وهذا واضح، كما ترى.
وأقوال من منع هذا وحججهم ظاهرة البطلان، فلا نطيل الكلام بها.
تنبيه:
منشأ الخلاف في هذه المسألة هو: هل حكمةُ التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، وهو الحقُّ، أو هي الامتثالُ فقط، وهو قول القدرية؟ فعلى أن الحكمة مترددة بينهما فالمنسوخ بعد الفعل حكمته الامتثال، وقد امتثل بالفعل قبل النسخ، والمنسوخ قبل التمكن من الفعل حكمتُه الابتلاء، وقد حصل قبل النسخ.
وإلى هذا أشار في "المراقي" بقوله:
للامتثال كلَّف الرقيبُ ... فموجبٌ تمكنًا مصيبُ
أو بينه والابتلا تردَّدا ... شرط تمكنٍ عليه انفقدا
وأشار إلى المسألة التي نحن بصددها بقوله:
والنسخ من قبل وقوع الفعل ... جاء وقوعًا في صحيح النقل
تنبيه آخر:
ذكر بعض أهل الأصول أنَّ هذه القاعدة المذكورة آنفًا التي هي: هل حكمةُ التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، أو هي الامتثال فقط؟ التي هي مبنى الخلاف في جواز النسخ قبل التمكن من الامتثال = ينبني عليها بعض الفروع الفقهية.
стр. 107
من ذلك -مثلًا-: من علمتْ بالعادة المطَّردة أنها تحيض في أثناء النهار غدًا فبيَّتت الإفطار، ثم حاضت في أثناء النهار بالفعل كما كانت تعتقده. ومن تعتاده حُمَّى الرِّبْع، وعادته أن تأتيه غدًا في أثناء النهار، فبيَّت الإفطار لذلك، ثم أصابته الحمى بالفعل في أثناء النهار كما كان يعتقد.
فعلى أن الحكمة في التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، فتبييت الفطر ممنوع على كل منهما، وقيل فيه بالكفارة إن فعل موجبها قبل حصول الحيض أو الحُمَّى، وهو مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى ومن وافقه.
وعلى أن الحكمة الامتثال فقط، فلا كفارة، ولا مانع من تبييت الإفطار؛ لأنه غلب على ظنه انتفاء الحكمة المقصودة بوجود العذر، واللَّه تعالى أعلم.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
والزيادة على النص ليست بنسخ، وهي على ثلاثة مراتب: أحدها: ألا تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، كما إذا أوجب الصلاة ثم أوجب الصوم، فلا نعلم فيه خلافًا، لأنَّ النسخ رفعُ الحكم وتبديله، ولم يتغير حكم المزيد عليه، بل بقي وجوبه وإجزاؤه. . .) إلى آخره.
стр. 108
لا يخفى أن زيادة وجوب الصوم على وجوب الصلاة ليس نسخًا للصلاة كما ترى.
وإيضاحُ هذا المبحث أنَّ فيه تفصيلًا لابدَّ منه لم يذكره المؤلف، وهو أن الزيادة على النص لها حالتان:
الأولى: أن تنفي ما أثبتهُ النصُّ الأول أو تثبت ما نفاهُ، وهذه لا شك أنها نسخ، ولم يتعرض لها المؤلف ﵀.
ومثالها: تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ونحو ذلك.
فإن تحريم هذه المحرمات ونحوها زادته السنة على آية ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام/ ١٤٥] مع أن هذه الآية الكريمة تدلُّ على إباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها، بدليل حصر المحرَّمات في الأربع المذكورة بأقوى أدوات الحصر، وهي النفي والإثبات.
ونظير الآية حصر المحرَّمات في الأربع المذكورة في النحل والبقرة بقوله تعالى في النحل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل/ ١١٥]، وقوله تعالى في البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة/ ١٧٣].
وقد تقرر في الأصول في مبحث دليل الخطاب -أعني مفهوم المخالفة-، وفي المعاني في مبحث القصر، أن (إنَّما) من أدوات
стр. 109
الحصر، وهو الحق؛ فأحاديث تحريم الحمر الأهلية وذي الناب من السباع -مثلًا- زادت تحريم شيء قد دل القرآن قبل ورود تحريمه على أنه مباح، فكونها نسخًا لاشك فيه، وإن خالف فيه كثير من أهل العلم؛ لوضوح النسخ فيه كما ترى؛ لأنه رفع حكم سابق دلَّ عليه القرآن بخطاب جديد.
الحالة الثانية: هي التي ذكرها المؤلف ﵀ وقسمها إلى مرتبتين:
المرتبة الأولى: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، على وجه لا يكون شرطًا فيه، كزيادة تغريب الزاني البكر على جلده مئة.
والمرتبة الثانية: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، تعلق الشرط بالمشروط.
والتحقيق أن هاتين المرتبتين حكمهما واحدٌ، كما نصره المؤلف، وكما هو الحقُّ.
وإيضاحُه: أن الأولى منهما زيادة جزء، والثانية زيادة شرط، وحكمُ زيادتهما واحد؛ لأن التغريب جزء من الحد، فزيادته على الجلد زيادة جزء من الحد كما هو واضح، ومثله زيادة ركعتين في الرباعية، بناء على أن الصلاة فرضت اثنتين، ثم زيدت في صلاة الحضر، وبقيت صلاة السفر على ما كانت عليه، كما جاء به الحديث.
ومثال زيادة الشرط: زيادة وصف الإيمان في صفة رقبة كفارة اليمين والظهار.
стр. 110
فمذهب الجمهور -وهو الظاهر- أن هذا النوع من الزيادات لا يكون نسخًا؛ لأنه لم يرفع حكمًا شرعيًّا، وإنما رفع البراءة الأصلية التي هي الإباحة العقلية، وهي استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل صارف عنه، والزيادة في مثل هذا زيادة شيء سكت عنه النص الأول فلم يتعرض له بصريح إثبات ولا نفي.
وخالف في هذا الإمام أبو حنيفة ﵀، فمنع كون التغريب جزءًا من الحد، وإن جاء بذلك الحديث الصحيح، قائلًا: إنَّ الجلد كان مجزئًا وحده، وزيادة التغريب دلَّت على أنه لا يكفي وحده، بل لابدَّ معه من زيادة التغريب، وهذا نسخ لاستقلال الجلد بتمام الحد، وهذا بناء على أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد؛ لأن آية الجلد متواترة، وأحاديث زيادة التغريب آحاد، والفرضُ عنده أنَّ الزيادة نسخ، والمتواتر لا ينسخ بالآحاد؟ فلم يقبل ثبوت التغريب بالآحاد بناء على ذلك.
ولأجل هذا بعينه لم يقل بالحكم بالشاهد واليمين في الأموال، الثابت عن النبي ﷺ ، بناء على أنه آحاد، وأنه زيادة على آية ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة/ ٢٨٢]، وأن الزيادة على النص نسخ، وأن المتواتر لا ينسخ بالآحاد.
وكذلك قال الجمهور: إن شرط وصف الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار ليس نسخًا، فيلزم القول به حملًا للمطلق وهو رقبة كفارة اليمين والظهار على المقيد بالإيمان وهو كفارة القتل خطأ.
ومنع ذلك أبو حنيفة بأن الزيادة على النص نسخ، وحمل المطلق
стр. 111
على المقيد لا يصلح دليلًا النسخ.
وإيضاح هذا: أن الجمهور قالوا: هذا النوع من الزيادة لا تعارض بينه وبين النص الأول، والناسخُ والمنسوخ يشترط فيهما المنافاة بحيث يكون ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر، ولا يمكن الجمع بينهما، فالمزيد في مثل هذا مسكوت عنه.
فإن قيل: هو مدلول عليه بمفهوم المخالفة.
فالجواب: أن الحنفية المخالفين في هذا لا يقولون بمفهوم المخالفة أصلًا، ونحن لا نقول به هنا، مع أنَّا لا نُسلِّم دلالة المفهوم عليه، فقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور/ ٢] لا يدلُّ على عدم وجوب شيء آخر بدليل آخر، إذ ليس فيه ما يدلُّ على الحصر، فالمزيد مسكوت عنه في النص المتقدم، والزيادة رافعة للبراءة الأصلية لا لحكم شرعي منصوص بدليل شرعي، ثم تلك الدعوى إنما تستقيم لو ثبت أنه ورد حكم المفهوم واستقر، ثم وردت الزيادة بعده، وهذا لا سبيل إلى معرفته، بل لعله ورد بيانًا لإسقاط المفهوم متصلًا به أو قريبًا منه كما أشار له المؤلف.
وإيضاحه: أنَّا لا نُسلِّم أن قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ دلَّ بمفهومه على عدم التغريب، ثم استقر حكم هذا المفهوم بعدم التغريب، ثم وردت الزيادة بالتغريب بعد ذلك، حتى يقال: إنها نسخ، بل يمكن أن تكون زيادة التغريب ذكرها النبي ﷺ متصلة بنزول آية الجلد بيانًا أنه لا مفهوم يراد به الاقتصار على الجلد دون التغريب، ويدلُّ لعدم الانفصال بينهما حديث "خذوا عني قد جعل اللَّه لهن
стр. 112
سبيلا. . . " الحديث، فالسبيل آية الحد، وقد ذكر النبي ﷺ التغريب مقترنًا بذكره لها كما ترى، والعلم عند اللَّه تعالى.
وإلى التفصيل المذكور آنفًا أشار في "المراقي" بقوله:
وليس نسخًا كلُّ ما أفادا ... فيما رسا بالنصِّ الازديادا
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ونسخ جزء العبادة المتصل بها أو شرطها ليس نسخًا لجملتها. . .) إلى آخره.
حاصل هذا المبحث: أن نسخ الجزء أو الشرط نسخ لنفس ذلك الجزء وذلك الشرط فقط، لا نسخ لجميع الحكم، وهو واضح؛ لأن هذا نُسِخَ وهذا أُبْقِيَ على ما كان عليه.
فمثال نسخ الشرط: أن استقبال بيت المقدس كان شرطًا في صحة الصلاة، فنسخ هذا الشرط ولم يكن نسخُه نسخًا لحكم الصلاة من أصلها، كما ترى.
ومثال نسخ الجزء: نسخ عشر رضعات بخمس، ولا سيما عند من يقول ببقاء حكم خمس رضعات إلى الآن، كالشافعي.
وحجة من قال بأن نسخ الجزء أو الشرط نسخ لجملة الحكم هو أنَّ
стр. 113
الاقتصار على الحكم بدون ذلك الجزء أو ذلك الشرط كان ممنوعًا لا يعتد معه بذلك الحكم، وبعده كان الحكم تامًا، وهذا نسخ.
وأجيب من جهة الجمهور أن ذلك الشرط أو ذلك الجزء إنما كان وقت تشريعه رافعًا للبراءة الأصلية، فلما نسخ رجع سقوطه إلى حكم البراءة الأصلية، والباقي كان مشروعًا، ولم يزل كذلك.
وأشار إلى هذا في "المراقي" بقوله:
والنسخ للجزءِ أو الشرط انتقي ... نسخه للساقط لا لِلَّذْ بقي
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
يجوز نسخ العبادة إلى غير بدل . وقيل: لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦]).
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
هذا الذي حكاه ﵀ بصيغة التضعيف التي هي قيل، يجب المصير إليه، ولا يجوز القول بسواه البتة؛ لأنَّ اللَّه جل وعلا صرَّح به في كتابه، واللَّه يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء/ ٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء/ ١٢٢]؛ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ الآيات [الأنعام/ ١١٥] أي صدقًا في الأخبار وعدلًا في
стр. 114
الأحكام.
فالعجب كل العجب من كثرة هؤلاء العلماء وجلالتهم من مالكية وشافعية وحنابلة وغيرهم القائلين بجواز النسخ لا إلى بدل ووقوعه، مع أن اللَّه يصرح بخلاف ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فقد ربط بين نسخها وبين الإتيان بخير منها أو مثلها بأداة الشرط رَبْطَ الجزاءِ بشرطِه، ومعلوم عند المحققين أنَّ الشرطية إنَّما يتوارد فيها الصدق والكذب على نفس الربط، ولا شك أنَّ هذا الربط الذي صرَّح اللَّه به بين هذا الشرط والجزاء في هذه الآية صحيحٌ لا يمكن تخلفُه بحال، فمن ادَّعى انفكاكه وأنَّه يمكن النسخ بدون الإتيان بخير أو مثل، فهو مناقض للقرآن مناقضة صريحة لا خفاء بها، ومناقضُ القاطع كاذبٌ يقينًا، لاستحالة اجتماع النقيضين، صدق اللَّه العظيم، وأخطأ كل من خالف شيئًا من كلامه جل وعلا.
وقول المؤلف (١) ﵀ (ولنا: أنَّه متصوَّر عقلًا. . .) ظاهر السقوط، لأن صريح القرآن لا يناقض بالتجويز العقلي.
وقوله (٢): (قام دليله شرعًا. .) ليس بصحيح، إذ لا يمكن قيام دليل شرعي على ما يخالف صريح القرآن.
وقوله (٣): (إن نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي، وتقديم
стр. 115
الصدقة أمام المناجاة، كلاهما نسخ إلى غير بدل، وأن ذلك دليل على النسخ لا إلى بدل. .) غيرُ صحيح؛ لأنَّ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي نسخ ببدل خير منه، وهو التخيير في الادخار والإنفاق المذكور في الأحاديث، وتقديم الصدقة أمام المناجاة منسوخ ببدل خير منه، وهو التخيير بين الصدقة تطوعًا ابتغاء لما عند اللَّه وبين الإمساك عن ذلك، كما يدل عليه قوله: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة/ ١٣].
وقولُ المؤلف (١) ﵀: (فأمَّا الآية فإنها وردت في التلاوة، وليس للحكم فيها ذكر. . .) ظاهر السقوط كما ترى؛ لأنَّ الآية الكريمة صريحة في أنه مهما نسخ آيةً أو أنساها أتى بخير منها أو مثلها، كما هو واضح.
وقول المؤلف (٢): (على أنَّه يجوز أن يكون رفعُها خيرًا منها في الوقت الثاني، لكونها لو وجدت فيه لكانت مفسدة) يُقال فيه: ذلك الرفع الذي هو خير منها، هو عينُ البدل الذي هو خير منها، الذي هو محل النزاع.
وما أجاب به صاحب "نشر البنود شرح مراقي السعود" تبعًا للقرافي من أن الجواب لا يجب أن يكون ممكنًا فضلًا عن أن يكون واقعًا، نحو: إن كان الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان = ظاهر
стр. 116
السقوط أيضًا؛ لأن مورد الصدق والكذب في الشرطية إنَّما هو الربطُ، فتكون صادقة لصدق ربطها، ولو كانت كاذبة الطرفين لو حُلَّ ربطُها.
ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء/ ٢٢] قضية شرطية في غاية الصدق، مع أنها لو أزيل منها الربط لكذب طرفاها، إذْ يصير الطرف الأول: كان فيهما آلهة إلا اللَّه، وهذا باطل قطعًا، ويصير الطرف الثاني: فسدتا، أي السموات والأرض، وهو باطل أيضًا، والربط لاشك في صحته، وبصحته تصدق الشرطية، فلو كان فيهما آلهة غير اللَّه لفسد كل شيء بلا شك.
وكذلك لو صحَّ أن الواحد نصف العشرة لصح أن العشرة اثنان، لكنَّه لم يصح أن فيهما آلهة غير اللَّه، ولا أن الواحد نصف العشرة، كما هو معروف، بخلاف الشرط في الآية فقد صح، وبصحته يلزم وجود المشروط.
واعلم أن قول من قال: إن أهل العربية يجعلون الصدق والكذب في الشرطية إنَّما يتواردان على الجزاء والشرط إنَّما هو شرط في ذلك. . . غيرُ صحيح، بل التحقيق أن الصدق والكذب عندهم يتواردان على الربط بينهما كما ذكرنا، كما حقَّقه السيد في حواشيه على "المطول"، وكما حققه البنَّاني في "شرح السلم"، وهو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه؛ لصدق الشرطية مع كذب الطرفين كما بينَّا.
стр. 117
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ويجوز النسخ بالأخف والأثقل . . .) إلى آخره.
حاصل هذا المبحث أنه يجوز نسخ الحكم الأثقل بالأخف منه، كما يجوز نسخ الأخف بالأثقل منه.
ومثال نسخ الأثقل بالأخف: نسخ الاعتداد بالحول في قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة/ ٢٤٠]، بأربعة أشهر وعشر في قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة/ ٢٣٤]، ومعلوم أن الأربعة أشهر وعشر ليال أخف من السنة.
وكنسخ مصابرة الواحد عشرة من الكفار، المنصوص في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال/ ٦٥] بمصابرة اثنين، المنصوص في قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال/ ٦٦]؛ فإن مصابرة اثنين أخف من مصابرة عشرة.
وكنسغ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة/ ٢٨٤] بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦].
ومثال نسخ الأخف بالأثقل: نسخ التخيير بين الصوم والإطعام،
стр. 118
المنصوص في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة/ ١٨٤] بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة/ ١٨٥] لأن إيجاب الصوم أثقل من التخيير بينه وبين الإطعام.
ونسخ حبس الزواني في البيوت، المنصوص عليه بقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء/ ١٥] بالجلد بقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور/ ٢]، والرجم أثقل من الحبس في البيوت.
ولو قيل: إن آية الحبس في البيوت غير منسوخة؛ لأنَّها كانت لها غاية هي قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ الآية، وقد حصلت الغاية بجعل السبيل كما قال ﷺ : "خذوا عني، خذو عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا" الحديث، فذلك السبيل هو الجلد والرجم = لكان حسنًا متَّجهًا.
ومن أمثلته: نسخ إباحة الخمر المنصوص في قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل/ ٦٧] بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة/ ٩٠ - ٩١]، خلافًا لمن زعم أنَّ تحريم الخمر رافع للبراءة الأصلية، لا حكم شرعي، فليس عنده بنسخ؛ لأنه فسر قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ بأن المراد بالسَّكر الطعم أو الخل لا الخمر، وهو خلافُ الصحيح.
فإن قيل: كيف جاز نسخُ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف مع أن اللَّه يقول: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، فإن كان الأثقل خيرًا لكثرة الأجر فلم جاز نسخه بالأخف؟ وإن كان الأخف خيرًا لسهولته فلم جاز
стр. 119
نسخه بالأثقل؟
فالجواب: أنَّ الخيرية دائرة بين الأخف والأثقل، فتارة تكون في الأخف فينسخ به الأثقل لسهولة الأخف، وتارة تكون في الأثقل لكثرة الأجر فيه فينسخ به الأخفُّ.
وإنكار الظاهرية لنسخ الأخف بالأثقل، محتجين بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥] وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء/ ٢٨]، ونحو ذلك من الآيات = لا وجه له، لأنَّ المراد بالآيات التخفيف بالجملة، فلا ينافي أنَّه ربما شرع حكمًا أثقل مما قبله، كما أوجب الصوم بعد التخيير، ونحو ذلك.
وإلى هذه المسألة أشار في "المراقي" بقوله:
ويُنْسَخُ الخِفُّ بماله ثِقَل ... وقدْ يجيء عاريًا من البدل
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا نزل الناسخُ فهل يكون نسخًا في حق من لم يبلغه. . .) الخ.
حاصل هذا المبحث: أن الحكم اختلف فيه، هل يثبت بمجرد وروده، وإن لى يبلغ المكلف، أو لا يثبت بحق المكلف إلا بعد بلوغه له؟
стр. 120
وقال القاضي: إنه لا يكون نسخًا حتى يبلغ المكلف؛ لأنَّ أهل قباء بلغهم نسخُ استقبال بيت المقدس وهم في الصلاة، فاعتدوا بما مضى من صلاتهم، ولو كان الحكم يستقر بمجرد وروده وإن لم يعلم به المكلف لما اعتدُّوا بما مضى من الصلاة قبل العلم بالناسخ.
قال أبو الخطاب: يتخرَّج أن يكون نسخًا، بناءً على قول الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في الوكيل أنَّه ينعزل بعزل الموكل، وإن لم يعلم الوكيل بالعزل.
ويتفرع على هذا الخلاف نسخُ خمسة وأربعين صلاة ليلة الإسراء، فعلى أن الحكم يثبت بمجرد الورود فهي منسوخة في حق الأمة، وعلى عكسه فلا.
ومن الفروع المبنية عليه: عزل الوكيل بموت موكله أو عزله له قبل العلم، وهل تصرُّفه بعد موت موكله، أو بعد عزله له، قبل علمه بذلك، ماضٍ أوْ لا؟ الخلاف في ذلك مبني على الخلاف في هذه المسألة.
وينبني على الخلاف في هذه المسألة أيضًا: من أسلم في دار الكفر، ولم يجد من يعلمه أمر دينه كالصلاة والصوم، ومن نشأ على شاهق جبل وهو على الفطرة، ولم يجد من يعلمه، ثم بعد ذلك حصل العلم بأمور الدين لكل منهما، فعلى أن الحكم يثبت بالورود فعليهما قضاء ما فاتهما من الصلاة والصوم، وعلى أنه لا يستقلُّ إلا ببلوغه للمكلف فلا قضاء عليهما.
стр. 121
واحتج من قال: "لا يستقلُّ إلا ببلوغه للمكلف" بأن الناسخ خطاب، والخطاب يشترط فيه علم المخاطب به، فلا يكون خطابًا في حق من لم يبلغه.
ورد القائلون بثبوته بالورود وإن لم يبلغ المكلف الاحتجاجَ بقصة أهل قباء بأن الخطأ في القبلة يعذر فيه، كمن صلى إلى غير القبلة يظنُّ أنها القبلة، وكما يدلُّ له قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة/ ١١٥] على أحد التفسيرات، وعليه أكثر أهل العلم.
وإلى هذه المسألة أشار في "المراقي" بقوله:
هل يستقل الحكم بالورود ... أو ببلوغه إلى الموجود
فالعزل بالموت أو العزل عرض ... كذا قضاء جاهل للمفترض
قال المؤلف (١) ﵀:
(فصل
يجوز نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد . . .) الخ.
اعلم أن هذه الصور الثلاث لا خلاف فيها بين العلماء يعتدُّ به، كما حكى غير واحد عليها الإجماع، وخلاف من خالف في ذلك لا يعتد به ولا وجه له، فنسخ القرآن بالقرآن كنسخ الاعتداد بالحول
стр. 122
بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر، ونسخ السنة بالسنة مساوية لها سندًا كقوله: "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" الحديث.
ويفهم ممَّا ذكرنا أنَّ نسخ الآحاد بالمتواتر جائز من باب أولى.
قال المؤلف (١) ﵀: (والسنة بالقرآن).
يعني أن السنة تنسخ بالقرآن سواء كانت متواترة أو آحادًا. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه لوقوعه، وروي عن الشافعي منع نسخ السنة بالقرآن قائلًا: إن النسخ للسنة إنما هو بسنة موافقة للقرآن.
ومثال نسخ السنة المتواترة بالقرآن: نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة المتواترة بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة/ ١٤٤].
ومثال نسخ السنة الثابتة بالآحاد بالقرآن: نسخ رد المسلمات إلى الكفار الذي وقع عليه الصلح في صلح الحديبية بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة/ ١٠].
ومن أمثلته: تحريم المباشرة في ليالي رمضان الذي كان ثابتًا بالسنة، فإنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة/ ١٨٧]، وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة/ ١٨٧].
هكذا ذكر المؤلف هذا المثال لنسخ السنة بالقرآن، تبعًا للغزالي في "المستصفى"، مع أن بعض العلماء جعل هذا المثال من نسخ
стр. 123
القرآن بالقرآن، قائلًا: إنه هو مقتضى التشبيه في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة/ ١٨٣] أي: وكان من قبلنا لا تحلُّ لهم المباشرة في ليالي رمضان بعد النوم أو صلاة العشاء، فعلى هذا فالآية ناسخة لما دلَّ عليه التشبيه لنا بمن قبلنا، واللَّه أعلم.
ومن أمثلته: نسخ جواز تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بفعل النبي ﷺ في غزوة الأحزاب بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء/ ١٠٢].
قال المؤلف (١):
(فأمَّا نسخ القرآن بالسنة المتواترة فقال أحمد ﵀: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده. . .) الخ.
حاصل هذا القول: منع نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وأحرى الآحاد؛ لأنَّ اللَّه يقول: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦] والسنة لا تكون خيرًا من القرآن ولا مثله. وقد تمدَّح تعالى بأن ذلك لا يقدر عليه غيره بقوله بعده: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة/ ١٠٦].
قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:
التحقيق جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة ووقوعه، ومثالُه: نسخُ آية خمس رضعات بالسنة المتواترة، ونسخُ سورة الخلع وسورة الحفد بالسنة المتواترة. وأمثال ذلك كثيرة.
стр. 124
والجوابُ عن الاستدلال بالآية الكريمة هو أنَّ كلًّا من الناسخ والمنسوخ من عند اللَّه تعالى، فهو الناسخ للحقيقة، ولا يقدر على ذلك غيره، كما بينه بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [يونس/ ١٥]، ولكنه يظهر النسخ على لسان رسوله ﷺ ، [فإذا نسخَ آيةً] (١) ثم أتى بآية أخرى مثلها كان حقَّق وعده، فلم يشترط في الآية المذكورة أن تكون الآية هي الناسخة بعينها، بل يجوز أن ينسخ الأولى على لسان نبيه بوحيٍ غير القرآن، ثم بعد نسخها يأتي بآية أخرى مثلها. ولا تنافي بين هذا وبين ظاهر الآية الكريمة كما ترى.
وقد قال بعض العلماء: ليس المراد الإتيان بنفس آية أخرى خير منها، بل المراد نأتي بعمل خير من العمل الذي دلَّت عليه الأولى أو مثله. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث الذي أورده عن جابر ﵁ مرفوعًا: "القرآن ينسخ حديثي، وحديثي لا ينسخ القرآن" الظاهر أنه غير صحيح، وثبوت نقيضه بالسنة الثابتة ممَّا يدلُّ على عدم صحته.
стр. 125
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
فأمَّا نسخ القرآن والمتواتر من السنة بأخبار الآحاد فهو جائز عقلًا؛ إذْ لا يمتنع أن يقول الشارع: تعبدناكم بالنسخ بخبر الواحد، وغير جائز شرعًا. .) إلى آخره.
حاصل ما ذكره في هذا المبحث أنَّ نسخَ المتواتر بالآحاد جائز عقلًا، وأمَّا شرعًا ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: أن المتواتر من كتاب أو سنة لا ينسخ بخبر الآحاد مطلقًا. وهذا هو الذي نصره المؤلف، وعلى هذا القول جمهور أهل الأصول. وعليه درج في "المراقي" بقوله:
والنسخُ بالآحاد للكتاب ... ليس بواقع على الصواب
وحجة هذا القول أن المتواتر قطعيُّ المتن، وخبر الآحاد دونه رتبة، والأقوى لا يُرفع بما هو دونه في الرتبة.
واستدل له المؤلف بقوله عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت".
قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:
التحقيق الذي لا شك فيه هو جواز وقوع نسخ المتواتر بالآحاد
стр. 126
الصحيحة الثابت تأخرها عنه، والدليل الوقوع.
أمَّا قولهم: إن المتواتر أقوى من الآحاد، والأقوى لا يُرفع بما هو دونه، فإنهم قد غلطوا فيه غلطًا عظيمًا مع كثرتهم وعلمهم.
وإيضاح ذلك: أنَّه لا تعارض البتة بين خبرين مختلفي التاريخ؛ لإمكان صدق كل منهما في وقته، وقد أجمع جميع النظار أنَّه لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما، أمَّا إن اختلفا فيجوز صدق كل منهما في وقتها، فلو قلت: النبي ﷺ صلى إلى بيت المقدس، وقلت -أيضًا-: لم يصل إلى بيت المقدس، وعنيت بالأولى ما قبل النسخ، وبالثانية ما بعده، لكانت كل منهما صادقة في وقتها.
ومثال نسخ القرآن بأخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه: نسخُ إباحة الحمر الأهلية -مثلًا- المنصوص عليها بالحصر الصريح في آية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام/ ١٤٥] بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه؛ لأن الآية من سورة الأنعام وهي مكيَّة، أي نازلةٌ قبل الهجرة بلا خلاف، وتحريم الحمر الأهلية بالسنَّة واقع بعد ذلك في خيبر، ولا منافاة البتة بين آية الأنعام المذكورة وأحاديث تحريم الحمر الأهلية؛ لاختلاف زمنهما، فالآية وقت نزولها لم يكن محرَّمًا إلا الأربعة المنصوصة فيها، وتحريم الحمر الأهلية طارئ بعد ذلك، والطروء ليس منافاة لما قبله، وإنما تحصلُ المنافاة بينهما لو كان في الآية ما يدل على نفي تحريم شيء في المستقبل غير الأربعة المذكورة في الآية، وهذا لم تتعرض له الآية، بل الصيغة فيها مختصة بالماضي، لقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾
стр. 127
بصيغة الماضي، ولم يقل: فيما سيوحى إلي في المستقبل. وهو واضح كما ترى، واللَّه أعلم.
وأمَّا آية الوصية للوالدين والأقربين، فالتحقيقُ أنَّها منسوخة بآية المواريث، والحديث بيان للناسخ، وبيانُ المتواتر لا يُشترط فيه التواتر كما تقدَّم.
والحديث يُشيرُ إلى أن الناسخ لها آياتُ المواريث؛ لأنَّ ترتيبه ﷺ نفي الوصية للوارث بالفاء على إعطاء كل ذي حقٍّ حقه -يعني الميراث- في قوله ﷺ : "إنَّ اللَّه قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه فلا وصية لوارث" يدلُّ على ذلك.
وأمَّا قول عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا. . . " الخ؛ فالحقُّ في ذلك ليس معه ﵁، بل مع المرأة المذكورة وهي فاطمة بنت قيس ﵂، قالت: إن زوجها طلَّقها آخر ثلاث تطليقات، فلم يجعل لها رسول اللَّه ﷺ نفقةً ولا سكنى. وعندما سمعت قول عمر: لا ندع كتاب ربِّنا لقول امرأة. . . الخ قالت: بيني وبينكِم كتاب اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حتى قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق/ ١] فأيُّ أمرٍ يحدث بعد الثلاث؟
وصرَّح أئمة الحديث بأنَّه لم يثبت من السنة ما يخالف حديثها.
فالسنةُ معها، وكتاب اللَّه معها، فلا وجه للاستدلال بمخالفة عمر لما سَمِعَتْهُ من النبي ﷺ ؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ،
стр. 128
والذي يظهر -واللَّه تعالى أعلم- أن عمر لم يخالفها ولكنه لم يثق في روايتها، وعلى هذا فلا منافاة إذًا.
قال المؤلف (١) ﵀:
(فصل
(فأما الإجماعُ فلا يُنْسَخْ. . . ولا يُنْسَخُ به. . .) الخ.
حاصلُ هذا المبحث أنَّ الإجماع لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا؛ لأنَّ الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي ﷺ ، لأنَّه ما دام موجودًا فالعبرة بقوله وفعله وتقريره ﷺ ، ولا حجة معه لأحد، ولا يعتبر للأمة إجماع معه، وإذا كان لا ينعقد إلا بعد وفاته ﷺ علمت أن بوفاته ينقطع التشريع، والنسخ تشريع؛ فلا يحصل بعدها نسخ أصلًا، وإذا وجد في كلام بعض العلماء ما يوهم النسخ بالإجماع، فمرادهم النسخ بالدليل الذي هو مستند الإجماع، كما أشار له المؤلف في هذا المبحث، وأشار له في "المراقي" بقوله في النسخ:
فلم يكن بالعقل أو مجرد ... الاجماع بل ينمى إلى المستند
стр. 129
قال المؤلف (١) ﵀:
(فصل
ما ثبت بالقياس إن كان منصوصًا على علَّته فهو كالنص يَنْسَخُ ويُنْسَخُ به، وما لم يكن منصوصًا على علته فلا يُنْسَخ به. .) الخ.
كلامه ظاهر، وهو قول بعض الحنابلة، وجمهور العلماء على أن القياس لا يُنْسَخُ به ولا يُنْسَخْ؛ لأنه إنما يعتبر فيما لا نص فيه، والقياس مع وجود النص المخالف له فاسد الإعتبار لا يعتدُّ به، كما سيأتي في القوادح.
وإلى عدم النسخ بالقياس أشار في "المراقي" بقوله:
ومنع نسخ النص بالقياس ... هو الذي ارتضاهُ جُلُّ الناس
ومثال ما ذكره المؤلف من نسخ النص بالقياس: ما لو قال الشارع -مثلًا-: أبحتُ لكم النبيذ المسكر المتخذ من الذُّرة، ثم بعد ذلك قال: حرَّمتُ عليكم النبيذ المتخذ من العنب لعلَّة الإسكار. فنصَّ على العلة التي هي الإسكار، فيقاسُ النبيذ المسكر المتخذ من التمر على نبيذ العنب بجامع العلة المنصوصة التي هي الإسكار، فينسخُ هذا القياسُ إباحةَ نبيذ الدُّرة المسكر؛ لأنَّ تحريم نبيذ التمر وإباحة نبيذ الذُّرة حكمان متضادَّان مع اتحاد علتهما وهي الإسكار، فكان المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، كما لو قال الشارع: أبحتُ المسكر، ثم قال:
стр. 130
حرَّمتُه.
واعلم أن القاعدة المقررة في الأصول أن المثال لا يُعْتَرض؛ لأن المراد منه إيضاح معنى القاعدة، ولذا جاز المثال بالمفروض المقدر والمحتمل، كما أشار له في "المراقي" بقوله:
والشأنُ لا يُعْتَرَضُ المثالُ ... إذْ قد كفى الفرضُ والاحتمال
واعلم أن قياس النسخ على التخصيص في قول من قال: يجوز النسخ بما يجوز به التخصيص، ظاهرُ البطلان؛ لأنَّ التخصيص بيان وإرشاد، والنسخ رفع للحكم، كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص.
قال المؤلف (١) ﵀:
(فصل
والتنبيه يُنْسَخُ ويُنْسَخُ به. .) الخ.
اعلم أن مراده بكلمة التنبيه هنا وفي مبحث المفهوم والمنطوق إنَّما هو مفهوم الموافقة.
وضابط مفهوم الموافقة: هو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، على أن حكمه وحكم المنطوق به سواء، وسواء كان ذلك المدلولُ المسكوت عنه أولى من المنطوق به بالحكم أو مساويًا له.
стр. 131
مثال ما هو أولى: دلالة النهي عن التأفيف المنطوق به في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء/ ٢٣] على النهي عن الضرب المسكوت عنه؛ لأن الضرب أولى بالنهي من التأفيف؛ لأنه أبلغ في الإيذاء منه.
ومثال المساوي: دلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء/ ١٠] المنطوق به على تحريم إحراق أموال اليتامى وإغراقها المسكوت عنه، مع أنه مساوٍ للمنطوق في الحكم؛ لأن الجميع إتلاف لمال اليتيم.
وسيأتي إن شاء اللَّه إيضاحُ أقسام المفاهيم في محلِّه مع أمثلة كثيرة لكل قسم منها.
وإذا عرفت مراد المؤلف ﵀ بالتنبيه، فاعلم أن معنى كلامه في هذا الفصل أن مفهوم الموافقة كالنهي عن الضرب المفهوم من النهي عن التأفيف، والنهي عن الإحراق والإغراق المفهوم من النهي عن الأكل في الأمثلة المذكورة، يجوز أن يُنْسَخَ ويُنْسَخَ به؛ لأن اللفظ دلَّ في محل السكوت على أنه كالمنطوق به في الحكم، أو أولى منه.
وجمهور علماء الأصول على أنه مفهوم من نفس اللفظ وليس بقياس، خلافًا للشافعي الذي يسميه: القياس الجليَّ، والقياس في معنى الأصل، كما يأتي إيضاحه، وإيضاح بقية الأقوال فيه في محلِّه إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 132
وإذا كان مدلولًا عليه باللفظ فلا مانع من نسخه دون أصله، والنسخِ به، وهذا قول الجماعة من أهل الأصول. قالوا: يجوز عقلًا أن ينسخ الضرب ويبقى التأفيف، كعكسه، مثلًا. قالوا: ولا مانع عقلًا من ذلك، وقد يأمر بعض الملوك بقتل إنسان محترم عنده جدًّا، فينهى عن التأفيف في وجهه وغير ذلك من الازدراء، مع أنه أمر بقتله، مع أن القتل أشدُّ إيذاءً من التأفيف وغيره من الازدراء.
وأكثر علماء الأصول على تلازمهما، أعني المنطوق والمفهوم، فلا يُنسخان إلا معًا، ولا يمكن نسخ أحدهما دون الآخر؛ لأن المفهوم تابم للمنطوق ولازم له، ورفع اللازم يقتضي رفع الملزوم، ورفع المتبوع يقتضي رفع التابع.
ومثال نسخ الفحوى والنسخ بها يذكرونه عادة على سبيل الفرض والتقدير، ويمكن عندي أن يمثل للنسخ بمفهوم الموافقة بما لو فرضنا أن قوله ﷺ : "ليُّ الواجد ظلمٌ يُحِلُّ عرضه وعقوبته" ورد قبل نزول آية ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وعُمِلَ به قبل نزولها، لأن التخصيص بعد العمل بالعام نسخٌ كما قدَّمنا.
وإيضاحُه: أن قوله في الحديث: "يحل عرضه" أي بقوله: مطلني، "وعقوبته" أي بالحبس، وعموم الحديث يشمل الوالد إذا مطل دين ولده وهو غني، وفحوى قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ تدلُّ على أنَّه لا يُحْبَسُ الوالد في دين عليه لولده؛ لأنَّ الحبس أشدُّ إيذاءً من التأفيف، فإنْ ورد هذا المخصِّص قبل العمل بالعام فهو تخصيص، وإلا فهو نسخ، وهو المقصود بالتقدير في المثال المذكور.
стр. 133
وقال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى- في هذا المبحث:
(وإذا نُسخ الحكمُ في المنطوق بطل الحكم في المفهوم، وفيما يثبتُ بعلته أو بدليل خطابه، وأنكر ذلك بعض الحنفية، لأنَّه نسخ بالقياس، وليس بصحيح، لأنَّ هذه فروع تابعة لأصل، فإذا سقط حكم الأصل سقط حكم الفرع).
وعلى هذا الذي ذكره المؤلف درج في "المراقي" بقوله:
ويجبُ الرفعُ لحكم الفرعِ ... إن حكم أصله يُرى ذا رفعِ
وإيضاح معنى كلام المؤلف -رحمه اللَّه تعالى- أنَّ منطوق اللفظ إذا نُسخ بطل حكم ما يتفرَّع عليه من مفهوم وما أُلحق به بعلَّته.
ومراده بدليل خطابه مفهوم مخالفته، فلو فرضنا نسخ قوله: "كل مسكر حرام" لبطل قياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار، ولو فرضنا نسخ إيجاب الزكاة في السائمة لبطل مفهومُه الذي هو عدمُ وجوبها في المعلوفة، لبطلان أصله، وهكذا.
وخالف في هذا بعض الحنفية قائلين: إنَّ الأصل حكمٌ والفرع حكمٌ آخر، فيجوز نسخُ هذا وبقاءُ هذا.
ومثاله: ما حكاه الباجي عن بعضهم من شهادة أهل الذمَّة بعضهم على بعض، قياسًا على شهادتهم على المسلمين في الوصية في السفر المنصوص في قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة/ ١٠٦] بجامع العلة
стр. 134
التي هي تعذر وجود الشهود من المسلمين، ثم نُسخت شهادتُهم على المسلمين في السفر على القول بذلك بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق/ ٢] وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة/ ٢٨٢] والكفار غير مرضيين، وقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور/ ٤] أي وأحرى الكافرون برد الشهادة من الفاسقين، وبقي حكم شهادة بعضهم على بعض غيرَ منسوخٍ مع نسح الأصل المقيسِ عليه بناءً على القول بذلك.
تنبيهان:
الأول: قد قدَّمنا أنَّ جماعة من الأصوليين قالوا: إن مفهوم الموافقة يجوز نسخُه دون أصله، كالعكس، وصححه السبكيُّ في "جمع الجوامع".
وعليه فهذا الخلاف لم يعرج عليه المؤلف.
الثاني: لم يتعرض المؤلف -أيضًا- لمفهوم المخالفة، هل يمكن نسخه مع بقاء أصله أولا؟ والتحقيق جواز ذلك ووقوعه.
ومثاله: حديث: "إنَّما الماء من الماء"، منطوقُ هذا الحديث أنَّ من نزل منه الماء الذي هو المنيُّ وجب عليه استعمالُ الماء، أي غسل الجنابة، من نزول ذلك المني، ومفهوم الحصر بإنَّما أن من جامع وحصل من جماعه التقاءُ الختانين ولم ينزل منه مني أنَّه لا غسل عليه، فنُسِخَ هذا المفهومُ بوجوب الغسل عند التقاء الختانين -وإن لم يحصل إنزالٌ- الثابت عنه ﷺ ، وبقي المنطوقُ الذي هو وجوب الغسل من
стр. 135
الإنزال محكمًا غير منسوخ.
واعلم أنه لا يجوز النسخُ بمفهوم المخالفة؛ لضعفه، ولاختلافٍ في اعتباره.
وأشار إلى حكم مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة في النسخ صاحب "المراقي" بقوله:
وجاز بالفحوى ونسخه بلا ... أصل وعكسه جوازُه انجلى
ورأيُ الاكثرين الاستلزامُ ... وبالمخالفة لا يرام
وهي عن الأصل لها تجرد ... في النسخ وانعكاسه مستبعد
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
في ما يُعرف به النسخ: اعلمْ أنَّ ذلك لا يعلمُ بدليل عقليٍّ ولا بقياسٍ، بل بمجرد النقل. . .) إلى آخره.
حاصلُ هذا المبحث أنَّ العقل والقياس لا يُعرف بهما الناسخ من المنسوخ، وأنَّ ذلك إنما يعرف بمجرد النقل الدال على ذلك، ولذلك طرق:
منها: أن يكون في اللفظ ما يدلُّ على النسخ، كقوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" الحديث.
стр. 136
الثاني: أن يذكر الراوي تاريخ سماعه، نحو: سمعتُ عام الفتح كذا، وسمعت في حجة الوداع كذا، أي شيئًا يناقضه، فيعرف الناسخُ بتأخره، فما في حجة الوداع يكون ناسخًا لما في عام الفتح؛ لتأخره عنه، إذا لم يمكن الجمع بينهما.
الثالث: إجماعُ الأمة على أنَّ هذا الحكم منسوخ، وأنَّ ناسخه متأخر، ومثَّل له ابن السمعاني بنسخ وجوب الزكاة لغيرها من الحقوق المالية.
ومنها: أن ينقل الراوي الناسخ والمنسوخ، فيقول: "رخص لنا في المتعة ومكثنا ثلاثة، ثم نهانا عنها".
ومنها: أن يكون راوي أحد الخبرين أسلم في آخر حياة النبي ﷺ ، والآخر لم يصحب النبي ﷺ إلا في أول الإسلام، كرواية طلق بن علي وأبي هريرة في الوضوء من مس الفرج، واللَّه تعالى أعلم.
هكذا ذكر المؤلف ﵀.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
اعلم أن محلَّ التقديم لخبر متأخر الإسلام عمن أسلم قبله فيما إذا مات الأول قبل صحبة الثاني النبيَّ ﷺ .
أما إن عاش الأولُ حتى صحب الآخرُ النبيَّ ﷺ فلا يكون حديث المتأخر ناسخًا لحديث متقدم الإسلام؛ لاحتمال أن يكون متقدم الإسلام روى الحديث بعد متأخر الإسلام، إذ لا مانع من ذلك عقلًا، ولا عادةً، ولا شرعًا، ولأجل هذا قال بعض العلماء: لا يقدم حديث
стр. 137
أبي هريرة المذكور على حديث طلق من هذا الوجه، بناءً على أنه لم يثبت وفاة طلق قبل صحبة أبي هريرة.
واعتمد هذا صاحب "نشر البنود" في شرح قوله في "مراقي السعود" عاطفًا على ما لا يقبل النسخ به:
وكون راويه الصحابي يقتفي ... ومثله تأخر في المصحف
واللَّه جل وعلا أعلم.
وقوله: يقتفي، أي يتبع الآخر في الإسلام، يعني أنه أسلم بعده، فكأنَّ إسلامه يقتفي إسلامه.
وحديث أبي هريرة هو ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "من أفضى بيده إلى ذكره وليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء".
وحديث طلق هو ما روى عن النبي ﷺ أنه سئل عن مس الذكر فقال: "وهل هو إلا بضعة منك".
مع أنَّ حديث طلقٍ مضعَّف؛ قال النووي في شرح المهذب: إنَّه ضعيفٌ باتفاق الحفاظ، وقد بيَّن البيهقيُّ وجوهًا من وجوه تضعيفه.
وهذا هو مضمون الحديثين، واللَّه تعالى أعلم، وصلى اللَّه على محمدٍ وآله وصحبه وسلم.
* * *
стр. 138
السُّنَّة
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(الأصل الثاني من الأدلة: سنة النبي ﷺ ).
اعلم أنَّ السنة في اللغة: الطريقة والسيرة، ومنه قول لبيد في معلقته:
من معشر سنَّتْ لهم آباؤهم ... ولكلِّ قومٍ سنةٌ وإمامُها
أي طريقة يسيرون عليها.
وفي اصطلاح الشرع: هي ما قاله رسول اللَّه ﷺ أو فعله أو قرَّر عليه.
وقول المؤلف (٢) ﵀: (وقول رسول اللَّه ﷺ )، أي وكذلك فعله وتقريره؛ لأنَّه لا يقرر على باطل.
وقوله: (لدلالة المعجزة على صدقه)، أي أن معجزات الأنبياء تتضمن شهادةً من اللَّه لهم أن ما جاءوا به حقٌّ.
وقوله (٣): (وهو دليلٌ قاطعٌ على من سمعه منه شفاهًا)، أي وكذلك من شاهد فعله أو تقريره ﷺ .
стр. 139
وقوله (١): (فأمَّا من بلغه بالأخبار، فينقسم في حقِّه قسمين: تواترًا وآحادًا) كما سيأتي إن شاء اللَّه إيضاحُه.
وقوله (٢): (وألفاظُ الرواية في نقل الأخبار خمسة) يعني أن كيفية رواية الصحابي عن النبي ﷺ خمس مراتب:
أقواها المرتبة الأولى: وهي ما كان اللفظُ فيه صريحًا في السماع من النبي ﷺ ، نحو: سمعته ﷺ يقول، أو حدثني، أو أخبرني، أو شافهني، وهذا هو الأصل في الرواية.
المرتبة الثانية التي تلي الأولى في القوة: هي ما كان اللفظُ فيه ظاهرًا في السماع منه ﷺ مع أنه محتمل؛ لأنه لم يسمع منه مباشرة بل بواسطة، نحو قوله: قال رسول اللَّه ﷺ ، أو عن رسول اللَّه ﷺ ، ونحو ذلك.
وإنَّما كانت هذه المرتبة دون التي قبلها؛ لأنَّها ليست صريحة في السماع، لإمكان أن يكون سمعه من غير النبي ﷺ .
وهذه الصورة إن وقعت من الصحابي، فالروايةُ بها مقبولة، إذ لو فرضنا أن هناك واسطة، وأنَّه مرسل، فمراسيل الصحابة مقبولة؛ لأن لها حكم الوصل.
وأما إن صدرت هذه الصورة التي هي "قال" و"عن" ونحوهما من
стр. 140
غير الصحابي، فإن كان غير مدلس فهي صحيحة كالتصريح بالسماع، وإن كان مدلسًا لم تقبل ما لم يثبت السماع من طريق أخرى، كما هو مقرر في علم الحديث.
ومن يحتجُّ من العلماء بالمرسل يحتجُّ بعنعنة المدلس، وقوله: "قال"، ونحو ذلك، من باب أولى.
ومثَّل المؤلف -رحمه اللَّه تعالى- لقول الصحابي: "قال رسول اللَّه ﷺ " مع أنه لم يسمع منه مباشرة بما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أصبح جنبًا فلا صوم له"، فلما استُكْشِفَ قال: حدثني الفضل بن عباس.
وما روي عن ابن عباس أنَّه قال: "إنما الرِّبا في النسيئة"، فلما روجع أخبر أنه سمعه من أسامة بن زيد.
وقد بينَّا أنَّ مثل ذلك لا يضرُّ؛ لأنَّ مرسل الصحابي له حكم الوصل.
المرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي: أمر رسول اللَّه ﷺ بكذا، أو نهى عن كذا، وإنَّما كانت هذه دون التي قبلها؛ لأنَّ فيها من احتمال عدم السماع مباشرة مثل ما في الأولى، وتزيد عليها بأنه قد يظن ما ليس بأمر أمرًا.
هكذا قيل، ولا يخفى بُعْدُه، إذ عدالةُ الصحابي تمنعه من أن ينقل عن النبي ﷺ الأمر فيما ليس بأمرٍ، ولذا جعلت جماعة من أهل الأصول هذه المرتبة في منزلة التي قبلها لضعف الاحتمال المذكور.
стр. 141
المرتبة الرابعة: أن يقول: أُمرنا أو نُهينا، ولا يذكر الفاعل. وإنما كانت دون التي قبلها لأن فيها من الاحتمال ما في التي قبلها، وتزيد باحتمال أن يكون الآمر غير النبي ﷺ من الأئمة والعلماء، وأكثر أهل الأصول على أنه لا يحمل إلا على أمر اللَّه ورسوله، خلافًا لمن أبطل هذه المرتبة لذلك الاحتمال.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(وفي معنى هذه المرتبة قوله: من السنة كذا، والسنة جائزة بكذا. فالظاهر أنه لا يريد إلا سنة رسول اللَّه ﷺ . . .، ولا فرق فى قول الصحابي ذلك بين أن يقوله في حياته أو بعد وفاته ﷺ ).
قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-:
(وقول التابعي والصحابي في ذلك سواء إلا أن الاحتمال في قول الصحابي أظهر).
المرتبة الخامسة: أن يقول: كنا نفعل كذا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، أو كانوا يفعلون كذا على عهده ﷺ ، كقول جابر: "كنَّا نعزل والوحي ينزل".
стр. 142
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى- ممثلًا لهذا-:
(مثل قول ابن عمر: كنا نفاضلُ على عهد رسول اللَّه ﷺ فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فلا ينكره.
وقال: "كنا نخابرُ أربعين سنة". . .) الخ.
أمَّا إذا لم يذكر زمن النبي ﷺ بل قال: كانوا يفعلون كذا -مثلًا-، فقال أبو الخطاب: يكون نقلًا للإجماع. ومنعه بعض أصحاب الشافعي ما لم يصرح بنقله عن أهل الإجماع.
قال أبو الخطاب: وإذا قال الصحابيُّ: هذا الخبرُ منسوخٌ وجب قبول قوله، ولو فسره بتفسير وجب الرجوع إلى تفسيره.
هكذا نقل عنه المؤلف، ومنع الأمرين كثير من علماء الأصول، واللَّه أعلم.
ولم يذكر المؤلف -هنا- جميع صور أداء الحديث؛ لأن رواية الراوي عن شيخه قد تكون بالسماع -كما ذكرنا-، وقد تكون بالعرض وهو قراءته على الشيخ، وقد تكون بالمناولة، وغيرها من أقسام الإجازة، كما سيذكره المؤلف.
стр. 143
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
و حدُّ الخبر: هو الذي يتطرقُ إليه التصديقُ أو التكذيب).
وإيضاحُه: أن ضابط الخبر هو ما يمكن أن يُقال لقائله: صدقت أو كذبت، وما لا يمكن فيه ذلك فهو الإنشاء، كالأمر والنهي، وغيرهما من أنواع الطلب، وكصيغ العقود، لأنَّها لإنشاء العقد لا للإخبار به.
قال المؤلف (٢):
(وهو قسمان: متواتر وآحاد، فالمتواترُ يفيدُ العلم. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن الخبر قسمان متواتر وآحاد، وأنَّ المتواتر يفيدُ العلم اليقيني الذي لا يتطرق إليه الشكُّ من غير حاجة إلى شيء زائد على نفس الخبر المتواتر، وأنَّ السُّمنية خالفوا في إفادته العلم زاعمين حصر العلم في الحواس، فلا يقين عندهم إلا بمحسوس فقط.
والسُّمَنِيَّة -بضم السين وفتح الميم- فرقة هندية من عبدة الأصنام، دهريون، قائلون بالتناسخ، ينكرون وقوع العلم بغير المحسوس، منسوبون إلى صنم يسمى سمن، أو بلد يسمى سمونات.
стр. 144
وهذا المذهب لا شك في بطلانه، فلا يشك عاقل في اليقين بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكلَّ أكبر من الجزء، ونحو ذلك من الأحكام العقلية.
قال المؤلف (١):
(فصل
قال القاضي: العلمُ الحاصلُ بالتواتر ضروريٌّ. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أنَّ العلم الحاصل بالخبر المتواتر فيه قولان:
أحدهما: أنه ضروري. وهو قول القاضي.
والثاني: أنه نظري. وهو قول أبي الخطاب.
والضروري: هو ما لا يحتاجُ إلى تأمل.
والنظري: هو ما يحتاجُ إلى تأمل.
وحجة من قال: هو ضروري: أن السامع يجد نفسه مضطرًّا للعلم يقينًا به، كوجود الأئمة الأربعة، ووجود مكة وبغداد بالنسبة لمن لم يرهما، فلو أراد التخلص من العلم بذلك لم يقدر.
وحجة من قال: إنه نظري: هي أن العلم لابد له من العلم بمقدمتين قبله:
стр. 145
الأولى: أن يعلم أن هذا الأمر أخبر به عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة.
الثانية: أن يعلم أن ما أخبر به عدد على تلك الصفة فهو حقٌّ يقينًا.
فينتج من ذلك أن هذا الخبر يقين.
وأكثر أهل الأصول على الأول.
قال المؤلف (١):
(فصل
ذهب قوم إلى أن ما حصل العلم في واقعةٍ يفيدُه في كل واقعة، وما حصله لشخص يحصله لكل شخص يشاركه في السماع. . .) الخ.
خلاصة ما ذكر في هذا الفصل أن القدر الموجب للعلم اليقيني لا يتفاوت بحسب الوقائع والأشخاص، بل ما حصل به العلم في واقعة يحصل به في غيرها ، وما حصل به لشخص يحصل به لغيره من غير تفاوت.
وقيل: لا مانع من تفاوته باعتبار الأشخاص والوقائع، ومحلُّ هذا في الخبر المتجرد عن القرائن، أما إن احتفت به قرائن فلا