الأصول المختلف فيها
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(هذا بيان أصول مختلف فيها، وهي أربعة:
الأول: شرع من قبلنا إذا لم يصرح شرعنا بنسخه، هل هو شرع لنا؟ وهل كان النبي ﷺ متعبدًا قبل البعثة باتباع شريعة من قبله؟
فيه روايتان:
إحداهما: أنَّه شرعٌ لنا، اختارها التميمي، وهو قول الحنفية.
الثانية: ليس شرعًا لنا.
وعن الشافعي كالمذهبين).
اعلم -أولًا- أن كونه ﷺ متعبدًا بعد البعثة بشرع من قبلنا أو غير متعبد به متفرعٌ على الاختلاف في شرع من قبلنا؛ فعلى أنَّه شرع لنا بعد وروده في شرعنا فهو متعبد به، وعلى العكس فلا.
وحاصل ما ذكره المؤلف في هذا الأصل، أن فيه قولين، ورجح أنَّه شرع لنا إن ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم ينسخ في شرعنا. وهو مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة.
ومشهور مذهب الشافعي أنَّه ليس شرعًا لنا.
стр. 247
وحاصل تحرير هذه المسألة: أن لها واسطة وطرفين، طرفٌ يكون فيه شرعًا إجماعًا، وطرفٌ يكون فيه غير شرع لنا إجماعًا، وواسطةٌ هي محلُّ الخلاف المذكور.
أما الطرف الذي يكون فيه شرعًا لنا إجماعًا فهو ما ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لمن قبلنا، ثم ثبت بشرعنا أنَّه شرع لنا، كالقصاص، فإنه ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لمن قبلنا في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة/ ٤٥]، ثم صرَّح لنا في شرعنا بأنَّه شرع لنا في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة/ ١٧٨].
وأما الطرف الثاني الذي يكون فيه غير شرع لنا إجماعًا فهو أمران:
أحدهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلًا، كالمأخوذ من الإسرائيليات.
الثاني: ما ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لهم، وصرح في شرعنا بنسخه، كالأصر والأغلال التي كانت عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف/ ١٥٧].
وقد ثبت في صحيِح مسلم أنَّه ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦] قال: قال اللَّه: "قد فعلت".
والواسطة: هي ما ثبت بشرعنا أنَّه شرع لمن قبلنا ولم يصرح بنسخه في شرعنا.
وحجة الجمهور أنَّه ما ذكر لنا في شرعنا إلَّا لنعمل به، سواء علينا أكان شرعًا لمن قبلنا أم لا، وقد دلت على ذلك آيات كثيرة، كتوبيخه
стр. 248
تعالى لمن لم يعقل وقائع الأمم الماضية، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ [الصافات/ ١٣٧ - ١٣٨].
وقد صرح تعالى بأن الحكمة في قصِّ أخبارهم إنما هي الاعتبار بأحوالهم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف/ ١١١].
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠].
وحجة الشافعي ﵀ قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/ ٤٨]، وحمل ﵀ الهدى في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، والدين في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى/ ١٣] على خصوص التوحيد، دون فروعه العملية.
وقال: إن الخطاب الخاص به ﷺ في نحو قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ لا يشمل حكمه الأمة إلا بدليل منفصل؛ لأنه لا يشملها في الوضع اللغوي، فإدخالها فيه صرف للفظ اللغوي عن ظاهره، فيحتاج إلى دليل.
وأجيب عن استدلال الشافعي بأن النصوص دالة على شمول الهدى والدين في الآيتين للأمور العملية.
أما في الأولى: فقد روى البخاري في صحيحه عن مجاهد أنَّه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في (ص)؟ فقال: "أَوَمَا تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ حتى بلغ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ
стр. 249
اقْتَدِهْ﴾؟ فسجدها داود فسجدها رسول اللَّه ﷺ .
فهو تصريح صحيح عن ابن عباس أنه ﷺ قد أدخل سجود التلاوة في الهدى في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وسجود التلاوة من الفروع العملية، لا من الأصول.
وأمَّا الدين في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى/ ١٣] فقد دل الكتاب والسنة على شموله -أيضًا- للأمور العملية، فقد قال ﷺ في حديث جبريل المشهور: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم"، يعني الإسلام والإيمان والإحسان، مع أنه فسر الإسلام فيه بأنه يشمل الأمور العملية كالصلاة والزكاة والصوم والحج.
وفي حديث ابن عمر المتفق عليه: "بني الإسلام على خمس". الحديث. ومعلوم أن الصلاة والزكاة والصوم والحج أمور عملية لا عقائد.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران/ ١٩]، وقال ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران/ ٨٥]؛ فدل على أنَّ الدينَ يشمل الأمورَ العلمية كتابًا وسنة.
وبأنَّ الأدلة دلَّت على أنَّ الخطابَ الخاصَّ به ﷺ يشملُ الأمةَ حكمُه لا لفظُه إلا بدليل على الخصوص، كقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب/ ٢١]، وقد علمنا من استقراء القرآن أن اللَّه يخاطبُ نبيَّه ﷺ بخطاب لفظه خاصٌّ، والمقصودُ منه تعميمُ الحكم.
стр. 250
فمن ذلك قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية [الطلاق/ ١]، فأفهمَ شمولَه حكمَ الخطابِ للجميع.
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم/ ١ - ٢].
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب/ ١ - ٢].
وقال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ ثم قال: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ [يونس/ ٦١].
فدل التعميم بعد الخطابِ الخاص به في الآيات المذكورة على عموم حكمِ الخطاب الخاصِّ به.
وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ ثم قال: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم/ ٣٠ - ٣١] فهو حال من الضمير المستتر في ﴿فَأَقِمْ﴾ وهو خاصٌّ به ﷺ ، وتقديره: "فأقم وجهك للدين يا نبي اللَّه في حال كونكم منيبين".
فلو لم يشمل الأمة حكمًا لقال: "منيبًا" بالإفراد، لإجماع أهل اللسان العربي على أنَّ الحالَ الحقيقية، أعني التي لم تكن سببية، لا بد من مطابقتها لصاحبها إفرادًا وتثنيةً وجمعًا وتذكيرًا وتأنيثًا، فلا يجوز: جاء زيد ضاحكين، إجماعًا، ودعوى أنَّ العامل في الحال "الزموا" مقدَّرًا، وصاحبها الواو فى "الزموا"، أي: الزموا فطرة اللَّه فى حال كونكم منيبين، تقديرٌ لا دليل عليه، ولا حاجة إليه.
стр. 251
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ثم قال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب/ ٣٧].
وقال تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب/ ٥٠] مع أن الكلام خاصٌّ به ﷺ فى قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية، فلو كان حكمُه خاصًّا به لأغنى ذلك عن قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وبأنَّ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/ ٤٨] معناه أن بعض الشرائع يُنْسَخُ فيه بعض ما كان فى غيره منها، ويزاد فيها أحكام لم تكن مشروعة مِنْ قبل، وبهذا الاعتبارِ يكونُ لكلٍّ شرعةٌ ومنهاجٌ مِنْ غير مخالفة لما ذكرنا.
قال صاحب "المراقي" فى هذه المسألة:
ولم يكن مكلَّفا بشرع ... صلى عليه اللَّه قبل الوضع
وهو والأمةُ بعدُ كلفا ... إلا إذا التكليفُ بالنص انتفى
وقيل: لا، والخلف فيما شرعا ... ولم يكن داع إليه سمعا
стр. 252
قول الصحابي
الأصل الثاني المختلف فيه: قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(قول الصحابي ليس بحجة على صحابي آخر).
وخلاصة كلام المؤلف في قول الصحابي أنَّه ذكر فيه أربعة أقوال:
١ - أنَّه حجة يقدَّم على القياس، ويُخَصُّ به العموم. وعزاه لمالك، والشافعي فى القديم، وبعض الحنفية، واستدل بحديث "أصحابي كالنجوم" الحديث.
وهذا القول يُحْمَلُ على ما إذا كان مما لا مجال فيه للرأي.
٢ - ليس بحجة. وعزاه لعامة المتكلمين، والشافعي فى الجديد، واختيار أبي الخطاب، واستدل له بإمكان الغلط والخطأ من الصحابة، وبأنه يجوز عليهم الاختلاف، ولم تثبت عصمتهم.
٣ - قول الخلفاء الراشدين دون غيرهم. واستدل له بحديث: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" الحديث.
٤ - قول أبي بكر وعمر. واستدلَّ له بحديث: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"
стр. 253
ويظهر من الثالث والرابع أنه ولو هناك مخالف.
هذه خلاصة كلامه ﵀ في هذا المبحث.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
حاصلُ تحرير هذه المسألة أنَّ قول الصحابي الموقوف عليه له حالتان:
الأولى: أن يكون مما لا مجال للرأي فيه.
الثانية: أن يكون مما له فيه مجال.
فإن كان مما لا مجالَ للرأي فيه فهو في حكم المرفوع، كما تقرَّر في علم الحديث؛ فيقدَّمُ على القياس، ويُخَصُّ به النصُّ، إن لم يُعْرَفْ الصحابيُّ بالأخذ من الإسرائيليات.
وإن كان مما للرأي فيه مجال، فإن انتشر فى الصحابة ولم يظهر له مخالف فهو الإجماع السكوتي، وهو حجة عند الأكثر.
وإن علم له مخالف من الصحابة فلا يجوز العمل بقول أحدهم إلا بترجيح بالنظر فى الأدلة، كما ذكره المؤلف فى الفصل الذي بعد هذا.
وإن لم ينتشر؛ فقيل: حجة على التابعي ومن بعده؛ لأن الصحابي حضر التنزيل، فعرف التأويل؛ لمشاهدته لقرائن الأحوال.
وقيل: ليس بحجة على المجتهد التابعي -مثلًا-؛ لأن كليهما مجتهد يجوز في حقه أن يخطئ وأن يصيب.
стр. 254
والأول أظهر.
وعن أحمد: لا يُخْرَجُ عن قول الخلفاء الأربعة.
فقولهم عنده حجة، وليس بإجماع.
وحديث: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" أخرجه الترمذي وأبو داود. وقال المحلي: إنَّ الترمذي صححه. وهو كذلك.
وحديث: "اقتدوا باللذين من بعدي" أخرجه الترمذي وغيره.
وقال صاحب "الضياء اللامع" عن ولي الدين: إنه صححه ابن حبان والحاكم. وقال المحلي: إنَّ الترمذيَّ حسنه.
وحديث: "أصحابي كالنجوم. . " الحديث، ضعيفٌ لا يحتج به.
تنبيه:
قول الصحابي الذي ليس له حكمُ الرفعِ ليس بحجة على مجتهد آخر من الصحابة إجماعًا.
واعلم أن الذين قالوا: إن قول الخلفاء الأربعة، وقول أبي بكر وعمر، كغيرهم من الصحابة، قالوا: إنَّ المراد بالأمر بالاقتداء بهم هو المقلِّد، وأما المجتهد العارف بالدليل فليس بمأمور بترك الدليل الظاهر له إلى قول غيره.
واعلم أنَّ التحقيق أنه لا يُخَصَّصُ النصُّ بقول الصحابي إلا إذا كان له حكمُ الرفع، لأنَّ النصوصَ لا تُخَصَّصُ باجتهاد أحد، لأنَّها حجة على كل مَنْ خالفها.
стр. 255
وأشار صاحب "المراقي" إلى مسألة قول الصحابي بقوله:
رأي الصحابي على الأصحاب لا ... يكون حجة بوفق من خلا
في غيره، ثالثها: إن انتشر ... وما مخالف له قطُّ ظهر
стр. 256
الاستحسان
الأصل الثالثُ المختلفُ فيه: الاستحسان.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (الثالث: الاستحسان، ولا بدَّ أولًا من فهمه، وله ثلاثة معان:
أحدها: أنَّ المراد به العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليلٍ خاصٍّ من كتابٍ أو سنة.
قال القاضي يعقوب: القولُ بالاستحسان مذهبُ أحمد ﵀.
وهذا التعريف للاستحسان هو الصحيح عند المؤلف، ولذا ردَّ التعريفين الآخرين.
(الثاني: أن المراد به ما يستحسنُه المجتهدُ بعقله) (٢).
(الثالث: أنَّه دليل ينقدح في نفس المجتهدِ لا يقدر على التعبير عنه) (٣).
وبطلان هذين التعريفين ظاهر؛ لأن المجتهد ليس له الاستناد إلى مجرَّد عقله في تحسين شيء، وما لم يُعبِّر عنه لا يمكن الحكم له بالقبولِ حتى يظهر ويُعْرَضَ على الشرع.
стр. 257
ومثالُ الاستحسان على معناه الذي ارتضاه المؤلف: ما لو باع رجل سلعةً بثمن لأجل، ثم اشتراها بائعها بعينها قبل قبض ثمنها بأكثر من الثمن الأول لأبعد من الأجل الأول.
فالقياسُ يقتضي جواز البيعتين فيهما، لأنَّ كلًّا منهما بيع سلعة بثمن إلى أجل معلوم، لكنْ عُدِلَ بهذه المسألة عن نظائرها من أفراد بيع سلعةٍ بثمن إلى أجلٍ بدليلٍ خاصٍّ، وهو هنا أنَّ السلعة الخارجةَ من اليد العائدة إليها ملغاة، فيؤول الأمر إلى أخذه عند الأجلِ الأولِ نقدًا، ودفعُه أكثر منه من حينه عند الأجل الثاني. وهذا عين الرِّبا.
وأشار في "المراقي" إلى مسألة الاستحسان بقوله:
والأخذ بالذي له رجحانُ ... من الأدلة هو استحسان
أو هو تخصيص بعرفٍ ما يَعُم ... ورَعْيَ الاستصلاح بعضُهم يَؤُم
وردُّ كونِه دليلًا ينقدح ... ويقصر التعبير عنه متضح
стр. 258
الاستصلاح
الأصل الرابع المختلف فيه: الاستصلاح، وهو الوصف الذي لم يشهد الشرع لا بإلغائه ولا باعتباره.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(الرابع من الأصول المختلف فيها: الاستصلاح واتباع المصلحة المرسلة. . .) الخ.
وخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أنَّ المصلحة المرسلة إن كانت من الحاجيات أو التحسينيات، فهو لا يعلم خلافًا في منع التمسك بها؛ لأنَّه وضع حكمٍ بغير دليل.
وإن كانت من الضروريات، فهو يرى جواز العمل بها عن مالك وبعض الشافعية، مع أنَّه يرى منع العمل بها مطلقًا.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
اعلم أن الوصف من حيث هو إمَّا أن يكون في إناطة الحكم به مصلحة أو لا، فإن لم تكن في إناطة الحكم به مصلحة فهو الوصف الطردي، كالطول والقِصَر بالنسبة إلى جميع الأحكام، وكالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق، والطردي لا يعلل به حكم.
وإن كان في إناطة الحكم به مصلحة فهو المسمى بالوصف
стр. 259
المناسب، وهو على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يشهد الشرع باعتبار تلك المصلحة، كالإسكار، فإنه وصف مناسب لتحريم الخمر؛ لتضمنه مصلحة حفظ العقل. وقد نصَّ الشرع على اعتبار هذه المصلحة، فحرَّم الخمر لأجلها.
وهذا هو المؤثر والملائم. وسيأتي الكلام عليهما فى القياس إن شاء اللَّه.
فقول المؤلف (١): (إنَّ هذا القسم هو القياس) لا يخلو من نظر.
الثاني: أنْ يلغي الشرع تلك المصلحة، ولا ينظر إليها، كما لو ظاهر الملك من امرأته، فالمصلحة في تكفيره بالصوم، لأنَّه هو الذي يَرْدَعُه؛ لخِفَّةِ العتق ونحوه عليه، لكنَّ الشرع ألغى هذه المصلحة، وأوجب الكفارة بالعتق من غير نظر إلى وصف المكفِّر بكونه فقيرًا أو ملكًا، وهذا الوصف يسمَّى "الغريب" عند جماعةٍ من أهل الأصول.
الثالث: أن لا يشهد الشرعُ لاعتبار تلك المصلحة بدليل خاص، ولا لإلغائها بدليل خاص، وهذا بعينه هو الاستصلاح، ويسمَّى المرسل، والمصلحة المرسلة، والمصالح المرسلة، وسُمِّيَ مصلحة لاشتماله على المصلحة، وسميت مرسلة لعدم التنصيص على اعتبارها ولا على إلغائها.
وعرفه في "المراقي" بقوله:
стр. 260
والوصف حيث الاعتبار يجهل ... فهو الاستصلاحُ قل والمرسل
واعلم أنَّ المصالح من حيث هي ثلاثة أقسام:
الأول: مصلحة درء المفاسد، وهي المعروفة بالضروريات، وهي ستة؛ لأن درء المفسدة إمَّا عن الدين، أو النفس، أو العقل، أو النسب، أو المال، أو العرض.
ومن فروع درء المفاسد: نصبُ الأئمة، ووجوب قتل المرتد، وعقوبة المضل صيانةً للدين.
وتحريمُ القتل ووجوبُ القصاص فيه صيانةٌ للأنفس.
وتحريمُ الخمر ووجوبُ الجلد فيه صيانةٌ للعقول.
وتحريمُ الزنا ووجوبُ الحدِّ فيه صيانةٌ للنسب.
وتحريمُ السرقة ووجوبُ القطع فيه صيانةٌ للمال.
وتحريمُ القذفِ ووجوبُ الحدِّ فيه صيانةٌ للأعراض.
وقد جعلها المؤلف خمسًا بحذف العِرْض، وإتيانه فيها لا بد منه.
الثاني: مصلحة جلب المصالح، وتسمَّى الحاجيات، ومنها: تسليط الولي على عقد نكاح الصغيرة لحاجة تحصيل الكفؤ خوفًا من فواته.
ومن فروعها: المساقاة والكِرى فى العقود.
الثالث: التحسينات، وتسمَّى التتميمات، وهي الجري على
стр. 261
مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
ومن فروعها: خصال الفطرة، كإعفاء اللحى، وقصِّ الشوارب.
ومنها: تحريم المستقذرات، ووجوب الإنفاق على الأقاربِ الفقراء، كالآباء والأبناء.
واعلم أنَّ مالكًا يراعي المصلحة المرسلة فى الحاجيات والضروريات كما قرره علماءُ مذهبه، خلافًا لما قاله عنه المؤلف من عدم مراعاتها فى الحاجيات.
ودليل مالك على مراعاتها إجماعُ الصحابة عليها، كتولية أبي بكر لعمر، واتخاذ عمر سجنًا، وكتبه أسماء الجند في ديوان، وإحداث عثمان لأذان آخر فى الجمعة، وأمثال ذلك كثيرة جدًّا.
فقد عرفتَ أنواع المصالح، وعرفت المرسل منها وغيرَ المرسل، وعرفت أنَّ مالكًا يراعيها فى الحاجيات كالضروريات.
واعلم أنَّ الضروريَّ له مكمِّل والحاجىَّ له مكمِّل.
فمكمِّل الضروريِّ كتحريم القليل جدًّا من المسكر، ومكمِّل الحاجيِّ كالخيار فى البيع والرهن، بناء على أنَّ البيعَ من الحاجيات.
والحقُّ أن أهل المذاهبِ كلَّهم يعملون بالمصلحة المرسلة، وإن قرَّروا في أصولهم أنَّها غير حجة، كما أوضحه القرافيُّ في "التنقيح".
وما ذكره المؤلف ﵀ من أنَّ مالكًا ﵀ أجاز قتل الثلث لإصلاح الثلثين، ذكره الجويني وغيره عن مالك، وهو غير
стр. 262
صحيح، ولم يروه عن مالك أحد من أصحابه، ولم يقله مالك (١)، كما حققه العلامة محمد بن حسن البنَّاني في حاشيته على شرح عبد الباقي الزرقاني لمختصر خليل.
وأشار صاحب "المراقي" إلى هذه المسألة بقوله:
ثم المناسبُ عنيت الحكمة ... منه ضروري وجا تتمة
بينهما ما ينتمي للحاجي ... وقدم القويَّ فى الرواج
دين فنفس ثم عقلٌ نسبُ ... مال إلى ضرورة تنتسبُ
ورتبن ولتعطفن مساويا ... عِرْضًا على المال تكن موافيا
فحفظها حتم على الإنسان ... في كل شرعة من الأديان
ألحقْ به ما كان ذا تكميل ... كالحد فيما يسكر القليل
إلى أن قال:
والبيع فالإجارة الحاجي ... خيار بيع لاحق جلي
وما يتمم لدى الحذَّاق ... حث على مكارم الأخلاق
وبهذا الإيضاح يظهر لك أنَّ ما يوهمُه كلام المؤلف من شمول الاستصلاح لما دلَّ الشرع على اعتباره غير مراد له. لكنَّ المؤلف ﵀ ترجم للاستصلاح الذي هو المصلحة المرسلة، ثم ذكر
стр. 263
جميع أنواع المصالح من مرسلة وغيرها، فحصل الإيهام. وقد عرفت التحقيق.
стр. 264
باب في تقسيم الكلام والأسماء
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(اختلف في مبدأ اللغات: فذهب قوم إلى أنَّها توقيفية. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره المؤلفُ في هذا المبحث أن مبدأ اللغات:
قيل: هو توقيفي، أي بتعليم من اللَّه، وَقَفَ الخلقَ على معاني تلك الألفاظ.
وقيل: هي اصطلاحية.
والذي يقول هي توقيفية يحتجُّ بأن الاصطلاح يحتاج إلى مفاهمة سابقة ليعلم كل منهم مراد الآخر.
والذين يقولون هي اصطلاحية يقولون أيضًا: إنَّ التوقيف يحتاج إلى فهم لكلام المُوقِفِ سابقًا على التوقيف، وإلا لم يفهم.
والكلُّ باطل؛ لأنَّ الاصطلاح لا يحتاج إلى علم سابق؛ لإمكان الفهم بالإشارة والتعيُّن (٢)، كما يفهم الطفلُ عن أبويه، ولأنَّ اللَّه سبحانه قادر على أن يخلق في الإنسانِ علمًا ضروريًّا يعرف به معاني
стр. 265
الألفاظ من غير فهم سابق.
وذكر المؤلفُ أنَّ القاضي جوَّز كونها اصطلاحية، وكونها توقيفية، وكون بعضِها توقيفيًّا وبعضِها اصطلاحيًّا، وكون بعضِها ثابتًا قياسًا.
قال: والواقع في ذلك لا دليل عليه.
ثم قال المؤلف (١): إنَّ هذه المسألةَ لا تدعو لها حاجة، فالخوضُ فيها تطويل بما لا فائدةَ تحته.
وقال بعضُ أهل الأصول: هي مسألة طويلة الذيل، قليلةُ النَّيل.
قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-:
(الأشبه أن تكون توقيفية؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ [البقرة/ ٣١]).
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
وفى الحديث أيضًا: "وعلَّمك أسماء كل شيء" الحديث.
ولم يُعَرِّف المؤلفُ اللغة، وعَرَّفها في "المراقي" بقوله:
وما من الألفاظ للمعنى وضع ... قل: لغةٌ، بالنقل يدري مَنْ سمع
وأشار إلى الخلاف الذي ذكره المؤلفُ بقوله:
стр. 266
واللغة الربُّ لها قد وضعا ... وعزوها للاصطلاح سمعا
فبالإشارة وبالتعيُّن ... كالطفل فهم ذي الخفا والبين
تنبيه:
لم يذكر المؤلفُ فائدة مبنية على الخلاف المذكور في مبدأ اللغات.
وقال الأبياري: لا فائدة تتعلقُ بهذا الخلاف أصلًا.
وقال قوم: ينبني على هذا الخلافِ جوازُ قلب اللغة، كتسمية الثوب فرسًا -مثلًا-، وإرادة الطلاق والعتق بنحو: اسقني الماء.
قالوا: فعلى أنَّها اصطلاحية يجوزُ لقومٍ أن يصطلحوا على تسمية الثوب فرسًا -مثلًا-، ولواحدٍ أن يقصد ذلك في كلامه.
وعلى القول بالتوقيف لا يجوزُ ذلك.
وكذلك على الأول -أيضًا- يصحُّ الطلاق والعتاق بكاسقني الماء، إن نواه به. وعلى القول الثاني لا يصحُّ.
قال المازريُّ: ومحل هذا الخلاف ما إذا لم يكن اللفظ متعبَّدًا به كتكبيرة الإحرام، أمَّا المتعبَّدُ به فلا يجوزُ فيه القلب إجماعًا.
وأشار إلى هذا فى "المراقي" بقوله:
يُبنى عليه القلبُ والطلاق ... بكاسقني الشرابَ والعتاقُ
أي يبنى [على] الاختلافِ في اللغة، فعلى أنَّها توقيفية يمنع،
стр. 267
واصطلاحية يجوز.
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
قال القاضي يعقوب: يجوزُ أن تثبت الأسماء قياسًا. . .) الخ.
خلاصةُ ما ذكره المؤلفُ في هذا الفصل: أنَّهم اختلفوا في تثبيت الأسماء بالقياس.
فقيل: يجوزُ ذلك.
ومراد قائله: أنَّ العرب إذا سمَّت شيئًا باسمٍ لأجل صفة فيه، ثم وجدنا تلك الصفة في شيء آخر، فلنا أنْ نقول بإطلاق ذلك الاسم عليه، كإطلاقها الخمر على عصير العنب القاذف بالزبد، وهذه التسمية لأجل صفة فيه هي مخامرة العقل، فإذا وجدنا هذه الصفة فى النبيذ سمَّيناه خمرًا في لغتهم.
وقيل: يمنع ذلك؛ لأنَّ الحال لا يخلو من واحدة من ثلاث:
إمَّا أن تكون العربُ وضعت الاسم لهما معًا، أو لواحد منهما، أو احتمل الأمرُ هذا وذاك.
فإن وَضَعَتْهُ لهما فليس هناك قياس، وإنَّما هو وضع منهم.
وإن كانت وضعته لواحد فليس لنا أن نتعدَّى عليهم، ونزعم أنَّهم
стр. 268
وضعوه للثاني أيضًا.
وإن احتمل الأمرين فليس لنا أن نتحكم.
وهذا القول أظهر.
ولم يذكر المؤلفُ فائدةً مرتبةً على هذا الخلاف.
وذكر بعضُ أهل الأصول فائدةً، وهي: أنَّا إذا قلنا بثبوت الأسماء قياسًا كفانا ذلك مؤونة القياس الشرعيِّ؛ فلو أدخلنا النبيذ -مثلًا- في اسم الخمر بقياس اللغة تناولته النصوص الواردة فى الخمر، فلا يحتاج إلى قياسٍ شرعيٍّ.
ولو قلنا بأنَّه لا يدخل فى اسم الخمر احتجنا إلى قياسٍ عليها بالقياس الشرعي، فيجبُ مراعاةُ شروطه.
وإلى هذا أشار في "المراقي" بقوله:
وفرعه المبنيُّ خفة الكلف ... فيما بجامع يقيسه السلف
تنبيه:
يُشترطُ فى الخلاف المذكور أنْ يكون اللفظُ المقيسُ عليه مشتقًّا.
وفى المسألة قول ثالث لم يذكره المؤلف، وهو جوازُ ذلك فى الحقيقةِ دون المجاز -عند بعضهم-.
وأشار إلى هذا في "المراقي" بقوله:
هل تثبت اللغةُ بالقياس ... والثالث الفرقُ لدى أناس
стр. 269
محله عندهم المشتقُّ ... وما عداهُ جاء فيه الوفقُ
وأمَّا المقيسات بالقياس التصريفي فهي تسعة، وهي: الفعل، واسم الفاعل، واسم المفعول، وصيغة المبالغة، والصفة المشبهة، وصيغة التفضيل، واسم المكان، واسم الزمان، واسم الآلة.
ومحل البحث في تحقيقها في فن الصرف، فلا نطيلُ بها الكلام هنا.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
في تقاسيم الأسماء، وهي أربعة أقسام: وضعية، وعرفية، وشرعية، ومجاز مطلق. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره المؤلفُ في هذا البحث أن الأسماء منقسمة إلى الأقسام الأربعة، وأن الحقيقةَ الشرعية مقدَّمة، ولا يكونُ لفظها مجملًا لاحتمالِ قصد الحقيقة اللغوية.
فلو وجد في كلام الشارع اسمُ "الصلاة" -مثلًا- وجب حملُه على معناه الشرعي دون اللغوي الذي هو الدعاء، ولا يقال: مجملٌ لاحتماله هذا وذاك.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن مراده بالوضعي هو الحقيقة اللغوية،
стр. 270
كاستعمالِ الرجل فى الإنسان الذكر، والمرأة فى الإنسان الأنثى، وإن كان الوضعيُّ يشملُ فى اصطلاحهم المجاز؛ لأنَّ دلالةَ المجاز عندهم على معناه المجازيِّ دلالة مطابقة، وهي وضعية بلا خلاف.
ومراده بالشرعية ما عرفت فيه التسمية الخاصة من قبل الشرع، كالصلاة والصوم والزكاة؛ إذ الصومُ فى اللغة كلُّ إمساك، والزكاة فى اللغة الطهارةُ والنماء، والصلاة فى اللغة الدعاء.
وعرَّف في "المراقي" الشرع بقوله:
وما أفاد لاسمه النبيُّ ... لا الوضع مطلقًا هو الشرعيُّ
ومراد المؤلف بالعرفية أمران:
أحدهما: داخل فى المجاز، والمجاز سيأتي.
والثاني منهما: هو أن يخصص عرف الاستعمال في أهل اللغة الاسم ببعضِ مسمياته الوضعية، كتخصيص اسم الدابة بذوات الأربع، مع أنَّ الوضع لكل ما يدبُّ على الأرض.
وأما المجازُ فهو المعروف عند أهل البلاغة وغيرهم: استعمالُ الكلمة في غير ما وضعتْ له لعلاقةٍ بينهما، مع قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي.
وهذا التعريف للمجاز المفرد المنقسم إلى استعارة، ومجاز مرسل.
وأقسام المجاز عند البيانيين أربعة: هذا الذي ذكرنا، والمجاز
стр. 271
المركب المنقسم إلى استعارة تمثيلية، ومجاز مرسل مركب، والمجاز العقليُّ، والتجوز فيه في الإسناد لا في لفظ المسند إليه ولا المسند، ومجاز النقص والزيادة بناء على عدِّها من أقسام المجاز.
وبرهان الحصر فى الأقسام الأربعة: أن اللفظ إمَّا أن يبقى على أصل وضعه، أو يغير عنه، فإن غيِّر فلا بدَّ أنْ يكون ذلك التغيير من قِبل الشرع، أو من قِبل عرف الاستعمال، أو من قِبل استعمال اللفظ في غير موضعه لعلاقة بقرينة، فالأول الوضعية، والثاني الشرعية، والثالث العرفية، والرابع المجاز.
واعلم أن التحقيق حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية، ثم العرفية، ثم اللغوية، ثم المجاز عند القائل به إن دلت عليه قرينة.
وأشار إلى هذا في "المراقي" بقوله:
واللفظ محمول على الشرعيِّ ... إن لم يكن فمطلق العرفي
فاللغوي على الجلي ولم يجب ... بحث عن المجاز فى الذي انتخب
والتحقيق وجود الحقيقة الشرعية، خلافًا لمن أنكرها وزعم أنَّها اللغوية وزيدت فيها شروط؛ لأنه قول باطل.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(والكلام المفيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نص، وظاهر،
стр. 272
ومجمل).
وبرهان الحصر في الثلاثة أنَّ الكلام إمَّا أن يحتمل معنًى واحدًا فقط، فهو النصُّ، نحو: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة/ ١٩٦].
وإن احتمل معنيين فأكثر، فلا بدَّ أن يكون في أحدهما أظهر من الآخر أوْ لا، فإن كان أظهر في أحدهما فهو الظاهر، ومقابلُه المحتملُ المرجوح، كالأسد فإنَّه ظاهر فى الحيوان المفترس، ومحتمل فى الرجل الشجاع.
وإن كان لا رجحان له في أحد المعنيين أو المعاني، فهو المجمل، كالعين والقرء ونحوهما.
وحكم النصِّ أن لا يعدل عنه إلا بنسخ.
وحكم الظاهر أن لا يعدل عنه إلا بدليل على قصد المحتمل المرجوح. وذلك هو التأويل ، وسيأتي إن شاء اللَّه.
وحكم المجمل أن يتوقف عن العمل به إلا بدليل على تعيين المراد.
والتأويل في اصطلاح الأصوليين: هو صرفُ اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدلُّ على ذلك.
ومثالُه قولُه ﷺ : "الجار أحقُّ بصقبه"، فإنه ظاهر في ثبوت الشفعة للجار مطلقًا، محتملًا احتمالًا مرجوحًا أن يكون المرادُ به خصوص الشريك المُقاسِم، إلا أنَّ هذا الاحتمال المرجوح دل عليه الدليل،
стр. 273
وهو قولُه ﷺ "فإذا ضربت الحدود، وصرفت الطرقُ فلا شفعة".
ولا بدَّ في دليل التأويل من أن يكون أغلب على الظنِّ من الظاهر الذي صرف عنه اللفظُ بالتأويل.
والاحتمال البعيد يحتاج إلى دليل قويٍّ كما مثَّلنا، والاحتمال القريب يكفيه دليل يجعله أغلب على الظن من الظاهر، والمتوسط من الدليل للمتوسط من الاحتمال، ولكل مسألة من هذا ذوق خاص، فالأحقُّ بتفصيل ذلك الفروع.
واعلم أنَّ النصَّ قد يطلق على الظاهر أيضًا، ويطلق على الوحي، وقد يطلق على كل ما دلَّ.
واختار المؤلفُ ﵀ الإطلاق المذكور أولًا.
تنبيه:
لم يتعرض المؤلفُ للتأويل بدليل يظنُّه المؤوِّلُ دليلًا، وليس بدليل في نفس الأمر، ولا للتأويل بلا دليل أصلًا.
والأول: هو المسمَّى ب التأويل الفاسد، والتأويل البعيد ، ومثَّل له الأصوليون من المالكية والشافعية بنصوصٍ أوَّلها الإمام أبو حنيفة ﵀، وستأتي في هذا المبحث، منها: حَمْلُ "المسكين" على "المُدّ" في قوله ﷺ : "ستين مسكينا"، وستأتي بقيتها.
والثاني: هو المسمَّى باللعب، كقول غلاة الشيعة في ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة/ ٦٧]: هي عائشة.
стр. 274
واعلم أنَّ دليل المؤول قد يكون قرينة، كمناظرة الإمامين الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه في عود الواهب في هبته؛ فالشافعيُّ يجيز، وأحمد يمنع؛ فاستدلَّ أحمد بحديث: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه"، فقال الشافعيُّ: نعم، ولكنَّ الكلب لا يحرم عليه أنْ يعود في قيئه؛ فقال أحمد: في أول الحديث: "ليس لنا مثلُ السوء" وهو قرينة على أنَّ هذا المثلَ السيء منفيٌّ عنَّا، فلا يجوز لأحد إتيانه لنا.
وقد يكون نصًّا آخر، كعموم ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة/ ٣] فإنه ظاهر في شموله الانتفاع بجلدها، والنصُّ على الانتفاع بجلد الشاة الميتة في قوله ﷺ : "هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به" الحديث يصرفُ ذلك العموم عن ظاهره.
وقد يكونُ ظاهر عمومٍ آخر، كالآية المذكورة مع عمومِ "أيما إهاب دبغ فقد طهر".
وقد يكون قياسًا راجحًا، فعموم جلد الزاني مئة جلدةٍ ظاهرٌ في شمول العبد، ولكنه تعالى لمَّا خصَّ عموم الزانية الأنثى بغير الأمة بقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء/ ٢٥] عُرِفَ أنَّ الرِّقَّ علة لتشطير الجلد، فحكم بتشطير جلد العبدِ قياسًا على الأمة، فكان في قياسه عليها صرفُ اللفظ عن إرادة عموم "الزاني" إلى محتمل مرجوح هو كونُه في خصوص الحر، اعتمادًا على القياس على الأمَةِ المنصوصِ عليها.
واعلم أنَّ كل مؤوِّل يلزمه أمران:
стр. 275
الأول: بيانُه احتمال اللفظ لما حملَه عليه.
الثاني: الدليل الصارفُ له إلى المحتملِ المرجوح.
قال المؤلفُ (١): (وهو ظاهر).
واعلم أنَّ الظاهر قد يكونُ فيه قرائن يدفعُ الاحتمالَ مجموعُها لا آحادُها، كحمل الحنفية قولَه ﷺ لغيلان بن سلمةَ الثقفيِّ وقد أسلم على عشر نسوةٍ: "أَمسك منهنَّ أربعًا وفارقْ مَنْ سواهنَّ" على الانقطاع عنهنَّ، وأنْ يبتدئ نكاحَ أربع منهنَّ.
فهذا ليس ظاهر اللفظ، وفيه قرائنُ يدفعه مجموعها:
منها: أنَّه قال: "أمسك"، ولو أراد ابتداء النكاح لما أمر الزوج بالإمساك؛ لأنَّ ابتداء النكاح يُشترط فيه رضى المرأة والولي.
ومنها: أنَّه لو أراد النكاحَ لذكرَ شروطَه؛ لأنَّه حديث عهد بالإسلام، والبيانُ لا يؤخرُ عن وقتِ الحاجة.
ومنها: أنَّ ابتداء النكاحِ لا يختصُّ بهنَّ.
ومن التأويل البعيد فى العموم: حملُ المرأة في قوله: "أيما امرأة نكحت" الحديث، على "المكاتِبَةِ" عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنَّها صورة نادرة.
وهذا الحديث صريح في عموم النساء؛ لأنَّ لفظةَ "أيُّ" صيغة
стр. 276
عموم، وقد أكد عمومها بما المزيدة للتوكيد، ورتَّب بطلان النكاح على الشرط في معرضِ الجزاء، وهذا من أبلغ صيغةٍ فى الدلالة على العموم، فحملُه على خصوص المكاتِبةِ لا يخفى بُعْدُه.
ومن التأويل البعيد -أيضًا- حمل "لا صيامَ لِمَنْ لم يُبيِّتْ الصيامَ من الليل" على النذر والقضاء؛ لأنَّ صوم التطوع غير مراد، فلم يبق إلا الفرض الذي هو ركن الإسلامِ وهو صوم رمضان، والقضاء والنذر يجيئان لأسباب عارضة، فهما كالمكاتبة في مسألة النكاحِ المتقدمة.
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(والصحيح أن ندرة هذا ليست كندرة المكاتبة، وأنَّ الفرضَ أسبقُ إلى الفهمِ فيه، فيحتاجُ هذا التخصيصُ بالنذر والقضاء إلى دليل قوي).
وهذه الأمثلةُ المذكورةُ للتأويل البعيد هي ما سبقت الإشارةُ إليها من أنَّها لأبي حنيفة ﵀، وأنَّ الأصوليين من المالكية والشافعية والحنابلة مثلوا لها بالتأويل البعيد.
وعرَّف في "المراقي" النصَّ بقوله:
نص إذا أفاد ما لا يحتمل ... غيرًا وظاهر إن الغير احتمل
وأشار إلى إطلاقات النص الآخر بقوله:
والكلُّ من ذين له تجلى ... ويطلق النص على ما دلَّا
стр. 277
وفي كلام الوحي. . . . . ... . . . . . . . . . . . . .
وأشار إلى هذه التأويلات البعيدة التي ذكرها المؤلفُ، وزاد عليها حملَ المسكين على المدِّ في قوله: "ستين مسكينًا" بقوله:
فجعل مسكين بمعنى المد ... عليه لائح سمات البعد
كحمل مرأة على الصغيرة ... وما ينافي الحرة الكبيرة
وحمل ما ورد فى الصيامِ ... على القضاءِ مع الالتزام
وعرَّف التأويل فى الاصطلاح الأصوليِّ، وذكر أقسامه إلى صحيحٍ وفاسدٍ ولعبٍ بقوله:
حمل لظاهر على المرجوحِ ... واقسمْه للفاسد والصحيح
صحيحُه وهو القريبُ ما حُمِلْ ... مع قوة الدليل عند المستدل
وغيره الفاسد والبعيد ... وما خلا فلعبًا يفيدُ
قال المؤلفُ (١):
(القسمُ الثالث: المجمل .
وهو ما لا يفهمُ منه معنى عند الإطلاق.
وقيل: ما احتمل أمرين لا مزيةَ لأحدهما على الآخر، كالألفاظِ المشتركة. . .) إلخ.
стр. 278
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
اعلم أنَّ التحقيق في معنى المجملِ عند الأصوليين، هو ما تقدَّمَ في تقسيم الكلام المفيد إلى نصٍّ وظاهر ومجمل، وهو ما احتمل معنيين، كالقرءِ للطهر والحيض، والشفقِ للحمرة والبياض، والمتردد بين معانٍ، كالعين للباصرة، والجارية، والنقد.
وهذا مثال الإجمال بسبب الاشتراكِ في اسمٍ، وقد يأتي بسبب الاشتراك في حرف أو فعل.
مثاله فى الحرف: الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران/ ٧]؛ فإنها محتملة للعطف، فيكون الراسخون يعلمون المتشابه، ومحتملة للاستئناف، فيستأثر اللَّه بعلمه.
ولفظة "من" في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة/ ٦] محتملةٌ للتبعيض، فيشترط ما له غبار يعلقُ فى اليد، ومحتملة لابتداء الغاية، فلا يشترطُ.
ومثاله فى الفعل: قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ [التكوير/ ١٧] مشترك بين أقبل وأدبر.
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(وقد يكون الإجمال في لفظ مركب ، كقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة/ ٢٣٧] متردد بين الزوج والولي).
стр. 279
وقد يكون بحسب التصريف، كالمختار، يصح لاسم الفاعل واسم المفعول.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
كلُّ فعل على وزن "افتعل" إذا كان معتلَّ العين أو مضعَّفًا يتحد اسم فاعله واسم مفعوله؛ لأنَّ الكسرة المميِّزة لاسم الفاعل، والفتحة المميِّزة لاسم المفعول، كلتاهما تسقطُ للاعتلال والتضعيف.
مثالُه في معتل العين: المختار، والمصطاد، والمجتاب.
ومثالُه فى المضعَّف: المضطر، والمحتل.
وكذلك كلُّ صيغةِ "فاعل" مضعَّفة، يستوي لفظ اسم فاعلها واسم مفعولها، كما يستوي مضارعها المبني للفاعل ومضارعها المبني للمفعول، كـ "مضار" لهما، و"يضار" للفعلين.
ولأجله اختلف في إعراب ﴿وَالِدَةُ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ [البقرة/ ٢٣٣] فقيل: فاعل، وقيل: نائب فاعل.
وكذلك ﴿كَاَتِبٌ﴾ و ﴿شَهِيدٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة/ ٢٨٢].
وحكم المجمل: التوقفُ عنه حتى يُعْرَفَ البيان، كما تقدم.
وعرف المجمل في "المراقي" بقوله:
وذو وضوحٍ محكم والمجملُ ... هو الذي المرادُ منه يجهلُ
стр. 280
تنبيه:
قد يكون الإجمالُ مع الوضوح في وجهٍ آخر، كقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام/ ١٤١]، فإنَّه واضح في إتيان الحقِّ، مجمل في مقدار الحق، لاحتماله النصف وأقلَّ وأكثر.
وأشار له في "المراقي" بقوله:
وقد يجي الإجمالُ من وجه ومن ... وجه يراه ذا بيانٍ مَنْ فَطِن
والتحقيقُ أنَّ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة/ ٣] ونحوه، غير مجمل؛ لظهورِه من جهة العرف في تحريم الأكل.
وكذلك قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة/ ٢٧٥] ليس بمجمل؛ لأنَّه على عمومه إلا ما أخرجه الدليل. وتظهرُ فائدته في حمل بيوع المسلمين على الصحة حتى يقومَ دليل على الفساد.
وكذلك قوله: "لا صلاة إلا بطهور" ليس بمجملٍ أيضًا؛ لأنَّ المراد نفي الصحة، وإن شئت قلت: نفي الصلاةِ بمعنى حقيقتها الشرعية. والمعنيان متلازمان؛ لأنَّ الصحة كلما وُجدت فحقيقة الصلاة الشرعية موجودةٌ، وكلما عدمت فهي معدومةٌ.
والتحقيقُ -أيضًا- في قوله ﷺ : "لا عمل إلا بنيةٍ" أنَّه غيرُ مجملٍ -أيضًا-.
وحاصل تحرير المقام فيه: أنَّ العمل إن كان عبادةً، كالصلاة، فالمرادُ فيه نفيُ الصحة والاعتماد. وإن شئت قلت: نفي العمل باعتبار
стр. 281
حقيقته الشرعية، كما قدَّمنا في مبحث: "لا صلاة إلا بطهور".
وإن كان معاملةً فهو يصحُّ ويعتدُّ به دون النية إجماعًا، والنفيُ فيه ينصبُّ على انتفاء الأجر؛ فمن أنفق على زوجته، وقضى الدين، وردَّ الأمانة والمغصوب، لا يريد بشيء من ذلك وجه اللَّه، فإنَّ المطالبة تسقطُ عنه، ويصحُّ فعلُه، ويعتدُّ به، ولكن لا أجر له، وكذلك جميع التروك.
وكل هذه المسائل التي ذكرنا أنَّها غيرُ مجملةٍ، قال فيها بعضُ العلماء بالإجمال، مستدلًا بأنَّ الصورة غيرُ منفيةٍ؛ فالمنفي إذًا غيرُها، ولم يصرح به فإنَّه محتمل، وإذًا فهو مجملٌ.
وقد علمت التحقيق فيه، وأنَّه غيرُ مجمل، وإليه الإشارةُ بقول، صاحب "المراقي":
والنفي للصلاة والنكاح ... والشبه محكم لدى الصحاحِ
وكذلك خبرُ: "رُفِعَ عَنْ أمتي الخطأُ والنسيانُ" على تقدير ثبوت هذا اللفظِ، ليس بمجمل -أيضًا-؛ لانَّ العرف يبينُ أنَّ المراد رفع المؤاخذةِ، وهو الحقُّ، ولا يلزم من ذلك رفعُ ضمان ما أتلفه خطأ أو نسيانًا؛ لأنَّ ضمان المتلفات وأروش الجنايات من خطاب الوضع، ولذا يلزم الصبي مع أنَّ القلم مرفوع عنه، ويجب على العاقلة في دية الخطأ مع أنَّهم لا علم لهم بالجناية.
وما ذكره المؤلفُ عن أبي الخطاب من أنَّ إرادة نفي المؤاخذة لا تصحُّ؛ مستدلًا بأنَّه لو أراد نفي الإثم لم يكن لهم في هذه الأمة مزية؛
стр. 282
لأنَّ الناسي غيرُ مكلَّف في جميع الشرائع، فيه عندي أمران:
أحدهما: أنَّ رفع إثم الناسي والمخطئ من غير هذه الأمة غيرُ مسلَّم؛ لورود أدلة تدلُّ على اختصاص هذه الأمة بعفو الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
منها: هذا الحديث الذي نحن بصدده، فقوله: "عن أمتي" يفهم منه أنَّ غيرها ليس كذلك.
ومنها: حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النارَ في ذباب قرَّبه لصنم، مع أنه مكره بالخوف من القتل؛ لأنَّهم قتلوا صاحبه لمَّا أبى عن ذلك.
ومنها: أنَّ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦] وقول اللَّه: "قد فعلت" كما ثبت في صحيح مسلم، يدلُّ على أنَّ المؤاخذة بالخطأ والنسيان كانت معهودة على من قبلنا، إذ لو كانت مرفوعة عن كلِّ أحد لما دعت ضرورة إلى ذلك الدعاء، وإظهار الكرامة بالإجابة بقوله: "قد فعلتُ"؛ فظاهرُ الامتنان أنَّه خاصٌّ بنا.
ويُستأنسُ لهذا بما ذكره البغوي عن الكلبى من أنَّ من قبلنا كانوا يؤاخذون بالخطأ والنسيان.
وقد قال اللَّه تعالى في آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه/ ١١٥]، وقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه/ ١٢١]؛ فأضاف إليه العصيان والنسيان؛ فدلَّ على المؤاخذةِ به.
وأمَّا على القول بأنَّ "نسي" بمعنى ترك فلا دليل فى الآية.
стр. 283
ومن الأدلة على مؤاخذتهم فى الإكراه: قولُه تعالى عن أصحاب الكهفِ: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف/ ٢٠]، فهذا صريح فى الإكراه، مع أنَّهم قالوا: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف/ ٢٠] فدلَّ على عدم عذرهم به.
ثانيهما: هو أنَّا نقول: متعلق الرفع في قوله: "رفع عن أمتي. . " الخ، لا بدَّ أن يكون أحدَ أمرين، أو كليهما، وهما: الإثم والضمان؛ إذْ لا وصفَ يتعلق به الرفعُ إلا الإثم والضمان.
والإثمُ مرفوعٌ قطعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب/ ٥]، وقوله في الحديث القدسي: "قد فعلتُ"، كما تقدم.
والضمان غير مرفوع إجماعًا؛ لتصريحه تعالى بضمان المخطئ في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء/ ٩٢] إلى قوله: ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء/ ٩٢].
فاتضح أنَّ الإثم مرفوع، وأنَّ الضمان غيرُ مرفوع؛ فتعيَّن كونُ المرفوع متعلقَ الرفع في الحديث [هو الإثمُ]، كما هو واضح.
стр. 284
فصل في البيان
والمبين في مقابلة المجمل.
واختلف فى البيان، فقيل: هو الدليل، وهو ما يتوصلُ بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن.
وقيل: هو إخراج الشيء من الإشكال إلى الوضوح.
وقيل: ما دلَّ على المراد بما لا يستقلُّ بنفسه فى الدلالة على المراد.
وقد قيل: هذان الحدان مختصان بالمجمل. . . إلخ.
حاصل هذا الخلاف هو: هل البيانُ يطلقُ على كلِّ إيضاحٍ تقدَّمه خفاء أو لا؟ أو هو إيضاحُ ما فيه خفاء خاصٌّ؟
وأكثر الأصوليين على أنَّ البيان فى الاصطلاح الأصولي هو تصيير المشكلِ واضحًا، والبيانُ يحصلُ بكلِّ ما يُزيل الإشكال من:
أ- كلام: كبيان قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة/ ١] بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة/ ٣].
ب- أو كتابة: ككتابته ﷺ إلى عماله على الصدقات.
ج- أو إشارة: كقوله: "الشهر هكذا وهكذا" وأشار بأصابعه إلى كونه مرة ثلاثين، ومرة تسعًا وعشرين.
د- أو فعل: كبيانه ﷺ للصلاة والحج بالفعل، وقال في الأولى:
стр. 285
"صلوا كما رأيتموني أصلي" وفي الثانية: "خُذُوا عني مناسككم".
هـ- أو سكوت على فعل: فإنَّه بيان لجوازه.
وعرَّف في المراقي البيانَ وما به البيان بقوله:
تصيير مشكل من الجلي ... وهو واجبٌ على النبي
إذا أريد فهمُه وهو بما ... من الدليل مطلقًا يجلو العمى
فقوله: "بما من الدليل. . . " إلخ يدلُّ على أنَّ كلَّ شيء يزيل الإشكال بيانٌ، واختار المحشِّي أنَّ البيان شامل لكلِّ إيضاح تقدمه خفاء أولا. وهو قولٌ معروف لبعض أهل الأصول، ولا مشاحة فى الاصطلاح.
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(ولا يشترط حصول العلم للمخاطب، فإنَّه يقال: بيَّن له ولم يتبين).
ومثاله -فيما يظهر لى- أنَّه ﷺ بيَّن أنَّ عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء/ ١١] لا يتناول الأنبياء، لأنهم لا يورثُ عنهم المال، فلا يقدح في هذا البيان أنَّ فاطمة الزهراء ﵂ وصلى وسلم على أبيها لم تعلم به، وجاءت إلى أبي بكر تطلبُ ميراثها منه ﷺ .
وإلى هذه القاعدة أشار في "المراقي" بقوله: