ومثالُه: قياسنا العبد على المكاتَب، فنقولُ: العبدُ منقوصٌ بالرِّقِّ ولا يقتلُ به الحرُّ كالمكاتب، فيقولُ المخالفُ: العلةُ في المكاتب أنَّه لا يُعلمُ هل المستحِقُّ لدمه الوَارثُ أو السيد؟ فإنْ سلمتم ذلك امتنع قياسُ العبد عليه؛ لأنَّ مستحقَّه معلومٌ، وإنْ منعتم منعنا الحكمَ في المكاتبِ، فذهب الأصلُ، فبطل القياسُ. . .) الخ = لا يخلو من نظر فيما يظهرُ، واللَّه تعالى أعلم.
لأنَّ قوله: (وإن لم يساعده منع الحكمَ في الأصلِ، فبطل القياسُ، وسمَّوهُ القياسَ المركبَ) فيه نظرٌ؛ لأنه لا يعرفُ عند الأصوليين تسميةُ منع الحكمِ في الأصلِ بالقياسِ المركب، وليس القادحُ فيه التركيب، وإنَّما هو أحدُ أقسامِ المنعِ الأربعةِ الآتية.
والقدحُ به يسمى منعًا لا تركيبًا، وليس من قسمي المنع اللذينِ هما قسما القياسِ المركبِ -كما سيأتي إيضاحه-.
واعلمْ أنَّ إيضاح القياس المركب في اصطلاح أهل الأصول أنَّه قسمان:
أحدهما: يسمَّى مركب الأصل.
والثاني: يسمَّى مركبَ الوصف.
أمَّا مركبُ الأصلِ: فهو أنْ يتفق الخصمانِ على حكمِ الأصلِ، وعلى كونِ الوصفِ المدعى أنَّه علةٌ موجودةٌ فيه، ولكن كلُّ واحدٍ منهما يدير له علةً غيرَ علةِ الآخر.
كالاتفاقِ على تحريمِ الربا في البُرِّ، وعلى وجودِ وصف الكيلِ
стр. 422
والطعمِ فيه، مع أنَّ بعضهم يقول: العلةُ الكيلُ، والآخرُ يقولُ: العلةُ الطعمُ مثلًا. . . الخ.
أمَّا مركبُ الوصفِ: فهو أنْ يتفقَ الخصمان -أيضًا- على حكم الأصل، ولكنَّ العلة التي يثبته بها المستدلُّ يقولُ الخصمُ إنَّها غيرُ موجودةٍ في الأصل.
ومثالُه: قياسُ الشافعيِّ والحنبليِّ: "إنْ تزوجتُ فلانةً فهي طالقٌ" على "فلانةٌ التي أتزوجُها طالقٌ" في عدم لزوم الطلاقِ بعد التزوج.
فإنَّ المالكيَّ يوافقهم في عدم الطلاق في الأصلِ، وهم يقولون: العلةُ تعليقُ الطلاقِ قبل ملك محله، فيمنعُ المالكيُّ وجود هذه العلةِ في الأصلِ، فيقول: هو تنجيزُ طلاقِ أجنبيةٍ وهي لا ينجزُ عليها الطلاقُ، ولو كان فيه التعليقُ على زواجها لطلقتْ بعد التزوج.
فالحاصلُ: أنَّ الاتفاقَ ثابتٌ بين الخصمينِ في الحكمِ في نوعي المركب، فإنْ منع الخصمُ كون الوصفِ علةَ الحكمِ مع اعترافه بوجودِ الوصف في الأصلِ فهو مركبُ الأصلِ، وإنْ منع وجود الوصفِ في الأصلِ فهو مركبُ الوصفِ، سواء اعترفَ بأنَّ ذلك الوصف المزعومَ نفيُه عن الأصلِ هو العلةُ أو لا.
وبما ذكرناه تعلمُ أنَّ قول المؤلفِ ﵀ (وسمَّوه القياس المركبَ) لا يخلو من نظرٍ. واللَّه أعلم.
وقياس العبد على المكاتب الذي مثَّل به يصحُّ أنْ يكون مثالًا للمركب، ولكنْ أولُ الكلامِ لا يُسَاعدُ على ذلك.
стр. 423
ووجهُ اشتراط الثاني واضحٌ؛ لأنَّ ما ليس بمعقولٍ لا تمكنُ فيه التعديةُ إلى محل آخر.
قال المؤلفُ (١) ﵀:
(الركنُ الثاني: الحكم: وله شرطان):
الأول: أنْ يكونَ حكمُ الفرع مساويًا لحكمِ الأصلِ، كقياسِ الأرز على البرّ في تحريم الربا، فلا يصحُّ قياسُ واجب على مندوب، ولا مندوبٍ على واجبٍ -مثلًا-؛ لعدم مساواتهما في الحكم.
الثاني: كونُ الحكمِ شرعيًّا، أي وفرعيًّا، لا إنْ كان عقليًّا، أو من الأصولِ -أعني العقائدَ-، فلا يثبتُ ذلك بالقياس.
الركنُ الثالث: الفرع:
ويشترطُ فيه وجودُ علة الأصلِ فيه؛ لأنَّ وجودها فيه مناطُ تعدية الحكمِ إليه.
واختلف في اشتراطِ تقدمِ الأصلِ على الفرع، فعلى أنَّه شرطٌ لا يقاسُ الوضوءُ على التيممِ -مثلًا- في وجوبِ اشتراط النية؛ لأنَّ التيممَ شُرع متأخرًا عن الوضوء، وعلى عدمِ اشتراطه فلا مانع مِنْ قياسه عليه.
واختار المؤلفُ اشتراط ذلك في قياس العلةِ دون قياس الدلالة؛ لأنَّ العلةَ لا يجوزُ تأخيرها عن المعلول، لئلا يلزم وجودُه بدونِ علةٍ،
стр. 424
أو بعلةٍ غيرِ المتأخرة، بخلافِ قياس الدلالة، لجوازِ تأخيرِ الدليلِ عن المدلول.
ومنع غيرُ واحدٍ ظهورَ حكمِ الفرع للمكلَّفينَ قبل ظهورِ حكمِ الأصلِ مطلقًا. وعليه درج صاحبُ "المراقي" بقوله:
منع الدليلين وحكم الفرعِ ... ظهوره قبل يرى ذا منعِ
الركنُ الرابعُ: العلة:
وهي الجامعُ بين الفرع والأصل، وهو الوصفُ المشتملُ على الحكمةِ الباعثةِ على تشريع الحكم.
فتعريفُ المؤلفِ لها بأنَّها مجردُ علامةٍ لا يخلو من نظرٍ، وقد تبِعَ فيه غيرَه، وهو مبنيٌّ على قول المتكلمين: إنَّ الأحكامَ الشرعيةَ لا تُعَلَّلُ بالأغراضِ قائلينَ: إنَّ الفعل من أجل غايةٍ معينةٍ يتكملُ صاحبُه بوجود تلك الغاية، واللَّه جلَّ وعلا منزَّهٌ عن ذلك؛ لأنَّه غنيٌّ لذاته الغنى المطلق.
والتحقيقُ أنَّ اللَّه يشرعُ الأحكامَ من أجل حِكمٍ باهرةٍ ومصالح عظيمةٍ، ولكنَّ المصلحةَ في جميع ذلك راجعةٌ إلى المخلوقينَ الذين هم في غايةِ الفقرِ والحاجةِ إلى مَا يشرعُه لهم خالقهم من الحكمِ والمصالح، وهو جلَّ وعلا غنيٌّ لذاته الغنى المطلق، عن كل ما لا يليقُ بجلاله وكماله.
واعلمْ -أولًا- أنَّ العلةَ قد تكونُ حكمًا شرعيًّا، كما تقدم في قياس الدلالة.
стр. 425
وتكونُ وصفًا عارضًا، كالشدةِ في الخمر.
وتكونُ وصفًا لازمًا، كالأنوثةِ في ولايةِ النكاح.
وقد تكونُ فعلًا للمكلَّف، كالقتلِ والسرقة.
وتكونُ وصفًا مجردًا، كالكيلِ عند مَنْ يعللُ به تحريم الربا في البرِّ.
وقد تكونُ مركبةً من أوصافٍ، كالقتل العمدِ العدوانِ، وكالاقتياتِ والادخارِ وغلبةِ العيشِ، عند مَنْ يعلِّلُ بذلك تحريمَ الربا في البرِّ.
وقد تكونُ نفيًا، نحو: لم ينفذْ تصرفُه لعدم رشدِه.
وتكونُ وصفًا مناسبًا وغيرَ مناسبٍ:
فالمنالسبُ كالإسكار لتحريم الخمر.
والظاهرُ أنَّ المرادَ بغيرِ المناسبِ يشملُ أمرين:
الأول: هو ما لم يتحقق فيه المناسبةُ ولا عدمها، كما تقدَّم في الدوران وقياسِ الشبهِ مِنْ أنَّ الوصفَ المدارَ في الدورانِ والوصف الجامعَ في قياس الشبهِ لا يشترطُ في واحدٍ منهما تحققُ المناسبةِ فيه، بل يكفي في الدواران احتمالُ المناسبةِ، ويكفي في الشبهِ أنْ يشبهَ المناسبَ مِنْ جهةٍ، ولو كان يشبهُ الطرديَّ من جهةٍ أخرى.
وكذلك الوصفُ المومى إليه في مسلك الإيماءِ والتنبيه، فالأكثرونَ من الأصوليين لا يشترطونَ فيه المناسبة.
стр. 426
والثاني: هو ما تخلفت فيه الحكمةُ عن العلةِ في بعضِ الصورِ مع كونِ وجودها هو الغالب.
ومثالُه: المسافرُ سفر ترفُّهٍ كالنائمِ على محملٍ، فإنَّ أكثر أهل العلم على أنَّ له أنْ يترخص بسفره ذلك، فيقصرَ الصلاةَ ويُفطرَ في رمضان، لأنَّ العلةَ التي هي السفرُ موجودةٌ، ووصفُ السفرِ في هذا المثالِ ليس مناسبًا لتشريع الحكم؛ لتخلف الحكمة؛ لأنَّ حكمةَ التخفيفِ بالقصرِ والإفطارِ هي تخفيفُ المشقةِ على المسافر، وهذا المسافرُ المذكورُ لا مشقةَ عليه أصلًا.
ووجهُ بقاءِ الحكمِ هنا مع انتفاءِ حكمته هي أنَّ السفر مظنَّةُ المشقةِ غالبًا، والمعلَّلُ بالمظانّ لا يتخلفُ بتخلفِ حكمته، اعتبارًا بالغالبِ وإلغاءً للنادر.
وممَّا يوضحُ ذلك أنَّ الوصف الطرديَّ المحضَ لا يُعَلَّلُ به قولًا واحدًا.
وربما كانت العلةُ وصفًا غيرَ موجودٍ في محلِّ الحكمِ إلا أنَّه يترقبُ وجوده، كتحريم نكاحِ الأمةِ لعلةِ خوفِ رقِّ الولدِ.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(قال بعضُ أصحابنا: مِنْ شرطِ العلةِ أنْ تكونَ متعدية، فإنْ كانت قاصرةً على محلِّها، كتعليلِ الربا في الأثمانِ بالثمنيَّة، لم يصح، وهو
стр. 427
قولُ الحنفيةِ. . .) الخ.
اعلمْ أنَّ علةَ الحكمِ إذا كانت لا تتعدَّاهُ إلى غيره، أجمع العلماءُ على منع القياس بها، لعدمِ تعديها إلى الفرع.
واختلفوا في صحةِ تعليلِ محلِّها القاصرةِ عليه بها:
فذكر المؤلفُ عن الأصحابِ عدمَ صحته، وعزاهُ للحنفية، واستدلَّ له بثلاثةِ أمور:
الأول: أنَّ علل الشرع أماراتٌ، والقاصرةُ ليست كذلك.
الثاني: أنَّ الأصل عدمُ العمل بالظنِّ، وإنَّما جُوِّزَ لضرورة العملِ بالأدلةِ الظنِّية، والقاصرةُ لا عمل بها.
الثالثُ: أنَّ القاصرةَ لا فائدةَ فيها.
وأجاز التعليلَ بها أكثرُ المالكيةِ والشافعية، وصححه صاحبُ "جمع الجوامع"، واختاره أبو الخطَّاب، وعليه درج في "المراقي" بقوله:
وعلَّلوا بما خلتْ مِنْ تعدية ... ليعلم امتناعه والتقوية
وذكروا لها فوائد، منها:
١ - أنَّها تقوي الحكمَ بإظهارِ حكمته، وذلك أدعى إلى القبولِ والطمأنينة.
٢ - ومنها أنَّها يعلمُ بسببها امتناعُ القياسِ عليه، لكونها قاصرةً على
стр. 428
محلِّها.
ومِنْ أمثلتها: جعلُ شهادةِ خزيمة كشهادة رجلين، لعلَّة سبقه إلى ذلك النوعِ مِنْ تصديقه ﷺ .
ومناقشاتُ الأصوليين في قبولِ العلةِ القاصرةِ وردّها كثيرةٌ جدَّا، والأظهرُ بحسبِ النظرِ جوازُ التعليلِ بها مع منع القياسِ بها قولًا واحدًا.
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
في اطراد العلةِ ، وهو استمرارُ حكمها في جميعِ محالِّها.
حكى أبو حفصٍ البرمكيُّ في كونِ ذلك شرطًا لصحتها وجهين:
أحدهما: أنَّه شرط، فمتى تخلفَ الحكمُ عنها مع وجودها استدللنا على أنَّها ليست العلا إنْ كانت مستنبطةً، أو على أنَّها بعضُ العلةِ إنْ كانت منصوصةً.
وقد نصرَ هذا الوجه القاضي أبو يعلى، وبه قال بعضُ الشافعية.
الوجه الآخر: تبقى حجةً فيما عدا المحل المخصوص، كالعمومِ إذا خصَّ.
واختارَ هذا الوجهَ أبو الخطَّاب، وبه قال مالكٌ والحنفيةُ وبعضُ الشافعية. . .) الخ.
стр. 429
اعلمْ أنَّ هذا المبحثَ الذي هو: هل يشترطُ في العلةِ الاطرادُ؟ أي وجودُ الحكمِ كلما وُجدت العلةُ، هو بعينه مبحثُ النقضِ هل هو قادحٌ في العلةِ أو مخصصٌ لعمومها؟ لأنَّ النقض هو وجودُ العلةِ دون الحكمِ، كما تقدم، فعلى اشتراط اطراد العلَّة فالنقضُ قادحٌ فيها، وعلى عدمه فهو تخصيصٌ لعمومها.
إذا علمتَ ذلك، فاعلمْ أنَّ خلاصة ما ذكره المؤلفُ في هذا المبحثِ أنَّه راجعٌ إلى أربعةِ أضرب:
الأول: ما علم أنَّه مستثنى من قاعدة القياسِ، كإيجاب الديةِ على العاقلةِ، مع أنَّ جنايةَ الشخصِ علةٌ لوجوبِ الضمان عليَه هو دون غيرِه.
وكإيجابِ صاع من تمرٍ في لبنِ المصرَّاة، مع أنَّ علةَ إيجابِ المثلِ في المثلياتِ التماثُلُ بينهما.
وكبيع العرايا مع وجود المزابنةِ فيها، أي الربا، وورودها على علةِ كلِّ معلِّلٍ (١).
فمثلُ هذا لا ينقضُ العلةَ إجماعًا.
الضربُ الثاني: تخلف الحكمِ عن العلةِ من أجل معارضتها بعلةٍ
стр. 430
أخرى. واختيارُ المؤلفِ في هذا أنَّه -أيضًا- ليس نقضًا للعلة.
ومثالُه: تعليلُ رقّ الولدِ برقِّ أمه، فولدُ المغرورِ بحريَّة جاريةٍ فتزوجها يكونُ حرًّا مع وجودِ العلةِ التي هي رقُّ الأم؛ لأنَّها عورضتْ بعلةٍ أخرى وهي الغرورُ الذي صار سببًا لحريَّة الولد.
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فهذا لا يكونُ نقضًا للعلةِ -أيضًا-، ولا يفسدها؛ لأنَّ الحكمَ ههنا كالحاصل تقديرًا).
يعنى أنَّ رِقَ الولدِ كالحاصل، بدليلِ لزومِ القيمةِ فيه.
ولا يخفى أنَّ هذا إنَّما هو على القولِ بلزومِ القيمة، وعلى القول بعدمِ لزومها فالظاهرُ أنَّه من قبيل العلةِ التي منع من تأثيرها مانعٌ، فالغرورُ مانعٌ من تأثيرِ رقُّ الأمِّ في رقِّ الولد.
الضربُ الثالث: أنْ يتخلفَ الحكمُ عنها لعدمِ مصادفتها لمحلِّها، أو لفواتِ شرطها، كالسرقةِ من غيرِ حرزٍ، وسرقةِ أقلَّ من نصابٍ، وكوجودِ الزنا دون الإحصانِ بالنسبةِ إلى الرجم.
ومن هذا القبيلِ وجودُ المانع، كتخلفِ القصاصِ عن القتلِ لمانعِ الأبوة.
الضربُ الرابع: هو ما كان تخلفُ الحكمِ فيه لغيرِ أحدِ هذه
стр. 431
الأضربِ الثلاثة.
وهو الذي قدَّمنا فيه الوجهين عن أبي حفصٍ البرمكيِّ في أولِ هذا المبحث.
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
المستثنى من قاعدةِ القياسِ منقسمٌ إلى ما عُقل معناه، وإلى ما لم يُعقل. . .) الخ.
فالأولُ: يصحُّ أنْ يقاس عليه ما وُجدتْ فيه العلةُ، كاستثناءِ العرايا للحاجة، فلا يبعدُ قياسُ العنبِ على الرطبِ في ذلك إذا تبينَ أنَّه في معناه.
وكإباحة أكل الميتةِ للمضطرِّ صيانةً لحياته، يقاسُ عليه بقيةُ المحرماتِ إذا اضطر إليها.
والثاني: لا يصحُّ فيه القياسُ، كشهادة خزيمة، وقوله ﷺ لأبي بُردة: "اذبحها، ولنْ تجزئَ عن أحدٍ بعدك"، وكتفريقه ﷺ بين بول الجارية وبول الغلامِ. ونحو ذلك.
هذا حاصلُ ما ذكره المؤلفُ، مع أنَّ القياسَ على الأولِ خالف فيه كثيرٌ من العلماء، كما أشار إليه صاحبُ "المراقي" بقوله:
стр. 432
وقِسْ على الخارج للمصالح ... وربَّ شيخٍ لامتناعٍ جانح
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(قال أبو الخطاب: يجوزُ أنْ تكونَ العلةُ نفي صورةٍ أو اسمٍ أو حكمٍ على قولِ أصحابنا. . .) الخ.
مثالُ نفي الصورة: قولهم: ليس بمكيلٍ ولا موزونٍ، فلأنَّ يمتنعُ فيه ربا الفضل.
ومثال نفي الاسم: قولهم: ليس بترابٍ، فلا يجوزُ التيمم به.
ومثال نفي الحكم: قولهم في الخمر: لا يجوزُ بيعه، فلا يجوزُ رهنُه.
وخلاصةُ ما ذكره المؤلفُ في هذا الفصلِ أنَّه يجوزُ تعليلُ الوجوديِّ بالعدميِّ خلافًا لمنْ منع ذلك.
ومثالُه: تركُ الصلاة؛ فإنَّ عدم فعلها علةٌ للقتلِ، والقتلُ وجوديٌّ. وعدمُ مال القريب علةٌ لوجوبِ النفقةِ عليه. وعدمُ المالِ في حقِّ المسكينِ والفقيرِ علةٌ لكونهما من مصارف الزكاة.
قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:
حاصلُ هذا المبحث راجعٌ إلى أربعةِ أقسام:
لأنَّ العلةَ إمَّا وجوديةٌ وإمَّا عدميةٌ، والمعلَّلُ بها إمَّا وجوديٌّ أو
стр. 433
عدميٌّ، فالمجموعُ أربعةٌ من ضربِ اثنتين باثنتين.
ثلاثةٌ منها لا خلاف في التعليلِ بها، وهي: تعليلُ الوجوديِّ بالوجوديِّ، وتعليلُ العدميِّ بالعدميِّ، وتعليلُ العدميِّ بالوجوديِّ.
والرابعةُ هي محلُّ الخلافِ، وهي تعليلُ الوجوديِّ بالعدميِّ، وقد عرفتَ الراجحَ منها آنفًا.
مثالُ تعليلِ العدميِّ بالوجوديِّ: كتعليلِ عدمِ الميراثِ بالكفر.
تنبيه:
اختلف في الصفاتِ الإضافيةِ ، كالأبوةِ والبنوة، هل هي وجوديةٌ أو عدميةٌ؟ وعلى أنَّها عدميةٌ يجري فيها الخلافُ المذكور.
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
يجوزُ تعليلُ الحكم بعلتين) .
اعلمْ أنَّ لهذا المبحثِ صورتين:
إحداهما: أن يعلل الحكمُ الواحدُ بعلتين أو أكثر، بأنْ يثبت الحكمُ بكلِّ واحدة منفردةً عن الأخرى، كالبولِ والغائط والتقبيل بالنسبة إلى نقضِ الوضوء.
стр. 434
وهذا لا اختلاف فيه في العللِ المنصوصة، واختلف في جوازه في العللِ المستنبطة.
وقد أشار إليه في "المراقي" بقوله:
وعلةٌ منصوصةٌ تعدد ... في ذاتِ الاستنباطِ خلفٌ يعهد
الصورة الثانيةُ -وهي التي يعنيها المؤلفُ-: أنْ يكون الحكمُ معللًا بمجموع العلتين لا إحداهما بعينها، كمَنْ لمس وبال في وقتٍ واحدٍ، فعلَّةُ نقضِ وضوئه بمجموعهما، لا أحدهما بعينه.
وكذلك إذا اجتمع لبانُ أختك ولبانُ زوجة أخيك، ووصل المجموعُ دفعةً واحدةَ إلى حلقِ المرأة، فإنَّك تكونُ عمًّا لها وخالًا في وقتٍ واحد، والمجموعُ هو علةُ التحريم؛ لعدمِ تميزِ واحدٍ بعينه. ولا يمكنُ أنْ يقالَ: هما تحريمان؛ لأنَّ التحريمَ حقيقةٌ واحدة.
وهذه الصورةُ اختلف في التعليلِ بها، واختيارُ المؤلفِ جوازُ ذلك.
وشرطُه عنده أنْ تكونَ منصوصةً لا مستنبطةً، بدليلِ قوله (١) في هذا المبحثِ: (وإنْ كانتْ ثابتةً بالاستنباطِ فسدتْ. . .) الخ.
ومنع التعليلَ بهذه الصورةِ الباقلَّاني وإمامُ الحرمينِ وغيرهما.
والظاهرُ بحسب النظرِ هو ما درجَ عليه المؤلفُ؛ لأنَّ العلة لا تعدو
стр. 435
تلك الأوصافَ المجتمعة، ولا تميز لواحدٍ منها بعينه، فيتعينُ اعتبارُ مجموعها. واللَّه أعلم.
ولا يرِدُ على ما ذكره المؤلفُ القدحُ بعدمِ العكس، أي ملازمةُ المعلولِ للعلةِ في الانتفاء، كما لو قلتَ: قد ينتفي البولُ والغائطُ ولا ينتفي نقضُ الوضوء، لوجودِ علةٍ أخرى كالنومِ -مثلًا-، وكقولك: قد ينتفي رضاع الأختِ وزوجةِ الأخِ ولا ينتفي تحريمُ النكاحِ، لوجودِه بعلةٍ أخرى كالمصاهرةِ أو إرضاع مِنْ غير مَنْ ذُكِرَ = لأنَّ عدمَ العكس على القولِ بأنَّه قادحٌ محلُّه في الحكم المعلل بعلةٍ واحدةٍ دون المعللِ بعللٍ فلا يقدحُ فيه قولًا واحدًا.
قال في "المراقي":
وعدمُ العكسِ مع اتحادِ ... يقدحُ دون النصِّ بالتمادِي
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
قال قوم: يجوز إجراءُ القياس في الأسباب) .
خلاصةُ ما ذكره المؤلفُ في هذا الفصلِ أنَّ الأصوليين اختلفوا في إجراء القياس في الأسباب، واختيارُ المؤلفِ جواز ذلك.
وحاصلُ كلامه فيه: أنْ يجعل الشارعُ وصفًا سببًا لحكمٍ، فيقاسُ
стр. 436
عليه وصفٌ آخرُ، فيحكمُ بكونه سببًا أيضًا.
فالنبيُّ ﷺ جعل الغضبَ سببًا لمنع الحكم من القضاء، فيقاسُ على الغضب الجوعُ والحزنُ -مثلًا-، فتُجعل أسبابًا لمنع القضاء أيضًا.
واعلمْ أنَّ أكثر الأصوليين على منع القياسِ في الأسبابِ والشروطِ والموانع، وجعلوا المثالَ الذي ذكرناهُ ونحوَه من تنقيحِ المناطِ وهو مفهومُ الموافقة، والأكثرون على أنَّه ليس قياسًا كما تقدم، خلافًا للشافعيِّ وطائفة.
وعللوا بأنَّ القياسَ في الأسباب يُفضي إلى ما لا ينبغي، فلا يحسنُ قياسُ طلوع الشمسِ على غروبها في كونه سببًا لوجوب الصلاةِ -مثلًا-.
وعللوا منعه في الأسباب -أيضًا- بكونه يخرجها عن أنْ تكونَ أسبابًا؛ لاستلزامِ القياسِ نفي السببيةِ عن خصوصِ الأصل المقيسِ عليه، فيكونُ السببُ أحد الأمرين، لأنَّ ما له سببانِ يحصلُ لكلِّ واحدٍ منهما، فيصيرُ السببُ المقيسُ عليه بالقياسِ غير سببٍ مستقلٍّ، وهكذا في المانعِ والشرط.
стр. 437
قال المؤلف (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ويجري القياسُ في الكفاراتٍ والحدود، وهو قولُ الشافعية، وأنكره الحنفية. . .) الخ.
خلاصةُ ما ذكره المؤلفُ في هذا المبحثِ أنَّ دخول القياس في الكفاراتِ والحدودِ، اختلف فيه، واختارَ هو جوازَه، واستدلَّ له بأنَّه يجري فيه قياسُ التنقيحِ كما تقدَّم في السبب، ولأنَّها أحكامٌ شرعيةٌ عُقِلَتْ عللُها فجاز فيها القياس.
تنبيه:
اعلمْ أنَّ المسائل التي اختلف في جريان القياس فيها سبعٌ، وهي:
١ - الحدود.
٢ - الكفارات.
٣ - التقادير.
٤ - الرخص.
٥ - الأسباب.
٦ - الشروط.
стр. 438
٧ - الموانع.
واختيارُ المؤلفِ جوازه في الرخص، كما تقدم في جوازِ قياس العنب على الرطب في بيع العرايا، ونحو ذلك، ولم يتعرض للباقي، وقد أجازه في الباقي قومٌ، ومنعه آخرون وهم الأكثرُ ومنهم المالكية، كما هو ممنوعٌ عندهم -أيضًا- في الرخص.
ومثالُ القياسِ في الأسبابِ قد تقدم.
ومثاله في الحدود: قياسُ اللائطِ على الزاني في وجوب الحدِّ بجامعِ إيلاج فرجٍ في فرج مشتهى طبعًا محرمًا شرعًا.
وقياس النباش على السارق في القطعِ بجامع أخذ مال الغير من حرز مثله.
ومثالُه في الكفارات: اشتراطُ الإيمانِ في رقبةِ كفارة الظِّهارِ واليمينِ قياسًا على كفارةِ القتلِ خطأً بجامعِ أنَّ الكلَّ كفارةٌ.
ومثاله في التقديرات: جعلُ أقلِّ الصداق ربعَ دينارٍ عند مَنْ اشترطَ ذلك قياسًا على إباحةِ قطع اليدِ في السرقةِ بجامع أنَّ كلًّا منهما فيه استباحةُ عضوٍ.
ومثالُه في الشروط: قياسُ استقصاءِ الأوصافِ في بيع الغائبِ على الرؤيةِ عند من يقولُ بذلك.
ومثالُه في المانع: قياسُ نسيانِ الماء في الرحل على المانع من استعماله حسًّا كالسبعِ واللصِّ في صحةِ الصلاةِ بالتيممِ عند من يقول
стр. 439
بذلك.
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل القوادح
قال بعضُ أهل العلم: يتوجهُ على القياس اثنا عشر سؤالًا. . .) الخ.
اعلمْ أنَّ هذا المبحثَ هو المعروفُ ببحثِ القوادح، وأوصلها بعضهم إلى خمسةٍ وعشرين، وبعضهم إلى ثمانيةٍ وعشرين.
وأصلُ هذا المبحثِ من فنِّ الجدل، وإنَّما يذكره الأصوليون لأنَّه من مكملات الدليل، كالقياس.
واعلمْ أنَّ القوادحَ منها ما يقدحُ في العلة فقط، كالنقض والتركيب، ومنها ما يقدحُ في الدليلِ علةً أو غيرها، كالقولِ بالموجب.
وهذه هي الأسئلةُ التي ذكرها المؤلف:
الأول: الاستفسار: وهو طلبُ تفسيرِ اللفظِ إذا كان فيه إجمالٌ أو غرابة.
ولا يردُ هذا السؤالُ إلَّا على ما فيه إجمالٌ أو غرابة.
стр. 440
ومثالُ الإجمال: ما لو قال الحنبليُّ: يقاسُ الأرزُ على البرِّ في تحريم الربا بجامع الوصفِ القائمِ بالبرِّ الموجودِ في الأرز.
فيقولُ المعترضُ: فسِّر لنا مرادَكَ بالوصف، ليمكننا النظرُ فيه، أصحيحٌ أم لا؟
ومثالُ الغرابة: ما لو قال: مَنْ قَتَلَ بالزَّخيخ قُتِلَ به قياسًا على السيف. فيقالُ: ما الزخيخ؟ (وهو النار).
وعلى المعترضِ في هذا السؤالِ إثباتُ الإجمالِ أو الغرابة، ويكفيه في إثباتِ الإجمالِ بيانُ احتمالينِ في اللفظ.
كما لو قال: يجبُ أخذُ العينِ بالعينِ قياسًا على غيرِه مِنْ سائرِ الانتصافات.
فيقولُ: ما مرادُك بالعين؟
فيُجيبُ: ليسَ في قولي إجمالٌ.
فيثبتُ خصمُه الإجمالَ بأنَّ العينَ تطلقُ على الباصرةِ، والجاريةِ، والنقدِ. وجوابُه بمنعِ تعددِ الاحتمالِ أو بترجيحِ أحدهما.
ومثالُ منع تعددِ الاحتمال: كما لو قيل: يجوزُ لك أنْ تمنعَ الشربَ مِنْ عينِكَ قياسًا على قِرْبتك.
فيقولُ: ما مرادك بالعين؟
فيجيبُ: ليس في كلامي إجمالٌ؛ لأنَّه لا يحتملُ إلَّا معنًى واحدًا.
стр. 441
فيقولُ: أليستِ العينُ مشتركةً بين الباصرةِ والجاريةِ -مثلًا-؟
فيجيبُ: لفظُ الشربِ قرينةٌ تعيِّنُ الجاريةَ دون الباصرة، فلا يحتملُ اللفظُ غيرَ الجارية.
ومثالُ الترجيحِ: أنْ يقول: إذا حال الأسدُ بينك وبين الماءِ، والماءُ قريبٌ منك، جاز لك التيممُ قياسًا على عادمِ الماء.
فيقولُ: الأسدُ يطلقُ على الحيوانِ المفترسِ، وعلى الرجل الشجاعِ، فأيهما تريد؟
فيجيبُ: هو في الحيوانِ أظهرُ عند التجردِ من القرينة، واحتمالُه أرجحُ من غيره، فيجبُ الحملُ عليه دون الاحتمالِ المرجوح.
وهذا السؤالُ ليس بقادع في الحقيقة، وإنَّما هو مطالبةٌ بإظهارِ المرادِ من الدليل، ليمكنَ المعترض الحكمَ عليه بإبطالٍ أو تسليم.
السؤالُ الثاني: فساد الاعتبار: وهو مخالفةُ الدليلِ لنصٍّ أو إجماع.
فمخالفتُه للنصِّ، كقياس لبن المصرَّاةِ على غيره من المثليَّاتِ في وجوب المثل، فإنَّه فاسدُ الاعتبارِ، لمخالفتهِ نصَّ الرسول ﷺ على أنَّ فيه صاعًا من تمرٍ.
وكالقولِ بمنعِ السلفِ في الحيوانِ لعدمِ انضباطه قياسًا على غيره من المختلطات، فيعترضُ بأنَّه مخالفٌ لما ثبتَ عنه ﷺ من أنَّه استسلفَ بكرًا وردَّ رباعيًّا، وقال: "إنَّ خيرَ الناسِ أحسنُهم قضاءً".
стр. 442
ومثالُ مخالفةِ الإجماع: قولُ الحنفي: لا يغسِّلُ الرجلُ زوجته الميتةَ؛ لحرمةِ النظرِ إليها قياَسًا على الأجنبيةِ. فيعترضُ بأنَّ عليًّا غسَّل فاطمةَ ولم ينكرْ عليه أحد من الصحابةِ، فصار إجماعًا سكوتيًّا.
وعرَّفه في "المراقي" بقوله:
والخلفُ للنَّصِّ أو اجماعٍ دعا ... فسادَ الاعتبارِ كلُّ مَنْ وعَى
وجوابُ المستدلِّ عن فسادِ الاعتبارِ مِنْ وجهين:
أحدهما: أنْ يُبِّين أن النصَّ لم يُعارضْ دليلَه.
الثاني: أنْ يُبيِّنَ أنَّ دليله أوْلى بالتقديمِ من نصِّ المعارض.
فمثالُ الأولِ أنْ يقال: شرطُ الصومِ تبييتُ النيةِ في رمضان، فلا تصحُّ نيَّتُه في النهارِ قياسًا على القضاء.
فيقولُ الحنفيُّ: هذا فاسدُ الاعتبار؛ لمخالفتِه لقوله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب/ ٣٥]، فإنَّه يدلُّ على ثبوتِ الأجرِ العظيمِ لكلِّ مَنْ صامَ، وذلك مستلزمٌ للصحة.
فيقولُ المستدلُّ: الآيةُ لا تعارضُ دليلي (١)، ولا تدلُّ على الصحة؛ لأنَّ عمومها مخصصٌ بحديثِ "لا صيامَ لِمَنْ لم يُبيِّت النيةَ من الليل".
ومثالُ الثاني: أنْ يُقال: قياسُ العبدِ على الأمةِ في تشطير حدِّ الزنا بالرِّقِّ فاسدُ الاعتبارِ؛ لمخالفةِ عموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
стр. 443
فَاجْلِدُوا﴾ [النور/ ٢]؛ لأنَّنا نقولُ: هذا القياسُ مقدَّم على ذاك العمومِ ومخصصٌ له، لأنَّه أخصُّ منه في محلِّ النزاع.
فائدة:
اعلمْ أنَّ أول مَنْ قاس قياسًا فاسدَ الاعتبار إبليسُ، حيث عارضَ النصَّ الصريحَ الذي هو السجودُ لآدمَ بأنْ قاسَ نفسه على عنصره، وقاسَ آدمَ على عنصره، فأنتج من ذلك أنَّه خيرٌ من آدم، وأنَّ كونه خيرًا من آدمَ يمنعُ سجودَه له المنصوصَ عليه من اللَّه.
وقياسُ إبليس هذا مردودٌ مِنْ ثلاثةِ أوجه:
الأول: هو ما ذُكِرَ من كونه فاسدَ الاعتبارِ لمخالفةِ النصِّ.
الثاني: منعُ كونِ النارِ خيرًا من الطينِ، بأنَّ النار طبيعتها الخفةُ والطيشُ والإفسادُ والتفريق، وأنَّ الطينَ طبيعتُه الرزانةُ والإصلاحُ، تودعه الحبةَ فيعطيكها سنبلةً، والنواةَ فيعطيكها نخلةً، وإذا نظرتَ إلى ما في البساتينِ الجميلةِ مِنْ أنواع الفواكه والحبوب والزهورِ عرفتَ أنَّ الطينَ خيرٌ من النار.
الثالث: أنَّا لو سلمنا جدليًّا أنَّ النار خيرٌ من الطينِ، فشرفُ الأصلِ لا يستلزمُ شرف الفرعِ، فكمِ من أصلٍ رفيعٍ وفرعُه وضيعٌ.
إذا افتخرتَ بآباءٍ لهم شرف ... قلنا: صدقتَ ولكن بئس ما ولدوا
السؤالُ الثالث: فساد الوضع:
وضابطُه: أنْ يكونَ الدليلُ على غير الهيئة الصالحةِ لأخذِ الحكمِ
стр. 444
منه.
كأنْ يكونَ صالحًا لضدِّ الحكمِ أو نقيضِه، كأخذ التوسيع من التضييق، والتخفيفِ من التغليظ، والنفي من الإثبات، أو الإثباتِ من النفي.
فمثالُ أخذ التوسيعِ من التضييقِ: قولُ الحنفيِّ: الزكاةُ واجبةٌ على وجه الإرفاقِ لدفع حاجة المسكين، فكانت على التراخي، كالديةِ على العاقلة.
فالتراخي الموسعُ ينافي دفع الحاجةِ المضيق.
ومثالُ أخذ التخفيفِ من التغليظِ: قولُ الحنفيِّ: القتلُ العمدُ العدوانُ جنايةٌ عظيمةٌ فلا تجبُ فيه الكفارةُ، كالردَّة.
فعظمُ الجنايةِ يناسبُ تغليظَ الحكمِ، لا تخفيفَه بعدمِ الكفارة.
ومثالُ أخذِ النفي من الإثباتِ: قولُ الشافعيِّ في معاطاةِ المحقرات: لم يوجد فيها سوى الرضا، فلا ينعقدُ بها البيعُ، كغير المحقرات.
فالرضا يناسبُ الانعقادَ لا عدمَه.
ومثالُ أخذ الإثباتِ من النفي: قولُ من يرى صحةَ انعقاد البيع في المحقراتِ وغيرها بالمعاطاةِ، كالمالكيةِ: بيعٌ لم توجد فيه الصيغةُ فينعقدُ.
فإنَّ انتفاء الصيغةِ يناسبُ عدمَ الانعقادِ لا الانعقاد.
واعلمْ أنَّ من صور فساد الوضعِ كون الوصف الجامعِ ثبتَ اعتبارُه
стр. 445
بنصٍّ أو إجماع في نقيضِ الحكمِ أو ضدِّه، أعني الحكم في قياسِ المستدلِّ، كقول الحنفيِّ: الهرُّ سبعٌ ذو نابٍ فيكونُ سؤرُه نجسًا كالكلبِ.
فيقالُ: وصفُ السبعيةِ اعتبره الشارعُ علةً للطهارةِ حيثُ دُعِيَ إلى دارٍ فيها كلبٌ فامتنعَ، وإلى دارٍ فيها سنَّورٌ فلم يمتنعْ، فسئل عن ذلك فقال: الهرُّ سبعٌ.
مثَّل بهذا بعضُ الأصوليين.
والظاهرُ أنَّه على تقدير ثبوتِ الحديثِ، قد يكونُ الامتناعُ عن دارٍ فيها كلبٌ من أجلِ أنَّ الملائكةَ لا تدخلُ بيتًا فيه كلبٌ. واللَّه أعلم.
وعرَّف في "المراقي" فساد الوضعِ بقوله:
من القوادحِ فسادُ الوضعِ أن ... يجي الدليلُ حائدًا عن السنن
كالأخذِ للتوسيعِ والتسهيل ... والنفي والإثباتِ مِنْ عديل
والجواب عن فسادِ الوضعِ بأحدِ أمرين:
الأول: أنْ يَدْفَعَ قول الخصم: إنَّه يقتضي نقيضَ الحكم، كقول الحنفي: قولكم: إن القتل عمدًا يقتضي نقيضَ نفي الكفارةِ الذي هو وجوبها مدفوعٌ؛ فإنَّ جناية القتل لعظمها تستدعي أمرًا أغلظَ من الكفارةِ، وهو القصاصُ، فلا يقتضي عظمها نقيضَ نفي الكفارة.
الثاني: أنْ يبينَ أن ما ذكره يقتضيه دليلُه من جهةٍ أخرى، كقولِ الحنفي في مسألةِ الزكاةِ المتقدمة: إنَّما قلتُ بالتراخي لمناسبته للرفقِ
стр. 446
بالمالك.
فالمستدلُّ نظر إلى الرفقِ بالمالكِ، والمعترضُ نظر إلى حاجة المسكين.
تنبيهان:
١ - اعلمْ أنَّ فساد الاعتبارِ وفسادَ الوضعٍ يقدحُ بهما في كلِّ دليلٍ، قياسًا كان أو غيره.
٢ - اعلمْ أنَّ النسبةَ بينهما اختلف فيها:
فقيل: فسادُ الاعتبارِ أعمُّ مطلقًا، وبه صرَّح الآمدي في "إحكامه"، وهو ظاهرُ قول السبكي في "جمع الجوامع".
والحقُّ في ذلك ما حققه بعضُ المتأخرين من أنَّ النسبةَ بينهما العمومُ والخصوصُ من وجهٍ:
يجتمعانِ فيما هو مخالفٌ للنصِّ مع كونه على غيرِ الهيئة الصالحةِ لأخذِ الحكم.
وينفرد فسادُ الوضعِ بكونِ الدليلِ ليس على الهيئة الصالحةِ لأخذِ الحكمِ منه مع كونِه لم يخالف نصًّا.
وينفردُ فسادُ الاعتبارِ بما خالف النصَّ وكان على الهيئةِ الصالحةِ لأخذِ الحكمِ منه.
السؤال الرابع: المنع:
стр. 447
ومواقعه أربعة:
١ - منعُ حكم الأصل.
٢ - منعُ وجودِ ما يدعيه علةً في الأصل.
٣ - منعُ كونِه علةً.
٤ - منعُ وجوده في الفرع.
ومثالُ منع حكمِ الأصلِ: قولُ الحنبليِّ: جلدُ الميتةِ نجسٌ فلا يطهرُ بالدباغِ كجَلدِ الكلب.
فيقول الحنفي: لا أُسَلِّمُ حكمَ الأصلِ، وهو أنَّ جلدَ الكلبِ لا يطهرُ بالدباغِ، بل هو يطهرُ به عندي.
وأمَّا منعُ وجودِ ما يدَّعيه علةً، ومنعُ كونه علةً: فهما مركبُ الوصفِ ومركبُ الأصلِ، وقد أوضحناهما سابقًا.
وعدُّهما في القوادحِ بناءً على أنَّ المركبَ بنوعيه مردودٌ، وهو المختارُ، كما أشار إليه في "المراقي" بقوله:
وإنْ يكنْ لعلتينِ اختلفا ... تركبُ الأصلِ لدى مَنْ سلفا
مركبُ الوصفِ إذا الخصمُ منع ... وجودَ ذا الوصفِ في الأصلِ المتبع
وردُّه انتقي وقيل: يقبلُ ... وفي التقدمِ خلافٌ ينقلُ
ومحلُّ الشاهدِ منه قوله: "وردُّه انتقي" أي اختير.
ومثالُ منعِ وجوده في الفرعِ: قولُ الجمهورِ بقطعِ يد النبَّاشِ قياسًا
стр. 448
على السارقِ بجامعِ السرقة.
فيقولُ الحنفيُّ: وجودُ العلةِ التي هي السرقةُ ممنوعٌ في الفرعِ؛ لأنَّ النبَّاشَ ليس بسارقٍ، بل هو آخذُ مالٍ عارضٍ للضياعِ، كالملتقطِ.
واعلمْ أنَّه اختلف في توجيه المنعِ على حكمِ الأصلِ هل ينقطعُ به المستدلُّ أو لا؟
واختيارُ المؤلفِ أنَّه لا ينقطعُ به، بل له إقامةُ الدليلِ على الحكم. ووجهُ منعه انتشارُ الكلامِ، والانتقالُ إلى مسالةٍ أخرى؛ لأنَّ ذلك قد يتسلسل.
السؤالُ الخامس: التقسيم:
وهو قادحٌ عند الجمهورِ في الدليلِ، ومنعَ قومٌ القدحَ به.
وضابطُ التقسيمِ: أنَّ يحتملَ لفظٌ موردٌ في الدليلِ معنيينِ أو أكثر، بحيثُ يكونُ مترددًا بين تلك المعاني.
والمعترضُ يمنعُ وجودَ علةِ الحكمِ في واحدٍ من تلك المحتملات، كان يقولَ مشترطُ النيةِ في الوضوءِ: الطهارةُ قربةٌ فتشترطُ فيها النيةُ، كغيرها من القُرب.
فيقولُ الحنفيُّ: الطهارةُ النظافةُ أو الأفعالُ المخصوصة التي هي الوضوءُ شرعًا، والأولُ ممنوعٌ كونُه قربةً، التي هي علةٌ في وجوبِ النية.
ومن أمثلته: أن يستدلَّ على ثبوتِ الملكِ للمشتري في زمن الخيارِ
стр. 449
بوجودِ سببِ الملكِ، وهو البيعُ.
فيقولُ المعترضُ: السببُ مطلقُ البيعِ أو البيعُ الذي لا شرطَ فيه، والأولُ ممنوعٌ، والثاني مسلَّمٌ ولكنَّه مفقودٌ في محلِّ النزاع.
فالجوابُ عن التقسيمِ كالجوابِ عن الاستفسارِ المتقدم، وهو أن يبينَ أنَّ لفظه لا يحتملُ إلَّا ذلك المعنى، أو أنَّه أظهرُ فيه.
وعرَّفه في "المراقي"، وعرَّف جوابه والخلف فيه، بقوله:
ويقدحُ التقسيمُ أنْ يحتملا ... لفظٌ لأمرين ولكنْ حظلا
وجود علةٍ بأمرٍ واحدٍ ... وليس عند بعضِهم بالواردِ
جوابُه بالوضعِ في المرادِ ... أو الظهورِ فيه باستشهاد
قال المؤلفُ (١) -رحمه اللَّه تعالى-:
(ويشترطُ لصحةِ التقسيمِ شرطان):
الأول: أنْ يكونَ ما ذكره المستدلُّ منقسمًا إلى ما يمنعُ وما يُسَلَّم، فلو زاد المعترضُ وصفًا لم يذكره المستدلُّ لم يقبل منه.
الثاني: أنْ يكونَ التقسيمُ حاصرًا لجميع الأقسام، فإنْ لم يحصرها فللمستدلِّ أنْ يبيِّن أنَّ مورده غيرُ ما عيَّنه المعترضُ بالذكرِ.
ووجهُ قبولِ القدحِ بالتقسيمِ: أنَّ اللفظَ إذا احتملَ أمرين أحدهما
стр. 450
باطلٌ فهو محتملٌ للبطلانِ، فلا تنتهضُ به حجة.
ووجهُ ردِّ القدحِ به: أنَّ احتمالَ البطلانِ لا يبطلُ الدليل.
السؤال السادس: المطالبة:
اعلمْ أن حقيقةَ المطالبةِ في الاصطلاحِ هي: منعُ كون الوصفِ علةَ الحكم. وهي بعينها أحدُ أقسام المنعِ الأربعةِ المتقدمة.
وقد قدَّمنا أنَّ هذا النوعَ من المنعِ هو مركبُ الأصلِ في موضعينِ إن ادعى الخصمُ المانعُ علةً أخرى.
ومثالُ المطالبةِ قولُ الحنبليِّ للشافعيِّ: أثبتْ دليلك على أنَّ علةَ الربا في البرِّ الطعمُ.
ولمَّا ذكر القدح في "المراقي" بمنع وجود الوصفِ وبمنعِ كونه علةً في قوله:
مِن القوادحِ كما في النقلِ ... منعُ وجودِ علةٍ في الأصلِ
ومنعُ عليةِ ما يعللُ ... به وقدحُه هو المعولُ
قال في شرحِه: "وهذا الأخيرُ هو المسمى بالمطالبة".
السؤال السابع: النقض:
وقد قدَّمنا حدَّه مرارًا، وقلنا بأنَّه وجودُ الوصفِ المعلل به دون الحكم.
وقسمناه في الكلامِ على اشتراطِ اطرادِ العلةِ إلى أربعةِ أقسامٍ،
стр. 451
وأوضحناها سابقًا.
ونزيدُ هنا ذكر أقوال العلماء فيه، وأوجهَ الجوابِ عن القدحِ به، بناءً على أنَّه قادحٌ.
اعلمْ أنَّ بيع العرايا ونحوه لا يقدحُ به في علةِ الربا بالنقضِ إجماعًا كما تقدم، بل هو تخصيصٌ لحكم العلةِ، كالعموم.
أمَّا غيره، فقال قومٌ: هو قادحٌ مطلقًا.
وقال قومٌ: هو تخصيصٌ لحكمِ العلةِ، لا قدحٌ فيها. وعليه الأكثر.
وروي عن مالكٍ أنَّه تخصيصٌ في المستنبطةِ، وقدحٌ في المنصوصة.
وقال قومٌ بالعكس، وعزاهُ إمامُ الحرمين في البرهانِ للأكثر، وهو أوجه عندي مما قبله؛ لأنَّ النصَّ على صحة العلةِ أقوى من النقضِ بتخلفِ الحكمِ عنها، فلا يبطلُ الأقوى بالأضعف.
واختار ابنُ الحاجبِ في مختصره الأصولي: أنَّ النقضَ قادحٌ في المنصوصةِ الثابتةِ بدلالةٍ قطعيةٍ بخلافِ الثابتةِ بظاهرٍ عامٍّ فهو تخصيصٌ لها، وأنَّه يقدحُ في المستنبطةِ إنْ لم يكنْ تخلفُ الحكمِ عنها لوجودِ مانعٍ أو فقدِ شرطٍ.
وذكر في "المراقي" هذا الخلاف مع تعريف النقضِ بقوله:
منها وجودُ الوصف دون الحكم ... سمَّاه بالنقض وعاةُ العلمِ
стр. 452
والأكثرون عندهم لا يقدح ... بل هو تخصيص وذا مصحح
وقد روي عن مالك تخصيص ... إنْ يك الاستنباط لا التنصيص
وعكسُ هذا قد رآه البعضُ ... ومنتقى ذي الاختصارِ النقضُ
إنْ لمْ تكن منصوصةً بظاهرِ ... وليس فيما استنبطت بضائرِ
إنْ جا لفقد الشرط أو لما منع ... والوفقُ في مثل العرايا قد وقع
تنبيه:
والجوابُ عن النقضِ بناءً على أنَّه قادحٌ مِنْ أوجهٍ خمسة:
الأول: منعُ وجودِ الوصفِ -أي العلةِ- في صورةِ النقض، فيصيرُ تخلفُ الحكمِ لعدمِ وجودِ علته، فلا نقضَ إذن.
ومثالُه: أنْ يُقال فيما لو رمى الوالدُ ولده بحديدةٍ -مثلًا- فقتله: قتلُ عمدٍ عدوانٍ، وهذه علةُ القصاصِ في هذه الصورة، وقد تخلفَ الحكمُ عنها مع وجودها، فهذا نقضٌ للعلة.
فيقول المالكيُّ -مثلًا-: العلةُ غيرُ موجودةٍ في هذه الصورة، فعدمُ القصاص فيها لعدمِ وجود العلة، ففيها دليلٌ على صحةِ انعكاس العلةِ الذي هو عدمُ الحكمِ عند عدمها، بل رميُ الوالدِ لولدهِ بحديدةٍ أو نحوها أنْ يقصدَ به التأديبَ ولا يقصدُ به القتلَ، فلم يتحققْ وجودُ القتلِ العمد العدوانِ في هذه الصورة.
وقد قدَّمنا مرارًا أنَّ المثال يصحُّ على شطرِ خلافٍ، وأنَّه يكفي فيه الفرضُ والاحتمالُ، لأنَّ المرادَ منه فهمُ القاعدة.
стр. 453
الثاني من أجوبةِ النقض: منعُ تخلفِ الحكمِ عن العلةِ بأنْ يقول: الحكمُ موجودٌ لوجود علته.
ومثالُه: ما لو ذبح الوالدُ ولده أو شقَّ بطنه، أو قطع رأسه، أو نحو ذلك مما لا يحتملُ التأديبَ بحالٍ، وإنَّما هو صريحٌ في قصدِ قتله عمدًا عدوانًا، فإنَّ المالكيةَ يقولون بوجوب القصاصِ من الأبِ في هذه الصورة.
فلو قال غيرهم في الصورةِ المذكورةِ: قتلُ عمدٍ عدوانٍ، وهذه هي علةُ القصاصِ، وقد تخلف عنها الحكمُ الذي هو القصاصُ، وذلك نقضٌ للعلة.
فإنَّهم يجيبون -أي المالكيةُ- عن هذا النقضِ بمنع تخلف الحكمِ، بل يقولون: الحكمُ غيرُ متخلفٍ -هنا-، والقصاصُ واجبٌ من الأَبِ في هذه الصورة، وقولكم: الوالدُ سببٌ في وجود الولدِ فلا يصحُّ أنْ يكون الولدُ سببًا في إعدامه، منتقضٌ بما لو زنى الأبُ بابنته، فإنَّه يرجمُ اتفاقًا، فقد كان سببًا في وجودها، وكانت سببًا في إعدامه، وجنايةُ الزنا ليست أعظمَ مِنْ جنايةِ القتل.
وشرطُ صحة الجواب بهذا أنْ لا يكونَ انتفاء الحكم في صورةِ النقضِ مذهب المستدلِّ، فالذي يرى عدم القصاصِ من الأبِ في الصورةِ المذكورةِ لا يمكنه أنْ يجيبَ عن النقضِ المذكور بوجودِ الحكمِ الذي هو القصاصُ؛ لأنَّه يرى عدمَ وجوبه.
الثالث مِنْ أجوبةِ النقض: بيانُ وجود مانعٍ مِن تأثيرِ العلةِ في
стр. 454
الحكم، أو فقدِ شرطِ تأثيرها فيه عند مَنْ يرى ذلك مانعًا من النقض.
ومثالُ بيان مانعٍ من تأثيرها: أنْ يُقال في قتل الوالدِ ولده: قتلُ عمدٍ عدوانٍ، وهذه علةُ القصاصِ، والحكمُ الذي هو القصاصُ متخلفٌ هنا عن علته، إذْ لا قصاصَ من الوالدِ لولده، فالعلةُ منتقضةٌ لوجودها بدونِ حكمها.
فيُجابُ عن هذا بأنَّ القتل العمدَ العدوانَ علةٌ للقصاصِ، ولكنَّ هذه العلةَ منع من تأثيرها في الحكمِ في هذه الصورةِ مانعٌ هو الأبوة.
ومن أمثلته: المغرورُ بحرِّية الأمةِ، فتزوجها يظنُّها حرةً، لغرورِ سيِّدها له بدعواهُ أنَّها حرةٌ، على قول منْ يقولُ إنَّ ولدَه منها حرٌّ، ولا يلزمه دفعُ قيمتِه لسيِّدها الذي غرَّه.
فيُقالُ: رقُّ الأمِّ علةٌ لرقِّ ولدها؛ لأنَّ كلَّ ذاتِ رحمٍ فولدُها بمنزلتها، وقد وجدتْ في هذه الصورةِ علةُ رقِّ الولدِ التي هي رقُّ أمِّه مع تخلف الحكمِ لأنَّ ولد المغرورِ حرٌّ، فهذا نقضٌ للعلة.
فيُجابُ عن هذا بأنَّ رقَّ الأمِّ علةٌ لرقِّ الولد، ولكن هذه منع من تأثيرها في حكمها في هذه الصورةِ مانعٌ هو الغرور.
ومثالُ فقدِ شرط تأثير العلةِ في حكمها: ما لو سَرَقَ أقلَّ من نصابٍ، أو سرقَ نصابًا من غير حرز مثله، فيقالُ: هذا قد وجدتْ منه السرقةُ، وهي علةُ القطع، وقد تخلف عنها حكمُها الذي هو القطعُ، وهذا نقضٌ لها.
فيجابُ بأنَّ السرقةَ هي علةُ القطع، ولكنْ شرطُ تأثير هذه العلةِ في
стр. 455
حكمها مفقودٌ هنا؛ لأنَّه يشترطُ في تأثيرها في حكمها أنْ يكونَ المسروقُ نصابًا، وأنْ يكونَ السارقُ أخرجه مِنْ حرز مثله.
الرابع من أجوبةِ النقض: كونُ الصورةِ الواردِ فيها النقضُ مستثناةً بالنصِّ من القاعدةِ الكلية، بأنْ يقول في بيع العرايا: بيعُ رطبٍ بتمرٍ، وعلةُ التحريمِ التي هي المزابنةُ موجودةٌ فيه، وقد تخلف حكمُها عنها وهو منعُ البيعِ، فهو نقضٌ للعلة.
فيُجابُ عن هذا بأنَّ هذه الصورةَ أخرجها دليلٌ خاصٌّ مع بقاءِ علتها معتبرةً في تحريم الرطبِ بالتمرِ في ما سواها.
وقد يقولُ المستدلُّ للمعترضِ بالنقضِ في هذه الصورةِ المذكورةِ: هذا واردٌ عليك وعليَّ، فليس بطلانُ مذهبي به أولى مِنْ بطلانِ مذهبك.
ومثلُ هذا لا خلافَ بين العلماء في أنَّه تخصيصٌ لحكمِ العلةِ لا نقضٌ لها، فهو تخصيصُ العامِّ بقصره على بعضِ الأفرادِ بدليل خاصٍّ.
الخامس من أجوبةِ النقض: هو أنْ تكونَ المصلحةُ المشتملةُ عليها العلةُ معارضةً بمفسدةٍ أرجح منها، أو مساوية لها، كأن يقال في أكل المضطرِّ الميتةَ: قذارةُ الميتةِ علةٌ لحرمةِ أكلها، والعلةُ التي هي قذارتها موجودةٌ في هذه الصورة، مع أنَّ الحكمَ الذي هو منع الأكل متخلفٌ عنها.
فيُجابُ عن هذا بأنَّ مصلحةَ تجنبِ المستقذراتِ معارضةٌ في هذه الصورةِ بمفسدةٍ أرجح منها هي هلاكُ المضطر إنْ لم يأكل الميتةَ،
стр. 456
فالقذارةُ علةٌ لمنعِ الأكل، ولكنَّها عورضتْ بما هو أقوى منها.
تنبيهات:
التنبيه الأول: قولُ المؤلفِ (١) ﵀ في هذا المبحث: (وأمَّا الكسر: وهو إبداء الحكمةِ بدون الحكمِ، فغيرُ لازمٍ. . .) الخ.
فيه نظرٌ من جهتين:
الأولى: أنَّه عرَّف الكسر بأنَّه إبداء الحكمةِ بدونِ الحكم. والكسرُ يشملُ أعمَّ ممَّا ذكره.
الثانية: أنَّه قال: لا يلزمُ به قدحٌ. وبه قال بعضُ الأصوليين، واختاره ابنُ الحاجبِ في بعضِ المواضعِ من مختصره. مع أنَّ جماعةً من أهل الأصولِ صححوا أنَّه قادحٌ.
قال ابنُ الحاجب في مختصره الأصولي في عدِّه للقوادحِ: "الرابع عشر: الكسر وهو نقضُ المعنى، والكلامُ فيه كالنقضِ".
وقال صاحبُ "جمع الجوامع" في مبحث القوادحِ: "ومنها: الكسرُ، قادحٌ على الصحيحِ؛ لأنَّه نقضُ المعنى، وهو إسقاطُ وصفٍ من العلةِ. . . " الخ.
فالظاهرُ أنَّ الكسر كالنقض، فعلى أنَّ النقضَ قادحٌ فالكسرُ كذلك، والجوابُ عنه كالجوابِ عنه.
стр. 457
وقال صاحبُ "الضياء اللامع في شرح جمع الجوامعِ": "واتفق أهل العلم على صحته وإفساد العلةِ به". انتهى محلُّ الغرضِ منه.
واعلمْ أنَّ مِنْ أنواع الكسر ما ذكره المؤلفُ، وهو إبداء الحكمةِ بدون الحكمِ، وجزمَ بأنَّه غيرُ قادحٍ، واختاره ابن الحاجبِ في بعضِ المواضع من مختصره، ومثَّل له بقول الحنفي في المسافرِ العاصي بسفره: مسافرٌ، فيترخصُ في سفره، كغير العاصي.
فإذا قيلَ له: ولم قلتَ: إنَّ السفرَ علةٌ للترخُّص؟ قال: بالمناسبة؛ لما فيه من المشقةِ المقتضيةِ للترخص؛ لأنَّه تخفيفٌ، وهو نفعٌ للمترخص.
فيعترضُ عليه بصنعةٍ شاقةٍ في الحضر، كحمل الأثقالِ وضربِ المعاولِ وما يوجبُ قربَ النار في ظهيرةِ القيظِ في القُطْرِ الحارِّ، فهنا قد وجدت الحكمةُ وهي المشقة، ولم يوجد الحكمُ الذي هو قصرُ الصلاة وإباحةُ الفطر -مثلًا-.
والجوابُ عن هذا: أنَّ الشرعَ إنَّما اعتبرَ مشقةَ السفر، فالعلةُ في الترخيصِ السفرُ، وحكمتها رفعُ المشقة.
فأصلُ العلةِ لم يوجدْ في الصنعةِ الشاقةِ في الحضر، فلم يقعْ كسرٌ في العلة، وسفرُ العاصي بسفره علةٌ للترخص، والمانعُ من تأثيرها هنا عند من يقولُ به أنَّ الترخيصَ تخفيفٌ، والتخفيفُ على العاصي إعانةٌ له على معصيته، واللَّه يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة/ ٢].
стр. 458
ومن أنواعِ الكسرِ: تخلفُ الحكمةِ (١) مع وجودِ الحكم. اختلف فيه: هل ينتفي فيه الحكمُ لانتفاء حكمته، أو لا ينتفي بناءً على أنَّ المعللَ بالمظانِّ لن يتخلفَ فيه الحكمُ بتخلفِ الحكمةِ نظرًا إلى إناطةِ الحكمِ بالمظنة؟
وإلى هذا الخلافِ أشار في "مراقي السعودِ" بقوله:
وفي ثبوتِ الحكمِ عند الانتفا ... للظنِّ والنفي خلافٌ عرفا
وقال في شرحِه لمراقي السعودِ المسمى بنشر البنود: "لكنَّ الفروعَ المبنيةَ على هذه القاعدةِ، منها ما رجح فيه ثبوتُ الحكمِ، كاستبراء الصغيرةِ، فإنَّ حكمةَ الاستبراء تحقُّقُ براءةَ الرحمِ، وهي متحققةٌ بدون الاستبراء. وكمن مسكنه على البحرِ ونزل منه في سفينةٍ قطعتْ به مسافةَ القصرِ في لحظةٍ، فإنَّه يجوزُ له القصرُ في سفره هذا.
ومنها ما يرجحُ فيه انتفاء الحكمِ لانتفاء حكمته قطعًا، إلغاءً للمظنةِ مِنْ أصلها، أو بدليلٍ مخصوصٍ اقتضى إلغاء المظنَّةِ فيها.
وعلى هذا يتخرجُ كثيرٌ من المسائلِ، كشرعِ الاستنجاءِ من حصاةٍ لا بلل معها، والغسلِ من وضع الولدِ جافًّا، وعدمِ نقضِ الوضوء إذا لم توجد اللذَّةُ في اللمس بباطنِ الكفِّ أو الأصابع، والنقضِ بالقُبلةِ على الفمِ إذا لم توجد اللذةُ" اهـ. منه.
стр. 459
ومن المسائلِ التي تتخرجُ على القاعدةِ المذكورة: ما لو قال لامرأتِه: "أنتِ طالقٌ" مع آخر جزءٍ مِنْ الحيض. فهذا طلاقٌ صادف الحيضَ، وهو علةٌ لتحريم الطلاقِ، ولكن يستعقبُ العدةَ، فلا تطويلَ فيه. فالحكمةُ الموجبةُ للمنع التي هي التطويلُ منتفيةٌ هنا، فمنهم مَنْ نظر إلى المعنى وقال: هو سُنِّيٌّ، ومنهم مَنْ نظرَ إلى مظنَّةِ التطويلِ وهو الحيضُ، فقال: هو بدعيٌّ.
وكذلك لو قال لها: "أنتِ طالقٌ" مع آخر جزءٍ من الطهر.
فعلى أنَّ هذه المسائل المذكورةَ وأمثالها الكثيرةَ ينتفي فيها الحكمُ لانتفاء حكمتِه، فتخلفُ الحكمةِ عن الحكمِ كسرٌ قادحٌ في العلةِ، ولذا انتفى حكمُها بانتفاء الحكمة.
وعلى أنَّ الحكمَ فيها باقٍ مع انتفاء حكمته، فعلى قول من يقولُ: إنَّ هذا النوعَ من الكسرِ غيرُ قادحٍ، فلا إشكال.
وعلى قول من يقولُ: إنَّه قادحٌ، فالجوابُ عنده أنَّ هذه المسائلَ عُلِّقَ الحكمُ فيها بمظنَّةِ وجودِ الحكمةِ، والمعروفُ أنَّ المعلَّل بالمظانِّ لا يتخلفُ الحكمُ فيه بتخلفِ الحكمة؛ لأنَّ الحكمَ فيها منوطٌ بالمظنَّة. وأشار بعضُ أهل العلمِ إلى هذا بقوله:
إنْ عُللَ الحكمُ بعلةٍ غلبْ ... وجودُها اكتفى بذا عن الطلب
لها بكلِّ صورةٍ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . .
وعليه، فالمانعُ من القدحِ بهذا النوع من الكسرِ إناطةُ الحكمِ بمظنَّةِ الحكمةِ لا بنفسِ الحكمة، وذلك لأنَّ نفس الحكمةِ ربما لا
стр. 460
يمكنُ انضباطها، فلو علقنا حكم قصر الصلاةِ وإباحةِ الفطر في رمضان -مثلًا- بحصولِ المشقةِ لم تنضبطْ هذه الحكمة؛ لاختلافها باختلافِ الأشخاصِ والأحوال، فأنيطَ بسفر أربعةِ بردٍ -مثلًا- لأنَّه مظنَّةُ المشقة. ومِنْ هنا لم يُنْظَرْ إلَّا للمظنَّةِ عند مَنْ يقولُ بذلك.
ومن أنواع الكسرِ: إبطالُ المعترضِ جزءًا من المعنى المعلَّلِ به، ونقضُه ما بقيَ من أجزاء ذلك المعنى المعلَّل به.
فعلمَ أنَّه إنَّما يكونُ في العلةِ المركبةِ من وصفينِ فأكثر.
والقدحُ به مقيَّدٌ بأنْ يعجزَ المستدلُّ عن الإتيانِ ببدلٍ من الوصفِ الذي أبطله المعترض، فإنْ ذكر بدلًا يصلحُ أنْ يكونَ علةً للحكمِ ألغي الكسرَ واستقامَ الدليل.
وإبطالُ الجزء بأنْ يبينَ المعترضُ أنَّه ملغيٌّ بوجود الحكمِ عند انتفائه.
والمرادُ بنقضِ الباقي عدمُ تأثيرِه في الحكمِ، وله صورتان:
الصورةُ الأولى: أنْ يأتيَ المستدلُّ ببدل الوصفِ المسقطِ عن الاعتبار، كما يقالُ في وجوب أداء صلاةِ الخوفِ: هي صلاةٌ يجبُ قضاؤها لو لم تفعل، فيجبُ أداؤَها، قياسًا على صلاة الأمنِ، فإنَّها كما يجبُ قضاؤها لو لم تفعل يجبُ أداؤها.
فوجوبُ القضاء هو العلةُ، ووجوبُ الأداء هو الحكمُ المعلَّلُ بتلك العلة.