فأنكر عليه إبدال لفظ النبي بلفظ الرسول، وهذا يدلُّ على منع نقل الحديث بالمعنى.
قلنا: قد أُجيب عن هذا بأجوبة متعددة، والذي يظهر لي -واللَّه تعالى أعلم- أن وجه إنكار النبي ﷺ على البراء إبدال النبي بالرسول أن لفظ الرسول لا يقوم مقام لفظ النبي في الحديث المذكور لتفاوت معنى الكلمتين، فإنَّك لو قلت "ورسولك الذي أرسلت" كان قولك "الذي أرسلت" لا حاجة له مع قولك "ورسولك" فهو تكرار ظاهر، وتأكيد لا حاجة إليه، بخلاف لفظ النبي، فإن النبي قد يكون غير مرسل، فصرَّح بأنه مرسل، فيكون قولُه "الذي أرسلت" تأسيسًا لا تأكيدًا، ومعلوم أن التأكيد لا يساوي التأسيس.
وقد تقرَّر في الأصول أنَّه إنْ دار اللفظ بين التأكيد والتأسيس فحملُه على التأسيس أرجح إلَّا لدليل، كما أوضحناه في كتابنا "أضواء البيان" في سورة النحل في الكلام على قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل/ ٩٧].
تنبيهات:
الأول: حكى قوم الإجماع على جواز نقل الحديث بالمعنى في التَّرجمة ، أعني إبدال اللفظ العربي بلفظ أعجمي لإفهام أهل ذلك اللسان الأعجمي، وحكى قوم الإجماع -أيضًا- على إبدال لفظ بمرادفه، وأدخل ذلك في الخلاف قوم آخرون.
والفرقُ بين إبدال اللفظ بمرادفه وبين مسألة نقل الحديث بالمعنى،
стр. 212
أن إبدال اللفظ بمرادفه لابدَّ فيه من بقاء التركيب الأول على حالته من غير تقديم ولا تأخير، ولا إبدال فعل باسم -مثلًا- ولا عكسه، فلو فرضنا مثلًا أن لفظ النبي ﷺ في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد "أريقُوا على بوله سجلًا من ماء" فقال الراوي: أريقوا على بوله دلوًا ملأى، أو ذنوبًا من ماء، فهذا من إبدال لفظ بمرادفه، لأنَّه لم يغير فيه شيئًا من تركيب الكلام، وإنَّما أبدل السَّجْل بمرادفه، وهو الذَّنوب أو الدلو المليء، ولو قال -مثلًا-: أمر النبي ﷺ بصب دلوٍ ملأى من الماء على بول الأعرابي، فهذا من النقل بالمعنى، لأنه غيَّره من تركيب إلى تركيب آخر يساويه في المعنى.
وببيان الفرق بين المسألتين يظهر أن المؤلف أدخل إحداهما في الأخرى في قوله: (فيبدل لفظًا مكان لفظٍ).
التنبيه الثاني: اعلم أنَّ الخلاف في جواز نقل الحديث بالمعنى إنَّما هو في غير المتعبد بلفظه، أمَّا ما تُعبد بلفظه كالأذان والإقامة والتشهد والتكبير في الصلاة، ونحو ذلك، فلا يجوز نقله بالمعنى لأنَّه متعبد لفظه.
وقال بعض أهل العلم: وكذلك جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ ، فلا يجوزُ نقلُها بالمعنى إذْ لا يقدر غيره على الإتيان بمثلها.
قال: ومثال ذلك قوله: "الخراجُ بالضمان"، "البينةُ على المدَّعي"، "العجماء جُبار"، "لا ضرر ولا ضرار"، "الآن حمي الوطيس"، ونحو ذلك.
стр. 213
التنبيه الثالث: اختلف أهلُ العلم في الاحتجاج بألفاظ الحديث على مسائل اللغة العربية، فقال قوم: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ الغالب الرواية بالمعنى دون اللفظ، وكثير من الرواة الذين يروون بالمعنى لا يحتجُّ بهم في اللغة؛ لأنَّ أصلهم عجم أو عرب لا يحتجُّ بقولهم.
واستدلُّوا لهذا بكثرة اختلاف ألفاظ الرواة في الواقعة الواحدة، إذْ ليس كل تلك الألفاظ المختلفة من لفظ النبي ﷺ .
وممن قال بهذا القول الدَّمامينيُّ زاعمًا أن علماء عصره، كالبلقيني، وابن خلدون، وغيرهم، وافقوه في ذلك، كما ذكره العبَّادي في "الآيات البينات" عن شهاب الدين عميرة.
وذهب آخرون إلى جواز الاحتجاج بألفاظ الحديث على اللغة العربية بناءً على أن الأصل والغالب الروايةُ باللفظ.
قالوا: ولا حجة على خلاف ذلك باختلاف الألفاظ في الواقعة الواحدة؛ لجواز كونه ﷺ حدث عن واقعة واحدةٍ في أوقات مختلفة بألفاظ مختلفة، فروى كلُّ راوٍ كما سمع.
وممَّن اشتهر بالاستدلال بلفظ الحديث على اللغة ابن مالك ﵀.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
الذي يظهر لي في هذه المسألة -واللَّه أعلم- هو التفصيل فيها، فما غلب على الظن أنَّه من لفظ النبي ﷺ ، كبعض الأحاديث التي اتفق فيها جميع الرواة أو معظمهم على لفظ واحد، فإنَّه حجة في اللغة، وما
стр. 214
غلب على الظن أنَّه من لفظ الراوي بالمعنى، لا يحتج بقوله في العربية، فلا يحتج بلفظه، والعلم عند اللَّه تعالى.
وأشار صاحبُ "المراقي" إلى ما في هذه المسألة من الأقوال بقوله:
والنقلُ للحديث بالمعنى مُنع ... ومالك عنه الجواز قد سُمع
لعارف يفهمُ معناه جزم ... وغالبُ الظنِّ لدى البعض انحتم
والاستواء في الخفاء والجلا ... لدى المجوِّزين حتمًا حصلا
وبعضُهم منع في القصارِ ... دون التي تطول لاضطرار
وبالمرادفِ يجوزُ قطعًا ... وبعضُهم يحكون فيه المنعا
وجوزت وفقًا بلفظ عجمي ... ونحوه الإبدال للمترجمِ
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
مراسيلُ أصحاب النبي ﷺ مقبولة عند الجمهور، وشذَّ قومٌ فقالوا: لا يُقبل مرسل الصحابي إلَّا إذا عرف بصريح خبره أو عادته أنَّه لا يروي إلَّا عن صحابي، وإلَّا فلا، لأنه قد يروي عمن لم تثبت لنا صحبتُه. . .) الخ.
стр. 215
حاصل ما ذكره في هذا الفصل أن مراسيل الصحابة لها حكم الوصل، لأنَّ الصحابي لا يروي -غالبًا- إلَّا عن صحابي، ولأن الأمة اتفقت على قبول رواية ابن عبَّاس ونظرائه من صغار الصحابة، مع إكثارهم من الحديث عنه ﷺ ، وكثير من روايتهم عنه مراسيل.
وشذَّ قوم فخالفوا في ذلك، إلَّا إذا عرف عن الصحابي أنَّه لا يروي غالبًا إلَّا عن صحابي.
هذا خلاصة ما ذكره في هذا الفصل.
وقبول مرسل الصحابي هو الصواب.
والذي يظهر لي أن الصحابي لو علم أن أكثر روايته عن التابعين كان مرسله كمرسل غيره، واللَّه تعالى أعلم.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
فأمَّا مرسلُ غير الصحابة، وهو أن يقول: قال النبيُّ ﷺ من لم يعاصره، أو يقول: قال أَبو هريرة ولم يدركه، ففيها روايتان:
إحداهما: تقبل، اختارها القاضي، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وجماعة من المتكلمين.
والأخرى: لا تقبل، وهو قولُ الشافعي، وبعضِ أهل الحديث،
стр. 216
وأهل الظاهر. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن في قبول الحديث المرسل روايتين عن الإمام أحمد، وأن مذهب مالك وأبي حنيفة ومَنْ ذكر معهم قبوله، ومذهب الشافعي ومن ذكر معه عدم قبوله.
وحجة من قال بقبوله هي: أنَّ العدل لا يحذفُ الواسطة مع الجزم بالخبر إلَّا وهو عالم أنَّ الواسطة التي حذف ثقة، فحذفُه لها مع الجزم بالخبر بمثابة قوله: أخبرني فلان وهو ثقة؛ لأنَّ إخباره عنه ﷺ بالجزم مع عدم عدالة الناقل الذي لم يذكره ينافي عدالته، لما في ذلك من إحلال الحرام وتحريم الحلال، وإلزام الناس بالعبادات بأمر مشكوك فيه.
وحجة من قال بعدم قبوله: أنَّ الواسطة المحذوفة في المرسل لا تعرفُ عينُها، ومن لا تعرف عينه لم تعرف عدالتُه، وروايةُ مجهول العدالة مردودة كما تقدَّم، ولأنَّ شهادة الفرع لا تقبل على شهادة الأصل، فكذلك الرواية، وافتراق الشهادة والرواية في بعض الأحكام -كما تقدم- لا يستلزمُ افتراقهما في هذا المعنى، كما أنهما لا فرق بينهما في عدم قبول رواية المجروح والمجهول.
هذا هو خلاصة ما ذكره في هذا المبحث، وما أشار إليه هنا من الفوارق بين الشهادة والرواية تقدمت الإشارةُ إلى ما فيه كفاية منه.
تنبيهات:
الأول: اعلم أنَّ المرسل في اصطلاح أهل الأصول غيرُ المرسل
стр. 217
في الاصطلاح المشهور عند المحدثين.
فضابط المرسل في الاصطلاح الأصولي: هو ما عُرف أنَّه سقطت من سنده طبقة من طبقات السند، كما مثَّل له المؤلف في هذا الفصل.
فالمرسل في اصطلاح أهل الأصول يشملُ أنواع الانقطاع، فيدخلُ فيه المنقطع والمعضل، فمن قال من أهل الأصول بقبول المرسل، فإنه يقبلُ المنقطع والمعضل، كما بينَّا.
والمرسل في الاصطلاح المشهور عند المحدثين: هو قولُ التابعي مطلقًا، أو التابعي الكبير خاصة: قال رسول اللَّه ﷺ .
وبعض أهل الحديث يُطلقُ الإرسال على كل انقطاع، كاصطلاح أهل الأصول.
التنبيه الثاني: اعلم أن من يحتجُّ بالمرسل يحتج بعنعة المدلسين من باب أولى، كما نبَّه عليه غير واحد.
التنبيه الثالث: اعلم أن في المرسل لعلماء الأصول ثلاثة مذاهب:
الأول: أنَّه مردود؛ للجهل بالساقط فيه، وعلى هذا جماهيرُ أهل الحديث.
الثاني: أنَّه مقبول كما تقدَّم، وهو المشهور عن مالك وأبي حنيفة وأحمد، ولكنه يقدَّم عليه عند التعارض المسندُ؛ لأنَّه أرجح منه.
الثالث: قولُ جماعةٍ: إنَّ المرسل يرجخ على المسند عند التعارض؛ لأنَّ الراوي ما حذف الواسطة في المرسل إلَّا لأنَّه جازم
стр. 218
بعدالتها، بخلاف المسند، فقد يحيل فيه الناظر على تعديل الراوي.
ولا يخفى عدم اتجاه هذا القول لأنَّ من كانت عدالتُه معروفة لا شك أنَّه أولى ممن لم تعرف عدالته ولا عينه إلَّا بحسن الظن بمن روى عنه أنَّه عالم بأنه عدلٌ وإلَّا لما جزم بالخبر.
التنبيه الرابع: اعلم أن قول المؤلف "فأمَّا مراسيل الصحابة" فيه بحث عربي وهو أن يقال: الياءُ في المراسيل من أين جاءت، والمفردُ مرسل، فالقياس مراسل، كمساجد، لعدم موجب للياء؟
وأظهر ما يقالُ في ذلك -عندي- أن إشباع الكسرة في بعض الكلمات أسلوب عربيُّ معروف، ومنه قولُ كعب بن زهير:
أمست سعادُ بأرض لا يبلغُها ... إلَّا العتاق النجيبات المراسيل
وقول الآخر، وهو من أبيات كتاب سيبويه:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
فالدراهيم بالياء جمع درهم، وأمَّا على زعم من قال: إنَّها جمعُ درهام لغةٌ في درهم، فلا شاهد في البيت.
وأشار في المراقي إلى تعريف المرسل ومذاهب العلماء فيه بقوله:
ومرسل قولةُ غير من صحب: ... قال إمامُ الأعجمين والعرب
عند المحدثين قول التابعي ... أو الكبير قال خير شافع
стр. 219
وهو حجة ولكن رجحا ... عليه مسند وعكس صححا
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ويُقبل خبرُ الواحد فيما تعمُّ به البلوى، كرفع اليدين في الصلاة، ومسِّ الذكر، ونحوه، في قول الجمهور.
وقال أكثر الحنفية: لا يقبل، لأنَّ ما تعمُّ به البلوى، كخروج النجاسة من السبيلين، يوجد كثيرًا، وتنتقض به الطهارة، ولا يحلُّ للنبي ﷺ ألا يشيع حكمه، إذْ يؤدي إلى إخفاء الشريعة وإبطال صلاة الخلق، فتجبُ الإشاعة فيه، ثم تتوفر الدواير إلى نقله، وكيف يخفى حكمه وتقف روايته على الواحد. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أنَّ مذهب الجمهور هو قبول أخبار الآحاد فيما تعمُّ به البلوى، أي فيما يعمُّ التكليف به، وأن أكثر الحنفية خالف في ذلك قائلًا: إنَّ ما تعمُّ به البلوى تتوفر الدواعي إلى نقله، فلا يقبل إلَّا متواترًا، وأن الحق قبوله، بدليل أنّ الصحابة ﵃ كانوا يقبلون خبر الواحد فيما تعمُّ به البلوى، كقبولهم خبر عائشة في وجوب الغسل من الجماع بدون إنزال، وخبر رافع بن خديج في المخابرة، ولأنَّ الراوي عدل جازم بالرواية، وصدقُه ممكن، فلا يجوز تكذيبه مع إمكان صدقه، وأنَّ ما تعمُّ به البلوى يثبت بالقياس، والخبر
стр. 220
أوْلى من القياس؛ لأنَّه أصل له، ومقدَّم عليه.
وما ذكره الحنفية في توجيه عدم قبوله يَبْطُلُ بالوتر، والقهقهة، وخروج النجاسة من غير السبيل، وتثنية الإقامة، فإنَّ كلَّ ذلك ممَّا تعمُّ به البلوى، وقد أثبتوه بخبر الواحد.
هذا خلاصة ما ذكره ﵀ في هذا الفصل.
والمخابرة: المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، مشتقة من الخَبار كسحاب، وهي الأرض الرخوة ذات الحجارة، أو الخبراء وهي القاع ينبت السدر.
وحديث رافع المذكور فيه النهي عن بعض أنواع المزارعة، كأن يشترط رب الأرض أن له ما نبت في بقعة معينة من الأرض، كالبقعة التي تلي مجرى السيل، لأنَّه قد ينبت الزرع فيها دون غيرها، كالعكس، وغير ذلك مما هو مذكور في حديثه، كاشتراط القصارة، وما يسقي الربيع، ونحو ذلك، والقصارة: ما بقي في السنبل من الحب بعد ما يداس.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
التحقيق هو قبولُ أخبار الآحاد فيما تعمُّ به البلوى، ولم يزل الصحابة ﵃ ومن بعدهم يقبلون أخبار الآحاد فيما يعمُّ التكليف به كالصلاة والطهارة والصوم وغير ذلك، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قد يبلغ الشاهد ويأمره بتبليغ الغائب.
стр. 221
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ويقبلُ خبر الواحد في الحدود وما يسقط بالشبهات، وحكي عن الكرخي أنَّه لا يقبل؛ لأنه مظنون، فيكون ذلك شبهة، فلا يقبل، لقوله ﵊: "ادرءوا الحدود بالشبهات. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل: أن خبر الواحد يقبل فيما يسقط بالشبهة كالحدود، وأن الكرخي خالف في ذلك، زاعمًا أن خبر الواحد
إنَّما يفيد الظن، وعدمُ إفادته القطع شبهةٌ فيدرأ بها الحدُّ، للحديث المذكور.
وهذا باطل؛ لما قدَّمنا من أن أخبار الآحاد من جهة العمل بها قطعية، فتثبت بها الحدود كسائر الأحكام، ولأن الحدود تثبت بشهادة العدول، وهي أخبار آحاد، والمشهور جواز القياس في الحدود، كما عقده في المراقي بقوله:
والحدُّ والكفَّارة التقديرُ ... جوازُه فيها هو المشهور
والضمير في "جوازه" راجع إلى القياس، وإذا جاز فيها القياس فخبرُ الواحد أولى منه كما تقدم.
وحديث: "ادرءوا الحدود بالشبهات" الذي استدلَّ به المؤلف، كل طرقه ضعيفة، والمعروف أنَّه من قول عمر بمعناه لا بلفظه.
стр. 222
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ويُقبل خبر الواحد فيما يخالفُ القياس، وحكى عن مالك أنَّ القياس يقدم عليه، وقال أَبو حنيفة: إذا خالف الأصول أو معنى الأصول لم يُحْتَجَّ به. . .) الخ.
خلاصة مما ذكره في هذا الفصل: أنَّ خبر الواحد يقبل فيما يخالفُ القياس، وأنَّ مالكًا حكي عنه تقديم القياس على خبر الآحاد، وأن أبا حنيفة لا يقبل خبر الواحد إذا خالف الأصول أو معنى الأصول.
واستدل المؤلف لقبوله بحديث معاذ، فإنه قدَّم الكتاب والسنة على الاجتهاد وصوَّبه النبيُّ ﷺ .
وبأنَّ الصحابة كانوا لا يستعملون القياس إلَّا عند عدم النص. ومن ذلك: رجوع عمر إلى حديث حمل بن مالك بن النابغة في غُرَّة الجنين. وكان يفاضل بين ديات الأصابع، ويقسمها على منافعها، فرجع عن ذلك لحديث: "في كل اصبع عشر من الإبل" وهو آحاد.
ولأنَّ الحديث من كلام المعصوم، والقياس استنباط، وكلام المعصوم أولى من الاستنباط لأنه أبلغ منه.
واحتج المؤلف على أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ بأنَّهم أوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر، وأبطلوا الوضوء
стр. 223
بالقهقهة داخل الصلاة دون خارجها، وحكموا في القسامة بخلاف القياس، وهو مخالف للأصول.
هذا هو خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل.
وقوله في هذا الفصل: (وحُكي عن مالك أنَّ القياس يقدَّم عليه)، هذا الذي ذكر عن مالك بصيغة "حكي" هو المقررُ في أصولِ الفقه المالكي، وعقده في "المراقي" بقوله في أول كتاب القياس:
والحامل المطلق والمقيد ... وهو قبل ما رواه الواحد
يعني أن القياس مقدَّم عند مالك على خبر الواحد، لكنَّ فروعَ مذهبه تقتضي خلاف هذا، وأنَّه يقدم خبر الواحد على القياس، كتقديمه خبر صاع التمر في المصراة على القياس الذي هو ردُّ مثل اللبن المحلوب من المصراة؛ لأنَّ القياس ضمان المثلي بمثله، وهذا هو الذي يدلُّ عليه استقراء مذهبه، مع أنَّ المقرر في أصوله أيضًا: أن كل قياس خالف نصًّا من كتاب أو سنة، فهو باطل بالقادح المسمى في اصطلاح أهل الأصول: فساد الاعتبار.
وعقده في "المراقي" بقوله في القوادح:
والخُلْفُ للنص أو اجماع دعا ... فسادَ الاعتبارِ كلُّ من وعى
وهذا القول هو الحقُّ الذي لا شك فيه؛ لأنَّ القياس لا يجوز مع وجود النص من النبي ﷺ .
стр. 224
قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:
قدَّم مالك وغيره من العلماء الخبر على نوع القياس المسمى عند الشافعي بالقياس في معنى الأصل، وهو المعروف بتنقيح المناط، وهو مفهوم الموافقة، في صورة لا يكاد العقل السليم يستسيغ فيها تقديم الخبر على القياس المذكور، وقد بينَّا في كتابنا "أضواء البيان" في سورة بني إسرائيل أن ذلك لا يمكن فيما يظهر لنا، كما أنكره ربيعة بن أبي عبد الرحمن.
وذلك هو ما رواه مالك في "الموطأ" والبيهقي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنَّه قال لسعيد بن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل. قلتُ. فكم في أصبعين؟ قال: عشرون من الإبل. قلتُ: فكم في ثلاثة أصابع؟ قال: ثلاثون من الإبل. قلتُ: فكم في أربعة أصابع؟ قال: عشرون من الإبل. قلتُ: حين عَظُمَ جرحُها واشتدت مصيبتُها نقص عَقْلُها، قال سعيد: أعراقي أنت؟ ! قلتُ: بل عالم متثبِّتٌ أو جاهل متعلم. قال: هي السنَّة يا ابن أخي.
فكونُ عقل ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثين من الإبل، وعقل أربعة أصابع من أصابعها عشرين من الإبل، ينافي ما علم من حكمة الشرع الكريم، ووضعه الأمور في مواضعها، وإيقاعها في مواقعها، كما بيناه في كتابنا المذكور، وتكلمنا على سند الحديث المقتضي لذلك، وعلى المراد بالسنَّة في قول سعيد بن المسيب: هي السنة يا ابن أخي.
وبالجملة؛ فلزوم ثلاثين من الإبل في ثلاثة أصابع يقتضي بقياس
стр. 225
التنقيح الأحروي المعروف بالقياس في معنى الأصل أن أربعة أصابع لا يمكن أن تقل ديتها عن ذلك، لأنَّها مشتملة على الثلاثة وزيادة أصبع.
وحديث معاذ الذي استدلَّ به المؤلف ضعَّفه غير واحد، والمناقشة في تضعيفه وتصحيحه كثيرة معروفة، وممَّن انتصر لتضعيفه ابن حزم وغيره.
وقال ابن كثير في مقدمة تفسيره، بعد أن ساق حديث معاذ المذكور بصيغة الجزم بقوله: قال رسول اللَّه ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فبم تحكم. . . " إلى قوله: "الحمد لله الذي وفَّق رسول رسول اللَّه ﷺ لما يرضي رسول اللَّه ﷺ " ما نصُّه: وهذا الحديثُ في المسند والسنن بإسناد جيِّد، كما هو مقرر في موضعه.
وقال ابن قدامة في "روضة الناظر" (١) في كتاب "القياس" بعد أنْ ساق حديث معاذ المذكور ما نصُّه: قالوا: هذا الحديث يرويه الحارث بن عمرو عن رجال من أهل حمص، والحارث والرجال مجهولون. . . إلى أن قال: قلنا قد رواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، ثم هذا الحديث تلقته الأمة بالقبول، فلا يضرُّه كونه مرسلًا. اهـ.
وقد أوضحنا الكلام على وجه الاحتجاج بالحديث المذكور، وبطلان الطريق التي أشار لها عن عبادة بن نسي، في كتابنا "أضواء
стр. 226
البيان" في سورة الأنبياء وسورة بني إسرائيل.
وما استشهد به المؤلف ﵀ من رجوع عمر إلى حديث حمل بن مالك في دية الجنين كان الأولى له أن يستدلَّ لذلك برجوع عمر في دية الجنين إلى قول المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة؛ لأنَّ رجوعه لحديثهما في ذلك متفق عليه.
تنبيه:
فإن قيل: ما الفرقُ بين مخالفة الأصولِ أو معنى الأصول؟
فالظاهر في الجواب: أنَّ مخالفة القياس أخصُّ من مخالفة الأصول؛ لأنَّ القياس أصل من الأصول، فكلُّ قياس أصل، وليس كلُّ أصل قياسًا، فما خالف القياس خالف أصلًا خاصًّا، وما خالف الأصول يصدقُ بما خالف قياسًا، أو نصًّا، أو إجماعًا، أو استصحابًا، أو غير ذلك.
فوجوب الوضوء بالنوم -مثلًا- موافق للقياس من حيث إنه تعليق حكم بمظنَّته، كسائر الأحكام المعلَّقة بمظانِّها، مع أنَّه مخالف لبعض الأصول، وهو استصحابُ العدمِ الأصلي في خروج الحدث حتى يُعْلَمَ أمرٌ ناقلٌ عن استصحاب العدم الأصلي في ذلك.
والمراد بمعنى الأصل في الاصطلاح: نفي الفارق، كما عقده في "المراقي" بقوله:
قياسُ معنى الأصل عنهم حَقِّقِ ... لما دُعِي الجمعَ بنفي الفارق
стр. 227
ومن أمثلة ذلك ما قدمنا من كون ثلاثة أصابع من أصابع المرأة فيها ثلاثون من الإبل، وأربعة أصابع من أصابعها فيها عشرون؛ لأنَّ نفي الفارق المؤثر في نقص الأصابع المذكورة محقق يقينًا، وإنَّما الفارق بينهما فارق مستوجب للزيادة، لأنَّ الأربعة مشتملة على الثلاثة مع زيادة أصبعٍ كما ترى.
стр. 228
الأصل الثالث: الإجماع
ومعنى الإجماعِ لغةً: الاتفاق، يقالُ: أجمع القومُ على كذا، إذا اتفقوا عليه، ويطلق على العزم المصمِّم، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوَا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس/ ٧١].
وفي الشرع عرَّفه المؤلف بأنه: اتفاقُ علماء العصر من أمَّة محمد ﷺ على أمر من أمور الدين (١).
وبقي عليه شرط، وهو كون ذلك بعد وفاته ﷺ ، لأَنَّه في حياته لا عبرة بقولِ غيره.
واختار المؤلف أن وجود الإجماع ممكنٌ متصوَّر خلافًا لمن قال: لا يمكنُ بعد الصحابة؛ لكثرة العلماء وانتشارهم في أقطار الدنيا، وعدم القدرة على معرفة أقوال الكلِّ.
واحتجَّ المؤلفُ لإمكانه وتصوره بأنَّنا نعلمُ إجماع المسلمين كلهم على وجوب الصلاة -مثلًا-، وبأنَّ العلماء مشهورون في نواحي الدنيا، فلا يمتنع معرفتهم ومعرفة أقوالهم في المسألة بإخبار أو مشافهةٍ.
وذكر أن الإجماع حجةٌ قاطعةٌ عند الجمهور، خلافًا للنَّظَّام في قوله: ليس بحجة.
واعلم أن الإجماع الذي هو حجة قاطعة عند الأصوليين هو
стр. 229
القطعي لا الظني. والقطعيُّ هو القوليُّ المشاهد، أو المنقولُ بعدد التواتر، والظنيُّ كالسكوتي والمنقول بالآحاد.
واستدلَّ المؤلفُ لحجية الإجماع بدليلين:
الأول: الكتابُ، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء/ ١١٥]؛ لأنَّ فيها التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، وسبيلهم هو ما أجمعوا عليه، وفي الاستدلال عليه بهذه الآية بحوث ومناقشات.
والثاني: من السنة، كقوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، وكقوله: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق. . . "، وأحاديث الحض على الجماعة، وعدم الشذوذ عنها، ونحو ذلك.
وذكر المؤلف أنَّ الصحابة كانوا يستدلُّون بمثل تلك الأحاديث على حُجِّيَّةِ الإجماع من غير نكيرٍ إلى زمن النظَّام.
فصل
لا يشترطُ في أهلِ الإجماعِ أنْ يبلغُوا عددَ التواتر؛ لأنَّ الحجةَ في قولهم، لصيانة علماء الأمة عن الخطأ بالأدلة المتقدمة، وإن لم يوجد من علمائها غيرهم، فهُم على الحقِّ، وإن لم يبلغُوا عدد التواتر، صيانةً لهم عن الخطأ (١).
стр. 230
فصل
ولا خلافَ في اعتبارِ علماء العصرِ من أهل الاجتهاد في الإجماع، وأنَّه لا يعتدُ فيه بقول الصبيان والمجانين، وأما العوامُّ فلا يعتبرُ قولهم عند الأكثرين، وقال قوم: يُعتبرُ قولُهم؛ لدخولهم في اسم المؤمنين ولفظ الأمة. وهذا القولُ يقتضي إبطال الإجماع، إذْ يستحيلُ معرفةُ أقوال الأمة جميعها في مسألةٍ واحدة، والحقُّ أن العوامَّ لا عبرة بهم؛ لجهلهم (١).
فصل
ومن يعرفُ من العلم ما لا أثرَ له في الأحكام الشرعية، كعلم الكلام واللغة والنحو والحساب، لاعبرةَ به في الإجماع؛ لأنَّه بالنسبة إلى الأحكام الشرعية عاميٌّ.
فأمَّا الأصوليُّ الذي لا يعرفُ تفاصيل الفروعِ، والفقيهُ الحافظُ لأحكام الفروعِ من غير معرفة الأصول، والنحويُّ إذا كان الكلام في مسألة تبنى على النحوِ = فلا يعتبر بقولهم -أيضًا-، خلافًا لقوم (٢).
هكذا ذكره المؤلف، مع أن أكثر الشَّافعية والمالكية يعتبرون الأصوليَّ وإن لم يحفظ تفاصيل الفروع؛ لأنَّ فيه قوة قابلة لمعرفتها من الأصول.
стр. 231
فصل
ولا يُعتبرُ في الإجماع بقول كافر سواء كان بتأويل أو غيرِه.
فأمَّا الفاسق باعتقاد أو قول أو فعل، فقال القاضي: لا يعتد به، وهو قول جماعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة/ ١٤٣] أي عدولًا. وهو ليس بعدلٍ. ولأنَّه لا يُقبل منفردًا، فلا يقبلُ مع غيره.
وقال أَبو الخطَّاب: يُعتبر قول الفاسق لدخوله في عمومِ الأمة والمؤمنين في الأدلةِ المتقدمة (١).
مسألة
إذا بلغ التابعيُّ رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة، اعْتُدَّ به في الإجماع عند الجمهور، واختاره أَبو الخطَّاب، وقال القاضي وبعضُ الشَّافعية: لا يعتد به، وأومأ أحمدُ ﵀ إلى القولين.
ووجه الاعتداد به -وهو الحقُّ- عند الجمهور: أنَّه مجتهد من علماء الأمة، فلا وجهَ لإلغائه.
ووجهُ إلغائه أنَّ الصحابة لما شاهدوا التنزيل وكانوا أعلم بالتأويل، كان غيرهم من العلماء بالنسبة إليهم كالعاميِّ بالنسبة إلى العلماء، فإن انعقد إجماع الصحابة قبل بلوغ التابعي رتبة الاجتهاد فلا عبرة بقوله؛ لأنَّه مسبوق بالإجماع (٢).
стр. 232
فصل
ولا ينعقدُ الإجماعُ بقول الأكثرين من أهل العصر في قول الجمهور.
وقال ابن جرير الطَّبري وأَبو بكر الرَّازي: لا عبرة بمخالفة الواحد والاثنين، فلا تقدحُ مخالفتهما في الإجماع، وقد أومأ إليه أحمد ﵀ (١).
وحُجَّة الجمهور أنَّ العبرةَ بقول علماء جميع الأمة؛ لأن العصمة إنَّما هي للكل، لا البعض.
وحجة الآخرِ اعتبارُ الأكثر، وإلغاء الأقل.
قال في "المراقي":
والكلُّ واجب وقيل لا يضر ... الاثنان دون من عليهما كثُر
فصل
و إجماعُ أهل المدينة ليس بحجةٍ ، وقال مالك: هو حجة (٢).
أمَّا حجة الجمهور على أنَّه غيرُ حجةٍ فواضحة، لأنهم بعضُ الأمة، والمعتبرُ إجماعُ الأمةِ كلَّها.
وأمَّا حجة مالك، فالتحقيق أنَّها ناهضةٌ -أيضًا-؛ لأن الصحيح
стр. 233
عنه أنَّ إجماع أهل المدينة المعتبر له شرطان:
أحدهما: أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه.
الثاني: أن يكون من الصحابة أو التابعين لا غير ذلك؛ لأنَّ قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع، فألحق بهم مالك التابعين من أهل المدينة فيما فيه اجتهاد لتعلمهم ذلك عن الصحابة.
أما في مسائل الاجتهاد فأهلُ المدينة -عند مالكٍ في الصحيح عنه- كغيرهم من الأمة. وحُكِيَ عنه الإطلاق.
وعلى القول بالإطلاق يتوجه عليه اعتراضُ المؤلف بأنَّهم بعض من الأمة، كغيرهم.
وإلى ما ذكرنا عن مالك أشار في "المراقي"، قال:
وأوجبنْ حجية للمدني ... فيما على التوقيف أمرُه بُني
وقيل: مطلقًا وما قد أجمعا ... عليه أهل البيت مما منعا
ومعناه: عند مالك اتفاق الصحابة والتابعين الذين في المدينة، واتفاقُ الخلفاء. . . الخ.
فصل
واتفاقُ الخلفاء الأربعة ليس بإجماع عند الجمهور (١).
стр. 234
والصحيح أنَّه حجةٌ وليس بإجماع، لأن الإجماع لا يكونُ إلَّا من الجميع؛ فالإجماعُ إنما يكون من الكلِّ. . . الخ.
وقيل: إجماعٌ. وقيل: حجةٌ لا إجماع، وهو أظهرها.
وما نُقل عند أحمد ﵀ من أنَّه لا يخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، لا يدلَّ على أن قولهم إجماع؛ لأنَّ الدليل قد يكونُ حجةً وليس إجماعًا.
مسألة
ظاهر كلام أحمد ﵀ أن انقراض العصر شرط في صحة الإجماع، وهو قولُ بعض الشَّافعية.
وقد أومأ إلى أن ذلك ليس بشرط، بل لو اتفقت كلمةُ الأمة ولو في لحظةٍ واحدةٍ، انعقد الإجماعُ، وهو قول الجمهور، واختاره أَبو الخطَّاب (١).
ووجه هذا القول أن حقيقة الإجماع المعصوم تحصلُ باتفاقهم، ولو في لحظة واحدة، والنصوص الدالةُ على حجية الإجماع ليس فيها القيدُ بانقراض العصر، ولأنَّه يؤدي إلى تعذر الإجماع؛ لأنَّه لا يكادُ عصرٌ ينقرضُ حتى يحدث من أولاده من يكونُ من علماء العصر، فيتسلسل.
ووجهُ اشتراطه: احتمالُ رجوع البعض عن اجتهاده، فيؤولُ الأمرُ
стр. 235
إلى الخلاف.
وقد ذكر الإمام أحمد أن أم الولد كان حكمها حكم الأمةِ بإجماع، ثم أعتقهن عمر، وخالفه عليٌّ بعد موته.
وحدُّ الخمر كان في زمن أبي بكر ﵁ أربعين، ثم جلد عمر ثمانين، ثم جلد عليٌّ أربعين، ولولا اشتراطُ انقراضِ العصر لما جاز ذلك.
وأشار في "المراقي" إلى أن مذهب الأكثرِ عدم اشتراطِ انقراض العصر بقوله:
ثم انقراض العصرِ والتواترُ ... لغو على ما ينتحيه الأكثرُ
مسألة
إجماعُ أهل كلِّ عصر حجةٌ كإجماعِ الصحابة، خلافًا لداود، فعنده إجماعُ الصحابة لا غير هو المعتبر، وقد أومأ أحمد ﵀ إلى ذلك (١).
وحاصل ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أنَّ الإجماعَ من الأمة معتبر في كل عصر، فالماضي لا يُعتبر، والمستقبل لا يُنتظر، وكلية الأمة حاصلة بالموجودين في كلِّ عصر.
وخالفَ الظاهريةُ في إجماع غير الصحابة، وأومأ إليه أحمد، ويعتبر في الإجماعِ الغائبُ لا الميتُ.
стр. 236
فصل
إذا اختلف الصحابةُ على قولين، فأجمع التابعون على أحدهما، فقال أَبو الخطَّاب والحنفية: يكونُ إجماعًا؛ لأنَّه اتفاق من جميعِ أهل العصر.
وقال القاضي وبعضُ الشَّافعية: لا يكونُ إجماعًا؛ لأنَّ الذين ماتُوا هم مخالفون لا يسقطُ قولُهم بموتهم (١).
أمَّا إذا اختلف الصحابةُ ثم اتفقُوا بعدَ الاختلاف، كاختلافهم في إمامة أبي بكر ثم اتفاقهم عليها بأن رجع بعضُهم إلى قول الآخرين، فهو إجماع منهم، كما هو الحقُّ. وخالف فيه الصَّيرفي من الشافعية.
واعلم أنَّ غير الصحابة من أهل كلِّ عصر كذلك عند الجمهور، فإذا اختلفُوا ثم اتفقُوا كان إجماعًا، وإذا اتفق مَنْ بعدهم على أحد قوليهم ففيه الخلاف المذكور، والراجحُ أنَّه إجماع.
فصل
إذا اختلف الصحابةُ إلى قولين لم يجزُ إحداثُ ثالثٍ مخالفٍ لقوليهما، في قول الجمهور.
وقال بعضُ الحنفية والظاهرية: يجوز (٢).
стр. 237
فحجةُ الأول: أنَّ اختلافهم إلى القولين في قوة الإجماعِ على بطلان ما سواهما.
وحجة الثاني: أنَّهم خاضوا في المسألة خوض مجتهدين، ولم يحرِّمُوا ولم يصرِّحوا بتحريم قول ثالث. وأنَّ الصحابة لو علَّلوا بعلة، أو استدلُوا بدليل، فلمن بعدهم التعليلُ والاستدلال بغير ذلك؛ لأنَّهم لم يصرِّحُوا ببطلان ذلك. وأنَّهم لو اختلفُوا في مسألتين، فذهب بعضهم إلى الجواز فيهما وذهب الآخرون إلى المنع فيهما، فذهب التابعيُّ إلى التجويز في إحداهما والمنع في الأخرى كان له ذلك.
مثال إحداث الثالث المخالف: ما حكاهُ ابنُ حزم من أنَّ الأخ يحجب الجدَّ؛ لأن الصحابة اختلفوا في ذلك إلى قولين، فمن قائل إنَّ الجدِّ أب يحجبُ الأخَ، ومن قائل: يرثان معًا؛ فكان إجماعًا على أنَّ للجدِّ نصيب؛ فالقولُ بحجب الأخ له خرقٌ لإجماعهم بإحداث هذا الثالث.
قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:
حاصلُ تحرير هذه المسألة عند الأصوليين أنهم اختلفوا في إحداث القول الثالث، فقال بعضهم: لا يكون إلَّا خارقًا للإجماع، فهو ممنوع مطلقًا، ومثاله ما ذكرناه عن ابن حزم.
وقال بعضهم: هو قد يكون خارقًا فيمتنع، وغير خارق فيجوز.
مثال الخارق: الجد والإخوة، وقد تقدم.
ومثالُ غير الخارق: ما لو فرضنا أنَّه تقدَّم القولان في متروك
стр. 238
التسمية، لكونه يؤكل عند البعض مطلقًا، وممنوعًا عند بعض مطلقًا، فعلى قول القائل بأنَّه يؤكل في تركها نسيانًا لا عمدًا [لا يكون خارقًا] (١)؛ لأنَّه وافق بعضًا في كل منهما ولم يخالفهم جميعًا، لأنَّه في حالة النسيان وافق القائل بالإباحة، وفي حالة العمد وافق القائل بالمنع.
ومن أمثلته: اختلافُ العلماء في فسخ النكاح بعيوب الزوجين المعروفة، فمن قائل: يفسخ بكلها، ومن قائل: لا يفسخُ بشيءٍ منها، فلو أُحْدِثَ قول ثالث بالفسخِ ببعضها دون البعض، لم يكن خارقًا، لموافقته لكل مذهب في البعض (٢).
تنبيه:
إحداثُ التفصيلِ جعلَه قوم داخلًا في إحداث القول الثالث.
وقال قومٌ: ليس داخلًا فيه، وهو ممنوع أيضًا إن كان التفصيلُ خارقًا للإجماع.
стр. 239
ومثالُه: اختلاف العلماء في توريث العمة والخالة، فمن قائل: لا ترثان، ومن قائل: ترثان، فلو أحدث التفصيل بإرث العمة دون الخالة أو العكس كان باطلا؛ لأنه خارق لإجماعهم على أنهما سواء، لأنَّهم لو قالوا في المسألتين: إنهما سواء، امتنع التفصيل بينهما قولًا واحدًا.
واعلم أنَّ الأصوليين اختلفوا في انقسام الأمة إلى قسمين في مسألتين، وكلاهما مخطئ في إحداهما.
وحاصلُ تحرير هذا المقام أنَّ له ثلاث حالاتٍ، اثنتان يتفق عليهما، وواحدةٌ هي المختلف فيها.
فالمتفق عليهما:
١ - اتفاقُهم على الخطأ في المسألةِ الواحدة من الوجه الواحد، فهذا لا يجوزُ إجماعًا.
٢ - اتفاقُهم على الخطأ في مسألتين متباينتين، كخطأ بعضهم في مسألة من الجنايات، وخطأ البعض الآخر في مسألة من العبادات، فهذا يجوزُ إجماعًا.
ومحل الخلاف:
٣ - المسألة الواحدةُ ذات الوجهين، نحو المانع من الميراث، فإنه جنس واحد إلَّا أنَّه ينقسم إلى نوعين -مثلًا- قَتْلٌ ورِقٌّ، فهل يجوزُ أن يقول بعضهُم: القاتل يرث والعبد لا يرث؟ ويقول البعض الآخر بعكس ذلك؟ فيخطئ كلٌّ منهما فيما أصابَ فيه الآخر؟
стр. 240
فقيل: هذا لا يمتنعُ؛ لأن الأمةَ لم تجتمع على خطأ في شيء معين واحد. وقيل: يمتنعُ؛ نظرًا إلى خطأ المجموع في الجملة. وهذه المسألة هي محل الخلاف.
فصل: الإجماع السكوتي
إذا قال بعضُ الصحابة قولًا في تكليف، فانتشر في بقية الصحابةِ فسكتُوا (١)، ففي ذلك ثلاثةُ أقوال -والحق أنَّه إجماع سكوتي ظني-:
١ - أنَّه إجماع، وروي عن أحمد ما يدلُّ عليه، وبه قال أكثر الشَّافعية، أي والمالكية؛ تنزيلًا للسكوتِ منزلةَ الرضا والموافقة.
ويُشترطُ في ذلك ألا يعلم أن الساكت ساخط غير راض بذلك القول، وأن تمضي مهلة تسع النظر في ذلك القولِ بعد سماعِه.
٢ - أنَّه حجةٌ لا إجماع.
٣ - ليس بحجةٍ ولا إجماع؛ لأن الساكتَ قد يسكتْ وهو غيرُ راضٍ. ولذلك أسباب متعددة، كاعتقاده أن كلَّ مجتهد مصيب، أو أنَّه لا إنكار في مسائلِ الاجتهاد، ونحو ذلك.
وتحريرُ هذه المسألةِ أنَّ لها ثلاث حالات:
١ - أن يُعْلَمَ مِنْ قرينةِ حالِ الساكتِ أنَّه راضٍ بذلك، فهو إجماع قولًا واحدًا.
стр. 241
٢ - أن يُعْلَمَ مِنْ قرينته أنَّه ساخط غير راضٍ، فليس بإجماع قولًا واحدًا.
٣ - ألا يُعْلَمَ منه رضًى ولا سُخط، ففيه الأقوال الثلاثة المتقدمة.
ومذهبُ الجمهورِ أنَّه إجماع سكوتيٌّ، وهو ظنيٌّ كما تقدَّم.
مسألة
اعلم أنَّ الأصوليين اختلفُوا في مستندِ الإجماع ، هل يصحُّ أن يكونَ عن اجتهادٍ وقياس؟ (١) على ثلاثة أقوال:
الأول: أنَّه لا يتصور (٢).
الثاني: أنَّه يتصور وليس بحجة.
الثالث، وعليه الأكثر: أنَّه جائز وواقع، وهو اختيار المؤلف، ومثل له بعضُهم بالإجماعِ على تحريم شحمِ الخنزير قياسًا على لحمه.
ومن أمثلته: الإجماعُ على تحريم القضاء في حالةِ الجوع والعطشِ المفرطَيْن، ونحو ذلك، كالحقنِ والحقب مِنْ مُشَوِّشات الفكر، قياسًا على الغضب المنصوص عليه في الحديث المتفق عليه: "لا يقضينَّ حكم بين اثنين وهو غضبان".
стр. 242
فصل
الإجماعُ ينقسمُ إلى مقطوع ومظنون (١)، وقد تقدَّمت الإشارةُ إلى هذا.
فصل
الأخذُ بأقل ما قيلَ ليس تمسكا بالإجماع، كالاختلاف في ديةِ الكتابي، فقيل: كدية المسلم. وقيل: نصفُها. وقيل: ثلثها.
فالتمسكُ بالثلث ليس بالإجماع (٢)، وأظهرُ دليلٍ على ذلك جوازُ مخالفته (٣).
стр. 243
الأصل الرابع: الاستصحاب
استصحاب الحال ودليل العقل (١)
اعلم أن الاستصحاب ثلاثة أقسام، اثنان مقبولان عند الجمهور، وواحد مردود عندهم:
١ - استصحابُ العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقلٌ عنه؛ لأنَّ العقل يدلُّ على براءة الذمَّة حتى يقوم الدليل، كعدم وجوب صيام صفر -مثلًا-؛ لأنَّ الأصل براءة الذمة منه، فيستصحب الحال في ذلك.
وهذا النوع هو الذي ينصرف إليه اسم الاستصحاب، وهو المعروف بالبراءة الأصلية والإباحة العقلية.
وهذا النوع قد دلَّ القرآن على اعتباره في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة/ ٢٧٥]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة/ ١١٥].
ووجه الدلالة في الآية الأولى: أنَّه لمَّا نزل تحريم الربا خافوا من الأموال المكتسبة من الربا قبل التحريم، فبينت الآية أن ما اكتسبوا من الربا قبل التحريم على البراءة الأصلية حلال لهم، ولا حرج عليهم فيه.
ووجه دلالة الآية الثانية: أن النبي ﷺ لما استغفر لعمه أبي طالب
стр. 244
واستغفر المسلمون لموتاهم من المشركين، وأنزل اللَّه ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة/ ١١٣]، ندموا على استغفارهم للمشركين، فبينت الآية أن استغفارهم لهم قبل التحريم على البراءة الأصلية، لا إثم عليهم فيه ولا حرج، حتى يبيِّن لهم اللَّه ما يتقونه، كالاستغفار لهم -مثلًا-.
٢ - استصحابُ دليل الشرع، كاستصحاب النص حتى يرد الناسخ، والعموم حتى يرد المخصص، ودوام الملك حتى يثبت انتقاله، ودوام شغل الذمة الثابت حتى تثبت براءتها، ونحو ذلك.
٣ - وهو المردود عند الجمهور، هو استصحابُ حال الإجماع في محل النزاع، واعتبره بعضهم، واختاره أَبو إسحاق بن شاقلا.
ومثاله: أن يقول في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة: الإجماعُ منعقد على صحة صلاته ودوامه فيها، فنحن نستصحب ذلك إلى ورود الدليل الصارف عنه.
وهذا غير صحيح؛ لأنَّ الإجماع إنما دل على الدوام فيها حال عدم الماء، أما مع وجوده فلا إجماع حتى يقال باستصحابه.
فصل
اعلم بأنه من نفى حكمًا بأن الأمر الفلاني ليس بكذا اختلف فيه، هل يكفيه مجرد النفي بناء على أنَّه الأصل حتى يرد دليل الوجوب، أو يكلف بالدليل على ما ادعاه من النفي؟ (١)
стр. 245
وهذا الأخير هو مذهب الجمهور، وهو الحقُّ، واختاره المؤلف، واستدلَّ له بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة/ ١١١].
стр. 246
الأصول المختلف فيها
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(هذا بيان أصول مختلف فيها، وهي أربعة:
الأول: شرع من قبلنا إذا لم يصرح شرعنا بنسخه، هل هو شرع لنا؟ وهل كان النبي ﷺ متعبدًا قبل البعثة باتباع شريعة من قبله؟
فيه روايتان:
إحداهما: أنَّه شرعٌ لنا، اختارها التميمي، وهو قول الحنفية.
الثانية: ليس شرعًا لنا.
وعن الشافعي كالمذهبين).
اعلم -أولًا- أن كونه ﷺ متعبدًا بعد البعثة بشرع من قبلنا أو غير متعبد به متفرعٌ على الاختلاف في شرع من قبلنا؛ فعلى أنَّه شرع لنا بعد وروده في شرعنا فهو متعبد به، وعلى العكس فلا.
وحاصل ما ذكره المؤلف في هذا الأصل، أن فيه قولين، ورجح أنَّه شرع لنا إن ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم ينسخ في شرعنا. وهو مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة.
ومشهور مذهب الشافعي أنَّه ليس شرعًا لنا.
стр. 247
وحاصل تحرير هذه المسألة: أن لها واسطة وطرفين، طرفٌ يكون فيه شرعًا إجماعًا، وطرفٌ يكون فيه غير شرع لنا إجماعًا، وواسطةٌ هي محلُّ الخلاف المذكور.
أما الطرف الذي يكون فيه شرعًا لنا إجماعًا فهو ما ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لمن قبلنا، ثم ثبت بشرعنا أنَّه شرع لنا، كالقصاص، فإنه ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لمن قبلنا في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة/ ٤٥]، ثم صرَّح لنا في شرعنا بأنَّه شرع لنا في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة/ ١٧٨].
وأما الطرف الثاني الذي يكون فيه غير شرع لنا إجماعًا فهو أمران:
أحدهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلًا، كالمأخوذ من الإسرائيليات.
الثاني: ما ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لهم، وصرح في شرعنا بنسخه، كالأصر والأغلال التي كانت عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف/ ١٥٧].
وقد ثبت في صحيِح مسلم أنَّه ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦] قال: قال اللَّه: "قد فعلت".
والواسطة: هي ما ثبت بشرعنا أنَّه شرع لمن قبلنا ولم يصرح بنسخه في شرعنا.
وحجة الجمهور أنَّه ما ذكر لنا في شرعنا إلَّا لنعمل به، سواء علينا أكان شرعًا لمن قبلنا أم لا، وقد دلت على ذلك آيات كثيرة، كتوبيخه
стр. 248
تعالى لمن لم يعقل وقائع الأمم الماضية، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ [الصافات/ ١٣٧ - ١٣٨].
وقد صرح تعالى بأن الحكمة في قصِّ أخبارهم إنما هي الاعتبار بأحوالهم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف/ ١١١].
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠].
وحجة الشافعي ﵀ قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/ ٤٨]، وحمل ﵀ الهدى في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، والدين في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى/ ١٣] على خصوص التوحيد، دون فروعه العملية.
وقال: إن الخطاب الخاص به ﷺ في نحو قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ لا يشمل حكمه الأمة إلا بدليل منفصل؛ لأنه لا يشملها في الوضع اللغوي، فإدخالها فيه صرف للفظ اللغوي عن ظاهره، فيحتاج إلى دليل.
وأجيب عن استدلال الشافعي بأن النصوص دالة على شمول الهدى والدين في الآيتين للأمور العملية.
أما في الأولى: فقد روى البخاري في صحيحه عن مجاهد أنَّه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في (ص)؟ فقال: "أَوَمَا تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ حتى بلغ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ
стр. 249
اقْتَدِهْ﴾؟ فسجدها داود فسجدها رسول اللَّه ﷺ .
فهو تصريح صحيح عن ابن عباس أنه ﷺ قد أدخل سجود التلاوة في الهدى في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وسجود التلاوة من الفروع العملية، لا من الأصول.
وأمَّا الدين في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى/ ١٣] فقد دل الكتاب والسنة على شموله -أيضًا- للأمور العملية، فقد قال ﷺ في حديث جبريل المشهور: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم"، يعني الإسلام والإيمان والإحسان، مع أنه فسر الإسلام فيه بأنه يشمل الأمور العملية كالصلاة والزكاة والصوم والحج.
وفي حديث ابن عمر المتفق عليه: "بني الإسلام على خمس". الحديث. ومعلوم أن الصلاة والزكاة والصوم والحج أمور عملية لا عقائد.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران/ ١٩]، وقال ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران/ ٨٥]؛ فدل على أنَّ الدينَ يشمل الأمورَ العلمية كتابًا وسنة.
وبأنَّ الأدلة دلَّت على أنَّ الخطابَ الخاصَّ به ﷺ يشملُ الأمةَ حكمُه لا لفظُه إلا بدليل على الخصوص، كقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب/ ٢١]، وقد علمنا من استقراء القرآن أن اللَّه يخاطبُ نبيَّه ﷺ بخطاب لفظه خاصٌّ، والمقصودُ منه تعميمُ الحكم.
стр. 250
فمن ذلك قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية [الطلاق/ ١]، فأفهمَ شمولَه حكمَ الخطابِ للجميع.
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم/ ١ - ٢].
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب/ ١ - ٢].
وقال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ ثم قال: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ [يونس/ ٦١].
فدل التعميم بعد الخطابِ الخاص به في الآيات المذكورة على عموم حكمِ الخطاب الخاصِّ به.
وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ ثم قال: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم/ ٣٠ - ٣١] فهو حال من الضمير المستتر في ﴿فَأَقِمْ﴾ وهو خاصٌّ به ﷺ ، وتقديره: "فأقم وجهك للدين يا نبي اللَّه في حال كونكم منيبين".
فلو لم يشمل الأمة حكمًا لقال: "منيبًا" بالإفراد، لإجماع أهل اللسان العربي على أنَّ الحالَ الحقيقية، أعني التي لم تكن سببية، لا بد من مطابقتها لصاحبها إفرادًا وتثنيةً وجمعًا وتذكيرًا وتأنيثًا، فلا يجوز: جاء زيد ضاحكين، إجماعًا، ودعوى أنَّ العامل في الحال "الزموا" مقدَّرًا، وصاحبها الواو فى "الزموا"، أي: الزموا فطرة اللَّه فى حال كونكم منيبين، تقديرٌ لا دليل عليه، ولا حاجة إليه.