فصل في التَّرادُف
وهو تعدد اللفظ واتحاد المعنى، كالأسد والليث.
١٨٧ - وذو الترادفِ له حصولُ ... وقيلَ لا ثالِثُها التفصيلُ
يعني أنه اختلف في الترادف على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه واقع في الكلام، وهو الحق. ومن فوائده: أن أحد الرديفين يصلح لما لا يصلح له الآخر في السَّجع والشعر والجناس، وقد يكون أحد الرديفين أسهل على الألثغ الذي لا ينطق ببعض الحروف من الآخر، فالذي يتعذَّر عليه النطقُ بالراء يعدل عن لفظ البرِّ مثلًا إلى لفظ القمح.
القول الثاني: وهو قول ثعلب، وابن فارس، والزجَّاج، وأبي هلال العسكري أن الترادف غير واقع في الكلام، وقالوا: كل ما يظن مترادفًا ليس بمترادف؛ إذ لابد أن يشتمل أحد اللفظين على معنى ليس في الآخر تحصل به المباينة في الصفات، فالإنسان -مثلًا- ليس مرادفًا للبشر لاشتمال الإنسان على معنى النسيان أو الأنس، واشتمال البشر على معنى ظهور البشرة، وقِسْ على ذلك.
القول الثالث: هو التفصيل بين الألفاظ الشرعية وغيرها، فيمتنع الترادف في الألفاظ الشرعية ويجوز في غيرها.
والتحقيقُ: الجواز والو قوع مطلقًا، فمثا له في كلام العرب: "الليث والأسد"، ومثاله في الاصطلاحات الشرعية: "الفرض والواجب" عند
стр. 142
غير أبي حنيفة، و"السنة والتطوع"، ومثاله في القرآن: "يحسبون ويظنون".
١٨٨ - وهل يُفيدُ التَّالي للتأييدِ ... كالنفي للمَجازِ بالتوكيدِ
المراد بالتالي: التابع، وهو اللفظ المهمل الذي تذكره العرب بعد متبوعه على وزنه للتقوية، نحو قولهم: "حَسَن بَسنٌ"، و"حاذق باذق"، و"شيطان ليطان"، و"عطشان نطشان"، والمعنى: أنهم اختلفوا في التابع هل يفيد التأييد أي التوكيد للمتبوع أو لا؟ والحقُّ أنه يفيد توكيده، لأن العرب ما أرادت به إلا ذلك ولم تذكره عبثًا.
وقوله: كـ "النفي. . " إلخ يعني أنهم اختلفوا أيضًا في التوكيد هل ينفي المجاز ويرْفعُه أو لا؟ فالذي عليه أهل المعاني وهو قول المازري أن التوكيد يدل على التقويةِ ورفع المجاز، فإذا قلت: "جاء زيدٌ نفسُه" امتنع إرادة غير زيد مجازًا، وإذا قلت: "جاءوا كلُّهم" امتنع إرادة بعضهم مجازًا، والذي اختاره القرافي (١) أن التوكيد لا يرفع المجاز، وعليه فيكون التوكيد كالتابع في إفادة التقوية فقط دون رفع المجاز.
والفرق بين التابع والتوكيد: أن التوكيد يرفع المجاز على الراجح دون التابع، وأن التابع يشترط فيه أن يكون على زِنَة المتبوع دون التوكيد، وأن التوكيد له معنى في نفسه بخلاف التابع، فإنه لو أُطلق دون المتبوع كان مهملًا نحو: "بَسَنٌ، ونطشان".
١٨٩ - وللرَّديفَيْن تعاورٌ بدا ... إن لم يكن بواحدٍ تَعَبَّدا
стр. 143
التعاور: التداول (١) والتعاقب، ومنه قوله عنترة في معلقته (٢):
إذ لا أزال على رِحالةِ سابحٍ ... نهْدٍ تعاوره الكماةُ مكلَّمِ
أي تداولوه وتعاقبوا عليه بالرمي.
ومعنى البيت: أن للرِّدْفَيْن تعاورًا أي تعاقُبًا، بمعنى أن كلًّا منهما يأتي مكان الآخر لاتحاد معناه (٣)، وسيأتي للمؤلف قوله: "وبالمرادف يجوز قطعا". ومحل إتيان كل من الرِّدْفَين مكان الآخر إن لم يكن اللَّه تعبدنا بأحدهما، كتكبيرة الإحرام وتسليمة التحليل. وقوله: "تعبَّدا" بالبناء للفاعل، أي تعبدنا اللَّه [به].
١٩٠ - وبعضهم نَفْيَ الوقوعِ أبَّدا ... وبعضُهم بلغتين قَيَّدا
يعني أن بعض الأصوليين كالرازي (٤) منع وقوع الرديف مكان رديفه لغة. وقوله: "أبَّدا" أي منعًا مؤبَّدًا، سواء كان منِ لغتين أومن لغة واحدة.
وقوله: "وبعضهم" إلخ يعني أن بعضهم قيَّد منع تعاور الرديفين بما إذا كانا من لغتين قائلًا: إنه يجوز في اللغة الواحدة لأن ضمَّ لغة إلى أخرى كضمٍ مهمل إلى مستعمل. وما قدَّم من منع تعاور الرديفين إن كان أحدهما متعبَّدًا بلفظه فإنه ممنوع من جهة الشرع لا من جهة اللغة، خلافًا للحنفية القائلين بانعقاد الصلاة بمرادف تكبيرة الإحرام ولو من الفارسية.
стр. 144
قال في "نشر البنود" (١): فإن قلت: كيف يتصور نفي وقوع كلٍّ من الرديفين مكان الآخر لأنه حينئذٍ يتعذر التكلم بمعنى له لفظان، فإنه إذا عبر بأحدهما فقد عبر بالرديف مكان رديفه؟
قلت -واللَّه تعالى أعلم-: إن ذلك يظهر في معنى لغتين: قيسية وتميمية -مثلًا- فالتميمي لا يتكلم بالقيسية كالعكس، لأن العربي لا ينطق بغير لغته، والتميمية والقيسية لغة واحدة بالنسبة للعجمية، وكذا الشامي -مثلًا- لا يأتي بلفظ مصري كعكسه. انتهى منه بلفظه.
١٩١ - دخولُ مَنْ عَجَز في الإحرامِ ... بما به الدخولُ في الإسلام
١٩٢ - أو نيةٍ أو باللّسان يقتدي ... والخُلْف في التركيب لا في المُفْرَد
قوله: "دخول" مبتدأ خبره جملة "يقتدي" [ي] يتبع هذه المسألة أي ينبني عليها، والمعنى: دخول من عجز. . . إلخ ينبني الخلاف فيه على الخلاف في هذه المسألة. وقوله: "أو نية" بالخفض عَطْفًا على الموصول المجرور بما، والمعنى: أن من عَجَز عن النطق بتكبيرة الإحرام لعجميته -إذا قلنا بعدم تعاور الرديفين- يدخل في الصلاة بالنية؛ لأن الرديف هنا لا يقوم مقام رديفه على هذا القول، وعلى القول بتعاور الرديفين يدخل في الصلاة بمرادف تكبيرة الإحرام بلغته، أو يدخل فيها باللفظ الذي يدخل به في الإسلام لأن يؤدي معنى "اللَّه أكبر".
وقول المؤلف: "أو باللسان" يعني لسان العجمي. وقوله:
стр. 145
"والخُلْف في التركيب" إلخ يعني أن الخُلْف في تعاور الرديفين في حالة التركيب فقط دون الإفراد قاله البيضاوي (١)، خلافًا (٢) للفخر الرازي (٣)، فعلى قول البيضاوي يجوز تعاور الرديفين في تعديد الأشياء من غير حكم عليها.
١٩٣ - إبدال قرآنٍ بالأعجميِّ ... جَوازُه ليسَ بمذْهَبيِّ
يعني أن إبدال ألفاظ القرآن بمرادفها من العجمية في القراءة في الصلاة -مثلًا- لا يجوز في مذهب المؤلف يعني مذهب مالك، وعزا المؤلف في "الشرح" (٤) جوازه لأبي حنيفة وقال: وخالفه صاحباه (٥).
* * *
стр. 146
المشْترك
الاشتراك هو أن يتحد اللفظ ويتعدد معناه الحقيقي، كالعين للباصرة والجارية.
١٩٤ - في رأي الأكثرِ وقوعُ المشترَكْ ... وثالثٌ للمنعِ في الوَحْي سلَكْ
يعني أن في وقوع المشترك ثلاثة أقوال:
الأول -وهو رأي الأكثر وهو الحق-: جوازه ووقوعه مطلقًا في الوحي وغيره، كقوله: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة/ ٢٢٨] لأن القرء مشترك بين الطهر والحيض، وحُجَّة هذا القول مشاهدة الوقوع.
القول الثاني: منع وقوع المشترك مطلقًا في الوحي وغيره، وحجة القائل به أن الاشتراك يخل بفهم المراد من اللفظ لاحتماله لكل من معْنيَيْ المشترك.
وأُجِيْب بأنه يتعين أحد معنيَيْه بقرينة، وإن لم توجد قرينة حمل على معنَيَيْهِ.
القول الثالث: منعه في الوحي دون غيره، وحجة القائل به أنه لو وقع في الوحي لوقع إما مبينًا فيطول بلا فائدة، أو غير مبين فلا يفيد لعدم فهم المراد منه، والوحي ينزَّه عن ذلك.
وأجيب بأمرين:
الأول: أنّا لا نسلم لزوم الطول، فقولك -مثلًا-: "شربت من العين" لا طول فيه مع أنه قرينة تبين أن المقصود الجارية لا الباصرة.
стр. 147
الثاني: أنا لو سلمنا جدليًّا أنه يطول فلا نسلم كون الطول بلا فائدة؛ لأن التفصيل بعد الإجمال من مقاصد اللغة العربية، ففيه فائدة لم تكن في غيره لأنه أوقع في الذهن، لأن الإجمال يستدعي تشوّفًا (١) إلى التفصيل، فإذا جاء التفصيل صادف محله للتسوُّف إليه.
١٩٥ - إطلاقَة في مَعْنَيَيْه مثلا ... مجازًا أو ضدًّا أجازَ النُّبلا
يعني أن النبلاء -أي الأذكياءَ- من الأصوليين أجازوا إطلاق المشترك على معنييه في وقت واحد من متكلم واحد. وقول المؤلف: "مثلا" يعني أو معانيه إذا كان مشتركًا بين أكثر من اثنين كقولك: "عندي عين" وتعني الباصرة والجارية والذهب. وقوله: "مجازًا أو ضدًّا" يعني أن المشترك إذا أُطلق على مَعْنييه أو معانيه قيل: إنه يكون مجازًا لأن اللفظ لم يوضع لمعنيين أو معان وإنما وضع لكل واحد بانفراده، وكونه مجازًا قول أكثر المالكية. وقيل: يُطلق على معنييه أو معانيه حقيقةً وهو قول الباقلاني والشافعيّ والمعتزلة، وهو مراد المؤلف بقوله: "أو ضدًّا"، يعني ضد المجاز وهو الحقيقة، ومحل القول بإطلاقه على معنييه أو معانيه إن أمكن ذلك بأن يكون لا منافاة بين المعنيين أو المعاني أو تكون بينهما منافاة ولكنها من غير الوجه الذي حصل فيه الإطلاق، فالأسود والأبيض -مثلًا- متنافيان في ذاتَيْهما، والجَون مشترك بينهما، فيجوز على هذا القول أن تقول: "ملبوسي الجَون" وتعني الأسود والأبيض؛
стр. 148
لأنك لابس لكل منهما، ومن هذا الوجه لا منافاة لجواز جمعك بين لُبْس الأبيض والأسود. وتقول: "أقرأت المرأة" بمعنى حاضت وطهرت. وقوله: "إطلاقَه" مفعولٌ مقدَّم على فعله الذي هو "أجاز" و"النُّبَلا" مقصور للوزن.
١٩٦ - إن يخْلُ من قرينةٍ فمجمَلُ ... وبعضُهم على الجَميع يحمِلُ
يعني أن المشترك إذا تجرد من القرائن الدالة على تعيين أحد معنييه أو معانيه أو على تعميمه لجميع معانيه يُحْكم عليه بأنه مجمل أي غير متضح المعنى كما يأتي للمؤلف، وبعض العلماء يحمله على معنييه أو معانيه كما هو مذهب الشافعي قائلًا بظهوره في ذلك عند التجريد من القرائن.
١٩٧ - وقيلَ لم يُجِزْه نهجُ العُرْبِ ... وقيل بالمنع لضدِّ السَّلْبِ
يعني أن بعض العلماء قال بأن إطلاق المشترك على معنَيَيْه أو معانيه لا يجوز لغة لا حقيقة ولا مجازًا، ولكن يجوز عقلًا؛ لأن العرب لم تستعمله إلا في كلِّ واحد من معانيه بانفراده لا في مجموعها، وهذا قول الغزالي، وأبي الحسين البصري المعتزلي، والبيانيين وغيرهم.
وقوله: "وقيل بالمنع" إلخ يعني أن بعضهم قال: لا يجوز إطلاق المشترك على معنييه في الإثبات وهو مراده بضد السلب، لأن السلب النفي وضده الإثبات، وهذا القول يقول صاحبه: إن ذلك يجوز في النفي ومثله النهي فتقول مثلًا: "لا قُرْأَ لهند الحامل تعتدّ به"، وتريد أنها لا تعتدّ بحيض ولا طهر لأنها تعتدُّ بوضع حملها، ومثله النهي فتقول: "لا تعتدِ على عينٍ لزيد" وتعني الباصرة والجارية والذهب، لأن النكرة
стр. 149
في سياق النفي تعم بخلاف الإثبات. ويدخل في الإثبات الأمر، وإذا كان المعنيان لا يمكن الجمع بينهما امتنع حمل المشترك عليهما قولًا واحدًا كحمل صيغة "افعل" على طلب الفعل والتهديد.
وقوله: "لضد السلب" مقتضى كلامه أن الإثبات ضد النفي ومراده الضّدُّ اللغوي لا الاصطلاحي؛ لأن النفي والإثبات ليسا بضدَّيْن اصطلاحًا، وإنما هما في الاصطلاح نقيضان.
١٩٨ - وفي المجازَيْن أو المجازِ ... وضِدّه الإطلاقُ ذو جوازِ
يعني أنه يجوز لغة إطلاق اللفظ على مجازَيْه أو على مجازه وحقيقته. فمثال إطلاقه على مجازَيْه قولك: "لا أشتري" وتريد لا أسوم، ولا يشتري لي وكيلي. ومثال إطلاقه على حقيقته ومجازه عندهم قوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج/ ٧٧] فإن صيغة الأمر حقيقة في الوجوب مجاز في الندب، وهو مستعمل هنا فيهما لتناول الأمر للواجب والمندوب في قوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ ومحل جواز إطلاق اللفظ على مجازَيْه أن تقوم قرينة على إرادتهما، أو يكونا متساويين في الاستعمال ولا مرجح لأحدهما، فإن رجح أحدهما تعين، وأن لا يتنافيا كالتهديد والإباحة.
ومحل جواز إطلاقه على حقيقته ومجازه فيما إذا ساوى المجازُ الحقيقةَ في الشهرة، فإن لم يساوها امتنع إرادته معها، وإن حمل على حقيقته ومجازه معًا يكون مجازًا، وقيل: حقيقة ومجازًا باعتبارين، وقول المؤلف: "أو المجاز وضده"، يعني المجاز والحقيقة، أي حمل اللفظ عليهما معًا.
стр. 150
فصل: الحقيقَة
هي من حق الشيء يحُق بالكسر والضم إذا ثبت ووجب، فهي فعيل بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول من حقَّقته إذا أثبته. وهي في الاصطلاح: الكلمة الثابتة في مكانها الأصليّ على الأول أو المُثبتة فيه على الثاني، والتاء في الحقيقة للنقل من الوصفية إلى الاسمية، فهي علامة للفرعية كما أن المؤنث فرع المذكر، وقيل: للتأنيث وعليه صاحب "المفتاح" (١).
١٩٩ - منها التي للشرع عَزْوها عُقِلْ ... مرتَجَلٌ منها ومنها منتقِلْ
يعني أن من أقسام الحقيقة ، الحقيقةُ الشرعية، وباقي الأقسام هو الحقيقة العرفية، والحقيقة اللغوية.
أما الحقيقة الشرعية: فتقريبها للذهن: أن يكون اللفظ موضوعًا وضعًا عامًّا شاملًا لجميع الأفراد الداخلة في (٢) مُسَمّاهُ، فيسمِّي الشرع بعض تلك الأفراد بذلك الاسم العام، كالصوم فإنه وُضِع لكل إمساك، فمن أمسك عن الكلام فقد صام لغةً، كما قال تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم/ ٢٦] أي إمساكًا عن الكلام، بدليل قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم/ ٢٦]. ومن أمسك عن الجري فقد صام
стр. 151
لغة، ومنه قول النابغة (١):
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمة ... تحت العَجاج وأخرى تعْلُك اللُّجُما
فقوله: "صيام" أي ممسكة عن الجري، وقيل: عن العلف.
ومن الصوم بمعنى الإمساك عن المشي قول امرئ القيس (٢):
كأن الثريا عُلِّقت في مَصامِها ... بأمْراسِ كَتَّانٍ إلى صُمِّ جندل
فقوله: "مَصامِها" يعني مكان صومها أي إمساكها عن المشي.
وقد خص الشرعُ هذه الحقيقة ببعض أفرادها وهو: إمساك البطن والفرج عن شهوتيهما بنيَّةٍ من الفجر إلى الغروب، دون غير ذلك من الأفراد التي يصْدُق عليها الصوم لغة.
وأما الحقيقة العرفية فهي أن يختصّ الاستعمال عرفًا ببعض ما دلَّ عليه اللفظ لغة، كالدابة فإنها في اللغة لكل ما دبَّ، وفي العرف تستعمل في بعض ما يدب دون بعض، فالنوع الذي تستعمل فيه من الدواب عُرْفًا هو حقيقتها العرفية.
والحقيقة اللغوية هي التي لم ينقلها عن أصلها استعمالٌ شرعي ولا عرفي.
وأما الحقيقة العقلية فلا ذِكْر لها في الأصول، وإنما تذكر في فنِّ البيان وهي: إسناد الفعل ونحوه لمن هو له في اعتقاد المتكلم، كقول الموحِّد: "أنبتَ اللَّهُ البقلَ"، وكقول الطبائعي: "أنبتَ الربيعُ البقلَ".
стр. 152
وقول المؤلِّف: "منها" أي من أنواع الحقيقة: الحقيقة التي عقل عزوها للشرع فقيل لها: حقيقة شرعية.
وقول المؤلف: "مرتجل منها" إلخ، يعني أن الحقيقة الشرعية منها ما هو مرتجل، أي موضوع وضعًا مؤتنفًا من غير نقل من اللغة، ومنها ما هو منقول من اللغة، وقد قدمنا أن نقله من اللغة هو خصوصه شرعًا ببعض مدلوله اللغوي، وكون الشرعية منها مرتجل ذكره المؤلف هنا (١) تبعًا لحلولو ناقلًا عن الرَّهوني (٢)، والظاهر أنه غير صحيح وأن الحقيقة الشرعية ليس فيها مرتجل ألبتة كما صرح به الشَّارِمْساحي (٣) في "شرح ابن الجلاب" (٤) وهو الحق خلافًا لما ذكره المؤلف، والاستقراء التام دليل على ذلك.
٢٠٠ - والخُلْفُ في الجواز والوقوعِ ... لها من المأثُوْر والمَسْموعِ
يعني أنهم اختلفوا في جواز وقوع الحقيقة الشرعية. والقائلون
стр. 153
بجوازها عقلًا اختلفوا أيضًا هل واقعة أم لا؟
فالذين قالوا لا تجوز عقلًا هم المعتزلة لا غيرهم، وحُجَّتهم في منع إمكان الشرعية: أن بين اللفظ والمعنى مناسبة مانعة من نقله إلى غيره، ويلزم على هذا منع العرفية أيضًا.
والذين قالوا ليست الشرعية واقعة منهم: القاضي الباقلاني، وابن القشيري، وبعض الحنابلة والشافعية زاعمين أن اللفظ مستعمل في معناه اللغوي، والشرع زاد شروطًا زائدة على اللغوي، فلفظ الصلاة -مثلًا- على هذا القول مستعمل في الشرع في معناه اللغويّ وهو الدعاء بخير، لكن اشترط الشرع في الاعتداد به أمورًا زائدة كالركوع والسجود. وردَّ هذا القول إمام الحرمين في "البرهان" (١) بالإجماع على أن الركوع والسجود من الأركان التي هي من نفس (٢) الصلاة لا أنها شروط؛ لأن الشرطَ خارج عن الماهية. وردَّه غيرُ إمام الحرمين بأن فيه جَعْل الأعظم شرطًا والأقل مشروطًا وهو خلاف القياس.
وفي الشرعية قولٌ آخر لم يذكره الناظم في النظم وهو: أن الحقيقة الشرعية واقعة في الفروع العملية لا في أصول الدين، فتقع في الصوم والزكاة -مثلًا- ولا تقع في الكفر والإيمان على هذا القول، والظاهر وقوعها في الكل والعلم عند اللَّه تعالى.
٢٠١ - وما أفادَ لاسمِه النبيُّ ... لا الوضعُ مطلقًا هو الشرعِيُّ
стр. 154
يعني أن الحقيقة الشرعية هي: ما استُفِيْدت تسميتها من جهة الشرع لا من مطلق الوضع اللغوي، فالصوم -مثلًا- سُمِّي به إمساك البطن والفرج كما تقدم، وهذه التسميه غير مستفادة من مطلق الوضع، لأن الوضع لا يخص الصوم بذلك الإمساك دون غيره من سائر الإمساكات، وإنما اسْتُفيد خصوصه به وانصرافه إليه عند الإطلاق من جهة الشارع، وقد بينا معنى هذا فيما مضى.
٢٠٢ - وربما أطلِقَ في المأذون ... كالشُّرْبِ والعِشاءِ والعيدينِ
يعني أنه قد يطلق لفظ الشرعي على ما أَذِن فيه الشرع من واجب ومندوب ومباح، فالشرعي في البيت قبل هذا مراد به المعنى، وهذا مراد به اللفظ على سبيل الاستخدام، فالواجب كقولك: "صلاة العشاء مشروعة" أي واجبة، والمندوب كقولك: "من النوافل ما تشرع فيه الجماعة" أي تُنْدَب كالعيدين، والمباح كأنْ تقول في شُرْب الحائض والمسافر في رمضان: "هذا الشرب مشروع".
стр. 155
المجَاز
هو في اللغة مكان الجواز، وفي الاصطلاح هو: اللفظ المستعمل في غير ما وُضع له لعلاقة بينهما مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي. وهذا تعريف المجاز المفرد لأنه هو المقصود عند الأصوليين، أما المجاز المركب، والمجاز العقلي فليس لهما ذِكر في الأصول، وإنما يُذكران في فنِّ البيان.
٢٠٣ - ومنه جائزٌ وما قد مَنَعوا ... وكلُّ واحدٍ عليه أجمعوا
يعني أن من المجاز ما هو جائز بالإجماع، ومنه ما هو ممنوع بالإجماع، وقد قدَّمنا قسمًا مُخْتَلَفًا فيه، وهو: الجمع بين حقيقتين أو مجازين، أو حقيقة ومجاز، فتحصَّل أنه باعتبار المنع والجواز ثلاثة أقسام: قسم جائز، وقسم ممنوع، وقسم مختَلَف فيه، وأشار إلى القسم الجائز بقوله:
٢٠٤ - ماذا اتحادٍ فيه جاء المَحْمَلُ ... ولِلْعلاقةِ ظهورٌ أوّلُ
قوله: "ما" مبتدأ، وخبره "أول"، يعنى أن أول القسمين المذكورين وهو: الجائز اتفاقًا هو: ما كان له محمل واحد وكانت علاقته ظاهرة بينة، كقولك: "رأيت أسدًا يرمي"، فمحمل هذا الكلام واحد إذ لا يحتمل غير الرجل الشجاع، والعلاقة بين الأسد والرجل ظاهرة وهي الشجاعة. وقول المؤلف: "ذا" حال من المحمل، أي ما جاء فيه المحمل حال كونه "ذا اتحاد" أي متحدًا، واحترز باتحاد المحمل من
стр. 156
الحقيقة والمجاز والحقيقتين والمجازَيْن، لأن المحمل متعدد في كلها، وقوله: "المَحْمَل" بفتح الميمين وهو المعنى الذي يُحمل عليه اللفظ.
وظاهر المؤلف أن مثل هذا المجاز مُجمع عليه، وليس كذلك، لأن قومًا منهم الفارسي، وأبو إسحاق الإسفراييني أنكروا المجاز في اللغة من أصله، وقالوا: إن ما يسميه القائلون بالمجاز مجازًا ليس بمجاز، وإنما هو أسلوب من أساليب اللغة العربية، ونفاه قوم في خصوص القرآن، منهم ابن خُويز منداد من المالكية، وابن القاصّ من الشافعية، ومَنَعه الظاهرية في الكتاب والسنة معًا (١).
قال مقيده عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي عدم جواز إطلاقه في القرآن، لأن المجاز يجوز نفيه، كما يأتي للمؤلف أن من علامات الحقيقة عدم جواز النفي، فيلزم على القول بالمجاز في القرآن أن في القرآن ما يجوز نفيه وكل ما يلزم المحظور فهو محظور، والعلم عند اللَّه تعالى (٢).
٢٠٥ - ثانيهما ما ليسَ بالمفيدِ .. لِمَنْع الانتقال بالتعقيدِ
يعني أن ثاني القسمين وهو القسم الممنوع اتفاقًا هو ما كان غير مفيد للمقصود لما فيه من التعقيد المعنوي المانع من فهم المراد، كما لو قلت: "رأيتُ أسدًا يرمي" تريد رجلًا أبخر، فإن الأسد وإن كان أبخر، فاستعارته للرجل الأبخر بعلاقة البَخَر غيرُ متعارفة في اللِّسان العربيّ،
стр. 157
وعدم تعارفها يمنع من فهم المراد، فهذا التعقيد المعنوي يمنع المجاز.
وقوله: "لمنع الانتقال" أي الانتقال من المعنى الحقيقي إلى المجازي بحيث يستعمل اللفظ الموضوع للحقيقي في المجازي، وذلك المنع بسبب التعقيد المعنوي وهو عدم ظهور المعنى.
٢٠٦ - وحيثُما استحال الأصل يُنتقلْ ... إلى المجاز أو لأقرب حَصَلْ
يعني أنه إذا تعذَّرَت الحقيقة يجب عند المالكية الانتقال إلى المجاز إذا كان واحدًا، أو إلى أقرب المجازَيْن إن تعدَّد، ومثلوا لهذا بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة/ ٦] قالوا: حقيقةُ المأمور بمسحه جلدة الرأس ولهذه الحقيقة مجازان؛ أحدهما: أبعد وهو العمامة، والثاني: أقرب للحقيقة وهو شعر الرأس، فيجب الأقرب، فيمسح على الشعر لا على العمامة، وما ثبت عنه ﷺ من مسحه على العمامة (١) حملوه على ما إذا خيف بنزعها ضرر كما قال خليل: "وعمامة خيف بنزعها ضررٌ" (٢).
٢٠٧ - وليس بالغالبِ في اللُّغاتِ ... والخلْفُ فيهِ لابن جنِّي آتِ
يعني أن المجاز ليس بغالب في اللغات، أي المفردات والمركبات، خلافًا لابن جنِّي -بالجيم وسكون الياء، معرَّب كِنِّي بين الكاف والجيم- في قوله: إنهَ غالب في كل لغة على الحقيقة، زاعمًا أنه ما من لفظ إلا
стр. 158
واستعماله مجازًا مقرونًا بالقرينة أكثرُ من استعماله حقيقة بالاستقراء قائلًا: أكثر كلام البلغاء تَشْبيهات واستعارات، وإسناد الأفعال إلى من لا يصح أن يكون فاعلًا كالحيوانات والدهر والأطلال ونحو ذلك، وأن عُرْف التخاطب كذلك كقولهم: سافرت إلى البلاد، ورأيت العباد، ولبست الثياب، وملكت العبيد، مع أنه لم يسافر إلى كل البلاد، ولم يَرَ كُلَّ العباد. . . إلخ (١). ولا يخفى سقوط قول ابن جِنِّي بأن الغالب في اللغات المجاز، وأنَّ ما سماه مجازًا حقائق الغوية.
٢٠٨ - وبعدَ تخصيصٍ مجازٌ فَيَلي ... الإضمارُ فالنقلُ على المعوَّل
٢٠٩ - فالاشتراك بعدَه النسخُ جرى ... لكونِه يُحتاط فيه أكثرا
يعني أن التخصيص، والمجاز، والإضمار، والنقل، والاشتراك، والنسخ، إذا تعارضت فالمقدَّم التخصحص، ثم المجاز، ثم الإضمار، ثم النقل، ثم الاشتراك، ثم النسخ على خلافٍ في بعضها سنذكره إن شاء اللَّه.
أما التخصيص فسيأتي تعريفه في قول المؤلف: "قصر الذي عم" (٢) إلخ. وأما المجاز فقد تقدم الكلام عليه. وأما الإضمار فهو دلالة الاقتضاء المتقدمة في قوله: "وهو دلالة اقتضاء أن يدل" (٣) إلخ. وأما النقل فهو نقل الكلمة إلى معنى آخر، والظاهر أنه نوعٌ من المجاز إذ لا يكاد يُعقل الفرق بشهما. وأما الاشتراك فقد تقدم الكلام عليه في
стр. 159
قوله: "في رأي الأكثر وقوع المشترك" (١).
وأما النسخ فسيأتي في قوله: "رفع لحكم أو بيان الزمن" (٢) إلخ.
ومثال تقديم التخصيص على المجاز -كما رجحه المؤلف وغيره- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام/ ١٢١] فهو مخصوص عند الجمهور بغير النَّاسِي للتسمية فتؤكل ذبيحته، وحَمَله الشافعي على المجاز وأن المراد به ما أُهِل به لغير اللَّه أو ما مات من غير تذكية، فيقدَّم التخصيص على المجاز على الراجح، ورجحانه من وجهين:
الأول: أن اللفظ يبقى في بعض الحقيقة كلفظ المشركين في: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ هو خرج أهل الذمة وبقي الحربيون وهم بعض المشركين، فعلى أنه تخصيص فهو أَقرب للحقيقة.
الثاني: إذا خرج بعضٌ بالتخصيص بقي اللفظ مستصحبًا في الباقي من غير احتياج إلى القرينة، قال القرافي (٣): وهذان الوجهان لا يوجدان في غير التخصيص.
قال مُقيده عفا اللَّه عنه: هذا الوجه الأخير يدل على أن العام المخصوص حقيقة في الباقي بعد التخصيص، كما يأتي تحقيقه عند قول المؤلف: "وذاك للأصل وفرع يُنْمى" (٤).
стр. 160
ومثال تقديم المجاز على الإضمار: قول السيد لعبده الذي هو أكبر منه سنًّا: أنت أبي، فإنه يحتمل المجاز من باب إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، أي أنت عتيق، لأن الأبُوَّة يلزمها العتق شرعًا، واللازمية والملزومية كلتاهما من علاقات المجاز المرسل كما هو مقرر في محله، ويحتمل الإضمار أي أنت مثل أبي في الشفقة والتعظيم، فيكون من التشبيه البليغ. فعلى الأول يُعتق وهو الذي رجَّحَه المؤلف، وعلى الثاني لا يعتق، ورجح بعضهم الثاني.
حُجَّة من رجح المجاز على الإضمار أن المجاز أكثر، قال القرافي (١): "والكثرة تدل على الرجحان". وحجة من رجح الإضمار على المجاز أن قرينة الإضمار متصلة به لما قدمنا من أن قرينة الاقتضاء -الذي هو الإضمار- هي توقُّف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه، وذلك غاية الاتصال، بخلاف قرينة المجاز فإنها منفصلة خارجة عنه.
وقال بعض العلماء: هما سيَّان لاحتياج كل منهما إلى قرينة، وهو وجيه، لأن قرينة المجاز قد تكون استحالة الحقيقة، والاستحالة لا تقصر عن قرينة الاقتضاء كما هو ظاهر.
ومثال تقديم الإضمار على النقل: قول الحنفي: إن درهم الربا إذا أسقط صح العقد لأن قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة/ ٢٧٥] يحتمل الإضمار أي: آخْذ الربا كما حمله عليه أبو حنيفة، فلو حذف
стр. 161
درهم الربا صح العقد، ويحتمل النقل، أي نقل "الربا" -الذي هو لغةً الزيادة- إلى العقد شرعًا فيكون المعنى تحريم العقد وفساده مطلقًا ولو حُذِف الدرهم الزائد المؤدي إلى التحريم.
حجة من قال بتقديم الإضمار على النقل هي سلامة الإضمار من نسخ المعنى الأول، بخلاف النقل فإنه ينسخ المعنى الأصليَّ.
قال مقيِّدهُ عفا اللَّه عنه: ذَكَرَ هذه الحجة لتقديم الإضمار على النقل المؤلِّفُ في "الشرح" (١) تَبَعًا لغيره، ولا يخفى أن هذه الحجة تقتضي تقديم الإضمار على المجاز؛ لأن المجاز فيه نسخ المعنى الأصلي أيضًا، ولما قدمنا من أن النقل مجاز فانظره، لأن تقديم المجاز على الإضمار وتأخير النقل عنه مع أن النقل مجاز لا يخلو من إشكال.
ومثال تقديم النقل على الاشتراك: لفظ "الزكاة" إذا أريد به الجزء المخرجُ من المال، فإنه يحتمل النقل عن المعنى الأصلي الذي هو النماء، ويحتمل الاشتراك بينه وبين الجزء المخرَج فيُحْمَل على النقل لأن الاشتراك يخل بالفهم اليقينيّ.
وقول المؤلف: "بعده النسخ" إلخ، يعني أن الاشتراك مقدَّم على آخر المراتب الذي هو النسخ، لأن النسخ يُحتاط فيه أكثر لتصييره اللفظ باطلًا فتكون مقدماته أكثر. قاله في "التنقيح" (٢).
ولم أر من مَثَّل لتعارض الاشتراك والنسخ، والذي يظهر لي أنه لا
стр. 162
يتأتَّى إلّا في المشتركيْن المتضادَّيْن كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ لأن القُرْءَ مُشْترك بين الطُّهر والحيض وهما ضدَّان، كما أن الناسخ والمنسوخ ضدان، فيُحْمَل الضدان على الاشتراك ولا يحملان على النسخ إلا بدليل على النسخ، كما يأتي للمؤلف من أن النسخ لا بد له من دليل خاص في قوله: "الإجماع والنص على النسخ" (١) إلخ.
تنبيه: هذا الذي ذكره المؤلف من تقديم التخصيص، ثم المجاز، ثم الإضمار. . . إلخ لا ينافي ترجيح المتأخر المرجوح في بعض الصور بِمُدْرَكٍ يخصُّه، كترجيح النقل على الإضمار في آية: ﴿وَحَرَّمَ اَلرِّبَا﴾ ونحو ذلك.
وقول المؤلف: "فيلي الإضمارُ" هو بالرفع فاعل "يلي" والمفعول محذوف أي يلي الإضمارُ المجازَ. وجَمَع بعضُهم هذه المسائل في بيتين فقال:
يُقدَّم تخصيصٌ مجازٌ ومضمَرٌ ... ونَقْلٌ يليه واشتراكٌ على النسخ
وكلٌّ على ما بعدَه متقدِّمٌ ... وقدَّم أضْدَادَ الجميع ذوو الرسخ
قال مقيّده عفا اللَّه عنه: قول ناظم البيتيْن: "وقدم أَضدَادَ الجميع" وجيهٌ في غير التخصيص، أما التخصيص فلا يقدَّم عليه ضده الذي هو العموم بل يقدَّم هو على العموم كما سيأتي.
٢١٠ - وحيثما قصدُ المَجاز قد غَلَبْ ... تعيينُه لدى القرافي مُنْتَخَبْ
٢١١ - ومذهبُ النعمانِ عكسُ ما مضى ... والقوْلُ بالإجمال فيه مُرْتضى
стр. 163
يعني أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح بكثرة الاستعمال، كلفظ "الدابة" الذي هو حقيقة مرجوحة في كلِّ ما دب، مجاز راجح في ذوات الحافر في أكثر البلاد، وفي بعضها للحمار وفي بعضها للحيَّة، فإن في ذلك ثلاثة مذاهب:
الأول: تعيين حمل اللفظ على المجاز لرجحانه بكثرة الاستعمال، وعزاه المؤلف في "الشرح" (١) لأبي يوسف، واختاره القرافي (٢)، وهو معنى قول المؤلف: "تعيينه لدى القرافي منتخب" أي مختار، ولا يُحمل على الحقيقة إلا بنيته (٣) أو قرينة.
الثاني: حمله على الحقيقة لرجحانها بالأصالة، ولا يُحمل على المجاز إلا بنيته أو قرينة، وهو قول أبي حنيفة، وهو مراد المؤلف بقوله: "ومذهب النعمان عكس ما مضى".
الثالث: وهو قول الإمام (٤)، واختاره السبكي في "جمع الجوامع" (٥) أن اللفظ يكون مجملًا فلا يُحمل على المجاز لرجحان الحقيقة بالأصالة، ولا على الحقيقة لرجحان المجاز بكثرة الاستعمال، فيتساوى الاحتمالان؛ لأن لكل منهما مرجِّحًا فيكون اللفظ مجملًا،
стр. 164
وهو مراد المؤلف بقوله: "والقول بالإجمال فيه مرتضى".
٢١٢ - أجْمَعَ إنْ حقيقةٌ تُماتُ ... على التقدُّمِ له الأثباتُ
يعني أن الأثبات -أي العلماء- أجمعوا على تقديم المجاز على الحقيقة إن أُميتت الحقيقة أي هُجِرت بالكلية، فمن حلف: لا يأكل من هذه النخلة، حَنَث بثمرها دون خشبها الذي هو الحقيقة لأنها مُمَاتة مهجورة.
وقوله: "الأثبات" بفتح الهمزة جمع ثَبَت فاعل "أجمعَ"، و"إن" شرطية، و"حقيقة" نائب فاعل "تُمات" محذوفة دل عليها "تمات" المذكورة، لِمَا تقرَّر من أن أدوات الشرط لا تتولاها إلا الجمل الفعلية، وهو الصحيح عند النحويين خلافًا لبعضهم زاعمًا أن الشرط ربما ولي جملة اسمية، وجعل بعضُهم منه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ﴾ [الإسراء/ ١٠٠] الآية.
٢١٣ - وهو حقيقةٌ أو المَجازُ ... وباعتبارَيْن يجي الجوازُ
يعني أن اللفظ المستعمل في معنى لا يخلو إما أن يكون حقيقة فقط، أو مجازًا فقط، كالأسد للحيوان المفترس أو للرجل الشجاع، ويجوز أن يكون حقيقة ومجازًا معًا باعتبارين كالصوم -مثلًا- فإنه حقيقة لغوية مجاز شرعيّ في كل إمساك، وحقيقة شرعية مجاز لغوي في خصوص إمساك البطن والفرج. وكالدَّابة فإنها حقيقة لغوية مجاز عرفيّ في كل ما دَبّ، حقيقة عرفية مجاز لغويّ في ذوات الحافر مثلًا، وهذا مراده بقوله: "وباعتبارين يجي الجواز".
قال مُقَيّدهُ عفا اللَّه عنه: حَصْر المؤلف اللفظ في الحقيقة والمجاز
стр. 165
لا يستقيم إلا على القول بأن الكناية حقيقة أو أنها مجاز، وأما على القول بأنها لا حقيقة ولا مجاز، فهي واسطة يختلُّ بها الحَصْر الذي ذكره المؤلف هنا، والعلم عند اللَّه تعالى.
٢١٤ - واللفظُ محمولٌ على الشرعيّ ... إن لم يكن فمطلَقُ العرفيّ
٢١٥ - فاللغوي على الجَلي. . . . ... . . . . . . . . . . . . .
يعني أن اللفظ يُحمل على معناه الشرعيّ إن كان من الشارع، فالصوم في كلام الشارع -مثلًا- يجب حمله على خصوص إمساك البطن والفرج، دون غيره من الإمساكات، وهذا معنى قوله: "واللفظ محمول على الشرعيّ".
فإن لم يكن في اللفظ استعمال شرعي خاص وجب حملُه على معناه العرفيّ كما قدمنا عن أبي يوسف والقرافِيّ، كالدابة -مثلًا- فمن أوصى بدابة حُمِل على المتعارف في الدابة عند الناس، وهذا هو مراده بقوله: "إن لم يكن فمطلق العرفي" ومراده بالإطلاق في العرف يعني سواءٌ كان عرفًا عامًّا أو خاصًّا بأهل بلد، وسواءٌ كان عرفًا قوليًّا أو فعليًّا خلافًا لخليل (١) القائل بعدم اعتبار العرف الفعلي تَبَعًا للقرافي (٢).
ومثال العُرْف الفعليّ: أن يكون أهل بلد لم يأكلوا قط إلا خبز البر، فَحَلَف أحدهم لا يأكل خبزًا، فأكل خبزَ شعير، فإنه يحنث عند القرافي وخليل لعدم اعتبارهما العرف الفعلي. أما العُرْف القولي فواضح.
стр. 166
وقوله: "فاللغوي"، يعني أنه إن لم يوجد في اللفظ اصطلاح شرعي ولا عرفيّ فإنه يجب حمله على معناه اللغويّ. وقوله: "على الجلي" أي على القول الظاهر، خلافًا لمن قدَّم اللغويّ كما تقدم عن أبي حنيفة، وخلافًا لمن يجعله مجملًا كما تقدم عن الإمام والسبكي، وخلافًا لمن لا يعتبر العرف الفِعْلِيَّ كالقرافي وخليل، وخلافًا لمن أخر الشرعي كخليل وانتصر له الرَّهوني. وتسكين "ياء" اللغوي والجلي لضرورة الوزن.
. . . . . . ولم يَجِبْ ... بحثٌ عن المجازِ في الذي انتُخِبْ
يعني أنه يجوز حمل اللفظ على معناه الحقيقي قبل البحث عنه هل هو مستعمل في معناه المجازي؛ لأن الأصل عدم المجاز بلا قرينة كما يدل عليه كلام الفِهْرِيّ. وقوله: "انتُخِب" بالبناء للمفعول بمعنى اختير، ومقابله قول القرافي: إنه لا يصح التمسُّك بالحقيقة إلا بعد الفَحْص عن المجاز. وهذا الخلاف يجري في العام مع الخاص؛ هل يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصِّص أو لا؟ والحق جوازه لأن الأصل لا ينتقل عنه إلا بموجب.
٢١٦ - كذاك ما قابل ذا اعتلالِ ... من التأصُّلِ والاستقلالِ
٢١٧ - ومِنْ تأسُّسٍ عمومٍ وبقا ... الإفرادُ والإطلاق مما يُنْتقَى
٢١٨ - كذاك ترتيبٌ لإيجاب العمل ... بما له الرجحانُ مما يُحْتَمَل
يعني أن هذه الأمور الثمانية المذكورة في هذه الأبيات الثلاثة تُقَدَّم على مقابلاتها، كما قدم الشرعي ثم العرفي.
الأول: التأصُّل، فإنه يقدم على مقابله الذي هو الزيادة، ومثاله
стр. 167
قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد] قيل: "لا" زائدة وقيل: نافية.
الثاني: الاستقلال، يقدَّم على مقابله الذي هو الإضمار، ومثاله قوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة/ ٣٣] الآية، قال الشافعيُّ وغيرُه: يُقتلون إن قتلوا وتُقْطع أيديهم إن سرقوا، والمالكية يقولون: الأصل عدم الإضمار أي الحذف فيخير الإمام بين الأمور المذكورة، فيجوز القتل وإن لم يَقْتلوا والقَطْع وإن لم يسرقوا.
الثالث: التأسيس، يقدَّم على مقابله الذي هو التوكيد كقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ في سورة الرحمن. وقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ في المرسلات، فيحمل على تنوُّع الآلاء في الأول، والمكَذَّب به في الثاني فلا يتكرر.
الرابع: العموم، فإنه يقدم على مقابله الذي هو التخصيص، وقيدَّه المؤلف في "الشرح" (١) بكونه قبل البحث عن المخصص، ولا معنى له عندي، لأنه قبل العثور على المخصِّص لم يكن هناك مقابل للعموم موجودًا وبعد العثور على المخصِّص فهو مقدَّم على العامّ فاتضح أن ذكر العموم هنا فيه نظر، وكذلك ذكر الإطلاق الآتي قريبًا.
الخامس: البقاء، يقدم على مقابله الذي هو النسخ، ومثَّل له المالكية بذي الناب من السباع، وذي المخلب من الطير، دلّ قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام/ ١٤٥] الآية على إباحته، وثبت
стр. 168
عنه ﷺ النهي عنه (١)، فاختلف فيه هل النهي ناسخ للآية أم لا؟ فيكون المصدر مضافًا إلى فاعله، فيكون الحديث مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة/ ٣].
قال مقيّدهُ عفا اللَّه عنه: جَعْل النسخ والبقاء متقابِلَيْن فيه عندي نظر، لأن النسخ أيضًا قبل ثبوته لم يكن مقابلًا للبقاء، وبعد ثبوته فهو مقدَّم على البقاء، كما هو ظاهر (٢).
* * *
стр. 169
٢١٩ - وإن يجي الدليل للخلافِ ... فقدِّمَتَه بلا خلاف (١)
يعني أن محل ترجيح المذكورات على مقابلاتها المرجوحة حيث لا دليل لخلاف الأصل يعضده "فقدِّمَنَّه" أي خلاف الأصل على الأصل "بلا خلاف".
٢٢٠ - وبالتبادر يُرَى الأصيلُ ... إن لم يكُ الدليلُ لا الدخيلُ
يعني أن المعنى الأصيل وهو الحقيقة "يُرى" أي يُعرف بالتبادر إلى الفهم "إن لم يكُ الدليل" أي حيث فُقِدت القرينة فالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن من اللفظ عند عدم القرينة هو المعنى الحقيقي له. قوله: "لا الدخيل" يعني أن المعنى الدخيل وهو المجاز لا يتبادر إلى الذهن إلا بالقرينة.
٢٢١ - وعدم النفي والاطّراد ... إن وُسِم اللفظُ بالانفراد
يعني أن الأصل يُعرف بعدم صحة نفيه في نفس الأمر لا لفظًا ولا لغة، وبه احترز عن قوله: ما أنت بإنسان لصحته لغة. قاله العضد. ويُعرف أيضًا بوجوب الاطراد فيما يدل عليه "إن وسم اللفظ بالانفراد" أي عُرف بعدم الترادف وإلا فلا يجب الاطراد لجواز التعبير بكل من المترادفين مكان الآخر، مع أن كلًّا منهما حقيقة فما لا يطرد أصلًا مجاز. قال المحلِّي: كما في ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي أهلها ولا يقال: واسأل البساط أي صاحبه.
٢٢٢ - والضدُّ بالوقف في الاستعمال ... وكون الاطلاق على المحال
стр. 170
يعني أن ضد الحقيقة وهو المجاز يُعرف "بالوقف" أي توقف اللفظ في إطلاقه عليه واستعماله فيه على المسمى الآخر الحقيقي، وهذا هو المسمى عند أهل البديع بالمشاكلة نحو: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ فقوله: ﴿وَمَكَرُوا﴾ حقيقة وقوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ مجاز (١). وعلامة كونه مجازًا توقف صحة إطلاقه على اللَّه على تقدم ﴿مَكَرُوا﴾ عليه لأن إطلاق اللفظ على معناه الحقيقي لا يتوقف على شيء.
ويُعرف أيضًا المعنى المجازي بكون إطلاق اللفظ على المعنى الحقيقي إطلاقًا على المستحيل عليه ذلك الإطلاق نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أطلق سؤال القرية على معنى هو استفهامها وهو مستحيل واستحالته يعرف بها أن المراد سؤال أهلها.
٢٢٣ - وواجبِ القيدِ وما قد جُمعا ... فخالفَ الأصل مجازًا سُمِعا
يعني أن المعنى المجازي يُعرف بوجوب تقييد اللفظ الدال عليه كـ "جناح الذل" و"نار الحرب" الأول بمعنى لين الجانب، والثاني بمعنى شدة الحرب، فإنه التزم تقييد كل من الجناح والنار بما أضيف إليه وتلك الإضافة قرينة المجاز، والتزامها علامة تمييز المجاز عن الحقيقة.
قوله: "وما قد جُمعا" إلخ يعني أن اللفظ الذي يجمع على خلاف جمع
стр. 171
الحقيقة سُمِع حالَ كونه مجازًا؛ لأنَّ جمعَه على خلاف جمع الحقيقة علامة كونه مجازًا كالأمر بمعنى الفعل مجازًا يجمع على أمور بخلافه بمعنى القول حقيقة فإنه يُجمع على أوامر، وهذا مقيَّد بما عُلِم له معنى حقيقي وتُردِّد في معناه الآخر فيستدل على أنه مجاز باختلاف الجمع دفعًا للاشتراك.
المُعَرَّب
بفتح الراء المشددة أي هذا مبحثه.
٢٢٤ - ما استعملت فيما له جا العرَبُ ... في غير ما لغتهم مُعَرَّب
يعني أن المعرَّب هو اللفظ الذي استعملته العرب في معنى وضع له في غير لغتهم، فخرج الحقيقة والمجاز العربيتان؛ إذ كل منهما استعمل فيه اللفظ فيما وضع له في لغتهم.
٢٢٥ - ما كان منه مثلُ إسماعيلِ ... ويوسفٍ قد جاء في التنزيلِ
٢٢٦ - إن كان منه. . . . . ... . . . . . . . . . . . . .
يعني أن ما كان منه أي المعرَّب علَمًا مثل إسماعيل ويوسف وإبراهيم وإسحاق ويعقوب قد جاء في التنزيل أي القرآن.
"إن كان منه" أي إن كان نحو هذا من المعرَّب بناءً على أن الأعلام من المعرب.
. . . . . . واعتقاد الأكثرِ ... والشافعيِّ النفيُ للمنكر
стр. 172
يعني أن "اعتقاد الأكثر" من العلماء أي رأيهم ورأي الشافعي هو نفي وقوع المعرَّب المنكَّر في القرآن؛ إذ لو كان فيه لاشتمل على غير عربي فلا يكون كله عربيًّا وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف/ ٢]. وقيل: إنه فيه كـ "استبرق" فارسية للديباج الغليظ، و"قسطاس" رومية للميزان، "ومشكاة" هندية للكُوَّة التي لا تنفذ.
٢٢٧ - وذاك لا يُبنى عليه فرعُ ... متى أبى رجوعَ دَرٍّ ضَرْعُ
يعني أن ذكر المعرَّب في الأصول [لا يُبْنى عليه فرع] ما دام اللبن يأبى الرجوع إلى الضرع بعد الخروج منه.
стр. 173
الكناية والتعريض
أي هذا مبحثهما.
٢٢٨ - مستعملٌ في لازم لما وُضِع ... له وليس قصده بممتنع
يعني أن الكناية لفظ مستعمل في لازم معناه الموضوع هو له مع جواز إرادة ذلك المعنى الحقيقي.
٢٢٩ - فاسم الحقيقة وضدٍّ ينسلب ... . . . . . . . . . . . .
أي فعلى تفسير الكناية بما ذَكَر "ينسلب" أي ينتفي عنها اسم الحقيقة وضدها الذي هو المجاز، فلا تكون حقيقة لاستعمالها في غير ما وضعت له، ولا مجازًا لجواز إرادة المعنى الذي وضعت له.
. . . . . . . . . . . . . . . . ... وقيل بل حقيقة لما يجب
٢٣٠ - من كونه فيما به مُسْتعملا ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن بعضهم قال: إن الكناية حقيقة إذ اللفظ مستعمل فيما وُضِع له مرادًا به الدلالة على لازمه.
. . . . . . . . . . . . ... والقول بالمجاز فيه انتقلا
٢٣١ - لأجلِ الاستعمالِ في كليهما ... . . . . . . .
يعني أن القول "بالمجاز فيه" أي لفظ الكناية منتقل أي منقول عن بعض الأصوليين "لأجل استعمال اللفظ في كليهما" أي كلا المعنيين: المعنى
стр. 174
الحقيقي والمعنى اللازم له.
. . . . . . . . . . . . ... والتاجُ للفرع والأصل قَسَّما
٢٣٢ - مستعمل في أصله يرادُ ... لازمُه منه ويُستفاد
٢٣٣ - حقيقةٌ. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . .
يعني أن تاج الدين السبكي قسم الكناية إلى الفرع أي المجاز والأصل أي الحقيقة، فاللفظ المستعمل منها "في أصله" أي في معناه الأصلي حال كونه يراد به منه لازمه حقيقة نحو: "فلان طويل النِّجاد" وهو حمائل السيف استُعْمِل في طول حمائل السيف مقصودًا به طول القامة، لكن قصد المعنى الحقيقي هنا لا ليتعلق به النفي والإثبات ويرجع إليه الصدق والكذب بل لينتقل منه إلى لازمه فيكون مناط الإثبات والنفي ومرجع الصدق والكذب، فيصح الكلام وإن لم يكن له نجادٌ قط، بل وإن استحال المعنى الحقيقي.
. . . . وحيثُ الأصلُ ما قُصِد ... بل لازمٌ فذاك أوَّلًا وُجِد
أي وحيث لم يقصد المعنى الأصلي بل قصد المعنى اللازم فقط "فذاك" أي اللفظ المكنى به وُجِد من القسم الأول والذي هو المجاز.
٢٣٤ - وسمِّ بالتعريض ما اسْتُعْمِل في ... أصلٍ أو الفرع لتلويح يفي
٢٣٥ - للغير من معونةِ السياق ... وهو مركَّب لدى السُّبَّاق
أي سم بالتعريض اللفظ المستعمل في معناه الأصلي أي الحقيقي أو معناه الفرعي أي المجازي للتلويح به أي للإشارة به إلى معنى غير معناه المستعمل فيه، لا من جهة الوضع الحقيقي ولا من جهة المجازي، بل "من
стр. 175
معونة السياق" والقرائن وهذا المعنى المعرض به هو المقصود الأصلي على نحو قوله تعالى حكاية عن الخليل ﵊: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة كأنه غضب أن تُعبد الصغار معه تلويحًا للعابدين لها بأنها لا يصح أن تُعبد لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم من عجز الكبير عن كسر الصغار فضلًا عن غيره، والإله لا يعجز عن شيء.
قوله: "وهو مركب" يعني أن لفظ التعريض لابد أن يكون مركبًا تركيبًا إسناديًّا لدى العلماء السُّبَّاق، أي الحائزين قصب السبق في الفن كابن الأثير.
стр. 176
الأمر
أي هذا مبحثه، والمرادُ به في هذه الترجمة أعم من النفسي واللفظي.
٢٣٦ - هو اقتضاء فعل غير كَفِّ ... دُلَّ عليه لا بنحو كُفِّي
يعني أن الأمر النفسي (١) "هو اقتضاء" أي طلب تحصيل "فعل غير كف" مدلول عليه بغير كُف ودع وذَرْ وخَلِّ واترك. فتناول الاقتضاء ما ليس بكف نحو قم، وما هو كف مدلول عليه بنحو كف بخلاف الكف المدلول عليه بصيغة "لا تفعل" فليس بأمر، ولا فرق في الاقتضاء بين الجازم وغيره. والمراد بالفعل في قوله "اقتضاء فعل" الأمر والشأن فيشمل فعل اللسان كالقول وفعل القلب كالقصد وفعل الجوارح كالضرب.
وجملة "عليه" المبني للمفعول في محل نعت لكف المجرور بغير.
٢٣٧ - هذا الذي حدَّ به النفسيُّ ... وما عليه دَلَّ قل لفظيُّ
يعني أن هذا التعريف الذي ذُكِر في البيت قبل هذا هو الذي حُدّ به الأمر النفسي، واللفظ الدال عليه أي على الأمر النفسي هو الأمر اللفظي فاللفظي لفظ دال على اقتضاء فعل إلخ.
стр. 177
٢٣٨ - وليس عند جُل الأذكياء ... شرطُ عُلو فيه واستعلاءِ
يعني أن الأمر لا يشترط في حده نفسيًّا كان أو لفظيًّا وجود علو ولا استعلاء، بل يصح المساوِي والأدْوَن على غير وجه الاستعلاء [من] كون الطلب بغلظة وقهر. اهـ.
٢٣٩ - وخالف الباجي بشرطِ التالي ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن الباجي خالف الجمهور باشتراطه في حد الأمر القيد التالي وهو الاستعلاء.
. . . . . . . . . . . . ... وشرطُ ذاك رأيُ ذي اعتزال
يعني أن اشتراط العلو في حد الأمر هو مذهب المعتزلة، فإن كان من المساوي سُمِّي التماسًا، ومن الأدْوَن سُمِّي دعاءً وسؤالًا عندهم.
٢٤٠ - واعْتبِرا معًا على توهينِ ... لدى القشيري وذي التلقين
يعني أن العلو والاستعلاء "اعتبرا معًا" أي اشتُرِطا جميعًا في حدِّ الأمر لدى القشيري وصاحب "التلقين" وهو القاضي عبد الوهاب. "على توهين" أي مع ضعف لقولهما. فالحاصل أربعة مذاهب في اعتبار العلو والاستعلاء في حد الأمر أصحها أنه لا يعتبر واحد منهما.
٢٤١ - الأمر في الفعل مجاز ... ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن الأمر إذا استعمل في الفعل فهو مجاز نحو: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي الفعل الذي تُقْدِم عليه، وحقيقة في القول لتبادر القول دون الفعل من لفظ
стр. 178
الأمر إلى الذهن والتبادر علامة الحقيقة.
. . . . . . . . . . . . واعتمى ... تشريكَ ذَيْن فيه بعضُ العلما
يعني أن بعض العلماء اختار "تشريك ذين" أي الاقتضاء المعرف بما ذكر والفعل في الأمر فيطلق عليهما حقيقة.
٢٤٢ - وافعَل لدى الأكثر للوجوب ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن صيغة "افعل" حقيقة في الوجوب عند الأكثر من المالكية وغيرهم فيُحمل عليه حتى يصرف عنه صارف.
. . . . . . . . . . . . ... وقيل للندبِ أو المطلوب
أي وقيل: إن الأمر حقيقة في التدب لأنه المتيقَّن، وقيل إنه حقيقة في المطلوب أي مطلق الطلب وهو القدر المشترك بين الوجوب والندب. وبه قال الماتريدي.
تنيبه: حجة من قال إن الأمر حقيقة في الوجوب قوله تعالى لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ذمه على ترك السجود المأمور به في قوله: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ والذم لا يكون إلا في ترك واجب أو فعل محرم.
وحجة الندب أن الأمر تارةً يرد للوجوب كما في الصلوات الخمس، وتارةً للندب كما في صلاة الضحى، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فجُعِل حقيقة في رُجحان الفعل وجواز الترك الذي هو الندب لأنه الأصل من جهة براءة الذمة. وهذا بعينه هو حجة من قال: إن الأمر حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب. قاله في شرح التنقيح.
стр. 179
٢٤٣ - وقيل للوجوب أمرُ الرَّب ... وأمرُ من أرسلَه للندبِ
أي وقيل: إن أمر اللَّه تعالى حقيقة في الوجوب، وأمر من أرسله اللَّه تعالى حقيقة في الندب إذا كان مُبتدأ من جهته، بخلاف الموافق لأمر اللَّه تعالى في القرآن أو المبيِّن لمجمل القرآن فهو حقيقة في الوجوب. والمبتدأ من جهته ما كان باجتهاده وإن كان بمنزلة الوحي إذ لا يقع منه خطأ أو لا يُقر عليه. قاله في "الآيات البينات".
٢٤٤ - ومُفْهِمُ الوجوب يُدْرِي الشرعُ ... أو الحجا أو المفيدُ الوضعُ
يعني أنهم اختلفوا في الذي يُفهم منه دلالة الأمر على الوجوب: هل هو الشرع أو العقل أو الوضع أي اللغة؟ أقوال.
حجة الأول قوله تعالى لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ وقوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾. ومن السنة قوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
وحجة الثاني: أن ما تفيده اللغة من الطلب يتعين أن يكون للوجوب لأن حمله على الندب يصيِّر المعنى افعل إن شئت، وهذا التقييد ليس مذكورًا.
وحُجة الثالث: أن أهل اللغة يحكمون باستحقاق عبد مخالف لأمر سيده العقاب.
٢٤٥ - وكونه للفور أصل المذهب ... وهو لدى القيد بتأخيرٍ أُبي
يعني أن كون "افعل" للفور هو أصل مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى دل على الوجوب أو الندب على الصحيح، قال القاضي: لكن بعد سماع الخطاب وفهمه.
стр. 180
وأما اقتضاؤه الفور على القول بأنه يقتضي التكرار فحكى القاضي عبد الوهاب الاتفاق عليه كما سيأتي قوله: وهو لدى القيد إلخ. يعني أن دلالة فعل الأمر على الفور إذا قُيِّد بالتأخير نحو: "صم غدًا" ممنوعة فهذا محل وفاق، وكذا لا خلاف إذا قُيِّدت بفور نحو: "قم الآن".
٢٤٦ - وهل لدى الترك وجوبُ البدلِ ... بالنصِّ أو ذاكَ بنفسِ الأولِ
أي وعلى القول بأن فعل الأمر للفور فهل إذا ترك المأمور وفعل ما أمر به بأن أخره يكون وجوب الإتيان ببدله عليه بنفس الأمر الأول وعليه الأكثر؟ أو لا يجب إلا بنص آخر غير نفس الأمر الأول؟
والبدل هو العزم على أداء الفعل في الوقت ليفارق المندوب، فهو بدل من التقديم، وقيل: بدل من نفس الفعل، وقيل: ليس ببدل وإنما شرط في جواز التأخير.
٢٤٧ - وقال بالتأخير أهل المغربِ ... وفي التبادُرِ حصولُ الأرَبِ
يعني أن أهل المغرب من المالكية قالوا: إن فعل الأمر للتأخير فقيل: مطلقًا وقيل: بشرط السلامة فإن مات قبل الفعل أَثِم وقيل: لا يأثم إلا إن يظن موته.
قوله: "وفي التبادر" إلخ يعني أن التبادر إلى فعل المأمور به يحصل به الأرب أي المقصود وهو امتثال أمر اللَّه تعالى ولو على القول بأنه للتأخير. وقيل: لا يحصل به وهو خلاف الإجماع.
٢٤٨ - والأرجح القدر الذي يُشْتَرَكُ ... فيه وقيل إنه مشتركُ
يعني أن الأرجح في الموضوع له فعل الأمر أنه القدر المشترك فيه الفور والتراخي حذرًا من الاشتراك والمجاز، والقدر المشترك هو طلب الماهية من