اللَّه.
والظاهرُ فيما روي عن ابن عباس أنَّ مراده به الخروج من عهدةِ النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ الآية [الكهف/ ٢٣]، وليس مراده أنْ تُحَلَّ به الأيمانُ وغيرها مع تأخيره عنها.
وأمَّا اشتراط كون المستثنى من جنس المستثنى منه، فاسْتُدِلَّ له بأنَّ الاستثناء أخرج بعض ما دخل في المستثنى منه، وغير جنسه لم يدخل حتى يخرج.
وأكثر الأصوليين على جواز الاستثناء المنقطع، واستدلوا له بكثرةِ وروده في القرآن وفي كلام العرب، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم/ ٦٢]، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة/ ٢٥، ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل/ ١٩، ٢٠]، وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء/ ٢٩].
وقال النابغة الذبياني:
وقفتُ فيها أُصَيْلالًا أُسائلُها ... عيَّتْ جوابًا وما بالرَّبْعِ مِنْ أحدِ
إلا الأواريَّ لأيًا ما أُبيِّنُها ... والنُّؤْيُ كالحوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ
وقال الراجز:
وبلدةٍ ليس بها أنيسُ ... إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ
стр. 352
وينبني على الخلاف في هذه المسألة ما لو قال: له عليَّ ألف درهم إلا ثوبًا، فعلى القول بصحة الاستثناء المنقطع تسقط قيمة الثوب بتقدير مضافٍ، أو على المجاز عندهم من إطلاق الثوب وإرادة قيمته.
وفرَّق بعضهم بين الإقرار فأسقط فيه قيمة الثوب، وبين العقد فجعل "إلا" فيه بمعنى الواو، وهو مقتضى كلام مالك في "المدونة".
وأشار في "المراقي" إلى هذه المسألة مع تعريف الاستثناء المتصل والمنقطع بقوله:
والحكم بالنقيض للحكم حصل ... لما عليه الحكمُ قبل متصل
وغيرُه منقطعٌ ورجِّحا ... جوازُه فهو مجازًا وَضَحَا
فَلْتَنْمِ ثوبًا بعد ألف درهم ... للحذف والمجاز أو للندمِ
وقيل: بالحذف لدى الإقرارِ ... والعقد معنى الواوِ فيه جار
وأمَّا اشتراطُ كون المستثنى أقلَّ من النصف فقد استُدِلَّ له بأنَّ استثناءَ الأكثر ليس من لغة العرب.
قال: وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج: لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير.
وقال ابنُ جني: لو قال قائلٌ: له عليَّ مائةٌ إلا تسعةً وتسعين، ما كان متكلمًا بالعربية، وكان كلامهُ عيًّا من الكلام ولُكْنَةً.
قلتُ: وهذا القولُ عزاه غيرُ واحدٍ لمالك، وهو قولُ الباقلاني والبصريين، وعليه أكثر النحاة.
стр. 353
وقال أكثر الأصوليين: يجوزُ استثناءُ الأكثر، واستدلُّوا بأنَّ اللَّه تعالى قال في آية: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [الآية ص/ ٨٢، ٨٣]، وقال في أخرى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الآية [الحجر/ ٤٢]، قالوا: فلا بدَّ أنْ يكون الغاوون أكثر من المخلصين، أو العكس، وعلى كلٍّ فقد استثنى اللَّه الأكثر.
قلتُ: وهذا الدليلُ في المسألة قويٌّ. وجواب المؤلف ﵀ عنه بدخول الملائكة في آية استثناء الغاوين وخروجهم من آية استثناء المخلصين، ليس بمتجهٍ فيما يظهرُ لي، بل الظاهر إخراجهم من الآيتين، أو إدخالهم فيهما. أمَّا إخراجهم من واحدةٍ وإدخالهم في الأخرى بلا دليلٍ، فهو تحكمٌ لا دليلَ عليه.
أمَّا البيتُ الذي استدلَّ به بعضهم وهو قوله:
أدُّوا التي نقصتْ تسعين عن مائةٍ ... ثم ابعثُوا حَكَمًا بالحقِّ قوَّامًا
فقد أجاب عنه المؤلفُ بجوابين:
أحدهما: أنَّه ليس فيه استثناء أصلًا.
والثاني: أنه مصنوعٌ، وعزاهُ لابن فضَّالٍ النحوي.
وأشار في "المراقي" إلى جميع الأقوال في هذه المسألة بقوله:
وجُوِّزَ الأكثرُ عند الجلَّ ... ومالكٌ أوجبَ للأقلِّ
ومنع الأكثر من نصِّ العدد ... والعقدُ منه عند بعضٍ انفقد
стр. 354
تنبيه:
لم يتكلم المصنفُ ﵀ على حكم تعدد الاستثناء .
وحكمه: إنْ تعدد بعطفٍ فجميع الاستثناءات راجعةٌ للمستثنى منه الأول، بلا خلافٍ، نحو: له عليَّ عشرة إلا واحدًا وإلا اثنين.
فإنْ تكررت بلا عطفٍ فلها أربعُ حالات:
الأولى: أن لا يستغرقَ واحدٌ منها. وفي هذه الحالة فكلُّ استثناءٍ راجعٌ لما قبله على التحقيق، نحو: له عليَّ عشرة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة. فتلزمه ستة؛ لأنَّ الثلاثة تخرجُ من الأربعة، فيبقى واحدٌ يخرجُ من الخمسة، تبقى أربعة تخرج من العشرة، تبقى ستة.
الثانية: أن يستغرق كلّ ما يليه. فيبطل الكلُّ.
الثالثة: أن يستغرق غير الأول. فيرجع الكل للمستثنى منه الأول بلا خلافٍ، نحو: له عليَّ عشرةٌ إلا اثنين إلا ثلاثة، فتلزم خمسة.
الرابعة: أن يستغرق الأول وحده. نحو: عشرة إلا عشرة إلا أربعة. فقيل: يبطل ما بعد المستغرق تبعًا له، فيلزم العشرة.
وقيل: يعتبر ما بعده.
واختلف في طريق اعتباره.
فقيل: يُستثنى من الاستثناء الأول، فيلزمُ أربعة.
وقيل: يعتبر الثاني دون الأول، فتلزم ستة.
стр. 355
وهذه الأقوالُ على قولِ من يجيزُ استثناءَ الأكثر.
والمثالُ لا يُعْتَرَضُ؛ لأنَّ المقصود منه فهمُ القاعدة.
واعلم أنَّ التحقيقَ هو ما ذكرنا من جوازِ الاستثناء من الاستثناءِ، وذكره السَّيرافي في "شرح كتاب سيبويه".
قلتُ: ودليله من القرآن قولُه تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ الآية [الحجر/ ٥٨ - ٦٠].
وأشار في "المراقي" إلى تعدد الاستثناء وأحكامه بقوله:
وذا تعددٌ بعطفٍ حَصِّلِ ... بالاتفاقِ مسجلًا للأول
إلَّا فكلٌّ للذي به اتصل ... وكلُّها مع التساوي قد بطل
إنْ كان غير الأولِ المستغرقا ... فالكلُّ للمخرجِ منه حُقّقا
وحيثما استغرق الأول فقط ... فألغِ واعتبر بخلفٍ في النمط
وبهذا نعلمُ أنَّ قولَ ابن مالكٍ في "الخلاصة":
. . . . . . . . . ... وحكمُها في القصدِ حكمُ الأولِ
ليس على إطلاقه.
وقولُ المؤلف في هذا المبحث: (ولا نعلمُ خلافًا في أنه لا يجوزُ استثناءُ الكلِّ) (١) فيه أنه خالف فيه ابنُ طلحة الأندلسي في كتابه
стр. 356
المسمى بالمدخل، وأشار له في "المراقي" بقوله:
والمثلُ عند الأكثرين مبطلُ ... ولجوازِه يدلُّ المدخلُ
وعليه فلو قال: له عليَّ عشرة إلَّا عشرة، لم يَلْزَمْهُ شيءٌ. وعامةُ العلماءِ على خلافِه.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا تعقب الاستثناءُ جُمَلًا . . .) إلى آخره.
خلاصةُ ما ذكره في هذا المبحث: أنَّ الاستثناء إذا ورد بعد جملٍ متعاطفةٍ رجع لجميعها، خلافًا لأبي حنيفة القائلِ برجوعِه للأخيرِ فقط، وبنى على هذا الأصل عدمَ قبولِ شهادةِ القاذفِ ولو تاب وأصلح؛ لأنَّ الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ لا يرجعُ عنده إلَّا للأخيرةِ، وهي ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الآية [النور/ ٤ - ٥].
واستدل المؤلفُ لرجوعِ الاستثناءِ للكلِّ بثلاثةِ أمورٍ:
الأول: قياسُه على الشرط.
وقد قدَّمنا أنَّ الشرطَ يرجعُ لكلِّ المتعاطفاتِ قبله.
الثاني: اتفاقُ أهل اللغة على أنَّ تكرار الاستثناءِ عقب كلِّ جملةٍ عِيٌّ ولكنةٌ فيما يُرادُ فيه الاستثناءُ من الجميع.
стр. 357
الثالث: أنَّ العطف بالواو يوجبُ نوعًا من الاتحاد بين المعطوف والمعطوف عليه.
وأشار في "المراقي" إلى هذه المسألة بقوله:
وكل ما يكون فيه العطفُ ... مِنْ قبلِ الاستثنا فكلًّا يقفو
دون دليلِ العقلِ أو ذي السمعِ ... والحقُّ الافتراقُ دون الجمعِ
وظاهرُ كلام المؤلف الفرقُ بين الواو وغيرها، وذكرَ غيرُ واحد أنَّ الفاء و"ثم" كذلك؛ لأنَّ الكلَّ يدلُّ على الاتفاقِ في الحكم، وإنَّما التفاوتُ في الترتيب والتراخي ومطلقِ التشريك، وهو الظاهر.
أمَّا نحو: "بَلْ" و"لكن" و"لا"، فظاهرٌ أنها ليست كذلك؛ لأنَّها لأحد الشيئينِ بعينه، وهل يمكنُ رجوعُه فيهما للكلِّ؟ هو محلُّ تردُّدٍ للأصوليين.
وأمَّا: "أوْ" و"أمْ" و"إمَّا"، فإنَّها لأحدهما لا بعينه، فلا يتأتَّى دخولُ المتعاطفين بها في محلِّ النزاع.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
في الشرط . . .) إلى آخره.
قد قدَّمنا الكلام على الشرط مستوفًى في المخصصاتِ المتصلة.
стр. 358
وهو ينقسمُ إلى عقليٍّ وشرعيٍّ ولغويٍّ.
فالعقليُّ كالحياةِ للعلم، والشرعيُّ كالطهارة للصلاة، واللغويُّ نحو: إنْ دخلتِ الدار فأنتِ طالقٌ.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل في المطلق والمقيد
المطلق: هو المتناولُ لواحدٍ لا بعينه باعتبار حقيقةٍ شاملةٍ لجنسه. وهي النكرةُ في سياق الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية [المجادلة/ ٣].
وقد يكون في الخبر، نحو: "لا نكاحَ إلا بوليٍّ وشاهدين". . .) الخ.
مشى المؤلفُ إلى اتحاد النكرة والمطلق الذي هو اسم الجنس، وكثيرٌ من الأصوليين يفرِّقون بينهما.
وحَدَّ المؤلفُ المقيَّدَ بأنَّه: المتناولُ لمعيَّنٍ أو لغيرِ معيَّنٍ موصوفٍ بأمرٍ زائدٍ على الحقيقةِ الشاملةِ لجنسه.
كقوله تعالى: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء/ ٩٢]، قيَّد الرقبة بالإيمانِ، والصيامَ
стр. 359
بالتتابع.
وقد يكونُ اللفظُ مقيدًا مِنْ جهةٍ ومطلقًا مِنْ جهةٍ أخرى، كقوله: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فهي مقيدةٌ بالإيمان، مطلقةٌ بالنسبة إلى السلامة وسائرِ الأوصاف.
وحَدَّهما في "المراقي" تحت ترجمة المقيَّدِ والمطلقِ بقوله:
فما على معناه زيد مسجلًا ... معنى لغيره اعتقده الأولا
وما على الذاتِ بلا قيدٍ يدل ... فمطلقٌ وباسمِ جنسٍ قد عُقِل
وما على الواحدِ شاعَ النكرة ... والاتحادُ بعضُهم قد نصره
عليه طالقٌ إذا كان ذكر ... فولدت الاثنين عند ذي النظر
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا ورد لفظان: مطلقٌ ومقيدٌ، فهو على ثلاثةِ أقسام. . .) الخ.
اعلم أنَّ الأصل في القسمة كونها رباعية؛ لأنَّ المطلق والمقيَّد لهما أربعُ حالات:
الأولى: أن يتحد حكمهما وسببُهما.
الثانية: أن يتحد الحكمُ ويختلفَ السبب.
стр. 360
الثالثة: أن يتحد السببُ ويختلفَ الحكم.
الرابعة: أن يختلفا معًا.
فإن اتحد السببُ والحكمُ وجب حملُ المطلقِ على المقيدِ، خلافًا لأبي حنيفة.
ومثالُه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة/ ٣] مع قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام/ ١٤٥].
وحجةُ أبي حنيفة: أنَّ الزيادةَ على النصِّ نسخٌ.
وإن اتحد الحكمُ واختلفَ السببُ، كقوله في كفارة القتل: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء/ ٩٢] مع قوله في اليمينِ والظِّهارِ: ﴿رَقَبَةٍ﴾ [المائدة/ ٨٩، المجادلة/ ٣] فقط.
فقيل: يحملُ المطلقُ على المقيد، فيشترطُ الإيمانُ في رقبة الظِّهارِ واليمين. وعزاه المؤلفُ للمالكيةِ وبعضِ الشافعيةِ واختيارِ القاضي.
وقيل: لا يحملُ عليه. وعزاه المؤلفُ لجلِّ الحثفية، وبعض الشافعيةِ، وأبي إسحاق بن شاقلَّا، ونقلَ عن أحمدَ ما يدلُّ عليه.
وأمَّا إن اختلف الحكمُ، فقال المؤلفُ (١): (لا يُحْمَلُ المطلقُ على المقيَّدِ، سواء اختلف السببُ أو اتفقَ، كخصالِ الكفارةِ، إذْ قيَّد الصوم
стр. 361
بالتتابع؛ وأطلقَ الإطعام؛ لأنَّ القياسَ من شرطه اتحادُ الحكم، والحكمُ هنا مختلفٌ).
هكذا قال المؤلفُ -رحمه اللَّه تعالى-.
قلتُ: أمَّا إن اختلف الحكمُ والسببُ معًا فهو كما قال المؤلفُ، لا خلافَ في عدم حمله عليه.
وأمَّا إن اختلف الحكمُ واتحد السببُ فبعضُ العلماء يقولُ في هذه الصورة: يحملُ المطلقُ على المقيَّدِ كما قبلها، ومثَّلوا له بصوم الظِّهارِ وعتقه، فإنهما مقيَّدان بقوله: ﴿قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وإطعامه مطلقٌ عن ذلك، فيقيَّدُ بكونه قبلَ المسيسِ، حملًا للمطلقِ على المقيَّد؛ لاتحاد السبب.
ومثَّل له اللخميُّ بالإطعام في كفارة اليمينِ، حيثُ قُيَّدَ في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة/ ٨٩]، وأطلقت الكسوةُ عن القيد بذلك في قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾، فيحملُ المطلقُ على المقيَّد، فيُشترطُ في الكسوة أن تكون من أوسطِ ما تكسون أهليكم.
وحَمْلُ المطلق على المقيَّد، قيل: من أساليب اللغة؛ لأنَّ العربَ يثبتون ويحذفون اتكالًا على المثبت، كقول قيس بنِ الخطيم:
نحنُ بما عندنا وأنتَ بما ... عندك راضٍ والرأيُ مختلفُ
فحذفَ "راضون" لدلالة "راضٍ" عليه.
وقول عمرو بن أحمر الباهلي:
стр. 362
رماني بأمرٍ كنتُ منه ووالدي ... بريئًا ومِنْ أجلِ الطويِّ رماني
وقيل: بالقياس. وقيل: بالعقل، وهو أضعفها، ولم يذكره المؤلف.
تنبيه:
هذا الذي ذكرنا فيما إذا كان المقيدُ واحدًا.
أمَّا إذا كان هناك مقيدان بقيدين مختلفين ، فإنْ كان أحدُهما أقربَ للمطلقِ حُمِلَ عليه عند جماعة من العلماء، وبه يقولُ المؤلف، وإنْ لم يكنْ أحدهما أقربَ لم يحمل على واحدٍ منهما اتفاقًا.
مثالُ الأول: إطلاقُ صومِ كفارة اليمين عن القيدِ، مع قيدِ التتابعِ في صومِ الظِّهار، وقيدِ التفريقِ في صوم التمتع.
فالظِّهارُ أقربُ لليمين من التمتع؛ لأنَّ كلًّا منهما كفارةٌ، فيُقَيَّد بالتتابع دون التفريق، وقراءةُ ابن مسعودٍ ﴿متتابعات﴾ لم تثبت قرآنًا؛ لإجماع الصحابة على عدم كَتْبِها في المصاحف العثمانية.
ومثالُ الثاني: صلامُ قضاء رمضان، فإنه تعالى أطلقه في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥]، مع قيد صوم الظهار بالتتابع، وصوم التمتع بالتفريق.
وقضاءُ رمضان ليس أقربَ لواحدٍ منهما، فيبقى على إطلاقه، مَنْ شاء تابعه، ومَنْ شاء فرَّقه.
وأشار في "المراقي" إلى هذه المسألة بقوله:
стр. 363
وحملُ مطلقٍ على ذاك وجب ... إنْ فيهما اتحدَ حكمٌ والسبب
وحيثما اتحد واحد فلا ... يحمله عليه جُلُّ العقلا
стр. 364
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(باب في الفحوى والإشارة)
اعلم أنَّ مرادَهُ بالفحوى والإشارةِ المفهومُ.
وعَرَّفَ المفهومَ بأنه ما يقتبسُ من الألفاظِ من فحواها وإشارتِها، لا من صيغتها.
قلتُ: وتعريفها المشهورُ عند أهل الأصول هو أنَّ المنطوقَ: ما دلَّ عليه اللفظُ في محلِّ النُّطق. والمفهومَ: ما دلَّ عليه اللفظُ لا في محلِّ النُّطقِ.
وعرَّف في "المراقي" المنطوق بقوله:
معنًى له في القصد قل تأصُّلُ ... وهو الذي اللفظُ به يُستعملُ
وعرَّف المفهومَ بقوله:
وغير ما مرَّ هو المفهوم ... منه الموافقةُ قل معلوم
وحاصلُ تحرير المقامِ في هذه المسألة: أنَّ لها واسطةً وطرفين:
طرفٌ منطوقٌ بلا خلاف.
وطرفٌ مفهومٌ بلا خلاف.
стр. 365
وواسطةٌ مختلفٌ فيها، هل هي من المنطوق غير الصريح أو من المفهوم؟
فالمجمع على أنَّه منطوقٌ: دلالةُ الألفاظ على مسمياتها.
والطرفُ المتفقُ على أنَّه مفهومٌ: كمفهوم المخالفة الآتي ذكرُه.
والواسطةُ المختلفُ فيها، هل هي من المنطوق غير الصريح أو من المفهوم؟ هي دلالةُ الاقتضاء ، والإشارة، والإيماء والتنبيه. وجزم المؤلفُ بأنَّها من المفهوم، وأجرى غيرُه فيها الخلاف الذي ذكرنا.
وإليه الإشارةُ في "المراقي" بقوله:
وفي كلامِ الوحي والمنطوق هل ... ما ليس بالصريح فيه قد دخل
وهو دلالةُ اقتضاءِ أنْ يدل ... لفظٌ على ما دونه لا يستقل
دلالةُ اللزومِ مثل ذات ... إشارة كذاك الإيماءاتِ
فأول إشارةُ اللفظِ لما ... لم يكن القصدُ له قد علما
دلالة الإيماءِ والتنبيهِ ... في الفنِّ تقصد لدى ذويه
أنْ يقرنَ الوصفُ بحكمٍ إن يكن ... لغير علةٍ يَعِبْهُ مَنْ فطن
وسنوضِّحُ لك الفرق بينها:
* اعلم أنَّ دلالة الاقتضاء لا تكون أبدًا إلا على محذوف دلَّ المقامُ عليه، وتقديرُه لا بدَّ منه؛ لأنَّ الكلام دونه لا يستقيمُ؛ لتوقفِ الصدقِ أو الصحةِ عليه.
стр. 366
فمثال توقف الصدقِ عليه: "رُفِعَ عَنْ أُمتي الخطأ والنسيان" لو قُدِّرَ ثبوتُه؛ لأنَّه إنْ لم يُقَدَّرْ محذوفٌ، أي المؤاخذة بالخطأ، كان الكلامُ كذبًا؛ لعدم رفع ذات الخطأ؛ لأنه كثيرًا ما يقع الخطأ من الناس.
وكقوله ﷺ لذي اليدينِ: "كلُّ ذلك لم يكن"، أي في ظنِّي؛ لأنه دون ذلك المحذوف يكونُ كذبًا؛ لأنه قد وقع بالفعل واحدٌ منهما.
ومثالُ توقف الصحة شرعًا عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: فأفطر، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة/ ١٨٤]، ومثله قوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة/ ١٩٦] أي: فحلق شعره.
فاتضح أنَّ دلالة الاقتضاءِ إنَّما هي على مقصودٍ محذوفٍ لا بدَّ من تقديره لتوقف الصدق أو الصحةِ عليه.
* وإيضاحُ دلالة الإشارة: أنَّها دلالةُ اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل، ولكنه لازمٌ للمقصود، فكأنَّه مقصودٌ بالتبع لا بالأصل.
كدلالةِ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية [البقرة/ ١٨٧] على صحة صومِ مَنْ أصبحَ جُنُبًا؛ لأنَّ إباحة الجماع في الجزء الأخير من الليل الذي ليس بعده ما يتسعُ للاغتسال من الليل يلزمُ إصباحَه جُنبًا.
وكدلالةِ قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف/ ١٥]
стр. 367
مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان/ ١٤] على أنَّ أقلَّ أمدِ الحمل ستة أشهر.
* وأمَّا دلالةُ الإيماء والتنبيه: فهي لا تكونُ إلا على علة الحكم خاصة، وضابطها: أن يذكر وصفٌ مقترن بحكم في نصٍّ نصوص الشرع على وجهٍ لو لم يكنْ ذلك الوصفُ علةً لذلك الحكم لكانَ الكلام معيبًا.
ومثالُه: قولُه ﷺ للأعرابي الذي قال له: هلكتُ! واقعتُ أهلي في نهارِ رمضانَ: "أعتقْ رقبةً". فلو لم يكن ذلك الوقاعُ علة لذلك العتقِ كان الكلامُ معيبًا.
وكلُّ هذه الثلاثة مِنْ دلالةِ الالتزام. والحقُّ أنَّها مِن المفهوم.
أمَّا المفهومُ فهو قسمان:
١ - مفهوم موافقة.
٢ - مفهوم مخالفة.
أمَّا مفهومُ الموافقة فهو: ما يكونُ فيه المسكوتُ عنه موافقًا لحكم المنطوق، مع كونِ ذلك مفهومًا مِنْ لفظ المنطوق.
وعرَّفه في "المراقي" بقوله:
إعطاء ما للفظة المسكوتا ... مِنْ بابِ أولى نفيًا أو ثبوتا
وهو أربعةُ أقسام، لأنَّ المسكوتَ عنه:
стр. 368
تارةً يكونُ أوْلى بالحكم من المنطوق، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة/ ٧]، فمثقالُ الجبلِ المسكوت عنه أولى بالحكم من مثقال الذرة، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق/ ٢]، فأربعةُ عدولٍ المسكوتُ عنهم أوْلى.
وتارة يكونُ مساويًا، كإحراق مال اليتيمِ وإغراقه المفهوم منعُه مِنْ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء/ ١٠].
وكلا هذين القسمين يكونُ ظنيًّا، وقطعيًّا.
فالأقسام أربعةٌ، وستأتي هذه المسألةُ بإيضاحٍ إن شاء اللَّه تعالى في القياس.
واعلم أنَّ مذهب الجمهور هو كونُ هذا النوع من المفهوم.
وذهب جماعةٌ منهم الشافعيُّ إلى أنَّه قياسٌ، وهو المسمى عندهم بالقياس في معنى الأصل.
وذهب قوم إلى أنه مجازٌ من إطلاق البعض وإرادة الكل.
وذهب قومٌ إلى أنَّ العرفَ اللغويَّ نقلَ اللفظَ مِنْ وضعه لثبوت الحكمِ في المذكور خاصةً إلى ثبوته في المذكور والمسكوتِ عنه معًا.
وأشار إلى هذه الأقوال في "المراقي" بقوله:
دلالةُ الوفاقِ للقياسِ ... وهو الجلي تعزى لدى أناسِ
وقيل للفظِ مع المجازِ ... وعزوُها للنقلِ ذو جوازِ
стр. 369
وأمَّا مفهومُ المخالفة فهو: أن يكون المسكوتُ عنه مخالفًا لحكمِ المنطوق، كقوله ﷺ : "في الغنم السائمةِ الزكاةُ".
فالمنطوقُ: السائمةُ، والمسكوتُ عنه: المعلوفةُ، والتقييدُ بالسومِ يفهمُ منه عدمُ الزكاةِ في المعلوفة.
ويُسمى دليلَ الخطاب، وتنبيه الخطاب، وهو ثمانية أقسام:
١ - مفهومُ الحصر. وأقوى صيغِ الحصر: النفيُ والإثباتُ، نحو: لا إله إلا اللَّه.
فالأصوليون يقولون: منطوقُها نفيُ الألوهية عن غيرِه جلَّ وعلا، ومفهومُها إثباتُها له وحده جلَّ وعلا، والبيانيون يعكسون.
قلتُ: الحقُّ الذي لا شك فيه: أنَّ النفي والإثبات كلاهما منطوقٌ صريحٌ، فلفظةُ "لا" صريحةٌ في النفي، ولفظةُ "إلا" صريحةٌ في الإثبات.
فعدُّ مثلِ هذا من المفهوم غلطٌ -فيما يظهر لي-، وقد نبَّه عليه صاحب "نشرِ البنود".
وإنَّما يكونُ للحصر مفهومٌ في الأدوات الأخر، نحو: إنَّما، وتقديم المعمول، وتعريف الجزءين، ونحو ذلك.
٢ - ومفهومُ الغاية. نحو: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة/ ٢٣٠]، ومفهومه: أنَّها إنْ نكحتْ زوجًا غيره حلَّت له.
٣ - ومفهومُ الشرط. نحو: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ الآية [الطلاق/
стр. 370
٦]، يفهمُ منه أنَّ غيرَ الحوامل لا نفقةَ لهنَّ.
٤ - ومفهومُ الوصف. نحو: "في الغنم السائمةِ زكاةٌ".
٥ - ومفهومُ العدد. نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور/ ٤]، يُفهمُ منه أنَّه لا يُجلدُ أكثر من ذلك.
٦ - ومفهومُ الظرف زمانًا كان أو مكانًا.
مثالُ الزماني: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة/ ١٩٧]، يُفهمُ منه أنَّه لا حجَّ في غيره.
ومثالُ المكاني: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة/ ١٨٧]، يُفهمُ منه أنَّه لا اعتكاف في غير المسجد عند مَنْ يقولُ ذلك.
٧ - ومفهومُ العلة. نحو: أعطِ السائلَ لحاجته. يُفهمُ منه أنه لا يُعطى غير المحتاج.
٨ - ومفهومُ اللقب. وهو أضعفها.
وضابطُ اللقب عند الأصوليين: هو كلُّ اسمٍ جامدٍ، سواء كان اسم جنسٍ أو اسم جمعٍ أو اسم عينٍ، لقبًا كان أو كنيةً أو اسمًا، فلو قلتَ: جاء زيدٌ، لم يفهم منه عدمُ مجيء عمرو.
بل ربما كان اعتبارُه كفرًا، كما لو قيل: محمدٌ رسولُ اللَّه، يُفهم من مفهوم لقبه أنَّ غيره لم يكن رسولَ اللَّه.
وأشار في "المراقي" إلى أقسامه ومراتبه بقوله:
стр. 371
وهو ظرفٌ علةٌ وعددُ ... ومنه شرطٌ غايةٌ يعتمدُ
والحصرُ والصفةُ مثل ما علم ... مِنْ غنمٍ سامتْ وسائم الغنم
أضعفُها اللقبُ وهو ما أُبي ... من دونه نظمُ الكلامِ العربي
فالشرطُ فالوصفُ الذي يناسب ... فمطلقُ الوصف الذي يقارب
فعددٌ ثمت تقديم يلي ... وهو حجةٌ على النهج الجلي
واعلم أنَّ أبا حنيفة ﵀ لا يقول بمفهوم المخالفةِ مِنْ أصله.
تنبيه:
الفرقُ بين مفهوم الصفة ومفهومِ اللقب: أنَّ تخصيص الغنم بالسَّوْمِ -مثلًا- لو لم يَكن للفرق بين السائمة وغيرها في الحكمِ لكان تطويلًا بلا فائدةٍ، بخلافِ: جاء زيدٌ، فإنَّ تخصيصه بالذكرِ ليمكن إسناد المجيء إليه، إذْ لا يصحُّ الإسنادُ بدون مسندٍ إليه.
إذا علمتَ هذا فاعلم أنَّ المؤلفَ ﵀ لم يذكرْ دلالة الإشارة التي بيَّنَّا أصلًا، وإنّما أطلق الإشارة على الإيماءِ الذي بيَّنَّا، وأطلقَ التنبيهَ على مفهومِ الموافقة، ولا مشاحةَ في الاصطلاح.
وذكر لمفهومِ المخالفةِ ستَّ درجاتٍ:
الأولى: مفهومُ الحصر. وصيغُ الحصرِ كثيرةٌ، كالنفي والإثبات، و"إنما"، والتحقيق أنَّها أداةُ حصرٍ كما يدلُّ عليه جعلها في القرآن كثيرًا في موضعِ النفي والإثباتِ، نحو: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف/ ١١٠،
стр. 372
الأنبياء/ ١٠٨، فصلت/ ٦]، ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور/ ١٦، التحريم/ ٧]، وتقديم المعمولِ، وتعريفُ الجزأينِ، ونحو ذلك.
الثانية: الشرط. قال: وأنكرَ مفهومَ الشرطِ قومٌ.
قلتُ: ومِمَّن أنكره الباقلاني.
الثالثة: الوصف. وجعله المصنفُ درجتين:
إحداهما: أنْ يذكرَ الوصف قيدًا للاسم العامِّ.
والثانية: أنْ يذكر قيدًا لغير العامِّ، لا للفظِ الشاملِ لجميعها.
الأولى أقوى من الثانية.
ومثالُ الأولى: "في الغنم السائمةِ زكاةٌ".
ومثالُ الثانية: "الثيبُ أحقُّ بنفسها مِنْ وليِّها".
والفرقُ بين المسألتين أنَّ التلفظَ باسم الغنمِ في الأولى تدخلُ فيه السائمةُ والمعلوفة، فلا يمكنُ أنْ يكون غافلًا عن المعلوفةِ لدخولها في لفظةِ الغنم، فيُعْلَمُ أنَّه ما خصَّ السائمةَ إلَّا لمخالفة حكمها لحكمِ المعلوفة، بخلافِ لفظ الثيب في الثانيةِ فلا يتناولُ البكْرَ، فيمكنُ أنْ يكونَ غافلًا عن البكرِ وقتَ التلفظِ باسمِ الثيب في الثانيةَ.
وكثيرٌ من الأصوليين لا يفرقُ بين المسألتين.
الدرجة الخامسة: مفهوم العدد. كحديثِ "لا تحرمُ المَصَّةُ ولا المَصَّتان"، يفهمُ منه أنَّ الثلاثةُ تُحَرِّمُ، ولكن جاء نصٌّ يخالفُ هذا
стр. 373
المفهومَ، وهِو: "خمسُ رضعاتٍ يُحَرِّمْنَ"، وقصة من عشر رضعاتٍ (١) يُحَرِّمْنَ فنُسِخْن بخمسٍ. . . الخ معروفةٌ في الفروع.
السادسة: مفهوم اللقب. وهو مرادُ المؤلفِ بقوله (٢): (السادسة: أنْ يخصَّ اسمًا بحكمٍ فيدلُّ عَلى أنَّ ما عداه بخلافه. . .) إلى آخره.
وقد علمت أنَّ الحقَّ عدم اعتبارِ مفهوم اللقب، وأنَّ فائدة ذكرِه إمكانُ الإسنادِ إليه.
وقال المؤلفُ (٣) فيه: (وأنكره الأكثرون، وهو الصحيح).
خاتمة:
لم يذكر المؤلفُ ﵀ موانع اعتبارِ مفهوم المخالفة ، وله موانعُ تمنعُ اعتباره ذكرها الأصوليون، منها:
١ - أنْ يكون تخصيصُ المنطوق بالذكر للامتنان، كقوله تعالى: ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر/ ١٢]، فلا يفهم منه منعُ قديدِ الحوت.
٢ - ومنها: تخصيصُه بالذكر لموافقةِ الواقع، كقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية [آل عمران/ ٢٨]، فإنَّها نزلت في قومٍ والوا اليهود من دون المؤمنين، فجاءت الآيةُ ناهيةً عن الحالة الواقعةِ
стр. 374
من غيرِ قصدِ التخصيصِ بها.
٣ - ومنها: تخصيصُه بالذكرِ جريًا على الغالب، كقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٣]؛ لأنَّ الغالب في الربيبةِ كونها في حجر زوج أمِّها.
٤ - ومنها: تخصيصُه بالذكر لأجل التوكيد، كحديث: "لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمنُ باللَّه واليوم الآخر. . . " الخ.
٥ - ومنها: ورودُ الجواب على سؤالٍ، فلو فُرِضَ أنَّ سائلًا سأله ﷺ : هل في الغنمِ السائمةِ زكاَةٌ؟ فأجابه: في الغنم السائمةِ زكاةٌ. لم يكن له مفهومٌ؛ لأنَّ صفة السومِ في الجواب لمطابقةِ السؤال.
٦ - ومنها: أنْ يكون المتكلمُ لا يعرفُ حكمَ المفهوم، فإذا كان المتكلمُ يعلمُ حكمَ السائمةِ، ويجهلُ حكمَ المعلوفةِ، فقال: في السائمةِ زكاةٌ، يكونُ قوله لا مفهومَ له؛ لأنَّ تركهُ للمفهومِ لعدمِ علمه بحكمه.
٧ - ومنها: الخوفُ، كأنْ يقول قريبُ العهد بالإسلامِ لعبده بحضرةِ المسلمين: تَصَدَّقْ بهذا على المسلمين. فلا يعتبرُ مفهومُ المسلمين؛ لتركه ذكر غيرهم خوفًا مِنْ أنْ يُتَّهمَ بالنفاق.
٨ - ومنها: أن يكون السائلُ يعلمُ حكم المفهوم ويجهلُ حكمَ المنطوق، فلا يكونُ للمنطوقِ مفهومٌ؛ لأنَّ تخصيصَهُ بالذكرِ لأنَّ السائلَ لا يجهلُ إلا إيَّاه.
стр. 375
وأشار في "المراقي" إلى أسماء مفهومِ المخالفةِ ومواقعه بقوله:
وغيرُ ما مرَّ هو المخالفة ... ثمت تنبيه الخطابِ خالفه
كذا دليلٌ للخطابِ انضافا ... ودعْ إذا الساكتُ عنه خافا
أو جهلَ الحكمَ أو النطق انجلب ... للسُّؤلِ أو جريٍ على الذي غلب
أو امتنان أو وفاق الواقع ... والجهل والتأكيد عند السامع
стр. 376
باب القياس
القياسُ في اللغة (١): التقدير. ومنه: قست الثوبَ بالذراع، إذا قدَّرته به، أو قست الجراحةَ إذا جعلت الميلَ فيها لتعرفَ غورَها.
وهو في الشرع: حملُ فرعٍ على أصلٍ في حكمٍ بجامعٍ بينهما.
والمرادُ بالحملِ هنا الإلحاق، فالفرعُ كالأرز، والأصلُ كالبرِّ، والحكمُ كتحريم الرِّبا، والجامعُ كالكيل.
ولا بدَّ لكلِّ قياس مِنْ أصلٍ وفرعٍ وعلةٍ وحكم، كما سيأتي إيضاحُه -إنْ شاء اللَّه تعالى- في أركان القياس.
واعلمْ أنَّ العلةَ هي مناطُ الحكم؛ لأنَّها مكانُ نوطِه أيْ تعليقه، وسُمِّيتْ علةً لأنَّها أثَّرتْ في المحلِّ كعلة المريض.
ومِنْ إطلاقِ النَّوطِ على التعليقِ في اللغةِ قولُ حسَّان ﵁:
وأنت زنيمٌ نيط في آلِ هاشمٍ ... كما نِيطَ خلفَ الراكبِ القدحُ الفردُ
وقول أبي تمام:
أحبُّ بلاد اللَّه ما بين مَنْعِجٍ ... إليَّ وسلمى أنْ يصوبَ سحابُها
بلادٌ بها نِيطَتْ عليَّ تمائمي ... وأولُ أرضٍ مسَّ جلدي تُرابُها
стр. 377
ومِنْ هذا المعنى: ذاتُ أنواطٍ.
والاجتهادُ في العلةِ على ثلاثةِ أضرب: تحقيقُ المناطِ ، وتنقيحه، وتخريجه. وقد علمتَ أنَّ المناطَ هو العلة.
فمعنى تحقيقِ المناط: تحقيقُ العلةِ في الفرع، وهو نوعان:
الأول: مجمعٌ عليه في كلِّ الشرائعِ، وهو أنْ تكونَ القاعدةُ الكليةُ منصوصةً أو متفقًا عليها، فيجتهد في تحقيقها في الفرع، كوجوب المثل من النعم في بخزاء الصيد، وكوجوب نفقةِ الزوجة، فيجتهد في البقرة -مثلًا- بأنَّها مثلُ الحمارِ الوحشيِّ، ويجتهدُ في القدرِ الكافي في نفقة الزوجة.
فوجوبُ المثلِ والنفقةِ معلومٌ من النصوص، وكونُ البقرةِ -مثلًا- وكونُ القدرِ المعينِ كافيًا في النفقةِ عُلِمَ بنوع من الاجتهاد، وهو هذا القسمُ مِن تحقيقِ المناط.
والمناطُ هنا ليس بمعناه الاصطلاحي؛ لأنَّه ليس المرادُ به العلة، وإنَّما المرادُ به النصُّ العامُّ، وتطبيق النصِّ في أفراده هو هذا النوعُ من تحقيقِ المناط. ولا يخفى أنَّ في عدِّه مِنْ تحقيق المناطِ مسامحةً، ولا مشاحة في الاصطلاح.
النوعُ الثاني منه: هو ما عرف فيه علةُ الحكمِ بنصٍّ أو إجماعٍ، فيحققُ المجتهدُ وجودَ تلك العلةِ في الفرع، كالعلمِ بأنَّ السرقةَ هي مناطُ القطع، فيحققُ المجتهدُ وجودها فيَ النبَّاش لأخذه الكفنَ مِنْ حرز مثله.
стр. 378
الضرب الثاني: تنقيحُ المناط .
والتنقيحُ في اللغة: التهذيب والتصفية، فمعنى تنقيحِ المناط: تهذيب العلةِ وتصفيتها، بإلغاء ما لا يصلحُ للتعليل، واعتبار الصالح له.
ومثالُه: قصة الأعرابي المجامع في نهار رمضان، ففي بعض رواياتها أنَّه جاءَ يضرب صدره وينتف شعره، ويقول: هلكتُ، واقعتُ أهلي في نهارِ رمضان، فقال له النبي ﷺ : "أعتقْ رقبةً".
فكونُه أعرابيًّا، وكونُه يضربُ صدره، وينتفُ شعره، وكونُ الموطوءة زوجته -مثلًا-، كلها أوصافٌ لا تصلحُ للعليةِ فتُلغى تنقيحًا للعلةِ، أي تصفيةً لها عند الاختلاطِ بما ليس بصالحٍ.
واعلمْ أنَّ تنقيحَ المناطِ تارةً يكونُ بحذف بعضِ الأوصاف لأنَّها لا تصلح، وتارةً بزيادة بعض الأوصافِ لأنَّها صالحةٌ للتعليل.
وقد اجتمع مثالُهما في قصة الأعرابي المذكورة، فقد نَقَّحَ فيها المناطَ الشافعيُّ وأحمدُ مرةً واحدةً، وهي تنقيحُه بحذف الأوصافِ -كما قلنا-.
ونَقَّحَه مالكٌ وأبو حنيفة مرتين: الأولى هي هذه التي ذكرنا، والثانيةُ هي تنقيحُه بزيادة بعضِ الأوصاف، وهي أنَّ مالكًا وأبا حنيفةَ ألغيا خصوصَ الوقاعِ، وأناطا الحكمَ بانتهاك حرمةِ رمضان، فأوجبا الكفارة في الأكل والشرب عمدًا، فزادا الأكل والشربَ على الوقاعِ تنقيحًا للمناطِ بزيادة بعض الأوصاف.
стр. 379
تنبيه:
هذه الصورةُ التي فسَّر بها المؤلفُ تنقيحَ المناطِ، وهي تنقيحُه بالنقص، هي السبر والتقسيم بعينه، وتنقيحُه بالزيادة هي مفهومُ الموافقةِ بعينه وهو المعروفُ عند الشافعي ﵀ بالقياس في معنى الأصل.
الضربُ الثالثُ: تخريج المناط . وهو استخراج العلةِ بمسلكِ المناسبةِ والإخالةِ بعينه. وسيأتي -إن شاء اللَّه- في استنباطِ العلة بالمناسبة.
هذا هو المعروفُ في الاصطلاح.
وظاهرُ كلامِ المؤلفِ أنَّ مرادَه بتخريج المناطِ هو استخراجُ العلةِ بالاستنباطِ مطلقًا، فيدخلُ فيه السبرُ والتقسيمُ والدورانُ الوجوديُّ والعدمي مع المناسبةِ والإخالة.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل في إثباتِ القياسِ على منكريه
قال بعض أصحابنا: يجوزُ التعبدُ بالقياسِ شرعًا وعقلًا؛ لقول أحمدَ ﵀: لا يستغني أحدٌ عن القياس.
стр. 380
وبه قال عامةُ الفقهاءِ والمتكلمين.
وذهبَ أهلُ الظاهرِ والنظامِ إلى أنَّه لا يجوزُ التعبدُ به عقلًا ولا شرعًا، وأومأَ إليه أحمدُ ﵀ فقال: يجتنبُ المتكلمُ في الفقه المجمل والقياس. وحمله القاضي على قياسٍ يخالفُ نصًّا. .) الخ.
اعلمْ أولًا أنَّ ما ورد عن الصحابةِ مِنْ ذمِّ الرأي والتحذيرِ منه، إنَّما يعنون به الرأي الفاسدَ، كالقياس المخالفِ للنصِّ، أو المبني على الجهل؛ لإجماعهم على العمل بالرأي والاجتهاد فيما لا نصَّ فيه.
وإلى هذا أشار في "المراقي" بقوله:
وما روي من ذمه فقد عني ... به الذي على الفسادِ قد بني
وذكر المؤلف أدلة لوجوب العملِ بالقياسِ، منها:
١ - أنَّ عدمَ العمل به يُفضي إلى خلوِّ كثيرٍ من الحوادثِ عن الأحكامِ؛ لقلةِ النصوصِ وكونِ الصورِ لا نهايةَ لها.
٢ - ومنها: أنَّ العقلَ يدركُ حكمَ العلل الشرعية، إذْ مناسبتُها للحكمِ عقليةٌ مصلحيةٌ يدركُ العقلُ طلب تحصيلها وورود الشرع بها.
٣ - ومنها: أننا نستفيدُ بالقياسِ ظنًّا غالبًا، والعملُ بالظنِّ الراجح متعينٌ.
٤ - ومنها: إجماعُ الصحابة ﵃ على الحكمِ بالرأي في الوقائع الخاليةِ من النصِّ، كقياسهم العهدَ على العقدِ في الإمامةِ العظمى، وكاجتهادهم في مسالةِ الجدِّ والإخوة، وتمثيلهم في ذلك
стр. 381
بالغصنين والخليجين، وكقولهم في المشرَّكة، وكقول أبي بكر ﵁ في الكلالة: "أقول فيها برأي"، وكقول عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري: "اعرف الأشباه والأمثالَ، وقس الأمورَ برأيك"، وكقولهم في السكرانِ: "إذا سكرَ هذى وإذا هذى افترى"، فحدوه حدَّ الفرية، وكقول معاذٍ للنبيِّ ﷺ أنَّه يجتهدُ حيثُ لا كتابَ ولا سنة، فصوَّبه النبيُّ ﷺ .
وأمثالُ هذا كثيرٌ جدًّا، إنْ لم تتواتر آحادها حصل بمجموعها العلمُ الضروري أنهم كانوا يجتهدون فيما لا نصَّ فيه.
٥ - وقد استدلَّ على إثبات القياسِ بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر/ ٢]، وحقيقةُ الاعتبار مقايسةُ الشيء بغيره، كقولهم: اعتبر الدينارَ بالصنجةِ. وهذا الاعتبارُ هو القياس.
٦ - وقولُه ﷺ : "الحمدُ للَّه الذي وفَّق رسولَ رسولِ اللَّه لما يُرضي رسولَ اللَّه".
٧ - وقولُه ﷺ : "إذا اجتهدَ الحاكمُ فأخطأ فله أجرٌ".
٨ - وقولُه ﷺ : "أرأيتِ لوْ كان على أبيكِ دينٌ فقضيتِه أكان ينفعُه؟ " قالتْ: نعم، قال: "فدَيْنُ اللَّهِ أحقُّ أنْ يُقضى"؛ فهو تنبيهٌ على قياس دَيْنِ اللَّهِ على دَيْنِ المخلوق.
٩ - وقولُه ﷺ لعمرَ حين سأله عن القبلةِ للصائم: "أرأيت لوْ تمضمضتَ"؛ فهو قياسٌ للقُبلةِ على المضمضةِ بجامع أنَّ الكل مقدمةُ الفطر.
стр. 382
وأمثالُ هذا كثيرٌ جدًّا.
تنبيه:
هذه الأدلة التي ذكر المؤلفُ منها ما هو أعمُّ مِنْ محلِّ النزاعِ؛ لأنَّ مطلقَ الاجتهادِ أعمُّ من القياس، ومنها ما يدلُّ على محلِّ النزاع كقصة معاذٍ، فإنَّه صرَّحَ فيه بأنَّ اجتهادَه فيما لا نصَّ فيه، وذلك إنَّما يكونُ بالإلحاقِ بالمنصوصِ، وكحديثِ الدَّينِ والمضمضة.
ومِنْ أصرحِ الأدلة على إثبات القياسِ ما ثبت في الصحيحينِ مِنْ قصة الذي وُلِدَ له ولدٌ أسود يخالفُ لونُه لونَ أُمِّه وأبيه، فقاسه ﷺ على أولادِ الإبلِ الحُمْرِ يكونُ فيها الأَوْرق، وقال فيه ﵊: "فلعلَّه نزعه عرقٌ"، والقصة صحيحةٌ مشهورة.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(أوجه تطرقِ الخطأ إلى القياس)
اعلمْ أنَّ القياسَ يتطرقُ إليه الخطأُ من خمسةِ أوجه:
١ - ألا يكون الحكمُ معللًا، كأن يُعَلَّلَ نقضُ الوضوءِ بلحم الجزورِ بأنَّه حارٌّ، فيُلحقُ به لحم الظبي فيجعله ناقصًا. وهذا بناء على أنَّ نقضَ الوضوءِ بلحم الجزورِ ليس تعبديًّا.
٢ - ألا يصيب علته في نفس الأمرِ، كأنْ لا تكون علة الربا في البرِّ
стр. 383
الطعم، بالنسبة إلى مَنْ يُعَلِّلُ بالطعم.
٣ - أنْ يقصرَ في بعض أوصاف العلة، كأنْ يقول: علةُ القصاصِ القتلُ العمدُ، ويحذف العدوان، فيلزمُ على علته القصاصُ مِن وليِّ الدم إذا اقتصَّ من القاتلِ لأنَّ قصاصَهُ منه قتلُ عمدٍ.
٤ - أنْ يجمعَ إلى العلةِ ما ليس منها، كما لو جعل علة وجوبِ الكفارةِ على المواقع في نهارِ رمضانَ كونَه أعرابيًّا مجامعًا، فيلزمُ عليهَ أنَّ جماعَ الحضري ليَس علة الكفارة، وهو باطلٌ.
٥ - أنْ يخطئ في وجود العلة في الفرعِ، كما لو ظنَّ التفاح مكيلًا فيلحقُه بالبر في الربا بجامع الكيل.
تنبيه:
اعلمْ أنَّ هذه الخمسة المذكورة هنا راجعةٌ إلى القوادحِ الآتية في آخر الكتاب.
أمَّا الأول: وهو ألا يكون الحكمُ معللًا. . . الخ، فهو راجعٌ إلى نوع من أنواع القادحِ المعروفِ بعدم التأثير، وهو المعبرُ عنه بعدمِ التأثيرِ في الوصف، كما سيأتي إيضاحُه -إن شاء اللَّه-.
وأمَّا الثاني: وهو ألا يصيب علته في نفس الأمر. . . الخ، فهو راجعٌ إلى القادح المذكورِ آنفًا -أيضًا-.
وإن كان هناك مجتهدٌ آخرُ يُعَلِّلُ ذلك الحكم بعلة أخرى فهو راجعٌ إلى القادحِ المعروفِ بمركب الأصل.
стр. 384
وأمَّا الثالث: وهو أنْ يُقصر في بعضِ أوصاف العلةِ. . . الخ، فهو راجعٌ إلى القادح المسمى بالكسر؛ لأنَّه إخلالٌ بجزئي العلة، والإخلالُ بجزئها كسرٌ لها. وهذا القادحُ لم يذكرهُ المؤلف.
وأمَّا الرابع: وهو أن يجمعَ إلى العلة ما ليس منها. . . الخ، فهو راجعٌ -أيضًا- إلى عدم التأثير في الوصف؛ لأنَّ حكمَ جزء العلة كحكمِ جميعها.
وأمَّا الخامس: وهو أنْ يخطئ في وجود العلة في الفرع، فهو راجعٌ إلى نوعٍ من أنواع القادحِ المسمى "بالمنع"، وهو منعُ وجود العلةِ في الفرع.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق ينقسم إلى مقطوع ومظنون:
فالمقطوع ضربان:
أحدهما: أنْ يكونَ المسكوتُ عنه أوْلى بالحكم مِن المنطوق، ولا يكون مقطوعًا به حتى يوجدَ فيه المعنى الذي في المنطوقِ وزيادة. . .) الخ.
اعلمْ أولًا: أنَّ الإلحاق مِنْ حيثُ هو ضربان:
стр. 385
الأول: الإلحاقُ بنفي الفارق.
الثاني: الإلحاقُ بالجامع.
وضابطُ الأول: أنَّه لا يحتاجُ فيه إلى التعرضِ للعلة الجامعة، بل يكتفى فيه بنفي الفارقِ المؤثرِ في الحكم، كإلغاء الفارقِ بينَ البولِ في الماء الراكد، وبين البولِ في إناءٍ وصبه فيه.
إذا علمتَ ذلك فاعلم أنَّ التحقيقَ أنَّ نفي الفارق أربعة أقسامٍ؛ لأنَّ نفيه إمَّا أنْ يكون قطعيًّا أو مظنونًا، وفي كلٍّ منهما إمَّا أنْ يكونَ المسكوتُ عنه أولى بالحكم مِن المنطوق أو مساويًا له.
فالمجموعُ أربعة:
الأول: هو ما كان المسكوتُ عنه فيه أولى بالحكم من المنطوقِ، مع القطعِ بنفي الفارق، كإلحاقِ أربعةِ عدولٍ بالعدلين في قبول الشهادةِ في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق/ ٢]، وإلى مثقال الجبل (١) بمثل الذرَّة في المؤاخذةِ في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ الآية [الزلزلة/ ٧]، وكإلحاق الضرب بالتأفيفِ في الحرمةِ في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ الآية [الإسراء/ ٢٣].
الثاني: هو ما كان المسكوتُ عنه فيه مساويًا للمنطوقِ مع القطعِ بنفي الفارقِ أيضًا، كإلحاق إحراق مال اليتيم وإغراقه بأكله في الحرمة
стр. 386
في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية [النساء/ ١٠].
وكإلحاق صبِّ البول في الماء بالبول فيه المذكور في حديثِ "لا يبولنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ الذي لا يجري ثم يغتسلُ فيه" الحديث.
الثالث: هو ما كان المسكوتُ عنه فيه أولى مع نفي الفارقِ بالظنِّ الغالب، كإلحاقِ شهادةِ الكافرِ بشهادة الفاسقِ في الردِّ المنصوصِ عليه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور/ ٤]، لاحتمالِ الفرقِ بأنَّ الكافرَ يحترزُ عن الكذبِ لدينه في زعمه، والفاسقُ متهمٌ في دينه.
وكإلحاق العمياءِ بالعوراءِ في منع التضحيةِ المنصوصِ في الحديث، فالعمياءُ أولى بالحكمِ المذكورِ من العوراء، ولكنَّ نفيَ الفارقِ مظنونٌ ظنًّا غالبًا مزاحمًا لليقين، وليس قطعيًّا، كما قاله غيرُ واحد.
ووجهُ ذلك أنَّ الغالبَ على الظنِّ أنَّ علة منع التضحيةِ بالعوراء هي كونُ العورِ نقصًا في ثمنها وقيمتها، والعمياءُ أحرى بذلك من العوراء، ولكنْ هنالك احتمالٌ آخرُ، هو أنْ تكونَ العلةُ هي أنَّ العورَ مظنَّةُ الهزالِ؛ لأنَّ العوراءَ ناقصةُ البصرِ إذْ لا ترى إلَّا ما قابل عينها المبصرة، ونقصُ بصرها المذكور مظنةٌ لنقصِ رعيها، ونقصُ رعيها مظنةٌ لهزالها. وهذه العلةُ المحتملةُ ليستْ موجودةً في العمياء؛ لأنَّ مَنْ يعلفها يختارُ لها أجودَ العلف، وذلك مظنةُ السِّمَن.
وبما ذكرنا تعلمُ أنَّه لا يلزمُ مِنْ كون المسكوتِ عنه أولى بالحكمِ
стр. 387
مِن المنطوقِ أنْ يكونَ قطعيًّا، خلافًا لما ذكره المؤلفُ ﵀، وأنه لا يلزمُ -أيضًا- مِنْ كونه مساويًا أن يكون نفيُ الفارقِ ظنيًّا، خلافًا لظاهر كلامه.
الرابع: هو ما كان المسكوتُ عنه فيه مساويًا للمنطوقِ به مع كونِ نفي الفارقِ مظنونًا لا مقطوعًا، كإلحاق الأمةِ بالعبد في سراية العتق المنصوص عليه في العبد في الحديث الصحيح، فالغالبُ على الظنِّ أنَّه لا فرقَ في سراية العتقِ بين الأمةِ والعبد؛ لأن الذكورة والأنوثةَ بالنسبةِ إلى العتقِ وصفانِ طرديَّانِ لا يُعَلَّقُ بواحدٍ منهما حكمٌ من أحكام العتق.
وهناك احتمالٌ آخر هو الذي منع كون نفي الفارقِ قطعيًّا، وهو احتمالُ أن يكونَ الشارعُ إنَّما نصَّ على العبدِ في قوله: "مَنْ أعتق شركًا له في عبدٍ. . . " الحديث، لخصوصيةٍ في العبد لا توجدُ فى الأمةِ، وهي أنَّ العبدَ إذا أُعتقَ يزاولُ مِنْ مناصبِ الرجالِ ما لا تزاوُله الأنثى ولو حرةً.
تنبيه:
اعلم أنَّ نفي الفارق الذي ذكرنا أقسامه الأربعة إنَّما هو قسمٌ من تنقيح المناط، وهو مفهومُ الموافقةِ بعينه، واختلف العلماءُ في دلالته على مدلوله، هل هي قياسيةٌ أو لفظية؟ ولهم في ذلك أربعةُ مذاهب:
الأول: أنَّ دلالة مفهوم الموافقةِ إنَّما هي مِنْ قبيلِ القياس، وهو المعروفُ عند الشافعي بالقياسِ في معنى الأصل، ويقالُ له: القياسُ الجلي.
стр. 388
الثاني: أنَّ دلالة الموافقةِ لفظيةٌ، لكن لا في محلِّ النطق، لأنَّ ما دلَّ عليه اللفظُ في محلِّ النطقِ هو المنطوقُ، وما دلَّ عليه لا في محلِّ النطقِ هو المفهومُ، وكلاهما من دلالة اللفظ.
الثالثُ: أنَّها دلالةٌ لفظيةٌ مجازيةٌ -عند القائلين بالمجاز-، وهو عندهم من المجاز المرسل، ومن علاقاتِ المجاز المرسل الجزئيةُ والكلية.
قالوا: ففي مفهوم الموافقةِ يطلقُ الجزءُ ويُراد الكلُّ، وبعبارةٍ أخرى يُطلقُ الأخصُّ ويُرادُ الأعمُّ، فقد أطلقَ التأفيفَ في الآية وأريدَ به عمومُ الأذى، مجازًا مرسلًا كما زعموا.
قالوا: وكذلك أطلق النهي عن أكل مال اليتيم، وأريد الإتلاف، فيدخلُ الإحراقُ والإغراقُ وغيرهما من أنواع الإتلاف، مجازًا مرسلًا كما زعموا -أيضًا-.
الرابع: أنَّها لفظيةٌ؛ لأنَّ العرفَ اللغويَّ نقل اللفظ من وضعه لمعناهُ الخاصِّ إلى ثبوته فيه، وفي المسكوتِ عنه -أيضًا-.
قالوا: فعرفُ اللغةِ نقلَ التأفيفَ من معناه الخاصِّ إلى عمومِ الأذى، ونقل أكل مال اليتيمِ من معناهُ الخاصِّ إلى عمومِ الإتلاف.
وعلى هذا تكونُ دلالتُه لفظيةً، من قبيلِ الحقيقةِ العرفية.
وأكثرُ الأصوليين على أنَّ اللفظَ دلَّ عليه لا في محلِّ النطق.
الضربُ الثاني: هو الإلحاقُ بالعلةِ الجامعة، كإلحاقِ الذُّرة بالبُرِّ
стр. 389
بجامعِ الكيل.
(طرق إثبات العلة)
اعلمْ أنَّ إثباتَ العلةِ له طريقان: النقلُ، والاستنباط.
فالنقلُ ثلاثةُ أضربٍ، والاستنباطُ ثلاثةُ أضربٍ كذلك.
أَضْرُبُ إثباتِ العلةِ بالنقل:
الضربُ الأول: النصُّ الصريحُ على العِلِّية، نحو: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة/ ٣٢]، وقوله ﷺ : "إِنَّما جُعِلَ الاستئذانُ مِنْ أجلِ البصر".
والمؤلفُ جعل اللامَ -لامَ التعليلِ-، والباء، ونحو ذلك، من الصريح، نحو: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة/ ١٤٣]، ونحو: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال/ ١٣، الحشر/ ٤]، ونحو ذلك.
وغيرُه جعلَ هذا من الظاهر لا من الصريح.
الضربُ الثاني: الإيماءُ والتنبيه، أنْ يُقْرَنَ الحكمُ بوصفٍ على وجهٍ لو لم يكنْ علةً لكان الكلامُ معيبًا عند العقلاء.
وأنواعُ الإيماءِ والتنبيه -عند المؤلف- ستةٌ:
الأول: أنْ يُذكر الحكمُ عقب وصفٍ بالفاءِ، فيدلَّ على أنَّ ذلك الوصفَ علةٌ لذلك الحكمِ، نحو: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي
الْمَحِيضِ﴾ [البقرة/ ٢٢٢]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة/ ٣٨].
стр. 390
ويلحق بهذا ما رتبه الراوي بالفاءِ، كقوله: "سها النبيُّ ﷺ فسجد"، و"رَضَّ يهوديٌّ رأسَ جاريةٍ فأمرَ ﵊ أنْ يُرَضَّ رأسُه بين حجرين".
وبعضُ علماء الأصولِ يقول: إنَّ ما رتبه الراوي الفقيه بالفاء مقدَّمٌ على ما رتبه بها الراوي غيرُ الفقيه.
الثاني: ترتيبُ الحكم على الوصف بصيغة الجزاء يدلُّ على التعليل، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب/ ٣٠]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق/ ٢].
الثالث: أنْ يُذْكَر للنبيِّ ﷺ أمرٌ حادثٌ فيجيبُ بحكم، فيدل على أنَّ ذلك الأمرَ المذكورَ له ﷺ علةٌ لذلك الحكم الذي أجابَ به، كقول الأعرابي: "واقعتُ أهلي في نهارِ رمضان"، فقال له ﷺ : "أعتق رقبةً"، فدلَّ على أنَّ الوقاعَ هو علةُ العتق.
الرابع: أن يَذْكُر مع الحكم شيئًا لو لم يُقَدَّر التعليل به لكان لغوًا غير مفيدٍ، وهو قسمان:
الأول: أن يستنطقَ السائلَ عن الواقعةِ بأمرٍ ظاهرِ الوجود، ثم يذكر الحكم عقبه، كقوله لمَّا سئل عن الرطب بالتمرِ، قال: "أينقصُ الرطبُ إذا يبسَ؟ " قالوا: نعم، قال: "فلا إذًا"، ، فلو لم يكن نقصانُ الرطب باليبس علةً للمنع لكان الاستكشافُ عنه لغوًا.
الثاني: أن يعدل في الجوابِ إلى نظيرِ محلِّ السؤال، كما روي أنَّه