← Акыда

Акыда · id 2827

شرح العقيدة الطحاوية - سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (1 990 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [ولفرق الضُلال في الوحي: طريقتان: طريقة التبديل، وطريقة التجهيل، أما أهل التبديل فهم نوعان: أهل الوهم والتخييل، وأهل التحريف والتأويل، فأهل الوهم والتخييل هم الذين يقولون: إن الأَنْبِيَاء أخبروا عن الله واليوم الآخر والجنة والنَّار بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه! لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون، ويتوهمون به، أن الله شيء عظيم كبير، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيماً محسوساً، وعقاباً محسوساً، وإن كَانَ الأمر ليس كذلك، لأن مصلحة الجمهور في ذلك، وإن كَانَ كذباً فهو كذب لمصلحة الجمهور، وقد وضع ابن سينا، وأمثاله قانونهم عَلَى هذا الأصل] اهـ. أهل الوهم والتخييل (الفلاسفة) فأصحاب التخيل بالجملة هم الفلاسفة، المنتسبين للإسلام، ابن سينا، والكندي والفارابي، وأمثالهم، ومذهبهم: أن كل ما جَاءَ في الكتاب والسنة فهو عبارة عن تخيلات، وهذه الخطابات التي خاطب الله بها عباده تخيلات، وإنما ذكرت لمصلحة الجمهور، وهم عامة النَّاس ومصلحتهم أن يُقال لهم: هناك عذاب، ونعيم وجنة، ونار حتى تقوم حياتهم وفق قانون منضبط، فتكون حياة عَلَى العدل والاستقامة والخير؛ لكن في الحقيقة هذه الأمور ليس لها أصل من الصحة -هكذا يقولون- والعياذ بالله، وليس بعد هذا الكفر كفر، وهَؤُلاءِ ليسوا من الإسلام في شيء بإطلاق.

стр. 947

ومن ذلك الرسالة الأضحوية لابن سينا مطبوعة حققها الدكتورسليمان دنيا، ذكر فيها أن البعث للأجساد ليس حقيقياً - والعياذ بالله - وإنما هو خيال، أي: هذه أشياء خيالية، أو روحانية، إِلَى آخر ما لا يجوز أن ينقل إلا عَلَى سبيل الذم - عافانا الله وإياكم- من هذه الخيالات، وهذه الأباطيل، فهذا المذهب مذهب أهل التخييل الذين يجعلون الخطابات الشرعية مجرد خيالات، فلا يثبتون لا ظواهر النصوص ولا ما دلت عليه، ولا ما نقل عن السلف في شرحها، وهذا هو الذي كَانَ عليه فلاسفة اليونان، والأوربيون من قديم، فإنهم قالوا: إن شرائعهم وأديانهم، ما هي إلا خيالات وتخيلات وإيهامات باطلة لمصلحة الناس، وإلا فلا حقيقة لما يوهمون به. أهل التحريف والتأويل الفريق الثاني أهل التحريف والتأويل قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [وأما أهل التحريف والتأويل، فهم الذين يقولون: إن الأَنْبِيَاء لم يقصدوا بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر، وأن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، ثُمَّ يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إِلَى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات، ولهذا كَانَ أكثرهم لايجزمون بالتأويل، بل يقولون: يجوز أن يراد كذا، وغاية مامعهم إمكان احتمال اللفظ] اهـ.

стр. 948

أي أن الفريق الثاني أهل التحريف والتأويل يقولون: إن هناك معاني جَاءَ بها الأنبياء، وقالوها وتدل عليها النصوص، لكن لا نأخذ معانيها عَلَى ظاهرها؛ بل لا بد أن نؤولها، والحق في نفس الأمر هو ما نعلمه، وما نستنبطه نَحْنُ من القواعد والبراهين العقلية، أما ظواهر النصوص فتُحرف لتوافق ما نَحْنُ عليه، فحسبهم في الرد عليهم وفي بيان بطلان مذهبهم قولهم: إن التأويل ظني، وهم متفقون عَلَى ذلك، وهذا ما جعلأبا المعالي الجويني في الرسالة النظامية يقول: "إن ترك التأويل والانكفاف عنه هو الصحيح" بعد أن كَانَ هو أول من توسع في التأويل؛ لأن شيخ الأشعرية المؤولين الذي ينتسب إليه الأكثر بعد الأشعري، هو القاضيأبو بكر بن الباقلاني، كَانَ يثبت صفة الوجه، ويثبت صفة اليد ويثبت كثيراً من الصفات التي تسمى خبرية؛ حتى جَاءَ أبو المعالي الجويني، فتوسع لهم في التأويل في الشامل، وفي الإرشاد، وبنى عليه بعد ذلك الغزالي، ثُمَّ الرازي المذهب، وأصبح التأويل مشهوراً معلوماً، كما قال صاحب الجوهرة: وكل نص أوهمَ التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها فإما أن تؤول، وإما أن تفوض. فالمقصود أن مما جعل الجويني يرى أن ترك التأويل هو الصحيح، اتفاقهم عَلَى أن التأويل ظني، وعلى هذا يجوز هذا المعنى، ويجوز غيره، وحسبهم أنهم يتركون ما دل عليه الكتاب والسنة، وفهمه السلف بوضوح، ويحيلوننا إِلَى أمور ظنية ليست بأكيدة، ولا قطعية. أهل التجهيل والتضليل

стр. 949

يقول المُصْنِّف ﵀: [وأما أهل التجهيل والتضليل، الذين حقيقة قولهم: إن الأَنْبِيَاء وأتباع الأَنْبِيَاء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات، وأقوال الأَنْبِيَاء! ويقولون: يجوز أن يكون للنص تأويل لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه جبريل ولا مُحَمَّد ولا غيره من الأنبياء، فضلاً عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأن محمداً ﷺ كَانَ يقرأ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [صّ:٧٥] ولا يعرف معاني هذه الآيات! بل معناها الذي دلت عليه لا يعرفه إلا الله تَعَالَى!! ويظنون أن هذه طريقة السلف] >اهـ. الفريق الثالث: التي هي فرقة التجهيل والتضليل، ويسمون أنفسهم المفوضة وأحياناً يقولون نَحْنُ عَلَى مذهب السلف، نفوض المعنى، ونقول: لا يعلم تأويلها إلا الله كما مر معنا في معنى التأويل، فكل نصوص الصفات، وكثير من الآيات الخبرية أو الطلبية لا يعلم معناها إلا الله، هكذا بإطلاق، لا النبي ﷺ ولا جبريل ولا الصحابة ولا أحد يعلم معناها، ويظنون أن هذا هو حقيقة الإيمان وحقيقة مذهب السلف، وهو في الحقيقة تجهيل للنبي ﷺ وللصحابة، وللراسخين في العلم، بأنهم لا يعلمون معاني كتاب الله . الرد على أصحاب التأويل أما أصحاب التأويل، وهم الأشعرية والماتريدية، فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه، وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به عَلَى من يثبتون الأسماء والصفات، وتسمونهم مشبهة، وتنتصرون عليهم في مواضع قليلة خفية، قد لا يدرك بعض النَّاس معناها، وبعض الأحاديث قد لا تبلغ بعض الناس.

стр. 950

يقول المصنف: [فقد فتحتم عليكم باباً لأنواع الْمُشْرِكِينَ والمفسدين، لا تقدرون عَلَى سده، فإنكم إذا سوغتم -أي: جوزتم- صرف القُرْآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي، فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟ فإن قلتم: ما دل القاطع العقلي عَلَى استحالته تأولناه، وإلا أقررناه] . أي: أرجعونا إِلَى العقل! فما دلت البراهين والقواطع العقلية عَلَى تأويله أولناه، والذي لا تدل عليه آمنا به فهو بهذا يقول لك: ضع عقيدتك وراء عقلك، كما كتب بعضهم في مقدمة كتاب كبرى اليقينيات الكونية: (الإهداء إِلَى كل حر يضع عقيدته وراء عقله) ! فأول شيء تفكر فيه أن تعرض العقيدة عَلَى العقل فإن وافق عليها تماماً فتؤمن بها، وإن لم يوافق عقلك عليها فتردها، إذاً فأين الذين يؤمنون بالغيب؟! أين الذين وصفهم الله بـ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:٣] ؟! فنقول: إذا كانت القضية قضية الدلالة العقلية، فما الضابط فيما يؤول، وما لا يؤول؟ قالوا: القاطع العقلي، نقول: بأي عقل نزن القاطع العقلي؟ فالرافضي مثلاً!! يقول له عقله: كل آية فيها وعيد للكفار، فالمقصود بها بنو أمية ومعاوية وعمرو بن العاص وعَائِِِشَةَ. والباطني القرمطي يقول: كل آية في القُرْآن فيها وعيد أو عذاب، فهي مجرد تخييل ليس له دلالة ولا أصل في الواقع!، والصلاة هي فلان وفلان أسماء خمسة سبق ذكرهم، والصيام: حفظ الأسرار، والحج: أن نقصد الإمام المستور إِلَى آخر ذلك، وعندما نقول لصاحب العقل: لا بد أن تؤمن بالقرآن، فإنه يقول: إن القاطع العقلي عندي قام عَلَى أني لا أومن بظاهر النص. بالتأويل الباطل تزندق من تزندق وممن يستدل بالقاطع العقلي الباطنية والروافض وهم لا يرجعون إِلَى مجرد القاطع العقلي، لكن يضيفون إِلَى ذلك شيئاً آخر وهو العلم المستور، يأخذونه عن الأبواب والحجج، أو صيحة من ينوب عن الإمام المستور!!

стр. 951

وهو الإمام الغائب الذي في السرداب أو في غير السرداب، لأن عنده العلم الحقيقي، عنده الجفر والجامعة وهما كتابان، يقولون: إن فيهما كل العلم، وهو ينقل عنهما ويبلغه إِلَى الناس، فيقولون: نَحْنُ لا نؤمن بظاهر القُرْآن والسنة إلا عَلَى هذا المعنى، الذي دلت عقولنا عليه، وهَؤُلاءِ لهم أقوال كثيرة. والفيلسوف يقول: قام القاطع العقلي عَلَى أن الحشر ليس حقيقياً، وإنما هو للأرواح. والمعتزلي يقول: دل العقل عَلَى أن الرؤية ممتنعة في حق الله . والآخر يقول: صفة العلم لله تَعَالَى أو الكلام أو الرحمة دل العقل عَلَى امتناعها، إذاً كل واحد يؤول عَلَى ما يهواه، والعقول تختلف، فما الذي يضبط هذه العقول؟ لأن كل لفظ يمكن أن يؤول حتى قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:٤٣] إِلَى آخره، فلا يبقى لدينا أي شيء لا يمكن أن يؤول، إذاً لم يبق من ديننا شيء. فإن قالت الأشاعرة والماتريدية: نَحْنُ لا نقصد هذا. نقول: نعم، أنتم لم تقصدوا هذا، لكن إذا فتحتم هذا الباب جاءت الفلاسفة، والقرامطة، وَقَالُوا: لماذا تأويلكم أنتم صحيح، ونحن تأويلنا خطأ؟!، تؤولون الاستواء وتؤولون العلو -والعلو ثابت بأدلة تعد بالآلاف- ونحن نؤول البعث، فلا فرق بيننا، هذه آيات وهذا آيات، عندكم قاطع عقلي، وعندنا قاطع عقلي! إذاً: لا بد أن يكون لدينا ما يلزم الجميع، وهو تفسير القرآن، بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ ، كما فسرها النبي ﷺ والصحابة، وفهمها السلف، وما عدا ذلك فهو مبتدع، ثُمَّ قد يكون كفراً، وقد يكون ضلالاً، وقد يكون خطأً. التأويل ثلاثة أنواع

стр. 952

التأويل ثلاثة أنواع: فمنه ما هو كفر، مثل تأويل الباطنية، والروافض فقد قالوا في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:٦٧] :عَائِِِشَةَ وهذا كفر، لأن موسى يقول ذلك لليهود، وعَائِِِشَةَ لم تكن موجودة ذلك اليوم، وهو تحريف لكلام الله مُتعمد. ومن التأويل ماهو ضلال: مثل تأويل استوى بمعنى: استولى. ومن التأويل ما هو خطأ: مثل ما يقع في كلام بعض السلف، لا عن قصد تحريف للكلام عن موضعه، لكنه يكون قد فهم من الآية فهماً خاطئاً، كما فهم بعضهم أن الكرسي هو العلم فهذا خطأ، والمخطئ في ذلك قد يكون له أجر الخطأ، وليس له أجر الصواب، لكن ليس ضالاً ولا كافراً. لازم قول المؤولة يلزم من قول المؤولة محذوران عظيمان: أحدهما: أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة، فإذاجاء أحدهم وقَالَ: قال الله تَعَالَى كذا، قلنا له: اصبر حتى نفكر، فيمكن أن يكون فيه ما يوجب تأويله، ويمكن أن يكون الظاهر غير مراد.. الخ الموانع العشرة التي قالها الرازي. فعندما يأتيك بآية أو حديث لا بد أن تفكر فيه وتنظر هل الجويني أولها، أو أولها الرازي، أو يمكن العلماء قد أولوها؟! لأنهم يرون أن الإيمان بظواهر النصوص كفر كما قالوا: (من أصول الكفر الإيمان بالظاهر) . المحذور الثاني: أن القلوب تتخلى عن الجزم بشيء مما تعتقده مما أخبر به الرَّسُول ﷺ ، إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، كتأويلهم اليد فتارة يقولون: النعمة، القدرة، والجبار قالوا: ملك، وَقَالُوا: ظالم، وَقَالُوا: شيطان، فاختلفت التأويلات!!

стр. 953

فما آمنا بالكتاب والسنة، لأننا قلنا: إن ظاهره غير مراد، فيجب التأويل، فإذا ذهبت إِلَى التأويل وجدت المؤولين مختلفين، فبكلام من تأخذ؟! فالنتيجة هي الحيرة، فلا يوجد شيء نؤمن به، وهذا ضلال وخروج عن الصراط المستقيم، فترى أحدهم لا يؤمن بشيء مما قاله النبي ﷺ ، حتى يتأكد عند شيخ من الشيوخ هل هو من قول أفلاطون! أم من قول أرسطو! أم من القواطع العقلية! أم من البراهين النظرية! فهذا كله من عدم الإيمان؛ لأن الله يقول: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:٦٥] بلا اعتراض، ولا منازعة، ولا مدافعة. يقول: [وخاصة النبي: هي "الإنباء" والقرآن "هو النبأ العظيم"] فإذا كَانَ كلما أخبرنا الرَّسُول بشيء قلنا: انتظر حتى نعرضه عَلَى أئمتنا، فقد أفقدنا النبي ﷺ خاصيته، ومن القُرْآن خاصيته، ولهذا نجد أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة، للاعتضاد لا للاعتماد، واقرأ إن شئت شرح العضدية، أو النسفية، أو الجوهرة، اقرأ مائة ورقة، مائتين ورقة، لا تجد آية، وإذا وجدت فليست للاعتماد، بل للاعتضاد والاستئناس، يستأنسون بها مع أنهم متفقون عَلَى أن ظاهرها غير مراد، يقول: وهذا فتح باب الزندقة -نسأل الله العافية- بناءً عَلَى ذلك تزندق من تزندق، وألحد من ألحد، وكفر من كفر، وضل من ضل في كتاب الله .

стр. 954

شرح العقيدة الطحاوية التوحيد فضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له] . قال المصنف رحمه الله تعالى: [اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ، قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٥٩] وقال هود ﵇ لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٦٥] وقال صالح ﵇ لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٧٣] وقال شعيب ﵇ لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٨٥] وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت [النحل:٣٦] وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون [الأنبياء:٢٥] وقال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم؛ بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك. ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين، وإن كان الاقرار بالشهادتين واجباً باتفاق المسلمين، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة، لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك، وهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء: فمن

стр. 955

صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام، ولم يتكلم بهما، هل يصير مسلماً أم لا؟ والصحيح أنه يصير مسلماً بكل ما هو من خصائص الإسلام. فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) فهو أول واجب وآخر واجب] اهـ الشرح: ابتدأ الماتن -رحمه الله تعالى- واضع العقيدة وهو الإمام الطحاوي بهذه الجملة: [نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له] . فابتدأ العقيدة بالتوحيد، وهذا هو اللائق، لأن التوحيد هو أشرف وأهم فروع العقيدة، بل العقيدة كلها توحيد، والقرآن كله توحيد، فالتوحيد هو أول ما يجب، وأول ما يدعى إليه، وحول التوحيد كانت المعركة بين الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- وبين الأمم. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:٢٥] وقال ﵎: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] فهذا هو ما دعا إليه الأنبياء جميعا، دعوا إلى توحيد الله ﵎ حيث افتتحوا دعوتهم واختتموها بذلك. فإن الشرائع والتعبدات جميعاً إنما هي فروع وتوابع للتوحيد. ومعنى كون التوحيد أول دعوة الرسل: هو أن كل نبي إنما يأتي قومه لينذرهم أنه لا إله إلا الله، ويحذرهم من عبادة الطاغوت. وأما قوله: [وأول منازل الطريق وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ] ، هذه العبارات استعارها المصنف من المصطلحات الصوفية، فالصوفية عندهم أن الناس ثلاثة أنواع: مريد -وهذا هو المبتدئ- ثم السالك الذي يسير في الطريق، ثم الواصل الذي وصل وسقطت عنه التكاليف، ووصل إلى حقيقة المعرفة كما يقولون.

стр. 956

وهذه الاستعارة إنما هي على سبيل التقريب، لأن كثيراً من الناس يظنون أن المصطلحات الصوفية ما هي إلا اصطلاحات فنية -أي عبارات أو معاني أو ألفاظ- أُطلقت على المعاني القلبية لنعرف بها هذه المدلولات، ويقول كثيرٌ منهم: إن التصوف هو شرح لحقيقة المرتبة الثالثة من مراتب الدين التي هي الإحسان. هؤلاء القوم أي الصوفية يقولون -كما هو أصل ديانتهم في الهند -: إن بين العبد وبين الرب ألف مقام من الظلمة، يقطعها حتى يصل إلى النور أو التوحيد الذي هو عندهم المحو والفناء في ذات الله، بحيث تتحد نفسه بالباري، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. وهذه المصطلحات نقلت إلينا على سبل، فنقلها بعضهم وهو من أهلها، ونقلها بعضهم على سبيل التقريب أو استعارة لاصطلاحات لا يؤمن بمدلولاتها، ونقلها بعضهم وهو لا يدري على أي شيء تدل. فالنقطة الأولى: نقطة الانطلاق ونقطة البدء في حياة الإنسان ومعاملته وعبادته هي: توحيد الله ﵎، فلا شيء قبله، ولا يقبل من العبد شيء إلا بعد أن يوحد الله ﵎ وأن يؤمن به ، فهي أول دعوة الأنبياء، وأول ما يبدأ فيه الإنسان في عبادته لله ﵎ وهذه الأمة هي أمة التوحيد، وأبو الأنبياء جدنا الخليل إبراهيم ﵇ هو إمام الموحدين، وهو الذي جاء بملة إبراهيم ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً [النحل:١٣٢] فهي الملة الحنيفية التي تقوم على التوحيد. ثم جاء النبي ﷺ بعد أن ارتدت العرب إلى الشرك وعبدت الأوثان، وأشركت مع الله غيره، وعبدت المعبودات التي كان قوم نوح يعبدونها، فجاء بدعوة التوحيد وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وجاء بالسيف كما قال ﷺ : (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له)

стр. 957

يعني: دعوة التوحيد هي موضوع المعركة بين الرسول ﷺ وبين المشركين، -ومن هنا نعرف أهمية هذا العلم وأهمية معرفته، ولذلك يقول النبي ﷺ كما في هذا الحديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) فهو بعث بالقتل والقتال حتى يعبد الله وحده ﵎ وذلك تحقيق منه ﷺ لآخر ما أنزل الله تعالى من أحكام القتال. فالجهاد أول ما بدأ به كان إذناً فقط، فلم يكن أمراً مستحباً ولا واجباً أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:٣٩] فأذن الله تعالى للمؤمنين بالقتال بعد أن تحرقت قلوبهم وتشوقت إلى أن يقاتلوا الكفار، ثم استمر الأمر إلى أن وصلت المرحلة الأخيرة، وهي الأمر بالقتل لكل مشرك، وآخر مهلة للكفار في جزيرة العرب خاصة، أربعة أشهر يسيحون في الأرض، ثم بعدها تكون النهاية فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصد [التوبة:٥] هذه الآيات آخر ما نزل في شأن الجهاد، وقال عقبها: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم [التوبة:٥] وقال بعد ذلك أيضاً: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:١١] .

стр. 958

فمنطوق الحديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) هو نفس مدلول الآية: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم [التوبة:٥] وفَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:١١]-أي: وجبت لهم الأخوة- فمن لم يأت بهذه الأركان الثلاثة فلا أخوة له في الدين ولا يخلى سبيله، بل يقاتل، ولم يذكر الصيام والحج مع الشهادتين والصلاة والزكاة؛ لأن الصوم عبادة خفية لا يعلم بها ولا يطلع عليه فيقاتل عليها، لكن نقاتل ونقتل واحداً عرفناه بعينه، أو عرفنا أمة أو قرية أو طائفة امتنعت عنه، فنقاتلها قتال كفر وردة، كما أجمع الصحابة بعد المناظرة مع أبي بكر على أن يقاتلوا تاركي الزكاة كما يقاتلون المرتدين.. وقال عمر " لو لم نطع أبا بكر لكفرنا بغداة واحدة " بعد أن تذكروا وتنبهوا إلى أنَّ قولَ أبي بكر: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة " هو نفس منطوق الآية: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ [التوبة:١١] . والحج يجب مرة واحدة في العمر، ويجب على من استطاع الزاد والراحلة، وهذا لا نستطيع أن نعرفه -أيضاً- بسهولة، لأننا لو جئنا وقلنا لأمة من الأمم لم لا تحجون؟ قالوا: نحج السنة القادمة -إن شاء الله- أو بعدها فلا نستطيع أن نقاتلهم، لكن لو قالوا: لا لن نحج هذا البيت أبداً، لحكمنا بأنهم كفار، وقاتلناهم قتال كفر وردة.

стр. 959

فهذه الأركان الأساسية الثلاثة التي هي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وهو الركن الأول، وإقام الصلاة وهو الركن الثاني، وإيتاء الزكاة وهي الركن الثالث الذي ورد النص صريحاً في المقاتلة عليها، لأنها هي التي تعطي الطابع العام للمجتمع أو للفرد، أما الحج والصوم فهذا حكمه بينه وبين ربه، بخلاف الصلاة فنقاتله ونقتله إن أصر على تركها، وكذا الزكاة نقتله أو نأخذها منه قهراً، فإذا أخذنا الزكاة منه قهراً وسكت وهو في قلبه كاره لذلك؛ فهو منافق بينه وبين ربه، لكنه في الأحكام الدنيوية الظاهرة مسلم، وزكاته أخذناها منه قهراً كما قال النبي ﷺ : (إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا) . والإمام البخاري -رحمه الله تعالى- لما وضع كتاب التوحيد، ذكر فيه أول ما ذكر حديث معاذ لما بعثه الرسول ﷺ إلى اليمن فقال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، أو إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب من اليهود، فليكن أول ما تدعهم إليه عبادة الله) وهذا يدل على دقة فهم البخاري، وفقه البخاري في تراجمه وتبويبه. فهذه روايات صحيحة وثابتة في البخاري، وبعضها في مسلم في ألفاظ حديث معاذ: الرواية الأولى: (فليكن أول ما تدعهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) . الرواية الثانية: (فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله) . الرواية الثالثة: (فليكن أول ما تدعهم إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) .

стр. 960

فمن مجموع هذه الروايات نفهم أن أول ما يجب أن يدعى إليه هو التوحيد، وهو شهادة أن لا إله إلا الله. فالتوحيد هو أول ما ندعو إليه، وعلى جميع الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان أن يبدؤوا دائماً بالتوحيد. فإن ذهبنا إلى قوم لا يعرفون التوحيد، فأول ما ندعوهم إليه التوحيد، فإذا قالوها علمناهم معناها ولوازمها، ومقتضياتها وحقوقها وفروعها، وإن ذهبنا إلى قوم يقولون أو يشهدون أن لا إله إلا الله، فندعوهم أن يصححوا عقيدة التوحيد إن كان فيها خلل أو خطأ، ولاشك أنه مع تطاول القرون، ومع دخول كثير من العجم وغيرهم في هذا الدين، ومع انتشار الجهل وفشو البدع والضلالات، صارت عقيدة التوحيد فيها غبش يتفاوت كثرةً بحسب البلدان. فأول ما ندعوا إليه المسلمين هو تصحيح عقيدة التوحيد، وأول ما ندعو إليه غير المسلمين هو عقيدة التوحيد. فمثلاً: إذا ذهبنا إلى أوروبا فأول ما ندعو إليه التوحيد، لا نناقش ابتداءً في المشاكل الاجتماعية التي يعيشها الغرب إلا في حالة واحدة وهي: أن نناقشها لنربطها بحقيقة التوحيد. ثم ذكر الإمام البخاري -بعد حديثمعاذ - حديث فضل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فذكر حديثين: الحديث الأول: ﴿إنها لتعدل ثلث القرآن﴾ . والحديث الآخر: ﴿أن النبي ﷺ الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ أخبروه أن الله يحبه﴾ . وذلك لأنه أحب صفات الله ، فمن هنا نعرف أهمية توحيد الأسماء والصفات.

стр. 961

فالإمام البخاري ﵀ عقد كتاب التوحيد، وافتتحه بهذين المضمونين: مضمون توحيد الألوهية الذي هو حديث معاذ بن جبل ﵁، ومضمون توحيد الأسماء والصفات الذي هو حديث فضل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله] . أول ما يجب على كل مخلوق خلقه الله هو: شهادة أن لا إله إلا الله، هذا أول الواجبات. ولا شك أن شهادة أن لا إله إلا الله أول الواجبات، ولها معنيان، وكلا المعنيين حق: الأول: أنها أول الواجبات، بمعنى أول ما ندعو إليه من الواجبات، وأول ما نبدأ به هو: شهادة أن لا إله إلا الله. والثاني: أنها أول الواجبات، بمعنى أهم الواجبات وأعظم شيء. إذاً هي أول ما نبدأ بها، وهي أعظم شيء. فأول ما يأتينا الكافر ليدخل في دين الإسلام ندخله من باب شهادة أن لا إله إلا الله، وآخر ما نطلبه من الإنسان عند الموت هو شهادة أن لا إله إلا الله، -أي التوحيد-. فإذا عرفنا أن التوحيد هو أول الأمر وآخره عرفنا أهميته. فهو الأول من ناحية الابتداء، والأول من ناحية الأهمية. قال المصنف رحمه الله تعالى: [لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم] . اختلف الناس في قضية أول واجب على المكلف، وهذا الاختلاف هو لأهل البدع الذين خرجوا عن كتاب الله وعن سنة رسوله الله ﷺ ، وأعرضوا عن هذه الآيات العظيمة التي مرت بنا -على كثرتها- وأعرضوا عما أمر به النبي ﷺ رسله، وأخذوا بالنظر العقلي المجرد. فقالوا: أول ما يجب هو معرفة الإله.

стр. 962

ونقول لهم أما إذا كان المقصود بالمعرفة عندكم معرفة أسماء الله وصفاته وحقه على العباد وحق العباد عليه فهذه لا خلاف فيها، ولذلك جاء في رواية للبخاري في كتاب الزكاة (فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) فمعرفة الله هي: ذات التوحيد، لكن التوحيد أو المعرفة عندنا غير المعرفة العقلية عندهم، فهم يريدون معرفة عقلية فلسفية نظرية. مثلاً يقول المعتزلة: يجب عليه أن يعرف الأصول الخمسة: ا-العدل. ٢-التوحيد. ٣-الوعد والوعيد. ٤- المنزلة بين المنزلتين. ٥-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهم على كل واحدة منها تأويل وتفسير. فمعرفة الله -كما وضعوا- تعني معرفته ذاتاً مجردة من جميع الصفات كما يريد الجهمية، أو معرفته بماله من أسماء، ولا يثبت له أي صفة أبداً كما يقول المعتزلة، أو معرفته بأن نثبت له بعض الصفات، إما سبعة، أو تسعة، أو إحدى عشر، أو ثلاثة عشر، كما يقول الأشعرية. وننفي عنه الباقي. هذه هي المعرفة التي يريدها أهل البدع. ويقولون: معرفة الله -أي: معرفة وحدانيته-. فنحن نقول: توحيد الله هو: إفراد الله بالعبادة، لأن التوحيد مصدر وحد يوحد توحيداً. فمعرفة وحدانيته هو: إفراد الله بالعبادة، وأما وحدانية الله عندهم فهم يقولون في كتب علم الكلام: هو نفي الكمية المتصلة ونفي الكمية المنفصلة، وهذا كلام فلسفي جاءوا به من الفلسفة اليونانية. فالكمية المتصلة: أي: ننفي أن يكون هذا الإله أبعاضاً أو أجزاء، فليس له أجزاء ولا أبعاض، ولا هو أرباع ولا هو كسور. والكمية المنفصلة: أي: هو واحد، لا نقول اثنين، ولا ثلاثة، ولا أربعة، ولا خمسة، فهو واحد ليس هناك كمية منفصلة عنه ولا كمية متصلة به. هذا هو التوحيد عندهم، لذلك لا يكفرون من يعبد ويدعو غير الله ويذبح لغير الله.

стр. 963

فالمقصود أنهم يجعلون الوحدانية هي: نفي الكمية المتصلة، ونفي الكمية المنفصلة، فيثبتون رقماً مجرداً، ثم يقولون: هذا الرقم المجرد ليس له أي صفة من الصفات كما يقول الجهمية، أو كما يفعل بعض أتباع الفرق الضالة يثبتون البعض وينكرون البعض الآخر، فهو واحد فقط ليس متعدداً ولا متبعضاً. وهذا هو مفترق الطريق بيننا وبينهم، فهم يرون أنهم موحدون، لأن الله عندهم شيء واحد -ذات مجردة هلامية- هكذا. فيقولون: هذا الرقم الواحد ليس أرباعاً ولا أثماناً، ولا اثنين ولا ثلاثة ولا أربعة، وهذا هو حقيقة التوحيد عندهم، بل إذا قلنا: نثبت له صفات كالعين، أو الوجه، أو اليد، أو القدم، قالوا هذه أبعاض، والأبعاض منفية، لأن الكمية المتصلة منفية، كما أن الكمية المنفصلة منفية. فلأنهم ينفون صفات الله ويثبتون أنه واحد يظنون أنهم هم الموحدون، ونحن نثبت لله هذه الصفات، وننهى عن الشرك بالله، وندعو إلى توحيد الله -وهو إفراده وحده بالعبادة والتوجه والتقرب. فقالوا: أنتم مشبهون لأنكم تثبتون هذه الصفات، وتقولون لله أبعاض، وأنتم تكفرون المسلمين، لأنكم تأتون إلى موحد يعتقد في الله هذا الاعتقاد، ولكنه يدعو غير الله حيث يدعو الأولياء ويذبح للأموات وتقولون: هذا مشرك وهو لم يشرك. فالذين قالوا: إن أول ما يجب هو التوحيد أو المعرفة يعنون بها توحيدهم ومعرفتهم. وقال بعضهم: أول واجب هو النظر، لأن المعرفة تترتب على النظر، فالإنسان أول شيء يحصل منه هو النظر. والنظر معناه: التفكير. فالقضية النظرية: قضية ذهنية وعقلية تفكيرية، فأول ما يجب هو التفكير والنظر والاستدلال بالعقل. لأن المعرفة سببها وقوع النظر.

стр. 964

والمسلم -عندهم- إذا بلغ التكليف مثلاً في هذه الليلة باحتلام، أو إنبات، أو بلوغ خمسة عشر سنة، يجب عليه من هذه اللحظة -لحظة ما بلغ- أن يفكر، فيقول: هذا العالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث، وهذا العالم متغير، والمتغير حادث، والحادث لابد له من محدث. والمحدث هو الله، ويعيد المقدمات حتى يتأكد أن المحدث هو الله، ثم يعرفه بأنه واحد، لا هو أبعاض ولا هو أعداد، فإذا عرف هذا الشيء فقد وحد وأصبح مسلماً. والعجيب أنهم بحثوا في حكم من مات في أثناء النظر على أي دين يموت؟ فقال بعضهم: يموت على الكفر، لأنه لم يدخل في الإسلام. وقال بعضهم: هو مسلم لكنه عاصي. وأطالوا الكلام في هذا كما في كتاب الإرشاد للجويني -فيا سبحان الله- كيف نضع الأصول الفاسدة، ثم نركب عليها لوازم باطلة، ثم يتشعب الباطل حتى نجد باطلا كاملاً؟! فأول واجب عندهم هو النظر، كما قال الجويني، وابن فورك، وكلاهما من أئمة الأشعرية. وقال القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني -إمام الأشعرية في زمانه- أول ما يجب: هو أول جزء من النظر، وليس كل النظر بحيث يرتقي بعد ذلك حتى يصل إلى المعرفة. وهناك قول رابع جاء به أبو هاشم الجبائي شيخ المعتزلة في زمانه فقال: أول ما يجب على الإنسان: هو الشك. لأنك إذا شككت وصلت إلى اليقين. على طريقة ديكارت حيث قال: "أنا أفكر؛ إذاً أنا موجود" هذه النظرية كانت أعظم نظرية، وأعظم فتح في تاريخ الفلسفة الأوروبية والعالم الغربي-كما يقولون-، حيث تحرر من قيود الرجعية ومن قيود الفلسفة الكلاسيكية بهذه القاعدة العظيمة "أنا أفكر؛ إذاً أنا موجود". فالشك في الأشياء أو السفسطة -وهو إنكار حقائق الأشياء- مخيم على أذهانهم، وأن كل ما نراه الآن قد يكون حقاً وقد يكون غير موجود. فابتلاهم الله تعالى بالشك والزيغ في قلوبهم.

стр. 965

وظهر في بريطانيا رجل اسمه هيوم زعيم الشكاك أو شيخ الشكاك، حيث أعاد نظرية الشك اليونانية القديمة وقال: لابد من الشك في كل شيء، وكل الحقائق الموجودة تقبل الجدال وتقبل النزاع، ولا يوجد أي حقيقة مطلقاً. فاعتبروا نظرية ديكارت انتصاراً؛ لأنه قال: "أنا أفكر؛ إذاً أنا موجود" وخرج يصيح ويقول: "أنا أفكر. إذاً أنا موجود" فانظروا ما مقدار النعمة التي أكرمنا الله تعالى بها لما أعطانا هذا الوحي، ولم يكلنا إلى زبالة أذهان هؤلاء المتهوكين أئمة الضلالة؟! فلو خرج أحد منا من بيته وقال: "أنا أفكر. إذاً أنا موجود". لقلنا: إنه مجنون. وهم إذا جاءتهم دعوة الأنبياء وأتباع الأنبياء قالوا: أنتم مجانين. فهؤلاء أعمى الله بصائرهم، فهم في ظلمات وفي شك. فأول شيء كما قال أبو هاشم الجبائي: أن نشك في كل شيء، وبعد الشك نبدأ في اليقين، ثم نستدل بحدوث العالم على وجود الله، ثم نعتقد أن الله موجود، ثم نعرف ما يجب لله من التوحيد على منهجهم الذي هو منهج المعتزلة. فهذا هو كلامهم في مسألة أول ما يجب على المكلف. وهو مردود ومنقوض بما في صريح القرآن، وبما دعا إليه الأنبياء أن أول ما يدعى إليه هو شهادة إن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهي دعوة واضحة إلى توحيد الله . ومع ذلك سنرد عليهم بمنطقهم العقلي وحججهم النظرية، وهنا لفتة: وهي أن أصحاب الكلام جميعاً يقولون: إننا ندافع عن الإسلام في وجه أعداء الدين من الملاحدة والفلاسفة العقليين الذين يقولون: "كل الأديان تقليد"، فالمسلم لأنه عاش في دار الإسلام وولد فيها صار مسلماً؛ وكذا اليهودي والنصراني، والتقليد لاينفع، بل لا بد أن نقيم ديننا على حجج وبراهين وننبذ التقليد. فقال علماء الكلام: ونحن ليس عندنا تقليد أبداً، فإننا نقول أول ما يجب على الإنسان هو أن ينظر، أو يشك حتى نحرر عقله.

стр. 966

وأما من يعيش في بادية وهو أمي، ويعبد الله ويقوم بجميع الواجبات والفرائض دون أن يستدل بالعقل على وحدانية الله كما يريدون، فهذا يسمى مقلداً، وقد اختلفوا في إيمان المقلد كما مر، فقال بعضهم: لا يثبت له إيمان. وقال بعضهم: إنه عاصي. وقال بعضهم: إنه معذور. فاليهودي مقلد، والنصراني مقلد، والمسلم مقلد، فالأديان كلها تقليد، وأما الحق فهو ما يعتقدونه من البراهين والحجج العقلية. ونحن نرد عليهم بالآتي: أولاً: كيف رضيتم أن يسوى بين الإسلام، وبين غيره من الأديان الباطلة المحرفة؟ فإن من ولد على الإسلام ليس بمقلدٍ أبداً، بل كل مسلم ليس بمقلد في أصل الدين -أي في إيمانه بالله- إلا على المعنى الذي سنذكره -إن كان يسمى تقليداً-، لأن النبي ﷺ يقول: (كل مولود يولد على الفطرة) (كل مولود يولد على الملة) وفي رواية: (كل مولود يولد على هذه الملة) ، فنحن نجزم ونعلم أن أولاد اليهودوالنصارى، وأولاد المجوس كلهم يولدون على هذه الملة، ولذلك قال: (فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) ولم يقل يمسلمانه. ثم قال ﷺ : (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل ترون فيها من جدعاء؟) فالبهيمة لا تولد مقطوعة الأذن، أو عليها علامات مميزة، وإنما تولد جمعاء. فالذي يشرط ويقطع الأذن، ويجعل علامة معينة لانتماء معين هو المجتمع أو التربية؛ بحيث يربى على اليهودية، فيصير يهودياً. وإلا فهو في أصله ولد على الإسلام. ثانياً: أنكم إن قلتم إنه لا إيمان للمقلد. فمن هو المقلد؟ وما هو التقليد؟ فنحن وهم متفقون على أن التقليد هو: اتباع الغير بلا حجة، لذا لو قلت له: أنا اتبعك في كل ما تقول، فإنه سيقول: لا تقلدني. لكن لو قلت: ما هي براهينك؟ فقال: كذا وكذا. فقلت: أنا عرفت هذه البراهين واتبعتك تقليداً لك. فإنه سيقول: لا، أنت لست مقلداً؛ لأنك آمنت واتبعتني بعد ما عرفت براهيني.

стр. 967

فنقول: -يا سبحان الله! - وأي حجة أعظم من إرسال الرسل؟! وهل اتباع الأنبياء تقليد؟! وهل هناك حجة أعظم من اتباع الأنبياء ومن الوحي الذي أنزله الله؟! وما من نبي إلا وأتى بآيات بينات خارقات على أنه نبي من عند الله، وما من نبي كُذِّب إلا وأهلك الله المكذبين ودمرهم، وأنجى المؤمنين وأنجى نبيهم. فالحجة هي في إرسال الرسل. قال تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] وقال تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَة [الأنعام:١٤٩] فكيف تقولون: إننا نأخذ كلام الغير بلا حجة ونحن نتبع أنبياء الله ورسله، ونتبع الآيات والبراهين البينات التي نجدها في الكتاب والسنة؟ ثانياً: القرآن العظيم قد جاء بالحجج العقلية النظرية مثل ما جاء بالحجج النقلية، وهو واضح لكل من يقرأه ويتدبره، فلم يذكر في القرآن وجود الله ولا الإيمان باليوم الآخر مجرداً، بل جاء ذكرها بما يهز العقل والفطرة هزاً شديداً. أفلا ينظرون؟! أفلا يتدبرون؟! أفلا يتذكرون؟!

стр. 968

آيات عظيمة! ويستدل الله علينا ويحتج بأنه قادر على إحياءنا بعد الموت بالحجج السمعية والخبرية، وكذا بالحجج والبراهين العقلية. ولذلك لم يثبت ولم يصمد أمام أصحاب محمد ﷺ ولا التابعين أي مناظر من الملحدين أبداً، بل كانوا يفتحون قلوب الأمم والشعوب قبل أن يفتحوا بلادهم، لأن النور الذي يحملونه معهم يضيء لتلك القلوب فيظهر الميثاق الفطري: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] فهم شاهدون ومقرون، فإذا جاء هذا المبلغ عن رسول الله ﷺ ودعاهم إلى التوحيد، تطابقت هذه الدعوة مع الفطرة تماماً، ولذلك قال الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه [الروم:٣٠] فهذا الدين منقوش في الفطرة لا يبدله أحد، ثم يأتي الأنبياء بما يصدق ويؤيد هذه الفطرة، فليس في الأمر إذن تقليد مطلقاً، وإنما هو حجج عقلية. أما أهل الكلام فكلامهم هو محض التقليد، ومحض الهوى والتخرص والظنون، ولذلك اختلفوا وأعرضوا وتركوا سنة رسول الله ﷺ . فالفقهاء مثلاً متفقون على أنه إذا بلغ الصبي لا يجب على وليه أن يقول له: قل لا إله إلا الله. لأنه ولد على الإسلام، فهو مسلم بالفطرة وبالاتباع لأبويه، وهما مسلمان، بل يغلب جانب الإسلام دائماً. فلو وجدنا لقيطاً مرمياً في بلاد الكفار، فإننا نفترض في هذا اللقيط الإسلام، ونأخذه ونربيه على أنه مسلم، ونسميه محمداً، ولا ندعه للكفار أبداً؛ لأن الأصل في كل مولود هو الإسلام، وهو مولود على هذه الملة. وهذا الكلام تجده عند أصحاب البدع في كتب فقههم؛ حيث تجد بعضهم من أرباب الفقه وأرباب الكلام.

стр. 969

فإذا جاء في الفقه ذكر هذا الكلام، وإذا جاء في علم الكلام قال: لابد من ترك التقليد، وهل يكفر المقلد أو لا يكفر؟ ... إلخ، كأنه يشرح لأمة أخرى غير أمة محمد التي يشرح لها الفقه. فأول واجب على المكلف هو: الإقرار بالشهادتين والنطق بهما، وهو أخص من القول، فالنطق: مجرد إخراج الحروف، أما القول فهو في اللغة العربية: يطلق على الفعل، فإذا حرك رجل يده تقول: وقال بيده هكذا، كما جاء في الحديث: (وقال بيديه هكذا) فلا يكون الإنسان مسلماً أبداً إلا إذا شهد أن لا إله إلا الله، وليس في هذا خلاف -ولله الحمد- بين علماء السنة والجماعة، ولا بين الفقهاء، إلا لما ظهرت البدع، فقالوا: إن الإيمان يكون في القلب، ولا يشترط أن ينطق بلسانه، ولذلك قال بعض المؤلفين: إن من عرف الله بقلبه ولم يشهد أن لا إله إلا الله ولم ينطق بها، يمكن أن ينجوَ عند الله ولا يعذبه؛ لأن التصديق حصل عنده، وهذا كلام باطل مخالف للإجماع المنعقد من عهد النبي ﷺ إلى اليوم من أهل السنة والجماعة، وهو: أن الإنسان لا بد له أن يشهد أن لا إله إلا الله، ولابد له -أيضا- أن يؤدي الصلاة والزكاة ظاهراً؛ حتى يكون له حكم الإسلام، ولا يهم إن كان في قلبه غير مقر بها، فإننا لم نؤمر أن نشق عن قلوب الناس. وهناك فرق بين أحكام المرتد، وبين أحكام الكافر الأصلي كاليهودي أو النصراني، فمن شهد أن لا إله إلا الله، وقال: أنا مسلم، أو فعل شيئاً من خصائص الإسلام، ثم نكث وكفر فحمل الصليب مثلاً، أو سجد لغير الله، فهذا مرتد يقتل، بخلاف الثاني فإنه على دينه من الأصل. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهاهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء: كمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام، هل يصير مسلماً؟ الصحيح أنه يصير مسلماً بكل ما هو من خصائص الإسلام]

стр. 970

قال عمر ﵁: "لو أنني بعثت جيشاً فحاصروا حصناً من العجم، فخرج منهم رجل من الحصن المحاصر، فرفع يديه إلى السماء وأشار بإصبعه، فقتلهم المسلمون -لقتلتهم، أو وديتهم " -أي: إما أقتلهم أو أدفع دياتهم- لأنه أشار بالتوحيد، وهي قرينة تدل على الإسلام. فهذا هو القول الصحيح. فلو رأينا إنساناً يصلي فهو مسلم، لأنه فعل خصيصة من خصائص الإسلام. هذا بالنسبة للفرد، وبالنسبة للدار نعرف أنها دار إسلام أو دار كفر بما ثبت عنه ﷺ (أنه كان يبعث الجيش أو السرية في الليل، فيبيتون قريباً من العدو، فإن سمعوا الأذان وإلا أغاروا) فالبلد الذي يؤذن فيه هو بلد إسلام، ثم بعد ذلك نتعرف عن بقية الأحكام، فقد تكون جالية مسلمة فقط، والكفار هم الأكثرية، فهناك علامات مبدئية، ثم بعد ذلك يأتي البحث والاستقصاء، ويأتي الإلزام بالشريعة والتمسك بها. فإثبات الإسلام للإنسان يثبت على القول الصحيح بأي شيء من خصائص الإسلام، وعادات المسلمين وأحياناً قد تكون قرائن، ولكنها ضعيفة. فمثلاً: لو دخلت بيت إنسان، وإذا هو معلق صورة الكعبة على بيته، أو فيها سجادة وبجوارها مصحف، وأنت لم تجد فيها إنساناً، فإنك تستشعر حتى ولو كنت في بلد كفر أن هذه الغرفة يسكنها إنسان مسلم، فلو جاء وقال: السلام عليكم. تأكدت أن هذا مسلم، ولا يعني هذا أنك تشهد له أنه من أهل الجنة، أو أنه كامل الإيمان. فهذا مجرد إثبات مبدئي للأحكام ولا يعني الشهادة له بالجنة، أو بكمال الإيمان.

стр. 971

وفي بعض الأحاديث زيادة، كما يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (فإذا صلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، قال: فهم المسلمون، أو فهو المسلم له مالنا وعليه ما علينا) فأكل ذبيحة المسلمين معناه: أنه دخل في دين الإسلام، لأننا لا نأكل ذبائح المشركين، ولنفترض أن المشركين لا يأكلون ذبائحنا، فهو المسلم، له مالنا وعليه ما علينا من حقوق ومعاملات دنيوية، أما ما بينه وبين الله فهذا حسابه إلى الله، ونحن إنما نعامل الناس بالأحكام الظاهرة، ولذلك من قال: لا إله إلا الله ولو كان في المعركة كان له حكم الإسلام، كما في حديث أسامة ﴿بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فكف الأنصاري عنه فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ فقال يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قلت كان متعوذا فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم﴾ . لذا لما اقتتل الصحابة ووقعت الفتنة بينهم، اعتزل أسامة جميع الفرق، ولم يقاتل، مع حبه لعلي ﵁ حتى قال لـ علي: لو كنت في شدق الأسد لوددت أن أكون معك إلا في هذا الأمر. لأنه قد التزم أن لا يقاتل مسلماً أبداً بعدما قال له النبي ﷺ : (أشققت عن قلبه؟!) . ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري كلام أئمة الأشاعرة في قضية النظر، فذكر كلام أبى جعفر السمناني -وهو من أئمة الأشاعرة الكبار- أنه قال: (مسألة أول واجب هو النظر أو بداية النظر أو أجزاء النظر، هذه المسألة بقيت في مذهب الأشعري من المعتزلة) .

стр. 972

والإنسان قد يعود إلى الحق عودة إجمالية، لكن لا يعرف تفاصيل هذا الحق، كما حصل لأبي الحسن الأشعري، كما قد يعيش مفكراً كبيراً في الشيوعية، أوفي اليهودية، ثم يقرأ عن الإسلام، فيدخل فيه، فلا يعني دخوله في الإسلام أنه عرف جميع تفاصيل الإسلام، فعلماء الكلام من رجع منهم إلى عقيدة أهل السنة والجماعة إنما كان رجوعاً مجملاً، وقد لا يتاح له أن يعرف تفاصيلها. فمثلاً: أبو حامد الغزالي - وهو من هو في العلم والتبحر - مات وصحيح البخاري على صدره مع أنه أفنى عمره في كتابات كثيرة في التصوف وعلم الكلام، وفي آخر أمره اقتنع أن علم الكلام لا يصلح، وألف كتاب إلجام العوام عن علم الكلام. فإنه قبل موته بدأ في طريق الحق، ولا يقتضي ذلك أنه عرف الحق كله، فكذلك أبو الحسن الأشعري رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة في الجملة، فكلامه في أول ما يجب على الإنسان وهو النظر من بقايا الاعتزال. ذكر ابن حجر في الفتح في شرح كتاب التوحيد فقال: "< فإن قال: عبث ولعب. فيقال له: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُون "، ومعنى هذا: أنه دخل في دين الله هزواً وكذباً، وهذا هو الزنديق المرتد الملحد. فنقتله على قول من يرى أن الزنديق لا توبة له، وعلى القول الآخر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. فلا نسمح لأي إنسان أن يعبث بديننا، فيصلي عبثاً أو يؤذن تقليداً للمؤذنين واستهزاء بديننا، بينما الكافر الأصلي نرضى أن يذهب إلى الكنيسة ولا نتدخل في دينه على الشروط المعروفة المعلومة في حكم أهل الذمة، لكن لو قال: لا إله إلا الله، أو دخل المسجد وصلى، أو عمل عملاً من الشعائر الإسلامية، فلا بد له أن يلتزم بالإسلام وهو دين الله ولا يقبل منه الرجوع عن هذا الدين أبداً، فإن قال: أنا عابث أو مستهزئ، عاقبناه على هذا العبث والاستهزاء. قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

стр. 973

[فالتوحيد أول الأمر وآخره، أعني توحيد الإلهية، فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع: أحدها: الكلام في الصفات. والثاني: توحيد الربوبية وبيان أن الله وحده خالق كل شيء. والثالث: توحيد الإلهية وهو استحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له. أما الأول فإن نفاة الصفات أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد كالجهم بن صفوان ومن وافقه، فإنهم قالوا: إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب، وهذا القول معلوم الفساد بالضرورة، فإن إثبات ذات مجردة عن جميع الصفات لا يتصور لها وجود في الخارج، وإنما الذهن قد يفرض المحال ويتخيله وهذا غاية التعطيل وهذا القول قد أفضى بقوم إِلَى القول بالحلول أو الاتحاد، وهو أقبح من كفر النَّصارَى، فإن النَّصارَى خصوه بالمسيح، وهَؤُلاءِ عموا جميع المخلوقات. ومن فروع هذا التوحيد: أن فرعون وقومه كاملو الإيمان عارفون بالله عَلَى الحقيقة. ومن فروعه أن عباد الأصنام عَلَى الحق والصواب وأنهم إنما عبدوا الله لا غيره. ومن فروعه: أنه لا فرق في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية، ولا فرق بين الماء والخمر، والزنى والنكاح، الكل من عين واحدة، لا بل هو العين الواحدة. ومن فروعه أن الأَنْبِيَاء ضيقوا عَلَى النَّاس تَعَالَى الله عما يقولون علواً كبير] . الشرح: ابتدأ المُصنِّفُ ﵀ يشرح أنواع التوحيد الثلاثة، وهنا شبهة يثيرها بعض المبتدعة وهي: أن تقسيم التوحيد إِلَى ثلاثة أقسام بدعة. فلم نقرأ في القُرْآن ولا في السنة توحيد الأسماء والصفات.

стр. 974

وهذه الشبهة دالة عَلَى جهلهم ومكابرتهم، وإلا فإنهم لا يتحرجون من البدع حتى يقولون: إن هذا التقسيم بدعي، ولكن نقول لهم مع ذلك: إن أقسام التوحيد الثلاثة نقرأها في كل ركعة من صلاتنا، فإذا قرأنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فهذا توحيد الربوبية، وإذا قرأنا الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فهذا توحيد الأسماء والصفات، ثُمَّ إذا قرأنا بعد ذلك إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فهذا توحيد الألوهية أو توحيد العبادة. فمن أهمية هذه الأقسام الثلاثة أننا نرددها في كل فريضة، وهي في القرآن، وكذلك آخر سورة في القرآن، فإذا قرأنا قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ فهذا توحيد الربوبية. مَلِكِ النَّاسِ فهذا يشمل توحيد الربوبية. إِلَهِ النَّاسِ فهذا يشمل توحيد الألوهية، وتشمل الآيات توحيد الأسماء والصفات، لأنه سمى نفسه رباً وملكاً وإلهاً. فالقرآن من أوله إِلَى آخره توحيد، وصلاتنا في كل ركعة نذكر فيها التوحيد بأنواعه الثلاثة، وعلماء الإسلام فهموا هذا الفهم، ولذلك من ألف منهم في التوحيد كابن مندة -وهو من العلماء المتقدمين- ذكر هذه الأنواع الثلاثة في القرن الرابع، فليس هذا التقسيم من اختراع شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَمِيَّةَ ولا غيره. فأنواع التوحيد ثلاثة جاءت في الكتاب والسنة، كما في الحديث عن عَائِِِشَةَ ﵂ أن النبي ﷺ بعث رجلا عَلَى سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم ب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فَقَالَ سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فَقَالَ لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فَقَالَ النبي ﷺ أخبروه أن الله يحبه) .

стр. 975

إذاً توحيد الأسماء والصفات معروف لدى السلف الصالح، والأدلة عَلَى ذلك كثيرة، وسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن؛ لأنها صفة الرحمن، ومعنى هذا أن توحيد الأسماء والصفات هو ثلث التوحيد، والثلث الثاني هو توحيد الربوبية، والثلث الأخير هو توحيد الألوهية. فالأدلة من الكتاب ومن السنة ومن فعل السلف دالة عَلَى أنواع التوحيد الثلاثة، ولا ينكر ذلك إلا مكابر، ولو أنهم حققوا التوحيد لما اختلفنا في الأسماء، لكن التوحيد عندهم نظري، وهو: نفي الكميه المتصلة، ونفي الكميه المنفصلة، هذا هو التوحيد عندهم، فلذلك قالوا: هذه الأقسام الثلاثة بدعة. يقول المُصنِّفُ أما بيان التوحيد الأول، فإن نفاة الصفات أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد، فالتوحيد عند الجهمية: أن لا يثبت لله صفة قط، والتوحيد عند المعتزلة: أن ننفي جميع الصفات مع إثبات الأسماء، عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، مريد بلا إرادة، عزيز بلا عزة، هكذا يقول المعتزلة من عند أنفسهم افتراء عَلَى الله . والله ﵎ قد جعل القول عليه بغير علم في درجة بعد درجة الشرك في الزجر، فقَالَ: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثُمَّ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً [الأعراف:٣٣] ثُمَّ قَالَ: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:٣٣] فهذا أعظم من الشرك. فالمشرك يعبد غير الله ، لكن من يقول عَلَى الله بغير علم أعظم من مجرد هذا المشرك؛ لأنه يقنن، وينظّر لهذا الشرك، ويفتري عَلَى الله . فنفاة الصفات جعلوا التوحيد هو: نفي الصفات، فقالت الجهمية: إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب.

стр. 976

فالواجب عندهم هو: واجب الوجود، فالفلاسفة يسمون الله تَعَالَى واجب الوجود، ويقولون: الموجودات تنقسم إِلَى ثلاثة أقسام: واجب، وممكن، ومستحيل، من حيث الوجود. فواجب الوجود هو: ما يوجد بذاته مستغنى عن غيره وغيره مفتقر إِلَى وجوده، أي الله . والممكن: وجود المخلوقات، والمستحيل: وجود واجبين، كما هو مستحيل وجود إلهين -مثلاً-. فواجب الوجود عندهم -كما يقولون- هو الله ، فلا يثبتون له إلا أنه واجب الوجود، وأنه موجود في عالم المثال -أي: في الذهن- فلا يثبتون أي صفة وجودية -كما قلنا- حتى لا يتعدد ويصبح في عالم الواقع، حيث ننفي الكمية المتصلة والكمية المنفصلة، فنقول: بإثبات ذات مجردة عن جميع الصفات. وهذا في الحقيقة لا يتصور له وجود في خارج الذهن، بحيث نثبت ذات ليس لها أي صفة. فكل شيء له وجود لابد أن يكون له صفات، فنقول مثلاً: هو طويل، عريض، ضخم، أحمر أو أبيض، فلابد له من وصف مادام موجوداً في الخارج. فواجب الوجود الذي يتكلم عنه الفلاسفة غير موجود أبداً، إلا في أذهان الفلاسفة فقط. نفي الصفات أفضى إلى الحلول والاتحاد ثُمَّ ذكر المُصْنِّف قضية خطيرة وهي: أن هذا القول قد أفضى بقوم إِلَى القول بالحلول والاتحاد، وهذه أخطر من مجرد نفي الصفات. فنفي الصفات كفر بالله يخرج من الملة؛ لأنه تكذيب لكتاب الله، ولكن أكفر منه مذهب الحلول والاتحاد الذين يقولون: لا يوجد متعيناً في الخارج. وهذا مصطلح من المصطلحات اليونانية، فاستوعبت اللغة العربية هذه المصطلحات لأنها لغة واسعة، ومعنى هذا المصطلح: أنه إذا وجد أي شيء متعين خارج الذهن فلابد له من صفات، والله عندهم لا صفة له مطلقاً، -إذاً- لا يكون موجوداً متعيناً في الأعيان، وإنما يبقى في الأذهان فقط.

стр. 977

فجاء بعض علماء الصوفية وبنوا عَلَى هذا الكلام شيئاً آخر، فَقَالُوا: مادام أنه لا وجود له في الأعيان، فليس في حقيقة الأمر إله غير هذه الأعيان، وهي ذات الله سبحانه -تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا- فهكذا ركبوا قضية وحدة الوجود أو الحلول، فهذا العالَم هو الرب والإله، وهو الخالق والمخلوق معاً، ولذا قال المصنف: [وهذا أقبح من كفر النَّصَارَى] ، لأن النَّصَارَى خصوه بالمسيح، فَقَالُوا: المسيح هو الله أو الإله حل في المسيح، وأما هَؤُلاءِ فَقَالُوا: حل في كل شيء، فالوجود الخارجي هذا هو نفس الإله. ثُمَّ ذكر المُصْنِّف ما يلزم قول هَؤُلاءِ فقَالَ: [من فروع هذا التوحيد أن فرعون وقومه كاملوا الإيمان عارفون بالله عَلَى الحقيقة] أي: أن كل من أنكر الله فهو مؤمن بالله. وقولفرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] صدق. فهذا هو لازم قولهم، بل صرح بعض الصوفية بأنفرعون كَانَ صادقاً عندما قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] ، لأنه ليس في الوجود إلا هو، فهو تكلم عن ذات الحقيقة، وهو من الوجود لم يكذب، ولذلك ألفوا كتاباً في إثبات إيمان فرعون. وقال بعضهم: إنفرعون أصلاً لم يكفر ولم يشرك، وكل من عبد الأصنام، أو عبد الكواكب، أو عبد الأحجار، فإنه لم يعبد غير الله، وإنما اختلفت المسميات، أو اختلفت الأنظار، ومراد الكل واحد. ولهم في ذلك أشعار -نسأل الله العافية- كما في شعرابن الفارض، وابن عربي، بل في كتاب الفتوحات المكية لابن عربي من أمثال هذا الكلام الشيء الكثير. قال شاعرهم عبد الكريم الجيلي: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة نعوذ بالله من هذا القول الساقط الذي يستحي الإِنسَان أن يقول مثل هذا الكلام: أن الكلب والخنزير هو إلههم، وأن الله عندهم راهب في كنيسة. وكما يقول: ابن عربي: أدينُ بدينِ الحبِ أنَّى توجهت ركائبُهُ فالحبُ ديني وإيماني

стр. 978

فأصبح قلبي حاوياً كل ملةٍ وكعبةُ أوثانٍ وديرٌ لرهبانِ يعني أن جميع الأديان عنده سواء، فاليهود والمجوس والنَّصَارَى والْمُسْلِمُونَ كلهم يعبدون شيئاً واحداً، وكذا من يعبد الكلب والخنزير، ومن يعبد الشجر والحجر والكواكب، ليس هناك أي فرق لأن الموجود واحد، كما قال ابن عربي: العبد رب والرب عبد ياليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف أي ليس هناك تكليف نهائياً؛ لأنه إن كلفنا العبد فذاك رب، وإن كلفنا الرب فإنما يكلف العبد ولا يكلف الرب، فهذا هو دين القوم الذي يسمونه: توحيد خاصة الخاصة، ومن فروعه أنه لا فرق في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية لأن الكل واحد، بل هم اعترفوا ببعضه. فبعضهم لما أراد أن يزني بامرأة فامتنعت قال لها: الله أنا، وكلامهم موجود في مصادره. فسُبْحانَ اللَّه كيف ينتسب لهذا الدين من يقول هذا القول؟! وأيضاً قالوا: الماء والخمر مشروب كله. ومن فروعه: أن الأَنْبِيَاء ضيقوا عَلَى النَّاس -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- لأنهم جعلوا لنا عبادات وعقيدة معينة، فجعلوا طريق الله واحداً وغيره باطل، بينما كل الطرق تؤدي إليه، وكل العبادات صواب -كما يقولون والعياذ بالله- إذاً الأَنْبِيَاء ضيقوا وحجروا واسعاً!! وابن سبعين -وهو من أئمة الصوفية الحلولية - ترجم له الذهبي وغيره، ومما ذكروا: أنه كَانَ يتعبد في مكة، وأقام بغار حراء فترة طويلة ينتظر الوحي. وكان يقف بالطواف والنَّاس يطوفون ويقول: هَؤُلاءِ كالحمير التي تدور في الطاحون، فقالوا له: لم تتعبد عند الكعبة مادمت تقول هذا الكلام، فقَالَ: انتظر الوحي. فقالوا: لا وحي بعد مُحَمَّد ﷺ وقد انقطع الوحي. فقَالَ: لقد ضيق ابن آمنة واسعاً. فهذا دين القوم. نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 979

وهم في الحقيقة زنادقة تستروا بالانتساب إِلَى الدين ليهدموه، وهذه النظريات ودعاوى الصوفية كلها تعود إِلَى الوثنية اليونانية. فالفلاسفة الرواقيون كانوا من أكثر النَّاس عبادة وزهداً، وكانوا يقولون: إذا أردت الحكمة أن تنقدح في قلبك وتنطق بها، فلا تأكل في اليوم إلا لوزة أو حبة. وفيهم الفلاسفة المشاؤون، وهم الذين يلقى أحدهم الدرس التمهيدي وهو ويمشي ويقول: التفكير مع المشي أعمق، ولذا سموهم المشائين. وأما الرواقيون فكانوا يجلسون بين الأروقة فسموهم رواقيين. وكذلك أصحاب وحدة الوجود والحلول والاتحاد قالوا: إذا تعبدنا وزهدنا كثيراً في الدنيا، وضيقنا عَلَى أنفسنا فاضت علينا الحكمة والعلم اللدني، وينزل في قلوبنا العلم الباطن، حدثني قلبي عن ربي. لذا يقولون: أنتم تأخذون دينكم من ميت عن ميت. فتقولون: حدثنا عبد الرزاق -وقد مات- عن معمر -وقد مات- عن أيوب -وقد مات- وأما نَحْنُ فنأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت، -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-. قالت الجهمية: إن إثبات صفة أو أكثر مع الذات التي هي واجبة الوجود -كما يسمونها- يستلزم تعدد القدماء، أو تعدد الواجب، فهو العلة الأولى، وعنه وجدت الموجودات الممكنة -أي المخلوقات- فلو أثبتنا له الصفات للزم من ذلك تعدد الذات، فلا نثبت إلا وجوداً مطلقاً. وقالوا بنظرية المثل الأفلاطونية: أن عالم المثال موجود وهو عالم حقيقي. ويرد عليهم: أن هذه الصفات هي لذات واحدة لم تتعدد. وكلام الجهمية هو امتداد لكلام الفلاسفة اليونانيين في إثبات الموجودات الكلية المطلقة التي لا أعيان لها في الخارج. فيقولون: إن الإِنسَان موجود في الدنيا فهو عين للوجود الكلي المطلق للإنسان. فنقول لهم: إن وجود إنسان كلي لا تعيين له إنما يتخيل في الذهن، وأما في الواقع فلا يوجد إلا فلان وفلان معين بذاته. الفرق بين الحلول والاتحاد لماذا كَانَ نفي الصفات طريقاً إِلَى الحلول والاتحاد؟

стр. 980

أولاً: نذكر الفرق بين الحلول والاتحاد: وهو أن الحلول: أن تحل الذات الإلهية -كما يقولون- في ذات أخرى، كما تقول النَّصَارَىفي المسيح، حيث يقولون: إن الألوهية حلت في المسيح. فعندما كَانَ يحي الموتى كانت الألوهية هي التي تحي الموتى -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-. والاتحاد: أن تقترن ذات بذات حتى تصبح شيئاً واحداً، فالذين قالوا: إن الله في كل مكان يقولون: هو حال بذاته في هذه الأمكنة وهو قول الحلولية، أو يقولون: اتحد بهذه الأمكنة فأصبح شيئاً واحداً وهو قول الاتحادية. فالمتكلمون الجهلة بصفات الله قالوا بالحلول في حق الله وأنه تَعَالَى في كل مكان. أما أُولَئِكَ الذين قالوا بالاتحاد فهم أصلاً أصحاب نظرية الفناء الهندية الصوفية الذين قالوا: إن الله يُعبد ثُمَّ يُعبد ثُمَّ يُتَقْربُ إليه، وتصفى الروح تماماً بالزهد والعبادة والمشي في الفلوات وسكنى المغارات وغير ذلك، حتى تتحد بالذات الإلهية الواحدة وتصبح شيئاً واحداً. ودين الصوفية أعظم شراً من النَّصَارَى، لأن النَّصَارَى قالوا: إنه تَعَالَى حل بالمسيح. وهَؤُلاءِ قالوا: إنه حل أو اتحد بكل شيء، فكل شيء هو عينه وهو ذاته، وفي ذلك يقولابن عربي: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف وكما قال في أبيات أخرى: فيحمدني وأحمده ويعبدني وأعبده وكما قال في أبيات أخرى: أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني يعني: محبة الله أو العشق الإلهي المطلق، وهي محبة الزنادقة كما قال علماء السلف: ( من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري خارجي، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن الحنيفي) .

стр. 981

فهم يقولون بالحب المطلق، ولذلك يستحلون جميع المحرمات حيث يقولون: إنك إذا أحببت شخصاً وأحبك هو كذلك، لم تغضب إذا أخذ من مالك شيئاً أو أخطأ عليك لوجود المحبة بينك وبينه، ونحن بيننا وبين الله المحبة المطلقة والفناء في ذاته، فلا نبالي بأي معصية نعملها، لأن المحب من عادته التجاوز عن المحبين، ثُمَّ يستدلون بأشعار العرب مثل من يقول: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم إلى أن يقول: أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمن اللوم ومثل من يقول: يا حبيباً من أجله أحببت العمر وأوقفت كل عمري عليه فهم ينقلون هذه المعاني ويجعلونها في حق الله ، ويقولون: إنه مادام الحبيب لا يؤاخذ حبيبه في أي شيء فليس هناك أي حرج. وقد رد الله عَلَى اليهود والنَّصَارَى حين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه فقَالَ: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة:١٨] وقال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء:١٢٣] بل الأَنْبِيَاء كذلك، فآدم عندما عصى جازاه الله عَلَى معصيته، والخطيئة التي أخطأها داود ﵇ بكى عليها وندم، بل هدد الله الأَنْبِيَاء تهديداً فقَالَ: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:٦٥] . علاقة الحلول والاتحاد بنفي الصفات

стр. 982

الذين نفوا الصفات خرجوا قبل الحلولية والاتحادية، لأن الجهم بن صفوان قتل سنة ١٢٨هـ، وأما من قالوا بالحلول والاتحاد فقد أقيمت لهم أول محاكمة علنية حوالي عام ٢٨٠هـ أو بعدها، وذلك بعد أن أشيع في بغداد أنهم زنادقة، فجمع منهم الجنيد،وذا النون المصري وعدد كبير من عبادهم يزيد عن ٨٠ رجلاً، وسجنوا وحقق معهم، ولكنهم قالوا: نَحْنُ نظهر الإسلام ونقيم الشعائر الخمس وليس عندنا أي زندقة، وأخذت التوبة عليهم، وكان الذي تولى شكواهم وإثارة الدعوة ضدهم هو غلام خليل أحد تلاميذ تلامذة الإمامأَحْمدُ بن حَنْبَل -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وهذه القضية تعرف بقضية غلام خليل. وقد بنوا مذهبهم عَلَى مذهب نفي الصفات كالتالي: قال أهل الحلول والاتحاد: مادام أن الصفات منفية وأن لله وجوداً مطلقاً لا صفة له، فهذا الوجود هو عين ذات الله. فمن تأثر بعلماء الكلام إِلَى حد التجهم ونفى جميع الصفات، من الممكن أن يصبح عند الصوفية اتحادياً وحلولياً، لأنه لم يكن يثبت شيئاً إلا وجوداً مطلقاً، فأتى عند الصوفية فَقَالُوا: هذا الوجود المطلق الذي لا صفة له هو هذه الأعيان الموجودة. لأنه عندما قال أفلاطون: إن هناك عالم الموجودات وعالم المثل لم يره أحد ولم يسمع به أحد إلا أفلاطون، وعالم أعيان مشاهد الوجود، فالحقيقي هو هذه الأعيان. فلو كَانَ موجوداً هذا الرب الذي يقوله أفلاطون، فهو هذا الوجود الحقيقي الذي نراه بالعين، ومن هنا قالوا: إن كل العباد والعقائد والأديان هي تهدف إِلَى شيء واحد وإلى حقيقة واحدة، هي حقيقة الوجود وحقيقة الموجودات؛ لكن بعضهم عدَّد في الإشارة وبعضهم وحَّد. فهم يقولون كما يقول شاعرهم: ما في الوجود حقيقة إلا هو، والصوفية يزيدون عَلَى ذلك بعبارات روحانية فيقولون: إن الإِنسَان إذا نظر بعين البصيرة والتأمل رأى أن هذا كله سراب، فالبشر والحجارة لاوجود لها أصلاً، إنما الوجود الحقيقي هو الله.

стр. 983

فمن هنا اجتمعت النظريتان، الكلامية والصوفية وأدتا إِلَى مدلول واحد، وهو إما: الحلول وإما: الاتحاد وهما متقاربان. فلذلك يذكر المُصْنِّف هنا ما يلزم عليهم، فقَالَ: إن كفرهم أقبح من كفر النَّصَارَى فالنَّصَارَى قالوا: إن الله حل في المسيح، وكفرهم الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَم [المائدة:٧٢] فهذا كفر، فكيف بمن قَالَ: إن الله هو هذه الحجارة وهذه الأشجار، فهذا أقبح وأشد كفراً. ومن فروع هذا الكلام أو التوحيد عندهم: أن فرعون وقومه كاملوا الإيمان، عارفون بالله عَلَى الحقيقة، ولذلك صرح ابن عربي بأنفرعونعندما قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] لم يكن مخطئاً، ولم يقل إلا الحق، لأنه ليس في الوجود إلا هو، فهو تكلم عن ذات الحقيقة الكلية وعن ذات الوجود. ولذا قال الحلاج وأبو يزيد وغيرهم: "سبحاني سبحاني ما أعظم شأني" و"ما في الجبة إلا الله"!!. وقالفرعون: "أنا ربكم الأعلى"، فكان كافراً فما الفرق بين العبارتين؟! لا شك أن العبارتين واحدة ومدلولهما واحد، ولكنهم عكسوا القياس فَقَالُوا: الحلاج وأبو يزيد مسلمان مؤمنان مع قولهم: "سبحاني، سبحاني" وقولهم "ما في الجبة إلا الله" ففرعون هو كذلك مؤمن ومسلم وموحد فر من الشرك إِلَى التوحيد. ولذلك يقول هَؤُلاءِ -ومنهم ابن سينا -: القُرْآن شرك كله، وإنما التوحيد عندنا، لأن الإثنينية شرك. فإن قلت: خالق ومخلوق، وعابد ومعبود، فهذا شرك لأنك عددت. وأما التوحيد فهو: اعتقاد أن كل الوجود واحد، وما في الوجود إلا هو. قال الحلاج: حتى لقد عاينه خلقه كنظرة الحاجب للحاجب ولما قيل للحلاج إن هذا الكلام كفر قَالَ: كفرت بدين الله والكفر واجبٌ عليَّ وعند الْمُسْلِمِينَ قبيح يعني: نظرتكم نظرة كفر ولا يهمني هذا الذي تقولونه.

стр. 984

بل يقولون: إن موسى ﵇ كَانَ يدعو إِلَى الشرك، لأنه كَانَ يدعو إِلَى اثنين، وأما فرعونفهو الموحد، لأنه يدعو إِلَى شيء واحد، فهو ينطق بعين الحقيقة. ومن فروعه: أن عباد الأصنام عَلَى الحق والصواب لأنهم إنما عبدوا الله لا غير، لأن الوجود كله واحد -وجود مطلق- ولا موجود حقيقي إلا هو كما يقولون، فهذه الموجودات هي ذاته!! ثُمَّ يقول المُصْنِّف ﵀: [مما نلزمهم به التحليل والتحريم بين الأم والأخت والأجنبية] لأن الذي يثبت ذوات مختلفة فهو شخص معدد، والتوحيد عندهم أن الكل ذات واحدة، فما الفرق بين الأجنبية وغيرها؟! ولذلك وجد في سيرهم وكتبهم أنهم كانوا يتعاشرون بالإباحية فيقولون: هذا حلال في حقهم، وإنما التحريم في حق العوام لأنهم عَلَى الشرك، فتوحيد العوام أن يقولوا: "لا إله إلا الله"، وأن الله فوق السماوات، لأنهم لا يفهمون. وأما هم فقد عرفوا حقيقة التوحيد، وأن الأشياء كلها واحدة، وسقطت عنهم الحواجز، فلم يعد هذا حلال وهذا حرام. وقد عقد ابن الجوزي في تلبيس إبليس فصلاً طويلاً عن الصوفية فيما يتعلق بالعشق الذي يجعلونه فيما بينهم -والعياذ بالله- فذكر كلاماً يندى له الجبين، ولا يكاد يصدقه أحد أو يفعله أحد من فساق الْمُسْلِمِينَ مجاهرة، فضلاً أن تكون هي أخلاق أولياء الله الذين هم القدوة وأوتاد الأرض، ولولاهم لنزل البلاء من السماء ولمحقت البركات، ومن عجائبهم: أن النوري -لما صاح غراب عَلَى المنارة- قَالَ: لبيك لبيك. قالوا: لماذا؟ قَالَ: الحق ناداني. فهل الحق في الغراب والعياذ بالله؟! وهذه كلها مرجعها إِلَى شيء واحد وهو: قضية الفناء الصوفي التي بنيت عَلَى قضية كلامية. ثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [ومن فروعه أن الأَنْبِيَاء ضيقوا عَلَى النَّاس] .

стр. 985

لأن الأَنْبِيَاء في نظرهم عينوا لهم معبوداً واحداً، بينما المعبودات في نظرهم كثيرة جداً، وعينوا لهم أنواع محدودة من العبادات. فهذا دين الله الذي جَاءَ به الأَنْبِيَاء جميعاً عقيدة وعبادة وشريعة محددة، وأما هَؤُلاءِ فوسعوا عَلَى النَّاس وَقَالُوا: الآلهة والمعبودات والعبادات متعددة كله لله ومن الله، بل قالوا: إن الفاعل الحقيقي هو الله، وهنا تلتقي النظرية الجبرية مع النظرية الصوفية. بل قالوا أشد من ذلك: أنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله -هذا حقيقة التوحيد عندهم- والبشر وجودهم عارض لا قيمة له، فلو أن إنساناً أعطى فلاناً مبلغاً من المال فالمعطي الحقيقي هو الله، ولاشك أن الله هو الرازق، ولكن يجب أن ينتبه إِلَى أن هَؤُلاءِ يأتون بمثل هذه الأمثلة ثُمَّ يدخلون عليها أمثلة أخرى فيقولون: فإذا زنى الزاني ولا فاعل حقيقي إلا لله؟ ! -والعياذ بالله- فيجب أن يعلم أن هناك فرقاً بين الخالق للأسباب والفاعل للأسباب فكون الله هو خالق الأسباب هذا شيء، وكونه هو فاعل الأسباب جميعاً هذا شيء آخر، فالله خلقني وجعلني سبباً أن أعطي فلاناً هذا المبلغ من المال، ولا نقول: إن الله أعطى ذلك دون سبب مني. والجبرية والجهمية شيء واحد يقولون: إن البشر كالريشة في مهب الريح، فكل ما يفعله الإِنسَان مقهور عليه، والله هو الذي قدره عليه. وهذه المقولة مع شناعتها وكفرها أقرب من كلام أُولَئِكَ إِلَى العقل. قَالَ المُصنِّفُ ﵀:
следующие страницы →