خيال، أي: هذه أشياء خيالية، أو روحانية، إِلَى آخر ما لا يجوز أن ينقل إلا عَلَى سبيل الذم - عافانا الله وإياكم- من هذه الخيالات، وهذه الأباطيل، فهذا المذهب مذهب أهل التخييل الذين يجعلون الخطابات الشرعية مجرد خيالات، فلا يثبتون لا ظواهر النصوص ولا ما دلت عليه، ولا ما نقل عن السلف في شرحها، وهذا هو الذي كَانَ عليه فلاسفة اليونان، والأوربيون من قديم، فإنهم قالوا: إن شرائعهم وأديانهم، ما هي إلا خيالات وتخيلات وإيهامات باطلة لمصلحة الناس، وإلا فلا حقيقة لما يوهمون به.
أهل التحريف والتأويل
الفريق الثاني أهل التحريف والتأويل قَالَ المُصْنِّفُ ﵀:
[وأما أهل التحريف والتأويل، فهم الذين يقولون: إن الأَنْبِيَاء لم يقصدوا بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر، وأن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، ثُمَّ يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إِلَى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات، ولهذا كَانَ أكثرهم لايجزمون بالتأويل، بل يقولون: يجوز أن يراد كذا، وغاية مامعهم إمكان احتمال اللفظ] اهـ.
стр. 948
أي أن الفريق الثاني أهل التحريف والتأويل يقولون: إن هناك معاني جَاءَ بها الأنبياء، وقالوها وتدل عليها النصوص، لكن لا نأخذ معانيها عَلَى ظاهرها؛ بل لا بد أن نؤولها، والحق في نفس الأمر هو ما نعلمه، وما نستنبطه نَحْنُ من القواعد والبراهين العقلية، أما ظواهر النصوص فتُحرف لتوافق ما نَحْنُ عليه، فحسبهم في الرد عليهم وفي بيان بطلان مذهبهم قولهم: إن التأويل ظني، وهم متفقون عَلَى ذلك، وهذا ما جعلأبا المعالي الجويني في الرسالة النظامية يقول: "إن ترك التأويل والانكفاف عنه هو الصحيح" بعد أن كَانَ هو أول من توسع في التأويل؛ لأن شيخ الأشعرية المؤولين الذي ينتسب إليه الأكثر بعد الأشعري، هو القاضيأبو بكر بن الباقلاني، كَانَ يثبت صفة الوجه، ويثبت صفة اليد ويثبت كثيراً من الصفات التي تسمى خبرية؛ حتى جَاءَ أبو المعالي الجويني، فتوسع لهم في التأويل في الشامل، وفي الإرشاد، وبنى عليه بعد ذلك الغزالي، ثُمَّ الرازي المذهب، وأصبح التأويل مشهوراً معلوماً، كما قال صاحب الجوهرة:
وكل نص أوهمَ التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها
فإما أن تؤول، وإما أن تفوض.
فالمقصود أن مما جعل الجويني يرى أن ترك التأويل هو الصحيح، اتفاقهم عَلَى أن التأويل ظني، وعلى هذا يجوز هذا المعنى، ويجوز غيره، وحسبهم أنهم يتركون ما دل عليه الكتاب والسنة، وفهمه السلف بوضوح، ويحيلوننا إِلَى أمور ظنية ليست بأكيدة، ولا قطعية.
أهل التجهيل والتضليل
стр. 949
يقول المُصْنِّف ﵀: [وأما أهل التجهيل والتضليل، الذين حقيقة قولهم: إن الأَنْبِيَاء وأتباع الأَنْبِيَاء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات، وأقوال الأَنْبِيَاء! ويقولون: يجوز أن يكون للنص تأويل لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه جبريل ولا مُحَمَّد ولا غيره من الأنبياء، فضلاً عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأن محمداً ﷺ كَانَ يقرأ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [صّ:٧٥] ولا يعرف معاني هذه الآيات! بل معناها الذي دلت عليه لا يعرفه إلا الله تَعَالَى!! ويظنون أن هذه طريقة السلف] >اهـ.
الفريق الثالث: التي هي فرقة التجهيل والتضليل، ويسمون أنفسهم المفوضة وأحياناً يقولون نَحْنُ عَلَى مذهب السلف، نفوض المعنى، ونقول: لا يعلم تأويلها إلا الله كما مر معنا في معنى التأويل، فكل نصوص الصفات، وكثير من الآيات الخبرية أو الطلبية لا يعلم معناها إلا الله، هكذا بإطلاق، لا النبي ﷺ ولا جبريل ولا الصحابة ولا أحد يعلم معناها، ويظنون أن هذا هو حقيقة الإيمان وحقيقة مذهب السلف، وهو في الحقيقة تجهيل للنبي ﷺ وللصحابة، وللراسخين في العلم، بأنهم لا يعلمون معاني كتاب الله .
الرد على أصحاب التأويل
أما أصحاب التأويل، وهم الأشعرية والماتريدية، فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه، وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به عَلَى من يثبتون الأسماء والصفات، وتسمونهم مشبهة، وتنتصرون عليهم في مواضع قليلة خفية، قد لا يدرك بعض النَّاس معناها، وبعض الأحاديث قد لا تبلغ بعض الناس.
стр. 950
يقول المصنف: [فقد فتحتم عليكم باباً لأنواع الْمُشْرِكِينَ والمفسدين، لا تقدرون عَلَى سده، فإنكم إذا سوغتم -أي: جوزتم- صرف القُرْآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي، فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟ فإن قلتم: ما دل القاطع العقلي عَلَى استحالته تأولناه، وإلا أقررناه] .
أي: أرجعونا إِلَى العقل! فما دلت البراهين والقواطع العقلية عَلَى تأويله أولناه، والذي لا تدل عليه آمنا به فهو بهذا يقول لك: ضع عقيدتك وراء عقلك، كما كتب بعضهم في مقدمة كتاب كبرى اليقينيات الكونية: (الإهداء إِلَى كل حر يضع عقيدته وراء عقله) ! فأول شيء تفكر فيه أن تعرض العقيدة عَلَى العقل فإن وافق عليها تماماً فتؤمن بها، وإن لم يوافق عقلك عليها فتردها، إذاً فأين الذين يؤمنون بالغيب؟! أين الذين وصفهم الله بـ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:٣] ؟! فنقول: إذا كانت القضية قضية الدلالة العقلية، فما الضابط فيما يؤول، وما لا يؤول؟ قالوا: القاطع العقلي، نقول: بأي عقل نزن القاطع العقلي؟
فالرافضي مثلاً!! يقول له عقله: كل آية فيها وعيد للكفار، فالمقصود بها بنو أمية ومعاوية وعمرو بن العاص وعَائِِِشَةَ.
والباطني القرمطي يقول: كل آية في القُرْآن فيها وعيد أو عذاب، فهي مجرد تخييل ليس له دلالة ولا أصل في الواقع!، والصلاة هي فلان وفلان أسماء خمسة سبق ذكرهم، والصيام: حفظ الأسرار، والحج: أن نقصد الإمام المستور إِلَى آخر ذلك، وعندما نقول لصاحب العقل: لا بد أن تؤمن بالقرآن، فإنه يقول: إن القاطع العقلي عندي قام عَلَى أني لا أومن بظاهر النص.
بالتأويل الباطل تزندق من تزندق
وممن يستدل بالقاطع العقلي الباطنية والروافض وهم لا يرجعون إِلَى مجرد القاطع العقلي، لكن يضيفون إِلَى ذلك شيئاً آخر وهو العلم المستور، يأخذونه عن الأبواب والحجج، أو صيحة من ينوب عن الإمام المستور!!
следующие страницы →