في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية [النساء/ ١٠].
وكإلحاق صبِّ البول في الماء بالبول فيه المذكور في حديثِ "لا يبولنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ الذي لا يجري ثم يغتسلُ فيه" الحديث.
الثالث: هو ما كان المسكوتُ عنه فيه أولى مع نفي الفارقِ بالظنِّ الغالب، كإلحاقِ شهادةِ الكافرِ بشهادة الفاسقِ في الردِّ المنصوصِ عليه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور/ ٤]، لاحتمالِ الفرقِ بأنَّ الكافرَ يحترزُ عن الكذبِ لدينه في زعمه، والفاسقُ متهمٌ في دينه.
وكإلحاق العمياءِ بالعوراءِ في منع التضحيةِ المنصوصِ في الحديث، فالعمياءُ أولى بالحكمِ المذكورِ من العوراء، ولكنَّ نفيَ الفارقِ مظنونٌ ظنًّا غالبًا مزاحمًا لليقين، وليس قطعيًّا، كما قاله غيرُ واحد.
ووجهُ ذلك أنَّ الغالبَ على الظنِّ أنَّ علة منع التضحيةِ بالعوراء هي كونُ العورِ نقصًا في ثمنها وقيمتها، والعمياءُ أحرى بذلك من العوراء، ولكنْ هنالك احتمالٌ آخرُ، هو أنْ تكونَ العلةُ هي أنَّ العورَ مظنَّةُ الهزالِ؛ لأنَّ العوراءَ ناقصةُ البصرِ إذْ لا ترى إلَّا ما قابل عينها المبصرة، ونقصُ بصرها المذكور مظنةٌ لنقصِ رعيها، ونقصُ رعيها مظنةٌ لهزالها. وهذه العلةُ المحتملةُ ليستْ موجودةً في العمياء؛ لأنَّ مَنْ يعلفها يختارُ لها أجودَ العلف، وذلك مظنةُ السِّمَن.
وبما ذكرنا تعلمُ أنَّه لا يلزمُ مِنْ كون المسكوتِ عنه أولى بالحكمِ
стр. 387
مِن المنطوقِ أنْ يكونَ قطعيًّا، خلافًا لما ذكره المؤلفُ ﵀، وأنه لا يلزمُ -أيضًا- مِنْ كونه مساويًا أن يكون نفيُ الفارقِ ظنيًّا، خلافًا لظاهر كلامه.
الرابع: هو ما كان المسكوتُ عنه فيه مساويًا للمنطوقِ به مع كونِ نفي الفارقِ مظنونًا لا مقطوعًا، كإلحاق الأمةِ بالعبد في سراية العتق المنصوص عليه في العبد في الحديث الصحيح، فالغالبُ على الظنِّ أنَّه لا فرقَ في سراية العتقِ بين الأمةِ والعبد؛ لأن الذكورة والأنوثةَ بالنسبةِ إلى العتقِ وصفانِ طرديَّانِ لا يُعَلَّقُ بواحدٍ منهما حكمٌ من أحكام العتق.
وهناك احتمالٌ آخر هو الذي منع كون نفي الفارقِ قطعيًّا، وهو احتمالُ أن يكونَ الشارعُ إنَّما نصَّ على العبدِ في قوله: "مَنْ أعتق شركًا له في عبدٍ. . . " الحديث، لخصوصيةٍ في العبد لا توجدُ فى الأمةِ، وهي أنَّ العبدَ إذا أُعتقَ يزاولُ مِنْ مناصبِ الرجالِ ما لا تزاوُله الأنثى ولو حرةً.
تنبيه:
اعلم أنَّ نفي الفارق الذي ذكرنا أقسامه الأربعة إنَّما هو قسمٌ من تنقيح المناط، وهو مفهومُ الموافقةِ بعينه، واختلف العلماءُ في دلالته على مدلوله، هل هي قياسيةٌ أو لفظية؟ ولهم في ذلك أربعةُ مذاهب:
الأول: أنَّ دلالة مفهوم الموافقةِ إنَّما هي مِنْ قبيلِ القياس، وهو المعروفُ عند الشافعي بالقياسِ في معنى الأصل، ويقالُ له: القياسُ الجلي.
стр. 388
الثاني: أنَّ دلالة الموافقةِ لفظيةٌ، لكن لا في محلِّ النطق، لأنَّ ما دلَّ عليه اللفظُ في محلِّ النطقِ هو المنطوقُ، وما دلَّ عليه لا في محلِّ النطقِ هو المفهومُ، وكلاهما من دلالة اللفظ.
الثالثُ: أنَّها دلالةٌ لفظيةٌ مجازيةٌ -عند القائلين بالمجاز-، وهو عندهم من المجاز المرسل، ومن علاقاتِ المجاز المرسل الجزئيةُ والكلية.
قالوا: ففي مفهوم الموافقةِ يطلقُ الجزءُ ويُراد الكلُّ، وبعبارةٍ أخرى يُطلقُ الأخصُّ ويُرادُ الأعمُّ، فقد أطلقَ التأفيفَ في الآية وأريدَ به عمومُ الأذى، مجازًا مرسلًا كما زعموا.
قالوا: وكذلك أطلق النهي عن أكل مال اليتيم، وأريد الإتلاف، فيدخلُ الإحراقُ والإغراقُ وغيرهما من أنواع الإتلاف، مجازًا مرسلًا كما زعموا -أيضًا-.
الرابع: أنَّها لفظيةٌ؛ لأنَّ العرفَ اللغويَّ نقل اللفظ من وضعه لمعناهُ الخاصِّ إلى ثبوته فيه، وفي المسكوتِ عنه -أيضًا-.
قالوا: فعرفُ اللغةِ نقلَ التأفيفَ من معناه الخاصِّ إلى عمومِ الأذى، ونقل أكل مال اليتيمِ من معناهُ الخاصِّ إلى عمومِ الإتلاف.
وعلى هذا تكونُ دلالتُه لفظيةً، من قبيلِ الحقيقةِ العرفية.
وأكثرُ الأصوليين على أنَّ اللفظَ دلَّ عليه لا في محلِّ النطق.
الضربُ الثاني: هو الإلحاقُ بالعلةِ الجامعة، كإلحاقِ الذُّرة بالبُرِّ
стр. 389
بجامعِ الكيل.
(طرق إثبات العلة)
اعلمْ أنَّ إثباتَ العلةِ له طريقان: النقلُ، والاستنباط.
فالنقلُ ثلاثةُ أضربٍ، والاستنباطُ ثلاثةُ أضربٍ كذلك.
أَضْرُبُ إثباتِ العلةِ بالنقل:
الضربُ الأول: النصُّ الصريحُ على العِلِّية، نحو: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة/ ٣٢]، وقوله ﷺ : "إِنَّما جُعِلَ الاستئذانُ مِنْ أجلِ البصر".
والمؤلفُ جعل اللامَ -لامَ التعليلِ-، والباء، ونحو ذلك، من الصريح، نحو: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة/ ١٤٣]، ونحو: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال/ ١٣، الحشر/ ٤]، ونحو ذلك.
وغيرُه جعلَ هذا من الظاهر لا من الصريح.
الضربُ الثاني: الإيماءُ والتنبيه، أنْ يُقْرَنَ الحكمُ بوصفٍ على وجهٍ لو لم يكنْ علةً لكان الكلامُ معيبًا عند العقلاء.
وأنواعُ الإيماءِ والتنبيه -عند المؤلف- ستةٌ:
الأول: أنْ يُذكر الحكمُ عقب وصفٍ بالفاءِ، فيدلَّ على أنَّ ذلك الوصفَ علةٌ لذلك الحكمِ، نحو: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي
الْمَحِيضِ﴾ [البقرة/ ٢٢٢]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة/ ٣٨].
стр. 390
ويلحق بهذا ما رتبه الراوي بالفاءِ، كقوله: "سها النبيُّ ﷺ فسجد"، و"رَضَّ يهوديٌّ رأسَ جاريةٍ فأمرَ ﵊ أنْ يُرَضَّ رأسُه بين حجرين".
وبعضُ علماء الأصولِ يقول: إنَّ ما رتبه الراوي الفقيه بالفاء مقدَّمٌ على ما رتبه بها الراوي غيرُ الفقيه.
الثاني: ترتيبُ الحكم على الوصف بصيغة الجزاء يدلُّ على التعليل، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب/ ٣٠]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق/ ٢].
الثالث: أنْ يُذْكَر للنبيِّ ﷺ أمرٌ حادثٌ فيجيبُ بحكم، فيدل على أنَّ ذلك الأمرَ المذكورَ له ﷺ علةٌ لذلك الحكم الذي أجابَ به، كقول الأعرابي: "واقعتُ أهلي في نهارِ رمضان"، فقال له ﷺ : "أعتق رقبةً"، فدلَّ على أنَّ الوقاعَ هو علةُ العتق.
الرابع: أن يَذْكُر مع الحكم شيئًا لو لم يُقَدَّر التعليل به لكان لغوًا غير مفيدٍ، وهو قسمان:
الأول: أن يستنطقَ السائلَ عن الواقعةِ بأمرٍ ظاهرِ الوجود، ثم يذكر الحكم عقبه، كقوله لمَّا سئل عن الرطب بالتمرِ، قال: "أينقصُ الرطبُ إذا يبسَ؟ " قالوا: نعم، قال: "فلا إذًا"، ، فلو لم يكن نقصانُ الرطب باليبس علةً للمنع لكان الاستكشافُ عنه لغوًا.
الثاني: أن يعدل في الجوابِ إلى نظيرِ محلِّ السؤال، كما روي أنَّه
стр. 391
لمَّا سألته الخثعميةُ عن الحجِّ عن الوالدين، فقال ﷺ : "أرأيتِ لو كان على أمِّك دينٌ فقضيتِهِ، أكان ينفعها؟ " قالت: نعم، قال: "فديْنُ اللَّهِ أحقُّ بالقضاء"، ففُهِمَ منه التعليل بكونه دينًا.
الخامس: أن يُذْكَر في سياق الكلامِ شيءٌ لو لم يعلل به صار الكلامُ غيرَ منتظم، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة/ ٩]، فإنَّه يفهم منه أنَّ علة النهي عن البيع كونه مانعًا من السعي إلى الجمعة.
السادس: ذكرُ الحكم مقرونًا بوصفٍ مناسبٍ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار/ ١٣ - ١٤] أي لبرِّهم وفجورهم.
الضرب الثالث: ثبوتُ العلةِ بالإجماع، كالإجماع على تأثيرِ الصغرِ في الولايةِ على المال.
واعلمْ أنَّ بعضَ الأصوليين يقولون بتقديم الإجماع على النصِّ، لأنَّ النصَّ يحتملُ النسخَ، والإجماعَ لا يحتملُه. وسيأتي بيانُ ذلك، وبيانُ موجب تقديم الإجماع على النصِّ، في الكلام على ترتيب الأدلة.
ومرادهم بالإجماع الذي يقدمُ على النصِّ خصوصُ الإجماعِ القطعي دون الإجماع الظنيِّ.
وضابطُ الإجماع القطعي هو الإجماعُ القولي، لا السكوتي، بشرط أن يكونَ مشاهدًا أو منقولًا بعدد التواترِ في جميع طبقاتِ السند.
стр. 392
أضربُ إثباتِ العلةِ بالاستنباطِ الثلاثة:
الضربُ الأول: إثباتُ العلةِ بمسلك المناسبة .
والمناسبةُ لغةً: الملائمة.
وفي الاصطلاح: كونُ الوصفِ يتضمنُ ترتبُ الحكمِ عليه مصلحةٌ، كالإسكارِ فإنَّ ترتب المنع عليه فيه مصلحةُ حفظِ العقلِ من الاختلال، ويسمى: المناسبة، والمناسبة والإخالة.
وضابطُ مسلك المناسبة والإخالة عند الأصوليين: أنْ يقترنَ وصفٌ مناسبٌ بحكمٍ في نصٍّ من نصوصِ الشرع، ويكون ذلك الوصفُ سالمًا من القوادحِ، ويقوم دليلٌ على استقلالَه بالمناسبةِ دون غيره، فيعلم أنَّه علةُ ذلك الحكم.
ومثالُه: اقترانُ حكم التحريم بوصف الإسكارِ في قوله: "كل مسكرٍ حرامٌ"؛ فالإسكارُ مناسبٌ للتحريم، مقترنٌ به في النصِّ، سالمٌ من القوادحِ، مستقل بالمناسبة.
واعلمْ أنَّ الوصفَ مِنْ حيثُ هو قسمان:
١ - طرديٌ، كالطول والقصر.
٢ - ومناسبٌ، كالإسكار والصغر لتحريم الخمرِ وولايةِ المال.
إذا علمتَ ذلك، فالمناسبُ -عند المؤلفِ- ثلاثةُ أقسام: مؤثرٌ، وملائمٌ، وغريبٌ.
وعند غيره أربعة: الثلاثةُ الأُوَلُ السابقة، والرابعُ: المرسل، وهو
стр. 393
المعروفُ بالمصلحةِ المرسلة.
واعلمْ أولًا أنَّ المراد بالجنس في هذا المبحث القدرُ المشتركُ بين أفرادٍ مختلفةٍ حقائقها، والمرادُ بالنوع القدرُ المشتركُ بين أفرادٍ متفقةٍ حقائقها.
إذا علمت ذلك، فاعلمْ أنَّ المؤثر -عند المؤلف- قسمان:
الأول: ما دلَّ نصٌّ أو إجماعٌ على تأثير عين الوصف في عين الحكم. ومثَّل له المؤلفُ بنفي الفارقِ المتقدم.
الثاني: ما دلَّ نصٌّ أو إجماعٌ على تأثير عين الوصف في جنس الحكم. ومثَّل له المؤلفُ بالأخوَّةِ من الأب والأمِّ فإنَّه مؤثرٌ بالنصِّ في التقديم في الميراث، فيقاسُ عليه ولايةُ النكاح.
والملائمُ -عند المؤلف- هو ما دلَّ نصٌّ أو إجماعٌ على تأثير جنس الوصفِ في عين الحكمِ فيه. ومثَّل له بتأثير جنسِ المشقةِ في إسقاطِ الصلاةِ عن الحائض (١)؛ لأنَّه ظهرَ تأثيرُ جنس الحرجِ في عين إسقاط الصلاة، كتأثيرِ مشقة السفرِ في إسقاطِ ركعتين من الرباعية.
والغريبُ -عند المؤلف- هو ما دلَّ الدليلُ المذكورُ على تأثير جنس الوصفِ في جنسِ الحكم فيه. ومثَّل له بتأثير جنسِ المصالح في جنسِ الأحكام.
стр. 394
وقال محشِّيه: وذلك كإلحاق الصحابةِ شاربَ الخمرِ بالقاذفِ في جلده ثمانين؛ لأنَّه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى.
وذكر جماعةٌ من أهل الأصولِ: أنَّ المؤثرَ ما دلَّ نصٌّ أوْ إجماعٌ على اعتبار عينه في عين الحكم.
والملائمَ: هو ما دلَّ فيه الدليلُ المذكورُ على اعتبارِ عينه في جنسِ الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنس الحكم.
وأنَّ الغريبَ: هو ما دلَّ الدليلُ على إهدارِ المصلحةِ التي صار بها مناسبًا.
ومثالُه: جماعُ الملكِ في نهارِ رمضان، فالمصلحةُ تتمحَّضُ في تكفيره بخصوصِ الصوم، لأنَّه هو الذي يردعه، لخفةِ العتقِ والإطعامِ عليه، ولكنَّ الشرعَ ألغى هذه المصلحة.
واعلمْ أنَّ الشرعَ لا يلغي مصلحةِ إلَّا لأجل مصحلةِ أخرى أرجح منها، فإلغاؤه مصلحةَ زجر الملكِ المجامع في نهار رمضانَ بخصوصِ الصومِ إنَّما هو مِنْ أجلِ أنَّ مصلحةَ إعتاقَ الرقبةِ وإطعامِ المساكين أرجحُ في نظر الشرعِ من التضييقِ على الملك بخصوصِ الصومِ لينزجرَ.
والمرسلَ: هو ما لم يقمْ دليلٌ خاصٌّ على اعتبارِ مناسبته، ولا على إهدارِها.
ومثَّلوا لتأثير العينِ في العينِ بتأثير الصغر في عين الولايةِ على المال، وبتأثير مسِّ الذكرِ في نقضِ الوضوء.
стр. 395
ولتأثير العين في الجنس بتأثير عين الصغر في ولاية النكاح؛ لأنَّ عين الصغر اعتبر إجماعًا في جنس الولاية الصادق بولايةِ المال؛ لأنَّ الجنس يوجدُ في كلِّ فردٍ من أفراده من حيثُ هو قدرٌ مشتركٌ بينها.
ومثلوا لتأثيرِ الجنس في العين بأنَّه لو لمْ يَرِدْ دليلٌ على الجمع في الحضرِ لمشقة المطرِ ونحوه فإنَّ الدليلَ دلَّ على اعتبارِ جنس المشَقةِ في عين الحكمِ الذي هو الجمع، كتأثيرِ مشقة السفرِ في الجمع.
ومثلوا لتأثيرِ الجنس في الجنس بتأثير القتل بالمثقل في القصاص، للإجماعِ على اعتبارِ جنس الجناية في جنس القصاص.
واعلم أنَّ للجنس مراتب بعضها أعمُّ من بعضٍ في الأوصافِ والأحكامِ، فأعمُّ أجناس الحكمِ كونُه حكمًا، وأخصُّ من ذلك كونُه واجبًا أو محرَّمًا -مثلًا- وأخصُّ من الواجبِ كونُهُ عبادةً أو غيرَ عبادةٍ.
والمرادُ بغير العبادةِ ما ليس تعبديًّا، كقضاء الدَّين، وردِّ المغصوبِ والأمانةِ، والتعبدي كالصلاة.
ويظهرُ الفرقُ بينهما بأنَّ فاعلهما لا بقصدِ الامتثالِ يصحُّ له الأولُ دون الثاني، وإنْ كان لا يؤجرُ إلا بالنيةِ.
وأَخَصُّ من العبادة كونُها صلاةً أو غيرها.
وأعمُّ أنواع الوصف كونُه وصفًا تُناطُ به الأحكام، وأخصُّ منه كونه مناسبًا، وأخصُّ من المناسبِ كونُه مصلحةً أو درء مفسدة، كالحاجياتِ والضرورياتِ والتتميمات.
стр. 396
إذا علمتَ مراتبَ الأحكامِ والأوصافِ، فاعلمْ أن ما هو أخصُّ مقدَّمٌ على ما هو أعمُّ.
فجنسُ القرابةِ -مثلًا- مؤثرٌ في نوع الميراثِ، فيقدمُ الأخصُّ، فلذا تقدَّمُ البنوةُ على الأخُوَّةِ، والأُخُوَّةُ على العمومةِ -مثلًا-.
ومِنْ هنا قال بعضُ العلماء: يُقَدَّمُ الحريرُ على النجس إذا لم يجد المصلي غيرهما؛ لأنَّ النجسَ أخصُّ بالصلاةِ من الحرير؛ لأنَّ تحريم الحرير لا يختصُّ بالصلاة، فكان تحريم النجس أقوى منه لأنَّه يختصُّ بها.
وأنَّه إن لم يجد المحرمُ المضطرُّ إلا ميتةً وصيدًا أكل الميتةَ دون الصيدِ؛ لأنَّ تحريم الصيدِ خاصٌّ بالإحرامِ، والقاعدةُ تقديمُ الأخصِّ.
وخالف بعضُ العلماء في الفرعين. واللَّه أعلم.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(النوعُ الثاني في إثبات العلةِ: السبر. . .) الخ.
اعلمْ أولًا أنَّ هذا المسلك مِنْ مسالكِ العلةِ يسمى بالسبر فقط، وبالتقسيم فقط، وبهما معًا، وهو الأكثر.
والسَّبرُ -بالفتح- لغةً: الاختبار، ومنه سمي ما يعرفُ به طولُ الجرحِ وعرضه سِبارًا ومسبارًا.
стр. 397
وأصلُ هذا الدليل من حيث هو مبنيٌّ على أمرين:
أحدها: حصرُ أوصافِ المحلِّ، وهو المعبرُ عنه بالتقسيم.
ثانيهما: إبطالُ ما ليس صالحًا للتعليلِ بطريقٍ من طرقِ الإبطالِ الآتية، فيتعينُ الوصفُ الباقي، وهو المعبَّرُ عنه بالسبر.
فإذا عرفتَ معنى هذا المسلكِ، فاعلمْ أنَّ خلاصته ما ذكره فيه المؤلفُ أنَّ أبا الخطَّاب اشترطَ في هذا المسلكِ إجماعَ الأمةِ على أنَّ الأصل المقيس عليه مُعَلَّلٌ، أي غير تعبديٍّ، مع الاختلافِ في تعيين العلة، فيبطل المستدلُّ بالسبرِ جميع ما قالوه إلا واحدةً فيعلم صحتها، كي لا يخرج الحق عن أقاويل الأمة.
فنقول: الحكمُ معلَّلٌّ ولا علة فيه إلا كذا وكذا، وقد بطل أحدهما فيتعينُ الآخرُ.
كأنْ يقولَ الحنبليُّ -مثلًا-: علةُ تحريم الربا إمَّا الكيل وإمَّا الطعمُ وإمَّا الاقتياتُ والادخار، فيبطلُ ما سوى الكيلِ، فيتعين الكيلُ.
فهذا المسلكُ متأسِّسٌ على ثلاثةِ أمورٍ -على ما درج عليه المؤلفُ-:
الأول: الإجماعُ على كونِ حكمِ الأصلِ معللًا.
الثاني: كونُ التقسيم حاصرًا لجميع ما يعلل به، وذلك إمَّا بموافقةِ الخصمِ أو عدمِ إبدائه وصفًا زائدًا، سواء أقرَّ بالعجزِ عن ذلك، أو ادعاهُ وامتنعَ عن ذكره.
стр. 398
الثالث: إبطالُ ما سوى ذلك الوصف.
ولهذا الإبطال طريقتان:
الأولى: وجودُ الحكم بدونِ الوصفِ الذي يبطله المستدلُّ بالسبر، فيظهرُ أنَّه غيرُ العلةِ، لوجودِ الحكمِ دونه.
ومثالُه: قولُ الشافعيِّ المعلِّل تحريم الربا في البرِّ بالطعم: إنَّ وصف الكيل والاقتياتِ والادخارِ لغوٌ، بدليلِ وجودِ الحكمِ الذي هو منعُ الربا في ملء الكفِّ من البرِّ مع أنَّه لا يُكالُ، وليس فيه قوتٌ لقلته، فيتعينُ وصفُ الطعم.
ومثَّل لهذا المحشِّي بقول الحنبلي والشافعيِّ -مثلًا-: يصحُّ أمانُ العبدِ لأنَّه صادر عن عاقلٍ مسلمٍ غير متهم، فيصلحُ، قياسًا على الحرِّ.
فيقول الحنفيُّ -مثلًا-: بقي وصفٌ آخرُ هو الحريةُ، لم يوجد في الفرعِ، فيبطلُ القياس.
فيقول المستدلُّ: وصفُ الحرية لغوٌ هنا، بدليلِ الاتفاقِ على صحةِ أمان العبدِ المأذونِ له.
الثانية: أن يكونَ الوصفُ طرديًّا لم يعهد من الشارع الالتفاتُ إليه في إثباتِ الأحكام، إمَّا بالنسبةِ إلى جميع الأحكام كالطولَ والقصر، أو إلى بعضها كالذكورةِ والأنوثةِ بالنسبة إلى العتقِ لأنَّهما يعتبران في غير العتقِ كالشهادةِ والميراث.
ولا يكفي المستدلَّ بالسبر في الإبطالِ المذكورِ النقضُ الذي هو
стр. 399
وجودُ الوصفِ دون الحكم. وسيأتي إيضاحُه في القوادح إنْ شاء اللَّه.
واعلمْ أنَّ المؤلفَ ذكر أنَّه لا يكفي في حصر الأوصافِ أنْ يقول المستدلُّ: بحثتُ فلم أجدْ إلا هذا، وأنَّه لا يكفي في الإبطال أنْ يقول: بحثتُ في الوصفِ الفلاني فما عثرتُ فيه على مناسبةٍ؛ لأنَّ الخصمَ يُعارضُ بمثلِ ذلك.
ثم قال المؤلفُ (١): (فإنْ بيَّن صلاحيةَ ما يدَّعيه علةً، أو سَلَّمَ له الخصمُ ذلك، فإنَّه يكفيه ابتداءً بدون السبر، فالسبرُ إذًا تطويل طريقٍ غير مفيدٍ، فلنصطلح على ردِّه).
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
أكثر المالكية والشافعية على الاكتفاء بقوله: "بحثتُ فلم أجدْ غيرَ هذا، أو عدم ما سوى هذا الأصل"، وعليه فالسبرُ ليس تطويلَ طريقٍ.
ومما يوضحُ ذلك إطباقُ النظَّار على أنَّ مِنْ أعظمِ طرقِ الحصرِ العقلُ والاستقراء، فالاستقراءُ مِنْ طرق الحصر قطعًا، وقوله: "بحثت فلم أجدْ غيرَ هذا" استقراءٌ منه لأوصافِ المحلِّ حتى لم يجدْ غير تلك الأوصاف التي حصرها بالاستقراء، فردُّ هذا الحصر لا وجه له.
والأكثرُ منهم يثبتُ به الحجة للناظر والمناظر معًا، ولا يشترطون الإجماعَ على تعليلِ حكم الأصل؛ لأنَّ الغالبَ في الأحكامِ التعليلُ، خلافًا لأبي الخطَّاب.
стр. 400
تنبيهان:
الأول: اعلمْ أنَّ هذا الدليلَ الذي هو السبرُ والتقسيمُ منقسمٌ عند الأصوليين إلى قطعيٍّ وظنيٍّ:
فالقطعيُّ هو ما كان فيه حصرُ الأوصافِ وإبطالُ الباطل منها قطعيَّيْن.
والظنِّيُّ منه هو ما إذا كانا ظنيَّيْن أو أحدهما ظنِّيًّا.
الثاني: اعلمْ أنَّ المعترضَ إذا أبدى وصفًا زائدًا على الأوصافِ التي حصرها المستدلّ، فإنَّ السبر يبطلُ؛ لبطلان أحدِ ركنيه وهو الحصرُ.
ومحلُّ هذا ما لم يبين المستدلّ أنَّ الوصفَ الزائد الذي أبداه المعترضُ طرديٌّ لا دخل له في التعليلِ، فإنَّه يكونُ وجوده وعدمُه سواء، فيستقيمُ حصرُ المستدلَّ بالسبر، ولا يبطلُ دليلُه.
وقد أوضحنا البحث في هذا الدليل، وأكثرنا من أمثلته في القرآن وغيره، وذكرنا بعض آثاره العقائدية والتاريخية، وبيَّنا المراد به عند الأصوليين، والجدليين، والمنطقيين، وما تسميه به كلُّ طائفةٍ منهم، في كتابنا "أضواء البيان" في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مريم/ ٧٨].
стр. 401
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(النوعُ الثالثُ في إثباتِ العلة: أنْ يوجدَ الحكمُ بوجودها ويعدمَ بعدمها، كوجودِ التحريم بوجود الشدةِ في الخمرِ وعدمه بعدمها. . .) الخ.
اعلمْ أولًا أنَّ هذا المسلكَ من مسالك العلةِ يُسمَّى ب الدورانِ الوجوديِّ والعدمي، وبالدورانِ فقط، وبالطردِ والعكس.
واعلمْ أنَّ الطرد في الاصطلاحِ: الملازمةُ في الثبوت.
والعكسُ في الاصطلاحِ: الملازمةُ في الانتفاء.
وخلاصةُ ما ذكره المؤلفُ في هذا المسلكِ أنَّ اقتران الحكمِ بالوصفِ وجودًا وعدمًا دليلٌ على أنَّه علتُه.
ولا يقدحُ في ذلك أنَّ اقترانَه به في الوجودِ فقطْ لا يفيدُ العليةَ على الصحيحِ الذي هو الحقُّ، كما يأتي في مبحث الطردِ قريبًا إن شاء اللَّه.
وكذلك اقترانُه به في العدم فقط لا يفيدُ العليةَ إجماعًا؛ لأنَّ عدم تأثيرِ كلِّ واحدٍ منهما منفردًا لا يمنعُ تأثيرَهما مجتمعين:
لا تُخاصِمْ بواحدٍ أهلَ بيتٍ ... فضعيفانِ يغلبان قويًّا
ولا يقدحُ في هذا المسلكِ بأنَّ رائحةَ الخمرِ -مثلًا- يدورُ معها المنعُ وجودًا وعدمًا، وليست بعلة.
стр. 402
قال المؤلفُ (١) -رحمهُ اللَّه تعالى-:
(و النقضُ برائحة الخمر ليس بلازمٍ؛ لأنَّ صلاحيةَ الشيءِ للتعليل لا يلزمها أنْ لا يعلل به، إذْ قد يمتنعُ ذلك لمعارضته ما هو أولى منه).
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
النقضُ برائحة الخمر يدفعه القيدُ الذي ذكره جماهيرُ من أهل الأصولِ، وهو أنهم جعلوا الوصف المذكور في مسلك الدوران يشترطُ فيه المناسبةُ أو احتمالُها، فإنْ كان طرديًّا محضًا عُلِمَ قطعًا أنَّه غيرُ العلةِ ولو دار معه الحكمُ وجودًا وعدمًا، كرائحة الخمرِ المذكورة.
وإليه الإشارةُ بقول صاحب "المراقي" معرِّفًا للدوران:
أنْ يوجدَ الحكمُ لدى وجودِ ... وصفٍ وينتفي لدى الفقودِ
والوصفُ ذو تناسبٍ أو احتمل ... له وإلا فعن القصد اعتزل
وهو عند الأكثرين سند ... في صورةٍ أو صورتين يوجدُ
والحقُّ أنَّ في هذا المسلكِ ثلاثةَ أقوالٍ:
الأول: أنَّه يُفيدُ العليةَ ظنًّا. وهو مذهب الجمهورِ، وعليه درج المؤلف.
الثاني: أنَّه يُفيدُ العليةَ قطعًا. وبه قال المعتزلة.
стр. 403
الثالث: أنَّه لا يفيدُ التعليلَ أصلًا، لاحتمالِ كون الوصفِ الدائرِ معه الحكمُ ملازمًا للعلةِ كرائحة الخمرِ أو جزءًا منها.
تنبيه:
الدورانُ يكونُ في صورةٍ واحدةٍ، كما مثلَنا به في شدة الخمر، فإنَّ المنعَ يدورُ معها وجودًا وعدمًا.
وقد يكونُ في صورتين، وهو أضعفُ من الأول، ولذا أبطله بعضُ من اعتبر الأول.
ومثاله: ما لو قلتَ: الحليُّ المباحُ تجبُ فيه الزكاةُ لكونه نقدًا، والنقدُ أحدُ الحجرين (١)، والنقديةُ يدورُ معها الوجوبُ وجودًا في المصكوكِ والمسبوك -مثلًا-، وعدمًا في العبيد والثيابِ والدواب.
وهذا المسلكُ الذي هو الدورانُ كما أنَّ له دخلًا في الأمورِ الشرعيةِ فنفعه كثيرٌ جدًّا في الأمور الدنيوية، وهو الذي توصل به الأطباء إلى ما علموهُ مِنْ فوائد الأدوية والأغذية حيثُ دارتْ معها
стр. 404
آثارُها وجودًا وعدمًا.
كما أشار إليه في "المراقي" بقوله:
أصلٌ كبيرٌ في أمورِ الآخرة ... والنافعاتِ عاجلًا والضائرة
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
فأمَّا الدلالة على صحةِ العلةِ باطرادها ففاسدٌ. . .) الخ.
اعلمْ -أولًا- أنَّ هذا المسلكَ من مسالك العلةِ هو المعروفُ ب الطرد ، ويُسمى بالدورانِ الوجوديِّ، وهو مختلَفٌ في صحةِ دلالته على العلة:
فجمهورُ العلماء على أنَّه مردودٌ، وعليه درج المؤلف.
وذهب طوائفُ من أصحاب أبي حنيفة إلى أنَّه حجةٌ إنْ سلمَ من الانتقاضِ وجرى على الاطراد.
ومثاله: المائعُ الذي تبنى عليه القناطرُ، ويُصادُ فيه السمكُ، تقعُ به الطهارة.
فنقولُ: ليس بعلةٍ؛ لأنَّ الطهارةَ تقعُ بغيرِ المذكورِ، كالترابِ ونحوه.
стр. 405
وذهب كثيرٌ من الشافعيةِ إلى أنَّه حجَّةٌ بشرطِ مقارنةِ الحكمِ والوصفِ في جميعِ الصورِ غير صورة النزاعِ، إلحاقًا للنادرِ بالأغلب.
وقيل: تكفي المقارنةُ في صورة واحدة. ولا يخفى بُعْدُه.
وذهب الكرخيُّ من الحنفيةِ إلى أنَّه مقبولٌ جدلًا لا فتيا وعملًا. وهو بعيدٌ أيضًا.
فإذا عرفتَ ذلك، فاعلمْ أنَّ معنى الطردِ هو ما قدَّمنا من أنَّه الملازمةُ في الثبوت، أي كلما ثبت الوصفُ ثبتَ معه الحكم.
والمرادُ بالطردِ هنا الملازمةُ في الثبوتِ فقط، أي وعدمُ الملازمةِ في الانتفاء، فقولُ المؤلفِ: (فأمَّا الدلالةُ على صحةِ العلةِ باطرادها ففاسدٌ) يعني به دورانَ الحكمِ معها وجودًا فقط لا عدمًا.
وخلاصةُ ما ذكر فيه المؤلفُ أنَّه لا يدلُّ على العلية، إذْ لا معنى له إلا سلامتها من مفسدٍ واحدٍ هو النقضُ، والنقضُ هو وجودُ الحكم دونَ الوصفِ -كما سنوضحُه إنْ شاء اللَّه تعالى في مبحثِ القوادح-، وانتفاءُ المفاسدِ ليس بدليلِ على الصحة، بل لو سلم من كل مفسدٍ لم يكن دليلًا على الصحة، كما لو سلمتْ شهادةُ المجهولِ من جارح لم تكنْ حجةَ ما لم تقمْ بينة معدلةٌ مزكية، فكذلك لا يكفي في الصحةِ انتفاءُ المفسدِ، بل لابدَّ من دليلٍ على الصحة.
فلو قيل: دليلُ صحتها انتفاءُ المفسدِ، لقال الخصمُ: دليلُ فسادها انتفاءُ المصحح.
стр. 406
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(ثم للمعترضِ في إفساده المعارضة بوصفٍ مطردٍ يختصُّ بالأصلِ فلا يجدُ إلى التخلصِ عنه طريقًا، كقولهم في الخلِّ: مائعٌ لا يُصادُ من جنسه السمكُ، ولا تبنى عليه القناطرُ، فلا تحصلُ الطهارةُ به كالمرقِ) انتهى.
أي ومعلومٌ أنَّ كونه مائعًا لا يُصادُ من جنسه السمكُ. . . الخ، دائرٌ معه الحكمُ الذي هو عدمُ الطهارة، مع أنَّها أوصافٌ طرديةٌ لا تُناطُ بمثلها الأحكام؛ فظهرَ أنَّ الحكمَ يدورُ مع الوصفِ في الوجودِ وليس علة له.
تنبيه:
ذكر جماعةٌ من الأصوليين أنَّه يشترطُ في عدم الاحتجاجِ باطراد الوصفِ أن لا يكون مناسبًا بالذاتِ أو بالتبع.
فإنْ كان مناسبًا بالذاتِ فهو قياسٌ عليه لا طردٌ.
وإن كان بالتبعِ فهو قياسُ شبهٍ لا طردٌ.
وإلى هذا أشار صاحبُ "المراقي" بقوله معرِّفًا للطردِ:
حصولُ حكمٍ حيثما الوصفُ حصل ... والاقترانُ في انتفا الوصفِ انحظل
ولم يكن تناسبٌ بالذاتِ ... أو تبعٌ فيه لدى الثقاتِ
стр. 407
ثم يبينُ صاحبُ "المراقي" إبطالَ الردِّ بأنَّ المنقولَ عن الصحابةِ هو التعليلُ بالمناسبِ دون الطردِ حيث قال:
وردَّه النقلُ عن الصحابة ... ومَنْ رأى بالأصل قد أجابه
ومعنى قوله: "ومن رأى بالأصلِ قد أجابه" أنَّ من رأى كون الطرد يفيدُ العلية أجاب المانعَ لذلك بأنَّ الأصل في الملازمةِ في الوجودِ أنْ تكونَ لموجبٍ يقتضي ذلك، وهو كونُ الوصفِ الدائر معه الحكم في الوجودِ علةً له.
تنبيه:
لا يلتبسُ عليك الطردُ بالوصف الطردي، فإنَّ الطردَ هو ما عرفناهُ الآن في هذا المسلك، والوصفُ الطرديُّ هو الذي ليس في إناطةِ الحكمِ به مصلحة، كالطولِ والقصر.
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(متى لزِم من الوصف المتضمن للمصلحةِ مفسدةٌ مساويةٌ للمصلحةِ أو راجحةٌ عليها، فقيل: إنَّ المناسبةَ تنتفي. . .) الخ.
اعلمْ أنَّ التحقيقَ في هذه المسألة أنَّ الخلافَ فيها لفظيٌّ؛ لأنَّ المصلحةَ إذا استلزمتْ مفسدةً مساويةً أو راجحةً، فإنَّ الحكمَ لا ينبني على تلك المصلحةِ قولًا واحدًا؛ لأنَّ الشرع لا يأمرُ باستجلاب مصلحةٍ مؤديةٍ لمفسدةٍ أكبر منها، أو مساويةٍ لها.
стр. 408
ولكن الخلافَ في المصلحةِ المعارضةِ بالمفسدة، هل هي منخرمةٌ زائلةٌ من أصلها، أو هي باقية معارضة بغيرها -وهو اختيارُ المؤلف-؟ فعلى أنَّ المصلحةَ باقيةٌ فعدمُ الحكم لوجودِ المانعِ، وعلى أنها زائلةٌ فعدمُ الحكمِ لعدم المقتضي.
ومن أمثلته: فداءُ أسارى المسلمين بالسلاح إذا كان يؤدي إلى قدرة الكفارِ بذلك السلاحِ على قتل عدد الأسارى أو أكثر من المسلمين.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل في قياسِ الشَّبه
واختلف في تفسيره وفي أنَّه حجةٌ. . .) الخ.
اعلمْ -أولًا- أنَّ هذا المسلكَ من مسالكِ العلةِ هو أصعبها وأدقُّها فهمًا، كما صرَّح به الأصوليون، وحدُّوه بحدودٍ مختلفةٍ غالبها يرجعُ إلى أنَّ الوصفَ في قياسِ الشبهِ مرتبةٌ بين الطرديِّ والمناسب، فمِنْ حيثُ إنَّه لم تتحققْ فيه المناسبةُ أشبه الطرديَّ، ومِنْ حيثُ إنَّه لم يتحققْ فيه انتفاؤها أشبهَ المناسبَ، ولهذا سمي شبهًا.
فإذا عرفت ذلك، فاعلمْ أنَّ المؤلفَ ذكر في حدِّه قولين:
стр. 409
الأول: قولُ القاضي يعقوب: أنَّ الشبه هو أنْ يتردد الفرعُ بين أصلينِ، فيلحقُ بأكثرهما شبهًا، كالاختلاف في العبدِ هل يملكُ؟ وهل إذا قتل تلزمُ فيه القيمةُ أو الديةُ؟ فإنَّه يشبهُ المال من حيثُ إنَّه يباعُ ويوهبُ ويورثُ ونحو ذلك، ويشبهُ الحر من حيثُ إنَّه يثابُ ويُعاقبُ وينكحُ ويُطلق ونحو ذلك، فيلحقُ بأكثرهما شبهًا. والأكثرُ على أنَّ شَبهه بالمالِ أكثرُ، فتلزمُ فيه القيمةُ إذا قُتل. وقيل بالعكس.
وهذا النوعُ هو المعروفُ بغلبةِ الأشباه.
وأجمع جمهور الأصوليين على أنَّ غلبةَ الأشباهِ لا يخرجُ عن الشبه؛ لأنَّه إمَّا أنْ يكون هو بعينه، وإمَّا أنْ يكون نوعًا منه، خلافًا لما زعمه العضدُ مِنْ أنَّه ليس نوعًا من المسلكِ المسمى بالشبه، وأنَّ حاصلَه تعارضُ مناسبين بالذات، رُجِّح أحدهما، فهو من مسلك المناسبِ بالذات، وأنَّ الشبه لفظٌ مشتركٌ يطلقُ على كلٍّ منهما.
وغلبةُ الأشباهِ من أقوى قياساتِ الشبه.
وأقوى أنواعه الشبهُ في الحكمِ والصفةِ معًا، ثم الشبهُ في الحكمِ فقط، ثم الشبهُ في الصفةِ فقط.
ومثالُ الشبه في الصفةِ والحكمِ معًا: شبهُ العبدِ بالمالِ في أنْ يورثَ ويباعَ ويشترى، ونحو ذلك، وهذا شبهٌ في الحكمِ، وشبهه للمال في الصفةِ هو كونُ العبيدِ تتفاوتُ قيمةُ أفرادهم بحسب تفاوتِ أوصافهم جودةً ورداءةً.
والشبه في الصفة فقط: كشبه الأقوات بالبُرِّ والشعير في الربا.
стр. 410
والشبه في الحكم فقط، مثاله: تشبيه الخلوة بالدخول في ترتُّبِ المهر في كلٍّ منهما.
الثاني: أنَّ الشبه هو الجمعُ بين الأصل والفرع بوصفٍ يوهم اشتماله على حكمةِ الحكمِ من جلبِ مصلحةٍ أو دفعِ مفسدة.
وذلك أنَّ الأوصافَ ثلاثةُ أقسام:
الأول: قسمٌ يُعْلَمُ اشتمالُه على المناسبة، كالإسكار، وقياسُه هو قياسُ العلة.
الثاني: قسم لا تتوهمُ فيه مناسبةٌ، كالطول والقصر، وهو الطرديُّ، والقياسُ به باطلٌ.
الثالث: قسمٌ بين القسمينِ الأولين، وهو ما يُتوهمُ اشتمالُه على مصلحةِ الحكمِ، ويُظَنُّ أنَّه مظنتها، مِنْ غيرِ اطلاع على عينِ المصلحة، مع عهدِنا اعتبارَ الشارع له في بعضِ الأحكام، كالجمع بين مسح الرأس ومسح الخفِّ في نفي التكرارِ بجامع كونه مسحًا، والجمعِ بينه وبينَ الأعضاء المغسولةِ في التكرارِ بكونه عضوًا من أعضاء الوضوءِ، كالوجه.
وهذا هو قياسُ الشبه، وهو مختلفٌ فيه، واختلفت فيه الروايةُ بالصحةِ وعدمها عن الإمام أحمد، وأكثرُ الأصوليين على قبوله، لأنَّه يثيرُ ظنًّا بثبوتِ الحكم.
стр. 411
قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:
الذي يظهرُ لي في كلام المؤلفِ ﵀ في هذا المسلكِ أنَّه لا يخلو مِنْ بعضِ نظرٍ، واللَّه تعالى أعلم، وذلك لأنَّ مثاله للقول الثاني من القولينِ اللذَين ذكرهما في تفسيرِ الشبهِ هو بعينه مثالُ الأول، لأنَّ قضيةَ تكرار مسح الرأس في الوضوء راجعةٌ إلى غلبةِ الأشباهِ، لأنَّ تكرار مسح الرأس في الوضوء دائرٌ بين أصلينِ فيلحقُ بأكثرهما شبهًا:
أحدهما: أنَّه مسحٌ، فلا يتكررُ كغيره من المسح، كمسح الوجهِ واليدينِ في التيممِ، ومسحِ الخفِّ في الوضوء.
ثانيهما: أنَّه ركن من أركان الوضوء الأربعة المذكورةِ في الآية، فيكررُ كما يكررُ غسلُ الوجهِ واليدين.
فمَنْ قال بعدم تكرار مَسْحِه قال: إنَّه أكثرُ شبهًا بالأول، ومَنْ قال بتكراره قال: إنَّه أكثرُ شبهًا بالثاني.
والقولُ الأخيرُ في تفسيرِ الشبهِ مثَّلَ له صاحبُ "المستصفى" بأمثلةٍ متعددة، منها: قول الشافعيِّ ﵀ في مسألة اشتراطِ النيةِ في طهارةِ الحدث: طهارةٌ موجَبها (١) في غير محلِّ موجِبها، فتفتقرُ إلى النية قياسًا على التيمم. وهذا يوهمُ الاجتماعَ في مناسبٍ هو مأخذُ
стр. 412
النيةِ، وإن لم يطَّلعْ على ذلك المناسب.
ومنها: تشبيهُ الأرز والزبيب بالتمرِ والبرِّ لكونهما مطعومينِ أو قوتين، فإنَّ ذلك إذا قوبل بالتشبيهِ بكونهما مقدَّرين أو مكيلين ظهر الفرقُ، إذ يعلمُ أنَّ الربا ثبتَ لسرٍّ ومصلحةٍ، والطعمُ والقوتُ وصفٌ ينبئ عن معنًى به قوامُ النفسِ، والأغلبُ على الظنِّ أنَّ تلك المصلحةَ في ضمنهما لا في ضمن الكيلِ الذي هو عبار عن تقديرِ الأجسام.
إلى غير ذلك مِنْ أمثلته لهذا النوعِ المذكور.
وقد أوضح مسلك الشبه جماعةٌ من أهل الأصول بأنَّه هو ما كان الوصفُ الجامعُ فيه مستلزمٌ للوصفِ المناسب.
وإيضاحُه: أنَّ نفس الوصفِ الجامع ليس مناسبًا بالذاتِ، ولكنَّه مناسبٌ بالتبعِ، أي مستلزمٌ للوصفِ المناسب، وقد شهدَ الشرعُ بتأثير الجنس القريب لذلك الوصف في الجنس القريبِ لذلك الحكم.
ومثَّلوا لذلك بأمثلة:
ومنها: قولهم في الخلِّ: مائعٌ لا تبنى القنطرةُ على جنسه، فلا تحصلُ به الطهارةُ، قياسًا على الدهن.
فقولهم: لا تبنى القنطرةُ على جنسه، ليس مناسبًا في ذاته، لكنَّه مستلزمٌ للمناسب؛ لأنَّ العادةَ أنَّ القنطرةَ لا تبنى على الأشياءِ القليلةِ بل على الكثيرةِ كالأنهار، فالقلةُ مناسبة لعدمِ مشروعيةِ المتصفِ بها من المائعاتِ للطهارة العامة؛ لأنَّ الشرعَ العامَّ يقتضي أن تكون أسبابُه عامَّة الوجود، أمَّا تكليفُ جميع الناسِ بما لا يجدُه إلّا بعضهم فبعيدٌ عن
стр. 413
قواعد الشرع.
فقولهم: لا تبنى القنطرةُ على جنسه، ليس بمناسب، وهو مستلزمٌ للمناسب، وقد شهدَ الشرعُ بتأثيرِ جنس القلةِ والتعذرِ في عدمِ مشروعيةِ الطهارة، بدليلِ أنَّ الماءَ إذا قلَّ واشتدتْ إليه الحاجةُ فإنَّه تتركُ الطهارةُ به، وينتقلُ إلى التيمم.
ومنها: تعليلهم لوجوب النية في التيمم بكونه طهارةً، فيُقاسُ عليه الوضوءُ بجامع أنه طهارةٌ، فإنَّ الطهارةَ مِنْ حيثُ هي لا تناسبُ اشتراط النيةِ لعدمِ اشتَراطها في طهارةِ الخبثِ، ولكن تناسبُه مِنْ حيثُ إنَّها عبادةٌ وقربةٌ، والعبادةُ مناسبةٌ لاشتراطِ النيةِ لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية [البينة/ ٥].
فإنْ قيل: إنْ كان المناسبُ لاشتراطِ النيةِ جهةَ العبادةِ لزمَ اشتراطُها في الطهارةِ من النجاسةِ، لتحقق تلك الجهةِ فيها، إذْ لا تكونُ إلا واجبةً أو مندوبةً، والواجبُ والمندوبُ كلاهما عبادةٌ، مع أنَّ عدمَ اشتراطها فيها مجمعٌ عليه.
فجوابُ المخالفين هو أنَّ الطهارةَ من النجاسةِ مِنْ حيثُ هي لم توضع لمحضِ التعبدِ، فقد تكونُ غيرَ واجبةٍ ولا مندوبةٍ، كإزالتك لها عن أرضك دفعًا للاستقذارِ، بخلافِ الوضوءِ -مثلًا- فإنَّه لا يقعُ إلَّا عبادةً، ولا ينافي ذلك غسلُ الأعضاءِ لمجردِ التنظيفِ، لأنَّ غسلها على الوجه والترتيب الخاصَّيْنِ لا يكونُ إلا للتعبد.
стр. 414
تنبيه:
اعلمْ أنَّ من الفوارقِ التي ذكرها بعضُ أهل الأصولِ بين الشبه والمناسبِ أنَّ صلاحيةَ الشبهِ لما يترتبُ عليه من الأحكامِ لا يدركها العقلُ لو قُدِّرَ عدمُ ورود الشرع.
قالوا: فاشتراطُ النيةِ في الوضوءِ لو لم يرد الشرعُ باشتراطها في التيممِ لما أدرك العقلُ اعتبارها فيه، بخلافِ المناسب فإنَّ صلاحيتَه لما يترتبُ عليه من الأحكامِ قد يدركها العقلُ قبل ورود الشرع.
ولذلك حرَّم بعضُ رجال العرب الخمرَ على نفسه قبلَ ورود الشرعِ بتحريمها؛ لأنَّ عقله أدركَ قبحَ زوالِ، العقلِ، وما يلزمُ عليه من القبائح، حرَّمها على نفسه للموجب المذكورِ قيسُ بن عاصمٍ المنقريُّ التميميُّ، كما ذكره عنه بعضُ المؤرخين، وذكره ابنُ عبد البر في "الاستيعاب"، وفي ذلك يقول:
رأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها ... خصالٌ تفسدُ الرَّجل الحليما
فلا واللَّهِ أشربها صحيحًا ... ولا أشفي بها أبدًا سقيما
ولا أعطي بها ثمنًا حياتي ... ولا أدعو لها أبدًا نديما
لأنَّ الخمر تفضحُ شاربيها ... وتجنيهم بها الأمر العظيما
فقوله: لأنَّ الخمرَ تفضحُ شاربيها. . . البيت، دليلٌ على أنَّه أدرك بعقله مناسبة الإسكارِ للتحريم، كما لا يخفى.
стр. 415
تنبيه:
فإنْ قيل: ذكرتم أنَّ عباراتِ الأصوليين في تعريف الشبه يدورُ غالبها على أنَّ الوصفَ الجامعَ فيه مرتبةٌ بين الطرديِّ والمناسب، وأنَّ غلبةَ الأشباهِ لا تخرجُ عن الشبهِ المذكور، فما وجهُ كونِ الوصفِ في غلبةِ الأشباهِ مرتبةً بين الطرديِّ والمناسب؟
فالجوابُ: أنَّ ذلك واقعٌ فيه بالنظرِ إلى اعتبارينِ مختلفين، فشبهُ العبدِ بالمالِ مناسبٌ للزومِ القيمةِ، طرديّ بالنسبةِ إلى لزومِ الديةِ، وشبهُه بالحرِّ مناسبٌ بالنسبةِ إلى لزومِ الديةِ، طرديٌّ بالنسبةِ إلى لزومِ القيمةِ. وهكذا.
فصار الوصفُ في غلبة الأشباهِ مناسبًا باعتبار، طرديًّا باعتبارٍ آخر، واللَّه تعالى أعلم.
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل في قياس الدلالة
وهو أنْ يجمعَ بين الفرعِ والأصلِ بدليلِ العلةِ، ليدلَّ اشتراكُهما فيه على اشتراكهما في العلةِ، فيلزمُ اشتراكهما في الحكم).
كأنْ نقولَ في إجبارِ البكرِ البالغةِ: جاز تزويجُها وهي ساكتةٌ،
стр. 416
فجازَ وهي ساخطةٌ، قياسًا على الصغيرة، فإنَّ إباحةَ تزويجها مع السكوتِ تدلُّ على عدمِ اعتبارِ رضاها، ولو اعتبرَ لاعتبر دليلُه، وهو النطقُ؛ لأنَّ السكوتَ محتملٌ مترددٌ، وإذا لم يعتبر رضاها جازَ تزويجُها حالةَ السخط.
فقد جمعَ في هذا القياسِ بين الصغيرةِ والبكرِ الكبيرةِ في جوازِ الإجبارِ على النكاحِ عند من يقولُ بذلك بدليلِ عدمِ اعتبارِ رضاهما، أي وهو السكوتُ، بناءً على ما قاله مِنْ أنَّه محتملٌ مترددٌ، فعدمُ اعتبارِ الرضا هو علةُ الإجبار، وقد جمعَ في هذا المثالِ بين الفرعِ والأصلِ بدليله الذي هو التزويجُ في حالةِ السكوت.
هذا حاصلُ ما ذكره المؤلفُ في قياسِ الدلالة.
وقد أوضحَ قياس الدلالة جماعةٌ من الأصوليين بأنَّه الجمعُ بين الأصل والفرعِ بملزومِ العلةِ، أو أثرها، أو حكمها.
فمثالُ الجمع بملزومها: إلحاقُ النبيذِ بالخمرِ في المنع بجامعِ الشدةِ المطربة؛ لأنَّها ملزومةٌ للإسكارِ الذي هو العلة.
ومثالُ الجمع بأثر العلة: إلحاقُ القتلِ بالمثقلِ بالقتلِ بمحددٍ في القصاصِ بجامع الإثم؛ لأنَّ الإثم أثرُ العلةِ التي هي القتلُ العمدُ العدوان.
ومثالُ الجمعِ بحكمِ العلة: الحكمُ بحِلِّيَّة (١) شعرِ المرأةِ قياسًا على
стр. 417
سائرِ شعرِ بدنها بجامعِ الحِلِّيَّةِ بالنكاحِ والحرمةِ بالطلاق.
وكقولهم بجوازِ رهن المشاعِ قياسًا على جوازِ بيعه بجامعِ جوازِ البيع.
تنبيه:
اعلمْ أنَّ القياسَ مِنْ حيث الجمعُ بنفس العلةِ أو غيرِها ينقسمُ ثلاثةَ أقسام:
الأول: ما كان الجمعُ فيه بنفس العلة، كالإسكار، وهو المسمى بقياسِ العلة.
الثاني: ما جمعَ فيه بدليل العلة، كملزومها أو أثرِها أو حكمها، وهو قياسُ الدلالة، كما مرَّ آنفًا.
الثالث: ما جمع فيه بنفي الفارق، وهو القياسُ في معنى الأصل، وهو مفهومُ الموافقةِ وتنقيحُ المناط. والأكثرُ على أنَّه ليس من القياس.
وقد قدمنا في مسلك الشبهِ أنَّه ينقسمُ -أيضًا- باعتبار تحققِ المناسبةِ وعدمِه إلى قياس علةٍ، وطرديٍّ، وشَبَهٍ.
стр. 418
أركان القياس
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(بابُ أركانِ القياسِ
وهي أربعةٌ: أصلٌ، وفرعٌ، وعلةٌ، وحكمٌ، فالأول له شرطان. . .) الخ.
ظاهرُ كلامه أنَّ الشرطينِ في الأصل، ولا يخفى أنَّ الشرطينِ المذكورين شرطانِ في حكمِ الأصل لا في نفس الأصل، ويمكنُ أنْ يكونَ كلامُ المؤلفِ مبنيًّا على ما قالَه جماعةٌ من أنَّ الأصلَ هو الحكمُ لا محلُّ الحكم، فمشى في عبارته الأولى على أحدِ القولين، وفي الثانيةِ على الآخر.
إذا علمت ذلك، فالأولُ من الشرطينِ هو أنْ يكونَ حكمُ الأصلِ ثابتًا بنصٍّ أو اتفاق الخصمين.
الشرط الثاني: هو أنْ يكونَ الحكمُ معقولَ المعنى، كتحريمِ الخمرِ، لا إنْ كان تعبديًّا، كأوقات الصلاةِ وأعداد الركعات.
ووجهُ اشتراط الأولِ أنَّ الحكمَ إنْ كان مختلَفًا فيه لم يصح التمسكُ به، لأنَّ كونه أصلًا مقيسًا عليه ليس بأولى من كونه فرعًا مقيسًا.
стр. 419
فلو أراد المستدلُّ أنْ يثبتَ حكمَ الأصل بالقياسِ على محلٍّ آخر، فقيل: لم يجز له ذلك، وهو اختيارُ المؤلف.
وقيل: يجوزُ، وعزاه المؤلفُ لبعضِ الأصحاب من الحنابلةِ، وهو مذهبُ مالك، وعليه درج في "المراقي" بقوله:
وحكمُ الأصلِ قد يكونُ ملحقا ... لما من اعتبار الأدنى حققا
ومثاله: قياسُ الأرز على البرِّ في تحريم الربا، فيكونُ الأرزُ أصلًا ثابتًا بالقياسِ، فيقاسُ الذرة عليه -مثلًا-.
وقد يظهرُ لك أنَّ هذا تطويلٌ لا فائدةَ فيه، لإمكانِ قياس الكلِّ على الأصلِ الأول، كما احتجَّ به من قال بالمنع.
والقائلون به يقولون: قد يكونُ فيه فائدةٌ، ككونِ المقيسِ الثاني أقربَ إلى الأصل الثاني منه إلى الأول، واعتبارُ الأدنى مقصدٌ صحيحٌ.
وإليه الإشارةُ بقول صاحب "المراقي" المذكور آنفًا: "لما من اعتبار الأدنى حققا"، فيجوزُ مثلًا أنْ يكونَ الأرز أقرب إلى الذرة منه إلى البرِّ، فيقاسُ على الذرة لأنَّها أقربُ إليه من البرِّ بعد قياس الذرةِ على البرِّ.
والحاصلُ أنَّ المؤلفَ استدلَّ لمنع إثبات حكمِ الأصلِ بالقياسِ على محل آخر بأنَّه لا يخلو الحالُ مِن أحدِ أمرين:
الأول: أنْ تكونَ علةُ الأصل موجودةً في الفرع الثاني.
الثاني: أنْ تكونَ غيرَ موجودةٍ فيه.
стр. 420
فإنْ كانتْ موجودةً فيه، فاللازمُ قياسُ كلٍّ من الفرعينِ على الأصل. الأول، كأنْ تقيسَ كلًّا من الذرة والأرز على البرِّ الذي هو الأصلُ الأولُ بجامع الكيلِ -مثلًا-، لأنَّ قياسَ الذرةِ على البرِّ -مثلًا- ثم قياسَ الأرز على الذرةِ تطويلٌ لا فائدةَ فيه.
وأمَّا إنْ كانتْ غيرَ موجودةٍ فيه فلا يصحُّ القياسُ فيه؛ لأنَّه قد تبينَ ثبوتُ حكمِ الأصل الأولِ بعلةٍ غيرِ موجودةٍ في الفرع، ومن شرط القياس تساوي الفرع والأصل في العلة.
قال: ولا يمكنُ تعليل الحكمِ في الأصل الأول بغيرِ ما علله به في قياسه الأصل الثاني عليه، لأنَّ إبداء تلك العلة الثانيةِ فيه يقدحُ فيه كما سيأتي في القوادح.
واستدلَّ -أيضًا- لقول بعضِ أصحابه بجوازِ القياسِ على ما ثبتَ بالقياس، بأنَّه لمَّا ثبتَ بالقياس صار أصلًا ثابتًا في نفسه، فجاز القياسُ عليه كالثابتِ بالنصِّ ثمَّ قال: ولعل المرادَ بذلك ما ثبتَ بالقياسِ واتفقَ عليه الخصمان.
وقولُه في هذا المبحث (١): (فإنَّه لا يعتبرُ كونُ الأصل متفقًا عليه بين الأمة، فإنَّه إنْ لم يكنْ مجمعًا عليه فللخصمِ أن يعلل الحكم في الأصل بمعنًى مختصٍّ به لا يتعدى إلى الفرع، فإنْ ساعدهُ المستدلُّ على التعليلِ به انقطعَ القياسُ لعدمِ المعنى في الفرعِ، وإن لمْ يساعدهُ منع الحكمَ في الأصلِ، فبطلَ القياسُ، وسمُّوهُ "القياسَ المركب".
стр. 421
ومثالُه: قياسنا العبد على المكاتَب، فنقولُ: العبدُ منقوصٌ بالرِّقِّ ولا يقتلُ به الحرُّ كالمكاتب، فيقولُ المخالفُ: العلةُ في المكاتب أنَّه لا يُعلمُ هل المستحِقُّ لدمه الوَارثُ أو السيد؟ فإنْ سلمتم ذلك امتنع قياسُ العبد عليه؛ لأنَّ مستحقَّه معلومٌ، وإنْ منعتم منعنا الحكمَ في المكاتبِ، فذهب الأصلُ، فبطل القياسُ. . .) الخ = لا يخلو من نظر فيما يظهرُ، واللَّه تعالى أعلم.
لأنَّ قوله: (وإن لم يساعده منع الحكمَ في الأصلِ، فبطل القياسُ، وسمَّوهُ القياسَ المركبَ) فيه نظرٌ؛ لأنه لا يعرفُ عند الأصوليين تسميةُ منع الحكمِ في الأصلِ بالقياسِ المركب، وليس القادحُ فيه التركيب، وإنَّما هو أحدُ أقسامِ المنعِ الأربعةِ الآتية.
والقدحُ به يسمى منعًا لا تركيبًا، وليس من قسمي المنع اللذينِ هما قسما القياسِ المركبِ -كما سيأتي إيضاحه-.
واعلمْ أنَّ إيضاح القياس المركب في اصطلاح أهل الأصول أنَّه قسمان:
أحدهما: يسمَّى مركب الأصل.
والثاني: يسمَّى مركبَ الوصف.
أمَّا مركبُ الأصلِ: فهو أنْ يتفق الخصمانِ على حكمِ الأصلِ، وعلى كونِ الوصفِ المدعى أنَّه علةٌ موجودةٌ فيه، ولكن كلُّ واحدٍ منهما يدير له علةً غيرَ علةِ الآخر.
كالاتفاقِ على تحريمِ الربا في البُرِّ، وعلى وجودِ وصف الكيلِ
стр. 422
والطعمِ فيه، مع أنَّ بعضهم يقول: العلةُ الكيلُ، والآخرُ يقولُ: العلةُ الطعمُ مثلًا. . . الخ.
أمَّا مركبُ الوصفِ: فهو أنْ يتفقَ الخصمان -أيضًا- على حكم الأصل، ولكنَّ العلة التي يثبته بها المستدلُّ يقولُ الخصمُ إنَّها غيرُ موجودةٍ في الأصل.
ومثالُه: قياسُ الشافعيِّ والحنبليِّ: "إنْ تزوجتُ فلانةً فهي طالقٌ" على "فلانةٌ التي أتزوجُها طالقٌ" في عدم لزوم الطلاقِ بعد التزوج.
فإنَّ المالكيَّ يوافقهم في عدم الطلاق في الأصلِ، وهم يقولون: العلةُ تعليقُ الطلاقِ قبل ملك محله، فيمنعُ المالكيُّ وجود هذه العلةِ في الأصلِ، فيقول: هو تنجيزُ طلاقِ أجنبيةٍ وهي لا ينجزُ عليها الطلاقُ، ولو كان فيه التعليقُ على زواجها لطلقتْ بعد التزوج.
فالحاصلُ: أنَّ الاتفاقَ ثابتٌ بين الخصمينِ في الحكمِ في نوعي المركب، فإنْ منع الخصمُ كون الوصفِ علةَ الحكمِ مع اعترافه بوجودِ الوصف في الأصلِ فهو مركبُ الأصلِ، وإنْ منع وجود الوصفِ في الأصلِ فهو مركبُ الوصفِ، سواء اعترفَ بأنَّ ذلك الوصف المزعومَ نفيُه عن الأصلِ هو العلةُ أو لا.
وبما ذكرناه تعلمُ أنَّ قول المؤلفِ ﵀ (وسمَّوه القياس المركبَ) لا يخلو من نظرٍ. واللَّه أعلم.
وقياس العبد على المكاتب الذي مثَّل به يصحُّ أنْ يكون مثالًا للمركب، ولكنْ أولُ الكلامِ لا يُسَاعدُ على ذلك.
стр. 423
ووجهُ اشتراط الثاني واضحٌ؛ لأنَّ ما ليس بمعقولٍ لا تمكنُ فيه التعديةُ إلى محل آخر.
قال المؤلفُ (١) ﵀:
(الركنُ الثاني: الحكم: وله شرطان):
الأول: أنْ يكونَ حكمُ الفرع مساويًا لحكمِ الأصلِ، كقياسِ الأرز على البرّ في تحريم الربا، فلا يصحُّ قياسُ واجب على مندوب، ولا مندوبٍ على واجبٍ -مثلًا-؛ لعدم مساواتهما في الحكم.
الثاني: كونُ الحكمِ شرعيًّا، أي وفرعيًّا، لا إنْ كان عقليًّا، أو من الأصولِ -أعني العقائدَ-، فلا يثبتُ ذلك بالقياس.
الركنُ الثالث: الفرع:
ويشترطُ فيه وجودُ علة الأصلِ فيه؛ لأنَّ وجودها فيه مناطُ تعدية الحكمِ إليه.
واختلف في اشتراطِ تقدمِ الأصلِ على الفرع، فعلى أنَّه شرطٌ لا يقاسُ الوضوءُ على التيممِ -مثلًا- في وجوبِ اشتراط النية؛ لأنَّ التيممَ شُرع متأخرًا عن الوضوء، وعلى عدمِ اشتراطه فلا مانع مِنْ قياسه عليه.
واختار المؤلفُ اشتراط ذلك في قياس العلةِ دون قياس الدلالة؛ لأنَّ العلةَ لا يجوزُ تأخيرها عن المعلول، لئلا يلزم وجودُه بدونِ علةٍ،
стр. 424
أو بعلةٍ غيرِ المتأخرة، بخلافِ قياس الدلالة، لجوازِ تأخيرِ الدليلِ عن المدلول.
ومنع غيرُ واحدٍ ظهورَ حكمِ الفرع للمكلَّفينَ قبل ظهورِ حكمِ الأصلِ مطلقًا. وعليه درج صاحبُ "المراقي" بقوله:
منع الدليلين وحكم الفرعِ ... ظهوره قبل يرى ذا منعِ
الركنُ الرابعُ: العلة:
وهي الجامعُ بين الفرع والأصل، وهو الوصفُ المشتملُ على الحكمةِ الباعثةِ على تشريع الحكم.
فتعريفُ المؤلفِ لها بأنَّها مجردُ علامةٍ لا يخلو من نظرٍ، وقد تبِعَ فيه غيرَه، وهو مبنيٌّ على قول المتكلمين: إنَّ الأحكامَ الشرعيةَ لا تُعَلَّلُ بالأغراضِ قائلينَ: إنَّ الفعل من أجل غايةٍ معينةٍ يتكملُ صاحبُه بوجود تلك الغاية، واللَّه جلَّ وعلا منزَّهٌ عن ذلك؛ لأنَّه غنيٌّ لذاته الغنى المطلق.
والتحقيقُ أنَّ اللَّه يشرعُ الأحكامَ من أجل حِكمٍ باهرةٍ ومصالح عظيمةٍ، ولكنَّ المصلحةَ في جميع ذلك راجعةٌ إلى المخلوقينَ الذين هم في غايةِ الفقرِ والحاجةِ إلى مَا يشرعُه لهم خالقهم من الحكمِ والمصالح، وهو جلَّ وعلا غنيٌّ لذاته الغنى المطلق، عن كل ما لا يليقُ بجلاله وكماله.
واعلمْ -أولًا- أنَّ العلةَ قد تكونُ حكمًا شرعيًّا، كما تقدم في قياس الدلالة.
стр. 425
وتكونُ وصفًا عارضًا، كالشدةِ في الخمر.
وتكونُ وصفًا لازمًا، كالأنوثةِ في ولايةِ النكاح.
وقد تكونُ فعلًا للمكلَّف، كالقتلِ والسرقة.
وتكونُ وصفًا مجردًا، كالكيلِ عند مَنْ يعللُ به تحريم الربا في البرِّ.
وقد تكونُ مركبةً من أوصافٍ، كالقتل العمدِ العدوانِ، وكالاقتياتِ والادخارِ وغلبةِ العيشِ، عند مَنْ يعلِّلُ بذلك تحريمَ الربا في البرِّ.
وقد تكونُ نفيًا، نحو: لم ينفذْ تصرفُه لعدم رشدِه.
وتكونُ وصفًا مناسبًا وغيرَ مناسبٍ:
فالمنالسبُ كالإسكار لتحريم الخمر.
والظاهرُ أنَّ المرادَ بغيرِ المناسبِ يشملُ أمرين:
الأول: هو ما لم يتحقق فيه المناسبةُ ولا عدمها، كما تقدَّم في الدوران وقياسِ الشبهِ مِنْ أنَّ الوصفَ المدارَ في الدورانِ والوصف الجامعَ في قياس الشبهِ لا يشترطُ في واحدٍ منهما تحققُ المناسبةِ فيه، بل يكفي في الدواران احتمالُ المناسبةِ، ويكفي في الشبهِ أنْ يشبهَ المناسبَ مِنْ جهةٍ، ولو كان يشبهُ الطرديَّ من جهةٍ أخرى.
وكذلك الوصفُ المومى إليه في مسلك الإيماءِ والتنبيه، فالأكثرونَ من الأصوليين لا يشترطونَ فيه المناسبة.