مقبولة، والقول بردها بعيد، ولا مستند لقبولها إلا إسلامهُ وعدمُ العلم بفسقه بعد إسلامه.
الرابعة: أنه لو أخبر بطهارة ماء أو نجاسته، أو أنه على طهارة، أو أنَّ هذه الجارية ملكه، أو أنها خالية من زوج، قُبِلَ قوله في ذلك، فيجوز التطهر بالماء الذي أخبر بطهارته، ويترك الماء الذي أخبر بنجاسته، ويجوز الائتمام به لقوله: إنه على طهارة، ويجوز وطء الجارية المشتراة منه بقوله: إنها ملكه، وإنها خالية من زوج.
هذا الذي ذكره المؤلف من حجج هذا القول.
وأجاب أهل القول الأول عن هذه الحجج: بأن قبوله ﷺ لشهادة الأعرابي لم يتعين فيه كون الأعرابي كان مجهولًا عنده؛ لاحتمال أن يكون كان عالمًا بعدالته بوحي أو بغيره، أو يكون زكاهُ بعض الصحابة.
والظاهر أنَّ الجواب عن هذا أنَّ الصحابة كلَّهم عدول تثبت عدالتهم وتزكيتهم بالنص، وبأنَّ الصحابة ما كانوا يقبلون رواية أحد من غير الصحابة من العبيد والنساء إلا من عرفوا صدقه وعدالته.
وأما قريب العهد بالكفر ممن أسلم ثم روى، فإن كان صحابيًّا فله عدالة الصحابة، وطراوة إسلامه ورغبته في الدين تجعله يتباعد من الكذب، وأمَّا إن كان من غير الصحابة، فلا نسلمُ قبول روايته حتى تعرف عدالتُه.
وأما من أخبر عن نجاسة الماء أو طهارته من غير الصحابة فلا تصدق روايته إلا إذا عرفنا عدالته.
стр. 177
وأما قول البائع: إنَّ هذه السلعة له، وإن هذه الأمة لا زوج لها، فقد رُخِّص في قبول ذلك في المعاملات لشدة حاجة الناس إليها، ولو كان الذي بيده المتاع معروفًا أنه غير عدل؛ إذ لو توقفت المعاملات على إثبات ملك السلع المعروضة للبيع لتعذر ذلك، وصار فيه حرجٌ كبير، فاكتفي في ذلك بوضع اليد ودعوى الملك، ولو من غير عدل.
قال المؤلف (١):
(فصل
ولا يشترط في الرواية الذكورية. .) إلخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل سبعة أشياء:
الأول: أن رواية المرأة كرواية الرجل، فرواية عائشة -مثلًا- لا فرق بينها ورواية الرجال من الصحابة، إذ الرواية ليست كالشهادة، فالنساء في باب الرواية هن والرجال سواء.
الثاني: أن رواية الأعمى إذا وثق بمعرفة الصوت مقبولة، واستدلَّ لذلك بأن الصحابة ﵃ كانوا يروون عن عائشة وغيرها من النساء من وراء حجاب، اعتمادًا على الصوت، إلا أنَّ الأصوليين قرَّروا في مباحث الترجيح أن الذي روى عن النساء من غير حجاب لكونه من محارمهنَّ ترجح روايته على رواية من روى عنهن من وراء حجاب،
стр. 178
ومثلوا له برواية القاسم بن محمد عن عائشة: أنَّ بريرة عتقت وزوجُها عبد، مع رواية الأسود بن يزيد عنها: أنَّه كان حرًا؛ لأنَّ القاسم ابن أخيها يروي عنها من غير حجاب، والأسود ليس محرمًا لها فلا يروي عنها إلا من وراء الحجاب.
وعن البخاري أن القائل بأنه كان حرًّا الحكم، وليس من قول عائشة.
الثالث: أنَّ الراوي لا يشترط فيه كونه فقيهًا، بل تقبل رواية العدل الذي ليس بفقيه، واستدل له المؤلف بحديث: "رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، وبأن الصحابة كانوا يقبلون خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثًا واحدًا.
الرابع والخامس: أنه لا يقدح في الرواية بالعداوة والقرابة بخلاف الشهادة.
وإيضاحه: أنَّه لو كانت خصومة بين اثنين ثم روى قريب أحدهما أو عدوُّه حديثًا عن النبي ﷺ يقتضي نفع ذلك القريب، أو ضر ذلك العدو، فلا يقدح في روايته بتلك العداوة أو القرابة؛ لأنَّ حكم الرواية عام لكل الناس، لا يختص بشخصٍ بعينه، بخلاف الشهادة.
السادس: أنَّه لا يُقدحُ في رواية الراوي بعدم معرفة نسبه.
السابع: أنَّه لو ذكر اسم شخص متردد بين مجروح وعدل، فلا تقبلُ تلك الرواية؛ لاحتمال كون ذلك الشخص المذكور في السند هو المجروح.
стр. 179
هذا هو حاصلُ ما ذكره المؤلف في هذا الفصل، وجميع ما فيه صواب.
والمقرر في أصول مالك وأبي حنيفة أنَّهما لا يقبلان رواية غير الفقيه، وبعضهم يقيده عن أبي حنيفة بما إذا خالفت رواية غير الفقيه القياس، وبهذه القاعدة ردُّوا كثيرًا من أحاديث أبي هريرة ﵁ بدعوى أنَّه غير فقيه، وأن روايته مخالفة للقياس.
ومثال ذلك: ردُّهم لحديثه في المُصَرَّاة أنه يردها إذا حلبها وصاعًا من تمر.
والمرويُّ في أصول المالكية عن مالك عدم قبول رواية غير الفقيه مطلقًا، بدعوى أن غير الفقيه لا يوثق بفهمه الكلام على وجهه، فربما فهم غير المقصود لعدم فقهه، وربمَّا نقله بالمعنى فيقع بذلك الخلل في روايته.
ولا شك أنَّ هذا باطل من وجهين:
الأول: أنَّ عدالتَه تمنعه من أن يقول شيئًا لم يفهمه، ولم يجزم بفهمه، مع أن معنى الكلام الذي لا خفاء فيه ولا إجمال يفهمه على وجهه غير الفقيه كما لا يخفى.
الثاني: أن النبي ﷺ بين أنه قد يحمل الفقه غير الفقيه، وذلك نصٌّ في محل النزاع، وهو ثابت عنه ﷺ ، فقد روى زيد بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "نضر اللَّه امرءًا سمع منَّا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس
стр. 180
بفقيه".
فقوله ﷺ : "ورب حامل فقه ليس بفقيه" نصٌّ في محل النزاع، دالٌّ على صحة رواية غير الفقيه كما ترى.
وقد قال المناوي في شرح "الجامع الصغير" في الكلام على هذا الحديث: رواه الترمذي في العلم والضياء في المختارة عن زيد بن ثابت، قال الترمذي: صحيح. وقال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث زيد بن ثابت هذا صحيح خرجه أحمد وأبو داود وابن حبان وابن أبي حاتم والخطيب وأبو نعيم والطيالسي والترمذي. وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء وأنس وغيرهم. وقال في موضع آخر: الحديث صحيح المتن وإن كان بعض أسانيده معلولًا. اهـ.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
ومعنى هذا ثابت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁؛ لأنَّ قول النبي ﷺ في حديث أبي موسى المتفق عليه المشهور: "وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع اللَّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا. . ." الحديث، مثلٌ مضروبٌ لكون الراوي قد يكون غير فقيه، فكما أن تلك الأجادب لم تنبت، ولم تُثمر، ولكنها أمسكت ذلك الماء للناس، فنفعهم اللَّه به، فشربوا منه وسقوا وزرعوا، فكذلك أولئك الرواة لم يتفقهوا، ولكن نفع اللَّه الناس بما حفظوا من العلم، فانتفعوا به، وتفقهوا فيه، ولذا قال ﷺ : "ربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع".
стр. 181
وقوله: "مبلَّغ" بصيغة اسم المفعول. وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم في باب قول النبي ﷺ : "ربَّ مبلَّغ أوعى من سامع" من حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ .
وذكر صاحبُ "الجامع الصغير" هذا الحديث من رواية ابن مسعود وعزاه للإمام أحمد في المسند والترمذي وابن حبان، وجعل عليه علامة الصحة.
وقال شارحه المناوي: قال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث مشهور خُرج في السنن أو بعضها من حديث ابن مسعود وزيد بن ثابت وجبير بن مطعم، وصححه ابن حبان والحاكم.
وذكر أبو القاسم بن منده في تذكرته أنه رواه عن المصطفى ﷺ أربعة وعشرون صحابيًا، ثم سرد أسماءهم.
وقال عبد الغني في الآداب: تذاكرت أنا والدارقطني طرق هذا الحديث، فقال: هذا أصح شيءٍ روي فيه. اهـ.
وهذه النصوصُ تدلُّ على أنَّ ما روي عن مالك وأبي حنيفة رحمهما اللَّه تعالى من عدم قبول رواية غير الفقيه مطلقًا، أو إذا خالفت القياس، خلافُ الصواب، وقد ردَّ صاحب مراقي السعود هذا القول على أهل مذهبه من المالكية بقوله:
من ليس ذا فقهٍ أباه الجيلُ ... وعكسُه أثبته الدليل
والجيل: المصنف من الناس، ومراده بهم علماء المالكية، وقوله: و"عكسه" أي عكس قولهم "أثبته الدليل"، وهو ما ذكرنا آنفًا من
стр. 182
الأحاديث في ذلك.
قول المؤلف في التزكية والجرح
قال المؤلف (١) رحمه اللَّه تعالى:
(فصل)
المراد بالتزكية في الاصطلاح إخبارُ العدول عنه بصفات العدالة، والمراد بالجرح فِي الاصطلاح: إخبارهم عنه بما يُخِلُّ بعدالته من فسقٍ أو سقوط مروءة.
قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-:
(اعلم أنَّه يُسْمَعُ الجرح والتعديل من واحد في الرواية؛ لأنَّ العدالة التي تثبتُ بها الرواية لا تزيد على نفس الرواية، بخلاف الشهادة، وكذلك تقبل تزكية العبد والمرأة كما تقبلُ روايتهما).
معنى كلامه واضح، وهو أن التعديل والجرح بالنسبة إلى الرواية كلاهما يثبتُ بواحد عدل، ولو عبدًا أو امرأة؛ لأن نفس الرواية تثبت بواحدٍ ولو عبدًا أو امرأة، فكذلك التزكية فيها، أمَّا الشهادة فلا يكفي فيها واحد كما هو معروف، وكذلك لا يكفي في التزكية فيها واحد.
وحاصل كلام العلماء في هذه المسألة أنَّ لهم فيها ثلاثة مذاهب:
стр. 183
الأول: لا بدَّ في التعديل والتجريح من عدلين مطلقًا، سواء كان ذلك بالنسبة إلى الرواية أو الشهادة.
والثاني: يكفي فيهما معًا واحد.
والثالث: التفصيل، فيكفي الواحدُ فيهما بالنسبة إلى الرواية دون الشهادة. وهو الذي درج عليه المؤلف.
وأشار في "مراقي السعود" إلى هذه المسألة بقوله في الجرح والتعديل:
كلاهما يثبته المنفردُ ... ومالك عنه روى التعددُ
وقال بالعدد ذو دراية ... في جهة الشاهد لا الرواية
والقولُ باشتراط التعدد في المعدِّل والمجرِّح في الرواية والشهادة معًا عزاه الفهري للمحدِّثين، والأبياري لأكثر الفقهاء.
وأظهرها عندي الفرقُ بين الرواية والشهادة في ذلك، وكون التعديل والتجريح تبعًا لما فيه التعديل والتجريح، فإن كان يكتفى فيه بواحد، اكتفى في تعديله وتجريحه بواحدٍ، وإلا فلا.
وإنْ كان صاحب "الضياء اللامع" يقول: إن الفرق بينهما غلط، قائلًا: إن معقول الشهادة فيهما سواء؛ لأن كلا منهما إخبار عن شخص بصفات العدالة أو عدمها.
وما قاله يرده الإجماع على الفرق بين الرواية والشهادة في مسائل كثيرة، كقبول رواية المرأة منفردة ولو في الدماء والحدود، مع عدم
стр. 184
قبول شهادتها في ذلك، وكلا الأمرين إخبار منها عن أمر.
وقد قال ابن عاصم المالكي في تحفته:
وواحد يُجزئ في باب الخبر ... واثنان أولى عند كل ذي نظر
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(واختلفت الرواية في قبول الجرح إذا لم يتبين سببه. .) إلخ.
خلاصةُ ما ذكره في هذا المبحث أن فيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنَّ الجرح يقبل ولو لم يبين المجرِّح سببه؛ لأن عدالته تمنعه من الجرح بأمر غير قادح.
الثاني: أنَّ الجرح لا يقبلُ إلا مع بيان سببه؛ لاختلاف الناس فيما يحصلُ به الجرح، فقد يُظَنُّ الأمر قادحًا وهو ليس بقادح.
الثالث: التفصيل بين المجرِّح الذي حصلت الثقةُ ببصيرته وشدة معرفته وتمييزه لأسباب الجرح، فيقبل تجريحُه مع عدم بيان السبب، وبين من ليس كذلك، فلا يقبلُ تجريحه حتى يبين السبب.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
جمهور أهل الأصول والحديث: لا يقبل إلا مع بيان السبب؛ لأنَّ المجرِّحَ قد يظنُّ ما ليس بقادح قادحًا، وقد قيل لشعبة: لم تركتَ حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون، فتركت حديثه.
стр. 185
وروي عن مسلم بن إبراهيم أنه سئل عن حديث صالح المري؟ فقال: وما تصنع بصالح؟ ذكروه يومًا عند حماد بن سلمة فامتخط حماد.
وأشباه هذا كثيرة.
ولأجل هذا احتج الشيخان في صحيحيهما بجماعة سبق من غيرهما تجريحهم، فلم يقبلوا ذلك التجريح لعدم بيان السبب.
ومن أمثلة ذلك روايةُ البخاري عن عكرمة وعمرو بن مرزوق، وروايةُ مسلم عن سويد بن سعيد وغيره.
قال العراقي في ألفيته:
وربما رد الكلام الجارح ... كالنَّسَئِي في أحمد بن صالح
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(أمَّا إذا تعارض الجرحُ والتعديل قدَّمنا الجرح. .) الخ.
خلا ما ذكره في هذا المبحث: أنَّ الجرح إذا تعارض مع التعديل قدِّم الجرح؛ لأنَّ المجرِّح اطَّلع على أمر خفي على المعدِّل، هذا إن تساوى عدد المجرِّحين والمعدِّلين، أو كان المجرِّحون أكثر.
فإن كان المعدِّلون أكثر من المجرِّحين، فكذلك على الصحيح؛ لأنَّ سبب تقديم الجرح علم المجرِّح بما خفي على المعدِّل، وذلك لا
стр. 186
ينتفي بكثرة عدد المعدِّلين. وقيل: قُدِّم التعديلُ؛ للكثرة، وهو ضعيف.
هذا حاصل كلامه.
وتحقيق المقام في هذه المسألة أنَّ المجرِّحين إن كانوا أكثر فالتجريح مقدم إجماعًا، فإن تساوى عدد المجرِّحين والمعدِّلين أو كان المعدِّلون أكثر فكذلك على الصحيح، وقيل بالترجيح فيهما.
وأسباب الترجيح ستأتي إن شاء اللَّه تعالى في آخر الكتاب.
وأشار في "المراقي" إلى هذه المسألة بقوله:
والجرح قدم باتفاق أبدا ... إن كان من جرَّح أعلى عددا
وغيرُه كهو بدون مَيْنِ ... وقيل بالترجيح في القسمينِ
وشذ من زعم أن التعديل يقدَّم في جميع الصور.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
في التعديل، وذلك إمَّا بقول وإمَّا بالرواية عنه. .) الخ.
قد قدَّمنا ما ذكره في هذا المبحث مستوفى في الكلام على اشتراط العدالة، فلا حاجة إلى إعادته هنا.
وأعلى أنواعِ التزكية الشهاده له بأنه عدلٌ رضا، وإنْ لم يبين أسباب
стр. 187
ذلك.
واعلم أنَّ التحقيق قبولُ التعديل بدون بيان السبب، كما هو مذهبُ الجمهور من أصوليين ومحدِّثين.
واعلم أنَّ عدم العمل بشهادة شاهد ليس تجريحًا له، كما هو ظاهر.
قال المؤلف (١) رحمه اللَّه تعالى:
(فصل
والذي عليه سلفُ الأمة وجمهورُ الخلف أنَّ الصحابة ﵃ معلومةٌ عدالتُهم بتعديل اللَّه تعالى وثنائه عليهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة/ ١٠٠]، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح/ ١٨] وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح/ ٢٩]. .) الخ.
خلاصةُ ما ذكره في الفصل أنَّ الصحابة كلَّهم عدول؛ للثناء عليهم في كتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ ، وهذا قولُ جمهور علماء المسلمين، وهو الصواب إن شاء اللَّه تعالى.
وعلى هذا فجهالةُ الصحابي لا تضرُّ لأنَّهم كلَّهم عدول.
والصحابيُّ: هو من اجتمع مع النبي ﷺ مؤمنًا ومات على ذلك.
стр. 188
والصحبة تثبتُ بقوله عن نفسه: إنَّه صحب النبي ﷺ ، إنْ كان أدرك عصره، وكذلك تثبتُ بقول غيره من الصحابة ﵃.
هذا حاصل كلامه ﵀.
وخالف جماعة، فقالوا: لا تثبتُ العدالةُ إلا لخصوص الذين لازموه ﷺ ، واهتدَوْا بهديه، أمَّا من رآهُ مرة مثلًا ثم فارقه، فلا تثبتُ له العدالة بذلك.
وممَّن اختار هذا التفصيل المازريُّ في شرح "البرهان" لإمام الحرمين، والقرافي، وغيرهما.
والصواب -إن شاء اللَّه تعالى- هو مذهبُ الجمهور، وأنهم كلُّهم عدولٌ ﵃ وأرضاهم، سواء لازموه أو اجتمعوا به وذهبوا.
وقد أطبقَ العلماءُ على قبول رواية وائل بن حُجر، ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص الثقفي، وغيرهم، ممَّن اشتهرتْ صحبتُهم وروايتُهم عنه ﷺ ، مع أنَّهم وفدُوا إليه، واجتمعُوا به ﷺ ، ورجعُوا إلى أهليهم، ولم يلازموه.
وقال ابنُ حجر في مقدمة "الإصابة": اتفق أهل السنة على أنَّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة.
وذكر الخطيبُ في "الكفاية" فصلًا نفيسًا في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتةٌ معلومةٌ بتعديل اللَّه لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران/ ١١٠]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾
стр. 189
[البقرة/ ١٤٣]، وقوله ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح/ ١٨]، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة/ ١٠٠]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال/ ٦٤]، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر/ ٨ - ١٠].
في آيات كثيرة يطول ذكرُها، وأحاديث كثيرة يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحدٌ منهم مع تعديل اللَّه إلى تعديل أحدٍ من الخلق، على أنه لو لم يرد من اللَّه ورسوله فيهم شيء ممَّا ذكرناه، لأوجبت الحالُ التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأبناء، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطعَ بتعديلهم.
إلى أن قال: والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة، ومن أدلَّها على المقصود ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مغفَّل قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اللَّه اللَّه في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا، فمن أحبَّهم فبحبي أحبَّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذى اللَّه، ومَنْ آذى اللَّه فسيوشك أنْ يأخذه".
وقال أبو محمد بن حزم: الصحابةُ كلُّهم من أهل الجنة قطعًا، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً
стр. 190
مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد/ ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء/ ١٠١]؛ فثبت أنَّ الجميع من أهل الجنَّة، وأنَّه لا يدخلُ أحد منهم النار؛ لأنَّهم هم المخاطبون بالآية السابقة.
فإنْ قيل: التقييد بالإنفاق والقتال يُخرج من لم يتصف بذلك، وكذلك التقييد بالإحسان في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة/ ١٠٠] يخرج من لم يتصف بذلك.
فالجواب أنَّ التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، وإلا فالمرادُ من اتصف بالإنفاق بالفعل أو القوة. انتهى منه مع حذف واختصارٍ غير مخل بالمقصود.
وأشار في "مراقي السعود" إلى مسألة عدالة الصحابي جامعًا معها الفرق بين الرواية والشهادة بقوله:
شهادةُ الأخبار عمَّا خصَّ إنْ ... فيه ترافع إلى القاضي زُكِنْ
وغيرُه رواية والصحب ... تعديلُهم كلٌّ إليه يصبو
واختار في الملازمين دون مَنْ ... رآه مرةً إمامٌ مؤتمن
ومراده بالإمام المؤتمن القرافي، وقد سبقه إلى ذلك القول المازريُّ وغيره، كما تقدم.
فالحاصلُ أنَّ الحق الذي عليه من يعتدُّ به من المسلمين أنَّ الصحابة كلَّهم محكوم لهم بالعدالة، ولا يبحثُ عن عدالة أحد منهم،
стр. 191
وليسوا معصومين، فمن ثبت عليه في خصوصه قادح ثبوتًا واضحًا لا مطعن فيه، عُمِلَ به، وقد ارتد بعضهم كعبيد اللَّه بن جحش الذي كان زوج أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان أم حبيبة ﵂، والرِّدة أعظم من ارتكاب كبيرة توجب الفسق، وقد مات والعياذ باللَّه على ردته متنصِّرًا.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
المحدود في القذف إن كان بلفظ الشهادة، فلا يرد خبره؛ لأن نقصان العدد ليس من فعله، ولهذا روى الناس عن أبي بكرة، واتفقوا على ذلك، وهو محدود في القذف، وإن كان بغير لفظ الشهادة فلا تقبل روايتُه حتى يتوب).
حاصل ما ذكر في هذا الفصل أن في إبطال الرواية بالحد في القذف تفصيلًا:
فإنْ كان المحدودُ شاهدًا عند الحاكم بأن فلانًا زنى، وحُدَّ لعدم كمال الأربعةِ، فهذا لا تردُّ به روايتُه؛ لأنَّه إنما حُدَّ لعدم كمالِ نصاب الشهادة في الزنا، وذلك ليس من فعله، وإن كان القذف ليس بصيغة الشهادة كقوله لعفيف: يا زاني، ويا عاهر، ونحوِ ذلك، بطلت روايتُه حتى يتوب، أي ويُصْلِح، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا
стр. 192
وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور/ ٤ - ٥].
واستدل المؤلفُ ﵀ لما ذكره من الفرق بين الحدِّ على سبيل القذف، والحدِّ على سبيل عدم كمال النصابِ في الشهادة، بقصة أبي بكرة؛ لأنه متفق على قبول روايته، مع أنَّه محدود في شهادته على المغيرة بن شعبةَ الثقفي بالزنا، والشهادةُ في هذا ليست كالرواية، فلا تُقْبَلُ شهادة المحدود في قذفٍ أو شهادةٍ حتى يتوب ويصلح، بدليلِ قول عمرَ لأبي بكرة: "تُبْ أَقبل شهادتك"، خلافًا لمن جعل شهادته كروايتهِ فلا تُردُّ، وهو محكيٌّ عن الشافعي.
والحاصلُ أنَّ القاذفَ بالشتمِ تردُّ شهادتُه وروايتُه بلا خلافٍ حتى بتوب ويُصْلح، والمحدود في الشهادةِ لعدمِ كمالِ النصابِ تقبلُ روايتُه دون شهادته، وقيل: تقبلُ شهادتُه وروايتُه.
وقصةُ أبي بكرةَ المشارُ إليها أنه شهد على المغيرة بن شعبةَ بالزِّنا، هو وأخوه زياد ونافع بن الحارثِ وشبل بن معبد (١)، فتلكأ زياد أو غيرُه في الشهادة، فجلد عمر الثلاثةَ المذكورين.
قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:
يظهرُ لنا في هذه القصةِ أن المرأةَ التي رأوا المغيرةَ ﵁ مخالطًا لها عندما فتحت الريح الباب عنهما إنَّما هي زوجتُه، ولا يعرفونها، وهي تشبه امرأة أخرى أجنبية كانوا يعرفونها تدخل على
стр. 193
المغيرة وغيره من الأمراء، فظنُّوا أنها هي، فهم لم يقصدُوا باطلًا، ولكنَّ ظنَّهم أخطأَ، وهو لم يقترف إن شاء اللَّه فاحشة، لأنَّ أصحاب رسول اللَّه ﷺ يعظم فيهم الوازعُ الدينيُّ الزاجرُ عمَّا لا ينبغي في أغلب الأحوال، والعلمُ عند اللَّه تعالى.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
في كيفية الرواية، وهي على أربع مراتب. .) الخ.
خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أنَّ كيفية الروايةِ -يعنى الرواية عن غير النبيَّ ﷺ ، بدليل ما تقدم- على أربع مراتب.
الأولى، وهي أعلاها عند المؤلف: قراءةُ الشيخ عليه في معرض الإخبار، ليروي عنه، وذلك يسوغُ للراوي أنَّ يقول حدَّثني، وأخبرني، وسمعته يقول، وقال كذا، ونحو ذلك من صيغ الأداء.
المرتبة الثانية: أن يقرأَ على الشيخِ فيقول: نعم، أو يسكت، فتجوزُ الروايةُ به، خلافا لبعض أهلِ الظاهرِ القائل بأنه لابد من إقرار الشيخِ نطقًا، ولا يكفي سكوتُه، لأنَّ الساكتَ لا يُنسبُ إليه قول عندهم، واستدلاله -أيضًا- بظاهر قوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران/ ٨١].
والجمهور على قبول الرواية ولو سكتَ، لأنَّ عدالته تمنعه من أن
стр. 194
يسكت مع علمه بعدم صحةِ ما يقرأُ عليه، ما لم تكن هناك مخيلة إكراه، أو غفلة، ونحو ذلك، فلا يكتفى بسكوته.
وهذه المرتبةُ الثانيةُ تسوغُ للراوي أن يقول: أنبأنا، وحدَّثنا فلانٌ قراءةً عليه.
وهل يجوزُ الاقتصارُ على حدثنا فلانٌ، دون ذكره قراءةً عليه؟
فيه روايتان:
إحداهما: يجوزُ ذلك. وعزاه المؤلف لأكثر الفقهاء.
والأخرى: لا يجوزُ ذلك، كما لا يجوز سمعت من فلان في ذلك.
وهل يجوز للراوي أنْ يُبْدِلَ قوله، شيخه "حدثنا" بأخبرنا، أو عكسه؟ فيه روايتان أيضًا بالجوازِ والمنع.
ووجه القولِ بجواز ذلك اتحادُ اللفظين في المعنى لغةً.
ووجه المنع من ذلك اختلاف مقتضى اللفظين عند المحدِّثين، لأنهم يخصُّون "حدَّثنا" بما سُمع من لفظ الشيخ، و"أخبرنا" يصلحُ عندهم لذلك أيضًا ولما قُرئ على الشيخ فأقرَّ به، فالإخبارُ عندهم أعمُّ من التحديث.
المرتبة الثالثة: الإجازة، وهي أربعة أنواع:
الأول: الإجازةُ لمعيَّن في معيَّن، "كقوله: أجزت لك أو لكم أنْ تروي، أو ترووا عني الكتاب الفلاني.
стр. 195
الثاني: الإجازةُ لمعيَّن في غير معيَّن، كقوله: أجزتُ لك، أو لكم أنْ ترووا عني جميع مروياتي.
الثالث: الإجازةُ لغير معيَّن في معيَّن، كأنْ يقولَ: أجزتُ للمسلمين أنْ يرووا عني الكتاب الفلاني.
الرابع: الإجازة لغير معيَّن في غيرِ معيَّن، كأنْ يقولَ: أجزت للمسلمين أنْ يرووا عنِّي جميع مروياتي.
وجمهورُ أهل العلم على جواز الرواية والعمل بالإجازة، واستقر عليه عملُ عامة أهل العلم، وحكى الإجماع على ذلك أبو الوليد الباجي وعياضُ من المالكية.
ومنع الروايةَ بالإجازة والعمل بها جماعةٌ من الطوائف، ممَّن روى عنه ذلك شعبةُ بنُ الحجاجِ، قائلا: لو جازتْ الإجازةُ لبطلت الرحلة، وإبراهيم الحربي، وأبو نصر الوائلي، وأبو الشيخ الأصبهاني. ومِمَّن قال بذلك من الفقهاء القاضي حسين، والماوردي، وأبو بكر الخجندي الشافعي، وأبو طاهر الدبَّاس الحنفي، وهذا هو إحدى الروايتين عن الشافعي، وحكاه الآمدي عن أبي حنيفة وأبي يوسف، ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك، وقال ابن حزم: إنها بدعة غيرُ جائزة.
وفيها أقوال آخر غيرُ ما ذكرنا، بالتفصيل بين أنواع الإجازة، مذكورة في الأصول وعلوم الحديث.
والحقُّ جواز الرواية بالإجازة، كما عليه الجمهور.
стр. 196
وقال صاحب "المراقي":
واعمل بما عن الإجازة رُوِي ... إن صح سمعه بظن قد قوي
تنبيه:
فإن قيل: ما الدليل على جواز الرواية والعملِ بالإجازة ؟
فالجوابُ أنَّ بعض أهل العلم استدل لذلك بما يأتي:
قال صاحب "تدريب الراوي": قال ابن الصلاح: وفي الاحتجاج لتجويزها غموض، ويتجه أن يقال: إذأ أجاز له أن يروي عنه مروياته، فقد أخبره بها جملة، كما لو أخبره بها تفصيلًا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح قطعًا، كما في القراءة، وإنما الغرض حصولُ الإفهام والفهم، وذلك حاصل بالإجازة.
وقال الخطيب في "الكفاية": احتجَّ بعض أهل العلم لجوازها بحديث أنَّ النبي ﷺ كتب سورة براءة في صحيفةٍ ودفعها لأبي بكر، ثم بعث علي بن أبي طالب فأخذها منه، ولم يقرأها عليه، ولا هو أيضًا، حتى وصل إلى مكة ففتحها وقرأها على الناس".
فكأنَّ النبي ﷺ أجاز له أنْ يروي عنه ما في تلك الصحيفة من غير سماع منه.
المرتبة الرابعة: المناولة، وهي أن يناوله كتابًا ويقول له: ارو عني ما فيه، فهو كالإجازة؛ لأنَّ مجرد المناولة دون اللفظ لا يكفي، واللفظ وحده يكفي، وكلاهما تجوز الرواية به، فيقول: حدثني إجازة، أو
стр. 197
أخبرني إجازة، فإن لم يقل إجازة لم يجز على أصح القولين.
فإن قال: هذا الكتاب سماعي، ولم يأذن في روايته عنه، فلا تجوزُ الرواية بذلك؛ لأنَّه يمكن ألا يجيز روايته عنه لخلل يعلمه فيه.
وكذلك لو قال: عندي شهادة، لا يشهد بها ما لم يقل: أذنت لك أن تشهد على شهادتي، وكذا لو وجد شيئًا بخطه لا يرويه عنه، لكن يجوزُ له أن يقول: وجدت بخط فلان كذا وكذا.
فإن قال العدل: هذه نسخة من صحيح البخاري أو مسلم -مثلًا-، فليس له أن يرويه عنه ما لم يأذن. وهل يلزمه العمل به؟ فيه خلاف، وأظهره لزومُ العمل به؛ لأنَّ أصحاب رسول اللَّه ﷺ كانوا يحملون صحف الصدقات إلى البلاد، وكان الناس يعتمدون عليها بشهادة حامليها بصحتها دون أن يسمعها كلُّ واحد منهم، فإن ذلك يفيد سكون النفس، وغلبة الظن، وإلى ذلك أشار في المراقي بقوله:
والخلف في إعلامه المجرد ... وأعملن منه صحيح السند
هذا هو خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث، مع زيادات إيضاح واستدلال واستظهار، وهذا الذي مشى عليه المؤلف ﵀ من ترتيب هذه المراتب الأربعة المذكورة قولُ بعض أهل العلم، وفيه أقوال أُخر غير هذا.
منها: أنَّ المناولة والسماع والعرض -الذي هو القراءة على الشيخ، فيقول: نعم- في مرتبة واحدة، وأنَّ الإجازة المجردة عن المناولة مرتبة ثانية دونها. وهذا هو المشهور عند المالكية، وعليه درج
стр. 198
في مراقي السعود بقوله:
للعرض والسماع والإذن استوى ... متى على النوال ذا الإذن احتوى
ومرادُه بالإذن الإجازةُ، وبالنوال المناولةُ، يعني أنَّ الإجازة المشتملة على المناولة في مرتبة السماع والعرض. وكون المناولةِ المذكورة تساوي السماع هو ما ذهب، إليه ابن شهاب، وربيعة، ومالك، وخلق كثير. قاله في "نشر البنود". وكونها دون السماع هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وصححه النووي. قاله في "نشر البنود" أيضًا.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا وجد سماعَه بخط يوثق به جاز له أن يرويَه، وإن لم يذكر سماعه. . .) الخ.
خلاصةُ ما ذكره فى هذا الفصل أنه إذا وجد سماعه بخط يغلب على الظن به أنَّه سمعه، مع أنَّه ناسٍ للسماع، فهل له أنْ يرويه اعتمادًا على الخط؟ وهو ما اختاره المؤلف وعزاه للشافعي، وعلل ذلك بأنَّ مبنى الرواية على حسنِ الظن وغلبته بناءً على دليل، وقد وُجِدَ ذلك في هذه المسألة؛ لأنَّ الثقة بالخط المذكور يغلبُ على الظن بها صحة السماعِ المذكور.
стр. 199
و [قيل] (١): لا يجوزُ له أن يروي ذلك اعتمادًا على الخط؛ لأجل نسيانه للسماع. وعزاه لأبي حنيفة، مستدلًا له بقياس الرواية على الشهادة في ذلك.
واعترض المؤلف قياس الرواية على الشهادة في هذه المسألة من جهتين:
الأولى: أنَّ الشهادة تصحُّ اعتمادًا على الخط الموثوق به، وإن لم يتذكرها على إحدى الروايتين.
الثانية: أن الشهادة أضيق من الرواية؛ لما علم بينهما من الفروق، كما تقدم، واللَّه تعالى أعلم.
قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا شكَّ في سماعِ حديث من شيخه لم يجزْ أن يرويه عنه. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل ثلاث نقط:
الأولى: أنَّه إن شك في سماع حديث من شيخه لا يجوز له أن يرويه عنه مع الشك. وهذا واضح؛ لأنَّ منعَ رواية المشكوك فيه ضروري كما ترى.
стр. 200
الثانية: أنَّه إن شك في حديث من سماعه ثم التبس عليه ذلك الحديثُ المشكوك فيه، فلم يُميزه من غيره، لم يجز له أن يروي عنه شيئًا مع ذلك الشك؛ لأن كل حديث رواه عنه احتملَ أن يكونَ هو ذلك الحديث الذي شك في سماعِه.
الثالثة: إذا غلب على ظنه أنَّه سمع منه حديثًا، ولم يجزم بذلك، فهل تكفي غلبة الظن، فتجوز الرواية بها، أو لا تكفي فلا تجوز بها؟ ولم يرجح واحدًا منهما.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا أنكر الشيخ الحديثَ، وقال: لستُ أذكره، لم يقدح ذلك في الخبر في قول إمامنا، ومالك، والشافعي، وأكثر المتكلمين، ومنع منه الكرخي قياسًا على الشهادة).
خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أنَّ شيخ الراوي إذا أنكر الحديث وقال: لستُ أذكره، فلا يبطلُ ذلك روايته عنه؛ لأنَّه نسي الحديثَ والراوي ذاكر له، فلا وجه لرد ذاكر بنسيان ناسٍ. وهذا القول هو الصحيح.
[وقيل بالمنع، قياسًا على الشهادة] (٢)، وعزاه المؤلفُ للكرخي،
стр. 201
وردَّ المؤلفُ هذا القياس بكثرِة الفوارق بين الرواية والشهادة.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
الذي يظهر صوابُه في هذه المسألة هو ما اختاره غير واحد من الأصوليين والمحدِّثين من التفصيل في ذلك: فإن كان الشيخ جازمًا بنفيه، وأنه ما روى هذا الحديث أصلًا، لم تُقبل روايةُ الراوي عنه، ولا يقدحُ ذلك في رواية ذلك الراوي في غير ذلك الحديث؛ لأنَّه لم يَثبت كذبُه، وإن لم يجزم بنفيه بل قال: لا أعرفه، أو لا أذكره، أو نحو ذلك، لم يقدح فيه.
وقد روى ربيعة بنُ أبي عبد الرحمن عن سهيل بنُ أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ النبيّ ﷺ قضى باليمين مع الشاهد. ثم نسيه سهيل فكان يقول: حدثني ربيعةُ عنِّي أني حدثته. ولم ينكر عليه أحد.
قال العراقي في الفيته:
وإنْ يردَّه بلا أذكر أو ... ما يقتضي نسيانَه فقد رأوا
الحكمَ للذاكر عند المعظم ... وحكي الإسقاطُ عن بعضهم
كقصة الشاهدِ واليمين إذ ... نَسِيَهُ سهيلٌ الذي أُخِذ
عنه فكان بعدُ عن ربيعة ... عن نفسه يرويه لن يضيعه
وذكر صاحب "المراقي" تفصيلًا في جزم الشيخ بعدم رواية الراوي، وعزاه للباجي، وحاصلُه أن الشيخ إذا قال: هذا الحديث من جملة مروياتي إلَّا أن فلانًا هذا لم يروه عني جزمًا، قُبلت روايةُ الراوي
стр. 202
وإنْ كان الشيخُ جازمًا بعدمها، وإن قال الشيخُ: هذا الحديث لم يكن من مروياتي أصلًا، رُدَّتْ روايةُ الراوي عنه. وذلك في قوله عاطفًا على ما تقبلُ فيه الرواية:
والجزمُ من فرع وشك الأصلِ ... ودع بجزمه لذلك النقل
وقال بالقبول إن لم ينتفِ ... أصل من الحديث شيخ مقتفِ
ومرادُه بهذا الشيخ الباجي.
ثم أشار إلى أنَّ جزمَ الأصلِ بتكذيب الفرع لا يقدحُ في عدالةِ الفرعِ بقوله:
وليس ذا يقدح في العدالة ... كشاهد للجزمِ بالمقالة
تنبيه:
ذكر بعضُ أهل العلمِ في هذا المبحث أنَّ السبب الذي منعَ الحنفيةَ من قبول الحكمِ بالشاهد واليمين هو نسيانُ الراوي المذكورِ للحديث، وأنَّ نسيانَه مبطلٌ للروايةِ عندهم.
وقد قدَّمنا في النسخِ أن الموجبَ لردِّ حديث الحكم بالشهادة واليمين عندهم أنَّه زيادة على قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة/ ٢٨٢]، وأنَّ الزيادة على النصِّ نسخ عندهم، والحديث المذكور آحاد، والآيةُ معلومُ أنَّها من المتواتر، والمتواترُ لا يُنسخ عندهم بالآحاد، كما تقدَّم إيضاحُه.
стр. 203
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
انفرادُ الثقةِ في الحديث بزيادةٍ مقبول، سواء كانت لفظًا أو معنى. . .) الخ.
خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أن الثقةَ إذا روى زيادةً في الحديث لم يروها غيرُه، بل انفرد بها، فروايتُه لها مقبولة.
واستدلَّ لذلك بأمرين:
الأول: أن الثقةَ لو انفردَ بحديثٍ لَقُبِلَ، فكذلك الزيادة في حديثٍ.
الثاني: إمكانُ انفراده دون غيره بحفظ الزيادة، لاحتمال أن يكونَ النبيُّ ﷺ ذكر الحديث في مجلسين، وذكر الزيادة في أحدهما دون الآخر، وحضر هذا المجلس الذي ذكر فيه ال زيادة الثقةُ الذي زادها ولم يحضره الآخر الذي روى الحديث بدونها، كما يحتملُ أيضًا أن الراوي الذي لم يرو الزيادة دخل في أثناء المجلس، وقد سمع غيره الزيادة قبل دخوله، أو عَرض له في أثناءِ الحديثِ ما يزعجُه أو يدهشُه عن الإصغاءِ أو يوجبُ له القيامَ عن تمامِ الحديث، وسَمع غيره الزيادة بعد أن عرضَ له هو ما يمنعُه من سماعها، كمَا يحتملُ أنْ يسمعَ جميع الحديث وينسى منه بعضَ الذي زاده الثقةُ الآخر.
стр. 204
فهذه الاحتمالاتُ تبينُ أنَّ انفرادَ الثقة بحفظها دون غيره ممكن، وقد أخبر بها الثقةُ، ولا داعي لردِّ خبر ثقةٍ عن أمرٍ ممكنٍ لم يُعارِضْهُ فيه غيرُه كما ترى.
فإنْ عُلِمَ أنَّهما معًا إنَّا سمعا في مجلسٍ واحد، فقال أَبو الخطاب: يُقدَّمُ قولُ الأكثرين وذوي الضبط، فإنْ تساووا في الحفظ والضبط قدِّمَ قول المثبت.
وإيضاح معنى قول أبي الخطاب المذكور أن السماع إذا كان في مجلس واحد قُدِّمَ قول الأكثرين، سواء كانوا رواة الزيادة أو غيرهم، تغليبًا لجانب الكثرة، لأن الخطأ أبعد عن العدد الكثير من غيره، فإن تساووا في العدد قُدِّمَ أحفظهم وأضبطهم، للترجيح بالحفظ والضبط، فإن استووا في الكثرة والحفظ قُدِّمَ قول المثبت على النافي.
وقال القاضي: إذا تساويا، فى روايتين. أي إحداهما: قبول الزيادة، وهو الصحيح. والأخرى: عدمُ قبولِ الزيادة.
هذا حاصل كلامه ﵀.
واعلم أن التحقيق في هذه المسألة أن فيها تفصيلًا، لأنها واسطة وطرفان:
طرفٌ لا تقبل فيه الزيادة على التحقيق، وهو ما إذا كانت الزيادة مخالفةً لروايةِ الثقاتِ الضابطين، لأنها يحكمُ عليها حينئذ بالشذوذ فتُرَدُّ.
وطرفٌ تقبلُ فيه الزيادة بلا خلاف، وهو ما إذا تفرَّدَ ثقة بجملةِ
стр. 205
حديثِ لا تعرض فيه لما رواه بمخالفة أصلًا، ومِمَّن حكى الإجماع على قبول هذا الطرفِ الخطيبُ.
وواسطةٌ هي محلُّ الخلاف، وهو زيادةُ لفظة في حديث لم يذكرها غيرُ مَنْ زادَ من رواة ذلك الحديث، كحديثِ حذيفة "وجُعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا"؛ انفرد أَبو مالك سعد بن طارق الأشجعي فقال: "وجعلت تربتها لنا طهورًا" وسائر الرواةِ لم يذكروا ذلك.
والصحيحُ قبولُ مثل هذه الزيادة، كما قرر المؤلف رحمه اللَّه تعالى، وعليه جمهورُ الأصوليين.
ومن أمثلة هذا الباب: حديثُ ابن مسعود الثابتُ في الصحيحين قال: سألتُ رسول اللَّه ﷺ "أيُّ العملِ أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها"، اتفق أصحاب شعبة عنه على هذا اللفظ، وزاد عليُّ بن حفص وهو شيخ صدوق من رجال مسلم فقال: "الصلاةُ في أولِ وقتها" كما أخرجها الحاكم والدارقطني والبيهقي من طريقه.
وكذلك روى الزيادة المذكورةَ الحسن بن علي المعمري في "اليوم والليلة" عن أبي موسى محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة كذلك.
قال ابنُ حجر في "الفتح": وكذلك روى الزيادة المذكورةَ عثمانُ بن عمرَ عن مالك بن مِغْوَل عن شيخِ شعبةَ في الحديث المذكورِ، وهو الوليد بن العَيْزار، عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود، أخرجه ابنُ خزيمةَ في صحيحه والحاكم وغيرهما، قاله ابنُ حجر -أيضًا-.
стр. 206
فالظاهرُ ثبوتُ هذه الزيادة وإن لم تكن في جميع طرقها.
وقال النووي في "شرح المهذب": إنَّها ضعيفة.
ومن أمثلته -أيضًا- حديث الصحيحين عن أَنس: "أُمِرَ بلال أن يشفعَ الأذان، ويوتر الإقامة".
زاد سماك بنُ عطية "إلَّا الإقامة"، وزيادتُه لها عن أيوب عن أبي قلابةَ عن أَنس ثابتةٌ في صحيح البخاري وغيره.
ومن أمثلة ما قدَّمنا في هذا الباب من أن راوي الحديث بدون الزيادة قد يدخل في أثناء الحديث فتفوته الزيادة: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عقبة بنُ عامر ﵁ قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروَّحتها بعشيٍّ، فأدركت رسول اللَّه ﷺ قائمًا يحدِّث الناس فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلًا عليها بقلبه ووجهه إلَّا وجبت له الجنَّةَ"، فقلتُ: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر، قال: إني قد رأيتُك جئت آنفًا، قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا عبد اللَّه ورسوله، إلَّا فتحت له أَبواب الجنَّةَ الثمانية يدخل من أيها شاء".
هذا لفظ مسلم في صحيحه.
ومثال ما قدَّمنا من أن راوي الحديث بدون الزيادة قد يعرض له في أثناء الحديث ما يزعجه عن سماع الزيادة التي رواها غيره: ما ثبت في
стр. 207
الصحيح من حديث عمران بن حصين ﵄ قال: دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم، فقال: "اقبلوا البشرى يا بني تميم"، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، مرتين، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم". قالوا: قد قبلنا يا رسول اللَّه ﷺ ، قالوا: جئنا نسألك عن هذا الأمر؟ قال: "كان اللَّه ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض". فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت، فإذا هي يقطع دونها السراب، فواللَّه لوددت أني تركتها. هذا لفظ البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق.
تنبيه:
التحقيق أن الرفع والوصل نوعٌ من الزيادة ، فلو روى بعض الرواة حديثًا موقوفًا، ورواه ثقة آخر مرفوعًا، أو رواه بعض الرواة مرسلًا، ورواه ثقة آخر موصولًا، فذلك الرفع وذلك الوصل يُقبل؛ لأَنَّه من زيادة الثقات، وهي مقبولة، ولا تكون الطَّرِيقِ الموقوفة أو المرسلة علة في الطَّرِيقِ المرفوعة أو الموصولة، خلافًا لمن زعم ذلك.
وللأصوليين أقوال كثيرة في زيادات العدول، منها: عدم القبول مطلقًا، ومنها عدمُ القبول إن علم اتحاد المجلس، ومنها: التعارض إذا غيَّرت الزيادة الإعرابَ، إلى غير ذلك من الأقوال.
وأشار إلى بعضها في "المراقي" بقوله:
стр. 208
والرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند إمام الحفظ
إن أمكن الذهول عنها عادة ... إلَّا فلا قبول للزيادة
وقيل لا إن اتحاد قد علم ... والوفق في غير الذي مر رسم
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
وتجوزُ رواية الحديث بالمعنى للعالم المفرِّق بين المحتمل وغير المحتمل، والظاهر والأظهر، والعام والأعم، عند الجمهور، فيُبدلُ لفظًا مكان لفظ فيما لا تختلف الناس فيه، كالألفاظ المترادفة، مثل القعود والجلوس، والصبِّ والإراقة، والحظر والتحريم. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره ﵀ في هذا الفصل: أنَّ نقل الحديث بالمعنى جائز عند الجمهور بشروط، وأنَّ بعض أصحاب الحديث قال بمنعه مطلقًا، وأنَّه لابدَّ من أداء الحديث بنفس اللفظ لا بمعناه.
وشروط جوازه عند من أجازه:
الأول منها: أن يكون ناقلُ الحديث بالمعنى عالمًا باللسان العربي، لا تخفى عليه النكت الدقيقة التي يحصل بها الفرق الخفيُّ بين معاني الألفاظ، عارفًا بالمحتمل وغيره، والظاهر والأظهر، والعام والأعم، ونحو ذلك؛ لأنَّ من ليس كذلك قد يبدل اللفظ بلفظ يساويه
стр. 209
في ظنه وبينهما تفاوت في المعنى خافٍ عليه، فيأتي الخلل في حديثه من ذلك.
الثاني: أن يكون جازمًا يقينًا بمعنى الحديث، لا أن يكون فهمُه للمعنى بنوع استنباط واستدلال يختلف فيه، أو بظنٍّ عدم وضوح الدلالة، خلافًا لمن زعم الاكتفاء بالظن الغالب.
الثالث: أن لا يكون اللفظ الذي نقل به الراوي معنى الحديث أخفى من لفظ النبي ﷺ ولا أظهر، أما منع نقله بما هو أخفى منه فواضح، وأمَّا منعه بما هو أظهر منه فقد علَّله المؤلف بأنَّ الشارع ربما قصد إيصال الحكم باللفظ الجلي تارة وبالخفي أخرى. والمعروف عند أهل الأصول تعليلُه بأن الظهور من المرجحات عند التعارض، فقد يتعارضُ مع الحديث الذي رواه الراوي بأظهر من معناه حديثٌ آخر فيرجحه المجتهد عليه بالظهور ظانًّا أن اللفظ للنبي ﷺ والواقع أنَّ موجب الترجيح من تصرف الراوي لا من النبي ﷺ . وهذه العلة ظاهرةٌ كما ترى.
وحجج جواز نقله بالمعنى المذكورة في هذا الفصل:
منها: الإجماع على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدالُ كلمة عربية بكلمة عجمية فإبدالها بكلمة عربية أولى.
ومنها: أن سفراء النبي ﷺ كانوا يبلغونهم أوامره بلغتهم.
ومنها: أن الخطب المتحدة والوقائع المتحدة رواها الصحابة بألفاظ مختلفة والمعنى واحد.
стр. 210
ومنها: أنَّ من سمع شاهدًا يشهد بالعجمية جاز أنْ يشهد على شهادته بالعربية، والشهادة آكد من الرواية.
ومنها: أن الرواية بالمعنى عن غيره ﷺ جائزة، فكذلك الرواية عنه، بجامع حرمة الكذب فيهما معًا.
وحجة من قال بالمنع في هذا الفصل حديثُ: "نضَّر اللَّه امرءًا سمع مقالتي فأداها كما سمعها" الحديث.
هذا هو خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
التحقيقُ في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الجمهور من جواز نقل الحديث بالمعنى بالشروط المتقدمة، لأَنَّه غير متعبد بلفظه، والمقصود منه المعنى، فإذا أدَّى المعنى على حقيقته كفى ذلك دون اللفظ، ومن أتى بالمعنى بتمامه فقد أدَّاه كما سمعه، فيدخل في قوله: "فأدَّاها كما سمعها"، ويدلُّ لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى/ ١٨، ١٩]، والذي في تلك إنَّما هو معنى ما ذكر، لا لفظه. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن.
فإنْ قيل: ما الجوال عن حديث البراء بن عازب المشهور الصحيح، ومحلُّ الشاهد منهْ أن البراء سمع من النبي ﷺ ذلك الحديث ومن جملته: "آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت"، فقال البراء: "ورسولك الذي أرسلت" فأبدل لفظ النبي بلفظ الرسول فقال له ﷺ : "قل آمنت بنبيك الذى أرسلت".
стр. 211
فأنكر عليه إبدال لفظ النبي بلفظ الرسول، وهذا يدلُّ على منع نقل الحديث بالمعنى.
قلنا: قد أُجيب عن هذا بأجوبة متعددة، والذي يظهر لي -واللَّه تعالى أعلم- أن وجه إنكار النبي ﷺ على البراء إبدال النبي بالرسول أن لفظ الرسول لا يقوم مقام لفظ النبي في الحديث المذكور لتفاوت معنى الكلمتين، فإنَّك لو قلت "ورسولك الذي أرسلت" كان قولك "الذي أرسلت" لا حاجة له مع قولك "ورسولك" فهو تكرار ظاهر، وتأكيد لا حاجة إليه، بخلاف لفظ النبي، فإن النبي قد يكون غير مرسل، فصرَّح بأنه مرسل، فيكون قولُه "الذي أرسلت" تأسيسًا لا تأكيدًا، ومعلوم أن التأكيد لا يساوي التأسيس.
وقد تقرَّر في الأصول أنَّه إنْ دار اللفظ بين التأكيد والتأسيس فحملُه على التأسيس أرجح إلَّا لدليل، كما أوضحناه في كتابنا "أضواء البيان" في سورة النحل في الكلام على قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل/ ٩٧].
تنبيهات:
الأول: حكى قوم الإجماع على جواز نقل الحديث بالمعنى في التَّرجمة ، أعني إبدال اللفظ العربي بلفظ أعجمي لإفهام أهل ذلك اللسان الأعجمي، وحكى قوم الإجماع -أيضًا- على إبدال لفظ بمرادفه، وأدخل ذلك في الخلاف قوم آخرون.
والفرقُ بين إبدال اللفظ بمرادفه وبين مسألة نقل الحديث بالمعنى،
стр. 212
أن إبدال اللفظ بمرادفه لابدَّ فيه من بقاء التركيب الأول على حالته من غير تقديم ولا تأخير، ولا إبدال فعل باسم -مثلًا- ولا عكسه، فلو فرضنا مثلًا أن لفظ النبي ﷺ في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد "أريقُوا على بوله سجلًا من ماء" فقال الراوي: أريقوا على بوله دلوًا ملأى، أو ذنوبًا من ماء، فهذا من إبدال لفظ بمرادفه، لأنَّه لم يغير فيه شيئًا من تركيب الكلام، وإنَّما أبدل السَّجْل بمرادفه، وهو الذَّنوب أو الدلو المليء، ولو قال -مثلًا-: أمر النبي ﷺ بصب دلوٍ ملأى من الماء على بول الأعرابي، فهذا من النقل بالمعنى، لأنه غيَّره من تركيب إلى تركيب آخر يساويه في المعنى.
وببيان الفرق بين المسألتين يظهر أن المؤلف أدخل إحداهما في الأخرى في قوله: (فيبدل لفظًا مكان لفظٍ).
التنبيه الثاني: اعلم أنَّ الخلاف في جواز نقل الحديث بالمعنى إنَّما هو في غير المتعبد بلفظه، أمَّا ما تُعبد بلفظه كالأذان والإقامة والتشهد والتكبير في الصلاة، ونحو ذلك، فلا يجوز نقله بالمعنى لأنَّه متعبد لفظه.
وقال بعض أهل العلم: وكذلك جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ ، فلا يجوزُ نقلُها بالمعنى إذْ لا يقدر غيره على الإتيان بمثلها.
قال: ومثال ذلك قوله: "الخراجُ بالضمان"، "البينةُ على المدَّعي"، "العجماء جُبار"، "لا ضرر ولا ضرار"، "الآن حمي الوطيس"، ونحو ذلك.
стр. 213
التنبيه الثالث: اختلف أهلُ العلم في الاحتجاج بألفاظ الحديث على مسائل اللغة العربية، فقال قوم: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ الغالب الرواية بالمعنى دون اللفظ، وكثير من الرواة الذين يروون بالمعنى لا يحتجُّ بهم في اللغة؛ لأنَّ أصلهم عجم أو عرب لا يحتجُّ بقولهم.
واستدلُّوا لهذا بكثرة اختلاف ألفاظ الرواة في الواقعة الواحدة، إذْ ليس كل تلك الألفاظ المختلفة من لفظ النبي ﷺ .
وممن قال بهذا القول الدَّمامينيُّ زاعمًا أن علماء عصره، كالبلقيني، وابن خلدون، وغيرهم، وافقوه في ذلك، كما ذكره العبَّادي في "الآيات البينات" عن شهاب الدين عميرة.
وذهب آخرون إلى جواز الاحتجاج بألفاظ الحديث على اللغة العربية بناءً على أن الأصل والغالب الروايةُ باللفظ.
قالوا: ولا حجة على خلاف ذلك باختلاف الألفاظ في الواقعة الواحدة؛ لجواز كونه ﷺ حدث عن واقعة واحدةٍ في أوقات مختلفة بألفاظ مختلفة، فروى كلُّ راوٍ كما سمع.
وممَّن اشتهر بالاستدلال بلفظ الحديث على اللغة ابن مالك ﵀.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
الذي يظهر لي في هذه المسألة -واللَّه أعلم- هو التفصيل فيها، فما غلب على الظن أنَّه من لفظ النبي ﷺ ، كبعض الأحاديث التي اتفق فيها جميع الرواة أو معظمهم على لفظ واحد، فإنَّه حجة في اللغة، وما
стр. 214
غلب على الظن أنَّه من لفظ الراوي بالمعنى، لا يحتج بقوله في العربية، فلا يحتج بلفظه، والعلم عند اللَّه تعالى.
وأشار صاحبُ "المراقي" إلى ما في هذه المسألة من الأقوال بقوله:
والنقلُ للحديث بالمعنى مُنع ... ومالك عنه الجواز قد سُمع
لعارف يفهمُ معناه جزم ... وغالبُ الظنِّ لدى البعض انحتم
والاستواء في الخفاء والجلا ... لدى المجوِّزين حتمًا حصلا
وبعضُهم منع في القصارِ ... دون التي تطول لاضطرار
وبالمرادفِ يجوزُ قطعًا ... وبعضُهم يحكون فيه المنعا
وجوزت وفقًا بلفظ عجمي ... ونحوه الإبدال للمترجمِ
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
مراسيلُ أصحاب النبي ﷺ مقبولة عند الجمهور، وشذَّ قومٌ فقالوا: لا يُقبل مرسل الصحابي إلَّا إذا عرف بصريح خبره أو عادته أنَّه لا يروي إلَّا عن صحابي، وإلَّا فلا، لأنه قد يروي عمن لم تثبت لنا صحبتُه. . .) الخ.
стр. 215
حاصل ما ذكره في هذا الفصل أن مراسيل الصحابة لها حكم الوصل، لأنَّ الصحابي لا يروي -غالبًا- إلَّا عن صحابي، ولأن الأمة اتفقت على قبول رواية ابن عبَّاس ونظرائه من صغار الصحابة، مع إكثارهم من الحديث عنه ﷺ ، وكثير من روايتهم عنه مراسيل.
وشذَّ قوم فخالفوا في ذلك، إلَّا إذا عرف عن الصحابي أنَّه لا يروي غالبًا إلَّا عن صحابي.
هذا خلاصة ما ذكره في هذا الفصل.
وقبول مرسل الصحابي هو الصواب.
والذي يظهر لي أن الصحابي لو علم أن أكثر روايته عن التابعين كان مرسله كمرسل غيره، واللَّه تعالى أعلم.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
فأمَّا مرسلُ غير الصحابة، وهو أن يقول: قال النبيُّ ﷺ من لم يعاصره، أو يقول: قال أَبو هريرة ولم يدركه، ففيها روايتان:
إحداهما: تقبل، اختارها القاضي، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وجماعة من المتكلمين.
والأخرى: لا تقبل، وهو قولُ الشافعي، وبعضِ أهل الحديث،