← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 282

مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر- ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (528 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

حقيقته الشرعية، كما قدَّمنا في مبحث: "لا صلاة إلا بطهور". وإن كان معاملةً فهو يصحُّ ويعتدُّ به دون النية إجماعًا، والنفيُ فيه ينصبُّ على انتفاء الأجر؛ فمن أنفق على زوجته، وقضى الدين، وردَّ الأمانة والمغصوب، لا يريد بشيء من ذلك وجه اللَّه، فإنَّ المطالبة تسقطُ عنه، ويصحُّ فعلُه، ويعتدُّ به، ولكن لا أجر له، وكذلك جميع التروك. وكل هذه المسائل التي ذكرنا أنَّها غيرُ مجملةٍ، قال فيها بعضُ العلماء بالإجمال، مستدلًا بأنَّ الصورة غيرُ منفيةٍ؛ فالمنفي إذًا غيرُها، ولم يصرح به فإنَّه محتمل، وإذًا فهو مجملٌ. وقد علمت التحقيق فيه، وأنَّه غيرُ مجمل، وإليه الإشارةُ بقول، صاحب "المراقي": والنفي للصلاة والنكاح ... والشبه محكم لدى الصحاحِ وكذلك خبرُ: "رُفِعَ عَنْ أمتي الخطأُ والنسيانُ" على تقدير ثبوت هذا اللفظِ، ليس بمجمل -أيضًا-؛ لانَّ العرف يبينُ أنَّ المراد رفع المؤاخذةِ، وهو الحقُّ، ولا يلزم من ذلك رفعُ ضمان ما أتلفه خطأ أو نسيانًا؛ لأنَّ ضمان المتلفات وأروش الجنايات من خطاب الوضع، ولذا يلزم الصبي مع أنَّ القلم مرفوع عنه، ويجب على العاقلة في دية الخطأ مع أنَّهم لا علم لهم بالجناية. وما ذكره المؤلفُ عن أبي الخطاب من أنَّ إرادة نفي المؤاخذة لا تصحُّ؛ مستدلًا بأنَّه لو أراد نفي الإثم لم يكن لهم في هذه الأمة مزية؛

стр. 282

لأنَّ الناسي غيرُ مكلَّف في جميع الشرائع، فيه عندي أمران: أحدهما: أنَّ رفع إثم الناسي والمخطئ من غير هذه الأمة غيرُ مسلَّم؛ لورود أدلة تدلُّ على اختصاص هذه الأمة بعفو الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. منها: هذا الحديث الذي نحن بصدده، فقوله: "عن أمتي" يفهم منه أنَّ غيرها ليس كذلك. ومنها: حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النارَ في ذباب قرَّبه لصنم، مع أنه مكره بالخوف من القتل؛ لأنَّهم قتلوا صاحبه لمَّا أبى عن ذلك. ومنها: أنَّ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦] وقول اللَّه: "قد فعلت" كما ثبت في صحيح مسلم، يدلُّ على أنَّ المؤاخذة بالخطأ والنسيان كانت معهودة على من قبلنا، إذ لو كانت مرفوعة عن كلِّ أحد لما دعت ضرورة إلى ذلك الدعاء، وإظهار الكرامة بالإجابة بقوله: "قد فعلتُ"؛ فظاهرُ الامتنان أنَّه خاصٌّ بنا. ويُستأنسُ لهذا بما ذكره البغوي عن الكلبى من أنَّ من قبلنا كانوا يؤاخذون بالخطأ والنسيان. وقد قال اللَّه تعالى في آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه/ ١١٥]، وقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه/ ١٢١]؛ فأضاف إليه العصيان والنسيان؛ فدلَّ على المؤاخذةِ به. وأمَّا على القول بأنَّ "نسي" بمعنى ترك فلا دليل فى الآية.

стр. 283

ومن الأدلة على مؤاخذتهم فى الإكراه: قولُه تعالى عن أصحاب الكهفِ: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف/ ٢٠]، فهذا صريح فى الإكراه، مع أنَّهم قالوا: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف/ ٢٠] فدلَّ على عدم عذرهم به. ثانيهما: هو أنَّا نقول: متعلق الرفع في قوله: "رفع عن أمتي. . " الخ، لا بدَّ أن يكون أحدَ أمرين، أو كليهما، وهما: الإثم والضمان؛ إذْ لا وصفَ يتعلق به الرفعُ إلا الإثم والضمان. والإثمُ مرفوعٌ قطعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب/ ٥]، وقوله في الحديث القدسي: "قد فعلتُ"، كما تقدم. والضمان غير مرفوع إجماعًا؛ لتصريحه تعالى بضمان المخطئ في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء/ ٩٢] إلى قوله: ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء/ ٩٢]. فاتضح أنَّ الإثم مرفوع، وأنَّ الضمان غيرُ مرفوع؛ فتعيَّن كونُ المرفوع متعلقَ الرفع في الحديث [هو الإثمُ]، كما هو واضح.

стр. 284

فصل في البيان والمبين في مقابلة المجمل. واختلف فى البيان، فقيل: هو الدليل، وهو ما يتوصلُ بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن. وقيل: هو إخراج الشيء من الإشكال إلى الوضوح. وقيل: ما دلَّ على المراد بما لا يستقلُّ بنفسه فى الدلالة على المراد. وقد قيل: هذان الحدان مختصان بالمجمل. . . إلخ. حاصل هذا الخلاف هو: هل البيانُ يطلقُ على كلِّ إيضاحٍ تقدَّمه خفاء أو لا؟ أو هو إيضاحُ ما فيه خفاء خاصٌّ؟ وأكثر الأصوليين على أنَّ البيان فى الاصطلاح الأصولي هو تصيير المشكلِ واضحًا، والبيانُ يحصلُ بكلِّ ما يُزيل الإشكال من: أ- كلام: كبيان قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة/ ١] بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة/ ٣]. ب- أو كتابة: ككتابته ﷺ إلى عماله على الصدقات. ج- أو إشارة: كقوله: "الشهر هكذا وهكذا" وأشار بأصابعه إلى كونه مرة ثلاثين، ومرة تسعًا وعشرين. د- أو فعل: كبيانه ﷺ للصلاة والحج بالفعل، وقال في الأولى:

стр. 285

"صلوا كما رأيتموني أصلي" وفي الثانية: "خُذُوا عني مناسككم". هـ- أو سكوت على فعل: فإنَّه بيان لجوازه. وعرَّف في المراقي البيانَ وما به البيان بقوله: تصيير مشكل من الجلي ... وهو واجبٌ على النبي إذا أريد فهمُه وهو بما ... من الدليل مطلقًا يجلو العمى فقوله: "بما من الدليل. . . " إلخ يدلُّ على أنَّ كلَّ شيء يزيل الإشكال بيانٌ، واختار المحشِّي أنَّ البيان شامل لكلِّ إيضاح تقدمه خفاء أولا. وهو قولٌ معروف لبعض أهل الأصول، ولا مشاحة فى الاصطلاح. قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (ولا يشترط حصول العلم للمخاطب، فإنَّه يقال: بيَّن له ولم يتبين). ومثاله -فيما يظهر لى- أنَّه ﷺ بيَّن أنَّ عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء/ ١١] لا يتناول الأنبياء، لأنهم لا يورثُ عنهم المال، فلا يقدح في هذا البيان أنَّ فاطمة الزهراء ﵂ وصلى وسلم على أبيها لم تعلم به، وجاءت إلى أبي بكر تطلبُ ميراثها منه ﷺ . وإلى هذه القاعدة أشار في "المراقي" بقوله:

стр. 286

ونسبة الجهل لذي وجود ... بما يخصص من الموجود ويجوز بيان النص بما هو دونه سندًا، قال بعضهم: أو دلالة، فتبين المتواترات بالآحاد، وهو مذهب الجمهور، وإليه الإشارة بقوله في "المراقي": وبين القاصر من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعتمد وأوجبن عند بعض علمًا ... إذا وجوب ذى الخفاء عما ومن قال بهذا أجاز بيان المنطوق بالمفهوم، كتخصيص عموم قوله ﷺ : "ليُّ الواجد ظلمٌ، يحلُّ عرضَه وعقوبتَه" بمفهوم الموافقة في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء/ ٢٣]؛ لأنَّ فحواه يقتضي منع الأذى بالحبس فى الدين، فلا يحبسُ الوالدُ في دين ولده. وكتخصيص عموم قوله: "في أربعين شاة شاة" بمفهوم المخالفة في قوله: "في الغنم السائمة الزكاة" عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة. هكذا ذكر جماعة من أهل الأصول. وذهب قوم إلى أنَّ الأضعف دلالة لا يمكن البيان به؛ إذ لا يبينُ الأظهرُ بالأخفى. وأمَّا الأضعف سندًا إذا كان أقوى دلالة فلا مانع من أن يبيَّنَ به الأقوى سندًا الذي هو أضعفُ دلالة. ومثالُه قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٤]، فإنَّه

стр. 287

أقوى سندًا من حديث: "لا تُنكح المرأةُ على عمتها أو خالتها"، ولكنَّ الحديث أقوى دلالة على تحريم المرأة مع عمَّتها من دلالة عموم الآية على إباحة ذلك. قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل لا خلاف في أنَّه لا يجوزُ تأخير البيان عن وقت الحاجة) . وجزم في "المراقي" بأنَّ من أجازه وافق على عدم وقوعه بقوله: تأخرُ البيان عن وقت العمل ... وقوعُه عند المجيز ما حصل وذهب قوم إلى أنَّه واقعٌ، واحتجوا بأنَّ جبريل أخَّر بيان صلاة الصبح من ليلة الإسراء. وأجيب من جهة الجمهور بأنَّ أول صلاة منها يجبُ أداؤها صلاةُ الظهر من اليوم الذي بعد ليلة الإسراء، ولو كانت صلاة الصبح من ذلك اليوم واجبة الأداء لبيَّنها جبريل ﵇. والحقُّ ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنَّ تكليف الإنسان بما لا يعلمُ تكليف له بالمحال، وهو ممنوعُ الوقوعِ على التحقيق.

стр. 288

قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل واختلف في تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة: فقال ابن حامد: يجوز، وبه قال بعضُ الحنفية وبعضُ الشافعية. وقال أبو بكر عبد العزيز، وأبو الحسن التميمي: لا يجوزُ ذلك، وهو قول أهل الظاهر والمعتزلة. . .) إلخ. خلاصة ما ذكره المؤلفُ في هذا البحث ثلاثة أقوال: أولًا: اختيارُ المؤلف منها: أنَّ تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز وواقع مطلقًا. ثانيًا: أنه لا يجوز مطلقًا. ثالثًا: لا يجوزُ إن كان له ظاهر؛ لأنَّه يوقع في المحظور، فقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة/ ٥]-مثلًا- ظاهرُه العموم، فلو أخِّر البيان لأدى إلى قتل الذمي والمعاهد والمستأمن؛ لشمول ظاهر العموم لهم. واستدل المؤلفُ لجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة/ ١٨، ١٩] و"ثم" للتراخي؛ فدلَّت على تراخي البيان عن وقت الخطاب. وكذلك عنده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود/ ١].

стр. 289

وبأنَّه ﷺ علم بأنَّ المراد بقوله [تعالى] في خمس الغنيمة: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال/ ٤١] بنو هاشم والمطلب، دون إخوانهم من بني نوفل وعبد شمس، مع أنَّ الكلَّ أولاد عبد مناف، فأخر بيانهم حتى سئل فقال: "إنَّا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام". وبأنَّه تعالى قال لنوح: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود/ ٤٠]، وأخَّر بيان أنَّ ولده الذي غرق ليس من الأهل الموعود بنجاتهم، حتى (١) قال نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود/ ٤٥] فبين له أنَّه ليس من أهله بقوله: ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود/ ٤٦]. وبأن آيات الصلاة والزكاة والحج بينتها السنة بالتراخي والتدريج فى أوقات الحاجة. وبأنَّ النسخ بيان لانقضاء زمن الحكم الأول، ولا خلاف في تأخير بيانه إلى وقته. إلى غير ذلك من الأدلة. وأشار في "المراقي" إلى هذا الخلاف في هذه المسألة مع زيادة قول رابع بقوله: تأخيره للاحتياج واقع ... وبعضُنا هو لذاك مانعُ وقيل بالمنع لما كالمطلق ... ثم بعكسه لدى البعض انطقِ

стр. 290

باب الأمر قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (الأمر: استدعاءُ الفعل بالقول على وجه الاستعلاء. وقيل: هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به. . .، وهو فاسد). وجه فساد الحدِّ الأخير أنَّ فيه لفظة "المأمور" مرتين، وهى مشتقة من الأمر، فيحصل الدَّور، فيمتنع الفهم. ومفهوم قوله: "على وجه الاستعلاء" أنَّه إن كان على عكس ذلك فهو دعاء، وإن كان على التساوي فهو التماس، كما قال الأخضريُّ في سلَّمه: أمر مع استعلا وعكسه دعا ... وفى التساوي فالتماسٌ وقعا واشتراطُ الاستعلاء الذي مشى عليه المؤلفُ هو قولُ الفخر الرَّازي، وأبي الحسين، والآمدي، وابن الحاجب، والباجي. وقيل: يشترط فيه العلوُّ فقط. وهو قولُ المعتزلة، وأبي إسحاق الشيرازي، وابن الصبَّاغ، والسمعاني. وقيل: يشترطُ فيه العلوُّ والاستعلاء معًا. وهو قول القشيري، والقاضي عبد الوهاب.

стр. 291

وقيل: لا يشترطُ فيه علوٌّ ولا استعلاءٌ، فيصحُّ من المساوي والأدون على غير وجه الاستعلاء. وهو مذهب المتكلمين، واختاره غيرُ واحد من متأخري الأصوليين. وأشار في "المراقي" إلى هذه الأقوال بقوله: وليس عند جلِّ الأذكياء ... شرطُ علو فيه واستعلاء وخالف الباجي بشرط التالي ... وشرط ذاك رأي ذى اعتزال واشترطا معًا على توهين ... لدى القشيري وذي التلقين والاستعلاء: كون الأمر على وجه الغلظة والترفع والقهر. والعلو: شرف الآمر وعلوُّ منزلته في نفس الأمر. قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (وللأمر صيغة مبينةٌ تدلُّ بمجردها على كونها أمرًا إذا تعرَّت عن القرائن، وهي: افعل للحاضر، وليفعل للغائب، هذا قول الجمهور. . .) إلخ. اعلم أنَّ الصيغ الدالة على الأمر أربع، وكلها في القرآن، وهي: ١ - فعل الأمر، نحو ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء/ ٧٨]. ٢ - المضارع المجزوم بلام الأمر، نحو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ

стр. 292

عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور/ ٦٣]. ٣ - اسم فعل الأمر، نحو ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة/ ١٠٥]. ٤ - المصدر النائب عن فعله، نحو ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد/ ٤]. قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (وزعمت فرقة من المبتدعة أنَّه لا صيغة للأمر؛ بناءً على خيالهم أنَّ الكلام معنى قائمٌ بالنفس، فخالفوا الكتاب والسنةَ وأهل اللغة والعرف. . .) إلخ. اعلم أنَّ كثيرًا من المتكلمين يزعمون أنَّ كلام اللَّه معنى قائمٌ بذاته مجرَّدٌ عن الألفاظ والحروف. والأمر عندهم -هو اقتضاءُ الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس المجردِ عن الصيغة. ولأجل هذا الاعتقاد الفاسد قسموا الأمر إلى قسمين: نفسي، ولفظي. فالأمر النفسيُّ -عندهم- هو ما ذكرنا. والأمر اللفظيُّ: هو اللفظُ الدالُّ عليه، كصيغة "افعل". وأشار إلى مرادهم هذا صاحب "مراقي السعود" بقوله في تعريف النفسي -عندهم- واللفظي:

стр. 293

هو اقتضاءُ فعلٍ غير كفِّ ... دلَّ عليه لا بنحو كُفِّي هذا الذي حُدَّ به النفسيُّ ... وما عليه دلَّ قل لفظيُّ إذا علمت ذلك، فاعلم أنَّ هذا المذهب باطلٌ، وأنَّ الحقَّ أنَّ كلام اللَّه هو هذا الذي نقرؤه بألفاظه ومعانيه، فالكلامُ كلامُ الباري، والصوت صوت القاري. وقد صرَّح تعالى بذلك في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة/ ٦]، فصرَّح بأنَّ ما يسمع ذلك المشرك المستجير بألفاظه ومعانيه كلامه تعالى. وأقام المؤلفُ الحجج على أنَّ ما في النفس إن لم يُتَكَلَّمْ به لا يسمى كلامًا، كقوله في قصة زكريا: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ [آل عمران/ ٤١] مع أنه أشار إليهم، كما قال: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ [مريم/ ١١] فلم يكن ذلك المعنى القائم بنفسه الذي عبَّر عنه بالإشارة كلامًا. وكذلك في قصة مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم/ ٢٦] مع قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم/ ٢٩]. وفى الحديث: "إنَّ اللَّه عفا لأمتي عما حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به". واتفق أهل اللسان على أن الكلام: اسمٌ وفعلٌ، وحرفٌ. وأجمع الفقهاء على أنَّ من حلف لا يتكلم لا يحنثُ بحديث

стр. 294

النفس، وإنَّما يحنثُ بالكلام. قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: وإذا أطلق الكلام في بعض الأحيان على ما فى النفس فلا بدَّ أنْ يقيَّد بما يدل على ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ [المجادلة/ ٨]. فلو لم يُقيد بقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ لانصرف إلى الكلام باللسان، كما قرَّره المؤلف ﵀. قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فأما الدليل على أنَّ هذه صيغة الأمر فاتفاقُ أهل اللسان على تسمية هذه الصيغة أمرًا. ولو قال رجلٌ لعبده: "اسقني ماءً" عُدَّ أمرًا، وعُدَّ العبدُ مطيعًا بالامتثال). وهذا واضحٌ. ومن الواضح -أيضًا- أنه لا يقدح في كون "افعلْ" صيغة أمر كونها قد تردُ لغير ذلك، كالندب في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور/ ٣٣] على القول به. والإباحة في قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة/ ٢]. والإكرام في قوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ [الحجر/ ٤٦].

стр. 295

والإهانة في قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان/ ٤٩]. والتهديد في قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت/ ٤٠]. والتعجيز في قوله: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران/ ١٦٨]. إلى غير ذلك من المعاني؛ لأن صيغة "افعل" حقيقة متبادرةٌ في استدعاء الفعل وطلبه، مع أنها تُستعملُ في معنى آخر مع قرينةٍ تبينُ أنَّ المراد ذلك المعنى الآخر. وهذا لا إشكال فيه، كما أوضحه المؤلف. قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل ولا يشترطُ في كون الأمر أمرًا إرادة الآمر. . .) إلخ. اعلم أنَّ التحقيق في هذا المبحث أنَّ الإرادة نوعان: إرادةٌ شرعيةٌ دينية، وإرادةٌ كونيةٌ قدرية. والأمرُ الشرعيُّ إنما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية، ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية، فاللَّه أمرَ أبا جهلٍ -مثلًا- بالإيمان، وأراده منه شرعًا ودينًا، ولم يرده منه كونًا وقدرًا؛ إذْ لو أراده كونًا

стр. 296

لوقع، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام/ ١٠٧]، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة/ ١٣]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام/ ٣٥]. فإن قيل: ما الحكمة في أمره بشيء وهو يعلمُ أنه لا يريدُ وقوعه كونًا وقدرًا؟ فالجواب: أنَّ الحكمة في ذلك ابتلاءُ الخلق، وتمييز المطيع من غير المطيع، وقد صرح تعالى بهذه الحكمة، فإنَّه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده مع أنَّه لم يُرِدْ وقوع ذبحه بالفعل كونًا وقدرًا، وقد صرَّح بأنَّ الحكمة في ذلك ابتلاء إبراهيم حيث قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ [الصافات/ ١٠٦]. فظهر بطلان قول المعتزلة أنه لا يكون أمرًا إلا بإرادة وقوعه. وقد جرَّهم ضلالهم هذا إلى قولهم: إنَّ معصية العاصي ليست بمشيئة اللَّه؛ لأنه أمرَ بتركها، ولم يُرِدْ إلا التزام الذي أَمَر به؛ لأن الأمر لا يكونُ أمرًا إلا بالإرادة. فنسبوا إليه تعالى العجز، واستقلال الحادث بالفعل دونه، عن ذلك علوًّا كبيرا. وقد يُشاهَدُ السيدُ يأمرُ عبده اختبارًا لطاعته، ونيَّتُه أنه إنْ أظهر الطاعة أعفاهُ من فعلِ المأمور به، فهو أمرٌ دون إرادة وقوع المأمور به لا لبس فيه كما ذكره المؤلفُ ﵀.

стр. 297

مسألة قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (إذا ورد الأمرُ متجردًا عن القرائن اقتضى الوجوبَ في قول الفقهاء. . .) الخ. خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أربعة أقوال: ١ - أنَّ الصيغة المذكورة للوجوب. ٢ - أنها للإباحة. وحجتُه أنَّا رأينا الأمر قد يأتي لها، كقوله: ﴿فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة/ ٢]، فنحمله على أدنى الدرجات وهو الإباحة. ٣ - أنَّها للندب. وحجتُه أن صيغة "افعل" تقتضي طلب الفعل، وأدنى درجات الطلب الندبُ، فنحمله عليه. ٤ - الوقف حتى يَرِدَ الدليلُ ببيانه. والحقُّ أنَّها للوجوب إلَّا بدليل صارفٍ عنه؛ لقيام الأدلة، كقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور/ ٦٣]، فالتحذير من الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر يدل على أنه للوجوب. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب/ ٣٦]، فإنه جعل أمر اللَّه ورسوله مانعًا من

стр. 298

الاختيار، وذلك دليل الوجوب. وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ [المرسلات/ ٤٨] فهو ذمٌّ لهم على ترك امتثال الأمر بالركوع، وهو دليلُ الوجوب. وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف/ ١٢]، فقرَّعه على مخالفة الأمر، وهو دليل الوجوب. وقوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه/ ٩٣]، فهو دليل على أن مخالفة الأمر معصية، وذلك دليل الوجوب. وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم/ ٦]. إلى غير ذلك من أدلة الكتاب والسنة. ولا خلاف بين أهل اللسان العربي أنَّ السيد لو قال لعبده: افعل، فلم يمتثل، فأدَّبه لأنَّه عصاه، أنَّ ذلك واقعٌ موقعه، مفهومٌ من نفس صيغة الأمر. وأشار في "المراقي" إلى الأقوال في هذه المسألة بقوله: و"افعل" لدى الأكثرِ للوجوبِ ... وقيل للندبِ أو المطلوبِ وقيل للوجوبِ أمرُ الربِّ ... وأمرُ مَنْ أرسله للندبِ والحقُّ أنَّ دليل اقتصاء "افعل" للوجوب الشرعُ واللغةُ -كما ذكرنا-، وقيل: العقلُ، كما أشار إليه في المراقي بقوله: ومفهمُ الوجوبِ يُدْرَى الشرعُ ... أو الحجا أو المفيد الوضع

стр. 299

قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل إذا وردت صيغةُ الأمرِ بعد الحظر اقتضت الإباحة، وهو ظاهرُ قول الشافعي). خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث: أنَّ صيغة "افعل" إذا وردت في أمرٍ كان ممنوعًا، ففيما تفيده ثلاثة أقوال: الأوَّل: الإباحة. وعزاه لظاهر قول الشافعي. الثَّاني: أنَّها كالتي لم يتقدمها حظرٌ. وقد قدَّمنا أنها للوجوب عند التجرد من القرائن. الثالث: إنْ ورد الأمرُ بصيغة "افعل" فهي للجواز، وإنْ ورد بمثل "أنتم مأمورون" فكالتي لم يتقدمها حظر. وحجة القول بالوجوب هو ما قدمنا من أدلة كون "افعل" للوجوب. وحجةُ القول بالإباحة -وهو اختيار المؤلف-: أنَّ عرف الاستعمال في الأمر بعد الحظر بالإباحة، بدليل أنَّ أكثر أوامر الشرع بعد الحظر بالإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة/ ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة/ ١٠]، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ

стр. 300

فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة/ ٢٢٢]، إلى غير ذلك من الأدلة. وحجة القول الثالث: أنَّ الجملة الاسميةَ قد تفيدُ من الثبوت والدوام ما لا تُفيدُه صيغةُ "افعل". ولا يخفى ضعفُ هذا القول. وحاصلُ معنى اختيار المؤلفِ أنَّها للإباحة هو: أنَّ الحظرَ الأوَّل قرينةٌ صارفةٌ للصيغة عن الوجوب إلى الإباحة. قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-: الذي يظهرُ لي في هذه المسألة هو ما يشهدُ له القرآنُ العظيم، وهو أنَّ الأمر بعد الحظر يدلُّ على رجوع الفعل إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإن كان قبله جائزًا رجع إلى الجواز، وإنْ كان قبله واجبًا رجع إلى الوجوب. فالصيد -مثلًا- كان مباحًا، ثم مُنِعَ للإحرام، ثم أُمِرَ به عند الإحلال، فيرجعُ لما كان عليه قبل التحريم. وقتل المشركين كان واجبًا، ثم مُنِعَ لأجل دخول الأشهر الحرم، ثم أُمِرَ به عند انسلاخها في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ الآية [التوبة/ ٥]، فيرجعُ إلى ما كان عليه قبل التحريم. وهكذا. وهذا الذي اخترنا قال به بعضُ الأصوليين، واختاره ابن كثيرٍ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة/ ٢].

стр. 301

وإلى هذه الأقوال في هذه المسألة أشار في "المراقي" بقوله: والأمرُ للوجوب بعد الحظلِ ... وبعد سؤلٍ قد أتى للأصلِ أو يقتضي إباحة للأغلب ... إذا تعلقَ بمثل السبب إلَّا فذى المذهب والكثيرُ ... له إلى إيجابه مصيرُ قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل الأمرُ المطلقُ لا يقتضى التكرارَ في قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو اختيار أبي الخطاب، وقال القاضي وبعضُ الشافعية: يقتضى التكرارَ. . .) الخ. خلاصةُ ما ذكره المؤلفُ في هذا المبحث أنَّ الأمر المطلقَ؛ أي غير المقيَّدِ بمرةٍ ولا تكرارٍ ولا صفةٍ ولا شرطٍ، فيه أربعة أقوال: الأوَّل: لا يقتضي التكرار. وهو الحق. الثَّاني: يقتضيه. الثالث: إن عُلِّقَ على شرطٍ اقتضى التكرار، وإلَّا فلا. الرابع: إنْ كُرِّرَ لفظُ الصيغة اقتضى التكرار، وإلا فلا. أعلم أولًا أنَّ ذكر القول بأنَّه إنْ علِّق على شرطٍ مكرر سهوٌ من

стр. 302

المؤلف ﵀؛ لأنَّ الكلام في الأمر المطلقِ خاصةَ، والمعلقُ على شرطٍ غيرُ مطلق. والحقُّ أنَّ المطلقَ لا يقتضى التكرار، بل يخرجُ من عهدته بمرةٍ واحدة، فلو قال لوكيله: طلِّق زوجتي، فليس له إلَّا تطليقة واحدة. ولو قال لعبده: اشتر متاعًا لم يلزمْه ذلك إلا مرَّة واحدة. وهذا لا شك فيه، سواء قلنا باقتضائه المرة، أو مطلق الماهية، لأنَّ معناهما آيلٌ إلى شيء واحد؛ فادِّعاءُ اقتضاء التكرارِ لا وجه له ألبتة. وكذلك تكرير الصيغة، فكونُه للتأكيد أظهر. تنبيهان: الأوَّل: إذا عُلِّق الأمرُ على شرطٍ، فالظاهرُ أنَّه يكونُ بحسب ما يدلُّ عليه ذلك الشرطُ لغة، فإن كان يفيدُ التكرار تكرَّرَ، وإلَّا فلا. مثالُ الأوَّل: كما جاءك زيدٌ فأعطه درهمًا. ومثالُ الثَّاني: إنْ جاءك زيدٌ فأعطه درهمًا. الثَّاني: قول المؤلف (١): (وقولهم: إنَّ الحكم يتكررُ بتكرر العلة، فكذا الشرطُ. قلنا: العلة تقتضي حكمها، فيوجدُ بوجودها، والشرطُ لا يقتضي. . .) إلخ.

стр. 303

معناه أنَّه قائل بأن الحكم يتكرر بتكرر علته، وكذلك كلام محشيه. والظاهرُ أنَّ ذلك لا يصحُّ على الإطلاق؛ لأنَّ تكرر العلة قد يتكررُ معه الأمرُ وقد لا يتكرر، إمَّا إجماعًا، وإمَّا على قول. فمثالُ ما لا يتكررُ فيه الأمرُ بتكرر علته قولًا واحدًا: مَنْ بال مرَّات متعددة، أو جامعَ كذلك، فعلة وجوب الوضوء والغسل متكررةٌ، والأمرُ بهما غيرُ متكررٍ، بل يكفي فيهما واحد. وكذلك من زنا مرَّات قبل أن يُحَدَّ، أقيم عليه حَدٌّ واحد. ومثالُ ما يتكررُ فيه إجماعًا: أن يضرب امرأةً حاملًا فتسقط جنينين، فعليه غُرَّتان. ومنْ وُلِدَ له توأمان فعليه عقيقتان. ومثالُ ما اختُلف فيه: تعددُ صاع المُصَرَّاة بتعدد الشِّياه، وتعدد كفارة الظِّهار إنْ ظاهر من زوجاتٍ، وتعدد غسل الإناء بتعدد ولوغ كلبٍ أو كلاب، وتعدُّد الحمد بتعدُّد العُطاس، وحكاية أذان المؤذنين، إلى غير ذلك. قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (مسألة الأمر يقتضي فعل المأمور على الفور في ظاهر المذهبِ، وهو قول

стр. 304

الحنفية. وقال أكثر الشَّافعية: هو على التراخي. . .) الخ. خلاصةُ ما ذكره في هذا المبحث أنَّ فيه القولين المذكورين. وكونه للفور هو الحقُّ؛ لأمورٍ: الأوَّل: أن ظواهر النصوص تدلُّ عليه، كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران/ ١٣٣]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ. . .﴾ الآية [الحديد/ ٢١]، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة/ ٤٨]، وقد مدح اللَّه تعالى المسارعين بقوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ الآية [المؤمنون/ ٦١]. الثَّاني: أنَّ السيد لو أمر عبده فلمْ يمتثلْ، فعاقبه، لم يكن له عذرٌ بأنَّ الأمرَ على التراخي، وذلك مفهومٌ من وضع اللُّغة. الثالث: أنَّه لو قيل: هو على التراخي، فلا بدَّ أن يكون لذلك التراخي غايةٌ أو لا. فإن قيل: له غاية. قلنا: مجهولة، والتكليفُ بالمجهول لا يصحُّ. وإن قيل: إلى غير غاية. قلنا: أدَّى ذلك إلى سقوطه، والفرضُ أنَّه مأمورٌ به. وإن قيل: غايته الوقتُ الذي يغلبُ على الظنِّ البقاءُ إليه. فالجوابُ أنَّ ظنَّ البقاء معدومٌ؛ لأنَّه لا يدري أيخترمه الموتُ الآن، وقد حذَّر تعالى من التراخي لئلا يفوت التدارك باقتراب الأجل، بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ

стр. 305

عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف/ ١٨٥]، ولا سيما والإنسان طويلُ الأمل، يهرم ويشيب أمله. وأشار في "المراقي" إلى أنَّ كونه للفور مذهب مالك -أيضًا- بقوله: وكونُه للفور أصل المذهب ... وهو لدى القيد بتأخيرٍ أبي قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل الواجبُ المؤقتُ لا يسقطُ بفواتِ وقته ، ولا يفتقر القضاءُ إلى أمرٍ جديد، وهو قول بعض الفقهاء. وقال الأكثرون: لا يجبُ القضاءُ إلَّا بأمرٍ جديد، واختاره أبو الخطاب. .) الخ حاصلُ هذا المبحث: أنَّ العبادة المؤقتة بوقت معيَّن إذا فات وقتُها فهل يجبُ قضاؤها بالأمر الأوَّل، وهو اختيارُ المؤلفِ، أو لا يجبُ إلَّا بأمرٍ جديدٍ، وهو قولُ الأكثرين. حجةُ الأوَّل: أن الأمر قد شمل أمرين: أحدهما: فعل العبادة. والثَّاني: اقترانُها بالوقت المعيَّن لها.

стр. 306

فإذا فات الوقت تعذَّر أحدُهما، وبقي الآخرُ في الإمكان، فيجبُ الإتيانُ بالممكن؛ لأنَّ المركب من أجزاء ينسحب حكمُه عليهما. وحجةُ الثَّاني: أنَّها لمَّا قُرِنَتْ بالوقت المعين عُلِمَ أنَّ مصلحتها مختصةٌ به، إذْ لو كانتْ في غيره لما خصصت به، فيحتاجُ القضاءُ إلى أمرٍ جديد. وإلى هذه المسألة أشار في "المراقي" بقوله: والأمر لا يستلزمُ القضاء ... بل هو بالأمرِ الجديد جاء لأنَّه في زمنٍ معيَّن ... يجي لمَا عليه من نفعٍ بُني وخالف الرازي إذ المركب ... لكل جزءٍ حكمُه ينسحب فمَنْ ترك الصَّلاة عمدًا، على القول بعدمِ خروجه من الملة، يلزمُه القضاءُ بالأمر الأوَّل على الأوَّل، وعلى الثَّاني فبعضُهم يقول: لا قضاء عليه، لأنَّه بأمرٍ جديدٍ وهو لم يردْ فيه أمرٌ، وبعضُهم يوجبُ عليه القضاء بالقياس على النائم والناسي، لورود الأمر بوجوب القضاء عليهما، والأظهرُ أنَّه يجبُ عليه القضاءُ بنصٍّ جديدٍ هو عمومُ قوله ﷺ : "فَدَيْنُ اللَّه أحقُّ أن يُقضى".

стр. 307

قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل ذهب بعضُ الفقهاء إلى أنَّ الأمر يقتضي الإجزاءَ بفعل المأمور به إذا امتثل المأمور بكمالِ وصفهِ وشروطه. . .) إلخ. حاصلُ هذا المبحث أنَّ من امتثل الأمر وجاء به على الوجهِ المطلوب، اختُلف فيه: هل يقتضي ذلك الإجزاء وعدم القضاءِ أو لا؟ والحقُّ الذي لا شك فيه أنَّه يقتضيه، ولا يُعترضُ عليه بالمضي في الفاسد من الحجِّ، ولا بمن صَلَّى يظنُّ الطهارة ثم تبيّن حدثُه، لأنَّه في الأوَّل أفسدَ حجَّه، وفى الثَّاني صَلَّى مُحْدِثًا، فلم يمتثل في واحدٍ منهما على الوجه المطلوب. قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-: (مسألة الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به ما لم يدل عليه دليلٌ). مثاله: قوله ﷺ "مُرُوهم بالصلاة لسبع"، ليس بخطابٍ من الشارع للصبيِّ ولا بإيجاب عليه، مع أنَّ الأمرَ واجبٌ على الوليِّ، لكنْ إذا كان المأمورُ النبيَّ ﷺ كان واجبًا بأمر النَّبيِّ ﷺ لقيام الدليل على وجوبِ طاعته، وتحريم مخالفته.

стр. 308

قال بعضُ أهل العلم: الأمرُ بالأمرِ أمرٌ، فالأولُ مأمورٌ بالمباشرة، والثَّاني بالواسطة. وله وجهٌ من النظر. أمَّا إذا حصل في اللفظ ما يدلُّ على الأمر فهو أمرٌ بلا خلافٍ، كقوله ﷺ لعمرَ في شأن طلاقِ ابنه عبد اللَّه امرأته في الحيض: "مُرْهُ فلْيُراجِعْها"؛ لأنَّ لامَ الأمرِ صدرت منه ﷺ متوجهة إلى ابن عمر، فهو مأمورٌ منه بلا خلاف. وإلى هذه المسألة أشار في "المراقي" بقوله: وليس من أَمَرَ بالأمرِ أَمَر ... لثالثٍ إلَّا كما في ابن عمر والأمرُ للصبيانِ ندبُه نمي ... لما رَوَوْهُ من حديث خثعم قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل الأمرُ لجماعةٍ يقتضي وجوبه على كل واحدٍ منهم. . .) الخ. خلاصة ما ذكره المؤلفُ في هذا المبحثِ أنَّ الأمرَ لجماعة يقتضي وجوبَه على كلِّ غريب منهم إلَّا بدليل يدلُّ على أنَّه على الكفاية، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ الآية [آل عمران/ ١٠٤]. والتحقيق في فرض الكفاية أنَّه واجبٌ على كلهم يسقطُ بفعل بعضهم، بدليل أنَّهم إنْ فعلوه كلُّهم نالوا ثواب الواجب كلهم، وإنْ

стр. 309

تركوه كلُّهم أثموا كلُّهم. والدليل على أنَّه ليس على واحدٍ معيَّنٍ تعذرُ تكليف المجهول. وأشار إليه في "المراقي" بقوله: وهو على الجميع عند الأكثر ... لإثمهم بالتركِ والتعذرِ يعني تعذر تكلية المجهول. قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل إذا أمرَ اللَّه تعالى نبيَّهُ بلفظٍ ليس فيه تخصيص. . .) إلخ. قدمنا هذا الفصلَ مستوفى في مسألةِ شرع من قبلنا. وذكر المؤلفُ هنا أنَّ ما خوطب به صحابي واحدٌ يعمُّ غيرَه. وأشار في "المراقي" إلى أنَّ غيرَ الحنابلة خالفهم في عموم خطاب الواحدِ بقوله: خطابُ واحدٍ لغير الحنبلي ... مِنْ غير رعي النصِّ والقيس الجلي وذكر فيه -أيضًا- أنَّ الخطابَ العامَّ للنَّاس يدخلُ فيه الرسولُ ﷺ إلَّا بدليل على عدم دخوله. وأشار إليه في "المراقي" بقوله:

стр. 310

وما يعمُّ يشملُ الرسولا ... وقيل لا ولنذكر التفصيلا (١) قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل الأمرُ يتعلقُ بالمعدوم. . .) إلخ. أعلم -أولًا- أنَّ الخلاف في هذا المبحث لفظيٌّ؛ لأنَّ جميعَ العلماء مطبقون على أنَّ أولَ هذه الأمة وآخرها إلى يوم القيامة سواء في الأوامرِ والنواهي. والذين يقولون: لا يدخلُ المعدومُ في الخطاب، يقولون: تكليفُ المعدوم وقت الخطاب بأدلةٍ منفصلةٍ، كقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الآية [الأنعام/ ١٩]. واحتجُّوا بأنَّ الخطاب صفةٌ إضافيةٌ لا تعقلُ بدون مخاطبٍ. وأجابَ الآخرون بأنَّ الخطاب متوجهٌ إليهم بشرط وجودهم متصفين بصفات التكليف. وهذا لا إشكال فيه. وتبع صاحبُ "المراقي" القرافيَّ في أن المعدومَ لا يدخلُ في الخطاب؛ لأنَّ المعدومَ ليس بشيءٍ، وأنَّ تكليفهم بعد وجودهم عُلِمَ

стр. 311

بالضرورة من الدين، لا من الخطاب اللغوي؛ لأنَّه ليس في اللُّغة خطابُ المعدوم، فقال: والعبدُ والموجودُ والذي كفر ... مشمولة له لدى ذوي النظر قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-: قد دلَّت النصوصُ الصحيحةُ على خطاب المعدومين من هذه الأمة، تبعًا للموجودين منها، كقوله ﷺ : "تُقاتلون اليهود. . . " الحديث، وقوله: "تُقاتلون قومًا نعالهم الشعر. . . " الحديث، وقوله في قصَّة عيسى: "وإمامُكم منكم". فالمقصود بجميع تلك الخطابات المعدمون يومئذٍ، بلا نزاعٍ، كما هو ظاهر. وإنَّما ساغ خطابهم تبعًا لأسلافهم الموجودين وقت الخطاب. قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل ويجوز الأمر من اللَّه سبحانه لما في معلومه أنَّ المكلفَ لا يتمكنُ مِنْ فعله، وعند المعتزلة: لا يجوز. . .) إلخ. والتحقيق فيه الجواز، والحكمة: الابتلاءُ. ويوضحه أنَّه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده، وهو يعلمُ أنَّه لا يمكنه

стр. 312

من ذبحه بالفعل، وصرَّح بأنَّ الحكمة في ذلك الابتلاء بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ [الصافات/ ١٠٦]-كما قدمنا-. وهذه المسألة مبنية على النسخ قبل التمكن من الفعل، والحقُّ جوازُه، كما وقع في خمسٍ وأربعين صلاةً ليلة الإسراء. قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل اعلمْ أنَّ ما ذكرناه من الأوامر تتضح به أحكامُ النواهي. . .) إلى آخره. أي فكما أنَّ الأمر استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، فالنهي استدعاء الترك بالقولِ على وجه الاستعلاء. وصيغة الأمر "افعل" وصيغة النَّهي "لا تفعل"، ولا يُشترط فيه إرادةُ الناهي. والنهيُ يقتضي التكرار والفور، خلافًا للأمرِ في الأولى على الصَّحيح. والأمر يقتضي الأجزاء، والنهي يقتضى الفسادَ، واقتضاؤه الفسادَ هو الحقُّ خلافًا لأبي حنيفة القائل: يقتضي الصحة. والدليل على اقتضائه الفسادَ قوله ﷺ : "من أحدثَ في أمرنا هذا ما

стр. 313

ليس مِنْه فهو ردٌّ"، والمنهيُّ عنه ليس من أمرنا، فهو مردود بهذا النصِّ المتفق عليه. وأشار في "المراقي" إلى اقتضائه الفساد على الصحيح بقوله: وجاء في الصحيح للفسادِ ... إنْ لم يَجى الدليل للسداد وأشار إلى قول أبي حنيفة باقتضائه الصحة بقوله: وبث للصحةِ بالمدارس ... معللًا بالنهي حبر فارس وحجة أبي حنيفة أنَّ النَّهي عن الفعل يدلُّ على تصور المنهيِّ عنه؛ إذْ لو كان ممتنعًا في نفسه لا يقعُ لم يَتَوجَّهْ إليه النَّهي، كما لا يتوجه النَّهي عن الإبصار إلى الأعمى. ولا يخفى ما فيه. قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-: في اقتضاء النَّهي الفسادَ أقوالٌ كثيرةٌ عند أهل الأصول، ومدارُ تلك الأقوال على أن النهيَ إنْ كانت له جهة واحدةٌ كالشرك والزنا اقتضى الفسادَ بلا خلافٍ، وإن كان له جهتان هو من إحداهما مأمور به ومن الأخرى منهيٌّ عنه، فهم متفقون على أن جهة الأمرِ إن انفكتْ عن جهة النَّهي لم يقتض الفسادَ، وإن لم تنفك عنها اقتضاه، ولكنهم يختلفون في انفكاك الجهة، ومِنْ ثَمَّ يقع بينهم الخلاف. فالحنبليُّ يقول: الصَّلاة بالحرير مأمورٌ بها من جهة كونها صلاة، منهيٌّ عن لبس الحرير فيها، والصلاة في الأرض المغصوبة لا تنفك فيها الجهة، لأنَّ نفس شغلِ أرض الغيرِ بحركات الصَّلاة حرامٌ، فهي

стр. 314

باطلة. فيقول المالكيُّ والشافعيُّ والحنفيُّ: لا فرق بين المسألتين، فهو -أيضًا- مأجورٌ على صلاته، آثمٌ بغصبه. وهكذا.

стр. 315

قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (باب في العموم اعلمْ أنَّ العمومَ من عوارض الألفاظ حقيقة، وقد يطلق في غيرها. . .) إلخ. معنى كلامه أنَّ العمومَ من صفات الألفاظ. وقيل: توصف به المعاني أيضًا. واختاره العضد وابن الحاجب وغيرهما. وإليه الإشارة في "المراقي" بقوله: وهو من عوارضِ المباني ... وقيل للألفاظِ والمعاني ومرادُه بالمباني: الألفاظ. وعرف المؤلف "العام" تعريفين: الأوَّل: العامُّ هو اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعدًا مطلقًا. وهذا التعريف لا يصحُّ تعريف العام في الاصطلاح به؛ لأنَّه ليس بمانع، فلفظة زوج وشفع -مثلًا- تدلُّ على اثنين، ولم يقل أحدٌ إنَّها صيغة عموم. التعريف الثاني: العامُّ كلامٌ مستغرقٌ لجميع ما يصلحُ له. قلتُ: وهذا التعريف جيدٌ، إلَّا أنَّه ينبغي أن يزاد عليه ثلاثُ

стр. 316

كلمات: الأولى: بحسب وضعٍ واحدٍ. والثانية: دفعةً. والثالثة: بلا حصر من اللفظ. فيكون تعريفًا تامًّا جامعًا مانعًا. فخرج بقوله: (مستغرقٌ لجميع ما يصلحُ له) ما لم يستغرق، نحو: بعض الحيوان إنسانٌ. وخرج بقوله: (دفعة) النكرةُ في سياق الإثبات، كرجلٍ، فإنَّها مستغرقةٌ، ولكنَّ استغراقها بدليٌّ لا دفعة واحدة. وخرج بقوله: (بلا حصر) لفظُ عشرة -مثلًا-؛ لأنَّه محصورٌ باللفظ، فلا يكون من صيغ العموم، على رأي الأكثرين. وخرج بقوله: (بحسب وضع واحدٍ) المشتركُ كـ "العين"، فلا يسمى عامًّا بالنسبة إلى شموله الجارية والباصرة؛ لأنَّه لم يوضع لهما وضعًا واحدًا، بل لكلٍّ منهما وضعٌ مستقل. وعرَّفَ العامَّ في "المراقي" بقوله: ما استغرقَ الصالحَ دفعةً بلا ... حصرٍ من اللفظِ كعشر مثلا

стр. 317

قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-: (ثم العامُّ ينقسم إلى عامٍّ لا أعم منه. . .) إلى آخره. حاصلُه أنَّ للعموم والخصوصِ واسطةً وطرفين: طرفٌ لا شيء أعم منه، كالمعلوم، والمذكور، فإنَّه يشملُ جميع الموجوداتِ والمعدومات. وطرفٌ لا شيء أخصُّ منه، كالأشخاص، نحو زيد، وهذا الرجل. وواسطةٌ هي أعمُّ ممَّا تحتها وأخصُّ ممَّا فوقها، كالحيوان، فإنَّه أعمُّ من الإنسان وأخصُّ من النامي، وكالنامي، فإنَّه أعمُّ من الحيوان وأخصُّ من الجسم؛ لشمولِ الجسم غير النامي، كالحجر. وهكذا. قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-: (فصل و ألفاظ العموم خمسةُ أقسام: الأوَّل: اسمٌ عُرِّفَ بالألف واللام لغير المعهود، وهو ثلاثة أنواع: ١ - ألفاظ الجموع، كالمسلمين والمشركين والذين. ٢ - أسماء الأجناس، وهو ما لا واحدَ له من لفظه، كالناسِ

стр. 318

والحيوان والماءِ والتراب. ٣ - لفظُ الواحد، كالسارق، والسارقة، والزاني، والزانية، و ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر/ ٢]). قلت: معنى كلامه ظاهرٌ إلَّا أن إدخال: الذين، والسارق، والزاني، والمشركين -مثلًا- من المعرَّف "بأل" فيه نظر؛ لأنَّ "أل" في (الذين) زائدةٌ لزومًا على الصحيح، وهو اسمٌ موصولٌ مُعَرَّفٌ، كما قال في "الخلاصة": وقد تُزادُ لازمًا كاللاتي ... والآن والذين ثم اللات ولأن "أل" في السارق، والزاني، والمشركين، اسمٌ موصولٌ أيضًا، كما قال: وصفةٌ صريحةٌ صلة أل ... وكونُها بمعرب الأفعال قل وأعلم أنَّ المثني كذلك، نحو: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتولُ في النَّار"، فإنَّه يعمُّ كلَّ المسلمين، وهذا بناء على تناسي الوصفية في المسلم، وإن لم تُتناسى فَـ "أل" فيه موصولة. (القسم الثَّاني: أدوات الشرط: كـ "مَنْ" فيمن يعقل، و"ما" فيما لا يعقل، و"أي" في الجميع، و"أين" و"أيان" في المكان، و"متى" في الزمان. . .) إلى آخره. قلت: جعلُه "أيَّانَ" للمكان سهوٌ منه ﵀، بل هو للزمان كـ "متى".

стр. 319

القسم الثالث من ألفاظ العموم: ما أضيف من هذه الأنواع الثلاثة إلى معرفة، كعبيد زيدٍ، ومال عمروٍ). قلتُ: ومن أمثلته في القرآن: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ الآية [إبراهيم/ ٣٤]، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور/ ٦٣]. وأعلم أنَّ "ما"، و"مَنْ"، و"أي"، تعمُّ مطلقًا، سواء كانت شروطًا -كما ذكره المؤلف- أو موصولاتٍ، أو استفهاميةً، والأمثلةُ واضحةٌ، نحو: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق/ ٣]، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة/ ١٩٧]، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء/ ٧٨]، وقوله ﷺ : "أيّما امرأة نكحتْ بغير إذن وليِّها فنكاحُها باطلٌ" الحديث. القسم الرابع: "كل" و"جميع"، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران/ ١٨٥]، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف/ ٣٤]، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد/ ١٦، الزمر/ ٦٢]). (القسم الخامس: النكرةُ في سياق النفي، نحو: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام/ ١٠١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة/ ٢٥٥]). قلت: النكرةُ في سياق النفي تكونُ نصًّا صريحًا في العموم في ثلاث مسائل: الأولى: المركبة مع "لا" التي لنفي الجنس، نحو: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾

стр. 320

[البقرة/ ٢]. الثَّانية: التي زيدت قبلها "مِنْ"، وتطردُ زيادتها في: ١ - الفاعل، نحو: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [القصص/ ٤٦، السجدة/ ٣]. ٢ - والمفعول، نحو: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ [الأنبياء/ ٢٥، الحج/ ٥٢]. ٣ - والمبتدأ، نحو: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة/ ٧٣]. الثَّالثة: الملازمة للنفي، كالعريب، والصافر، والدابر، والديار. وفيما سوى هذه الثلاثة فهي ظاهرةٌ في العموم، كالعاملة فيها "لا" عمل "ليس". تنبيه: من صيغ العموم: النكرةُ في سياق الشرط، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة/ ٦]. والنكرةُ في سياق الامتنان، نحو: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان/ ٤٨]. والنكرةُ في سياق النَّهي، نحو: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [الإنسان/ ٢٤].
следующие страницы →