← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 282

مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر- ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (528 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المرتبة الرابعة: أن يقول: أُمرنا أو نُهينا، ولا يذكر الفاعل. وإنما كانت دون التي قبلها لأن فيها من الاحتمال ما في التي قبلها، وتزيد باحتمال أن يكون الآمر غير النبي ﷺ من الأئمة والعلماء، وأكثر أهل الأصول على أنه لا يحمل إلا على أمر اللَّه ورسوله، خلافًا لمن أبطل هذه المرتبة لذلك الاحتمال. قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (وفي معنى هذه المرتبة قوله: من السنة كذا، والسنة جائزة بكذا. فالظاهر أنه لا يريد إلا سنة رسول اللَّه ﷺ . . .، ولا فرق فى قول الصحابي ذلك بين أن يقوله في حياته أو بعد وفاته ﷺ ). قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-: (وقول التابعي والصحابي في ذلك سواء إلا أن الاحتمال في قول الصحابي أظهر). المرتبة الخامسة: أن يقول: كنا نفعل كذا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، أو كانوا يفعلون كذا على عهده ﷺ ، كقول جابر: "كنَّا نعزل والوحي ينزل".

стр. 142

قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى- ممثلًا لهذا-: (مثل قول ابن عمر: كنا نفاضلُ على عهد رسول اللَّه ﷺ فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فلا ينكره. وقال: "كنا نخابرُ أربعين سنة". . .) الخ. أمَّا إذا لم يذكر زمن النبي ﷺ بل قال: كانوا يفعلون كذا -مثلًا-، فقال أبو الخطاب: يكون نقلًا للإجماع. ومنعه بعض أصحاب الشافعي ما لم يصرح بنقله عن أهل الإجماع. قال أبو الخطاب: وإذا قال الصحابيُّ: هذا الخبرُ منسوخٌ وجب قبول قوله، ولو فسره بتفسير وجب الرجوع إلى تفسيره. هكذا نقل عنه المؤلف، ومنع الأمرين كثير من علماء الأصول، واللَّه أعلم. ولم يذكر المؤلف -هنا- جميع صور أداء الحديث؛ لأن رواية الراوي عن شيخه قد تكون بالسماع -كما ذكرنا-، وقد تكون بالعرض وهو قراءته على الشيخ، وقد تكون بالمناولة، وغيرها من أقسام الإجازة، كما سيذكره المؤلف.

стр. 143

قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل و حدُّ الخبر: هو الذي يتطرقُ إليه التصديقُ أو التكذيب). وإيضاحُه: أن ضابط الخبر هو ما يمكن أن يُقال لقائله: صدقت أو كذبت، وما لا يمكن فيه ذلك فهو الإنشاء، كالأمر والنهي، وغيرهما من أنواع الطلب، وكصيغ العقود، لأنَّها لإنشاء العقد لا للإخبار به. قال المؤلف (٢): (وهو قسمان: متواتر وآحاد، فالمتواترُ يفيدُ العلم. . .) الخ. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن الخبر قسمان متواتر وآحاد، وأنَّ المتواتر يفيدُ العلم اليقيني الذي لا يتطرق إليه الشكُّ من غير حاجة إلى شيء زائد على نفس الخبر المتواتر، وأنَّ السُّمنية خالفوا في إفادته العلم زاعمين حصر العلم في الحواس، فلا يقين عندهم إلا بمحسوس فقط. والسُّمَنِيَّة -بضم السين وفتح الميم- فرقة هندية من عبدة الأصنام، دهريون، قائلون بالتناسخ، ينكرون وقوع العلم بغير المحسوس، منسوبون إلى صنم يسمى سمن، أو بلد يسمى سمونات.

стр. 144

وهذا المذهب لا شك في بطلانه، فلا يشك عاقل في اليقين بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكلَّ أكبر من الجزء، ونحو ذلك من الأحكام العقلية. قال المؤلف (١): (فصل قال القاضي: العلمُ الحاصلُ بالتواتر ضروريٌّ. . .) الخ. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أنَّ العلم الحاصل بالخبر المتواتر فيه قولان: أحدهما: أنه ضروري. وهو قول القاضي. والثاني: أنه نظري. وهو قول أبي الخطاب. والضروري: هو ما لا يحتاجُ إلى تأمل. والنظري: هو ما يحتاجُ إلى تأمل. وحجة من قال: هو ضروري: أن السامع يجد نفسه مضطرًّا للعلم يقينًا به، كوجود الأئمة الأربعة، ووجود مكة وبغداد بالنسبة لمن لم يرهما، فلو أراد التخلص من العلم بذلك لم يقدر. وحجة من قال: إنه نظري: هي أن العلم لابد له من العلم بمقدمتين قبله:

стр. 145

الأولى: أن يعلم أن هذا الأمر أخبر به عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة. الثانية: أن يعلم أن ما أخبر به عدد على تلك الصفة فهو حقٌّ يقينًا. فينتج من ذلك أن هذا الخبر يقين. وأكثر أهل الأصول على الأول. قال المؤلف (١): (فصل ذهب قوم إلى أن ما حصل العلم في واقعةٍ يفيدُه في كل واقعة، وما حصله لشخص يحصله لكل شخص يشاركه في السماع. . .) الخ. خلاصة ما ذكر في هذا الفصل أن القدر الموجب للعلم اليقيني لا يتفاوت بحسب الوقائع والأشخاص، بل ما حصل به العلم في واقعة يحصل به في غيرها ، وما حصل به لشخص يحصل به لغيره من غير تفاوت. وقيل: لا مانع من تفاوته باعتبار الأشخاص والوقائع، ومحلُّ هذا في الخبر المتجرد عن القرائن، أما إن احتفت به قرائن فلا

стр. 146

شكَّ أنَّ حصول اليقين به يتفاوت، لأن القرائن الخفية يفهمها الذكي، وتخفى على الغبي، فتقوم القرائن للذكي مقام عدد من المخبرين، وكذلك القرائن الظاهرة إن علم بها بعض المخبرين دون بعض، كما لو تواتر الخبر لجماعة أن فلانًا مات وفلانًا تزوج، وأحدهم قد رأى قبل ذلك الذي أخبروا بموته في النزع، والذي أخبروا بتزويجه في السوق يشتري ما يحتاج إليه المتزوج، فإنَّ العالم بمثل هذه القرائن يحصل له اليقين قبل حصوله لغير العالم بها، لأنَّ القرائن قد تفيد العلم منفردة عن الأخبار، فإنَّا نعلم محبة شخص لآخر، وخوف شخص من آخر بما نرى من القرائن الدالة على ذلك، ونحو ذلك كثير. فإذا انضمَّت القرائن إلى الأخبار قامت مقام بعض المخبرين في إفادة العلم. قال المؤلف (١) ﵀: (وللتواتر ثلاثة شروط. . .). الخ. اعلم أن التواتر في اللغة: هو مجئ الواحد بعد الواحد بفترة بينهما. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون/ ٤٤] لأنَّ التاء الأولى مبدلة من واوٍ كتاء تقوى. وقيل التواتر: التتابع مطلقًا، ومنه قولُ لبيد في معلقته: يعلو طريقة متنها متواتر ... في ليلة كفر النجومَ غمامُها

стр. 147

والتواترُ في الاصطلاح: هو إخبارُ جماعةٍ يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة عن أمر محسوس. وخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أن التواتر المفيد للعلم اليقيني تشترط فيه ثلاثةُ شروط: الأول: أن يكون إخبارهم عن أمر محسوس، أي مدرك بإحدى الحواس، كقولهم: رأينا وسمعنا، لأنَّ تواطؤ الجم الغفير على الخطأ في المعقولات لا يستحيلُ عادة، فترى الآلاف من العقلاء يتواطؤون على قدم العالم، وعلى كذب الأنبياء، مع أن تواطؤهم باطل، لأنه ليس في إخبار عن محسوس، أمَّا تواطؤهم على الكذب في الإخبار عن محسوس فهو مستحيل عادةً مع كثرتهم وعدم الدواعي إلى التواطؤ. الشرط الثاني: أن يكون العددُ بالغًا حدًا يستحيلُ معه التواطؤ على الكذب عادةً. الثالث: أن يكون العدد المذكور في كل طبقة من طبقات السند من أوله إلى آخره. واختلف أهل الأصول في تحديد العدد الذي يحصلُ بخبرهم اليقين. والمذهب الصحيح المعتمدُ أنَّه ليس له حد معين، بل ما حصل به العلمُ اليقيني فهو العدد الكافي، كالخبز نقطع بأنَّه يشبع، والماء نقطع بأنه يُروي، مع عدم تحديد الحدِّ الذي يقع به الشبعُ والري منهما.

стр. 148

وقيل: أقلُّه اثنان. وقيل: أقلُّه أربعة. وقيل: خمسة. وقيل: عشرون. وقيل: ثلاثون. وقيل: سبعون. والصحيح الأول. وبطلان القول بالأربعة فما دونها واضح؛ لوجوب تزكية الأربعة في شهادتهم على الزنا، ومعلوم أنَّ عدد التواتر لا تشترط فيه العدالة، بل ولا الإسلام. ومثال المتواتر: حديث: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وأشار في "مراقي السعود" إلى هذه المسألة بقوله: واقطع بصدق خبر التواتر ... وسوِّ بين مسلم وكافر واللفظ والمعنى وذاك خبر ... من عادة كذبهم منحظر عن غير معقول وأوجب العدد ... من غير تحديد على ما يعتمد وقيل بالعشرين أو بأكثرا ... أو بثلاثين أو اثني عشرا إلغاء الأربعة فيه راجحُ ... وما عليها زاد فهو صالح وأوجبن في طبقات السند ... تواترًا وفقًا لدى التعدد

стр. 149

قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل ليس من شروط التواتر أن يكون المخبرون مسلمين ولا عدولًا. . .) الخ. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن التواتر لا يُشترط في المخبرين به إسلام ولا عدالة؛ لأنَّ القطع بصدق خبرهم من حيث إن اجتماعهم وتواطأهم على الكذب مستحيلٌ عادة لكثرتهم، والعادة تحيل ذلك في الكفار والمسلمين، وليس صدق خبرهم من حيث إن المخبرين به عدولٌ مسلمون، وأنهم لا يُشترط فيهم ألا يحصرهم بلد، بل يحصل القطعُ بخبرهم وإن حصرهم بلد أو مسجد، كالحجيج إذا أخبروا بواقعة صدَّتهم عن الحج، وأهل الجمعة إذا أخبروا عن حادثة منعتهم من صلاة الجمعة، عُلِم صدقهم في الأمرين مع حصرهم في محل أو مسجد. قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل ولا يجوز على أهل التواتر كتمانُ ما يحتاجُ إلى نقله ومعرفته، وأنكر ذلك الإمامية. .) الخ. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن أهل التواتر لا يجوز عليهم

стр. 150

كتمان ما يحتاج إلى نقله؛ لأنَّ كتمانه يجري في القبح مجرى الإخبار عنه بخلاف ما هو عليه، فلم يجزْ وقوعُ ذلك منهم، وتواطؤهم عليه، فإن قال رجل من أهل الجمعة: إن الخطيب ضربه رجل بالسيف فقتله وهو يخطب على المنبر، ولم يذكر هذا باقي أهل الجمعة، جزمنا بأن ذلك الرجل كاذب، لأنَّ توطأهم على كتمان مثل هذا الأمر مستحيل عادة، ومن هنا قالوا: ما نُقل آحادًا مع توفر الدواعي إلى نقله تواترًا حكم ببطلانه. فإن قيل: لم ينقل النصارى كلام عيسى في المهد نقلًا متواترًا مع أنه حقٌّ واقع؟ فالجواب: أن كلامه في المهد وقع قبل ظهوره واتباعهم له. وخالف في هذه المسألة الإمامية قائلين: إن أهل التواتر قد يكتمون، ورتَّبوا على ذلك أنَّ جميع الصحابة ﵃ وأرضاهم مع كثرتهم كتموا كلُّهم النصوص المصرحة بإمامة علي ﵁، وقالوا: والوقوع دليل على الجواز (١). حاشا أصحاب رسول اللَّه ﷺ ممَّا يفتريه عليهم الإمامية من المختلقات.

стр. 151

قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (القسم الثاني: أخبارُ الآحاد ، وهي ما عدا المتواتر). اعلم أولًا أن الآحاد جمع أحد، وهمزة أحد مبدلة من واو، فأصلها وَحَد، وربَّما نطقت العرب فيه بالواو على الأصل، ومنه قولُ نابغة ذبيان: كأنَّ رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وَحِدُ وضابط خبر الآحاد أنه هو ما لم يدخل في حدِّ المتواتر الذي قدمنا تعريفه؛ لأن القسمة ثنائية عند الجمهور. وعليه، فالمستفيض الذي لم يبلغ حد التواتر من الآحاد، خلافًا لمن جعل القسمة ثلاثية، فجعل المستفيض واسطة بين المتواتر والآحاد. وأقل المستفيض أربعة، وقيل: اثنان، وقيل: ثلاثة. وأشار في "المراقي" إلى هذا بقوله: وخبرُ الآحاد مظنون عرا ... عن القيود في الذي تواترا والمستفيض منه وهو أربعة ... أقلُّه وبعضهم قد رفعه عن واحد وبعضهم عما يلي ... وجعله واسطة قول جلي

стр. 152

قال المؤلف (١) ﵀: (اختلفت الرواية عن إمامنا ﵀ في حصول العلم بخبر الواحد . . .) الخ. حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة التي هي هل يفيد خبر الآحاد اليقين، أو لا يفيد إلا الظن؟ أن فيها للعلماء ثلاثة مذاهب: الأول -وهو مذهب جماهير الأصوليين-: أنَّ أخبار الآحاد إنَّما تفيد الظن فقط، ولا تفيد اليقين، وهو مراد المؤلف بالعلم، فالعلم هو اليقين في الاصطلاح. وحجة هذا القول أنك لو سئلت عن أعدل رواة خبر الآحاد، أيجوز في حقه الكذب والغلط؛ لاضطررت أن تقول: نعم، فيقال: قطعُك إذن بصدقِه مع تجويزك عليه الكذب والغلط لا معنى له. المذهب الثاني: أنه يفيد اليقين إن كان الرواة عدولًا ضابطين. واحتج القائلون بهذا بأن العمل بخبر الآحاد واجب، والظن ليس من العلم حتى يجب العمل به؛ لأنَّ اللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس/ ٣٦]، والنبي ﷺ يقول: "إياكم والظن فإن الظن كذب الحديث". وهذا القول بإفادته العلم رواية عن أحمد، وحكاه الباجي عن

стр. 153

ابن خويز منداد من المالكية، وهو مذهب الظاهرية. المذهب الثالث: هو التفصيلُ بأنَّه إن احتفت به قرائنُ دالة على صدقه، أفاد اليقين، وإلا أفاد الظن. ومثال ما احتفَّت به القرائن: إخبار رجل بموت ولده المشرف على الموت مع قرينة البكاء وإحضار الكفن والنعش. ومن أمثلته -أيضًا-: أحاديث الشيخين؛ لأنَّ القرائن دالةٌ على صدقها، لجلالتهما في هذ الشأن، وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق، كما قاله غير واحدٍ. واختار هذا القول ابنُ الحاجب، وإمام الحرمين، والآمدي، والبيضاوي. قاله صاحب "الضياء اللامع". وممَّن اختار هذا القول أبو العباس ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى. وحمل بعضُهم الرواية عن أحمد على ما قامت القرائنُ على صدقه خاصة دون غيره. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: الذي يظهر لي أنَّه هو التحقيق في هذه المسألة -واللَّه جل وعلا أعلم- أنَّ خبر الآحاد -أي الذي لم يبلغ حد التواتر- ينظر إليه من جهتين؛ هو من إحداهما قطعي، ومن الأخرى ظني. ينظر إليه من حيث إن العمل به واجب، وهو من هذه الناحية

стр. 154

قطعي؛ لأن العمل بالبينات -مثلًا- قطعي منصوص في الكتاب والسنة، وقد أجمع عليه المسلمون، وهي أخبار آحاد. وينظر إليه من ناحية أخرى، وهي هل ما أخبروا به مطابق للواقع في نفس الأمر؟ فلو قتلنا رجلًا قصاصًا بشهادة رجلين، فقتلنا له هذا قطعي شرعًا لا شك فيه، وصدق الشاهدين فيما أخبرا به مظنونٌ في نفس الأمر لا مقطوعٌ به؛ لعدم العصمة. ويوضح هذا قوله ﷺ في حديث أم سلمة المتفق عليه: "إنَّما أنا بشر تختصمون إليَّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلمٍ فإنَّما هي قطعةٌ من نارٍ فليأخذها أو ليتركها". فعمل النبي ﷺ في قضائه قطعي الصواب شرعًا، مع أنه صرَّح بأنه لا يقطع بحقيقة الواقع في نفس الأمر كما ترى. وأشار في "المراقي" إلى الأقوال في هذه المسألة بقوله في خبر الآحاد: ولا يُفيد العلم بالإطلاق ... عند الجماهير من الحذَّاق وبعضهم يفيد إن عدل روى ... واختير ذا إن القرينة احتوى وفي الشهادة وفي الفتوى العمل ... به وجوبه اتفاقًا قد حصل كذاك جاء في اتخاذ الأدوية ... ونحوها كسفر والأغذية ويوضحُه -أيضًا-: قول علماء الحديث في تعريف الصحيح: إنَّ

стр. 155

المراد صحتُه في ظاهر الأمر. تنبيه: اعلم أنَّ التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تُقبل في الفروع تقبلُ في الأصول؛ فما ثبت عن النبي ﷺ بأسانيد صحيحة من صفات اللَّه يجب إثباته واعتقاده على الوجه اللائق بكمال اللَّه وجلاله على نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى/ ١١]. وبهذا تعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أنَّ أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد، ولا يثبت بها شيء من صفات اللَّه، زاعمين أنَّ أخبار الآحاد لا تفيد اليقين، وأنَّ العقائد لا بدَّ فيها من اليقين، باطل لا يُعَوَّلُ عليه. ويكفي من ظهور بطلانه أنَّه يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ بمجرد تحكيم العقل. والعقولُ تتضائل أمام عظمة صفات اللَّه. وقد جرت عادة المتكلمين أنَّهم يزعمون أنَّ ما يسمونه الدليل العقلي -وهو القياس المنطقي الذي يركبونه من مقدمات اصطلحوا عليها- أنَّه مقدم على الوحي. وهذا من أعظم الباطل؛ لأن ما يسمونه الدليل العقلي، ويزعمون أن إنتاجه للمطلوب قطعيٌّ، هو جهل وتخبط في الظلمات. ومن أوضح الأدلة وأصرحها في ذلك أن هذه الطائفة تقولُ -

стр. 156

مثلًا-: إن العقل يمنع كذا من الصفات، ويوجب كذا منها، وينفون نصوص الوحي بناءً على ذلك. فيأتي خصومهم من طائفة أخرى ويقولون: هذا الذي زعمتم أن العقل يمنعُه كذبتم فيه، بل العقل يوجبه، وما ذكرتم بأنه يجيزه أو يوجبه، كذبتم فيه، بل هو يمنعه، وهذا معروف في الكلام في مسائل كثيرة معروفة، كاختلافهم في أفعال العبد، وجواز رؤية اللَّه بالأبصار، وهل العرض يبقى زمانين. . . إلى غير ذلك. فيجب على المسلم أن يتقبل كل شيء ثبت عن النبي ﷺ بسند صحيح، ويعلم أنه إن لم يحصل له الهدى والنجاة باتباع ما ثبت عنه ﷺ ، فإنه لا يحصل له ذلك بتحكيم عقله التائه في ظلمات الحيرة والجهل. وعلى كل حال، فإثبات صفات اللَّه بأخبار الآحاد الصحيحة، واعتقاد تلك الصفات، كالعمل بما دلت عليه من أوامر اللَّه ونواهيه، كما أنها تثبت بها أوامره ونواهيه، وكذلك تثبت بها صفاته. وقد بينَّا أنها من إحدى الجهتين قطعية. قال المؤلف (١): (فصل وأنكر قوم جواز التعبد بخبر الواحد عقلًا. .) إلخ.

стр. 157

خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن قومًا أنكروا جواز التعبد بخبر الآحاد عقلًا، قالوا: لا يجوز عقلًا أن يأمر اللَّه خلقه أن يعبدوه بمقتضى ما يبلغهم عنه وعن رسله على ألسنة الآحاد، وعللوا ذلك الامتناع العقلي بأن الآحاد غير معصومين، فخبرهم غير مقطوع بصدقه، وغير المقطوع بصدقه ليس من العلم، والتكليف بما ليس بمعلوم علفا يقينيًا يقبح، والقبيح مستحيل في حق اللَّه تعالى. وممن يروي عنه هذا القول ابن عُليَّة والأصم والجبائي وجماعة من المتكلمين، وهذا القول لا شك في بطلانه، كما أنَّه لا شك أنَّ التحقيق هو مذهب الجمهور، وهو جوازُ وقوع التعبد بأخبار الآحاد، فالعمل بها قطعي، والموافقة لما في نفس الأمر ظنية، ولا مانع عقلًا ولا شرعًا ولا عادة من بناء قطعي شرعًا على أمر ظني بالنسبة لما في نفس الأمر، كما تقدَّم قريبًا. قال المؤلف (١): (فصل وقال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد لأمور ثلاثة. .) إلخ. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن أبا الخطاب قال: إن العمل بخبر الآحاد يوجبُه العقلُ؛ لثلاثة أمور:

стр. 158

الأول: أن الأمور القطعية في الشرع قليلة، والأغلب فيه الظنيات، فلو علِّق العمل على القطع لتعطل أغلب الأحكام؛ لندرة القواطع، وقلة مدارك اليقين. الثاني: أنه ﷺ مبعوث إلى الناس كافةً، ولا تمكن مشافهةُ جميعهم، ولا إبلاغ جميعهم بالتواتر. الثالث: أن العدل الراوي لخبر الواحد مظنونُ الصدق لعدالته، والظن أرجح من مقابله، والعمل بالراجح يوجبه العقل، فمتى ترجح وجود أمر اللَّه ورسوله بإخبار العدل فالعمل به إذن أرجح من مقابله، فالعقل يقتضيه. وأجاب المخالفون عن الأمور الثلاثة بأنه لا يلزم من عدم التعبد به تعطل الأحكام؛ لإمكان البقاء على البراءة الأصلية، واستصحاب العدم الأصلي. وكذلك الظن الناشئ منه، قالوا: لا يرفع حكم اليقين الثابت بالبراءة الأصلية واستصحاب العدم الأصلي. قالوا: والنبي يكلَّف بتبليغ من أمكنه تبليغه من أمته دون من لم يمكنه. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: التحقيق أن العقل بالنظر إليه وحده لا يمنع التعبد بخبر الواحد ولا يوجبه، فكلا القولين المتقدمَيْن باطل بلا شك، أعني قول من قال: يمنعه العقل، كالأصم والجبائي، وقول من قال: يوجبه، وهو

стр. 159

أبو الخطاب. فالعقل يجيز التعبد به ولا يمنعه ولا يوجبه، وهذا هو الحق إن شاء اللَّه تعالى. قال المؤلف: (١) (فصل فأما التعبد بخبر الواحد سمعًا ، فهو قول الجمهور، خلافًا لأكثر القدرية، وبعض أهل الظاهر، ولنا دليلان قاطعان. .) إلخ. خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أنَّ التعبد بخبر الواحد بالنظر إلى الحكم الشرعي -فهو مراده بقوله: "سمعًا"- هو مذهب الجمهور، خلافًا لأكثر القدرية، وبعض أهل الظاهر، وأن للجمهور دليلين قاطعين على التعبد به شرعًا: الأول: إجماع الصحابة ﵃ في وقائع لا تنحصر على قبوله، كرجوع أبي بكر لقول المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة لما أخبراه أنه ﷺ أعطاها السدس. ومنها: رجوع عمر ﵁ إلى قول المذكورين في دية الجنين أنه ﷺ قضى فيها بغرةٍ عبد أو وليدة. ومنها: رجوع عمر إلى قول الضحاك بن سفيان أن رسول اللَّه ﷺ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وكرجوعه إلى قول عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر.

стр. 160

ومنها: رجوع عثمان ﵁ إلى قول فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ أمرها بالسكنى في دار زوجها لما قتل حتى تنقضي عدتها. إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تنحصر (١)، والمقصودُ المثال لا حصر جميعها، وقد جاء عنهم التصريح برجوعهم عمَّا كانوا يرونه لنفس تلك الأخبار التي هي آحاد، كما جاء في بعض روايات حديث الغرَّة في الجنين أن عمر قال: "اللَّه أكبر، لو لم نسمع بهذا لقضينا بغيره"، عند أبي داود وغيره، كما روي عنه أنه كان لا يرى توريث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك بن سفيان بأن رسول اللَّه ﷺ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وكان قد قُتِلَ خطأ. وأمثال هذا كثيرة. فإن قيل: قد جاء ما يدل على ترك العمل بخبر الواحد في وقائع أخرى، كعدم قبوله ﷺ لخبر ذي اليدين لما قال له: أقصرت الصلاة أم نسيت، وأخبره أنه سلم من اثنتين. ولم يقبل أبو بكر ﵁ خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة حتى شهد معه محمد بن مسلمة.

стр. 161

ولم يقبل عمر خبر أبي موسى في الاستئذان ثلاثًا حتى شهد معه أبو سعيد الخدري. ولم تقبل عائشة خبر ابن عمر في حديثه أن الميت يعذب ببكاء أهله. فالجواب من وجهين: الأول: أن هذا اعتراف من المخالف بقبول خبر الآحاد، وإذن فهو إقرار منه بمحل النزاع؛ لأنَّ شهادة محمد بن مسلمة مع المغيرة، وأبي سعيد مع أبي موسى لا تنقل الخبر من كونه آحادًا؛ لأنَّ خبر الاثنين خبر آحاد كما ترى. الثاني: أنَّ تلك الوقائع ليس فيها ما يدلُّ على عدم قبول خبر الآحاد؛ لأنَّ عدم تصديق النبي ﷺ لذي اليدين لأنه كان يظنُّ خلاف ما أخبر به، ولذا قال له: "كل ذلك لم يكن" أي لم أنس ولم تقصر الصلاة، أي في ظني، ولا يكلف الإنسان بقبول خبر هو يظنُّ عدم صدقه، ولما أخبره الصحابة بصدق ذي اليدين أتم صلاته وسجد للسهو. وهذا هو الصواب في الجواب عن هذا، خلافًا لما ذكره المؤلف ﵀ من أنَّ الجواب عنه أنَّ عدم تصديقه ﷺ لذي اليدين ليعلمهم أن هذا الحكم لا يؤخذ فيه بقول الواحد، لأنهم كانوا خلفه ﷺ كثيرين جدًّا، وفيهم من هو أضبط للصلاة وأحرص على كمالها من ذي اليدين، فكان انفراده بالتنبيه على ذلك دون جميعهم بعيدًا؛ ولذا

стр. 162

لم يصدقه حتى أخبر غيره. وأما أبو بكر ﵁ فلم يرد قول المغيرة، وإنما طلب الاستظهار بشهادة آخر معه، ولو لم يجد غيره لقبله منفردًا، كقول إبراهيم: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة/ ٢٦٠]. وأمَّا عمر ﵁ فإنه قال لأبي موسى [ما قال] سدًّا للذريعة، لئلا يكون الناس كما توجه إلى أحد منهم لَوْمٌ وضع حديثًا عن النبي ﷺ يرفعُ به عنه ذلك اللوم، وقد ثبت عن عمر ﵁ أنه غيرُ مُكَذِّبٍ ولا مُتَّهِمٍ لأبي موسى، ولكنه خشي أن يتقول الناس على رسول اللَّه ﷺ . وأمَّا عائشة فهي لم تكذِّب ابن عمر، بل قالت: إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ، كما ثبت عنها ﵂ في الصحيح. وفي رواية عنها في الصحيح أيضًا أنها قالت: رحم اللَّه أبا عبد الرحمن -تعني ابن عمر- سمع شيئًا فلم يحفظه. . . إلخ. ولكنها ظنَّت أنه غلط، لاعتقادها أنَّ ما أخبر به مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام/ ١٦٤، الإسراء/ ١٥، فاطر/ ١٨، الزمر/ ٧]؛ لأن بكاء أهل الميت ليس من فعله، فلو عُذِّب به لكان من مؤاخذته بعمل غيره، والقرآن ينفي هذا، ومن هنا ظنت أنه غلط. وظنُّ شخصٍ غلطَ شخصٍ معين في حادثة معينة لسبب معين، ليس فيه البتة ما يقتضي رد قول ذلك المخبر مطلقًا كما ترى، مع أن

стр. 163

الصواب في هذه المسألة مع ابن عمر ﵄، وليس الأمر كما ظنت عائشة ﵂، وتوجيهه عند العلماء من أربعة أوجه: الأول: أنَّ ذلك الميت أوصى أهله بالبكاء عليه، كقول طرفة بن العبد في معلقته: إذا متُّ فانعيني بما أنا أهلُه ... وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد وحينئذ فتعذيبه بفعله الذي هو أمره وإيصاؤه بالمنكر. الثاني: أن يعلم أن أهله يفعلون ذلك بعد موته ولم ينههم عنه؛ لأن اللَّه فِيأمره بنهيهم عن ذلك المنكر، كما قال تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم/ ٦]، وتعذيبه إذن بتقصيره وإهماله ما أمره اللَّه به من نهي أهله عن المنكر. الثالث: أنَّ معنى تعذيبه ببكاء أهله توبيخ الملائكة له بما يندبُه أهلُه به. الرابع: أنَّ معنى تعذيبه تألُّمه بما يقع من أهله من النياحة وغيرها. قال ابن حجر في "الفتح": وهذا اختيارُ أبي جعفر الطبري من المتقدمين، ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له بحديث قيلة بنت مخرمة، ومحل الشاهد في كلامه من حديثها قوله ﷺ : "فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد اللَّه لا تعذبوا موتاكم".

стр. 164

قال: وهذا حديث طويل حسن الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم. الدليل الثاني: ما تواتر من إنفاذ رسول اللَّه ﷺ أمراءه ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف لتبيلغ الأحكام والقضاء وتبليغ الرسالة. ومن المعلوم أنه كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول، ليكون مفيدًا، والنبي ﷺ مأمور بتبليغهم الرسالة، ولم يكن ليبلغها بمن لا يكتفى به. وهذا دليل قاطع على قبول أخبار الآحاد. وقال البخاريُّ في صحيحه: باب ما جاء فى إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، قول اللَّه تعالى: ﴿وَفَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة/ ١٢٢]، ويسمى الرجلُ طائفة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات/ ٩] فلو اقتتل رجلان دخل في معنى الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات/ ٦]، وكيف بعث النبي ﷺ أمراءه واحدًا بعد واحدٍ، فإن سها أحد منهم رد إلى السنة. ثم ساق ﵀ أحاديث في وقائع متعددة كلَّها دالة على إلزامه ﷺ بقبول خبر الآحاد، فانظرها فيه إن شئت. ومراد البخاري ﵀ أن العمل بخبر الواحد دلَّ عليه الكتاب والسنة. فمن الآيات الدالة عليه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ

стр. 165

طَائِفَةٌ﴾ الآية [التوبة/ ١٢٢]؛ لأن تلك الطائفة لم يقل أحد بشرط بلوغها عدد التواتر، مع أن اللَّه يُلزم بقبول خبرها في قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة/ ١٢٢]، بل ذكر البخاري أن الطائفة تصدق بالرجل الواحد، واستدل على ذلك بالآية التي ذكرناها آنفًا، وقد سبقه للاستدلال بالآية على ذلك الشافعي ومجاهد رحمهم اللَّه تعالى. ومن الآيات الدالة على قبول خبر الواحد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية، فإنه يفهم من دليل خطاب هذه الآية -أعني مفهوم مخالفتها- أن ذلك الجائي بنبأ لو كان غير فاسق، بل كان معروفًا بالعدالة والصدق، فإنه لا يلزم التبين في خبره على قراءة "فتبينوا"، ولا التثبت على قراءة "فتثبتوا"، بل يلزم العمل به حالًا من غير تبين ولا تثبت. والتحقيق اعتبار مفهوم المخالفة، كما تقرر في الأصول، خلافًا لأبي حنيفة ﵀ تغالى. قال المؤلف (١) رحمه اللَّه تعالى: (دليل ثالث، وهو أن الإجماع انعقد على قبول قول المفتي فيما يخبر به عن ظنِّه، فما يخبر به عن السماع الذي لا يشك فيه أولى).

стр. 166

قال المؤلف (١) ﵀: (فصل وذهب الجبَّائي إلى أنَّ خبرَ الواحد إنَّما يُقبلُ إذا رواه عن النبيِّ ﷺ اثنان ثم يرويه عن كلِّ واحد منهما اثنان، إلى أن يصير في زماننا إلى حدٍّ يتعذر معه إثبات حديث أصلًا. .) إلخ. خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أنَّ الجبَّائي قاس الروايةَ على الشهادة، وهذا مذهب باطل بإجماع من يعتد به من العلماء. فروايةُ المرأةِ كروايةِ الرجل، وليست شهادتُها كشهادته، وروايةُ النساء مقبولةٌ في الدماء والحدود ونحو ذلك، ولا تقبلُ شهادتهن في ذلك، والشهادةُ في الزنا لا بدَّ فيها من أربعة، والرواية فيه لا تحتاج إلى ذلك. إلى غير ذلك من الفوارقِ بينهما التي لا نزاع فيها بين أهل العلم. قال المؤلف (٢) ﵀: (ويعتبر في الراوي المقبول روايتُه أربعةُ شروط: الإسلام والتكليف والعدالة والضبط. .) إلخ. اعلم أنَّ الكافر لا تقبل روايتُه على التحقيق ولو كان متأولًا معظمًا للدين، لأنَّ منصب القبول لا يستفاد بغير الإسلام. وخلاف من خالف في هذا لا يعوَّل عليه.

стр. 167

وأمَّا غير المكلَّف، كالصغير والمجنون، فلا تقبلُ روايته -أيضًا- على التحقيق. أمَّا المجنون فلا تقبل مطلقًا، لا في التحمل ولا في الأداء. وأمَّا الصبيُّ فيقبل في التحمل دون الأداء على التحقيق، والمعنى أنه إن سمع الحديث من النبي ﷺ فتحمله عنه وهو صغير عاقل ثم أدَّاهُ بعد بلوغه، قُبِلَ، كما هي حالة رواية ابن عباس والحسن والحسين وعبد اللَّه بن جعفر وعبد اللَّه بن الزبير والنعمان بن بشير وأضرابهم. أمَّا لو أداه في حال صغره فإنه لا تقبلُ روايته؛ لكونه لا يخافُ اللَّه ولا يعرفُه، ولو فرضنا أنه يعرفه فهو يعلم أن الصبي مرفوعٌ عنه القلم، فلا يخاف عاقبة الكذب، ولأنه لا يقبلُ قولُه فيما يخبر به عن نفسه وهو الإقرار، فما يخبر به عن غيره أولى بعدم القبول. ولا ينتقض هذا بالعبد، فإن إقراره لا يقبل مع أن روايته مقبولة؛ لأن المانع من قبول إقراره هو حق سيده الذي يملكه، وليس لأحد إقرار بملك غيره، مع أن قومًا أجازوا إقراره في العقوبات البدنية. وهو مذهب مالك. وقول من قال من العلماء بقبول شهادة الصبيان فيما يقع بينهم من الجنايات لا يرد على ما ذكرنا؛ لأنه من قبيل الاستدلال بالقرائن إذا كثروا وأخبروا قبل التفرق، مع مسيس الحاجة لذلك، لكثرة وقوع الجنايات بينهم، وانفرادهم غالبًا عن غيرهم. وأمَّا الضبط فلا خلاف في اشتراطه، فلا تقبلُ روايةُ غير المميز ولا

стр. 168

المجنون ولا المغفل الذي لا يحسن ضبط ما حفظه ليؤديه على وجهه، فلا ثقة بقوله وإن كان غير فاسق. والضبط في اللغة: هو حفظُ الشيء بالحزم. وفي الاصطلاح: هو كون الراوي غير كثير الغلط والخطأ، بل خطؤه نادر. ويعرف ذلك بمخالفته للجماعة المشهورين بالعدالة والضبط، فمن كثرت مخالفته لهم فليس بضابط فلا تقبل روايتُه، ومن ندرت مخالفتُه لهم فهو الضابطُ المستكملُ لهذا الشرط. قال في "طلعة الأنوار" معرفًا للضابط: كذاك لا يُقبلُ إلا من ضبط ... من زايل الخطأ كثيرًا والغلط بالضابطين اعتبرن فإن غلب ... وفق فضابطٌ وإلا يُجتنب وأما العدالة فلا اختلاف في اشتراطها في الراوي. والعدالة في اللغة: التوسط. وفي الاصطلاح: سلامةُ الدين من الفسق والمروءة من القوادح. وعرفها ابن عاصم في رجزه بقوله: والعدل من يجتنب الكبائرا ... ويتقي في الأغلب الصغائرا وما أبيح وهو في العيان ... يقدح في مروءة الإنسان وقال بعض علماء الأصول: العدالةُ هيئةٌ راسخةٌ في النفس تحمل

стр. 169

على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا حتى تحصل ثقةُ النفوس بصدقه. فلا ثقة بقول من لا يخاف اللَّه تعالى خوفا وازعًا عن الكذب. وخلاف أهل الأصول في اشتراط الملكة المانعة من فعل ما يُخِلُّ بالدين والمروءة مشهور. وممَّن جزم باشتراط الملكة فيها صاحب "جمع الجوامع" والغزالي والأبياري والفهري وغيرهم. وأكثر أهل العلم على أنَّ العدل هو من يجتنب الكبائر مطلقًا، وصغائر الخسة مطلقًا، كسرقة لقمة وتطفيف حبة، لدلالة ذلك على سقوط مروءته، وساقط المروءة لا ثقة بقوله، ويجتنبُ صغائر غير الخسة في أغلب الأحوال، ويجتنب ما يخلُّ بالمروءة عرفًا من المباحات، كالبول في الطريق، والأكل في السوق لغير سوقي، ونحو ذلك. وظاهر كلامهم سواء كان ذلك الاجتناب بسبب ملكة، أي هيئة راسخة في النفس لا تزول أصلًا، أو بسبب علةٍ (١) مانعة من ذلك، أو بسبب علاج النفس ومجاهدتها دون فعل ذلك. وهذا هو الأظهر عندي، وممن مال إليه ابن حلولو في "الضياء اللامع"، والعبادي في "الآيات البينات". واللَّه تعالى أعلم. واعلم أن الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة؛ لإشعاره بعدم

стр. 170

التقوى من فاعله، قال في "المراقي": ولا صغيرة مع الإصرار ... المبطل الثقة بالأخبار وخلاف العلماء في حد الكبيرة معروفٌ فلا نطيلُ به الكلام. هذا وما ذكره المؤلف من اشتراط العدالة يُعلم منه أنه لا تقبل رواية فاسق، وهو كذلك، كما نص اللَّه على ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور/ ٤]، وقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات/ ٦]. أما إن كان فسقه بارتكاب كبيرة، كقذف المحصنات، ونحو ذلك، فلا خلاف في عدم قبول روايته. وأمَّا إن كان فسقه عن تأول، كبعض أهل الأهواء الذين لم تبلغ بهم بدعهم الكفر البواح، فاختلاف أهل الأصول والحديث في قبول رواياتهم معروف. وأمَّا من كان منهم يرى أن الكذب لترويج بدعته جائزٌ، كالخطابية وغيرهم، فلا تقبل روايته قولًا واحدًا، وكذلك من يدعو منهم إلى بدعته. أما الذي لا يدعو إلى بدعته ولا يرى جواز الكذب، بل عرف بالصدق والتحرز من الكذب واحترام الدين، فأكثر أهل العلم على قبول روايته؛ لأن صدقه مما يغلبُ على الظن، وقد روى الشيخان وغيرهما عن جماعة من المبتدعة من خوارج ومرجئة وقدرية.

стр. 171

وممن أخرج له البخاري عمران بن حطان، وهو القائل في ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي ﵁ يمدحه على ذلك: يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يومًا فأحسبه ... أوفى البرية عند اللَّه ميزانا ولقد صدق من رد عليه بقوله: بل ضربة من غويٍّ أوردته لظى ... وسوف يلقى بها الرحمن غضبانا وفي هذه المسألة أعني الرواية عن أهل البدع كلام كثير للعلماء لم نُطِلْ به الكلام، وأظهره هو ما ذكرنا. واللَّه تعالى أعلم. وإنَّما تثبتُ العدالة بواحد من ستة أمور: الأول: الاختبارُ بالمعاملة والمخالطة التي تطلعُ على خبايا النفوس ودسائسها. الثاني: التزكيةُ ممن ثبتت عدالته، وهي إخبارُ العدول المبرزين عنه بصفات العدالة. الثالث: السماعُ المتواتر أو المستفيضُ عنه أنَّه عدل، فمن اشتهرت عدالتُه بين أهل العلم وشاع الثناءُ عليه بالعدالة كفى ذلك في ثبوت عدالته، كمالكٍ والسفيانَيْن والأوزاعي والشافعي وأحمد وأشباههم. الرابع: قضاء قاضٍ بشهادة شاهد إن كان معروفًا عنه أنه لا يحكم بعلمه، أو لم يكن عالمًا بالواقعة مع شهرته بالعدالة، وعدم الحكم

стр. 172

بقول غير العدل أو مجهول الحال، فإن احتمل أنه حكم بعلمه لا بشهادة الشاهد، فليس ذلك تعديلًا له. وحكى ابن الحاجب الإجماع على أن حكم القاضي بشهادة الشاهد نحو ما ذكرنا تعديل له، والظاهر أنه لا يخلو من خلاف. الخامس: أن يروي عنه من عرف من عادته أو من لفظه أنه لا يروي إلا عن العدل، كالبخاري في صحيحه، ومالك، فإنَّ تلك الرواية عنه تعديل له، وذهب جماعة من علماء الحديث إلى أن ذلك ليس تعديلًا له، لاحتمال مخالفته عادته، وكونُ ذلك تعديلًا له هو اختيار الأصوليين. أما إن كان يروي عن غير العدل فليست روايتُه عن شخص تعديلًا له قولًا واحدًا. السادس: أن يعمل عالمٌ بروايته، بشرط أن يُعرف من لفظ ذلك العالم أو عادته أنه لا يعملُ إلا بقول العدل. وعلى هذا جماعة من الأصوليين. وقالت جماعة من أهل الحديث: ليس عمل العالم بروايته تعديلًا له، ولا تصحيحًا لمرويه؛ لجواز أن يكون عمل به احتياطًا، أو في فضائل الأعمال التي أجاز بعضهم العمل فيها بالضعيف بشرطه المعروف في علم الحديث. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: إن كان العملُ المذكور في الترغيب أو كان أحوط، فالظاهر أن العمل به لا يستلزم تعديل راويه، أما إن كان ليس من مواضع الترغيب،

стр. 173

وكان الاحتياط في ترك العمل به، كما لو دل المرويُّ المذكور على جواز أخذ مال إنسان، أو عقوبته، وكان العالم الذي عمل به لا يعمل إلا برواية العدل، فالظاهر أنَّ عمله بروايته حينئذ تعديل له، وقطع بذلك العبَّاديُّ في "الآيات البينات"، وقال صاحب "نشر البنود": ليس بعيدًا. أما إن كان العالم لا يلتزمُ في العمل بالرواية عدالة الراوي، فعملُه بروايته ليس تعديلًا له اتفاقًا. وإلى هذه المسألة أشار في "المراقي" بقوله: ومثبتُ العدالة اختبارُ ... كذاك تعديل والانتشارُ وفي قضا القاضي وأخذ الراوي ... وعمل العالم أيضًا ثاوي وشرط كل أن يرى ملتزما ... ردًّا لما ليس بعدل علما وستأتي هذه المسألة في المتن، وقدمناها لنذكر مثبت العدالة عند ذكر العدالة. قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل ولا يقبل خبرُ مجهول الحال في هذه الشروط في إحدى الروايتين،

стр. 174

وهو مذهب الشافعي. .) إلخ. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أنَّ من جهل إسلامُه، فلم يُعرف أمسلم هو أم لا؟ ومن جهل بلوغه فلم يدر أبالغ هو أم صبي؟ ومن جهل ضبطه فلم يدر أضابط هو أم لا؟ لا تقبل رواية واحد منهم قولًا واحدًا. أمَّا من جهلت عدالته فلم يدر أعدل هو أولا؟ فالرواية المشهورة عن أحمد أنه لا يقبل، وهو مذهب الشافعي. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: وهو مذهب مالك والجمهور. والرواية الأخرى عن أحمد أنه يُقبل. قال المؤلف (١): (وهو مذهب أبي حنيفة). ومدار هذا الخلاف على أن شرط القبول هل هو العلم بالعدالة أو هو عدم العلم بالفسق؟ فمن قال: لا يقبلُ مجهولُ العدالة، قال: المدارُ على علم العدالة، والمجهول لم تعلم عدالتُه، فلا يُقبلِ، ومن قال: يقبلُ، قال: المدار على عدم العلم بالفسق، وهذا لم يُعْلمْ منه فسق فيقبل. واحتج من قال بأن مجهول العدالة لا يُقبل بحجج: الأولى: أن مستند قبول خبر الواحد الإجماعُ، والمجمع عليه قبول رواية العدل، ورد خبر الفاسق، والمجهول ليس بعدلٍ ولا هو في

стр. 175

معنى العدل في حصول الثقة بخبره. الثانية: قياس الشك في العدالة على الشك في بقية الشروط الذي هو محل اتفاق على عدم القبول، إذ لا فرق بين الشروط المذكورة، فلا وجه لجعل الشك مانعًا من القبول في بعض منها دون بعض بلا دليل. الثالثة: قياس روايته على شهادته، فشهادة مجهول العدالة لا تقبل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)﴾ [الطلاق/ ٢] وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة/ ٢٨٢]، والمجهول غير عدل ولا مرضي، فكذلك روايته. الرابعة: أن المقلد إذا شك في بلوغ المفتي الدرجة التي تخول له الإفتاء لم يجز تقليده، فكذلك الرواية عنه. الخامسة: أنَّ الفرع الشاهد على شهادة أصل لا تقبل شهادته ما لم يعينه، فلو كانت شهادة المجهول مقبولة لما احتيج إلى تعيينه. هذا حاصلُ ما ذكره المؤلف من حجج القول مع بعض اختصار. واحتج من قال بقبول رواية مجهول العدالة بحجج: الأولى: قبوله ﷺ شهادة الأعرابي برؤية الهلال، ولم يعرف منه إلا الإسلام. الثانية: أنَّ الصحابة ﵃ كانوا يقبلون رواية الأعراب والعبيد والنساء؛ لأنهم لم يعرفوهم بفسق. الثالثة: أنَّ من أسلم من الكفار ثم روى فور إسلامُه، فروايته

стр. 176

مقبولة، والقول بردها بعيد، ولا مستند لقبولها إلا إسلامهُ وعدمُ العلم بفسقه بعد إسلامه. الرابعة: أنه لو أخبر بطهارة ماء أو نجاسته، أو أنه على طهارة، أو أنَّ هذه الجارية ملكه، أو أنها خالية من زوج، قُبِلَ قوله في ذلك، فيجوز التطهر بالماء الذي أخبر بطهارته، ويترك الماء الذي أخبر بنجاسته، ويجوز الائتمام به لقوله: إنه على طهارة، ويجوز وطء الجارية المشتراة منه بقوله: إنها ملكه، وإنها خالية من زوج. هذا الذي ذكره المؤلف من حجج هذا القول. وأجاب أهل القول الأول عن هذه الحجج: بأن قبوله ﷺ لشهادة الأعرابي لم يتعين فيه كون الأعرابي كان مجهولًا عنده؛ لاحتمال أن يكون كان عالمًا بعدالته بوحي أو بغيره، أو يكون زكاهُ بعض الصحابة. والظاهر أنَّ الجواب عن هذا أنَّ الصحابة كلَّهم عدول تثبت عدالتهم وتزكيتهم بالنص، وبأنَّ الصحابة ما كانوا يقبلون رواية أحد من غير الصحابة من العبيد والنساء إلا من عرفوا صدقه وعدالته. وأما قريب العهد بالكفر ممن أسلم ثم روى، فإن كان صحابيًّا فله عدالة الصحابة، وطراوة إسلامه ورغبته في الدين تجعله يتباعد من الكذب، وأمَّا إن كان من غير الصحابة، فلا نسلمُ قبول روايته حتى تعرف عدالتُه. وأما من أخبر عن نجاسة الماء أو طهارته من غير الصحابة فلا تصدق روايته إلا إذا عرفنا عدالته.

стр. 177

وأما قول البائع: إنَّ هذه السلعة له، وإن هذه الأمة لا زوج لها، فقد رُخِّص في قبول ذلك في المعاملات لشدة حاجة الناس إليها، ولو كان الذي بيده المتاع معروفًا أنه غير عدل؛ إذ لو توقفت المعاملات على إثبات ملك السلع المعروضة للبيع لتعذر ذلك، وصار فيه حرجٌ كبير، فاكتفي في ذلك بوضع اليد ودعوى الملك، ولو من غير عدل. قال المؤلف (١): (فصل ولا يشترط في الرواية الذكورية. .) إلخ. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل سبعة أشياء: الأول: أن رواية المرأة كرواية الرجل، فرواية عائشة -مثلًا- لا فرق بينها ورواية الرجال من الصحابة، إذ الرواية ليست كالشهادة، فالنساء في باب الرواية هن والرجال سواء. الثاني: أن رواية الأعمى إذا وثق بمعرفة الصوت مقبولة، واستدلَّ لذلك بأن الصحابة ﵃ كانوا يروون عن عائشة وغيرها من النساء من وراء حجاب، اعتمادًا على الصوت، إلا أنَّ الأصوليين قرَّروا في مباحث الترجيح أن الذي روى عن النساء من غير حجاب لكونه من محارمهنَّ ترجح روايته على رواية من روى عنهن من وراء حجاب،

стр. 178

ومثلوا له برواية القاسم بن محمد عن عائشة: أنَّ بريرة عتقت وزوجُها عبد، مع رواية الأسود بن يزيد عنها: أنَّه كان حرًا؛ لأنَّ القاسم ابن أخيها يروي عنها من غير حجاب، والأسود ليس محرمًا لها فلا يروي عنها إلا من وراء الحجاب. وعن البخاري أن القائل بأنه كان حرًّا الحكم، وليس من قول عائشة. الثالث: أنَّ الراوي لا يشترط فيه كونه فقيهًا، بل تقبل رواية العدل الذي ليس بفقيه، واستدل له المؤلف بحديث: "رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، وبأن الصحابة كانوا يقبلون خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثًا واحدًا. الرابع والخامس: أنه لا يقدح في الرواية بالعداوة والقرابة بخلاف الشهادة. وإيضاحه: أنَّه لو كانت خصومة بين اثنين ثم روى قريب أحدهما أو عدوُّه حديثًا عن النبي ﷺ يقتضي نفع ذلك القريب، أو ضر ذلك العدو، فلا يقدح في روايته بتلك العداوة أو القرابة؛ لأنَّ حكم الرواية عام لكل الناس، لا يختص بشخصٍ بعينه، بخلاف الشهادة. السادس: أنَّه لا يُقدحُ في رواية الراوي بعدم معرفة نسبه. السابع: أنَّه لو ذكر اسم شخص متردد بين مجروح وعدل، فلا تقبلُ تلك الرواية؛ لاحتمال كون ذلك الشخص المذكور في السند هو المجروح.

стр. 179

هذا هو حاصلُ ما ذكره المؤلف في هذا الفصل، وجميع ما فيه صواب. والمقرر في أصول مالك وأبي حنيفة أنَّهما لا يقبلان رواية غير الفقيه، وبعضهم يقيده عن أبي حنيفة بما إذا خالفت رواية غير الفقيه القياس، وبهذه القاعدة ردُّوا كثيرًا من أحاديث أبي هريرة ﵁ بدعوى أنَّه غير فقيه، وأن روايته مخالفة للقياس. ومثال ذلك: ردُّهم لحديثه في المُصَرَّاة أنه يردها إذا حلبها وصاعًا من تمر. والمرويُّ في أصول المالكية عن مالك عدم قبول رواية غير الفقيه مطلقًا، بدعوى أن غير الفقيه لا يوثق بفهمه الكلام على وجهه، فربما فهم غير المقصود لعدم فقهه، وربمَّا نقله بالمعنى فيقع بذلك الخلل في روايته. ولا شك أنَّ هذا باطل من وجهين: الأول: أنَّ عدالتَه تمنعه من أن يقول شيئًا لم يفهمه، ولم يجزم بفهمه، مع أن معنى الكلام الذي لا خفاء فيه ولا إجمال يفهمه على وجهه غير الفقيه كما لا يخفى. الثاني: أن النبي ﷺ بين أنه قد يحمل الفقه غير الفقيه، وذلك نصٌّ في محل النزاع، وهو ثابت عنه ﷺ ، فقد روى زيد بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "نضر اللَّه امرءًا سمع منَّا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس

стр. 180

بفقيه". فقوله ﷺ : "ورب حامل فقه ليس بفقيه" نصٌّ في محل النزاع، دالٌّ على صحة رواية غير الفقيه كما ترى. وقد قال المناوي في شرح "الجامع الصغير" في الكلام على هذا الحديث: رواه الترمذي في العلم والضياء في المختارة عن زيد بن ثابت، قال الترمذي: صحيح. وقال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث زيد بن ثابت هذا صحيح خرجه أحمد وأبو داود وابن حبان وابن أبي حاتم والخطيب وأبو نعيم والطيالسي والترمذي. وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء وأنس وغيرهم. وقال في موضع آخر: الحديث صحيح المتن وإن كان بعض أسانيده معلولًا. اهـ. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: ومعنى هذا ثابت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁؛ لأنَّ قول النبي ﷺ في حديث أبي موسى المتفق عليه المشهور: "وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع اللَّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا. . ." الحديث، مثلٌ مضروبٌ لكون الراوي قد يكون غير فقيه، فكما أن تلك الأجادب لم تنبت، ولم تُثمر، ولكنها أمسكت ذلك الماء للناس، فنفعهم اللَّه به، فشربوا منه وسقوا وزرعوا، فكذلك أولئك الرواة لم يتفقهوا، ولكن نفع اللَّه الناس بما حفظوا من العلم، فانتفعوا به، وتفقهوا فيه، ولذا قال ﷺ : "ربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع".
следующие страницы →