← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 283

نثر الورود شرح مراقي السعود

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (730 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الأمر أي هذا مبحثه، والمرادُ به في هذه الترجمة أعم من النفسي واللفظي. ٢٣٦ - هو اقتضاء فعل غير كَفِّ ... دُلَّ عليه لا بنحو كُفِّي يعني أن الأمر النفسي (١) "هو اقتضاء" أي طلب تحصيل "فعل غير كف" مدلول عليه بغير كُف ودع وذَرْ وخَلِّ واترك. فتناول الاقتضاء ما ليس بكف نحو قم، وما هو كف مدلول عليه بنحو كف بخلاف الكف المدلول عليه بصيغة "لا تفعل" فليس بأمر، ولا فرق في الاقتضاء بين الجازم وغيره. والمراد بالفعل في قوله "اقتضاء فعل" الأمر والشأن فيشمل فعل اللسان كالقول وفعل القلب كالقصد وفعل الجوارح كالضرب. وجملة "عليه" المبني للمفعول في محل نعت لكف المجرور بغير. ٢٣٧ - هذا الذي حدَّ به النفسيُّ ... وما عليه دَلَّ قل لفظيُّ يعني أن هذا التعريف الذي ذُكِر في البيت قبل هذا هو الذي حُدّ به الأمر النفسي، واللفظ الدال عليه أي على الأمر النفسي هو الأمر اللفظي فاللفظي لفظ دال على اقتضاء فعل إلخ.

стр. 177

٢٣٨ - وليس عند جُل الأذكياء ... شرطُ عُلو فيه واستعلاءِ يعني أن الأمر لا يشترط في حده نفسيًّا كان أو لفظيًّا وجود علو ولا استعلاء، بل يصح المساوِي والأدْوَن على غير وجه الاستعلاء [من] كون الطلب بغلظة وقهر. اهـ. ٢٣٩ - وخالف الباجي بشرطِ التالي ... . . . . . . . . . . . . يعني أن الباجي خالف الجمهور باشتراطه في حد الأمر القيد التالي وهو الاستعلاء. . . . . . . . . . . . . ... وشرطُ ذاك رأيُ ذي اعتزال يعني أن اشتراط العلو في حد الأمر هو مذهب المعتزلة، فإن كان من المساوي سُمِّي التماسًا، ومن الأدْوَن سُمِّي دعاءً وسؤالًا عندهم. ٢٤٠ - واعْتبِرا معًا على توهينِ ... لدى القشيري وذي التلقين يعني أن العلو والاستعلاء "اعتبرا معًا" أي اشتُرِطا جميعًا في حدِّ الأمر لدى القشيري وصاحب "التلقين" وهو القاضي عبد الوهاب. "على توهين" أي مع ضعف لقولهما. فالحاصل أربعة مذاهب في اعتبار العلو والاستعلاء في حد الأمر أصحها أنه لا يعتبر واحد منهما. ٢٤١ - الأمر في الفعل مجاز ... ... . . . . . . . . . . . . يعني أن الأمر إذا استعمل في الفعل فهو مجاز نحو: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي الفعل الذي تُقْدِم عليه، وحقيقة في القول لتبادر القول دون الفعل من لفظ

стр. 178

الأمر إلى الذهن والتبادر علامة الحقيقة. . . . . . . . . . . . . واعتمى ... تشريكَ ذَيْن فيه بعضُ العلما يعني أن بعض العلماء اختار "تشريك ذين" أي الاقتضاء المعرف بما ذكر والفعل في الأمر فيطلق عليهما حقيقة. ٢٤٢ - وافعَل لدى الأكثر للوجوب ... . . . . . . . . . . . . يعني أن صيغة "افعل" حقيقة في الوجوب عند الأكثر من المالكية وغيرهم فيُحمل عليه حتى يصرف عنه صارف. . . . . . . . . . . . . ... وقيل للندبِ أو المطلوب أي وقيل: إن الأمر حقيقة في التدب لأنه المتيقَّن، وقيل إنه حقيقة في المطلوب أي مطلق الطلب وهو القدر المشترك بين الوجوب والندب. وبه قال الماتريدي. تنيبه: حجة من قال إن الأمر حقيقة في الوجوب قوله تعالى لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ذمه على ترك السجود المأمور به في قوله: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ والذم لا يكون إلا في ترك واجب أو فعل محرم. وحجة الندب أن الأمر تارةً يرد للوجوب كما في الصلوات الخمس، وتارةً للندب كما في صلاة الضحى، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فجُعِل حقيقة في رُجحان الفعل وجواز الترك الذي هو الندب لأنه الأصل من جهة براءة الذمة. وهذا بعينه هو حجة من قال: إن الأمر حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب. قاله في شرح التنقيح.

стр. 179

٢٤٣ - وقيل للوجوب أمرُ الرَّب ... وأمرُ من أرسلَه للندبِ أي وقيل: إن أمر اللَّه تعالى حقيقة في الوجوب، وأمر من أرسله اللَّه تعالى حقيقة في الندب إذا كان مُبتدأ من جهته، بخلاف الموافق لأمر اللَّه تعالى في القرآن أو المبيِّن لمجمل القرآن فهو حقيقة في الوجوب. والمبتدأ من جهته ما كان باجتهاده وإن كان بمنزلة الوحي إذ لا يقع منه خطأ أو لا يُقر عليه. قاله في "الآيات البينات". ٢٤٤ - ومُفْهِمُ الوجوب يُدْرِي الشرعُ ... أو الحجا أو المفيدُ الوضعُ يعني أنهم اختلفوا في الذي يُفهم منه دلالة الأمر على الوجوب: هل هو الشرع أو العقل أو الوضع أي اللغة؟ أقوال. حجة الأول قوله تعالى لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ وقوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾. ومن السنة قوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وحجة الثاني: أن ما تفيده اللغة من الطلب يتعين أن يكون للوجوب لأن حمله على الندب يصيِّر المعنى افعل إن شئت، وهذا التقييد ليس مذكورًا. وحُجة الثالث: أن أهل اللغة يحكمون باستحقاق عبد مخالف لأمر سيده العقاب. ٢٤٥ - وكونه للفور أصل المذهب ... وهو لدى القيد بتأخيرٍ أُبي يعني أن كون "افعل" للفور هو أصل مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى دل على الوجوب أو الندب على الصحيح، قال القاضي: لكن بعد سماع الخطاب وفهمه.

стр. 180

وأما اقتضاؤه الفور على القول بأنه يقتضي التكرار فحكى القاضي عبد الوهاب الاتفاق عليه كما سيأتي قوله: وهو لدى القيد إلخ. يعني أن دلالة فعل الأمر على الفور إذا قُيِّد بالتأخير نحو: "صم غدًا" ممنوعة فهذا محل وفاق، وكذا لا خلاف إذا قُيِّدت بفور نحو: "قم الآن". ٢٤٦ - وهل لدى الترك وجوبُ البدلِ ... بالنصِّ أو ذاكَ بنفسِ الأولِ أي وعلى القول بأن فعل الأمر للفور فهل إذا ترك المأمور وفعل ما أمر به بأن أخره يكون وجوب الإتيان ببدله عليه بنفس الأمر الأول وعليه الأكثر؟ أو لا يجب إلا بنص آخر غير نفس الأمر الأول؟ والبدل هو العزم على أداء الفعل في الوقت ليفارق المندوب، فهو بدل من التقديم، وقيل: بدل من نفس الفعل، وقيل: ليس ببدل وإنما شرط في جواز التأخير. ٢٤٧ - وقال بالتأخير أهل المغربِ ... وفي التبادُرِ حصولُ الأرَبِ يعني أن أهل المغرب من المالكية قالوا: إن فعل الأمر للتأخير فقيل: مطلقًا وقيل: بشرط السلامة فإن مات قبل الفعل أَثِم وقيل: لا يأثم إلا إن يظن موته. قوله: "وفي التبادر" إلخ يعني أن التبادر إلى فعل المأمور به يحصل به الأرب أي المقصود وهو امتثال أمر اللَّه تعالى ولو على القول بأنه للتأخير. وقيل: لا يحصل به وهو خلاف الإجماع. ٢٤٨ - والأرجح القدر الذي يُشْتَرَكُ ... فيه وقيل إنه مشتركُ يعني أن الأرجح في الموضوع له فعل الأمر أنه القدر المشترك فيه الفور والتراخي حذرًا من الاشتراك والمجاز، والقدر المشترك هو طلب الماهية من

стр. 181

غير تعرض لوقت من فور أو تراخ. قوله: "وقيل" إلخ يعني أنه قيل إن فعل الأمر مشترك بين الفور والتراخي أي حقيقة في كل منهما. ٢٤٩ - وقيل للفور أو العزم وإنْ ... تَقُل بتكرارٍ فوفقٌ قد زُكِن يعني أنه قيل: إنه لواحد من الفور أو العزم، قال حلولو: فالعزم بدل من التقديم، وعلى القول بأنه يفيد التكرار فالاتفاق على أنه للفور "قد زُكِن" أي قد عُلِم عند الأصوليين. ٢٥٠ - وهل لمرةٍ أو اطلاق جلا ... أو التكرار (١) اختلافُ من خلا يعني أن "من خلا" أي من مضى من العلماء اختلفوا في فعل الأمر هل هو موضوع للدلالة على المرَّة الواحدة وبه قال كثير من الحنفية والشافعية وهو مذهب مالك لأن المرة هي المتيقن. وقال بعضهم: إنه لمطلق الماهية لا لتكرار ولا لمرة وعليه المحققون واختاره ابن الحاجب. وقال بعضهم: إنه للتكرار واستقرأه ابن القصار من كلام مالك. حجة التكرار أنه لو لم يكن له لامتنع ورود النسخ له بعد الفعل قاله القرافي. ٢٥١ - أو التكرُّر إذا ما عُلِّقا ... بالشرط أو بصفةٍ تحققا أي وقال بعض العلماء وهو مالك وجمهور أصحابه والشافعية أن الأمر يكون للتكرار إذا عُلِّق بشرطٍ أو صفة خلافًا للحنفية وبعض المالكية، نحو قوله

стр. 182

تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ و ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ فتتكرر الطهارة والقطع والجَلد بتكرر الجنابة والسرقة والزنى. ولا فرق على ظاهر كلامهم بين كون الشرط والصفة علة كالأمثلة المذكورة أم لا. ومما ينبني على مسألة الخلاف في الأمر هل يفيد التكرر تعدُّدُ السبب مع اتحاد المسبب هل يتعدد بتعدد السبب أو لا كحكاية الأذان فيمن يقول بالتكرُّر مطلقًا وإن عُلِّق بشرطٍ أو صفة تعددت عنده ومن لا فلا. ٢٥٢ - والأمر لا يستلزمُ القضاءَ ... بل هو بالأمر الجديدِ جاءَ يعني أن الأمر بشيء مؤقت لا يستلزم عند الجمهور القضاء له إذا لم يُفعل في وقته بل القضاء بأمر جديد. وخرج بالمؤقت المطلق وذو السبب فلا قضاء فيهما اتفاقًا. وأشار إلى تعليل ذلك بقوله: ٢٥٣ - لأنه في زمن مُعينِ ... يجي لما عليه من نفعٍ بُني أي لأن الأمر بفعل في وقت معين إنما يجيء لأجل مصلحة اشتمل عليها ذلك الوقت تختص به، والقضاء بعد ذلك الوقت إنما يكون بأمر جديد يدل على مساواة الزمن الثاني للأول في المصلحة. مثال الأمر الجديد حديث "الصحيحين": "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها" وتقضى المتروكة عمدًا قياسًا على المنسية بالأولى. قاله في "الآيات البينات". ٢٥٤ - وخالف الرازي إذا المركب ... لكل جزء حكمه ينسحب يعني أن أبا بكر الرازي من الحنفية خالف الجمهور في أن القضاء بأمر جديد فقال: إنه بالأمر الأول نظرًا إلى أصل آخر وهو أن الأمر بالمركب

стр. 183

ينسحب حكمه على كل جزء من أجزائه، فالأمر بفعل في وقت معين إذا لم يفعل في وقته يستلزم عند جمهور الحنفية القضاء في وقت آخر؛ لأن المأمور به مركب من الفعل وكونه في الوقت، ولما تعذر أحد الجزئين وهو خصوص الوقت تعين الجزء الثاني وهو فعل المأمور به نحو: صُم يوم الخميس، مقتضاه إلزام الصوم وكونه في يوم الخميس، فإذا عجز عن الثاني لفواته بقي اقتضاء الصوم. ٢٥٥ - وليس من أمر بالأمر أمر ... لثالث إلا كما في ابن عمر يعني أن من أمر شخصًا أن يأمر شخصًا ثالثًا بشيء لا يسمّى أمرًا لذلك الشخص الثالث كقوله ﷺ : "مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر" فإنه ليس أمْرًا للصبيان إلا أن ينص الآمِر على ذلك، أو تقوم قرينة على أن الثاني مبلِّغ عن الآمر الأول، فالثالث مأمور إجماعًا كما في حديث ابن عمر الثابت في "الصحيحين" أنه طلق زوجته وهي حائض فذكره عمر للنبي ﷺ فقال: "مُرْه فليراجعها". والقرينة الدالة على أن رسول اللَّه ﷺ آمر لابن عمر دخول لام الأمر في قوله: "فليراجعها" ومجيء الحديث أيضا بلفظ: "فأمره ﷺ أن يراجعها". ٢٥٦ - والأمر للصبيان نَدْبه نُمِي ... لما رووه من حديث خَثْعَم يعني أن الأمر للصبيان بالمندوبات منسوب للحديث المروي في شأن امرأة من خثعم قالت: يا رسول اللَّه ألهذا حج تشير إلى صبي في حجرها؟ قال: "نعم، ولك أجر" وليس منسوبًا لحديث: "مروهم بالصلاة لسبع".

стр. 184

٢٥٧ - تعلُّق الأمر (١) بالاختيار ... جوازه رويَ باستظهار يعني أن تعليق الأمر باختيار المأمور به نحو: افعل كذا إن شئت، فيه اختلاف بين العلماء لكن "جوازه رُوي" مع استظهار، والمستظهر له المحلِّي قال: والظاهر الجواز والتخيير قرينة على أن الطلب غير جازم، وقد روى البخاري أنه ﷺ قال: "صلوا قبل المغرب لمن شاء" أي ركعتين، وقيل: لا يجوز لما بين الطلب والتخيير من التنافي. ٢٥٨ - وآمِرٌ ولفظُه يعمُّ (٢) هل ... دَخَل قصدًا أو عن القصد اعتزل يعني أن الآمر بكسر الميم بلفظ يعمه وغيره اختلفوا فيه هل يدخل في قصده لتناول الصيغة له -وصُحِّح ونُسِب للأكثر-؟ أو لا يدخل في قصده لبُعْد أن يريد الآمِر نفسَه -وصُحِّح أيضا ونسب للأكثرين-؟ كقول السيد لعبده: أكرم من أحسنَ إليك، وقد أحسن هو إليه، إلا أن تقوم قرينة على عدم دخوله كقوله لعبده: تصدَّق على من دخل داري، وقد دخلها هو. قال زكرياء: والقرينة على عدم دخوله أن التصدُّق تمليك وهو لا يتصور إذ المالك لا يملِّك نفسَه. ٢٥٩ - أنِبْ إذا ما سِرُّ حكمٍ قد جرى ... بها كسدِّ خَلَّةٍ للفقرا يعني أن النيابة تجوز وتصح إذا حصل بها أي بالنيابة سر الحكم أي مصلحته التي شُرِع لها، سواء كان الحكم ماليًا كالزكاة فتجوز النيابة فيها

стр. 185

لحصول سر الحكم الذي شُرِعت له وهو سد خلة الفقراء، أو بدنيًّا كالحج، إلا لمانع من سر الحكم بأن كان لا يحصل بالنيابة كالصلاة، لأن السر في مشروعيتها الخضوع والتذلل للَّه وذلك لا يحصل بالنيابة. ٢٦٠ - والأمر ذو النفس بما تعيَّنا ... ووقته مضيَّق تضمّنا ٢٦١ - نهيًا عن الموجود من أضداد ... . . . . . . . . . . . يعني أن الأمر النفسي بشيء معين ووقته مضيَّق يتضمن أي يستلزم عقلًا النهي عن الموجود من أضداده، وإليه ذهب أكثر أصحاب مالك، واحدًا كان الضدُّ كضد السكون أي التحرك، أو أكثر كضد القيام أي القعود وغيره. . . . . . . . . . . . . ... أو هو نفسُ النهي عن أندادِ يعني أن الأمر النفسي بشيءٍ مُعين ووقته مضيق قيل: إنه هو نفس النهي عن أنداد أي أضداد ذلك الشيء، وهو قول الأشعري والقاضي وجمهور المتكلمين وفحول النظار. و"أو" لتنويع الخلاف، فالمعنى أن ما يَصْدق عليه أنه أمر نفسي هل يصدق عليه أنه نهي عن ضده أو مستلزم له سواء كان إيجابًا أو ندبًا؟ فالنهي عن الضد في الواجب يكون على وجه التحريم وفي الندب على وجه الكراهة. وبيانُ ذلك أن الطلب واحد هو بالنسبة إلى المأمور به أمر وإلى ضده نهي، وقولنا: "بشيءٍ معين" احترازًا عن المخير فيه بين أشياء فليس الأمر فيه بالنظر إلى مصدقه نهيًا عن ضده منها ولا مستلزمًا له اتفاقًا. واحترز بقوله: "ووقته مضيق" عن الموسّع فيه فلا يُنهى عن ضده.

стр. 186

٢٦٢ - وبتضمن الوجوب فرَّقا ... بعضٌ وقيل لا يدلُّ مطلقا يعني أن بعض الأصوليين فرق بين أمر الوجوب وأمر الندب فقال: يتضمن الأول النهي عن ضده بخلاف الثاني فإنه لا عَيَّنه ولا يتضمنه لأن الضد فيه لا يخرج به عن أصله من الجواز بخلاف الضد في أمر الوجوب لاقتضائه الذم على الترك. "وقيل لا يدل مطلقًا" أي وقال الأبياري مِنَّا وإمام الحرمين والغزالي من الشافعية: إن الأمر المذكور لا يدل مطلقا على النهي عن ضده. أي: ليس هو عينه ولا يتضمنه أمر وجوب كان أو ندب ومنعوا دليل القولين الأولين. ٢٦٣ - ففاعلٌ في كالصلاةِ ضدَّا ... كسِرْقَةٍ على الخلافِ يُبْدى يعني أن الخلاف في من فعل في العبادة كالصلاة ضدَّها كالسرقة هل يفسدها أم لا يبدى أي يظهر، ويُبنى على الخلاف في الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أم لا؟ فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده تبطل الصلاة بالسرقة فيها، وعلى أنه ليس نهيًا عن ضده ولا يدل عليه لا تبطل الصلاة. وأَدْخَلت الكافُ مَنْ صلى بحرير أو ذهب أو نظر إلى عورةِ إمامِه فيها. ومحل الخلاف إذا لم يدل دليل على الفساد بفعل الضد كالكلام في الصلاة عمدًا، وإلى ذلك أشار بقوله: ٢٦٤ - إلا إذا النصُّ الفسادَ أبدا ... مثلُ الكلامِ في الصلاةِ عَمْدا أي فإن ورد النص على الفساد للصلاة بفعل ذلك الضد كالكلام في الصلاة عمدًا بطلت الصلاة. قوله: "الفسادَ" بالنصب مفعول مقدَّم لقوله: "أبدا".

стр. 187

٢٦٥ - والنهي فيه غابرُ الخلاف ... أو أنه أمرٌ على ائتلاف يعني أن النهي النفسي عن شيء معين تحريمًا أو كراهة فيه من الخلاف مثل ما في الأمر النفسي أي هل هو أمر بالضد أو يتضمنه أو لا عَيَّنه ولا يتضمنه، أو نَهْي التحريم يتضمنه دون نهي الكراهة؟ قوله: "أو أنه أمر على ائتلاف" يعني أن النهي يزيد على الأمر قولين: أحدهما: هو أنه أمر بالضد اتفاقًا، وهي طريقة القاضي بناءً على أن المطلوب في النهي فعل الضد، وإنما جرى القطع في جانب النهي دون جانب الأمر لأن النهي أهم لأنه من قبيل درء المفسدة بخلاف الأمر فإنه من قبيل جلب المصلحة ودرء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح لأنه أهم منه. وإلى القول الثاني أشار بقوله: ٢٦٦ - وقيل لا قطعًا كما في المختصرْ ... وهو لدى السبكيِّ رأيٌ ما انتصرْ أي وقيل: إن النهي عن الشيء ليس أمرًا بالضد لا على وجه المطابقة ولا التضمن اتفاقًا بناءً على أن المطلوب فيه انتفاء الفعل حكى القول ابنُ الحاجب في "مختصره" لكنه عند تاج الدين السبكيّ رأيٌ غير منصور ولا مقبول ولذلك لم يذكره في "جمع الجوامع". ٢٦٧ - الأمْران غير المتماثلَيْن ... عدَّا كصُمْ نَمْ مُتغايرَيْن يعني أن الأمر إذا تكرر والثاني غير مماثل للأول عُدَّا متغايرين تعاقبا أم لا فيُعْمَل بهما دون عطف كصُمْ نَمْ، أو به وهما غير ضدَّيْن نحو: اركعوا واسجدوا، أم تضادَّا وكانا في وقتين نحو: أكرم زيدًا وأهِنْه، فإن اتحد الزمن

стр. 188

حُمِل الكلام على التخيير ولا يحمل على النسخ. ٢٦٨ - وإن تماثلا وعطفٌ قد نُفي ... بلا تعاقبٍ فتأسيسٌ قُفي يعني إذا تكرر الأمران وتماثلا من غير عطف ومن غير تعاقب بل تراخى الثاني عن الأول فكون الثاني تأسيسًا أمرٌ مَقْفوٌّ أي مُتَّبع لأنه هو الذي ذهب إليه أهل الأصول وهو الصحيح. ٢٦٩ - وإن تعاقبا فذا هو الأصحْ ... والضعفُ للتأكيد والوقفِ وضَحْ أي وإن كُرِّر الأمران وتماثلا وتعاقبا نحو: صلِّ ركعتين صل ركعتين "فذا" أي التأسيس هو الأصح ويُعمل بهما كان الأمر للوجوب أو للندب، وعزاه وليُّ الدين للأكثر، لأن الأصل التأسيس لا التأكيد، وضَعْف القول بأنه للتأكيد والقول بالوقف واضح. ومحلُّ كون التأسيس هو الراجح: ٢٧٠ - ما لم يكن تأسُّسٌ ذا منع ... من عادةٍ ومن حِجا وشرع أي فإن منع من التأسيس مانع عادي نحو: اسقني الماء اسقني الماء، فإن العادة باندفاع الحاجة بمرةٍ واحدة في الأول ترجح التأكيد. أو عقلي نحو: اقتل زيدًا اقتل زيدًا، لكنَّ التأكيد هنا متعين قطعًا. أو شرعي كتكرير العتق في عبد واحد = ترجَّح التأكيد في الأولى وتعين في الأخيرتين. ومن موانع التأسيس كون الأمر الأول مستغرقًا للجنس والثاني يتناول بعض أفراده نحو: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ ومنها العهد نحو: صل الركعتين صل الركعتين، وكذا إذا دلَّت قرينة حال على التأكيد.

стр. 189

٢٧١ - وإن يكن عطف فتأسيسٌ بلا ... منعٍ يُرى لديهمُ معوَّلا يعني أن الأمر إذا كُرِّر مع العطف فالتأسيس عند عدم المانع منه يُرى عند الأصوليين معوَّلًا عليه ومعتمدًا عليه لأن العطف يقتضي المغايرة، واختاره القاضي. وقال القاضي عبد الوهاب: وهو الذي يجري على قول أصحابنا، وقيل: للتأكيد لأن الأصل براءة الذمة. ٢٧٢ - والأمر للوجوب بعدَ الحظل ... أو بعد سؤْلٍ قد أتى للأصل يعني أن الأمر اللفظي حقيقة في الوجوب إذا ورد بعد الحظل لمتعلقه عند قدماء أصحاب مالك والباجي [من المتأخرين] وأصحاب الشافعي خلافًا لبعض أصحابنا وأصحاب الشافعي في أنه للإباحة، فمن استعماله في الوجوب قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. ومن استعماله في الإباحة: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. قوله: "أو بعد سُؤْل قد أتى للأصل" يعني أن الأمر اللفظي إذا ورد بعد سؤال فهو حقيقة في الوجوب كما يقال لمن قال: أأفعل كذا؟ افعله. ومنه في غير الوجوب حديث مسلم: أأصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم" فإنه بمعنى صلِّ فيها. وقوله: "للأصل" تعليل لإتيانه للوجوب أي إنما أتى فيها ذكر للوجوب بناءً على أن الوجوب هو مسمَّى الأمر حقيقة. ٢٧٣ - أو يقتضي إباحةً للأغلب ... إذا تعلَّقَ بمثل السبب يعني أن الأمر الوارد بعد الحظر يقتضي عند القاضي عبد الوهاب الإباحة "للأغلب" أي لأن الغالب في عرف الشرع استعماله فيها إذا تعلق الحظر السابق

стр. 190

عليه "بمثل السبب" أي بعلة أو شرط أو غاية وورد الأمر بعد ما زال ما عُلِّق عليه، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ فإنَّ حظر الاصطياد أي تحريمه مُعلق على علة هي الإحرام، وقد ورد الأمر بالاصطياد بعد ما زالت تلك العلة. ٢٧٤ - إلا فذي المذهبُ والكثيرُ ... له إلى إيجابه مصيرُ أي وإلا يكن الحظر السابق على الأمر مُعلقًا على سبب أو شرط أو مانع بأن كان غير معلق على شيء مما ذُكِر "فذي" أي إلإباحة هي مذهب مالك وأصحابه أي هي مدلوله عندهم، والكثير من أهل الأصول لهم مصير إلى إيجابه أي إلى كونه للوجوب، فتحصل في ورود الأمر بعد الحظر ثلاثة أقوال قولان مطلقان وقول مفصل. ٢٧٥ - بعد الوجوب النهيُ لامتناع ... للجلِّ والبعضُ للاتِّساع يعني أن النهي اللفظي إذا ورد بعد الوجوب فهو لامتناع أي تحريم ذلك الواجب عند جل أهل الأصول، فتقدم الوجوب ليس قرينة صارفة له عن أصل وضعه الذي هو التحريم. وقال بعض الأصوليين: إن النهي بعد الوجوب للاتساع أي الإباحة لأن النهي عن الشيء بعد وجوبه يرفع طلبه فيثبت التخيير فيه. ٢٧٦ - وللكراهةِ برأيٍ بانا ... وقيل للإبْقا على ما كانا يعني أن النهي الوارد بعد الوجوب بانَ أي ظهر كونه للكراهة في رأي بعضهم، و"قيل للإبقا" أي وقال بعضهم: إن النهي بعد الوجوب للإبقاء على ما كان عليه الفعل المنهي عنه قبله من تحريم لكون الفعل مضرة أو إباحة لكونه

стр. 191

منفعة وإنما هو لإساقط الوجوب فقط ويرجع الفعل إلى ما كان عليه. وأما النهي بعد السؤال فيُحمل على ما يُفهم من السؤال من إيجاب أو ندب أو إرشاد أو إباحة، فصما ورد منه للتحريم خبر مسلم والبخاري عن المقداد قال: أرأيتَ إن لقيتُ رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم قطعها ثم لاذَ مِنِّي بشجرة فقال: أسلمت، للَّه، أفأقتله يِا رسول اللَّه بعد أن قالها؟ قال: "لا". ومما ورد منه للكراهة حديث مسلم: أصَلِّي في مبارك الإبل؟ قال: "لا". وحديث أنس قال رجل: يا رسول اللَّه الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: "لا". وحديث سعد في الوصية بجميع ماله فقال ﷺ : "لا". حَمَلَه على التحريم مَن فَهِم أن السؤال عن إباحة، ويحتمل أن يكون السؤال عن الندب. ٢٧٧ - كالنسخ للوجوب عند القاضي ... وجلُّنا بذاك غيرُ راض يعني أن القاضي عبد الوهاب قال: إنه إذا نسخ وجوب الشيء يبقى على ما كان عليه قبل الوجوب من تحريم أو إباحة وصار الواجب بالنسخ كأن لم يكن، وجلنا معاشر المالكية غير راضٍ بذاك أي بما قال القاضي وفاقًا لغير المالكية. ٢٧٨ - بل هو في القوي رفعُ الحرج ... . . . . . . . . . . . . "بل هو" أي نسخ الوجوب في القول القوي وهو قول الجمهور رفع الحرج عن الفاعل في الفعل والترك من الإباحة والندب عند القرافي والكراهة عند المحلي. وبيانه على ما قال في "شرح التنقيح" إن الأمر دل على جواز الإقدام والنسخ على جواز الإحجام فيحصل مجموع الجوازين من الأمر وناسخه لا من الأمر فقط ولا يرد أن نسخ استقبال بيت المقدس لم يبق معه

стр. 192

الجواز لأن اقتفاء الجواز من دليل آخر لا من مجرد النسخ. . . . . . . . . . . . . ... وللإباحة لدى بعضٍ يجي يعني أن النسخ للوجوب يجي لدى بعض الأصوليين للإباحة بمعنى استواء الطرفين، وإنما حملوه على الإباحة لأنه بارتفاع الوجوب ينتفي الطلب فيثبت التخيير. ٢٧٩ - وقيل للندب كما في مبطل ... أوجبَ الانتقالَ للتنفل وقال بعض الأصوليين: إن النسخ للوجوب للندب أي إذا نسخ الوجوب بقي الندب إذ المحقق بارتفاع الوجوب انتفاء الطلب الجازم فيثبت الطلب غير الجازم، كما في طُرُوِّ مُبطل الصلاة أوجب الانتقال من الفرض للتنفل أي السلام عن نافلة أي شفع، ووجهه أن الواجب مندوب وزيادة فإذا طرأ ما يبطله بقي المندوب فلا يبطله بالكلية. ٢٨٠ - وجُوِّز التكليفُ بالمحالِ ... في الكل من ثلاثةِ الأحوالِ يعني أنه يجوز عقلًا أن يكلف اللَّه تعالى عبادَه بفعل مُحال في كل الأحوال الثلاثة أي سواء كان محالًا عادةً وعقلًا كالجمع بين السواد والبياض وهو المحال لذاته أم لغيره وهو الممتنع عادة فقط كالطيران من الإنسان أو عقلًا كالإيمان ممن علم اللَّه أنه لا يؤمن. ٢٨١ - وقيل بالمنع لما قد امتنع ... لغير علم اللَّه أن ليس يقع أي وقال بعض المعتزلة وبعض أهل السنة: إن التكليف بالمحال الذي

стр. 193

امتنع لغير تعلق علم اللَّه بعدم وقوعه ممنوع؛ لأنه لظهور امتناعه للمكلفين لا فائدة في طلبه منهم. وأُجيب بأنَّ فائدته اختبارهم هل يأخذون في المقدمات فيترتب الثواب أوْلا فيترتَّب العقاب. وأما الممتنع لتعلُّق عِلْم اللَّه بعدم وقوعه فالتكليف به جائز وواقع إجماعًا وذلك كإيمان أبي جهل. ٢٨٢ - وليس واقعًا إذا استحالا ... لغيرِ عِلْم ربنا تعالى يعني أن التكليف بالمحال غير واقع في الشريعة إذا كانت استحالته لغير تعلُّق علم اللَّه تعالى بعدم وقوعه بشهادة الاستقراء وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وأما وقوع التكليف بالثاني فلأن اللَّه تعالى كلف الثقلين بالإيمان وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ فامتنع إيمان أكثرهم لعلمه تعالى بعدم وقوعه. ٢٨٣ - وما وجودُ واجبٍ قد أطلقا ... به وجوبُه به تحقَّقا يعني أن الشيء الذي وجود الواجب المطلق منوط به وجوبه أي ذلك الشيء به أي بسبب وجوب الواجب المطلق قد تحقق عندنا معاشر المالكية وجمهور العلماء سببًا كان ذلك الشيء أو شرطًا إذ لو لم يجب لجاز ترك الواجب المنوط به. فاحترز بالمطلق عن الواجب المقيد وجوبه بسبب أو شرط فأسباب الوجوب وشروطه لا يجب إجماعًا تحصيلها بسبب وجوب ما توقف عليها من فعل كالنصاب يتوقف عليه وجوب الزكاة ولا يجب تحصيله. ٢٨٤ - والطوقُ شرطٌ للوجوب يُعرف ... إن كان بالمحال لا يُكَلَّف يعني أن الطوق أي قدرة المكلف شرطٌ في وجوب الشيء المتوقف عليه

стр. 194

وجود الواجب المطلق بناءً على مذهب الجمهور من أن اللَّه تعالى لا يكلِّف عباده بالمحال، فإذا كان الشيء المتوقف عليه وجود الواجب المطلق غير مقدور للمكلف فإنه لا يجب بوجوبه، كتوقف فعل العبد بعد وجوبه على تعلق علم اللَّه وإرادته وقدرته بإيجاده فهذا القسم لا يوصف بالوجوب إلا على مذهب من يجوز التكليف بالمحال فلا يقيده بالقدرة. قاله حلولو. ثم مثل للشيء المقدور للمكلف المتوقف عليه وجود الواجب المطلق فقال: ٢٨٥ - كعلمنا الوضوء شرطًا في أدا ... فرضٍ فأمرُنا به بعدُ بَدا يعني إذا علمنا من الشارع أن الوضوء شرط في أداء فرض الصلاة فأمرنا به أي بالوضوء أي وجوبه علينا بعد أمرنا بالصلاة أي وجوبها علينا بدا أي ظهر لأن الوضوء مقدور لنا. ولا فرق في الوجوب بين كون الشرط شرعيًّا كالوضوء أو عقليًّا كترك ضد الواجب أو عاديًّا كغسل جزء من الرأس لتحقق غسل الوجه فلا يمكن عادة غسل الوجه بدون غسل جزء من الرأس. ومنه إمْساك جزء من الليل للصائم وفيه خلاف عندنا، وهل دلالة دليل الواجب المطلق على وجوب سببه أو شرطه بالتضمن أو الالتزام أو من دليل خارجي؟ أقوال. ٢٨٦ - وبعض ذي الخُلْف نفاه مطلقا ... . . . . . . . . . . . . يعني أن بعض المخالفين لمذهب مالك نفى وجوب المقدور للمكلف الذي لا يوجد الواجب المطلق إيجابه إلا به بوجوب ذلك الواجب. "مطلقًا" أي سواء كان سببًا أو شرطًا؛ لأن الدال على ذلك الواجب ساكت عنه فالأمر عندهم لا يقتضي إلا تحصيل المقصود لا الوسيلة ولم يعطوا الوسيلة حكم مقصدها.

стр. 195

. ... والبعضُ ذو رأيين قد تفرَّقا يعني أن بعض المخالفين لنا غير المطلقين ذهبوا إلى رأيين مختلفين فبعضهم قال: إنه يجب بوجوبه إن كان سببًا كإمساس النار لمحل يجب إحراقه فإنه سبب لإحراقه عادة، بخلاف الشرط كالوضوء للصلاة، والفرقُ أن السبب لاستناد المسبب إليه أشد ارتباطًا من الشرط بالمشروط لأنه يلزم من وجوده وجود المسبب بخلاف الشرط مع المشروط. وقال إمام الحرمين: يجب إن كان شرطًا شرعيًّا كالوضوء للصلاة لا عقليًّا كترك ضد الواجب أو عاديًّا كغسل جزء الرأس لغسل الوجه فلا يجب بوجوب مشروطه. ٢٨٧ - وما وجوبُه به لم يَجِبِ ... في رأي مالكٍ وكل مذهب يعني أن الواجب الذي وجوبه مقيد به، أي بالشرط أو السبب، أي بوجوده كالزكاة وجوبها متوقف على ملك النصاب لم يجب بوجوب ذلك الواجب المقيد به "في رأي مالك وكل مذهب" أي فهو أمر مُجمع عليه. ٢٨٨ - فما به تركُ المحرَّم يرى ... وجوبَ تركه جميعُ من دَرَى يعني أن الشيء الذي تَرْك المحرم منوط بتركه أي متوقّف عليه يَرَى "جميعُ من درى" من العلماء وجوب تركه لتوقف ترك المحرم الذي هو واجب عليه. ٢٨٩ - وسوِّيَنَّ بين جهلٍ لَحِقا ... بعد التعيُّن وما قد سَبقا يعني أن الجهلَ اللاحقَ بعد التعيين كما لو طَلَّق معينةَ من زوجاته ثم نسيها، والجهلَ السابقَ على التعيين كما لو اختلطت منكوحة بأجنبية أو ميتة

стр. 196

بمذكى = سواء في وجوب ترك الجائز الذي لم يميز عن المحرم فيحرم عليه جميع زوجاته في الأولى، والمنكوحة والمذكى في الثانية لاختلاط الزوجة بالأجنبية والمذكى بالميتة وعدم تمييزهما منهما. ومثل الواجب المطلق المندوب المطلق الذي لا يوجد إلا بعد وجود مقدور للمكلف فإن ذلك المقدور يندب لندب ذلك المطلق. ٢٩٠ - هل يجبُ التنجيزُ في التمكُّن ... أو مطلق التمكين ذو تعيُّن يعني أنهم اختلفوا في التمكُّن المشترط في التكليف هل يجب فيه التنجيز؟ أي أن يكون ناجزًا بناءً على أن الأمر لا يتوجه إلا عند المباشرة أو يكفي مطلق التمكن؟ أي التمكن في الجملة بناءً على أن الأمر يتوجه قبل المباشرة، وهذا هو الحق. ٢٩١ - عليه في التكليف بالشيء عُدِم ... موجِبُه شرعًا خلافٌ قد عُلِم أي ينبني على الخلاف في وجوب التنجيز في التمكن وعدم وجوبه الخلافُ في جواز التكليف عقلًا بالشيء من مشروط أو مسبب المعدوم "موجبه شرعًا" من شرط أو سبب. فمن أوجب التنجيز في التمكن منع التكليف بما ذُكِر ومن لم يوجبه فيه واكتفى بمطلق التمكن جَوَّز التكليف به. وينبني على هذا الخلاف أيضًا الخلاف في وجوب الشرط أو السبب بوجوب الواجب المطلق، فمن أوجب التنجيز في التمكن لم يوجب الشرط أو السبب بوجوب الواجب المطلق، ومن لم يوجبه فيه أوجبه بوجوبه. ٢٩٢ - فالخلْف في الصحةِ والوقوع ... لأمرِ من كَفَر بالفروع

стр. 197

أي ويُبنى على الخلاف المذكور الخلاف في صحة خطاب الكفار بفروع الشريعة ووقوعه، والقولان موجودان في المذهب من غير ترجيح، ومن شيوخ المذهب من يرجح عدم وقوع خطابهم بها، والقول الأول وهو أنهم مخاطبون بها هو الذي صححه السبكي وعزاه ابن الحاجب للمحققين وحجته قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾، وقوله ﷺ : "الإسلام يجب ما قبله" لأن الجبّ هو القطع وإنما يُقْطَع ما هو متصل فلولا القطع لاستمر التكليف. ٢٩٣ - ثالثها الوقوعُ في النهي يُرَد ... بما افتقاره إلى القصد انْفَقَد يعني أن ثالث الأقوال هو القول بوقوع تكليف الكافر بالنواهي دون الأوامر لإمكان امتثالها مع الكفر لأن متعلقاتها ترك ولا تتوقف على نية التقرب المتوقفة على الإيمان، لكن هذا القول "يُرَد" عند ابن رشد والفهري والأبياري بالمأمورات التي "انفقد" أي عُدِم افتقارها إلى القصد أي النية كأداء الديون ورد الودائع وكل ما لا يفتقر إلى النية ويصح مع عدم الإيمان. ٢٩٤ - وقيل في المرتد. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . أي وقال بعضهم: إن تكليف الكفار بالفروع واقع في المرتدين عملًا باستمرار تكليف الإسلام دون الكافر الأصلي وهذا هو رابع الأقوال. . . . . . . . . . . . . . فالتعذيبُ ... عليه والتيسيرُ والترغيبُ

стр. 198

أي ويُبنى على الخلاف في خطاب الكفار بالفروع الخلاف في تعذيبهم عليها وعلى الإيمان معًا في الآخرة. ويُبنى عليه أيضا تيسير الإسلام على الكافر بسبب كثرة فعله للحسنات فييسر له الإسلام. ويُبنى عليه أيضًا ترغيبهم في الإسلام إذا سمعوا أنه يهدم ما قبله من الآثام. ٢٩٥ - وعلَّلَ المانعُ بالتعذُّرِ ... . . . . . . . . . . . . . يعني أن المانع من تكليف الكفار بالفروع علَّلَ ذلك بتعذر الإيمان منهم لأنهم لا يطيقونه في الحال لاشتغالهم بالضلال. (وهو) أي التعليل بالتعذر (مُشكلٌ لدى المحرِّر) أي المحقِّق وهو القرافي. ٢٩٦ - في كافر آمن مطلقًا. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . أي بظاهره وباطنه لكنه كفر بعدم التزام الفروع كأبي طالب فإنه كان يقول: ألم تعلما أنا وجدنا محمدًا نبيًّا ... كموسى خط في أول الكتب (و) استشكله أيضًا . . . . . . . . . . في ... من كُفْره فِعلٌ كإلقا المصحف أي في الكافر الذي كفره فعل كإلقاء المصحف في القَذَر، وإنما استشكل القرافي التعليل المذكور في هذا القسم والذي قبله لأن الإيمان

стр. 199

أو بباطنه فقط كعبد اللَّه بن أُبيّ لعنهما اللَّه. ٢٩٧ - والرأيُ عندي أن يكون المُدْرَك ... نفيَ قبولها فذا مُشْترك يعني أن الرأي الأصوب عند الناظم أي يكون المدرك أي العلة في عدم خطاب الكفار بالفروع عدم قبولها منهم لكفرهم، لأن الطاعة لا تنفع مع الكفر فلا يكلفون بما لا ينفعهم، وهذا التعليل مشترك بين جميع أقسام الكفر الأربعة. ٢٩٨ - تكليفُ من أحدَث بالصلاة ... عليه مُجْمعٌ لدى الثقاتِ يعني أن تكليف المحدِث بالصلاة مع تعذُّرها منه في حالة حَدَثه مُجمع عليه عند الثقات أي المجتهدين لكنه مكلف بالطهارة قبلها وهذا الإجماع حجة من لا يشترط التنجيز في التمكن ويصح عنده التكليف بالمشروط حال عدم الشرط. ٢٩٩ - وربطه بالموجِبِ العقليّ ... حتمٌ بِوَفْق قد أتى جلي يعني أن ربط التكليف لكل أحد بالموجب العقلي كالحياة للعلم وكفهم الخطاب للتكليف بالعمل واجب باتفاق [جلي أي] واضح لا نزاع فيه، وكالشرط العقلي الشرط اللغوي نحو: إن دخلت المسجد فصل ركعتين. وأما الشرط العادي كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه فليس بشرط في صحة التكليف اتفاقًا وإنما الخلاف في الشرط الشرعي كما رأيت. ٣٠٠ - دخولُ ذي كراهة فيما أُمِر ... به بلا قيدٍ وفصلٍ قد حُظِر يعني أن دخول المكروه الخالي من الفصل في المأمور به إذا كان بعض

стр. 200

جزئياته والأمر غير مقيد بغير المكروه محظور أي ممنوع، والمكروه الخالي من الفصل ما كانت له جهة واحدة أو جهتان بينهما لزوم. هذا هو مذهب الجمهور خلافًا للحنفية في قولهم: إنه يتناوله. أما إن قُيد بغير المكروه فلا يدخل اتفاقًا. ٣٠١ - فنفي صحةٍ ونفي الأجر ... في وقت كُرْهٍ للصلاة يجري يعني أنه يجري على عدم دخول المكروه الخالي من الفصل في المأمور به غير المقيد بغير المكروه نفي صحة الصلاة النافلة ونفي ثبوت الأجر فيها إذا وقعت في وقت كره أي وقت تكره فيه الصلاة أي لا تصح ولا يثاب عليها. ٣٠٢ - وإن يكُ الأمرُ عن النهي انفصل ... فالفِعل بالصحة لا الأجرِ اتَّصل يعني أن الأمر إذا انفصلت جهته من جهة النهي بأن تعددت جهتهما "فالفعل متصل بالصحة لا الأجر" أي موصوف بالصحة ولكن لا أجر فيه، ومعنى كونه صحيحًا أنه لا يطلب من المكلف فعله ثانيًا، كالصلاة في الدار المغصوبة إذ الصلاة والغصب يوجد كل منهما بدون الآخر، وتعدُّد الجهات كتعدد الذوات، فهي مأمور بها من جهة أنها صلاة ومنهيٌّ عنها من جهة الغصب وكل من الجهتين منفكة عن الأخرى، فلذلك ثبتت لها الصحة دون الثواب عقابًا لفاعلها. ٣٠٣ - وذا إلى الجمهور ذو انتساب ... . . . . . . . . . . . . . يعني أن هذا الذي ذكر من صحة الصلاة المذكورة وعدم الثواب فيها منسوب إلى الجمهور من المالكية وغيرهم. . . . . . . . . . . . . . ... وقيل بالأجر مع العقاب

стр. 201

أي وقال بعضهم بثبوت الأجر في الصلاة في المكان المغصوب من جهة أنها صلاه مأمور بها مع ثبوت العقاب لفاعلها من جهة الغصب، قال القرافي: ينبغي أن يقابل بين الثواب والإثم فإن تكافئا أو زاد الإثم بطل الثواب، وإن زاد الثواب بقي الزائد منه للمصلي. قلت: وهذا القول هو الأحسن والأظهر عندي. ٣٠٤ - وقد رُوي البطلانُ والقضاءُ ... . . . . . . . . . . . . . أي وقد روى ابن العربي عن مالك رحمه اللَّه تعالى أنها أي الصلاة في المكان المغصوب باطلة يجب قضاؤها، وهذا هو مذهب الإمام أحمد وأكثر المتكلمين. . . . . . . . . . . . . . ... وقيل ذا فقط له انتفاءُ أي وقال بعضهم وهو القاضي والرازي: إن ذا الأخير وهو القضاء له انتفاء أي منتف عن الصلاة في المكان المغصوب، أي قالا إنها باطلة لكن لا يلزم قضاؤها. قلت: ويمكن أن يقال أيضًا في هذه الصلاة المذكورة أي الصلاة في المكان المغصوب: إنها صحيحة مُثَاب عليها ولا عقاب معها من جهة الغصب لأن الغصب سيئة والصلاة حسنة والأصل في الشريعة محو السيئة بالحسنة لا العكس لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، وليس من شروط صحة الصلاة ولا من أركانها صحة ملك المكان الواقعة فيه، وهذا القول لم أر من صرح به من الأصوليين وأظنني لم أُسْبَق إليه وإنما استنبطته من قوله تعالى:

стр. 202

﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وذلك لأن الصلاة حسنة وشغل ملك الغير بتلك الحسنة سيئة وقد اجتمعا، وقد نصَّ اللَّه تعالى في الآية على أن الحسنة تمحو السيئة وظاهر الآية أنها تمحوها مطلقًا أي سواء اجتمعتا فى وقت واحد كما هنا أو ترتبتا بأن سبقت السيئة الحسنة في الزمن. ثم شرع الناظم يمثل للمأمور به الذي انفردت فيه جهة النهي عن جهة الأمر فقال: ٣٠٥ - مثلُ الصلاة بالحرير والذهب ... . . . . . . . . . . . . . أي فإنها مأمور بها من جهة أنها صلاة أيضًا ومنهي عنها من جهة الحرير والذهب. . . . . . . . . . . . . . ... أو في مكان الغَصْب. . . . . أي فإنها مأمور بها من جهة أنها صلاة أيضًا ومنهي عنها من جهة الغصب. . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . والوضو انقلب أي وكالوضوء المقلوب أي المنكس فإنه مأمور به جهة كونه وضوءًا منهي عنه من جهة التنكيس. ٣٠٦ - ومَعْطنٍ ومنهجٍ ومقبره ... كنيسةٍ وذي حميمٍ مجزره أي وكالصلاة في معاطن الإبل، والمنهج أي الطريق، والمقبرة، والكنيسة، وذي الحميم وهو الحمام، والمجزرة أي مكان الجزر، والمزبلة أي مكان طرح الزبل فإن الصلاة في هذه المواضع مأمور بها من جهة أنها صلاة

стр. 203

ومنهي عنها من جهة حيض الناقة وإمناء الجمل في الأول، وخوف النجاسة والتشويش بمرور الناس في الثاني، وخوف النجاسة فقط في الثالث والرابع والسادس والسابع، ووسوسة الشيطان في الخامس. ٣٠٧ - من تاب بعد أن تعاطى السَّبَبا ... فقد أتى بما عليه وجبا يعني أن من تاب بعد تعاطيه لسبب المعصية على كماله، كالخارج من المكان المغصوب تائبًا أي نادمًا على الدخول فيه عازمًا على عدم العود إليه فقد أتى بالواجب عليه لأن فيه تقليل الضرر، بشرط الخروج بسرعة وسلوك أقرب الطرق وأقلها ضررًا، وبشرط قصد ترك الغصب سواء كانت توبته قبل وجوده مفسدة المعصية أو بعد وجودها وارتفعت بل: ٣٠٨ - وإن بقي فسادُهُ كمن رجع ... عن بثِّ بدعةٍ عليها يُتبع ٣٠٩ - أو تاب خارجًا مكان الغصب ... أو تاب بعدَ الرَّمي قبل الضرب يعني أن التائب من المعصية بعد أن تعاطى سببها آب بالواجب عليه وإن بقي فساده، كمن تاب من بدعة بعدما بثها في الناس وقبل أخذهم بها أو بعده وقبل رجوعهم عنها، وكمن تاب من الغصب حال كونه خارجًا من مكان الغصب، وكذا من تاب بعد الرمي للقوس وقبل الضرب أي الإصابة فالتائب في هذه المسائل الثلاثة آتٍ بالواجب عليه خلافًا لأبي هاشم المعتزلي وأبيه أبي علي الجبائي في أنه آتٍ بحرام. ٣١٠ - وقال ذو البرهان إنه ارتبك ... مع انقطاعِ النهي للذي سلك أي وقال صاحب البرهان وهو إمام الحرمين: إنه أي التائب بعدما

стр. 204

تعاطى السبب على كماله كالأمثلة المذكورة مرتبك أي مشتبك في المعصية مع انقطاع تكليف النهي الذي هو إلزام الكف عن الشغل وإنما انقطع للذي سلك أي لأخذه في قطع المسافة للخروج تائبًا المأمور به. فاعتبر إمام الحرمين في الخروج جهة معصية وهي الإثم بحصول الضرر بالشغل لملك الغير بالخروج، وجهة طاعة وهي امتثال الأمر بقطع المسافة بالخروج وإن لزمت الأولى من الثانية إذ لا ينفك امتثال الأمر بالخروج عن الشغل بخروجه تائبًا. ٣١١ - وارتكبِ الأخفَّ من ضُرَّيْن ... . . . . . . . . . . . . . يعني أن ارتكاب أخفّ الضررين عند تقابلهما من أصول مذهب مالك، ومن ثَم جبر المحتكر على البيع للطعام عند احتياج الناس إليه، وجار المسجد إذا ضاق، وجار الطريق والساقية إذا أفسدهما السيل. . . . . . . . . . . . . . ... وخَيِّرن لدى استوا هذين يعني أن المكلف مخير عند استواء الضرين المتقابلين في ارتكاب أيهما شاء وذلك: ٣١٢ - كمن على الجريح في الجرحي سقط ... وضَعَّف المُكْثَ عليه من ضَبَط أي كمن سقط على جريحٍ بين جرحى بحيث يقتله إذا بقيَ عليه، وإن انتقل عنه انتقل إلى كُفؤ مماثل له في صفات القصاص فَقَتله لعدم موضع يعتمد عليه إلا بَدَن كُفؤ، فهو مخير عند بعضهم لاستواء المقام والانتقال. وقال قوم:

стр. 205

يمكث وجوبًا لأن الضرر لا يُزال بالضرر مع أن الانتقال فعل مبتدأ بخلاف اللبث. وضَعَّف القولَ بالمكث عليه أي على الجريح المسقوط عليه أولًا من ضَبَط المسألة أي حقَّقها بأن مكثه الاختياري كانتقاله. وقال إمام الحرمين: لا حكمَ في هذه المسألة من إذن أو منع. ٣١٣ - والأخذُ بالأول لا بالآخر ... مُرَجَّح في مقتضى الأوامر يعني أن الأخذ بالمعنى الأول أي الأقل والأخف لا بالمعنى الآخر أي الأكثر والأثقل "مرجَّح في مقتضى" أي مدلول الأوامر المعلقة على معنى كلي له جزئيات متباينة في الكثرة، والمرجِّح له القاضي عبد الوهاب وما زاد على المعنى الأول ساقط أو مندوب عنده، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله: ٣١٤ - وما سواه ساقط أو مستحب ... لذاك الاطمئنانُ والدَّلْكُ انْجَلَب يعني أن ما سوى المعنى الأول أي الزائد عليه من مقتضى الأمر إما أن يكون ساقطًا وإما أن يكون مستحبًا. قوله: "لذاك" إلخ، يعني أن ذاك الخلاف في الأخذ بمقتضى الأمر هل بأوله أو بآخره انجلب له أي انبنى عليه الاطمئنان والدَّلْك؟ فعلى ما رجَّحَه عبد الوهاب يكون الواجب أقل ما يطلق عليه اسم الطمأنينة والزائد عليه مستحب، ويكون الواجب في الدلك أقل ما يُطلق عليه اسم الدلك والزائد عليه ساقط. وعلى القول الثاني يكون الواجب فيهما أكثر ما يطلق عليه اسم الطمأنينة والدلك احتياطًا. حجة القول المرجَّح الجمع بين دلالة الأمر على الوجوب وكون الأصل

стр. 206

براءة الذمة، وحُجة الثاني الاحتياط. وليست القاعدة خاصة بالأمر بل هي عامة في كل لفظ له معنى كُلِّي له جزئيات متباينة في الكثرة، فتدخل فيها أيْمان الطلاق وسائر الألفاظ المحتملة، كمن حلف بالحرام وحنث هل تُحمل يمينه على أدنى ما تحتمله وهو طلقة بائنة أو على أعلاه وهو الثلاث؟ ورُجِّح القول بحَمْلِه على طلقةٍ بائنة حيث لا نية له سوى مطلق التحريم إذا لم يجر عرف باستعمال الحرام في ثلاث طلقات، وهو الذي أحْكُم به وأُفتي. ٣١٥ - وذاك في الحكم على الكُلِّيِّ ... مع حُصول كثرةِ الجُزْئي يعني أن الخلاف في الأخذ بالأخف أو الأثقل المذكور في البيتين قبل محله في الحكم على الكلي الذي له جزئيات أكثر من واحد وتلك الجزئيات متفاوتة بالشدة والخفة كما رأيت. ٣١٦ - وربما اجتماع أشياء انحظل ... مما أتى الأمرُ به على البدل ٣١٧ - أو الترتُّبِ. . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . أي وربما انحظل أي امتنع اجتماع شيئين أو أشياء مما أتى من المأمورات الأمر به على البدل والترتب. الأول: كتزويج المرأة من كُفئين فإنه مأمور به على سبيل البدل بأن تزوج لأحدهما مكان الآخر ويحرم الجمع بينهما. والثاني: كأكل المذكى والميتة فإنه مأمور به لكن على الترتيب فلا يجوز أكل الميتة إلا عند عدم المذكى في حال الضرورة ويحرم الجمع بينهما.

стр. 207

... ... ... ... وقد يُسَنُّ ... وفيه قُل إباحةٌ تعنُّ أي وقد يُسن الجمع بين الشيئين أو الأشياء. و"تعنّ" أي تعرض فيه الإباحة أيضًا فيباح الجمع بينهما. فالأول: كستر المحرم عورته بثوبين يكفيه واحد منهما، لكن يُنْدَب له الجمع بينهما بأن يجعل أحدهما رداء والآخر أزرة. والثاني: كالجمع بين التيمم والوضوء لمن حُكْمه التيمم وتحمَّل المشقة وتوضأ بعد أن تيمم.

стр. 208

الواجب الموسع أي هذا مبحثه. ٣١٨ - ما وقته يسعُ منه أكثرا ... وهو محدودًا وغيرَه جرى يعني أن الواجب الموسَّع هو: "ما" أي الفعل الواجب الذي يسع وقته المقدر له شرعًا أكثر منه، "وهو" أي الوقت المقدَّر له شرعًا جرى حال كونه محدودًا كأوقات الصلوات الخمس وغير محدود بل مُغَيَّى بالعمر كوقت الصلاة على النبي ﷺ والحج وقضاء الفوائت على القول بالتراخي. ٣١٩ - فجوَّزوا الأدا بلا اضطرار ... في كل حصَّةٍ من المختار أي فعلى القول بالواجب الموسع يجوز أداء الفعل الواجب المؤقت في كل حصة أي جزء من الوقت المختار المقدر له شرعًا "بلا اضطرار" دون اشتراط ضرورة إذا كانت تلك الحصة آخره ولا يشترط في جواز التأخير العزم على الفعل. ٣٢٠ - وقائلٍ منا يقولُ العزمُ ... على وقوع الفَرْض فيه حَتْم يعني أن قائلًا منا معاشر المالكية وهو القاضيان عبد الوهاب والباقلاني يقولان: إن العزم على إيقاع الفعل الواجب فيه أي الوقت المختار المقدر له شرعًا حَتْم أي واجب بدلًا من التقديم مع أنه قائل أيضًا بالواجب الموسَّع، ومن المالكية من يقول بجواز التأخير لآخر المختار من غير عزم على إيقاعه فيه وهو الباجي.

стр. 209

٣٢١ - أو هو ما مكلَّفٌ يُعَيِّن ... . . . . . . . . . . . . . أي وقيل: إن وقت الأداء هو ما يُعينه المكلَّف للأداء لا تَعْيينَ له غير ذلك، نقله الباجي عن بعض المالكية. . . . . . . . . . . . . . ... وخلفُ ذي الخلافِ فيه بَيِّن يعني أن الخلاف بين المخالفين لنا في الواجب الموسع بَيِّن أي ظاهر، وأشار إلى تفصيل ذلك: ٣٢٢ - فقيل الآخر. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . أي فقال بعضهم: وقت أداء الواجب الموسَّع الآخر أي آخر الوقت لانتفاء وجوب الفعل قبله، وهو بعض الحنفية. . . . . . . . . . . وقيل الأول ... . . . . . . . . . . . . . أي وقال بعضهم: إن وقت أدائه أول الوقت لوجوب الفعل أو الوقت فإن أُخر عنه فقضاء وإن فُعِل في الوقت فيأثم بالتأخير عن أوله، وهذا القول لبعض الشافعية. وعلى القول بأن وقت أدائه آخر الوقت فمن عَجَّله أوله فتعجيل للواجب مُسقط له، وقيل: نَفْل ناب مناب فرض. . . . . . . . . . . . . . ... وقيل ما به الأدا يتصل أي وقال بعضهم أيضًا: إن وقت أداء الواجب الموسع هو "ما" أي الجزء الذي يتصل به الأداء أي وقع فيه، فإن لم يقع الفعل في الوقت فوقت أدائه الجزء الآخر من الوقت لتعيينه للفعل فيه حيث لم يقع فيما قبله.

стр. 210

٣٢٣ - والأمر بالواحدِ من أشياء ... يوجب واحدًا على استواءِ يعني أن الأمر بالواحد المبهم من أشياء مختلفة مُعينة يوجبُ واحدًا منها "على استواء" أي غير معين بل تلك الأشياء مستوية فيه، وذلك هو القَدْر المشترك بينها في ضمن أيِّ مُعَيَّن منها لأنه المأمور به، ولا فرق في ذلك الواحد المبهم بين المتواطئ كـ "اعتق هذا العبد وهذا العبد" والمشكَّك كما في آية كفارة اليمين فإن الواجب فيها واحد لا بعينه الإطعام والكسوة والعتق.

стр. 211

[فصل ذو الكفاية] ٣٢٤ - ما طلب الشارع أن يُحَصَّلا ... دون اعتبارِ ذاتِ من قد فعلا يعني أن فرض الكفاية هو: "ما" أي الفعل الذي طلب الشارع تحصيله من غير اعتبار ذات فاعله، أي من غير نظر إلى فاعله إلَّا بالتَّبَع للفعل ضرورة أنه لا يحصل دون فاعل فيشمل ما هو ديني كصلاة الجنازة وما هو دنيوي كالحرف المهمة. وخرج بقوله: "دون اعتبار ذات" فاعله ذو العين لطلب حصوله من كل عين. ٣٢٥ - وهو مفضَّلٌ على ذي العين ... في زعمِ الاستاذ مع الجويني يعني أن المطلوب على وجه الكفاية مفضل على المطلوب ذي العين في زعم الأستاذ أبي إسحاق وأبي محمد الجويني وابنه إمام الحرمين أي فهو أكثر ثوابًا عندهم من العيني لأنه يُصان بقيام البعض به جميعُ المكلفين عن الإثم المرتَّب على تركهم له، والعيني إنما يُصان بالقيام به عن الإثم البعض القائم به خاصة، وعبر الناظم بالزعم تنبيهًا على ضعف هذا القول تابعًا في ذلك السبكي. ٣٢٦ - مِزْه من العين بأن قد حُظِلا ... تكرير مصلحته إن فُعِلا يعني أن المطلوب على الكفاية يميز عن المطلوب من كل عين بأن الأول قد حُظِل أي مُنِع تكريرُ مصلحته إن فعل ثانيًا كإنقاذ الغريق. فإذا شيل من البحر فالنازل فيه بعد ذلك لا يحصل مصلحة بخلاف الثاني. فإنه تتكرر مصلحته بتكرره كالصلوات الخمس فلذلك شرع على الأعيان تكثيرًا للمصلحة.

стр. 212

٣٢٧ - وهو على الجميع عند الأكثر ... لإثمهم بالتَّرْك والتعذُّر يعني أن ذا الكفاية فرضًا كان أو ندبًا مشروع على جميع المكلفين عند الجمهور، والحجة في ذلك إثم الجميع بتركه وتعذر خطاب المجهول، ولقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وأما قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ﴾ إلخ، وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ الآية، فإن القرافي استدل بالآيتين على أن الوجوب متعلق بالقدر المشترك لأن المطلوب فعل إحدى الطوائف ومفهوم إحداها قدر مشترك بينها لصدقه على كل طائفة منها. ٣٢٨ - وفعلُ ما به يقومُ مُسْقِط ... . . . . . . . . . . . . . يعني أن فعل القائم به مسقط لطلبه من الباقين على مذهب الجمهور. (وقيلَ) أي وقال بعض المخالفين للجمهور ومنهم الإمام الرازي: إن المطلوب على الكفاية (بالبعض فقط يرتَبِطُ) أي يتعلق بالبعض فقط لا بالجميع حال كون ذلك البعض: ٣٢٩ - معينًا. . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . عند اللَّه، مبهمًا عندنا يَسْقط الطلب بفعله وفعل غيره كما يسقط الدين عن الشخص بأداء غيره. . . . . . . . . . أو مبهمًا أو فاعِلًا ... . . . . . . . . . . . . . أي غير معين إذ لا دليل على تعيينه واختاره الأبياري، فمن قام به سقط

стр. 213

الطلب بفعله. . . . . . . . . . . . . . ... خلْفٌ عن المخالفين نُقِلا يعني أن ما ذُكِر خُلْف منقول عن المخالفين للجمهور. ونقل الرهوني أن البعض المطلوب منه ذو الكفاية القوم الذين شهدوا ذلك الشيء والشهود أعم من القياس به. ٣٣٠ - ما كان بالجزئي ندبُه عُلِم ... فهو بالكلي كعيدٍ مُنْحتم يعني أن ما كان مندوبًا بالنظر إلى جزئياته فهو بالنظر إلى كُلِّيه أي مُطلقه منحتم أي واجب، كصلاة العيدين وصلاة الجماعة والأذان في المساجد، فهذه الثلاثة واجبة كفاية على الجملة لأنها لو تركها أهلُ بلدٍ قوتلوا، مندوبة على الكفاية أيضًا من كل شخص في خاصَّة نفسه. ٣٣١ - وهل يعيّن شروع الفاعل ... في ذي الكفاية خلافٌ منجلي يعني أنهم اختلفوا في المطلوب على الكفاية هل يتعين بشروع فاعله فيه فيصير فرض الكفاية فرض عين ومندوب الكفاية مندوب عين أوْ لا يتعين به؟ "خلاف منجلي" أي مُتَّضِح. [قال] حلولو: والأقرب أنه لا يتعين بالشروع أي إن كان ثَمَّ من يقوم به إلا فيما قام الدليلُ على تَعَيُّنه به كصلاة الجنازة بخلاف تكفين الميت ودفنه. ٣٣٢ - والخلفُ في الأجرة للتحمُّل ... فرعٌ على ذاك الخلافِ قد بُلي يعني أن الخلاف في أخذ الأجرة على التحمل للشهادة بعد الشروع فيه

стр. 214

فرع "قد بُلي" أي عُلِم بناؤه على ذاك الخلاف في تعين ذي الكفاية بالشروع، فمن قال: يتعين به منع لأن المعين لا تؤخذ عليه الأجرة، ومن قال: لا يتعين أجاز أخذَها. ٣٣٣ - وغالب الظن في الإسقاط كفى ... وفي التوجُّه لدى من عُرِفا يعني أن غلبة الظن بأن المطلوب على الكفاية فُعِل أي قامَ به أحد تكفي في إسقاط الخطاب به عمن لم يفعله، وغلبةُ الظن أنه لم يقم به أحدٌ تكفي في توجُّه الخطاب عليه "لدى من عُرِفا" أي لدى أهل المعرفة بهذا الفن كالإمام الرازي والقرافي خلافًا للفهري. ثم شرع الناظم في تعداد فروض الكفاية فحصرها بالعد بعدما حصرها مع مندوباتها بالحد فقال: ٣٣٤ - فروضه القضا. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . أي هو أولها وهو الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام، وحِكْمته دفع التخاصم المفضي إلى الفساد بين المسلمين. . . . . . . . . . . . كنهيٍ أمرِ ... . . . . . . . . . . . . . أي ثانيها وثالثها النهي عن المنكر والأمر بالمعروف حيث لم يُنَصَّب أحد لهما وإلا تعين عليه. (ردِّ السلام) على البادي به وهذا رابعها. (و) خامسها (جهاد الكفر) في كل سنة في أهم جهة على السلطان والناس معه.

стр. 215

٣٣٥ - (فتوى) أي سادسها الفتوى أي القيام بها وهي الإخبار بالحكم الشرعي لا على سبيل الإلزام. (و) سابعها (حفظ ما سوى المثاني) أي حفظ القرآن سوى الفاتحة فإنها فرض عين وسورة معها فإنها سنة عين. وثامنها (زيارة الحرام ذي الأركان) أي البيت الحرام كل سنة إلا لعذر لا يستطاع معه الوصول إليه. ٣٣٦ - (إمامة منه) أي من فرض الكفاية وهي نصب السلطان الأعظم ويأثم بتركها أهل الحل والعقد والصالح للقيام بها، وهذا هو تاسعها. [وعاشرها (دفع الضرر) عن الأنفس والأموال التي لا تستحقه شرعًا كفداء الأسرى ودفع الصائل عن المصول إليه، وإطعام الجائع، وستر العورة] (١). (و) حادي عشرتها (الاحتراف) المهم كالحراثة والتجارة فإنه معدود من فروض الكفاية. (مع سد الثغر) عن المسلمين وهو ما يلي دار الحرب وموضع المخافة من فروج البلدان، وهذا هو الفرض الثاني عشر. ٣٣٧ - والثالث عشر (حضانة) اللقيط وكذا التقاطه. والرابع عشر (تَوَثُّق) أي كتب الوثائق. (شهادة) أي تحملها لئلا تضيع الحقوق وهو الخامس عشر. والسادس عشر (تجهيز ميت) أي القيام بمؤنته كدفنه وكفنه وغسله.
следующие страницы →