كلمات:
الأولى: بحسب وضعٍ واحدٍ.
والثانية: دفعةً.
والثالثة: بلا حصر من اللفظ.
فيكون تعريفًا تامًّا جامعًا مانعًا.
فخرج بقوله: (مستغرقٌ لجميع ما يصلحُ له) ما لم يستغرق، نحو: بعض الحيوان إنسانٌ.
وخرج بقوله: (دفعة) النكرةُ في سياق الإثبات، كرجلٍ، فإنَّها مستغرقةٌ، ولكنَّ استغراقها بدليٌّ لا دفعة واحدة.
وخرج بقوله: (بلا حصر) لفظُ عشرة -مثلًا-؛ لأنَّه محصورٌ باللفظ، فلا يكون من صيغ العموم، على رأي الأكثرين.
وخرج بقوله: (بحسب وضع واحدٍ) المشتركُ كـ "العين"، فلا يسمى عامًّا بالنسبة إلى شموله الجارية والباصرة؛ لأنَّه لم يوضع لهما وضعًا واحدًا، بل لكلٍّ منهما وضعٌ مستقل.
وعرَّفَ العامَّ في "المراقي" بقوله:
ما استغرقَ الصالحَ دفعةً بلا ... حصرٍ من اللفظِ كعشر مثلا
стр. 317
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(ثم العامُّ ينقسم إلى عامٍّ لا أعم منه. . .) إلى آخره.
حاصلُه أنَّ للعموم والخصوصِ واسطةً وطرفين:
طرفٌ لا شيء أعم منه، كالمعلوم، والمذكور، فإنَّه يشملُ جميع الموجوداتِ والمعدومات.
وطرفٌ لا شيء أخصُّ منه، كالأشخاص، نحو زيد، وهذا الرجل.
وواسطةٌ هي أعمُّ ممَّا تحتها وأخصُّ ممَّا فوقها، كالحيوان، فإنَّه أعمُّ من الإنسان وأخصُّ من النامي، وكالنامي، فإنَّه أعمُّ من الحيوان وأخصُّ من الجسم؛ لشمولِ الجسم غير النامي، كالحجر. وهكذا.
قال المؤلف (٢) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
و ألفاظ العموم خمسةُ أقسام:
الأوَّل: اسمٌ عُرِّفَ بالألف واللام لغير المعهود، وهو ثلاثة أنواع:
١ - ألفاظ الجموع، كالمسلمين والمشركين والذين.
٢ - أسماء الأجناس، وهو ما لا واحدَ له من لفظه، كالناسِ
стр. 318
والحيوان والماءِ والتراب.
٣ - لفظُ الواحد، كالسارق، والسارقة، والزاني، والزانية، و ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر/ ٢]).
قلت: معنى كلامه ظاهرٌ إلَّا أن إدخال: الذين، والسارق، والزاني، والمشركين -مثلًا- من المعرَّف "بأل" فيه نظر؛ لأنَّ "أل" في (الذين) زائدةٌ لزومًا على الصحيح، وهو اسمٌ موصولٌ مُعَرَّفٌ، كما قال في "الخلاصة":
وقد تُزادُ لازمًا كاللاتي ... والآن والذين ثم اللات
ولأن "أل" في السارق، والزاني، والمشركين، اسمٌ موصولٌ أيضًا، كما قال:
وصفةٌ صريحةٌ صلة أل ... وكونُها بمعرب الأفعال قل
وأعلم أنَّ المثني كذلك، نحو: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتولُ في النَّار"، فإنَّه يعمُّ كلَّ المسلمين، وهذا بناء على تناسي الوصفية في المسلم، وإن لم تُتناسى فَـ "أل" فيه موصولة.
(القسم الثَّاني: أدوات الشرط: كـ "مَنْ" فيمن يعقل، و"ما" فيما لا يعقل، و"أي" في الجميع، و"أين" و"أيان" في المكان، و"متى" في الزمان. . .) إلى آخره.
قلت: جعلُه "أيَّانَ" للمكان سهوٌ منه ﵀، بل هو للزمان كـ "متى".
стр. 319
القسم الثالث من ألفاظ العموم: ما أضيف من هذه الأنواع الثلاثة إلى معرفة، كعبيد زيدٍ، ومال عمروٍ).
قلتُ: ومن أمثلته في القرآن: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ الآية [إبراهيم/ ٣٤]، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور/ ٦٣].
وأعلم أنَّ "ما"، و"مَنْ"، و"أي"، تعمُّ مطلقًا، سواء كانت شروطًا -كما ذكره المؤلف- أو موصولاتٍ، أو استفهاميةً، والأمثلةُ واضحةٌ، نحو: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق/ ٣]، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة/ ١٩٧]، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء/ ٧٨]، وقوله ﷺ : "أيّما امرأة نكحتْ بغير إذن وليِّها فنكاحُها باطلٌ" الحديث.
القسم الرابع: "كل" و"جميع"، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران/ ١٨٥]، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف/ ٣٤]، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد/ ١٦، الزمر/ ٦٢]).
(القسم الخامس: النكرةُ في سياق النفي، نحو: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام/ ١٠١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة/ ٢٥٥]).
قلت: النكرةُ في سياق النفي تكونُ نصًّا صريحًا في العموم في ثلاث مسائل:
الأولى: المركبة مع "لا" التي لنفي الجنس، نحو: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾
стр. 320
[البقرة/ ٢].
الثَّانية: التي زيدت قبلها "مِنْ"، وتطردُ زيادتها في:
١ - الفاعل، نحو: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [القصص/ ٤٦، السجدة/ ٣].
٢ - والمفعول، نحو: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ [الأنبياء/ ٢٥، الحج/ ٥٢].
٣ - والمبتدأ، نحو: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة/ ٧٣].
الثَّالثة: الملازمة للنفي، كالعريب، والصافر، والدابر، والديار.
وفيما سوى هذه الثلاثة فهي ظاهرةٌ في العموم، كالعاملة فيها "لا" عمل "ليس".
تنبيه:
من صيغ العموم: النكرةُ في سياق الشرط، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة/ ٦].
والنكرةُ في سياق الامتنان، نحو: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان/ ٤٨].
والنكرةُ في سياق النَّهي، نحو: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [الإنسان/ ٢٤].
стр. 321
فائدة:
وربَّما أفادت النكرةُ في سياق الإثبات العمومَ بمجرَّد دلالة السياق، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ [التكوير/ ١٤]، ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ [الانفطار/ ٥]، بدليل قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ الآية [يونس/ ٣٠].
وأنشد لنحوه صاحب "اللسان":
يومًا ترى مرضعةً خَلُوجا ... وكلَّ أنثى حملتْ خَدُوجا
وكلَّ صاحٍ ثَمِلًا مَرُوجا
وأعلم أنَّ الحقَّ أنَّ صيغ العموم الخمس التي ذكرها المؤلف التي هي:
١ - المعرف بـ "أل" غير العهدية.
٢ - والمضاف إلى المعرفة.
٣ - وأدوات الشرط.
٤ - كل وجميع.
٥ - والنكرة في سياق النفي.
تُفيدُ العموم، وخلافُ من خالف في كلها أو بعضها كله ضعيفٌ لا يعول عليه.
والدليل على إفادتها العموم إجماعُ الصحابة على ذلك، لأنَّهم
стр. 322
كانوا يأخذون بعمومات الكتاب والسنة، ولا يطلبون دليل العموم، بل دليلَ الخصوص، وبأنَّ السيِّد لو قال لعبده إحدى الصيغ المذكورة نحو: مَنْ دخل فأعطه درهمًا أو كلَّ داخلٍ فأعطه درهمًا، فعليه التعميمُ، وليس له منعُ أحدِ ممَّن شملهم العمومُ.
ومَنْ قال: إنَّ المفردَ المعرَّف بـ "أل" لا يعمُّ، يُرَدُّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر/ ١ - ٣]، إذْ لو لم يعم كلَّ إنسانِ لما استثنى منه ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية.
تنبيه:
قال محققو الأصوليين: لا فرقَ في الجموع المعرفة بـ "أل" بين جمع القلة والكثرة؛ لأنَّ الاستغراق فيها مفهومٌ من الألف واللام، ولذا عمَّ معهما المفرد، كما ذكرنا آنفًا، فكيف بالجمع؟
وقد أشار المؤلفُ إلى هذا في هذا المبحث، وهو ظاهر.
وذكر في "المراقي" صيغ العموم بقوله:
صيغُه كلٌّ أو الجميع ... وقد تلا الذي التي الفروع
أين وحيثما ومَنْ أيٌّ وما ... شرطًا ووصلًا وسؤالًا أفهما
متى وقيل لا وبعض قيدا ... وما معرفًا بـ "أل" قد وجدا
أو بإضافةٍ إلى المعرف ... إذا تحققُ الخصوصِ قد نفي
وفي سياقِ النفي منها يذكر ... إذا بُني أو زِيد من منكر
стр. 323
أوْ كان صيغةً لها النفي لزم ... وغير ذا لدى القرافي لا يعم
وقيل بالظهور في العمومِ ... وهو مفاد الوضعِ لا اللزومِ
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
أقلُّ الجمع ثلاثة، وحُكي من أصحاب مالكٍ وابنِ داودَ وبعض النَّحويين وبعضِ الشَّافعية: أقلُّه اثنان. . .) الَخ.
خلاصةُ هذا المبحث أنَّ في أقلِّ الجمعِ قولين:
أحدهما: أنَّه ثلاثة. وهو مذهب الجمهور.
والثَّاني: أنَّه اثنان. وعزاه المؤلف لمن ذكر، وهو رأي مالكٍ ﵀.
قال في "المراقي":
أقلُّ معنى الجمعِ في المشتهرِ ... الاثنانِ في رأي الإمام الحميري
يعني: مالكًا.
وحجةُ هذا القول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ الآية [النساء/ ١١]؛ لأنَّها تحجبُ بالاثنين من الثلثِ إلى السدس.
وقوله: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾ الآية [طه/ ١٣٠]، مع أنَّهما
стр. 324
طرفان.
إلى غير ذلك من الأدلة.
قلتُ: وينبني على الخلاف ما لو أقرَّ بدراهمَ أو دنانير ولم يبيِّنْ، وقلنا يلزمُ أقلُّ الجمع، لأنَّه مُحَقَّقٌ، فعلى القول بأنَّه ثلاثةٌ تلزمُه ثلاثةٌ، وهو الحقُّ. واتفق علَى لزوم الثلاثة المذكورة المالكيةُ.
وحجة الجمهور واضحةٌ، وهي أنَّ أهل اللسان العربيِّ فرَّقوا بين المفرد والمثنى والجمع، وجعلوا لكلِّ واحدٍ منها لفظًا وضميرًا مختصًّا به، فالفرقُ في اللسان بين التثنيةِ والجمع ضروريٌّ، ولا حجة لمن يقول: "أقلُّه اثنان" في حديث "الاثنان فما فوقهما جماعةٌ"؛ لأنَّ المرادَ حصولُ فضل الجماعة بالاثنين، وهو أمرٌ شرعيٌّ، والكلام في أمرٍ لغويٍّ.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إِذا وردَ لفظُ العموم على سببٍ خاصٍّ لم يسقط عمومه. . . (إلى أن قال) وقال مالكٌ وبعضُ الشَّافعية: يسقط عمومُه. . .) إلخ.
حاصلُه: أنَّ العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوص الأسباب، فالنصوصُ العامةُ الواردةُ على أسبابٍ خاصةٍ تكونُ أحكامُها عامةً، وهذا هو الحقُّ.
стр. 325
قلتُ: تحرير المقام في هذه المسألةِ أنَّ العامَّ الواردَ على سبب خاصٍّ، له ثلاثُ حالات:
الأولى: أن يقترنَ بما يدلُّ على العموم، فيعمُّ إجماعًا، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة/ ٣٨]، لأنَّ سبب نزولِها المخزوميةُ التي قطعَ النَّبيُّ ﷺ يدها، والإتيانُ بلفظ السارق الذكرِ يدلُّ على التعميم.
وعلى القول بأنَّها نزلتْ في الرجل الذي سرقَ رداءَ صفوانَ بن أُميَّةَ في المسجد، فالإتيانُ بلفظ السارقة الأنثى دليل على التعميم أيضًا.
الثَّانية: أن يقترنَ بما يدلُّ على التخصيصِ، فيخصُّ إجماعًا، كقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب/ ٥٠].
الثَّالثة: ألا يقترن بدليل التعميم ولا التخصيص، وهي مسألة المؤلف. والحقُّ فيها أنَّ العبرة بعموم اللفظِ لا بخصوصِ السبب، فيعمُّ حكم آية اللعان النازلة في عويمر العجلاني وهلال، وآية الظهَارِ النازلة في امرأة أوس بن الصَّامت، وآية الفديةِ النَّازلة في كعب بن عُجرة، وآية ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء/ ٧] النازلة في ابنتي سعد بن الرَّبيع. وهكذا.
تنبيه:
فإن قيلَ: ما الدليلُ على أنَّ العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوصِ السبب ؟
فالجوابُ: أنَّ ذلك دلَّ عليه الوحيُ واللغة.
стр. 326
أمَّا الوحيُ فإنَّ هذه المسألةَ سئل عنها رسول اللَّه ﷺ فأفتى بذلك، وذلك أنَّ الأنصاريَّ الذي قبَّل الأجنبية، ونزلت فيه ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية، [هود/ ١١٤]. قال للنبيِّ: أَلِيَ هذا وحدي يا رسول اللَّه؟
ومعنى ذلك: هل حكمُ هذه الآية يختصُّ بي لأنَّي سببُ نزولها؟
فأفتاهُ النبيُّ ﷺ بأنَّ العبرةَ بعمومِ لفظِ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ لا بخصوصِ السبب، حيثُ قال له: "بل لأمتي كلِّهم".
وهو نصٌّ نبويٌّ في محلِّ النزاع.
ومن الأحاديثِ الدالةِ على ذلك: أنَّه ﷺ لمَّا أيقظَ عليًّا وأمره وفاطمةَ بالصَّلاةِ من الليل، وقال له علي ﵁: إنَّ أرواحنا بيد اللَّه إنْ شاء بعثنا، ولَّى ﷺ يضربُ فخذَه ويقول: " ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ " [الكهف/ ٥٤]، فجعل عليًّا داخلًا فيها مع أنَّ سببَ نزولِها الكفارُ الذين يجادلون في القرآن.
وخطابُه ﷺ لواحدٍ كخطابه للجميعِ -كما تقدم- ما لم يقُم دليلٌ على الخصوص.
وأمَّا اللغةُ فإنَّ الرجلَ لو قالت: له زوجتُه: طلِّقني، فطلَّق جميع نسائه، لا يختصُّ الطلاقُ بالطالبةِ التي هي السبب.
والتحقيقُ عن مالكٍ أنَّه يوافقُ الجمهورَ في هذه المسألةِ خلافًا لما ذكره عنه المؤلف.
стр. 327
وأشار في "المراقي" إلى أنَّ السبب لا يخصصُ عموم اللفظِ عند مالكٍ بقوله:
والعرف حيث قارن الخطابا ... ودع ضميرَ البعضِ والأسبابا
وجمهورُ أهل الأصول على أنَّ صورة السبب قطعية الدخول في العامِّ، فلا يجوز إخراجها منه بمخصص، وهو التحقيق. وروي عن مالك: أنَّها ظنية الدخول كغيرها من أفراد العام.
وأشار له في "المراقي" بقوله:
واجزمْ بإدخالِ ذواتِ السبب ... واروِ عن الإمامِ ظنًّا تُصِبِ
يعني بالإمامِ: مالكًا ﵀.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
قولُ الصحابيِّ: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن المزابنةِ، وقضى بالشفعةِ فيما لم يُقسم"، يقتضي العمومَ. وقال قوم: لا عموم له. . .) إلخ.
هذه المسألةُ يترجمُ لها عند الأصوليين بـ "حكاية الصحابي فعلًا ظاهره العموم" نحو: "نهى رسولُ اللَّه ﷺ عن بيع الغرر"، و"حكم بالشاهدِ واليمين"، ونحو ذلك.
وأكثرُهم يقولون: لا يعمُّ كلَّ غررٍ وكلَّ شاهدٍ -مثلًا-، زاعمين أنَّ
стр. 328
الحجةَ في المحكي لا في الحكاية، والمحكيُّ غيرُ عامٍّ.
والمؤلفُ يجزمُ باقتضائه العمومَ، وهو الذي اختاره ابنُ الحاجب، والفهري، والقرافي، وغير واحد.
قلت: واقتضاؤه العمومَ هو الحقُّ؛ لأنَّ الصحابيَّ عدلٌ عارفٌ، فلا يروي ما يدلُّ على العمومِ إلَّا وهو جازمٌ بالعموم.
والحقُّ جوازُ نقل الحديثِ بالمعنى، وعدالةُ الصحابيِّ تنفي احتمالَ منافاةِ حكايته لما حكى، كما هو ظاهرٌ.
وقد حققهُ القرافيُّ بإيضاح.
وتبع في "المراقي" الأكثر القائلين بعدم العموم في هذه المسألة، فقال -عاطفًا على ما لا يعمُّ على الصحيح عنده-:
وسائرٌ حكايةُ الفعلِ بما ... منه العمومُ ظاهرًا قد علمًا
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
وما ورَد مِنْ خطاب مضافٍ إلى النَّاس والمؤمنين دخل فيه العبد. . .) إلخ.
حاصلُه أنَّ العبيد داخلون في الخطاباتِ العامة، نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الآية [النساء/ ١، الحج/ ١، لقمان/ ٣٣]، وقوله: ﴿وَتُوبُوا
стр. 329
إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور/ ٣١]، وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران/ ١١٠]؛ لأنهم من جملة النَّاس والمؤمنين والأمة، ومِنْ جملةِ المكلَّفين.
وقال قومٌ: لا يدخلون إلَّا بدليل خاصٍّ؛ لخروجهم في كثير من العمومات، كالحجِّ، والميراثِ، ووجوبِ الجمعةِ، ونحو ذلك.
وأجيبَ عنه: بأنهم داخلون إلَّا إذا دلَّ دليلٌ على إخراجهم. وهذا هو الظاهرُ. واعتمد في "المراقي" دخولَهم بقوله:
والعبدُ والموجودُ والذي كفر ... مشمولة له لدى ذوي النظر
وقول المؤلف (١) في هذا الفصل: (ويدخُلُ النساءُ في الجمع المضاف إلى النَّاسِ وما لا يتبين فيه لفظ التذكير والتأنيث. .) إلخ.
خلاصتُه: أنَّ له طرفين وواسطةً:
أ - طرفٌ يدخلُ فيه النساءُ مع الرجال اتفاقًا، نحو: الخطاب بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾، وكأدوات الشرطِ نحو "مَنْ".
ب - وطرفٌ لا يدخلن فيه معهم إجماعًا، نحو: الرجال والذكور، كما لا يدخل الرجال في لفظ النساء والأناث، ونحو ذلك.
ج- وواسطةٌ اختلفَ فيها، وهي: الجموعُ المذكرةُ السالمةُ، كالمسلمين، وضمائر جماعةِ الذكور، نحو: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾.
стр. 330
والمؤلفُ يميلُ إلى دخولهم في الجموع المذكرةِ ونحوها، وذكر أنَّه اختيارُ القاضي، وقولُ بعضِ الحنفية، وابن داود، وعزا عدمَ دخولهنَّ للأكثرين، وهو اختيارُ أبي الخطاب.
قلتُ: واحتجَّ كل من الفريقينِ بالقرآن الكريم، كالآتي:
أ - احتجَّ من قالَ بدخولهنَّ في جموع التذكيرِ ونحوها بقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم/ ١٢]، وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [يوسف/ ٢٩]، وقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل/ ٤٣].
وفي ضمائر المذكرِ بقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة/ ٣٨]؛ فإنَّ الضمير يتناول حواء إجماعًا.
ب - واحتج من قال بعدم دخولهنَّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب/ ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية [النور/ ٣٠]، ثم قال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية [النور/ ٣١]، والعطفُ يقتضي عدم الدخول، وقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب/ ٧٣].
واحتجَّ المؤلفُ وغيرُه لدخولهنَّ بأنَّ المذكَّر يغلبُ في الجمعِ على المؤنث.
стр. 331
وأجاب المخالفون بأنَّ الخلاف ليس في جواز التغليبِ المذكور، وإنَّما هو في الظهورِ والتبادرِ من اللفظ.
تنبيه:
ظاهرُ كلام المؤلف ﵀ أنَّ أدوات الشرط نحو "مَنْ" مجمعٌ على شمولها للنساء، مع أنَّ ذلك خالف فيه جماعةٌ من الحنفية.
وقال إمامُ الحرمين: لفظُ "مَنْ" يتناولُ الأنثى باتفاقِ كلِّ من يُنسبُ للتحقيقِ من أرباب اللسان والأصول، وقالت شرذمة من الحنفية: لا
يتناولهنَّ، فقالُوا في قوله ﷺ : "مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه": إنَّه لا يتناولُ المرأة، فلا تقتلُ عندهم المرتدةُ بناءً على ذلك.
قلتُ: ومن الأدلة القرآنية على دخول النساء في لفظ "مَنْ" قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [النساء/ ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾ الآية [الأحزاب/ ٣٠]، ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ الآية [الأحزاب/ ٣١].
وأشار إلى مسألة "مَنْ" والجمع المذكر السالمِ ونحوه في "المراقي" بقوله:
وما شمولُ مَنْ للأنثى جنفُ ... وفي شبيه المسلمين اختلفوا
стр. 332
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
العامّ إذا دخله التخصيصُ يبقى حجةً فيما لم يخصَّ عند الجمهور. وقال أبو ثورٍ وعيسى بن أبان: لا يبقى حجةً؛ لأنَّه يصيرُ مجازًا، فقد خرج الوضعُ من أيدينا ولا قرينةَ تفصلُ وتحصلُ، فيبقى مجملًا.
ولنا: تمسكُ الصحابة ﵃ بالعمومات، وما من عموم إلَّا وقد تطرَّق إلي تخصيص إلَّا اليسير. . .) إلخ.
معنى كلامه ظاهرٌ، وهو مذهب الجمهورِ، وهَو الحقُّ.
ولا يخفى أنَّ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٤]-مثلًا- إذا بيَّن النبيُّ ﷺ أنَّه يخرجُ منه جمعُ المرأةِ مع عمتها أو خالتها، يبقى عمومه حجةً فيما سوى ذلك.
وإلى هذه المسألة أشار في "المراقي" بقوله:
وهو حجة لدى الأكثرِ إنْ ... مخصصٌ له معيَّنًا يَبِن
والقولُ بأنَّه لا يبقى حجةً في الباقي بعد التخصيص يلزمه بطلانُ جلِّ عموماتِ الكتاب والسنة؛ لأنَّ الغالب عليها التخصيص، والتخصيصُ لا يقدحُ في دلالة اللفظِ على الباقي، كما أنَّ قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت/ ١٤] لا يقدحُ فيه
стр. 333
إخراج الخمسين بالاستثناءِ في صحة لبثه فيهم تسعمائة وخمسين -كما هو ظاهر-.
وقولُهم: لا قرينةَ تفصلُ، مردودٌ بأنَّ اللفظَ شاملٌ للكلِّ بحسب الوضعِ، فلا يخرجُ منه إلَّا ما أخرجه دليلٌ.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
واختار القاضي أنَّه حقيقةٌ بعد التخصيص، وهو قولُ أصحاب الشافعي، وقال قوم: يصيرُ مجازًا على كلِّ حال. . .) إلخ.
حاصلُ ما يقولُه الأصوليون في هذا المبحث أنَّ تخصيص العامّ ينقسمُ إلى عامٍّ مخصوصٍ، وعام أريد به الخصوص:
أ - فالعامُّ المرادُ به الخصوص عندهم مجازٌ من غير خلافٍ بينهم.
ب - والعامُّ المخصوصُ فيه عندهم طرق:
الأولى: أنَّه يصيرُ مجازًا -أيضًا-. وعزاه غيرُ واحدٍ للأكثر، واختاره ابن الحاجبِ والبيضاويُّ وغيرهما. وعزاه القرافيُّ لبعض أصحاب مالكٍ، وأصحابِ أبي حنيفة، وأصحاب الشافعي.
والثانية: أنَّه حقيقةٌ في الباقي. وذكر المؤلف أنَّه اختيارُ القاضي، واختاره -أيضًا- صاحب "جمع الجوامع"، وعزاه لوالده والفقهاء.
стр. 334
وهو أظهرها.
وقال الغزاليُّ: إنَّه مذهب الشافعيِّ.
وعزاه القرافيُّ لبعض أصحاب مالكٍ، وأصحابِ الشافعي، وأصحابِ أبي حنيفة.
وحجةُ هذا القول: أنَّ تناول اللفظ للبعض الباقي بعد التخصيص كتناوله له بلا تخصيص، لأنَّه يتناولُه بحسب الوضع الأصلي. وهو واضحٌ.
واحتجَّ المانعون بأنَّ أصل الوضع يتناولهُ مع غيره لا دونه، والشيءُ مع غيرِه غيرُه، لا معَ غيرِه.
ولا يخفى أنَّ الأوَّل أظهر.
الثَّالثة: إن خُص بما لا يستقلُّ بنفسه، كالاستثناء والشرط والصفة والغاية، فهو حقيقةٌ، وإن خُصَّ بمستقلٍّ مِنْ سمع أو عقلٍ فهو مجازٌ. وعزاه الآمديُّ والأبياريُّ للقاضي أبي بكر.
وهذه الطرق هي التي أشار إليها المؤلفُ، وفيه أربعة أقوالٍ غيرها:
الأوَّل: أنَّه حقيقةٌ إنْ كان الباقي غير منحصرٍ؛ لبقاء خاصية العموم. وبه قال ابنُ فورك.
الثَّاني: أنَّه حقيقةٌ في تناول ما بقي، مجاز في الاقتصار عليه. وبه قال إمام الحرمين، وضعفه الأبياري.
стр. 335
الثالث: إن خُصَّ باستثناء كان مجازًا، وإن خُصَّ بشرط أو صفة كان حقيقةً. وبه قال عبد الجبار من المعتزلة.
الرابع: إن خصَّ بغير لفظٍ كالعقل فهو مجازٌ، وإن خُصَّ بدليلٍ لفظيٍّ مطلقًا فهو حقيقة.
وأشار في "المراقي" إلى بعض الأقوال في هذه المسألة، مع تعريف العامِّ المخصوصِ والعامِّ المراد به الخصوص بقوله:
وذو الخصوصِ وهو ما يستعمل ... في كلِّ الأفرادِ لدى مَنْ يعقلُ
وما به الخصوص قد يرادُ ... جعلَه في بعضها النقادُ
والثَّاني اعْزُ للمجازِ جزمًا ... وذاك للأصلِ وفرع ينمى
وهذا التقسيمُ للمتأخرين، وهما شيءٌ واحدٌ عند القدماء.
قال في المراقي:
* واتحدَ القسمان عند القُدما *
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ويجوز تخصيص العموم إلى أن يبقى واحدٌ . وقال القاضي، والرازي، والقفال، والغزاليُّ: لا يجوزُ النقصان عن أقلِّ
стр. 336
الجمع. . .) إلخ.
حاصلُه: هل يجوزُ إخراج أفراد العامِّ بالمخصِّص حتَّى لا يبقى إلَّا فردًا واحدًا، أو لا بدَّ من بقاء أقلِّ الجمع؟
جزم المؤلف بالأول، وعزا الثَّاني لمن ذكرنا.
وذكر هذه المسألة في "المراقي" بقوله:
جوازُه لواحدٍ في الجمعِ ... أتتْ به أدلةٌ في الشرع
وموجبٌ أقلَّه القفَّالُ ... والمنعُ مطلقًا له اعتلالُ
ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ الآية [آل عمران/ ١٧٣]؛ لأنَّ المراد بالنَّاس نعيمُ ابن مسعودٍ، أو أعرابي من خزاعة.
ويدل لذلك إفراد الإشارة في قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ الآية [آل عمران/ ١٧٥] كما نبه عليه غير واحد.
وقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (١) الآية [النساء/ ٥٤] المرادُ به النبيُّ ﷺ .
стр. 337
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
والمخاطِبُ يدخل تحت الخطاب بالعام. وقال قوم: لا يدخل. . .) إلخ.
حاصلُه: أن المخاطِب -باسم الفاعل- إذا خاطب غيره بصيغة العموم، هل يدخلُ هو في عموم ذلك الخطاب أو لا؟
اختار المؤلفُ أنَّه يدخل.
واحتجَّ المخالفُ بأنه لو قال لعبده: مَنْ دخل فأعطه درهمًا، فدخل هو، لم يدخل في عموم خطابه، فليس عليه أن يعطيه.
وأجاب المؤلف عن هذا بأنَّ اللفظ عامٌّ، والقرينة هي التي أخرجت المخاطِب، وقدْ قدَّمنا طرفًا من هذا في الأمر.
قلتُ: سأل أصحابُ رسولِ اللَّه النبيَّ ﷺ عن مضمون هذه المسألة، فأجابهم بما يقتضي دخول المخاطِب في الخطاب، وذلك أنَّه لمَّا قال لهم: "لن يُدخل أحدَكم عملُه الجنةَ" سألوه: هل هو داخل في هذا الخطاب، بقولهم: ولا أنت؟ فقال ﷺ : "ولا أنا إلَّا أن يتغمدني اللَّه برحمةٍ من فضله".
وذكر المؤلفُ في هذا المبحث أنَّ أبا الخطاب اختار أنَّ الآمر لا
стр. 338
يدخلُ في الأمر، وقد قدمنا هذا في قولِ صاحب "المراقي":
وما يعمُّ يشملُ الرسولا ... وقيل لا ولنذكر التفصيلا
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
اللفظ العامُّ يجبُ اعتقادُ عمومه في الحال في قول أبي بكر والقاضي.
وقال أبو الخطَّاب: لا يجبُ حتى يبحث فلا يجدُ ما يخصصُه. قال: وقد أومأ إليه في رواية صالح وأبي الحارث. . .) إلخ.
حاصلُه: أنَّ التحقيقَ ومذهب الجمهورِ وجوبُ اعتقادِ العموم والعملِ به مِنْ غيرِ توقفِ على البحث عن المخصص؛ لأنَّ اللفظَ موضوعٌ للعموم فيجبُ العملُ بمقتضاه، فإن اطُلعَ على مخصِّصِ عُمِلَ به.
وقيل: لا يجوزُ اعتقادُ عمومه ولا العمل به حتى يبحث عن المخصص بحثًا يغلبُ به على الظنِّ عدمُ وجوده؛ لأنه قبل البحث محتملٌ للتخصيص.
قلت: وقد قدَّمنا أن الظاهر يجبُ العملُ به حتى يوجدَ دليلٌ صارف عنه، ولا شك أن العمومَ ظاهر في شمولِ جميع الأفرادِ كما لا
стр. 339
يخفى.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
في الأدلة التي يُخصُّ بها العمومُ ، ولا نعلمُ اختلافًا في جوازِ تخصيصِ العمومِ. . .) إلخ.
أعلم -أولًا- أنَّه ﵀ لم يذكر تعريف التخصيص، ولا تقسيم المخصِّصِ إلى متصل ومنفصل، ونحنُ نوضحُ ذلك إن شاء اللَّه.
فالتخصيص في الاصطلاح: قصرُ العامِّ على بعضِ أفراده بدليل يدلُّ على ذلك.
وعرَّفه في "المراقي" بقوله:
قصرُ الذي عمَّ مع اعتمادِ ... غير على بعض من الأفراد
والمخصِّصُ ينقسمُ عند أهل الأصولِ إلى متصلٍ ومنفصل:
[أ - المتصل: وهو ما لا يستقلُّ بنفسه دون العام، بل لابدَّ من مقارنته للعام. وهو خمسةُ أقسام] (٢):
١ - الاستثناء: نحو: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور/ ٤ - ٥]، وقوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا
стр. 340
يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق/ ١].
٢ - الشرط: نحو: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء / ١١]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور/ ٣٣].
٣ - الصفة: نحو: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [النساء/ ٢٥]، و"في الغنم السائمة الزكاة".
٤ - الغاية: نحو: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ الآية [البقرة/ ٢٢٢]، ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة/ ٢٣٥].
٥ - بدل البعضِ من الكلِّ: نحو: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران/ ٩٧].
وأشار في "المراقي" للتخصيص بالاستثناء بقوله في المخصص المتصل:
حروف الاستثناءِ والمضارع ... مِنْ فعلِ الاستثنا وما يضارع
وأشار في "المراقي" للشرط بقوله:
ومنه ما كان مِن الشرط أَعِدْ ... للكلِّ عند الجلِّ أو وفقًا تُفِدْ
أخرجْ به وإنْ على النصف سما ... كالقومِ أكرمْ إن يكونوا كُرما
وإن ترتب على شرطين ... شيءٌ فبالحصولِ للشرطين
وما على البدلِ قد تعلقا ... فبحصولِ واحدٍ تحققا
стр. 341
وأشار للوصف بقوله:
ومنه في الإخراج والعود يرى ... كالشرط قُلْ وصفٌ وإن قبل جرى
وأشار للغاية بقوله:
ومنه غاية عموم يشملُ ... لو كان تصريحٌ بها لا يحصلُ
وما لتحقيقِ العمومِ فدع ... نحو سلامٌ هي حتَّى مطلع
وهي لما قبل خلا تعود ... وكونها لما تلي بعيد
وأشار لبدلِ البعضِ مِن الكلِّ بقوله:
وبدلُ البعضِ مِن الكلِّ يفي ... مخصصًا لدى أناسٍ فأعرف
ب - وأمَّا المخصِّصُ المنفصلُ: فهو ما يستقلُّ بنفسه دونَ العامِّ مِنْ لفظٍ أو غيره.
وهو ثمانيةُ أقسامٍ عند أهلِ الأصول:
١ - الحس: وهم يمثلون له بقوله تعالى في ريح عادِ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الآية [الأحقاف/ ٢٥]، فيقولون: أثبت الحسُّ أمورًا لم تدمرْها تلك الريحُ، كالسماواتِ، والأرضِ، والجبال.
قلتُ: وفيه عندي نظرٌ؛ لأنَّ التخصيصَ قد يفهمُ مِنْ قوله تعالى: ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، وقوله: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات/ ٤٢].
نعم قد يصلحُ مثالُه بقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [النمل/
стр. 342
٢٣]، و ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا﴾ الآية [القصص/ ٥٧]؛ لأنَّه مَنْ تتبَّعَ أقطار الدُّنيا قد يشاهدُ بالحسِّ بعض الأشياءِ التي لم تؤتَها بلقيس، ولم تُجْبَ إلى الحرم.
٢ - العقل: ويمثلون له بقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [الرعد/ ١٦، الزمر/ ٦٢].
يقولون: دلَّ العقلُ على أنَّه تعالى لا يتناولُه ذلك، وإن كان لفظُ الشيءِ يتناوله، كقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص/ ٨٨]، وقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام/ ١٩].
ومثَّل له المؤلفُ بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران/ ٩٧]؛ فإنَّ العقلَ دلَّ على أنَّ فاقد العقلِ بالكليةِ لا يدخلُ في هذا الخطاب.
٣ - الإجماع: ومثَّل له بعضهم بإجماع المسلمين على أنَّ الأختَ من الرضاع لا تحل بملك اليمين، فيلزمُ تخصيصُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ الآية [المعارج/ ٣٠] بالإجماع.
والإجماعُ في الحقيقةِ -هنا- إنَّما يدلُّ على مستندٍ للتخصيصِ، فمستندُ هذا الإجماعِ الذي ذكرنا هو قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء/ ٢٣].
الرابع: القياس، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ الآية [النور/ ٢]، فإنَّ عموم الزانية خُصِّصَ بالنَّصِّ وهو قوله في الإماءِ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية [النساء/ ٢٥]، فقِيسَ عليها
стр. 343
العبدُ، فخُصَّ عمومُ الزاني بهذا القياس، أعني قياسَ العبدِ على الأمة في تشطير الحدِّ عنها المنصوصِ عليه بقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ بجامع الرقِّ، فيلزمُ جلدُ العبدِ خمسين، لقياسه على الأمَة، ويخرج بذلك مِنْ عموم "الزاني" الذي يُجلدُ مائةً. وهذا التخصيصُ في الحقيقةِ إنَّما هو بما دل عليه قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ مِنْ أنَّ الرقَّ مناطُ تشطيرِ الحدِّ.
الخامس: المفهوم، وهو:
أ - مفهوم موافقة.
ب - ومفهوم مخالفة.
فمثالُ التخصيص بمفهوم الموافقةِ: تخصيصُ قوله ﷺ : "ليُّ الواجدِ ظلمٌ يحلُّ عرضَه وعقوبتَه" الحديث، بمفهومِ الموافقةِ في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء/ ٢٣]، فإنَّه يفهمُ منه منع حبس الوالد في الدَّينِ، فلا يحبسُ في دَيْنِ ولده.
ومثالُ التخصيصِ بمفهوم المخالفةِ: تخصيصُ حديثِ "في أربعين شاةً شاة" بمفهوم المخالفةِ في قوله: "في الغنمِ السائمةِ الزكاة"، فمفهومُ "السائمة" أنَّه لا زكاةَ في المعلوفة، فتخرجُ مِنْ عموم "في أربعين شاةً شاةٌ".
السادس: العرف المقارنُ للخطاب، ولم يذكره المؤلف ﵀. ومثالُه: ما رواه الإمامُ أحمد ومَسلمٌ مِنْ حديثِ مَعْمرِ بن عبد اللَّه ﵁ قال: كنتُ أسمع النَّبيَّ ﷺ يقولُ: "الطعامُ بالطعامِ
стр. 344
مثلًا بمثل" وكان طعامُنا يومئذٍ الشعير.
فمَنْ يقولُ بأنَّ علة الربا غير الطعم خَصَّصَ عموم الطَّعام في هذا الحديثِ بالشعيرِ؛ للعرف المقارنِ للخطاب.
السابع: نصٌّ آخر يُخصِّصُ العمومَ، وهذا النوع أربعةُ أقسام؛ لأنَّ كلًّا من المخصِّص والمخصَّص -باسم الفاعلِ والمفعولِ- تارةً يكونُ كتابًا، وتارةً يكونُ سنةً؛ فالمجموعُ أربعةٌ مِنْ ضرب اثنتين في اثنتين:
الأولى: تخصيصُ كتابٍ بكتاب، كتخصيص عموم ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية [البقرة/ ٢٢٨] بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ الآية [الطلاق/ ٤] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [الأحزاب/ ٤٩].
وكتخصيص: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة/ ٢٢١] بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية [المائدة/ ٥].
الثَّانية: تخصيص كتابٍ بسنة، كتخصيص: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ الآية [النساء/ ٢٤] بحديث "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" الحديث.
وتخصيص: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية [النساء/ ١١] بحديث "إنَّا معشر الأنبياء لا نُورث" الحديث.
الثَّالثة: تخصيص سُنَّة بسنة، كتخصيص: "فيما سقت السماءُ العشر" بقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
стр. 345
ويدخل في هذا النوع التخصيصُ بفعله ﷺ أو تقريره؛ لأنَّ التقريرَ فعل ضمنيٌّ، وفعلهُ مِنْ سنَّته ﷺ .
ومن أمثلة تخصيص القرآن بالفعلِ تخصيصُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة/ ٢٢٢] بما ثبت عنه ﷺ أنَّه كان يأمرُ بعضَ أزواجه أن تشدَّ إزارَها ثم يباشرها وهي حائض.
الرابعة: تخصيصُ السنة بالكتاب، ومثالُه: حديث "ما أبينَ مِنْ حيٍّ فهو ميِّتٌ"، فإنَّ عمومَه مخصَّصٌ بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا﴾ الآية [النحل/ ٨٠].
وكتخصيص حديث "أمرتُ أن أقاتِل النَّاسَ حتَّى يشهدوا أن لا إله إلَّا اللَّه" بقول اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة/ ٢٩].
وأشار في "المراقي" إلى تعريف المخصِّصِ المنفصل وأقسامه بقوله:
وسم مستقله منفصلا ... للحسِّ والعقلِ نماه الفضلا
وخصص الكتاب والحديث به ... أو بالحديث مطلقًا فلْتنتبه
واعتبر الإجماعَ جُلُّ النَّاسِ ... وقِسمي المفهومِ كالقياسِ
والعرفُ حيث قارنَ الخطابا ... ودع ضميرَ البعضِ والأسبابا
وأعلم أنَّ التحقيقَ أنَّه يجوزُ تخصيصُ المتواتر بأخبار الآحاد؛ لأنَّ التخصيص بيانٌ، وقد قدَّمنا أن المتواترَ يُبيَّنُ بالآحاد قرآنًا أو سنة، كما
стр. 346
أنَّ التحقيق -أيضًا- جوازُ تخصيص السنة بالكتاب، كما ذكرنا، خلافًا لِمَنْ منعه محتجًّا بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل/ ٤٤]، ومن الحجة عليه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [النحل/ ٨٩].
وأعلم -أيضًا- أنَّ التحقيقَ هو تخصيصُ العامِّ بالخاصِّ سواء تقدَّم عنه أو تأخرَ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ القائلِ بأنَّ المتأخِّر منهما ناسخٌ، محتجًّا بقول ابن عباس أو الزُّهريّ: كانوا يأخذون بالأحدثِ فالأحدث، وبأنَّ العامَّ قطعيُّ الشمول للأفرادِ -عنده-، وعليه إنْ جُهِلَ التَّاريخ يلزمُ التوقف حتَّى يدلَّ دليلٌ آخر على أحدهما. وهذا المذهبُ روايةٌ -أيضًا- عن أحمد.
والدليلُ على تقديم الخاص على العامِّ مطلقًا أمران:
الأوَّل: أن الصحابة كانوا يقدمونه عليه، كما قاله المؤلفُ وغيرُه، ومَنْ تتبع قضاياهم تحقَّق ذلك عنهم.
الثَّاني: أن دلالة الخاصِّ أقوى من تناولِ العامِّ له، فلا شك أنَّ دلالة "إنا معاشر الأنبياءِ لا نورث" على عدم إرثِ فاطمة له ﷺ أقوى من دلالة عمومِ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية [النساء/ ١١] على إرثها له ﷺ ﵂.
وزاد المؤلفُ من المخصِّصاتِ المنفصلةِ قولَ الصحابي عند مَنْ يراه حجةً، وقد قدَّمنا أنَّ قولَ الصحابي لا يمكنُ أن يُخَصَّ به العامُّ إلَّا إذا كان له حكم الرفعِ بكونه لا مجالَ للرأي فيه.
стр. 347
والمؤلفُ جعل فعله وتقريره ﷺ مخصِّصين مستقلَّين، ونحنُ أدرجناهما في التخصيصِ بالسنة؛ لأنَّ السنة قولٌ وفعلٌ وتقريرٌ، وقد مثلنا للفعلِ، ومثَّل بعضهم للتقرير بتقريره ﷺ على عدم إخراجِ الزكاة مِنَ الخيلِ فإنَّه يُخَصِّصُ وجوبَ الزكاة، مع أنَّ الخيل جاء بها نصٌّ وهو حديثُ "ليس على مسلمٍ في عبده ولا في فرسه صدقةٌ" متَّفقٌ عليه. والمخالفُ يقول: إن كثرت وكانت سائمةً ففيها الزكاة.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا تعارضَ العمومان فإن أمكنَ الجمعُ بينهما جمع. . .) إلخ.
قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:
حاصلُ كلامِ أهل الأصولِ في التعارض أنَّ له ثلاث حالات:
الأولى: تعارضُ عامٍّ وخاصٍّ، وهي التي قدمنا أنَّ العامَّ فيها يُحملُ على الخاصِّ، خلافًا لأبي حنيفة القائل بأنَّ المتأخرَ ناسخٌ، وهو رواية عن أحمد.
الثَّانية: تعارضُ خاصَّين، فيجبُ الترجيح، كتعارضِ حديثِ ابن عباسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ تزوجَ ميمونةَ وهو مُحرمٌ، مع حديثِ ميمونةَ وأبي رافعٍ بخلاف ذلك.
стр. 348
فيرجحُ حديثُ ميمونة بأنَّها صاحبةُ القصة، فهي أدرى بها، وحديثُ أبي رافعٍ بأنَّه هو السفير بينهما، والمباشرُ أعلم بالقصة من غيره.
الثالثة: تعارضُ عامَّين مطلقًا أو مِنْ وجهٍ، فإنْ أمكن الجمعُ جُمِعَ وإلَّا وجبَ الترجيحُ.
مثالُ ما أمكن فيه الجمع: أحاديثُ ذمِّ مَنْ يشهدُ قبلَ أنْ يُستشهد، مع أحاديث مدحه. فيجمعُ بحمل ذمِّه على أنْ يكون عالمًا بأنَّ صاحبَ الحقِّ عالمٌ بأنَّه يعرفُ حقَّه، ويحملُ مدحُه على كونه لم يعلم بأنَّه شاهدٌ له على حقِّه.
ومثالُ ما يجب فيه الترجيح: حديثُ وجوبِ الوضوء مِنْ مسِّ الذكر، وحديث عدم وجوبه. فيرجحُ حديثُ الوجوبِ بأنَّه أحوطُ في الخروج من العهدة.
ومثال الترجيع في الأعمَّين مِن وجهٍ: ترجيحُ عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣] على عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٦، المعارج/ ٣٠] بأنَّه أحوطُ -أيضًا-، وبأنَّه نصٌّ مقصودٌ لتحريم النساء وتحليلهنَّ، بخلاف: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فإنَّه في معرض مدحِ المتقين.
وحاصلُ تحريره أنَّ المتعارضَيْنِ يجبُ الجمعُ بينهما إنْ أمكن، فإنْ لم يمكنْ رُجِّحَ أحدُهما، فإن لم يرجحْ فالأخيرُ ناسخٌ، فإن لم يُعلم الأخيرُ طُلِبَ الدليلُ من غيرهما.
стр. 349
فصل في الاستثناء
صيغُ الاستثناء هي المعروفة في النحو، وأمُّ البابِ "إلا".
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(وحدُّه: أنَّه قولٌ ذو صيغةٍ متصل يدلُّ على أنَّ المذكور معه غيرُ مرادٍ بالقول الأول).
وذكر المؤلف أن الاستثناء يفارق التخصيص في شيئين:
الأول: أنَّ اتصاله لازمٌ بخلاف التخصيص.
الثاني: أنه يتطرق إلى النصِّ الذي لا يحتملُ إلا معنى واحدًا، نحو: عشرة إلا ثلاثة، بخلاف التخصيص فهو من العمومات، وهي ظواهر.
قلتُ: وقد قدَّمنا أنَّ غير المؤلف يعدُّ الاستثناء من المخصصات المتصلة.
قال المؤلف (٢):
(ويفارقُ النسخَ -أيضًا- في ثلاثة أشياء:
أحدها: في اتصاله.
стр. 350
والثاني: أنَّ النسخَ رافعٌ لما دخل تحت اللفظ، والاستثناء يمنعُ أنْ يدخل تحت اللفظ ما لولاه لدخل.
الثالث: أنَّ النسخ يرفعُ جميع حكم النصِّ، والاستثناء إنما يجوزُ في البعض).
قلتُ: وقد يجوز النسخُ في البعض، كحديث عائشة الثابت في مسلم من نسخ عشر رضعاتٍ بخمسٍ معلوماتٍ.
واشترط المؤلفُ ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون متصلًا بالمستثنى منه.
الثاني: أن يكون من جنس المستثنى منه.
الثالث: أن يكون المستثنى أقل من النصف.
وقال: في استثناء النصف وجهان.
وحكى المؤلفُ جوازَ تأخيرِ الاستثناء عن ابن عباس. وحكى عن طاووسٍ والحسن جوازه في المجلس. قال (١): (وأومأ إليه أحمد ﵀ في الاستثناء في اليمين، والأولى ما ذكرناه).
قلتُ: التحقيق أنَّ الاستثناء لا بدَّ أنْ يكون متصلًا بالمستثنى منه، ويدلُّ له قوله تعالى في قصة أيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص/ ٤٤]؛ إذْ لو كان تدارك الاستثناء ممكنًا لقال: قل إن شاء
стр. 351
اللَّه.
والظاهرُ فيما روي عن ابن عباس أنَّ مراده به الخروج من عهدةِ النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ الآية [الكهف/ ٢٣]، وليس مراده أنْ تُحَلَّ به الأيمانُ وغيرها مع تأخيره عنها.
وأمَّا اشتراط كون المستثنى من جنس المستثنى منه، فاسْتُدِلَّ له بأنَّ الاستثناء أخرج بعض ما دخل في المستثنى منه، وغير جنسه لم يدخل حتى يخرج.
وأكثر الأصوليين على جواز الاستثناء المنقطع، واستدلوا له بكثرةِ وروده في القرآن وفي كلام العرب، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم/ ٦٢]، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة/ ٢٥، ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل/ ١٩، ٢٠]، وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء/ ٢٩].
وقال النابغة الذبياني:
وقفتُ فيها أُصَيْلالًا أُسائلُها ... عيَّتْ جوابًا وما بالرَّبْعِ مِنْ أحدِ
إلا الأواريَّ لأيًا ما أُبيِّنُها ... والنُّؤْيُ كالحوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ
وقال الراجز:
وبلدةٍ ليس بها أنيسُ ... إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ
стр. 352
وينبني على الخلاف في هذه المسألة ما لو قال: له عليَّ ألف درهم إلا ثوبًا، فعلى القول بصحة الاستثناء المنقطع تسقط قيمة الثوب بتقدير مضافٍ، أو على المجاز عندهم من إطلاق الثوب وإرادة قيمته.
وفرَّق بعضهم بين الإقرار فأسقط فيه قيمة الثوب، وبين العقد فجعل "إلا" فيه بمعنى الواو، وهو مقتضى كلام مالك في "المدونة".
وأشار في "المراقي" إلى هذه المسألة مع تعريف الاستثناء المتصل والمنقطع بقوله:
والحكم بالنقيض للحكم حصل ... لما عليه الحكمُ قبل متصل
وغيرُه منقطعٌ ورجِّحا ... جوازُه فهو مجازًا وَضَحَا
فَلْتَنْمِ ثوبًا بعد ألف درهم ... للحذف والمجاز أو للندمِ
وقيل: بالحذف لدى الإقرارِ ... والعقد معنى الواوِ فيه جار
وأمَّا اشتراطُ كون المستثنى أقلَّ من النصف فقد استُدِلَّ له بأنَّ استثناءَ الأكثر ليس من لغة العرب.
قال: وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج: لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير.
وقال ابنُ جني: لو قال قائلٌ: له عليَّ مائةٌ إلا تسعةً وتسعين، ما كان متكلمًا بالعربية، وكان كلامهُ عيًّا من الكلام ولُكْنَةً.
قلتُ: وهذا القولُ عزاه غيرُ واحدٍ لمالك، وهو قولُ الباقلاني والبصريين، وعليه أكثر النحاة.
стр. 353
وقال أكثر الأصوليين: يجوزُ استثناءُ الأكثر، واستدلُّوا بأنَّ اللَّه تعالى قال في آية: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [الآية ص/ ٨٢، ٨٣]، وقال في أخرى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الآية [الحجر/ ٤٢]، قالوا: فلا بدَّ أنْ يكون الغاوون أكثر من المخلصين، أو العكس، وعلى كلٍّ فقد استثنى اللَّه الأكثر.
قلتُ: وهذا الدليلُ في المسألة قويٌّ. وجواب المؤلف ﵀ عنه بدخول الملائكة في آية استثناء الغاوين وخروجهم من آية استثناء المخلصين، ليس بمتجهٍ فيما يظهرُ لي، بل الظاهر إخراجهم من الآيتين، أو إدخالهم فيهما. أمَّا إخراجهم من واحدةٍ وإدخالهم في الأخرى بلا دليلٍ، فهو تحكمٌ لا دليلَ عليه.
أمَّا البيتُ الذي استدلَّ به بعضهم وهو قوله:
أدُّوا التي نقصتْ تسعين عن مائةٍ ... ثم ابعثُوا حَكَمًا بالحقِّ قوَّامًا
فقد أجاب عنه المؤلفُ بجوابين:
أحدهما: أنَّه ليس فيه استثناء أصلًا.
والثاني: أنه مصنوعٌ، وعزاهُ لابن فضَّالٍ النحوي.
وأشار في "المراقي" إلى جميع الأقوال في هذه المسألة بقوله:
وجُوِّزَ الأكثرُ عند الجلَّ ... ومالكٌ أوجبَ للأقلِّ
ومنع الأكثر من نصِّ العدد ... والعقدُ منه عند بعضٍ انفقد
стр. 354
تنبيه:
لم يتكلم المصنفُ ﵀ على حكم تعدد الاستثناء .
وحكمه: إنْ تعدد بعطفٍ فجميع الاستثناءات راجعةٌ للمستثنى منه الأول، بلا خلافٍ، نحو: له عليَّ عشرة إلا واحدًا وإلا اثنين.
فإنْ تكررت بلا عطفٍ فلها أربعُ حالات:
الأولى: أن لا يستغرقَ واحدٌ منها. وفي هذه الحالة فكلُّ استثناءٍ راجعٌ لما قبله على التحقيق، نحو: له عليَّ عشرة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة. فتلزمه ستة؛ لأنَّ الثلاثة تخرجُ من الأربعة، فيبقى واحدٌ يخرجُ من الخمسة، تبقى أربعة تخرج من العشرة، تبقى ستة.
الثانية: أن يستغرق كلّ ما يليه. فيبطل الكلُّ.
الثالثة: أن يستغرق غير الأول. فيرجع الكل للمستثنى منه الأول بلا خلافٍ، نحو: له عليَّ عشرةٌ إلا اثنين إلا ثلاثة، فتلزم خمسة.
الرابعة: أن يستغرق الأول وحده. نحو: عشرة إلا عشرة إلا أربعة. فقيل: يبطل ما بعد المستغرق تبعًا له، فيلزم العشرة.
وقيل: يعتبر ما بعده.
واختلف في طريق اعتباره.
فقيل: يُستثنى من الاستثناء الأول، فيلزمُ أربعة.
وقيل: يعتبر الثاني دون الأول، فتلزم ستة.
стр. 355
وهذه الأقوالُ على قولِ من يجيزُ استثناءَ الأكثر.
والمثالُ لا يُعْتَرَضُ؛ لأنَّ المقصود منه فهمُ القاعدة.
واعلم أنَّ التحقيقَ هو ما ذكرنا من جوازِ الاستثناء من الاستثناءِ، وذكره السَّيرافي في "شرح كتاب سيبويه".
قلتُ: ودليله من القرآن قولُه تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ الآية [الحجر/ ٥٨ - ٦٠].
وأشار في "المراقي" إلى تعدد الاستثناء وأحكامه بقوله:
وذا تعددٌ بعطفٍ حَصِّلِ ... بالاتفاقِ مسجلًا للأول
إلَّا فكلٌّ للذي به اتصل ... وكلُّها مع التساوي قد بطل
إنْ كان غير الأولِ المستغرقا ... فالكلُّ للمخرجِ منه حُقّقا
وحيثما استغرق الأول فقط ... فألغِ واعتبر بخلفٍ في النمط
وبهذا نعلمُ أنَّ قولَ ابن مالكٍ في "الخلاصة":
. . . . . . . . . ... وحكمُها في القصدِ حكمُ الأولِ
ليس على إطلاقه.
وقولُ المؤلف في هذا المبحث: (ولا نعلمُ خلافًا في أنه لا يجوزُ استثناءُ الكلِّ) (١) فيه أنه خالف فيه ابنُ طلحة الأندلسي في كتابه