محل النطق، وهو ينقسم إلى قسمين وهما: مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة. وعَرَّف المؤلف مفهوم الموافقة بقوله: "إعطاء ما للّفظة المسكوتا" إلخ. وعَرَّف مفهوم المخالفة بقوله: "وغير ما مر هو المخالفة".
وقوله: "الموافقة" مبتدأ خبره "معلوم". وقوله: "منه" يتعلَّق بـ "معلوم" وضميره للمفهوم، وجملة فعل الأمر الذي هو "قل" اعتراضية.
١٤٤ - يُسْمَى بتنبيه الخطاب وَوَرَدْ ... فحوى الخطابِ اسمًا له في المعتمد
يعني أن مفهوم الموافقة يُسمى: تنبيه الخطاب، وفحوى الخطاب، ويقال له أيضًا: مفهوم الخطاب، ومقابل المعتمد عنده مذهب الحنفية فإنهم يسمونه دلالة النص.
١٤٥ - إعطاءُ ما للّفظة المَسْكُوتا ... من باب أولى نفيًا أو ثُبوتا
يعني أن مفهوم الموافقة هو إعطاء ما ثبت للفظ من الحكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى والأحرى، سواء كان الحكم المنطوق به منفيًّا أو منهيًّا عنه أو موجبًا، فالمنفي نحو: ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء/ ٤٠] يدلُّ بالأحرى أنه لا يظلم مثال جبل. والمنهي نحو: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء/ ٢٣] فإنه يدلُّ بالأحرى على النهي عن الضَّرْب، وهَذَانِ القسمان يشملهما قول المؤلف: "نفيًا" لأن المنهي عنه مطلوب نفيه.
وقولنا: أو موجبًا، نعني به المثبت، فالإيجاب اصطلاحًا هو الإثبات كما أن السلب اصطلاحًا هو النفي، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران/ ٧٥] فإن ثبوت الأمانة في القنطار يدل بالأحرى على ثبوتها في الدرهم. وعلى هذا التعريف الذي
стр. 107
عَرَّف به المؤلف مفهومَ الموافقة فالمساوي لا يدخل في اسْمِه وإن كان مثله في الاحتجاج.
وقول المؤلف: "إعطاء" خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو، أي مفهوم الموافقة، والمصدر الذي هو المبتدأ يعمل عمل فعله وفعلُه يطلب مفعولين، فأضيف المصدر إلى مفعوله الأول وهو "ما" ومفعوله الثاني: المسكوت عنه. وقوله: "المسكوت" يعني المسكوت عنه. وقوله: "من باب أولى" يتعلَّق بقوله: "إعطاء". وقوله: "نفيًا أو ثبوتًا" مصدران منكَّران حالان من "ما" أي إعطاء ما للفظ في حال كونه منفيًّا أو ثابتًا للمسكوت عنه، وإلى مثل هذا الإشارة بقول صاحب "الخلاصة":
ومصدر مُنكَّرٌ حالًا يقعْ ... بكثرة كبغتةٍ زيدٌ طلعْ
١٤٦ - وقِيل ذَا فَحوى الخِطَاب والذي ... سَاوَى بِلَحْنِهِ دعاه المُحْتَذي
يعني أن بعضهم جعل مفهوم الموافقة قسْمَين:
أحدهما: فحوى الخطاب، وهو ما كان المسكوت عنه فيه أولى بالحكم من المنطوق به.
والثاني: لحن الخطاب، وهو ما كان المسكوت عنه فيه مساويًا للمنطوق في الحكم، وهذا هو الحق. وكلُّ واحدٍ من القسمين يكون قطعيًّا وظنّيًّا، فتكون أقسام مفهوم الموافقة أربعة من ضرب اثنين في اثنين:
الأول: مفهوم موافقة أَحْروي قطعي، كفهم المجازاة على مثقال الجبل من المجازاة على مثقال الذرة المنصوص في قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة/ ٧] الآية. وكفهم الاكتفاء بأربعة عدول من
стр. 108
الاكتفاء باثنين المنصوص في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق/ ٢].
الثاني: مفهوم موافقة أحْروي ظَنِّي، كفهم النهي عن التضحية بالعمياء من نهيه ﷺ عن التضحية بالعوراء (١). ولم يكن هذا قطعيًّا، لأنَّ العوراء تُوْكَل في المرعى إلى (٢) نفسها وهي ناقصة البصر فلا ترى كل المرعى، ونقصان بصرها مظنة لنقصان أكلها وذلك مظنة لهزالها، والعمياء يُقَدَّم لها الأكل فيختار لها مثلُ ما تختاره البصيرة لنفسها، فلم يكن عماها مظنة لهزالها كالعوراء، إلا أن هذا الاحتمال بعيد ولكن مَنَعَ القطعَ مع بُعْدِه.
الثالث: مفهوم موافقةٍ مساوٍ قطعي، كفهم حُرمة إحراق مال اليتيم وإغراقه من النهي عن أكله المنصوص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء/ ١٠] الآية. وكفهم النهي عن البول في إناءٍ وصَبِّه في الماء الراكد من نهيه ﷺ عن البول فيه (٣).
الرابع: مفهوم موافقة مساوٍ ظنيّ، كفهم سراية العتق في الأَمَة المُعْتَق بعضها من قوله ﷺ : "من أعتق شِرْكًا له في عبد. . . " (٤)
стр. 109
الحديث، ولم يكن هذا قطعيًا لاحتمال أن الشارع له في عِتْق الذكر غرض لم يكن في عتق الأنثى، ككونه يقف في صف القتال، ويولَّى القضاء والإمامة وغير ذلك من الولايات، إلا أن هذا الاحتمال بعيد؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يُناط بهما حُكْم وإن كانا غير طرديين في بعض الأحكام غير العتق كالميراث والشهادة.
ولحنُ الخطاب مفهومُه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد/ ٣٠]، وفحوى الخطاب ما يُفهم من (١) اللفظ أيضًا.
١٤٧ - دَلالة الوِفاقِ للقياسِ ... وهو الجلي تُعْزى لدى أُناسِ
يعني أن جماعةً من الأصوليين منهم الإمام الشافعي جعلوا دلالة مفهوم الموافقة غير لفظية، بل هي عندهم قياس جلي، فالضرب -مثلًا- للوالدين ممنوع بالقياس على التأفيف قياسًا جليًّا. وقس على ذلك (٢).
وقول المؤلف: "دلالة" مبتدأ خبره جملة "تُعْزَى". وقوله: "وهو الجلي" جملة اعتراضية، والمراد بـ "الوفاق" مفهوم الموافقة.
١٤٨ - وقيل لِلّفظِ مع المَجازِ ... وعَزْوُها للنقل ذو جوازِ
يعني أنه قيل: إن دلالة مفهوم الموافقة أي مدلوله تُعْزَى للّفظ والمجاز، فيقال فيها: لفظية مجازية، وعلى هذا فهي مجاز مرسل أطلق فيه الأخصر وأريد الأعم، فعلى هذا فالمراد بالنهي عن التأفيف النهي
стр. 110
عن جميع الأذى، فالتأفيف خاص أُرِيْد به عام وهو جميع الأذى، وقِسْ على ذلك.
وقوله: "وعَزْوُها للنقل ذو جواز" يعني أن عزوَ مدلول مفهوم الموافقة للنقل جائز، ومراده بالنقل أن العرفَ اللغويَّ نقل اللفظ من وضعه بثبوت الحكم للخاص إلى وضعه لثبوته للعام، كما نُقِل اسم الغائط عن المكان المنخفض إلى الخارج من الإنسان، وعلى هذا فلفظ التأفيف نقله العرفُ اللغوي إلى النهي عن كل أذى.
١٤٩ - وغيرُ ما مرَّ هو المخالفه ... ثُمَّتَ تنبيهُ الخطابِ خَالفَه
١٥٠ - كذا دليلٌ للخطاب انضافا ... . . . . . . . . . . . . .
يعني أن غير ما مر هو مفهوم المخالفة، وما مَرَّ هو مفهوم الموافقة فغيره هو مفهوم المخالفة، ومعنى مفهوم المخالفة: أن المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق به، ويُسمى مفهوم المخالفة: تنبيه الخطاب ودليل الخطاب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . ... ودَعْ إذا الساكتُ عنه خافا
١٥١ - أو جَهِلَ الحُكمَ أو النطقُ انجَلَبْ ... للسُّؤْلِ أو جَرْيٍ على الذي غَلَبْ
١٥٢ - أو امتنانٍ أو وفاقِ الواقِعِ ... والجهلِ والتأكيدِ عند السَّامعِ
يعني أن لمفهوم المخالفة موانع تمنع اعتباره:
الأول: الخوف كما لو قال قريبُ عهدٍ بالإسلام لعبده بحضور المسلمين: تصدَّق بهذا على المسلمين، فلا مفهوم لقوله: "على المسلمين" لأنه سكت عن غير المسلمين خوفًا من تهمة النفاق، وهذا
стр. 111
هو معنى قول المؤلف: "ودَعْ إذا السَّاكت" إلخ.
الثاني: جهل المتكلم لحكم المسكوت عنه كما لو قال مفتٍ يجهل حكم زكاة المعلوفة: في السّائمة زكاة، فلا مفهوم له؛ لأنه إنما سكت عن المعلوفة لجهله حكمها، وهذا معنى قوله: "أو جَهِلَ الحكمَ"، وهو فعلٌ ماض.
الثالث: كونه جوابًا لسؤال كما لو سئل أحد عن السائمة فقال: فيها زكاة، فلا مفهوم له، لأن تخصيص السائمة بالذكر إنما هو لأجل مطابقة السؤال، وهو معنى قوله: "أو النُّطِق انجلْب للسؤل".
الرابع: كونه جاريًا مجرى الغالب، كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٣] فلا يدل على أنها إن لم تكن في الحجر لا تحرم، لأنه خَرَجَ مخرجَ الغالب، لأن الغالب في الربيبة أن تكون في حجر زوج أمها، وعلى هذا جمهور العلماء، وهو معنى قوله: "أو جَرْيٍ على الذي غلب" بخفض "جَرْيٍ" عَطْفًا على "السؤْل" أي: والنطق انجلب لسؤالٍ أو جريٍ على الغالب.
الخامس: الامتنان، كقوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل/ ١٤] فلا يدل على منع القديد، لأن تخصيص الطَّريّ بالذكر لأنه أنسب إلى الامتنان، وهذا معنى قوله: "أو امتنانِ" بالجر أيضًا عطف على قوله: "للسُّؤْلِ".
السادس: موافقة الواقع، كقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران/ ٢٨] لأنه نزل في قوم والَوا اليهودَ دون
стр. 112
المؤمنين، فنزلت الآية ناهية عن نفس الصورة الواقعة من غير قصد التخصيص بها، بل موالاة الكفار حرام مطلقًا، وهذا هو معنى قوله: "أو وفاق الواقع".
السابع: جهل السامع للمنطوق دون المفهوم، كما لو قلت لإنسانٍ يعلم أن جمعَ الأختين بنكاح حرام، ويجهلُ حرمةَ جمعهما في الوطء بملك اليمين: جَمْعُ الأختين بملك اليمين حرام، فلا يُفْهم منه أن جمعهما بالنكاح غير حرام؛ لأن التخصيص بالذكر لجهل السامع حكم المنطوق دون المفهوم، وهذا معنى قوله: "والجهل" ويتعلق بقوله: "والجهل" قوله: "عند السامع" ولا تكرار بين هذا وبين قوله: "أو جهِلَ الحكم" لأن الجهل في الأول جهل المتكلم وفي الثاني جهل السامع.
الثامن: التأكيد للسامع كقوله ﷺ : "لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت. . . " (١) الحديث؛ لأن قوله ﷺ : "تؤمن باللَّه واليوم الآخر" لتأكيد النهي والتغليظ فيه، فلا يُفْهم منه أن المرأة التي لا تؤمن باللَّه يحل لها ذلك، وقول المؤلف "عند السامع" راجع للجهل والتأكيد معًا كما تقدم.
١٥٣ - ومقتضى التخصيص ليس يَحظُلُ ... قَيْسًا وما عُرِضَ ليس يَشمُلُ
مراده بـ "مقتضي التخصيص" الأمور الثمانية التي ذكرنا أنها تمنع اعتبار مفهوم المخالفة، فالخوف -مثلًا- اقتضى تخصيص المسلمين دون
стр. 113
غيرهم، والجهل اقتضى تخصيص المتكلم ما يعلمه دون ما يجهله، والسؤال اقتضى تخصيص المسؤول عنه لمطابقة الجواب له، وقس على ذلك.
فإذا عرفتَ ذلك فمعنى البيت: أن مقتضى التخصيص وإن مَنَع اعتبارَ مفهوم المخالفة فإنه لا يمنع المسكوت عنه على المنطوق إذا كان بينهما جامع، أي علة يصح بها القياس، فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر/ ١٢] مثلًا لما كان الطرِيّ أنسب للامتنان، واقتضى ذلك تخصيصه بالذكر، فلا يمنع من قياس القدِيد على الطري لعدم الفارق المؤثِّر بينهما. وهذا المثال مبنيٌّ على القول بأن الإلحاق بنَفْي الفارق قياس، ويسمى: القياس في معنى الأصل.
وقوله -مثلًا-: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران/ ٢٨] الآية كونها نزلت في واقعةٍ اقتضى تخصيصها بتلك الواقعة، فمنع اعتبار مفهوم المخالفة، ولكن لا يمنع قياس المسكوت عنه وهو موالاة الكفار والمؤمنين معًا على المنطوق وهو موالاة الكافرين من دون المؤمنين؛ لأن العلة في مَنْع الموالاة الكفر وهي موجودة في الفرع كوجودها في الأصل، وقس على ذلك.
وقول المؤلف: "وما عُرِض" بالبناء للمفعول، ومراده به لفظ المنطوق، فعبَّر عن اللفظ بما عُرِض؛ لأنه معروض أي موصوف بالعوارض العارضة له، كالتقييد بصفة أو نحوها، ومعناه: أن لفظ المنطوق لا يشمل المسكوت عنه حتى يستغني بشموله له عن القياس، وهذا هو الحق. والقولُ بأنه يشمله بعيد، إذ لا يخفى أن الغنم السائمة لا تشمل
стр. 114
المعلوفة، والطري لا يشمل القديدَ، واتخاذ الكفار من دون المؤمنين لا يشمل اتخاذهم مع المؤمنين وهكذا.
١٥٤ - وهْوَ ظرفٌ عِلَّةٌ وَعَدَدُ ... ومنه شرطٌ غايةٌ تُعتمدُ
يعني أن مفهوم المخالفة أقسام:
الأول: مفهوم الظرف زمانيًّا أو مكانيًّا، فالزمانيُّ نحو قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة/ ١٩٧] فيفهم منه أنه لا حج في غيرها، والمكانيُّ نحو قوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة/ ١٨٧] يُفهم منه أن الاعتكاف لا يصح في غير المساجد، وبه قال بعض العلماء.
الثاني: مفهوم العلة نحو: "أَعْط السَّائل لحاجته" يفهم منه أن غير المحتاج لا يُعطى، ومفهوم العلة نوع من مفهوم الصفة، والصفة أعم لأنها قد تكون مكمِّلة للعلة لا علة مستقلة كالسَّوْم عند من يقول بأن لا زكاة في المعلوفة؛ لأن السَّوْم ليس عِلَّة الزكاة، ولو كان علة تامة لوجبت الزكاة في الوحوش لأنها سائمة، ولكن العلة نعمة الملك وهي مع السوم أتم.
الثالث: مفهوم العدد، نحو قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور/ ٤] أي لا أكثر.
الرابع: مفهوم الشرط، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق/ ٦] يُفهم منه أنهنَّ إن كنَّ غير أولات حمل لا يجب الإنفاقُ عليهن.
الخامس: مفهوم الغاية، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة/ ٢٣٠] يُفْهم منه أنها إن نكحت زوجًا غير الأول
стр. 115
حلَّت له أي الأول. وقول المؤلف: "تُعْتَمَد" بالبناء للمفعول، ونائبه ضمير الغاية أي يُعْتمد عليها في الاحتجاج، وجملةُ الفعل نعت لغاية.
١٥٥ - والحصرُ والصفةُ مثلُ ما عُلِمْ ... من غَنَمٍ سامَتْ وسائمِ الغنمْ
يعني أن النوع السادس من أنواع مفهوم المخالفة: مفهوم الحصر، نحوُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة/ ٥] فإن الحصر المدلول عليه بتقديم المعمول يُفهم منه عدم عبادة سواه جل وعلا.
وأن السابع من أنواع مفهوم المخالفة: مفهوم الصفة، والمراد بها عند الأصوليين: لفظٌ مُقَيِّد لآخر ليس شرطًا ولا غاية ولا استثناء، ويدخل فيها الحال لأنها وَصْفٌ لصاحبِها قَيْدٌ لعامِلِها، نحو: "أحْسِن إلى العبد مطيعًا واضربه مُسيئًا" فإنه يُفهم من الأول عدمُ الإحسان إن لم يطع، ومن الثاني عدم الضرب إن لم يعص، وسواء تقدمت نحو: "في سائمة الغنم الزكاة" أو تأخرت نحوُ: "في الغنم السائمة زكاة" (١) وإليه الإشارةُ بقوله: "من غنمٍ سامَت وسائمِ الغنم". وقوله: "عُلِم" بالبناء للمفعول.
فإن قيل: النعت لمجرد المدح أو الذم صفة لا مفهومَ لها. فالجواب: أن الاحتراز عنها وقع بأن المراد بالصفة لفظ مخصّصٌ. . . إلخ، وما كان لمجرد المدح أو الذم لا تخصيصَ فيه.
١٥٦ - معلوفةُ الغَنَمِ أو ما يُعلَفُ ... الخلْفُ في النَّفْي لأيٍّ يُصرَفُ
стр. 116
يعني أنهم اختلفوا في المقيد بقيد، هل يرجع النفي والإثبات إليهما معًا -أعني القيد والمقيد- أو يرجعان للقيد فقط؟ فالغنم السائمة في قول المؤلف: "من غنم سامت وسائم الغنم" قُيِّدت بالسَّوْم، فعلى أن النفيَ والإثبات يرجعان لهما معًا فمفهوم قولك: "في الغنم السائمة زكاة" أن الغنم المعلوفة لا زكاة فيها لمراعاة القيد والمقيد معًا في المفهوم. وعلى أنهما راجعان للقيد فقط فمفهوم: "في الغنم السائمة زكاة" أن غير السائمة مطلقًا لا زكاة فيه، غنمًا كان أو إبلًا أو بقرًا لأن النظر على هذا القول إلى خصوص القيد الذي هو السَّوْم دون المقيَّد الذي هو الغنم في المثال.
وقول المؤلف: "معلوفةُ الغنم" مبتدأ والموصول عطف عليه. وقوله: "يُعلَف" بالبناء للمفعول. وقوله: "الخُلْف" مبتدأ آخر والمجرور بعده خبره، والمبتدأ الآخر وخبره خبر الأول، والضمير الرابط في الجملة الخبرية بينها وبين المبتدأ محذوف لدلالة المقام عليه؛ لأن التنوين في قوله: "أيٍّ" عِوَض عنه، وتقرير المعنى: الخُلْف في النفي لأيهما يصرف؛ هل هو معلوفة خصوص الغنم نظرًا إلى القيد والمقيَّد، أو هو المعلوفة مطلقًا ولو كانت إبلًا وبقرًا نظرًا إلى القيد دون المقيَّد.
١٥٧ - أضعفها اللَّقَبُ وهو ما أُبي ... من دونِه نظمُ الكلامِ العربي
يعني أن أضعف أنواع [مفهوم] المخالفة هو مفهوم اللَّقب، وضابط اللقب: هو الاسم الجامد كأسماء الأجناس، والعَلَم بأنواعه الثلاثة، وأسماء الجموع. وجمهور العلماء على أن اللقب لا مفهوم له، وهو الحق، وربَّما كان اعتباره كفرًا، فقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾
стр. 117
[الفتح/ ٢٩] الآية -مثلًا- لو قال أحد فيه بمفهوم اللقب فقال: يُفهم منه أن غير رسول اللَّه ﷺ لم يكن رسولًا، فإنه يكفر بالإجماع. وقيل باعتباره، وهو قول الصيرفي، والدقَّاق، وابن خويز منداد، وبعض الحنابلة (١).
وقول المؤلف: "وهو ما أُبي من دونه" إلخ، كأنه يشير إلى جواب عن سؤال، وإيضاحُه أن يقال: لو لم يكن لِلَّقب مفهومًا (٢) لما كان في تخصيصه بالذكر فائدة كما عللوا به مفهوم الصفة.
والجواب: بأن اللقب ذُكِر ليسند إليه الحكم فقط إذ لا يمكن إسناد خبريّ بدون مسند إليه، وذلك هو معنى قوله: "وهو ما أُبي من دونه نظم الكلام العربي".
واعلم أن التحقيق عدم اعتباره، وعدم الفرق بين العَلَمِ واسم الجنس خلافًا لمن قال باعتباره مطلقًا، ولمن قال باعتباره في اسم الجنس دون العَلَمِ.
فإن قيل: جاء عن مالك -رحمه اللَّه تعالى- ما يدلُّ على اعتبار مفهوم اللقب، وذلك أنه قال باشتراط النهار في الأضحية وأنها لا تُجزئ إن ذُبِحت ليلًا، مستدلًّا بمفهوم قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ (٣) [الحج/ ٢٨] الآية، والأيام جمع يوم،
стр. 118
وهو اسم جنس لزمان النهار.
فالجواب: أنه مفهوم ظرف لا مفهوم لقب، وقد قدمنا اعتبار مفهوم الظرف.
١٥٨ - أعلاه لا يُرشِد إلا العُلَما ... . . . . . . . . . . . . .
يعني أن أعلى -أي أقوى- مفاهيم المخالفة مفهوم الحصر بأداة النفي والإثبات نحوُ: "لا إله إلا اللَّه"، ومَثَّل له المؤلف بقوله: "لا يرشد إلا العلما" فمنطوقه عند الأصوليين نفي الإرشاد عن غير العلماء، ومفهومه إثبات الإرشاد لهم. ومذهب البيانيين عكس هذا، والتحقيق أن الكل منطوق، لأن النفيَ منطوقٌ صريح (١) والإثبات كذلك كما لا يخفى (٢).
. . . . . . . . . . . . ... ما لِمَنْطوقٍ بضَعْفٍ انتمى
يعني أن المرتبة الثانية في القوة من مراتب مفهوم المخالفة هو ما قيل فيه: إنه منطوق بالإشارة قولًا ضعيفًا كمفهوم "إنما" ومفهوم الغاية، فإنهما يليان النفي والإئبات في القوة كقوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾ [التحريم] يُفْهَم منه أن الإنسان لا تُوزَن له حسنة لم يعملها ولا سيئة لم يعملها، وقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة/ ٢٣٠] يُفهم منه حِلِّيتها له إن نكحت غيره، وممن قال بأن مفهومَ "إنما" والغاية منطوقٌ القاضي أبو بكر الباقلاني (٣). وهذا القول بناءً على كون المنطوق منه غير صريح
стр. 119
كما تقدم.
١٥٩ - فالشرط فالوصفُ الذي يناسبُ ... فمطلَقُ الوصف الذي (١) يقاربُ
١٦٠ - فعددٌ ثَمَّتَ تقديمٌ يلي ... وَهُوَ حجَّةٌ على النَّهْجِ الجَلي
يعني أن المرتبة الثالثة في القوة من مراتب مفهوم المخالفة هي: مفهوم الشرط نحو: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق/ ٦] كما تقدم، وإنما كان بعد مفهوم الغاية، و"إنما" لأن مفهوم الشرط لم يُنْقل أنه منطوق بخلافهما كما تقدم.
وأن المرتبة الرابعة: مفهوم الوصف المناسب للحكم، وسيأتي للمؤلف تعريف المناسب بأنه ما تتضمَّن إناطةُ الحكم به مصلحة نحو: "في الغنم السائمة زكاة" (٢). ووجه مناسبة الوصف بالسوم أن الموجب للزكاة نعمة الملك وهي مع السوم أتم، وإنما تأخر هذا عن مفهوم الشرط لأن بعض القائلين به -أي مفهوم الشرط- خالفَ في مفهوم الوصف المناسب (٣).
وأن المرتبة الخامسة: مفهوم الوصف الذي لم تظهر له مناسبة، كما لو قال: في الغنم العُفْر زكاة، فإناطة الحكم بوصف "العفر" لا تظهر مناسبته.
قال مُقَيِّده عفا اللَّه عنه: مثل هذا المثال وصف طَرْدي لا تصلح
стр. 120
إناطة الأحكام به في المعاملات، وأما التعبديَّات فلا يشترط فيها ظهور العلة، ولذلك مَثَّلوا به في الزكاة لأنها تعبدية (١)، فلو فُرِض أن النبي ﷺ قال: "في الغنم العُفْر زكاة"، لقال العلماء بأن غير العفر لا زكاة فيها، وإن كانت مناسبة الوصف بالعفر غير ظاهرة.
وأن المرتبة السادسة: مفهوم العدد نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ﴾ [النور/ ٤]، ووجوب الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة سبعًا وإنما تأخر العدد عما قبله لأن قومًا من القائلين بمفهوم الوصف أنكروا مفهوم العدد.
وأن المرتبة السابعة: مفهوم تقديم المعمول، فإنه يُفهم منه الحصر كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة/ ٥] يُفهم منه عدم عبادة غيره.
وفائدة التفاوت في القوة تقديم الأقوى عند التعارض.
وقول المؤلف: "وهو حجة على النهج (٢) الجلي" يعني أن مفهوم المخالفة حجة على القول المشهور، وهو مذهب الجمهور، وخالف الباقلانيُّ في مفهوم الشرط، وأبو حنيفة في جميع أنواع مفهوم المخالفة، وأنكره مطلقًا قومٌ في الخبر دون الإنشاء، وأنكره السبكيُّ (٣) في غير الشرع، وإمام الحرمين الصفة التي لا تناسب (٤)، وقومٌ العدد.
* * *
стр. 121
فصل
١٦١ - من لُطفِ ربِّنا بنا تعالى ... توسيعُهُ في نُطقِنا المجالا
يعني أن من لُطْف اللَّه تعالى بالناس توسِيعُه المجالَ لهم في التكلم بسبب حدوث الموضوعات اللغوية ليعبر كل أحدٍ عمَّا في ضميره مما يحتاج إليه في دنياه وآخرته لغيره حتى يعاونه عليه، لعدم قدرته على الاستقلال باستجلاب مصالح نفسه دُنْيا ودينًا.
١٦٢ - وما من الألفاظِ للمَعْنَى وُضِعْ ... قلْ لُغَةٌ بالنَّقْلِ يَدْري مَنْ سَمِعْ
اللغة أصلها "لُغَوَة" فُعَلة من "لغا" بمعنى تكلم، حُذِفَ لامها فهي من باب سَنَة، وفي الاصطلاح عرَّفها المؤلف بأنها الألفاظ الموضوعات للمعاني.
وقوله: "بالنقل" يتعلق بقوله: "يدري" أي يدريها السامع بالنقل تواترًا وآحادًا عن العرب، فالمتواتر كلفظ السماء والأرض، والآحاد كالغضنفر للأسد والزخيخ للنار، وربما استنبطت بالعقل من النقل، كما لو قلت: كل مُعَرَّف بأل الاستغراقية يصح منه الاستثناء، وكل ما يصح منه فهو عام = ينتج كل ما يُعَرَّف بأل الاستغراقية فهو عام.
وقول المؤلف: "وما" مبتدأ خبره "لغة". وقوله: "قل" اعتراض بين المبتدأ وخبره. و"المعنى" مَفْعَل من عَنيْت بمعنى قصدت، وهو أعم من المُسَمَّى؛ لأن المعنى هو ما يُقْصد باللفظ سواء كان هو مُسَمَّاه كالحقيقة أو غير مسماه كالمجاز.
стр. 122
١٦٣ - مدلولُها المعنى ولفظٌ مفردُ ... مُسْتعملًا ومُهْملًا قد يوجَدُ
١٦٤ - وذو تَرَكُّبٍ. . . . .. . . ... . . . . . . . . . . . . .
يعني أن المدلول عليه بالألفاظ التي هي اللغة إما أن يكون معنى كدلالة الألفاظ على معانيها، نحو دلالة الكرم والشجاعة على المعنيين المعروفين، وإما أن يكون لفظًا كدلالة لفظ "الكلمة" على اللفظ ودلالة القول عليه.
وأشار المؤلف بقوله: "مستعملًا ومهملًا" وبقوله: "وذو تركُّب" إلى أن اللفظ المدلول عليه ببعض الألفاظ اللغوية أربعة أقسام؛ لأنه إما مفرد، وإما مركب، وكل منهما إما مستعمل، أو مهمل. فالمفرد المستعمل كالكلمة، والمفرد المهمل كالجيم أو اللام أو السين من لفظة "جلس"، والمركب المهمل كلفظ "الهذيان" (١) فإن لفظة "الهذيان" تدل على لفظ مركب مهمل، والمراد بالتركيب هنا ما فيه كلمتان فأكثر، كما قال العبَّادي في "الآيات" (٢)، والمركب المستعمل كمدلول لفظ الخبر فإن لفظ "الخبر" يدل على مركب مستعمل كـ "جاء زيد" و"عمرو قائم".
وقول المؤلف: "مدلولها المعنى" أي سواء كان جزئيًّا كمعنى العلم أو كليًّا كمعنى اسم الجنس، فتحصَّل أن مدلول الألفاظ اللغوية
стр. 123
المعاني مطلقًا والألفاظ مطلقًا.
. . . . . . . . . . ووضعُ النكرَهْ ... لِمُطلق المَعْنَى فريقٌ نَصَرَه
١٦٥ - وهِيَ للذّهنِ لدى ابن الحاجبِ ... وكم إمامٍ للخلافِ ذاهبِ
يعني أنهم اختلفوا فيما وُضِعت له أسماء الأجناس المنكَّرة كرجل وإنسان مثلًا على ثلاثة أقوال (١):
الأول: أنها موضوعة لمطلق المعنى من غير تقييد بذهني ولا خارجي، وعليه فإطلاقه على كلٍّ منهما حقيقة، وهو قول الفهري من المالكية. وحجة هذا القول أن دعوى اختصاصه بأحدهما تحكُّم وترجيح بلا مرجِّح.
الثاني: أنها موضوعة للمعنى الذهنّي فقط، وهو قول الفخر الرازي وابن الحاجب. وحجة هذا القول أن معنى النكرة قد تشترك فيه (٢) أفراد كثيرة والخارج لا يوجد فيه إلا المتشخصات بحقائقها، فليس في الخارج شئ مشترك بين حقيقتين، فمعنى "الإنسان" الذهني -مثلًا- قدر مشترك بين جميع أفراد الإنسان، والموجود في الخارج كزيد -مثلًا- لا يشاركه أحدٌ في حقيقة ذاته، وإنما الاشتراك في المعنى الكليّ الذهنيّ وهذا واضح، ورجَّح هذا القول زكرياء.
الثالث: أنها موضوعة للمعنى الخارجي. وحجة هذا القول أن الأحكام إنما وُضِعت للأمور الخارجية المتشخِّصة دون الحقائق
стр. 124
الذهنية، ورجَّح هذا القول القرافي وعزاه في "نشر البنود" (١) للجمهور، وأطال العبَّادي في "الآيات البينات" (٢) في مبحث التخصيص باختيار هذا القول وأنه هو الحق، وأن الحقيقة الذهنية توجد في الخارج في ضمن أفرادها الشخصية، فـ "زيد" مثلًا مشتمل على القدر المشترك وهو الإنسانية إلا أنه تميَّز عن غيره بتشخُّصاته الذاتية.
تنبيه: محل هذا الخلاف فيما له وجود ذهني وخارجي كما مَثَّلنا، أما ما له وجودٌ ذهني فقط، كبحر من زئبق، وجبل من ياقوت، فالموضوع له معناه الذهني فقط بلا خلاف.
وأشار المؤلف إلى القول الأول بقوله: "ووضع النكرة لمطلق المعنى" إلخ. وإلى الثاني بقوله: "وهي للذهن" إلخ. وللثالث بقوله: "وكم إمام" إلخ. وقوله: "ووضعُ" مبتدأ، وقوله: "فريق" مبتدأ أيضًا سوَّغ الابتداء به كونه في معرض التفصيل، وجملة "نصره" خبر الأخير، والأخيرُ وخبرُه خبرُ الأول، وقوله: "إمامٍ" مجرور بإضافة كم الخبرية إليه على التحقيق.
١٦٦ - وليس للمعنى بلا احتياجِ ... لفظٌ كما لِشارحِ المنهاجِ
يعني أن شارح "المنهاج" وهو تاج الدين السبكي قال في "جمع الجوامع" (٣): إنه لا يلزم أن يكون لكل معنى لفظ مستقل يدل عليه بل
стр. 125
يجوز أن يكون بعض المعاني لم توضع له ألفاظ تدل على خصوصه، كأنواع الروائح المختلفة، فإنه ليس لكل رائحة لفظ يدل عليها بخصوصها وإنما تُعْرف بالتقييد كرائحة المسك مثلًا، وكذلك أنواع الطعوم واللذات.
وقوله: "بلا احتياج" يُفهم منه أن المعنى المحتاج احتياجًا قويًّا إلى لفظٍ مستقل (١) لابد منه وهو كذلك.
١٦٧ - واللغةُ الربُّ لها قد وضعا ... . . . . . . . . . . . . .
يعني أن اللغات توقيفية وضعها اللَّه للخلق، وعلَّمَها أباهم آدم فتعلمتها منه ذريته، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة/ ٣١]، وقوله ﷺ في حديث الشفاعة حاكيًا عن أهل الموقف مقررًا له: "وعلمكَ أسماءَ كل شيء" (٢).
. . . . . . . . . . . . . ... وعزْوُها للاصطلاح سُمِعا
١٦٨ - فبالإشارةِ وبالتَّعَيُّنِ ... كالطِّفْل فهمُ ذي الخفا والبَيِّنِ
يعني أن كَوْن اللغات اصطلاحيةً أي وضعها البشر [و] اصطلحوا عليها مسموع أيضًا، وهو قول أكثر المعتزلة وبعض أهل السنة، وعلى هذا القول فالمفاهمة حصلت بينهم أوَّلًا بالاعتماد على الإشارة والتعيين
стр. 126
كأنْ يشير إلى شيءٍ حاضر ويقول: "هذا كتاب" فيعرف السامع مراده بالكتاب، وكأن يقول: "هات الكتاب في البيت" فلا يجد في البيت غيره فيتعين عنده أنه هو لعدم وجود غيره، وذلك هو معنى قول المؤلف: "فبالإشارة وبالتعين فهم ذي الخفا" إلخ.
وقوله: "كالطفل" اعتراض بين المبتدأ الذي هو "فهم" وخَبَرِه الذي هو "بالإشارة"، ومعنى قوله: "كالطفل" أي كما يفهم الطفل لغة أبويه بالإشارة والتعين والقرائن.
١٦٩ - يُبْنَى عليه القلبُ والطلاقُ ... بكاسْقني الشرابَ والعتاقُ
يعني أن الخلاف في اللغات هل هي توقيفية أو اصطلاحية يُبْنى عليه قلب اللغة كتسمية الحجر إنسانًا، فعلى أنها توقيفية لا يجوز، وعلى أنها اصطلاحية يجوز، وينبني عليه أيضًا لزوم الطلاق والعتق بالكنايات الخفية نحو "اسقني الماء" إذا قصد به طلاقًا أو عتقًا، فعلى أن اللغة توقيفية لا يلزم بذلك طلاق ولا عتق، وعلى أنها اصطلاحية يلزمان، ولزومهما بالكناية الخفية هوالصحيح من مذهب مالك (١).
ومحل الخلاف في قلب اللغة فيما لم يُتَعَبَّد بلفظه، أما هو فلا يجوز تغييره، كتكبيرة الإحرام والتشهد وتسليمة التحليل، قاله المازَرِي وغيره (٢).
وقال قوم: الخلاف في هذه المسألة طويل الذيل قليل النيل (٣)،
стр. 127
وقال الأبياري من المالكية: لا فائدة تتعلق بهذا الخلاف، وقد رأيت ما ذكره له المؤلف من الفائدة.
١٧٠ - هل تثبُتُ اللغةُ بالقياس ... والثالثُ الفرقُ لدى أناس
١٧١ - محلّه عندهمُ المشتقُّ ... وما عداه جاءَ فيه الوَفْقُ
١٧٢ - وفرعُة المبنيُّ خِفَّة الكُلَفْ ... فيما بجامعٍ يقيسُهُ السَّلَفْ
يعني أنهم اختلفوا في اللغة هل تثبت بالقياس -وبه قال جَمْع من المالكية والشافعية- أوْ لا تثبت -وبه قال أيضًا جمع من المالكية والشافعية ويعزى للحنفية-؟ ورجَّح هذا القول ابنُ الحاجب وغيره بأن اللغةَ نقلٌ مَحْض فلا يدخلها قياس (١).
وثالث الأقوال: الفرق بين الحقيقة والمجاز، فيجوز ذلك في الحقيقة دون المجاز، وهذا هو معنى قوله: "والثالث الفرق لدى أناس".
وهذا الخلاف إنما هو في المشتق المشتمل على وصف كانت التسمية من أجله ووُجِد ذلك الوصف في معنًى آخر كالخمر المخمّر العقل أي مغطيه من ماء العنب، فإذا وُجِد هذا المعنى في غير ماء العنب سُمِّي خمرًا بناءً على إثبات القياس في اللغة، ويعكِّر على هذا المثال أنه ثبت في الصحيح (٢) تسمية كل ما خمَّر العقلَ من المشروبات خمرًا كائنًا
стр. 128
ما كان. وأجاب بعضهم بأن الخمر موضوع لما كان من خصوص العنب، فتسمية غيره خمرًا قياس لغوي واللَّه تعالى أعلم.
وهذا الذي ذكرنا من التقييد بالمشتق هو معنى قوله: "محله عندهم المشتق". وقوله: "وما عداه" أي: ما عدا المشتق كالعَلَم فلا يجوز فيه القياس قولًا واحدًا.
وينبني على الخلاف في اللغة هل تثبت بالقياس خفة الكلفة أي المشقة فيما يقيسه المجتهدون بجامع أي علة، فمن قال: تثبت اللغة بالقياس اكتفى بوجود الوصف في المقيس فيصدق عليه اسمه لغة فيثبت حكمه بالنص فلا يحتاج إلى القياس الأصوليّ للاكتفاء عنه بالقياس اللغويّ، فمن سمَّى النّبَّاشَ سارقًا واللّائط زانيًا بالقياس اللغويّ لأخذ النباش خفية، وإيلاج اللائط إيلاجًا محرمًا = قال: إن النصوص الواردة في السارق تتناول النّبَّاشَ، والواردة في الزاني تتناول اللائط فلا حاجة إلى القياس الأصوليّ، ومن منع ذلك احتاج إلى القياس الشرعي المتوقف على وجود شروطه وانتفاء موانعه، وهذا الذي ذكرنا هو معنى قوله: "وفرعه المبني" إلخ.
* * *
стр. 129
فصل في الاشتقاق
هو لغة الاقتِطَاع، والمراد به عند الإطلاق الصغير وهو المعقود له الفصل، أما الكبير والأكبر فإنما ذُكرا استطرادًا. واعلم أن العدل المانع للصرف مع العلمية والوصفية نوع من الاشتقاق كعمر من عامر.
١٧٣ - والاشتقاقُ ردُّكَ للفظَ إلى ... لفطٍ وأَطلِقْ في الذي تأصَّلا
١٧٤ - وفي المعاني والأصول اشْتَرطا ... تَناسُبًا بينهما مُنضبِطا
يعني أن الاشتقاق في الاصطلاح هو: أن تردّ لفظًا إلى آخر لمناسبة بينهما في المعنى والحروف الأصلية، بأن يكون المعنى الذي في المردود موجودًا في المردود إليه، وأن تكون الحروف الأصلية التي في المردود موجودة على ترتيبها في المردود إليه، كالضارب من الضرب. ومعنى ردُّ لفظٍ إلى آخر: أن تحكم بأن الأول مأخوذ من الثاني، أي فرع عنه.
وقوله: "وأطلق في الذي تأصَّلا" يعني أن الأصل المشتق منه يصح الاشتقاق منه مطلقًا أي سواء كان حقيقة أو مجازًا، فالحقيقةُ كاشتقاقِ الناطقِ من النطقِ بمعنى التكلُّم، والمجاز كقولك: "الحال ناطقة بكذا" فإنه مشتق من نُطْق الحال بمعنى دلالتها مجازًا مفردًا على سبيل الاستعارة التبعية الصريحة التحقيقية. فما ذكره بعض الأصوليين من أن المجاز لا يشتق منه خلاف التحقيق كما حرره علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعية (١).
стр. 130
وخرج بقيد التناسب في المعنى نحو "قَتْل ومَقْتل" مصدر ميمي لأن معناهما واحد، والشيء لا يناسب نفسه بل هو هي، ونحو "بان يبين" فليس مشتقًّا من "بَيْن" الظرفية لعدم تناسبهما في المعنى.
وخرج بقيد المناسبة في الحروف ما لم تتناسب حروفه في الأصل أو الوضع، أما عدم المناسبة في الأصل كـ "الهالك" فإنه غير مشتق من الموت لعدم تناسب الحروف، وأما عدم المناسبة في الوضع -أعني الترتيب- فكـ "مِلْح ولَحْم وحِلْم" ولو كانت غير متناسبة في المعنى أيضًا.
وخرج بقيد الأصلية الحروف المزيدة فلا يشترط التناسب فيها، ولا يشترط في الحروف الأصلية أن تكون موجودة بالفعل، إذ قد يُحْذف بعضها من الأصل وهو المصدر كـ "زِنَة وعِدَة وصِلَة" وقد يُحذف بعضها من الفرع أعني المشتق كـ "خُفْ وقُلْ وجْ وقلت وبعْت" ونحو ذلك.
١٧٥ - لابدَّ في المشتق من تغييرِ ... محقَّقٍ أو كان ذا تقديرِ
يعني أنه لابد في تحقق الاشتقاق من تخالف بين لفظ المشتق والمشتق منه تحقيقًا كالضارب من الضرب، أو تقديرًا كطَلَبَ فِعْل ماض من الطَّلَب بمعنى المصدر، فتقدَّر فتحة اللام في الفعل في غيرها في المصدر.
١٧٦ - وإن يكنْ لمبهمٍ فقد عُهِدْ ... مطّرِدًا وغيرُه لا يَطَّرِدْ
يعني أن الضميرَ في قوله: "يكن" عائد إلى الاشتقاق، والمبهم اسم مفعول من الإبهام وهو ضد التعيين، ومراده بالمبهم الذات التي سميت باسم مشتق لها من صفة، ومعنى إبهامها أنها صالحة لكل من
стр. 131
اتصف بتلك الصفة، فكلُّ من وَقَع منه الضرب صح أن يُقال له: ضارب، فضارب مبهم يصح إطلاقه على كل من صدر منه الضرب، وكلُّ ذات قام بها السواد -مثلًا- صحَّ أن يقال لِذَكَرها: أسود ولأنثاها: سوداء، فالأسود -مثلًا- مبهم أي غير معيَّن يصح إطلاقه على كلِّ من قام به السواد.
وقوله: "وغيره لا يطَّرِد" يعني أن غير المبهم لا يطَّرِد فيه الاشتقاق، كالقارورة فإنها غير مبهمة بل مُعَينة، لكونها يُقْصَد بها ما كان من الزجاج خاصة دون غيره مما هو مقر للمائع، وكالدَّبَران لخصوص الأنجم المعروفة، وكالأبلق لما اجتمع فيه سواد وبياض من خصوص الخيل دون غيرها من الحيوانات. ومحل اطراد الاشتقاق فيما لم يمنع منه مانع، فإن اللَّه تعالى قال عن نفسه: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد]. ولا يصح الاشتقاق له من ذلك فلا يقال له: فاضل لأن أسماءه تعالى توقيفية.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: ضابط الاشتقاق المطرد بالقياس الصرفيَّ إذا أردت أن تعلمَه فاعلم أن المصدر الذي منه الاشتقاق له حالتان:
الأولى: أن يكون حدثًا متجددًا باختيار الفاعل كالقيام والجلوس.
الثانية: أن يكون صفةً قائمة بالذات من غير اختيارها كالسجايا والألوان ونحوِ ذلك، فالسجايا نحوُ: الكرم والشجاعة، والألوان كالسواد والبياض.
والقسم الأول الذي هو الحدث المتجدد باختيار الفاعل له حالتان:
الأولى: أن تكون نسبته واحدة وهو المعبَّر عنه باللزوم أي عدم التعدي إلى المفعول به كالقيام والجلوس.
стр. 132
الثانية (١): أن تكون له نسبتان: نسبةٌ إلى فاعله من حيث وقوعه منه، ونسبة إلى مفعوله من حيث وقوعه عليه، نحو الضرب فإنه لا تُعْقَل حقيقته إلا بضارب ومضروب، لأنه صفة إضافية وهي لا تُدْرَك حقيقتها إلا بإدراك المتضايِفيْن، وهذا هو المعبَّر عنه بالتعدي إلى المفعول.
فإن كان المصدر الذي منه الاشتقاق صفة قائمة بالذات من غير اختيارها كالكرم والشجاعة فلا يشتق منها باطراد القياس الصرفي إلا ثلاثة أشياء: الأول: الفعل ككَرُمَ وشجُعَ. الثاني: الصفة المشبهة ككريم وشجاعٍ. الثالث: صيغة التفضيل بشروطها المعروفة، نحو "زيد أكرم من عَمرو، وأشجع منه".
وإن كان المصدر الذي منه الاشتقاق حَدَثًا متجددًا باختيار الفاعل له نسبة واحدة أي غير متعدٍّ للمفعول فلا يُشتق منه بالقياس الصرفي إلا خمسة أشياء: الأول: الفعل نحو "قام ومشى". الثاني: اسم الفاعل نحو "قائم وماشي". الثالث: صيغة التفضيل بشروطها المعروفة نحو "زيد أمشى بالنميمة من بكر". الرابع: اسم المكان كـ "المجلس والمسجد" لمكان الجلوس والسجود. الخامس: اسم الزمان نحوُ "محِلّ الدَّيْن رمضان" أي زمان حلوله رمضان.
وإن كان المصدر الذي منه الاشتقاق حدَثًا متجددًا باختيار الفاعل له نسبتان أيْ متعدٍّ إلى المفعول، فإنه يُشتق منه بالقياس الصرفي جميع المشتقات الثمان إلا الصفة المشبهة فقط فإنها لا تُصاغ إلا من صفة قائمة بالنفس لا من حَدَث متجدد. وبذلك تعلم أن المشتقات من المصدر
стр. 133
المذكور سبع وهي: الفعل نحو "ضربه"، واسم الفاعل كـ "ضارب"، واسم المفعول كـ "مضروب"، واسم الآلة كـ "مفتاح"، واسم الزمان والمكان كـ "المَضْرب" بمعنى مكان الضرب أو وقته، وصيغة التفضيل نحو "زيد أضرب من عَمرو".
١٧٧ - والجَبْذُ والجَذْبُ كبيرٌ ويَرى ... للأكبر الثَّلْمَ وثلبًا مَنْ دَرَى
ذكر في هذا البيت الاشتقاق الكبير والاشتقاق الأكبر، فالاشتقاق الكبير في الاصطلاح هو: ما اجتمعت فيه الأصول دون الترتيب مع مناسبة معنوية، كاشتقاق "جبَذ وجابذ" من الجَذْب، فالمعنى واحد والحروف والأصول (١) متحدة إلا أن ترتيبها مختلف في المشتق والمشتق منه.
والاشتقاق الأكبر في الاصطلاح هو: ما فيه المناسبة في المعنى وفي بعض الحروف، كاشتقاق "ثلمَ وثالم" من الثلب، فلم تتناسب الأصول في اللام وإنما تناسبت في الفاء والعين.
قال أبو حيان (٢): ولم يقل بالاشتقاق الأكبر من النحاة إلا أبو الفتح (٣)، وكان ابن الباذش (٤) يأنس به.
стр. 134
وقول المؤلف "مَنْ" في قوله: "من درى" فاعل "يرى".
١٧٨ - والأعجميُّ فيه الاشتقاقُ ... كجبْرَئيلَ قاله الحُذَّاق
يعني أن الأسماء الأعجمية قد تكون مشتقة قاله الأصفهانيُّ في "شرح المحصول"، والدليل عليه ما روي أنه ﷺ قال لجبريل: "لم سُميت جبرئيل؟ " فقال: لأني آتٍ بالجبروت (١).
١٧٩ - كذا اشتقاقُ الجمع مما أُفْرِدَا ... ونفْيُ شرطِ مصدرٍ قد عُهِدا
يعني أن الجمع والتثنية مشتقان من المفرد، فرجلان -مثلًا- ورجال مشتقان من رجل، والمراد بالاشتقاق في ذلك جَعْل أحدهما أصلًا والآخر فرعًا، والفرع مردود إلى الأصل.
وقوله: "ونفي شرط" إلخ يعني أنه لا يشترط في الاشتقاق وجود المصدر بل يُشتق من مصدر مقدَّر لم تنطق به العرب، وعليه فالأفعال الجامدة كـ "عسى" مشتقة، ولا ينافي اشتقاقها جمودها إذ لا منافاة بين الجمود والاشتقاق، ألا ترى أن "تبارك" فعل جامد وهو مشتق من البركة.
١٨٠ - وعند فَقْد الوصفِ لا يُشتقُّ ... وأَعْوَزَ المُعْتزليُّ الحقَّ
يعني أن الذات إذا لم تتصف بالمصدر فلا يجوز الاشتقاق لها
стр. 135
منه، فلا يصح اشتقاق "الضارب" لمن لم يقع منه ضرب أصلًا، ولا اشتقاق "الأسود" لمن لم يقم به سواد، خلافًا للمعتزلة القائلين بجواز ذلك مع عدم اتصاف الذات بالمصدر، حيث زعموا أنه تعالى قادر بذاته لا بقدرة قامت بذاته، عالم بذاته لا بعلم قام بذاته، وهكذا في كل صفات المعاني، فرارًا منهم من تعدد القديم. ومذهبهم ظاهر البطلان إذ لا يعقل كونه قادرًا من غير قدرة، عالمًا من غير علم. وأشار المؤلف إلى هذا بقوله: "وأعوز المعْتزليُّ الحق" وأعوزه الشيءُ احتاجَ إليه، يعني أن المعتزلة خالفوا منهج الصواب المحتاج إلى اتباعه (١).
واحترز المؤلف بالوصف في قوله: "وعند فقد الوصفِ" من العين فإنها يُشتق منها مع عدم قيامها بالذات لاستحالة قيامها بها كاشتقاق "التامر" و"اللَّابن" من التمر واللبن، مع أنهما لم يقوما بذات صاحبهما كما في قول الشاعر:
وغَرَرْتَني وزعمتَ أنّـ ... ـكَ لابنٌ في الحي تامِر (٢)
وكاشتقاق المكي والمدني من مكة والمدينة حرسهما اللَّه ونحو ذلك.
١٨١ - وحيثُما ذو الاسم قَامَ قد وجَبْ ... . . . . . . . . . . . . .
يعني أن كل معنى وَضَعت له [العرب] اسمًا إذا قام بالذات وجب اشتقاق الوصف للذات منه، فكل ذات قام بها علم، أو قدرة، أو سواد،
стр. 136
أو بياض ونحو ذلك، وجب أن يشتق لها العالم، والقادر، والأسود، والأبيض -مثلًا- من تلك الصفات المذكورة القائمة بها.
وقول المؤلف: "ذو الاسم" يعني المعنى الذي له اسم في العربية كالأمثلة المذكورة، واحترز به عن المعنى الذي ليس له اسم في العربية كأنواع الروائح، فلا يصح الاشتقاقُ منه لعدم وجود لفظ يعبر به عنه حتى يصح منه الاشتقاق. وضمير الفاعل في قوله: "وجب" للاشتقاق.
. . . . . . . . . . . . . ... وفرعُه إلى الحقيقةِ انتسب
١٨٢ - لدى بقاء الأصلِ في المَحَلّ ... بحسبِ الإمكان عند الجُلِّ
١٨٣ - ثالثُها الإجماعُ حيثما طَرا ... على المحَلِّ ما مُناقضًا يُرى
١٨٤ - عليه يُبْنى مَنْ رَمَى المطلَّقَه ... فبعضُهُمْ نفى وبعضٌ حقَّقه
الضمير في قوله: "فرعه" راجع إلى الوصف المشتق منه فهو الأصل وفرعه المشتق. وقوله: "إلى الحقيقة انتسب" أي يقال له: "حقيقي" ما دام الوصف المشتق منه قائمًا بالذات، فـ "القائم" مثلًا مشتقّ من القيام، إلا أن "القائم" لا يكون حقيقةً إلا في حالة الاتصاف بالقيام.
وقول المؤلف: "لدى بقاء" يتعلق بقوله: "إلى الحقيقة انتسب" أي انتسب الفرع -الذي هو المشتق- إلى الحقيقة، فقيل فيه: "حقيقي" عند قيام الوصف بالمحل. وقوله "بحسب الإمكان" يُشير به إلى أن بعض المصَادر التي منها الاشتقاق يكون سيَّالًا أي يمضي تدريجًا شيئًا فشيئًا كـ "التكلُّم" فإن المشتق منه ينتسب للحقيقة عند قيام المصدر السيال بالذات بحسب الإمكان، لأنه لا يقوم بالذات جُمْلة لتفاوته تدريجًا،
стр. 137
فحسب (١) الإمكان فيه آخر جزء منه.
وقوله: "عند الجُلّ" يشير به إلى أن بعض المعتزلة وابنَ سينا قالوا بإطلاق الحقيقة على الفرع الذي هو المشتق، ولو فارق الوصف الذي منه الاشتقاق المحلَّ، فيصح تسمية القاعد قائمًا باعتبار قيامٍ سَبَق له أمس.
قوله: "ثالثها" إلخ، يعني أن أهل القول الثالث قالوا: أجمع المسلمون وأهل اللسان العربي على أنه لا يجوز الاشتقاق من الوصف بعد مفارقته حيثما طرأ على المحل وصف وجودي يناقض الوصف الأول الذي منه الاشتقاق، كتسمية القاعد قائمًا باعتبارِ قيامٍ سابق، وأنه يصح مجازًا من إطلاق أحد الضدَّين وإرادة الآخر.
وقوله: "عليه يُبْنى من رمى" إلخ يعني أنه ينبني على الخلاف المذكور من رمى مطلقته طلاقًا بائنًا بالزنا، فعلى أنها لا تسمَّى زوجة بعد مفارقة وصف الزوجية لها فإنه يُحَدّ حدَّ القذف ولا يُمَكَّنُ من اللعان لأنه رمى من لا تسمَّى زوجة، وهذا هو معنى قوله: "فبعضهم نفى"، وعلى أنها تُسَمَّى زوجة بَعْدَ مفارقة وصف الزوجية لها فإنه يلاعنها، لأنها تسمى زوجة واللَّه يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور/ ٦] الآية. وهو معنى قوله: "وبعضٌ حقَّقَه".
وعلى القول الثالث: إذا كانت متزوجة بغيره لم يلاعن لطروِّ وصفٍ وجودي هو زوجية الثاني على المحل الذي هو الزوجة يناقض الأول الذي هو زوجية الأول، لاستحالة اشتراك الزوجة بين زوجين.
стр. 138
وإن كانت غير متزوجة بغيره لاعَنَ، ولم يذكر المؤلف هذا ولكنه ذكره في "الشرح" (١) عن ابن المَوَّاز (٢).
١٨٥ - فما كسارقٍ لدى المُؤَسِّسِ ... حقيقةٌ في حالةِ التَّلَبُّسِ
١٨٦ - أو حالةِ النُّطقِ بما جا مُسندا ... وغيرُه العمومُ فيه قَد بَدا
اعلم أولًا أن اسم الفاعل كـ "سارق" واسم المفعول كـ "مضروب" قد اخْتَلَف في حقيقة استعمالهما البلاغيُّون والنحويون، فهما عند البلاغيين ذاتٌ متصفة بالمصدر الذي منه الاشتقاق من غير اعتبار زمان ولا حدوث، فهو حقيقة فيمن قام به الوصف في الحال أو الماضي أو الاستقبال فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة/ ٣٨] حقيقةٌ فيمن وقع منه هذا الفعل في الماضي أو الحال والاستقبال إلى يوم القيامة، ولذا لو شهد عند القاضي بأن فلانًا سارق في الزمن الماضي لحكم عليه بالقطع، ومن طرأت منه السَّرقة بعد نزول الآية كان داخلًا في معناها دخولًا حقيقيًّا، وهذا المعنى الذي عليه البيانيون هو الذي عليه السُّبْكيَّان: تاج الدين ووالده تقي الدين (٣)، وهما مراد المؤلف بقوله: "لدى المؤسِّسِ" بصيغة اسم
стр. 139
الفاعل، ومعناه صاحب الأصول.
فإن قيل: ذكرتم أن البيانيين يقولون: إن الوصفَ كاسم الفاعل أو اسم المفعول ذاتٌ متصفة بالمصدر من غير اعتبار زمان أو حدوث، وأن السُّبْكيَّيْنِ على قول البيانيِّيْن، كيف يجتمع ذلك مع أنهما يقولان: إن اسم الفاعل -مثلًا- لا يكون حقيقة إلا في حالة التلبس بالمصدر الذي منه الاشتقاق أو بآخر جزءٍ منه إن كان سيَّالًا؟
فالجواب: أن اعتبار الزمان غير اعتبار حالة التلبس؛ لأن الزمان باعتبار النطق، والتلبس باعتبار الفعل، فصح للسبكيين اعتبار حالة التلبس دون اعتبار الزمان. فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ -مثلًا- لم يُعتبر فيه زمان، فهو يشمل السارق الآن والسارق فيما مضى والسارق في المستقبل، ولكن تحقيق إطلاق اسم السرقة عليه بالفعل على سبيل الحقيقة إنما هو باعتبار حالة تلبُّسه بها، فظهر الفرق بين الأمرين.
فإن قيل: يلزم على ما ذكرتم أن من كان يسرق ويزني قبل نزول آية السرقة وآية الزنا أنه يُحَدّ.
فالجواب: أنه وقت سرقته أو زناه إن كان كافرا ثم أسلم فالإسلام يَجُبُّ ما قبله، وإن كان مسلمًا فالمانعُ من حَدِّه أن ذلك الفعل في وقته الماضي ليس حرامًا عليه واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة/ ١١٥].
فإن قيل: يلزم على قول السُّبكيين أن من قامت عليه بينة بالسرقة في الزمن الماضي أنه لا يُقْطع، لأنه عندهما لا يسمَّى سارقًا حقيقة إلا
стр. 140
حالةَ التلبس وهو الآن غيرُ متلبس بالفعل، فيلزمُ عليه أنه الآن غيرُ سارق فلا يقطع.
فالجواب: أنه وقتَ تلبُّسه بالسرقة صار سارقًا حقيقة فوجب عليه الحد في ذلك الوقت، لأنه سارق في ذلك الوقت، لا لأنه سارق الآن.
وقول المؤلف: "أو حالة النطق بما جا مسندا" إلخ "أو" فيه لتنويع الخلاف، يعني أن القرافي فرَّق في ذلك بين المسند والمسند إليه فقال في المسند إليه مثل قول السبكيين الذي قدمنا آنفًا، وذلك هو مراده بقوله (١): "وغيره العموم فيه قد بدا" وقال في المسند من اسم فاعل أو مفعول -مثلًا- إنه حقيقة في حالة النطق به خاصة، فقولك: "زيد ضارب" عنده حقيقة في وقوع الضرب وقت النطق لا فيما بعده ولا قبله إلا على سبيل المجاز، وحجته أنه يراد به الحَدَث الحاصل بالفعل ويلزمه حضور الزمان. وقول المؤلف: "أو حالة النطقِ" بالجر عطفًا على حالة التلبس. والوصف كاسم الفاعل عند النحويين يُرَاد به الحدوث في الزمن الحاضر وقت النطق، وإطلاقه على المتصف به قبل ذلك أو بعده مجاز على قولهم أعني النحويين.
ومثال كون الوصف مسندًا: "زيد ضارب" ومثال كونه مسندًا إليه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة/ ٣٨]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور/ ٢].
* * *
стр. 141
فصل في التَّرادُف
وهو تعدد اللفظ واتحاد المعنى، كالأسد والليث.
١٨٧ - وذو الترادفِ له حصولُ ... وقيلَ لا ثالِثُها التفصيلُ
يعني أنه اختلف في الترادف على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه واقع في الكلام، وهو الحق. ومن فوائده: أن أحد الرديفين يصلح لما لا يصلح له الآخر في السَّجع والشعر والجناس، وقد يكون أحد الرديفين أسهل على الألثغ الذي لا ينطق ببعض الحروف من الآخر، فالذي يتعذَّر عليه النطقُ بالراء يعدل عن لفظ البرِّ مثلًا إلى لفظ القمح.
القول الثاني: وهو قول ثعلب، وابن فارس، والزجَّاج، وأبي هلال العسكري أن الترادف غير واقع في الكلام، وقالوا: كل ما يظن مترادفًا ليس بمترادف؛ إذ لابد أن يشتمل أحد اللفظين على معنى ليس في الآخر تحصل به المباينة في الصفات، فالإنسان -مثلًا- ليس مرادفًا للبشر لاشتمال الإنسان على معنى النسيان أو الأنس، واشتمال البشر على معنى ظهور البشرة، وقِسْ على ذلك.
القول الثالث: هو التفصيل بين الألفاظ الشرعية وغيرها، فيمتنع الترادف في الألفاظ الشرعية ويجوز في غيرها.
والتحقيقُ: الجواز والو قوع مطلقًا، فمثا له في كلام العرب: "الليث والأسد"، ومثاله في الاصطلاحات الشرعية: "الفرض والواجب" عند
стр. 142
غير أبي حنيفة، و"السنة والتطوع"، ومثاله في القرآن: "يحسبون ويظنون".
١٨٨ - وهل يُفيدُ التَّالي للتأييدِ ... كالنفي للمَجازِ بالتوكيدِ
المراد بالتالي: التابع، وهو اللفظ المهمل الذي تذكره العرب بعد متبوعه على وزنه للتقوية، نحو قولهم: "حَسَن بَسنٌ"، و"حاذق باذق"، و"شيطان ليطان"، و"عطشان نطشان"، والمعنى: أنهم اختلفوا في التابع هل يفيد التأييد أي التوكيد للمتبوع أو لا؟ والحقُّ أنه يفيد توكيده، لأن العرب ما أرادت به إلا ذلك ولم تذكره عبثًا.
وقوله: كـ "النفي. . " إلخ يعني أنهم اختلفوا أيضًا في التوكيد هل ينفي المجاز ويرْفعُه أو لا؟ فالذي عليه أهل المعاني وهو قول المازري أن التوكيد يدل على التقويةِ ورفع المجاز، فإذا قلت: "جاء زيدٌ نفسُه" امتنع إرادة غير زيد مجازًا، وإذا قلت: "جاءوا كلُّهم" امتنع إرادة بعضهم مجازًا، والذي اختاره القرافي (١) أن التوكيد لا يرفع المجاز، وعليه فيكون التوكيد كالتابع في إفادة التقوية فقط دون رفع المجاز.
والفرق بين التابع والتوكيد: أن التوكيد يرفع المجاز على الراجح دون التابع، وأن التابع يشترط فيه أن يكون على زِنَة المتبوع دون التوكيد، وأن التوكيد له معنى في نفسه بخلاف التابع، فإنه لو أُطلق دون المتبوع كان مهملًا نحو: "بَسَنٌ، ونطشان".
١٨٩ - وللرَّديفَيْن تعاورٌ بدا ... إن لم يكن بواحدٍ تَعَبَّدا
стр. 143
التعاور: التداول (١) والتعاقب، ومنه قوله عنترة في معلقته (٢):
إذ لا أزال على رِحالةِ سابحٍ ... نهْدٍ تعاوره الكماةُ مكلَّمِ
أي تداولوه وتعاقبوا عليه بالرمي.
ومعنى البيت: أن للرِّدْفَيْن تعاورًا أي تعاقُبًا، بمعنى أن كلًّا منهما يأتي مكان الآخر لاتحاد معناه (٣)، وسيأتي للمؤلف قوله: "وبالمرادف يجوز قطعا". ومحل إتيان كل من الرِّدْفَين مكان الآخر إن لم يكن اللَّه تعبدنا بأحدهما، كتكبيرة الإحرام وتسليمة التحليل. وقوله: "تعبَّدا" بالبناء للفاعل، أي تعبدنا اللَّه [به].
١٩٠ - وبعضهم نَفْيَ الوقوعِ أبَّدا ... وبعضُهم بلغتين قَيَّدا
يعني أن بعض الأصوليين كالرازي (٤) منع وقوع الرديف مكان رديفه لغة. وقوله: "أبَّدا" أي منعًا مؤبَّدًا، سواء كان منِ لغتين أومن لغة واحدة.
وقوله: "وبعضهم" إلخ يعني أن بعضهم قيَّد منع تعاور الرديفين بما إذا كانا من لغتين قائلًا: إنه يجوز في اللغة الواحدة لأن ضمَّ لغة إلى أخرى كضمٍ مهمل إلى مستعمل. وما قدَّم من منع تعاور الرديفين إن كان أحدهما متعبَّدًا بلفظه فإنه ممنوع من جهة الشرع لا من جهة اللغة، خلافًا للحنفية القائلين بانعقاد الصلاة بمرادف تكبيرة الإحرام ولو من الفارسية.
стр. 144
قال في "نشر البنود" (١): فإن قلت: كيف يتصور نفي وقوع كلٍّ من الرديفين مكان الآخر لأنه حينئذٍ يتعذر التكلم بمعنى له لفظان، فإنه إذا عبر بأحدهما فقد عبر بالرديف مكان رديفه؟
قلت -واللَّه تعالى أعلم-: إن ذلك يظهر في معنى لغتين: قيسية وتميمية -مثلًا- فالتميمي لا يتكلم بالقيسية كالعكس، لأن العربي لا ينطق بغير لغته، والتميمية والقيسية لغة واحدة بالنسبة للعجمية، وكذا الشامي -مثلًا- لا يأتي بلفظ مصري كعكسه. انتهى منه بلفظه.
١٩١ - دخولُ مَنْ عَجَز في الإحرامِ ... بما به الدخولُ في الإسلام
١٩٢ - أو نيةٍ أو باللّسان يقتدي ... والخُلْف في التركيب لا في المُفْرَد
قوله: "دخول" مبتدأ خبره جملة "يقتدي" [ي] يتبع هذه المسألة أي ينبني عليها، والمعنى: دخول من عجز. . . إلخ ينبني الخلاف فيه على الخلاف في هذه المسألة. وقوله: "أو نية" بالخفض عَطْفًا على الموصول المجرور بما، والمعنى: أن من عَجَز عن النطق بتكبيرة الإحرام لعجميته -إذا قلنا بعدم تعاور الرديفين- يدخل في الصلاة بالنية؛ لأن الرديف هنا لا يقوم مقام رديفه على هذا القول، وعلى القول بتعاور الرديفين يدخل في الصلاة بمرادف تكبيرة الإحرام بلغته، أو يدخل فيها باللفظ الذي يدخل به في الإسلام لأن يؤدي معنى "اللَّه أكبر".
وقول المؤلف: "أو باللسان" يعني لسان العجمي. وقوله:
стр. 145
"والخُلْف في التركيب" إلخ يعني أن الخُلْف في تعاور الرديفين في حالة التركيب فقط دون الإفراد قاله البيضاوي (١)، خلافًا (٢) للفخر الرازي (٣)، فعلى قول البيضاوي يجوز تعاور الرديفين في تعديد الأشياء من غير حكم عليها.
١٩٣ - إبدال قرآنٍ بالأعجميِّ ... جَوازُه ليسَ بمذْهَبيِّ
يعني أن إبدال ألفاظ القرآن بمرادفها من العجمية في القراءة في الصلاة -مثلًا- لا يجوز في مذهب المؤلف يعني مذهب مالك، وعزا المؤلف في "الشرح" (٤) جوازه لأبي حنيفة وقال: وخالفه صاحباه (٥).
* * *