"مُسْجَلًا" أي مطلقًا، ومراده بالإطلاق: سواء كان العلم بذات أو نسبة.
٩٢ - الإدراك من غير قضًا تصَوُّرُ ... ومَعْه تصديقٌ وذا مُشتَهِرُ
اعلم أولًا أن الإدراك في الاصطلاح هو: وصول النفس إلى المعنى بتمامه، فإن وصلت إليه لا بتمامه فهو الشعور، ومعنى كلام المؤلف أن النفس إذا وصلت إلى المعنى من غير قضاء عليه أي حكم عليه بإثبات شيء له أو نفيه عنه، كوصولها إلى معنى الحلاوة والمرارة والبياض والسواد، فهذا يمسى تصورًا، وهو تفعُّل من الصورة، لأن المدْرِك لحقائق الماهيات تنطبع صورها في مرآة ذهنه.
وقوله: "ومعه تصديق" يعني أن الإدراك مع القضاء على الموضوع بالمحمول يُسمى تصديقًا، ومراده أن النفس إذا وصلت إلى إدراك المحكوم عليه والمحكوم به، والنسبة الحكمية التي هي مَوْرِدُ الإيجاب والسلب، وكونها واقعة بالفعل، أو غيرُ واقعة، فهذه الإدراكات الأربعة هي التصديق، وعليه فالتصديق مركب من أربعة تصورات، ومذهب الحكماء أن التصديق هو التصور الرابع والثلاثة قبله شروط فيه، وعليه فهو بسيط، فالكل متفق على أن التصديق لا يمكن إلَّا بعد أربعة تصورات وهي: تصور الموضوع والمحمول، والنسبة الحكمية من غير إثبات لها ولا نفي كما يقع من الشاكِّ، وتصور وقوعها، بالفعل أو عدم وقوعها، إلَّا أن من يقول: التصور مركب يقول: إن توقفه على التصورات الثلاثة الأُول من توقف الماهية على أركانها، ومن يقول: هو بسيط يقول: هو من توقف الماهية على شرطها.
стр. 72
واعلم أنهم اختلفوا في الحكم هل هو سلب النسبة أو إيجابها فيكون فعلًا، أو اعتقاد سلبها أو إيجابها فيكون انفعالًا، ولا طائل تحت هذا الخلاف.
وقول المؤلف: "وذا مشتهر" يعني أن المشهور هو كون التصديق مركبًا من التصورات (١) الأربعة المتقدمة، ومذهب قدماء المناطقة خلافه، وإنما سُمِّي إثبات المحمول للموضوع أو نفيه عنه تصديقًا، لأنه خبر والخبر لذاته يحتمل التصديق والتكذيب فسمَّوه تصديقًا من التسمية بأشرف الاحتمالين.
٩٣ - جازمُه دون تغيُّرٍ عُلِمْ ... علمًا وغيره اعتقادٌ ينقسم
٩٤ - إلى صحيحٍ إن يكن يُطابقُه ... أو فاسدٍ إن هو لا يوافقه (٢)
الضمير في قوله: "جَازِمُهُ" للقضاء بمعنى الحكم، يعني أن الحكم بنسبة المحمول إلى الموضوع إذا كان جازمًا لا يمكن تغييره ولا التشكيك فيه بحال، كالحكم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكُلَّ أكبر من الجزء يسمى في الاصطلاح علمًا. وإن كان جازِمُه يحتمل التشكيك فهو اعتقاد مطابق إن طابق الحق، وفاسد إن خالف الحق، كاعتقاد الفلاسفة قدم العالم وإن كانوا لا يشكون فيه؛ لأنه في الواقع قابل للتشكيك.
٩٥ - والوهْمُ والظنُّ وشكٌ ما احْتَملْ ... لراجحٍ أو ضدِّه أو ما اعتدلْ
стр. 73
يعني أن الحكم إذا كان غير جازم بأن كان معه احتمالُ نقيض المحكوم به من وقوع النسبة أو عدمه ينقسم إلى وهْمٍ، وظنٍّ، وشكّ، فالوهم هو: الحكم بالشيء مع احتمال نقيضه احتمالًا راجحًا، كالحكم بكذب العدل في خبره؛ لأن الراجح من الاحتمالين صدق العدل لا كذبه. والظن ضد الوهم بأن احتمل النقيض احتمالًا مرجوحًا كالحكم بصدق العدل في خبره. والشك: ما احتمل النقيض مع تساوي الاحتمالات كالحكم بصدق مجهول الحال في خبره.
وقيل في الوهم والشك: إنهما ليسا من التصديق إذ الوهم ملاحظة المرجوح، والشك التردد في الوقوع وعدمه، والتحقيق: أن الواهم حاكم بالطرف المرجوح حكمًا مرجوحًا، وأن الشاكَّ إن كان شكه لتعارض الأدلة فهو حاكم بالتردد، وإن كان لعدم النظر فهو غير حاكم، ومن هنا اختلف في الوقف هل يُعد قولًا أو لا؟
فإذا عرفتَ حدَّ الوهم والظن والشك فاعلم أن اتباع الوهم حرام، واتباع الظن في العقائد حرام أيضًا، واتباعه في الفروع العمليَّة جائز إن لم يمنع منه مانع شرعيّ، كالقضاء بشهادة عدل واحد، وإن غلب على الظنِّ صدقه فهو مما قدم فيه النادر على الغالب، والشك ساقط الاعتبار إلَّا في النادر كالنضح من الشكِّ في إصابة النجاسة.
٩٦ - والعلم عند الأكثرين يختلف ... جزمًا. . . . . . . . . . .
يعني أن عِلم المخلوقات يتفاوت في جزئياته، فالعلم مثلًا بأن الواحد نصف الاثنين أقوى من العلم الحاصل بالتواتر، وعلمه ﷺ لا
стр. 74
يساوي علمنا، وحق اليقين أقوى من عين اليقين، وعين اليقين أقوى من علم اليقين (١).
. . . . . . . . . . . . . . ... . . . .وبعضهم بنفْيهِ عُرِفْ
٩٧ - وإنما له لدى المُحقِّقِ ... تفاوتٌ بحسب التعلُّق
٩٨ - لما لَه من اتّحادٍ مُنْحتِمْ ... معَ تعدُّدٍ لمعلومٍ عُلِمْ
يعني أن بعض المتكلمين نفى تفاوت العلم في جزئياته قائلًا: إن العلم الحادث انكشاف واحد فضرورِيُّه ونظرِيُّه بالنسبة إلى الجزم وعدم إمكان التشكيك سواء، وإنَّما يتفاوت عندهم بكثرة المتعلَّقات، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام علموا من صفات اللَّه ما لم يعلمه غيرُهم، لأن العلم عندهم (٢) صفة واحدة متعلقاتها متعددة، وذلك هو معنى قوله: "لماله من اتحاد منحتم مع تعدد لمعلوم"، والتحقيق أن العلم يتفاوت في نفسه وهو مذهب أهل السنة والجماعة، ولا شك أن علم النبي ﷺ بمسألة يعلمها عوام المؤمنين أقوى من علم العوام في نفس القدر الذي علمه العوام وهو واضح.
٩٩ - يُبنى عليه الزَّيْدُ والنقصانُ .... هل ينتمي إليهما الإيمانُ
يعني أن الخلاف في العلم هل يتفاوت في نفسه بالقوة في الجزم يُبْنَى عليه الخلاف في نقص الإيمان -بمعنى التصديق- وزيادته.
стр. 75
والتحقيق أنَّه يزيد وينقص كما صرحت به الآيات القرآنية بالنظر إلى نفس التصديق، وبالنظر إلى زيادة الأعمال أيضًا ونقصانها.
١٠٠ - والجهلُ جافي المذهَب المحمود ... هو انتفاءُ العلمِ بالمقصود
يعني أن الجهل -في المذهب الصحيح- هو انتفاء العلم بما شأنه أن يقصد ليعلم بأن لم يُدْرك أصلًا وهو الجهل البسيط، أو أُدْرِك على خلاف هيْئته في الواقع وهو الجهل المركب، كاعتقاد الفلاسفة قِدَم العالم.
وخرج بقوله: "المقصودِ"، عدم العلم بما تحت الأرضين مثلًا فلا يسمى جهلًا اصطلاحًا. وقيل: الجهل إدراك المعلوم على خلاف هيْئته في الواقع، وهذا الحدُّ لا يتناول إلَّا المركب.
١٠١ - زوالُ ما عُلِمَ قُل نِسيانُ ... والعلمُ في السَّهْوِ لَهُ اكتنانُ
يعني أن النسيان هو: زوال المعلوم من القوة الحافظة والقوة المدركة، فيُسْتأْنف تحصيله لأنه غير حاصل لزواله. والسهو هو: اكتنان المعلوم أي غيبته عن القوة الحافظة مع أنَّه غير غائب عن القوة المدركة، فهو الذهول عن المعلوم الحاصل فينتبه له بأدنى تنبيه، وقيل: النسيان غفلة عن المذكور، والسهو غفلة عن المذكور وغيره، وقيل: هما مترادفان (١).
١٠٢ - ما رَبُّنا لم يَنْهَ عنه حسنُ ... وغيرُه القبيحُ والمُسْتهجَنُ
يعني أن الحسن شرعًا ما لم ينه اللَّه عنه، فيدخل فيه الواجب
стр. 76
والمندوب والجائز. والقبيحُ المُسْتهجَن هو: ما نهى اللَّه عنه من حرام أو مكروه أو خلاف الأولى، وقيل المكروه واسطة بين الحسن والقبيح فلا يسمى قبيحًا لأنه لا يذم عليه، ولا حسنًا لأنه لا يسوغ الثناء عليه وهو قول إمام الحرمين (١).
والخلاف في أفعال غير المكلفين كالبهائم والنائم ونحو ذلك هل هو من الحسن أو لا، لا فائدةَ فيه ولا طائلَ تحته. والحسن عند المعتزلة ما حسَّنه العقل والقبيح ما قبَّحه.
١٠٣ - هل يجب الصومُ على ذي العُذْرِ ... كحائضٍ ومُمْرَضٍ وسَفْرِ
يعني أنَّه اختلف في الحائض في رمضان والمريض والمسافر فيه ونحوهم هل يَصْدق عليهم أن الصوم واجب عليهم في وقت العذر أم لا؟ حجة من يقول: هو غير واجب عليهم ظاهرة، لأنه حرام على الحائض وحرمته تنافي وجوبه عليها، ولأنه جائز الترك للمريض والمسافر وجواز تركه ينافي وجوبه أيضًا.
وحجَّة من يقول بصدق الوجوب عليهم أنَّه يجب عليهم القضاء بقدر ما فاتهم، فكأن الآتي به بدلًا من الفائت والبدل واجب، فدل (٢) على أن الفائت واجب وإلَّا لم يكن بدلًا منه. ومما يوضح ذلك أنَّه لو صام قدر الأيام الفائتة من غير نيةِ تداركِ ما فات من رمضان فإنه لا
стр. 77
يُجزئ ذلك الصوم، فدل على أنَّه قضاءٌ واجبٌ.
وتقريب هذا للذهن: أن العلماء اختلفوا في انعقاد سبب الوجوب هَلْ يسمَّى به الشيء واجبًا يجب قضاؤه تداركًا، لوجوبه بانعقاد سببه ولو منع من تأثير سبب الوجوب مانع الوجوب كالحيض أو تخلَّف شرطُ الوجوب (١) كالمرض والسفر لأن شرط وجوب الصوم بالفعل في رمضان الإقامة فيه وعدم المرض، وهذا القول هو الصواب وهو مذهب الجمهور، خلافًا لما درج عليه المؤلف تبعًا لابن رشد من الفرق بين الحيض وبين المرض والسفر، أو لا يُسمّى واجبًا إلَّا إذا صاحب انعقاد سبب وُجوبه انتفاءُ كل الموانع ووجودُ كل الشروط. وتظهر فائدة هذا الخلاف في نية صيام الأيام الفائتة من رمضان، فعلى صِدْقِ الوجوب عليه وقت العذر ينوي القضاء تداركًا لذلك الواجب الفائت وهذا قول الجمهور، وعلى عدم صِدْقِ الوجوب ينوي الأداء، لأن تدارك صيام ما فات واجب مؤتنف بدليل جديد كقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة/ ١٨٤] وأمره ﷺ الحائض بصوم ما فاتها في الحيض (٢) على هذا القول، وهذا هو معنى قول المؤلف: "وهو في وجوبِ قصدٍ" البيت.
١٠٤ - وجوبُه في غير الأوَّلِ رجَحْ ... وضعفُهُ فيه لديهمُ وضَحْ
١٠٥ - وهو في وجوبِ قصدٍ لِلأَدا ... أو ضدِّه لقائلٍ به بدا
стр. 78
مراد المؤلف بالبيت الأول هو ما قدمنا من الفرق بين المرض والسفر فلا يمنعان صِدْقَ الوجوب، وبين الحيض فإنه يمنع صِدْقَ الوجوب على ما قاله ابن رشد. ومراده بالبيت الثاني هو ما قدمنا من أنَّه على القول بالوجوب ينوي في البدل القضاء، وعلى ضده ينوي فيه الأداء، والضمير في قوله: "وهو" راجعٌ إلى الخلاف بمعنى ثمرته.
١٠٦ - ولا يكلِّفُ بغير الفعلِ ... باعثُ الأنْبِيَا ورَبُّ الفَضْلِ
يعني أن اللَّه تعالى لا يكلِّف إلَّا بفعل؛ لأن غير الفعل غير مقدور للمكلف، واللَّه تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن/ ١٦]. وأما التكليف بإذعان النفس وانقيادها وتصديقها بالعقائد، والتكليف بالندم على الذنب فهو -في الحقيقة- تكليف بالأسباب المؤدية إلى ذلك لا بمجرد الانفعال من إذعان في الأول وندم في الثاني. والفعل في كلام المؤلف يشمل أربعة أشياء وهي: الفعل، والقول، والعزم المُصَمِّم لأنه فعل القلب، والترك.
أما الفعل الظاهر كالسرقة والزنا مثلًا فلا إشكال في تسميته فعلًا.
وأما القول فقد سماه اللَّه فعلًا لأنه فعل اللسان وذلك في قوله: ﴿. . . زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام/ ١١٢] الآية.
وأما القصد المُصَمِّم فالدليل على كونه فعلًا قوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالو: يا رسول اللَّه قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل
стр. 79
صاحبه" (١) فبيَّن ﷺ أن عزمه المُصمِّمَ على قتل صاحبه فِعْل قبيح دخل بسببه النار، واحْتُرِز بالعزم المصمم عن الهَمِّ فلا يؤاخذ به لقوله ﷺ : "من همَّ بسيئةٍ فلم يعملها كُتِبَت له حسنة كاملة. . . " (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران/ ١٢٢].
وأما الترك فالدليل على أنَّه فعلٌ قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة/ ٦٣] فسمَّى تركهم للأمْرِ بالمعروف والنهي عن المنكر صنعًا، وقوله ﷺ : "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" (٣) فسمَّى كفَّ الأذى إسلامًا، فدلَّ على أن الكفَّ فعلٌ. ويدُلُّ لأن الترك عَمَل قولُ الراجز:
لئن قعدنا والنبيُّ يعملُ ... لَذاكَ مِنَّا العمل المضلَّلُ (٤)
وكون الترك فعلًا هو مراد المؤلف بقوله:
١٠٧ - فكفُّنا بالنَّهي مطلوبُ النَّبي ... والتَّركُ (٥) فعلٌ في صحيح المذهب
стр. 80
يعني أن الذي كلفنا به الشارع هو الكف بمعنى الترك والانتهاء، أي صَرْف النفس عن المنهي عنه، وذلك فعل يحصل بفعل الضد للمنهي عنه [فـ]ـالمقصود بالذات هو الانتهاء، وأما فعل الضد فقد يُقْصَد بالالتزام وقد لا يُقصد أصلًا إذا كان المتكلم غافلًا عنه، وذلك لا يتأتَّى في كلام اللَّه تعالى.
١٠٨ - له فروعٌ ذُكِرَتْ في المنْهَجِ ... وسرْدُها من بعدِ ذا البيت يجي
١٠٩ - من شُرْبٍ أو خيطٍ ذكاةٍ فضلِ ما ... وعَمَدٍ رَسْمٍ شهادةٍ ومَا
١١٠ - عطَّلَ ناظرٌ وذو الرَّهْن كذا ... مُفرِّط في العلفِ فادْرِ المأخذا
١١١ - وكالتي رُدَّتْ بعيبٍ وعَدِمْ ... وليُّها وشبْهِها مِمَّا عُلِمْ
فقوله: "من شرب" متعلق بالبيت قبله وهو قول صاحب "المنهج" (١):
وهل كَمَن فعل تاركٌ كَمَن ... له بنفعٍ قدرةٌ لكن كَمَنْ
أي له قدرة بنفع كامن من شرب، يعني أن من عنده فضل شراب فلم يعطه مضطرًّا حتى مات يضمن ديته؟ على أن الترك فعل وهو الحق، لا على مقابله فلا ضمان.
وقوله: "أو خيط" يشير إلى مَنْ مَنَع خيطًا من ذي جائفة يخيطها به حتى مات يضمن ديته على أن الترك فعل أيضًا.
стр. 81
وقوله: "ذكاة"، يشير إلى من مرَّ بصَيْدٍ لم تنفذ مقاتله وأمكنته تذكيته فلم يفعل حتى مات هل يضمن بناءً عَلى أن الترك فعل أم لا؟
وقوله: "فضل ما"، يشير إلى من منع فضل مائِهِ عن زرع جاره حتى هلك، هل يضمنه بناء على أن الترك فعل أيضًا؟
وقوله: "وعمدٍ" يُشيرُ إلى من عنده عَمْد فطلبها منه صاحب جدار خائفٍ سقوطه فلم يفعل حتى سقط، فعلى أن الترك فعل يضمن لا على مقابله.
وقوله: "رسمِ شهادةٍ" على إضافة الأول إلى الثاني معناه أن من أمْسَك رسم شهادة أي وثيقة حق حتى تلف الحق فإنه يضمنه على أن الترك فعل، وعلى عدم الإضافةِ وتنوينِ قوله: "رسمٍ" وعطفِ "شهادةٍ" بحذف العاطف، فهما مسألتان؛ قوله: "رسمٍ" يشير إلى وثيقة الحق المتقدمة، وقوله: "شهادةٍ" يعني أن من كتم الشهادة حتى ضاع الحق هَلْ يغرم لأن الترك فعل أو لا؟
وقوله: "وما عطَّل ناظر"، يشير إلى ما عطله الناظر على اليتيم ونحوه من عقاره، فلم يُكْرِهِ حتى فاتت غلته لعدم الكراء مع إمكانه، وترك الأرض حتى تبوَّرَت، هل يضمن لأن الترك فعل أم لا لأنه غير فعل؟
وقوله: "وذو الرهن" يعني صاحب الرهن الحائز للرهن وهو المُرتَهَنُ إذا عطله ولم يُكْرِه حتى فاتت غلَّته بعدم الكراء، هل يضمن بناء على أن الترك فعل أم لا؟
وقوله: "كذا مفرط في العلف" يشير إلى من دُفِعَت له دابة مع علفها وقيل له: اعلفها ثم لم يقدِّم لها العلف حتى ماتت، فهل يضمن
стр. 82
أوْ لا بناءً على الاختلاف في الترك هل هو فعل؟
وقوله: "وكالتي رُدَّت بعيب وعَدِمْ وليُّها" بالبناء للفاعل بمعنى أفلس، يشير إلى أن ذات العيب يُزوجها وَليُّها القريب فيفلس هل يرجع عليها الزوج بالصداق؟ لأن سكوتها فعل للغرور أم لا؟ لأن ترك الإخبار بالعيب ليس بفعل. وشِبْه هذه المسائل فيه الخلاف المذكور.
١١٢ - والأمرُ قبلَ الوقتِ قد تعلَّقا ... بالفعل للإعلام قد تحقَّقا
يعني أن الأمر وسائرَ أقسام التكليف يتعلق عند الجمهور بالفعل قبل دخول وقته إعلامًا به، ومعنى الإعلام: اعتقاد وجوب إيجاد الفعل الواجب مثلًا لا نفس الإيجاد، وقِسْ عليه باقي الأحكام.
١١٣ - وبعدِ للإلزامِ يستمرُّ ... حال التَّلبُّسِ وقومٌ فَرُّوا
يعني أن الفعل إذا دخل وقته تعلق به التكليف إلزامًا قبل المباشرة فهو مكلف وملزم بأن يباشره بالامتثال، وذلك هو معنى قوله: "وبعد للإلزام".
وقوله: "يستمر" حال من الإلزام، أي: وبعد دخول الوقت يتعلق به التكليف للإلزام حال كون ذلك الإلزام مستمرًّا حال مباشرة الفعل والتلبس إلى الانتهاء منه، فمن أحرم في الصلاة مثلًا لم يزل التكليف بها مستمرًا عليه حتى يفرغ منها لانتفاء كلها بانتفاء جزءٍ منها، وهذا هو الحق.
وقوله: "وقوم فروا" يعني أن قومًا من الأصوليين وهم إمام الحرمين والغزالي والمعتزلة فرّوا من استمرار الإلزام بعد المباشرة، وزعموا أنَّه ينقطع بابتداء المباشرة خوف تحصيل الحاصل، وهو عبثٌ لا فائدة فيه. وردُّ هذا المذهب ضاهر وهو ما ذكرنا آنفًا من أن العبادة المركبة من
стр. 83
أجزاء كالصلاة إذا ضاع جزء منها ضاعت كلها وهو ظاهر، وسيأتي (١) أن ثمرة الخلاف تظهر في فرض الكفاية إذا شرع فيه.
١١٤ - فليس يُجري من له يُقدِّمُ ... ولا عليه دونَ حظرٍ يُقْدِمُ
١١٥ - وذا التعبُّدُ. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن التكليف لما كان لا يتعلق بالفعل قبل وقته إلزامًا وإنَّما يتعلق به على سبيل الإعلام به فقط = كانَ تقديمُه غيرَ مُجْزٍ ولا جائز، فكونه قبل وقته لا يلزم يدل على أن تقديمه لا يجوز ولا يُجزئ، وكونُه لا يُجزئ هو مراد المؤلف بقوله: "فليس يُجزئ"، وكونه لا يجوز هو مراده بقوله: "ولا عليه دون حظر يُقدم" أي لا يقدم عليه إقدامًا خاليًا من الحظر وهو المنع، وإنما لم يُجْزِ ولم يَجُزْ لأنه آتٍ بغير ما أمر به لأنه لم يؤمر به إلَّا في وقته، ومن أتى بغير ما أُمِر به فعدم براءة ذمته ظاهر، ولا يجوز الإقدام على العبادة إلَّا على وجهها الشرعي، لأن اللَّه يقول: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس].
وقول المؤلف: "وذا التعبد" يعني أن هذا الذي لا يُجزئ قبل وقته ولا يجوز الإقدام عليه هو ما تمحَّض للتعبد كالصلاة والصوم.
وقوله: "يُقْدم" الأخير مضارع أقدم على الأمر إذا تقدم إليه، والأول مضارع قدَّم مضعّفًا أيْ فعل الفعل قبل وقته.
. . . . . . . . . . . . وما تَمَحَّضا ... للفعل فالتقديمُ فيه مُرْتَضى
стр. 84
يعني أن الفعل إذا تمحَّض للفعل يعني المفعولية يرتضَى تقديمه قبل وقته لأنه جائز مُجْزٍ، وتقريبه للذهن: أن يكون المقصود من الفعل ثمرة ظاهرة معقولة تحصل بمجرد إيقاع الفعل كقضاء الدين، ورد الوديعة والمغصوب، فتقديمه قبل وقت اللزوم جائز مجزٍ ما لم يشتمل التقديم على أمر محرم نحو: "ضَعْ وتعجَّل" فيمنع لذلك العارض (١).
١١٦ - وما إلى هذا وهذا ينتسبْ ... ففيه خُلْفٌ دون نصٍّ قد جُلِبْ
يعني أن المنتسب "إلى هذا وهذا" أي ما فيه شائبة التعبد وشائبة المفعولية كالزكاة، فإنه يختلف في تقديمه هل يجوز ويجزئ أم لا؟ فالقول بالتقديم نظرًا لما فيه من شائبة المفعولية، والقول بعدمه نظرًا لما فيه من شائبة التعبد، فالزكاة مثلًا من حيث قصدُ سَدِّ خلّة الفقير كقضاء الدين ونحوه من حيث حصولُ (٢) الثمرة بمجرد الفعل، ومن حيث التنصيص على القدر المخرَّج والقدر المُخْرَج منه فهي أمر تعبُّدِي غير معقول المعنى، وكيف يعقل الإنسان وحده أن زكاة مئة وعشرين من الغنم كزكاة الأربعين!
وقوله: "دون نص قد جُلِب"، يعني أن محل الخلاف في المترَدِّد بين التعبد والمفعولية هل يقدم قبل وقته أم لا؟ فيما إذا لم يَرِد نصٌّ بجواز التقديم والإجاز بلا خلاف. ومثال ما ورد النصُّ بجواز تقديمه الوضوء فإن متردد بين التعبد والمفعولية، لأن خصوص هذه الأعضاء
стр. 85
دون غيرها ولزوم غسلها للمحْدِث ولو نظيفة أمرٌ تعبُّدي لا تظهر فيه حقيقة نتيجة الفعل كظهورها في غير التعبدي.
وكون الوضوء ينظِّف هذه الأعضاء معقول المعنى؛ لأن التنظيف تحصل ثمرته بمجرَّد الفعل، ولذا كان أَبو حنيفة لا يشترط النية في طهارة الحدث قائلًا: إنها كطهارة الخبث، وأن المقصود بالكل النظافة، إلَّا أن الوضوء أجمع المسلمون على جواز تقديمه قبل دخول وقت الصلاة (١)، فهو خارج بالنص، وذلك هو معنى قول المؤلف: "دون نص".
١١٧ - وقال إن الأمر لا يوجَّه ... إلَّا لدى تلَبُّس مُنْتَبِهُ
يعني أن قومًا من الأصوليين لهم انتباه في الفنِّ زعموا أن الأمر لا يتوجَّه إلَّا عند مباشرة الفعل، وكذلك كل الأحكام التكليفية عندهم زاعمين أن القوة المستجمعة لشرائط التأثير لا توجد إلَّا عند المباشرة، لأن المؤثِّر التَّامَّ لا يتخلف عنه أثره، فدلَّ عدم وجودِ الفعل قبل المباشرة على عدم تمام المؤثِّر، والتكليف عندهم لا يتوجَّه إلَّا عند القدرة التامة على التأثير. وإذا قيل لهم: يلزم على هذا أن يترك الإنسان المباشرة فلا يتوجَّه إليه خطابٌ بتكليف أبدًا، أجابوا بأن اللوم المتوجه من عدم مباشرة الفعل قبل التلبس مرتب على التلبس بضده، وهو الكفّ عن الفعل، وهو معنى قول المؤلف:
١١٨ - فاللوم قبله على التلبُّسِ ... بالكفِّ وهْيَ من أدقِّ الأسسُ
стр. 86
وزعم ابن السبكي أن هذا هو التحقيق (١)، والذي يظهر أنَّه خلاف التحقيق، وأن الإنسان مكلف بالفعل قبل الشروع فيه، مأمورٌ بأن يباشره، وهذا مبنيٌّ على قاعدة قررها المتكلمون من الأشاعرة وغيرهم، وهي قاعدة باطلة بالعيان لا دليل عليها يجب الرجوع إليه من عقل ولا سمع، وهي قولهم: إن العرض لا يبقى زمانين لاستحالة ذلك، فالقدرةُ على الفعل عندهم عَرَض وبقاءُ العَرَض عندهم زمانين محال، فلو تقدمت على وجود الفعل لعدمت عند وجوده فلا يكون متعلقًا لها لانْعِدَامها. فليزم على هذا الأصل الباطل أن الأمر إنما يتعلق بالفعل تعلق إلزام حال حدوثه لا قبله.
١١٩ - وهِيَ في فرضِ الكفايةِ فهلْ ... يسقطُ الاثم بشروعٍ قد حَصَلْ
قوله: "وهي" يعني به ثمرة الخلاف في الأمر هل ينقطع بالمباشرة أو لا ينقطع إلَّا بتمام الفعل؟ والمعنى أنَّه على القول بانقطاعه بالمباشرة يسقط الإثم في فرض الكفاية عن الجميع بمباشرة البعض له، وعلى القول الآخر لا يسقط ذلك إلَّا بإتمام فرض الكفاية.
١٢٠ - للامتثال كلَّفَ الرَّقيبُ ... فموجِبٌ تمكُّنًا مصيبُ
١٢١ - أو بينَهُ والابتلا تردَّدا ... شرطُ تمكِّنٍ عليه انفقدا
يعني أنَّه اختلف في فائدة التكليف فقيل: هي الامتثال فقط، وقيل: هي تارة تكون الامتثال وتارة تكون الابتلاء أعني الاختبار، هل يعزم ويهتم بالفعل فيثاب، أو يعزم على الترك فيعاقب؟ فعلى الأول
стр. 87
فالتمكن من إيقاع الفعل شرط في توجُّه التكليف، وعلى الثاني فالتمكن منه ليس بشرط، وضمير فاعل "تردّد" عائد إلى التكليف المفهوم من كلَّف بمعنى الحكمة والفائدة.
١٢٢ - عليه تكليفٌ يجوزُ ويقعْ ... مع عِلْمِ مَنْ أمِرَ بالذي امتنع
١٢٣ - في عِلْمِ مَنْ أمَرَ كالمأمور ... في المذهبِ المحقَّقِ المنصورِ
يعني أنَّه ينبني على الخلاف في فائدة التكليف هل هي الامتثال فقط، أو هي تارة الامتثال وتارة الابتلاء؟ مسألتان:
الأولى هي: هل يمكن أن يعلم المأمور أنَّه مكلف بالأمر قبل التمكن من إيقاع الفعل، بناءً على أن فائدة التكليف الابتلاء، أو لا يمكن أن يعلم أنَّه مكلف إلَّا بعد التمكن من إيقاع الفعل بناءً على أن فائدته الامتثال فقط، بأنه قبل ذلك لا يدري أيتمكن منه فيتوجَّه عليه الخطاب، أو لا يتمكن منه فلا يتوجَّه إليه الخطاب؟ وهذه المسألة هي مراد المؤلف بقوله: "مع علم من أُمر"، أي علم من أُمِر -بالبناء للمفعول- بأنه مكلف قبل التمكن، وإنَّما ربط هذه المسألة بالأخرى بلفظة "مع" لأن المقصود الأكبر هو المسألة الأخرى، فهذه كأنها تابعة لها.
والحق في هذه المسألة أن الابتلاء من فوائد التكليف، وأنه لا يشترط في التكليف التمكن من الفعل بشهادة القرآن العظيم، فإنه في قصة أَمْرِ إبراهيم بذبح ولده علم أنَّه مكلَّف بذبحه قبل التمكن من ذلك، وحكمته اختباره وابتلاؤه هل يتهيّؤ لذبح ولده؟ ففعَلَ كما قال تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾ [الصافات] ثم إن اللَّه بين أن حِكْمة هذا التكليف الابتلاء
стр. 88
بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ [الصافات].
المسألة الثانية هي: هل يجوز ويقع التكليف بما عَلِمَ الآمرُ وحدَه أو الآمرُ والمأكورُ معًا أن المكلَّف لا يتمكَّن من فعله؟ والتحقيق الجواز، أما في علم الآمر وحده دون المأمور أنَّه لا يتمكن من فعله، فالتكليف به لحكمة الابتلاء واضح لا إشكال فيه، فاللَّه كلف إبراهيم بذبح ولده مع علمه أن إبراهيم لا يتمكن من ذبح ولده لحكمة الابتلاء، كما نصَّ عليه بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾.
ومن فروع هذا الأصل المختلف فيه: من أفطرتْ عمدًا في نهار رمضان ثم حاضت في ذلك اليوم بعينه تلزمها الكفارة بناءً على التكليف بما عَلِم الآمرُ أن المكلف لا يتمكن من فعله لحكمة الابتلاء، ولا كفارة عليها على القول الآخر. وأما مع عِلْم الآمر والمأمور معًا أنَّه لا يتمكن من الفعل، كما لو فرضنا أن نبيًّا أخبر امرأة بأنها تحيض في اليوم الفلاني من رمضان، فهل عليها افتتاح صومه بناءً على جواز التكليف بما عَلِمَ الآمرُ والمأمورُ معًا أنَّه لا يتمكن من فعله، أوْ لا بناءً على القول الآخر؟
فإن قيل: إذا عَلِم المأمورُ انتفاء شرط الوقوع انتفت الفائدة التي هي العزم على الامتثال.
فالجواب: أنَّها موجودة على تقدير وجود الشرط، ويدل لهذا الحديثُ الصحيح: "إنَّ بالمدينةِ أقوامًا ما قطعتم واديًا إلَّا وهم معكم. . . " (١)؛
стр. 89
لأن هؤلاء العاجزين عن الغزو وُجِد منهم العزم عليه على تقدير شرط الإمكان فحصل لهم بذلك ثواب الغازي. وقال الشاعر (١):
يا ظاعنين إلى البيت العتيق لقد ... سِرتم جسومًا وسرنا نحن أرواحا
إنَّا أقمنا على عَجْز وعن قَدَرٍ ... ومن أقامَ على عجزٍ فقد راحا
وقال الآمدي (٢): لا يصح التكليف بما عَلِم المأمور أنَّه لا يتمكن من فعله. فقول المؤلف: "بالذي امتنع" يتعلق بقوله: "تكليف"، وقوله: "في علم من أمَر" يتعلق بقوله: "امتنع". و"أَمَر" الأخير بالبناء للفاعل، وتقرير المعنى عليه: يجوز ويقع التكليف بالذي امتنع في علم الآمر، وأما إذا علم المأمورُ بعدم التمكن أو جَهِل الأمر فلا خلاف في جواز التكليف، فيجوز للسيد أن يكلف عبده بخياطة ثوبٍ مثلًا في يوم الخميس، ولو فرض أن العبد عالم بأنه يموت قبل يوم الخميس بإخبار نبيٍّ مثلًا.
* * *
стр. 90
كتاب القرآن ومَباحث الألفاظ
القرآن لغةً مصدر "قرأ" زيدت فيه الألف والنون كما زيدت في الغفران والرجحان، وهذا المصدر بمعنى اسم المفعول، فمعنى القرآن المقروء أي: المتلوّ أو المُظْهَر المُبْرَز، ومن الأخير: "ما قرأت الناقة سَلًا" أي: ما أبرزتْ وأظهرتْ جنينًا من بطنها، ومنه قول ابن كلثوم (١):
ذراعَي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا
وعلى القول بأن القرآن مشتق من قرأ بمعنى جمع؛ لأن العرب تقول: "قرأت الماء في الحوض" أي جمعته فيه = فهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، فالقرآن بمعنى قارئ أي جامع ثمرات علوم الكتب السماوية التي أنزلت قبله مع زيادته عليها.
واعلم أن التحقيق أن أصله مهموز، فما ذهب إليه الشافعيُّ وغيره من أنَّه غير مَهموز، وأن النون أصلية، وأنه مشتق من القرينة أو الاقتران، لأن آياته بعضها قرائن على صدق بعض أو بعضها مقترن ببعض = فهو خلاف التحقيق، والشافعيُّ ﵀ يقرأ بحرف ابن كثير وهو يقرأ القرآن في جميع المواضع بلا همز، والتحقيق أنَّه من تخفيف الهمزة بنقل حركتها إلى الساكن قبلها، نحوُ قوله: "سَلْهُم" لا أنَّه غير مهموز أصلًا، فوزن القرآن على التحقيق "فُعْلان" وعلى قول الشافعي فوزنه:
стр. 91
"فُعَال". وهو عَلَمٌ لكتاب اللَّه تعالى، وما استشكله كثير من العلماء من اجتماع معرفين وهما: العَلَمِية والألف واللام فحلُّه واضح، وإليه الإشارة بقول ابن مالك في "الخلاصة":
وبعض الاعلام عليه دخلا ... لِلَمْح ما قد كان عنه نُقلا
كالفضل والحارث والنعمان ... فذِكرُ ذا وحذفه سيّان
وقول المؤلف: "ومباحث الألفاظ" المباحث جمع مَبْحث وهو مكان البحث، والبحث في اللغة الفحص والتفتيش، وفي الاصطلاح: إثبات المحمول للموضوع أو نفيه عنه، والمقصود مباحث الألفاظ المشتمل هو عليها، كالأمر والنهي، والعام والخاص، والمقيد والمطلق، والمجمل والمبيّن، والناسخ والمنسوخ، والمفهوم والمنطوق، وغير ذلك، فإثبات المحمولات لهذه الموضوعات كإثبات الإطلاق والتقييد والنسخ مثلًا للفظ أو نفيها عنه هو المراد بالبحث في قول المؤلف: "ومباحث الألفاظ".
١٢٤ - لفظٌ منزَّلٌ على محمدِ ... لأجل الاعجاز وللتَّعبُّدِ
يعني أن القرآن هو اللفظ المشتمل على المعاني الباهرة، المنزل على محمد ﷺ لأجل إظهار عجز الخلائق عن الإتيان بسورة مثله، ولأجل التعبُّد بقراءته، وإنَّما اقتصر على هذا من حِكَمِهِ مع أن له حِكَمًا أخرى كالتدبر لآياته والعمل بها؛ لأن تمييزه عن غيره حاصل بالقيدين الأولين، فخرج بقوله: "منزلٌ" ما ليس بمنزل = الأحاديث النبوية لأن ألفاظها لم تنزل عليه. وخرج بقوله: "على محمد" غير القرآن من
стр. 92
الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل. وخرج بقوله: "لأجل الإعجاز" الأحاديث الربانية، كقوله جل [وعلا]: "أنا عند ظنِّ عَبْدي بي. . . " (١) الحديث، لأنه لم ينزل لإعجازٍ. وخرج بقوله: "للتعبُّد" الآيات المنسوخة تلاوتها كسورة الخَلْع والخنع (٢)، وآية "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" (٣).
والتحقيق هو ما مشى عليه المؤلف، وهو مذهب أهل السنة
стр. 93
والجماعة لا ما يزعمه كثير من أهل الكلام: أن القرآن هو المعاني القائمة بالنفس دون الألفاظ، لأنه يلزم عليه أن تكون ألفاظ القرآن لغير اللَّه، وهو منكرٌ من القول.
ووجه إعجازه أنَّه تحدى العرب وهم البلغاء الفصحاء بسورةٍ منه فعجزوا، فدل على أنَّه من اللَّه، إذ لو كان من مخلوق لقدر الخلقُ على الإتيان بمثله، والتحقيق أن إعجازه بالعجز لا بالصَّرْفة.
١٢٥ - وليس للقرآن تُعْزَى البسلمة ... وكونها منه الخلافي نقلَه
١٢٦ - وبعضُهم إلى القراءةِ نظرْ ... وذاك للوفاق رأيٌ مُعْتَبَرْ
يعني أن العلماء اختلفوا في البسملة هل هي آية من الفاتحة أو من كل سورة أو ليست آية أصلًا؟ إلَّا التي في النمل فهي من القرآن إجماعًا، وأنَّ بعض العلماء جمع بين الأقوال فقال (١): من قرأ بالحرف الذي هي آية فيه [فهي آية] بالنسبة إليه، كالشافعي الذي يقرأ بحرف ابن كثير، وهي آية في حرف ابن كثير، ومن قرأ بالحرف الذي ليست آية فيه فليست آية بالنسبة إليه، وحاصل هذا أنَّها في بعض الحروف آية وفي بعضها غير آية.
ونظير هذا: الواو من قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة/ ١١٦] فإنها [غير] (٢) ثابتة في حَرف ابن عامر والمصحف الشامي. وكالفاء من
стр. 94
قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى/ ٣٠] فإنها حرف [عند] بعض القراء كعاصم، مع أن المصاحف التي بقيت في المدينة فيها: (بما كسبت أيديكم) بلا فاء، ونحو ذلك.
١٢٧ - وليس منه ما بالآحادِ رُوي ... فللقراءةِ بهِ نَفْيٌ قَوِي
١٢٨ - كالاحتجاج. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . .
يعني أن المروي بالآحاد على أنَّه قرآن لم يثبت كونه قرآنًا كلفظ (أيمانهما) في قراءة بعض الصحابة: (فاقطعوا أيمانهما)، وكلفظ (متتابعات) في قراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات)، وكقراءة أُبيّ وابن عباس: (النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو لهم أبٌ) فمثل هذا لا تجوز القراءة به على القول القويّ ولا يجوز الاحتجاج به، ولذا لم يقل مالك والشافعي بوجوب التتابع في صوم كفارة اليمين، وقيل: تجوز القراءة به والاحتجاج، وصحَّح ابنُ السبكي جواز الاحتجاج به دون القراءة (١).
. . . . . . . . . غير ما تحصَّلا ... فيه ثلاثةٌ فَجَوِّز مُسْجَلا
١٢٩ - صِحَّةُ الاسناد ووجهٌ عَرَبي ... وَوَفْقُ خطِّ الأمِّ شرطٌ ما أُبي
يعني أن الشاذ تجوز القراءة به بثلاثة شروط (٢):
стр. 95
الأول: صحة إسناده إلى النبي ﷺ لاتصال سنده وثقة نقلته دون شذوذ ولا علة تقدح.
الثاني: أن يوافق وجهًا جائزًا في العربية التي نزل القرآن بها.
الثالث: موافقة خط المصحف العثماني ويحصل ذلك بموافقة واحدة من جملة نسخ المصحف العثماني.
قال ابنُ الجزري (١):
وكلُّ ما وافقَ وجهًا نحوي ... وكان للرَّسم احتمالًا يحوي
وصحَّ إسنادًا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل شرط أثبتِ ... شذوذَه لو أنَّه في السبعةِ
والأصوليون وكثير من الفقهاء يقولون بأن القرآن لا يثبت إلَّا
стр. 96
بالتواتر، واعْتُرِض بإثبات قرآنية البسملة مع أنها لم تتواتر، وأجيب بأن هذا الاحتجاج إنما هو على من أثبت قرآنيتها.
١٣٠ - مثلُ الثلاثة ورجِّحِ النَّظرْ ... تواترًا لها لدى من قدْ غَبَرْ
يعني أن مثال المستوفي للشروط الثلاثة المارة قراءة القراء الثلاثة: خَلَف، وأبو جعفر، ويعقوب. أما أبو جعفر يزيد بن القعقاع، وهو من شيوخ نافع ومن كبار قراء أهل المدينة. وأما يعقوب فقال فيه ابن عَرَفة: قراءته داخلة في السبعة لأنه أخذها عن أبي عمرو. وأما خَلَف فقال فيه السبكي: قراءةُ خَلَف ملَفَّقة من السبعة إذْ له في كل حرفٍ موافقٌ منهم (١). وقال أبو حيان: لا نعلم أحدًا من المسلمين منع القراءة بالثلاثة، بل قُرئ بها في سائر الأمصار (٢).
وقول المؤلف: "ورجِّح النظر تواترًا لها" يعني أن قراءة الثلاثة المذكورة رجَّح النظر عند بعض العلماء أنها متواترة، قال السبكي في "منع الموانع" (٣): إن القول بعدم تواترها في غاية السقوط.
١٣١ - تواتر السَّبعِ عليهِ أجمعوا ... . . . . . . . . . .
стр. 97
يعني أن قراءة القراء السبعة مجمع على تواترها وهم: ابن عامر ونافع وعاصم وابن كثير وأبو عَمرو وحمزة والكسائي. فالقراءات عند القراء وبعض الفقهاء ثلاثة أقسام: متواترٌ وهو السبع، ومُخْتَلَفٌ فيه بين التواتر والصحة كالثلاث، وشاذٌّ وهو ما اختل (١) فيه شرط صحة. وعند الأصوليين وبعض الفقهاء: متواتر وهو السبع، وشاذٌّ وهو ما سوى ذلك، فلا تجوز عندهم القراءة بما زاد على السبع، والتحقيقُ جوازها بالثلاثة كما تقدم.
. . . . . . . . . . . . . ... ولم يكُنْ في الوَحْي حَشْوٌ يَقَعُ
يعني أنه لا يكون في الوحي شيء لا معنى له خلافًا للحشوية، وأما المتشابه فله معنى يعلمه الراسخون في العلم بناءً على أن الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران/ ٧] عاطفة، أو يعلمه اللَّه وحده بناءً على أنها استئنافية، والحكمة -على هذا الأخير- اختبار الخلق بالإيمان والإذعان مع عدم الفهم كما مدح تعالى الراسخين في العلم بذلك بقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران/ ٧].
١٣٢ - وما به يُعنى بلا دليلِ ... غيرُ الذي ظهَرَ للعقولِ
لفظة "ما" عطف على قوله: "حشوٌ" يعني أنه لا يجوز عقلًا أن يقع في الوحي حشو ولا ما -أي لفظ- يُعنى به غير ظاهره المتبادر منه إلا بدليل يدلُّ على المحتمل المرجوح، كما يأتي إن شاء اللَّه تحريره في
стр. 98
مبحث التأويل، فقوله: "غيرُ" نائب فاعل "يُعْنى" بمعنى يُراد، أي ليس فيه ما يراد به غير ظاهره إلا بدليل على ذلك.
١٣٣ - والنقلُ بالمنضمِّ قد يُفيدُ ... للقطْعِ والعكسُ له بعيدٌ
يعني أن النقل يفيد القطع بصحة الخبر، فالدليل القاطع يجوز أن يكون نقليًّا، وقيل: لا يمكن أن يكون نقليًّا، وحكاه الفخر الرازي في "المعالم" (١) واحتجَّ له بأن القطع بالخبر يتوقف على أمور لا سبيلَ إلى القطع بها وهي: عدم المجاز، والنقل، والتقديم، والتأخير، والتخصيص، والنسخ، والإضمار، والاشتراك، والمعارض العقلي (٢).
وأجاب الجمهور عن هذا بأن النقل قد يفيد اليقين بواسطة المنضمِّ إليه من تواتر لفظي أو معنوي أو من قرائن حالية، فلا شك في أن هيئات الصلوات مثلًا قطعية لِمَا انضم إلى الإخبار بها من التواتر ونحو ذلك مما عُلِم من الدين بالضرورة من النقليات، وهذا هو مراد المؤلف بقوله: "بالمنضم".
وقول المؤلف: "والعكس له بعيدُ" يعني أن القول بأن الخبر لا يفيد اليقين مطلقًا بعيدٌ، وهو كذلك لبطلانه، واللام في قوله: "للقطع" زائدة داخلة على المفعول به، والأصل: قد يفيد القطع.
стр. 99
المنطوق والمفهوم
اعلم أن المفهوم يسمَّى منطوقًا إليه.
١٣٤ - معنًى له في القصدِ قُلْ تأصُّلُ ... وهُوَ الذي اللفظ به يُسْتعملُ
يعني أن المنطوق هو المعنى الذي قصدَه المتكلم باللفظ أصالة أي بالذات من اللفظ، وإيضاح كونه مقصودًا بالأصالة من اللفظ أنه لا يتوقف فهمه من اللفظ إلَّا على مجرد النطق باللفظ، سواء كان اللفظ حقيقة أو مجازًا، فالتحقيق أن المجاز من المنطوق؛ لأن نفس المعنى المجازي هو مقصود المتكلم باللفظ، وقرينة المجاز تبيِّنُ ذلك، وهذا الذي فسرنا به المنطوق هو معنى قولهم: المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق.
١٣٥ - نصٌّ إذا أفادَ ما لا يحتملْ ... غيرًا وظاهرٌ إِنِ الغيرُ احتُمِلْ
يعني أن اللفظ الدال في محل النطق يسمى نصًّا إذا أفاد معنى لا يحتمل غيره كأسماء العدد كقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة/ ١٩٦]. ويُسَمَّى ظاهرًا إن احْتُمِل معنى آخر احتمالًا مرجوحًا كقولك: "رأيت الأسد" فهو ظاهر في الحيوان المفترس، ويحتمل الرجل الشجاع. وسيأتي أنه إن تساوى الاحتمالان أو الاحتمالات أن اللفظ يسمَّى مجملًا، فصارت القسمةُ رباعية: نص وظاهر، ومجمل ومحتمل. وقوله: "احْتُمِل" بالبناء للمفعول. وقوله: "الغيرُ" نائب فاعل "احتمل" محذوفة لأن الشرط لا يتولاه إلا الجمل الفعلية.
стр. 100
١٣٦ - والكلُّ من ذَيْن له تجلَّى ... ويُطلق النصُّ على ما دَلّا
١٣٧ - وفي كلام الوحي. . . . . ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن النص له أربعة اصطلاحات: أحدها: معناه المتقدم، الثاني: الظاهر، الثالث: اللفظ الدال على أي معنى كان، سواء كان كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو قياسًا. الرابع: الوحي من كتاب أو سنة.
. . . . . . . والمنطوقُ هلْ ... ما ليسَ بالصريح فيه قد دَخَلْ
يعني أنهم اختلفوا فيما دُلّ عليه بالاقتضاء أو الإشارة أو الإيماء هل هو داخل في المنطوق أو المفهوم؟ فعلى أنه داخل في المنطوق يكون قسمين: منطوق صريح وهو ما تقدم، ومنطوق غير صريح وهو ما دل عليه بالاقتضاء أو الإشارة أو الإيماء. وعلى أنه مفهوم فالمنطوق هو ما تقدم في قوله: "معنى له في القصد" إلخ فقط.
١٣٨ - وهْوَ دلالةُ اقتضاءٍ أن يَدُلْ ... لفظٌ على ما دونَه لا يستَقِلْ
١٣٩ - دَلَالَةُ اللّزوم. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . .
يعني أن دلالة الاقتضاء هي أن يدل لفظ دلالة التزام على محذوف لا يستقل الكلام دونه؛ لتوقف صدقه عليه أو توقفه عليه عقلًا أو شرعًا، فمثال ما دلَّ عليه بالاقتضاء لتوقف الصدق عليه: قوله ﷺ لذي اليدين لما قال له: أُقصرت الصلاة أم نسيت؟: "كلُّ ذلك لم يكن" (١) يعني في
стр. 101
ظني، ولولا تقدير هذا المدلول عليه بالاقتضاء لكان الكلام كذبًا لأنه سلَّم من ركعتين، وهو ﷺ يستحيل في حقه الكذب.
ومن أمثلته أيضًا حديث: "رُفِعَ عن أُمتي الخطأ والنسيان وما اسْتكرِهوا عليه" (١). فالمدلول عليه بالاقتضاء هو المؤاخذة لأنها هي المرفوعة، أما نفس الخطأ والنسيان والاستكراه فليس شيءٌ منها مرفوعًا لوقوعها كُلِّها في الأمة، فلولا تقدير المقتضي لكان الكلام كذبًا.
ومثال التوقف عقلًا: سؤال القرية والعير في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف/ ٨٢]، هكذا مَثَّل بهذا كثير من الأصوليين، والظاهر أن العقل لا يمنع ذلك، وإنما مَثَّلوا به جريًا على العادة.
ومثال التوقف على المقتضي شرعًا: الأمر بالصلاة فإنه يدل بالاقتضاء على الأمر بالطهارة، لأنها لا تصح شرعًا دونها. وقوله: ﴿حُرِّمَتْ
стр. 102
عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء/ ٢٣] لأن نفس الأمهات لا يتعلق بها التحريم شرعًا، لأن الأحكام الشرعية لا تتعلق إلا بالأفعال كما تقدم في قوله: "ولا يكلف بغير الفعل" إلخ فدلَّ الكلام بالاقتضاء على محذوفٍ تقديره: نكاح أمَّهاتكم.
. . . . . . مثل ذاتِ ... إشارةٍ كذاكَ الايما آتِ
قوله: "مثل" خبر مبتدأ تقديره: هي، أي دلالة الاقتضاء مثلُ ذات الإشارة، أي مثل دلالة الإشارة والإيماء في أن كلًّا منها دلالة التزام وأنها منطوق غير صريح، فقوله: "الإيما" بالقصر لضرورة الوزن مبتدأ خبره "آتِ"، وقوله: "آتِ" اسم فاعل أتى. وقوله: "كذاك" حال من الضمير المستتر في الخبر. وتقرير المعنى: والإيما آتٍ هو في حالِ كونِه كذاكَ المذكور الذي هو الاقتضاء في أن كلًّا منهما دلالة التزام ومن المنطوق الغير الصريح.
١٤٠ - فأولٌ إشارةُ اللفظِ لِما ... لم يَكُنِ القصدُ له قد عُلِما
يعني أن الأول من القسمين المذكورين في البيت قبله -وهو دلالة الإشارة- هو إشارة اللفظ إلى معنى ليس مقصودًا منه بالأصالة بل بالتبع، مع أنه لم تَدْعُ إليه ضرورة لصحة الاقتصار على المذكور دون تقديره كدلالة قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة/ ١٨٧] على صحة صوم من أصبح جنبًا من الوطء، فإن الآية لم يُقصد بها بالأصل صحة صومِ من أصبح جنبًا من الوطء ولكن قُصد بها جواز الجماع في جميع أجزاء ليلة الصوم، وذلك يَصْدُق بآخر جزء من
стр. 103
الليل، بحيث لم يبق ما يسع الاغتسال قبل النهار، فدَلَّ بالإشارة على صحة صوم من أصبح جنبًا.
ومن أمثلته: أَخْذ علي ﵁ أن أقل أمد الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف/ ١٥] مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان/ ١٤] لأن العامين إن أسقطتها من الثلاثين بقي منها ستة، فالآيتان لم تُسَقْ واحدةٌ منهما لقصد بيان أقل أمد الحمل، ولكن إحداهما لبيان أمد الحمل والفصال، والأخرى لبيان أمد الفصال، إلا أنهما دلتا بالإشارة على أقل أمد الحمل.
وقوله: "فأول" مبتدأ خبره "إشارة اللفظ"، والظاهر أن مسوِّغ الابتداء به كونه في معرض التفصيل، كقول امرئ القيس (١):
فلما دنوتُ تَسَدَّيْتُها ... فثوبًا نسيتُ وثوبًا أجُرْ
وقوله: "عُلم" بالبناء للمفعول، وألِفُه للإطلاق.
١٤١ - دلالةُ الإيماءِ والتنبيهِ ... في الفنِّ تُقْصَدُ لدى ذويهِ
يعني أن الدلالة التي تسمى دلالة الإيماء والتنبيه مقصودة عند المتكلم بالأصالة لا بالتبع، و"الفن" فن الأصول، وقوله: "ذويه" بمعنى أصحابه، وجملة "تُقْصد" خبر المبتدأ الذي هو "دلالة" وأشار إلى تعريفها بقوله:
١٤٢ - أن يُقرَنَ الوصفُ بحكمٍ إن يكنْ ... لغيرِ علَّةٍ يَعِبْهُ من فَطِنْ
стр. 104
المصدر المنسبك من أنْ وصلتها خبر مبتدأ محذوف والتقدير هي -أي دلالة الإيماء والتَّنبيه- أن يقرن -أي اقتران- الوصف بحكم لو لم يكن الوصف علة لذلك الحكم لعابه الفَطِن بمقاصد الكلام لأنه لا يليق بالفصاحة، وكلام الشارع لا يكون فيه ما يُخل بالفصاحة، ومثاله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة/ ٣٨]، لأنه لو لم يكن القطع لعلة السرقة لما كان في قول "السارق والسارقة" فائدة.
ومن أمثلته: قصة الأعرابي الذي جاء يضرب صدره وينتف شعره ويقول: هلكتُ وأهلكتُ، واقَعْت أهلي في نهار رمضان، فقال له ﷺ : "اعتق رقبة" (١)، فلو لم يكن عتق الرقبة لِعِلَّة المواقعة لكان الكلام بلا فائدة. وسيأتي للمؤلف الكلام على أنواع الإيماء في مسالك العلة لأنه هو المسلك الثالث منها.
وعلى القول بأن المنطوق صريح فقط فلا إشكال، وعلى أن منه صريحًا وغير صريح، فإنه يشكل الفرق بين المنطوق الغير الصريح وبين المفهوم (٢)، فيحتاج إلى الفرق بين المفهوم مع الاقتضاء والإشارة والإيماء، والفرق بين المفهوم ودلالة الإشارة مصاحبة القصد الأصليّ له دونها. والفرق بينه وبين دلالة الاقتضاء ظاهر، وهو توقف الصدق أو
стр. 105
الصحة على إضمار فيها دونه، والفرق بينه مع دلالة الإيماء هو أدقها، وتقريبه للذهن أن تعلم أولًا أن المفهوم مقصود للمتكلم إلا أنه مقصود من النطق لا في محلِّ النطق كما تقدم، فقوله تعالى مثلًا: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا﴾ [الطلاق/ ٦] يقصد منه أيضًا أنهن إن كن غير أولات حمل لا يجب الإنفاق عليهن، إلا أن هذا المقصود لم يتناوله اللفظ، فهو مقصود باللفظ ولم يتناوله اللفظ، وإنما فُهِم من تخصيصه الإنفاق بالحوامل أن المسكوت عنهن وهن غيرُ الحوامل لسْنَ كذلك، إذ لو كُنّ كذلك لما كان في تخصيص الحوامل بالذكر فائدة.
ودلالة الإيماء مقصودة في محل النطق، فقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)﴾ [المائدة/ ٣٨] يُقصد من منطوقه أن القطع من أجل السرقة، فإذا عرفت هذا فالفرق بين المفهوم مع دلالة الإيماء كونها مفهومة في محّلٍّ تناوله اللفظ نُطقًا (١) دونه. فتحصَّل أن دلالةَ الإشارة لم تُقصد بالأصل ولكن دخلت بالتبع، وأن دلالة الاقتضاء مقصودة ولكن توقف الصدق أو الصحة على المضمر المقصود المدلول عليه بالاقتضاء، وأن دلالة الإيماء والتنبيه مقصودة في محلٍّ تناوله اللفظ نطقًا، وأن المفهوم مقصود في محل تناوله اللفظ غير نطق.
١٤٣ - وغيرُ منطوقٍ هو المفهومُ ... منهُ الموافقة قلْ معلومٌ
يعني أن غير المنطوق هو المفهوم، فهو ما دل عليه اللفظ لا في
стр. 106
محل النطق، وهو ينقسم إلى قسمين وهما: مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة. وعَرَّف المؤلف مفهوم الموافقة بقوله: "إعطاء ما للّفظة المسكوتا" إلخ. وعَرَّف مفهوم المخالفة بقوله: "وغير ما مر هو المخالفة".
وقوله: "الموافقة" مبتدأ خبره "معلوم". وقوله: "منه" يتعلَّق بـ "معلوم" وضميره للمفهوم، وجملة فعل الأمر الذي هو "قل" اعتراضية.
١٤٤ - يُسْمَى بتنبيه الخطاب وَوَرَدْ ... فحوى الخطابِ اسمًا له في المعتمد
يعني أن مفهوم الموافقة يُسمى: تنبيه الخطاب، وفحوى الخطاب، ويقال له أيضًا: مفهوم الخطاب، ومقابل المعتمد عنده مذهب الحنفية فإنهم يسمونه دلالة النص.
١٤٥ - إعطاءُ ما للّفظة المَسْكُوتا ... من باب أولى نفيًا أو ثُبوتا
يعني أن مفهوم الموافقة هو إعطاء ما ثبت للفظ من الحكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى والأحرى، سواء كان الحكم المنطوق به منفيًّا أو منهيًّا عنه أو موجبًا، فالمنفي نحو: ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء/ ٤٠] يدلُّ بالأحرى أنه لا يظلم مثال جبل. والمنهي نحو: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء/ ٢٣] فإنه يدلُّ بالأحرى على النهي عن الضَّرْب، وهَذَانِ القسمان يشملهما قول المؤلف: "نفيًا" لأن المنهي عنه مطلوب نفيه.
وقولنا: أو موجبًا، نعني به المثبت، فالإيجاب اصطلاحًا هو الإثبات كما أن السلب اصطلاحًا هو النفي، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران/ ٧٥] فإن ثبوت الأمانة في القنطار يدل بالأحرى على ثبوتها في الدرهم. وعلى هذا التعريف الذي
стр. 107
عَرَّف به المؤلف مفهومَ الموافقة فالمساوي لا يدخل في اسْمِه وإن كان مثله في الاحتجاج.
وقول المؤلف: "إعطاء" خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو، أي مفهوم الموافقة، والمصدر الذي هو المبتدأ يعمل عمل فعله وفعلُه يطلب مفعولين، فأضيف المصدر إلى مفعوله الأول وهو "ما" ومفعوله الثاني: المسكوت عنه. وقوله: "المسكوت" يعني المسكوت عنه. وقوله: "من باب أولى" يتعلَّق بقوله: "إعطاء". وقوله: "نفيًا أو ثبوتًا" مصدران منكَّران حالان من "ما" أي إعطاء ما للفظ في حال كونه منفيًّا أو ثابتًا للمسكوت عنه، وإلى مثل هذا الإشارة بقول صاحب "الخلاصة":
ومصدر مُنكَّرٌ حالًا يقعْ ... بكثرة كبغتةٍ زيدٌ طلعْ
١٤٦ - وقِيل ذَا فَحوى الخِطَاب والذي ... سَاوَى بِلَحْنِهِ دعاه المُحْتَذي
يعني أن بعضهم جعل مفهوم الموافقة قسْمَين:
أحدهما: فحوى الخطاب، وهو ما كان المسكوت عنه فيه أولى بالحكم من المنطوق به.
والثاني: لحن الخطاب، وهو ما كان المسكوت عنه فيه مساويًا للمنطوق في الحكم، وهذا هو الحق. وكلُّ واحدٍ من القسمين يكون قطعيًّا وظنّيًّا، فتكون أقسام مفهوم الموافقة أربعة من ضرب اثنين في اثنين:
الأول: مفهوم موافقة أَحْروي قطعي، كفهم المجازاة على مثقال الجبل من المجازاة على مثقال الذرة المنصوص في قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة/ ٧] الآية. وكفهم الاكتفاء بأربعة عدول من
стр. 108
الاكتفاء باثنين المنصوص في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق/ ٢].
الثاني: مفهوم موافقة أحْروي ظَنِّي، كفهم النهي عن التضحية بالعمياء من نهيه ﷺ عن التضحية بالعوراء (١). ولم يكن هذا قطعيًّا، لأنَّ العوراء تُوْكَل في المرعى إلى (٢) نفسها وهي ناقصة البصر فلا ترى كل المرعى، ونقصان بصرها مظنة لنقصان أكلها وذلك مظنة لهزالها، والعمياء يُقَدَّم لها الأكل فيختار لها مثلُ ما تختاره البصيرة لنفسها، فلم يكن عماها مظنة لهزالها كالعوراء، إلا أن هذا الاحتمال بعيد ولكن مَنَعَ القطعَ مع بُعْدِه.
الثالث: مفهوم موافقةٍ مساوٍ قطعي، كفهم حُرمة إحراق مال اليتيم وإغراقه من النهي عن أكله المنصوص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء/ ١٠] الآية. وكفهم النهي عن البول في إناءٍ وصَبِّه في الماء الراكد من نهيه ﷺ عن البول فيه (٣).
الرابع: مفهوم موافقة مساوٍ ظنيّ، كفهم سراية العتق في الأَمَة المُعْتَق بعضها من قوله ﷺ : "من أعتق شِرْكًا له في عبد. . . " (٤)
стр. 109
الحديث، ولم يكن هذا قطعيًا لاحتمال أن الشارع له في عِتْق الذكر غرض لم يكن في عتق الأنثى، ككونه يقف في صف القتال، ويولَّى القضاء والإمامة وغير ذلك من الولايات، إلا أن هذا الاحتمال بعيد؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يُناط بهما حُكْم وإن كانا غير طرديين في بعض الأحكام غير العتق كالميراث والشهادة.
ولحنُ الخطاب مفهومُه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد/ ٣٠]، وفحوى الخطاب ما يُفهم من (١) اللفظ أيضًا.
١٤٧ - دَلالة الوِفاقِ للقياسِ ... وهو الجلي تُعْزى لدى أُناسِ
يعني أن جماعةً من الأصوليين منهم الإمام الشافعي جعلوا دلالة مفهوم الموافقة غير لفظية، بل هي عندهم قياس جلي، فالضرب -مثلًا- للوالدين ممنوع بالقياس على التأفيف قياسًا جليًّا. وقس على ذلك (٢).
وقول المؤلف: "دلالة" مبتدأ خبره جملة "تُعْزَى". وقوله: "وهو الجلي" جملة اعتراضية، والمراد بـ "الوفاق" مفهوم الموافقة.
١٤٨ - وقيل لِلّفظِ مع المَجازِ ... وعَزْوُها للنقل ذو جوازِ
يعني أنه قيل: إن دلالة مفهوم الموافقة أي مدلوله تُعْزَى للّفظ والمجاز، فيقال فيها: لفظية مجازية، وعلى هذا فهي مجاز مرسل أطلق فيه الأخصر وأريد الأعم، فعلى هذا فالمراد بالنهي عن التأفيف النهي
стр. 110
عن جميع الأذى، فالتأفيف خاص أُرِيْد به عام وهو جميع الأذى، وقِسْ على ذلك.
وقوله: "وعَزْوُها للنقل ذو جواز" يعني أن عزوَ مدلول مفهوم الموافقة للنقل جائز، ومراده بالنقل أن العرفَ اللغويَّ نقل اللفظ من وضعه بثبوت الحكم للخاص إلى وضعه لثبوته للعام، كما نُقِل اسم الغائط عن المكان المنخفض إلى الخارج من الإنسان، وعلى هذا فلفظ التأفيف نقله العرفُ اللغوي إلى النهي عن كل أذى.
١٤٩ - وغيرُ ما مرَّ هو المخالفه ... ثُمَّتَ تنبيهُ الخطابِ خَالفَه
١٥٠ - كذا دليلٌ للخطاب انضافا ... . . . . . . . . . . . . .
يعني أن غير ما مر هو مفهوم المخالفة، وما مَرَّ هو مفهوم الموافقة فغيره هو مفهوم المخالفة، ومعنى مفهوم المخالفة: أن المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق به، ويُسمى مفهوم المخالفة: تنبيه الخطاب ودليل الخطاب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . ... ودَعْ إذا الساكتُ عنه خافا
١٥١ - أو جَهِلَ الحُكمَ أو النطقُ انجَلَبْ ... للسُّؤْلِ أو جَرْيٍ على الذي غَلَبْ
١٥٢ - أو امتنانٍ أو وفاقِ الواقِعِ ... والجهلِ والتأكيدِ عند السَّامعِ
يعني أن لمفهوم المخالفة موانع تمنع اعتباره:
الأول: الخوف كما لو قال قريبُ عهدٍ بالإسلام لعبده بحضور المسلمين: تصدَّق بهذا على المسلمين، فلا مفهوم لقوله: "على المسلمين" لأنه سكت عن غير المسلمين خوفًا من تهمة النفاق، وهذا