[فصل ذو الكفاية]
٣٢٤ - ما طلب الشارع أن يُحَصَّلا ... دون اعتبارِ ذاتِ من قد فعلا
يعني أن فرض الكفاية هو: "ما" أي الفعل الذي طلب الشارع تحصيله من غير اعتبار ذات فاعله، أي من غير نظر إلى فاعله إلَّا بالتَّبَع للفعل ضرورة أنه لا يحصل دون فاعل فيشمل ما هو ديني كصلاة الجنازة وما هو دنيوي كالحرف المهمة. وخرج بقوله: "دون اعتبار ذات" فاعله ذو العين لطلب حصوله من كل عين.
٣٢٥ - وهو مفضَّلٌ على ذي العين ... في زعمِ الاستاذ مع الجويني
يعني أن المطلوب على وجه الكفاية مفضل على المطلوب ذي العين في زعم الأستاذ أبي إسحاق وأبي محمد الجويني وابنه إمام الحرمين أي فهو أكثر ثوابًا عندهم من العيني لأنه يُصان بقيام البعض به جميعُ المكلفين عن الإثم المرتَّب على تركهم له، والعيني إنما يُصان بالقيام به عن الإثم البعض القائم به خاصة، وعبر الناظم بالزعم تنبيهًا على ضعف هذا القول تابعًا في ذلك السبكي.
٣٢٦ - مِزْه من العين بأن قد حُظِلا ... تكرير مصلحته إن فُعِلا
يعني أن المطلوب على الكفاية يميز عن المطلوب من كل عين بأن الأول قد حُظِل أي مُنِع تكريرُ مصلحته إن فعل ثانيًا كإنقاذ الغريق. فإذا شيل من البحر فالنازل فيه بعد ذلك لا يحصل مصلحة بخلاف الثاني. فإنه تتكرر مصلحته بتكرره كالصلوات الخمس فلذلك شرع على الأعيان تكثيرًا للمصلحة.
стр. 212
٣٢٧ - وهو على الجميع عند الأكثر ... لإثمهم بالتَّرْك والتعذُّر
يعني أن ذا الكفاية فرضًا كان أو ندبًا مشروع على جميع المكلفين عند الجمهور، والحجة في ذلك إثم الجميع بتركه وتعذر خطاب المجهول، ولقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وأما قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ﴾ إلخ، وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ الآية، فإن القرافي استدل بالآيتين على أن الوجوب متعلق بالقدر المشترك لأن المطلوب فعل إحدى الطوائف ومفهوم إحداها قدر مشترك بينها لصدقه على كل طائفة منها.
٣٢٨ - وفعلُ ما به يقومُ مُسْقِط ... . . . . . . . . . . . . .
يعني أن فعل القائم به مسقط لطلبه من الباقين على مذهب الجمهور. (وقيلَ) أي وقال بعض المخالفين للجمهور ومنهم الإمام الرازي: إن المطلوب على الكفاية (بالبعض فقط يرتَبِطُ) أي يتعلق بالبعض فقط لا بالجميع حال كون ذلك البعض:
٣٢٩ - معينًا. . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . .
عند اللَّه، مبهمًا عندنا يَسْقط الطلب بفعله وفعل غيره كما يسقط الدين عن الشخص بأداء غيره.
. . . . . . . . . أو مبهمًا أو فاعِلًا ... . . . . . . . . . . . . .
أي غير معين إذ لا دليل على تعيينه واختاره الأبياري، فمن قام به سقط
стр. 213
الطلب بفعله.
. . . . . . . . . . . . . ... خلْفٌ عن المخالفين نُقِلا
يعني أن ما ذُكِر خُلْف منقول عن المخالفين للجمهور. ونقل الرهوني أن البعض المطلوب منه ذو الكفاية القوم الذين شهدوا ذلك الشيء والشهود أعم من القياس به.
٣٣٠ - ما كان بالجزئي ندبُه عُلِم ... فهو بالكلي كعيدٍ مُنْحتم
يعني أن ما كان مندوبًا بالنظر إلى جزئياته فهو بالنظر إلى كُلِّيه أي مُطلقه منحتم أي واجب، كصلاة العيدين وصلاة الجماعة والأذان في المساجد، فهذه الثلاثة واجبة كفاية على الجملة لأنها لو تركها أهلُ بلدٍ قوتلوا، مندوبة على الكفاية أيضًا من كل شخص في خاصَّة نفسه.
٣٣١ - وهل يعيّن شروع الفاعل ... في ذي الكفاية خلافٌ منجلي
يعني أنهم اختلفوا في المطلوب على الكفاية هل يتعين بشروع فاعله فيه فيصير فرض الكفاية فرض عين ومندوب الكفاية مندوب عين أوْ لا يتعين به؟ "خلاف منجلي" أي مُتَّضِح. [قال] حلولو: والأقرب أنه لا يتعين بالشروع أي إن كان ثَمَّ من يقوم به إلا فيما قام الدليلُ على تَعَيُّنه به كصلاة الجنازة بخلاف تكفين الميت ودفنه.
٣٣٢ - والخلفُ في الأجرة للتحمُّل ... فرعٌ على ذاك الخلافِ قد بُلي
يعني أن الخلاف في أخذ الأجرة على التحمل للشهادة بعد الشروع فيه
стр. 214
فرع "قد بُلي" أي عُلِم بناؤه على ذاك الخلاف في تعين ذي الكفاية بالشروع، فمن قال: يتعين به منع لأن المعين لا تؤخذ عليه الأجرة، ومن قال: لا يتعين أجاز أخذَها.
٣٣٣ - وغالب الظن في الإسقاط كفى ... وفي التوجُّه لدى من عُرِفا
يعني أن غلبة الظن بأن المطلوب على الكفاية فُعِل أي قامَ به أحد تكفي في إسقاط الخطاب به عمن لم يفعله، وغلبةُ الظن أنه لم يقم به أحدٌ تكفي في توجُّه الخطاب عليه "لدى من عُرِفا" أي لدى أهل المعرفة بهذا الفن كالإمام الرازي والقرافي خلافًا للفهري.
ثم شرع الناظم في تعداد فروض الكفاية فحصرها بالعد بعدما حصرها مع مندوباتها بالحد فقال:
٣٣٤ - فروضه القضا. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . .
أي هو أولها وهو الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام، وحِكْمته دفع التخاصم المفضي إلى الفساد بين المسلمين.
. . . . . . . . . . . كنهيٍ أمرِ ... . . . . . . . . . . . . .
أي ثانيها وثالثها النهي عن المنكر والأمر بالمعروف حيث لم يُنَصَّب أحد لهما وإلا تعين عليه.
(ردِّ السلام) على البادي به وهذا رابعها.
(و) خامسها (جهاد الكفر) في كل سنة في أهم جهة على السلطان والناس معه.
стр. 215
٣٣٥ - (فتوى) أي سادسها الفتوى أي القيام بها وهي الإخبار بالحكم الشرعي لا على سبيل الإلزام.
(و) سابعها (حفظ ما سوى المثاني) أي حفظ القرآن سوى الفاتحة فإنها فرض عين وسورة معها فإنها سنة عين.
وثامنها (زيارة الحرام ذي الأركان) أي البيت الحرام كل سنة إلا لعذر لا يستطاع معه الوصول إليه.
٣٣٦ - (إمامة منه) أي من فرض الكفاية وهي نصب السلطان الأعظم ويأثم بتركها أهل الحل والعقد والصالح للقيام بها، وهذا هو تاسعها.
[وعاشرها (دفع الضرر) عن الأنفس والأموال التي لا تستحقه شرعًا كفداء الأسرى ودفع الصائل عن المصول إليه، وإطعام الجائع، وستر العورة] (١).
(و) حادي عشرتها (الاحتراف) المهم كالحراثة والتجارة فإنه معدود من فروض الكفاية.
(مع سد الثغر) عن المسلمين وهو ما يلي دار الحرب وموضع المخافة من فروج البلدان، وهذا هو الفرض الثاني عشر.
٣٣٧ - والثالث عشر (حضانة) اللقيط وكذا التقاطه.
والرابع عشر (تَوَثُّق) أي كتب الوثائق.
(شهادة) أي تحملها لئلا تضيع الحقوق وهو الخامس عشر.
والسادس عشر (تجهيز ميت) أي القيام بمؤنته كدفنه وكفنه وغسله.
стр. 216
(وكذا العيادة) أي عيادة المرضى وكذا تمريضهم وهذا هو السابع عشر.
٣٣٨ - والثامن عشر (ضيافة) الواردين لقوله ﷺ : "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة وضيافته ثلاثة وما كان بعد ذلك صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يُحرجه".
قال مالك: الضيافة إنما تتأكد على أهل القرى والبوادي ولا ضيافة في الحضر لوجود الفنادق وغيرها لأن القرى يقل الوارد إليها فلا مشقة بخلاف الحضر.
قلت: فظاهر الحديث وكلام مالك أن الضيافة واجبة على أهل قصورنا هذه كـ "ولات" و"تشيت" لأن الحديث يعم البدوي وغيره ولأن مالكًا سوَّى بين القرى والبادية في وجوب الضيافة وقصورنا هذه قرى لا مدن. وعلَّل أيضًا مالك عدم وجوب الضيافة على أهل الحضر بوجود الفنادق أي الأسواق فيها فيتيسر شراء الطعام للوارد عليها ولا فنادق في قصورنا هذه ولا طعام يباع فيها سوى كسر المؤن والفوج وهذان لا يباعان إلا بالزرع وأكثر الواردين لا زرع عنده وهذان أيضًا لا يوجدان غالبًا إلا في وقت الضحى وأكثر الواردين لا يأتي إلا ليلًا أو آخر النهار.
والتاسع عشر (حضور من في النزع) أي من احتضره الموت.
(و) العشرين (حفظ سائر علوم الشرع) من تفسير وحديث وفقه لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الآية. وكذا ما كان وسيلة لعلوم الشرع كالنحو والبيان واللغة والأصول.
تنبيه: من فروض الكفاية أكل اللحم وتشميت العاطس أي ومحل كون هذه الفروض على الكفاية إذا تعدد من يقوم به فإن انفرد كان فرض عين عليه
стр. 217
وكذلك في المندوبات.
٣٣٩ - وغيره المسنون كالإمامه ... والبدء بالسلام والإقامه
يعني أن غير المفروض على الكفاية المسنون على الكفاية والمراد به ما يشمل المندوب كالإمامة للصلاة والإقامة لها أيضًا، والبدء بالسلام، وكالأذان وما يفعل بالأموات من المندوبات.
стр. 218
النهي
أي هذا مبحث النهي النفسي.
٣٤٠ - وهو اقتضاء الكفِّ عن الفعل ودع ... وما يضاهيه كذَرْ قد امتنع
يعني أن النهي النفسي هو اقتضاء أي طلب الكف أي الترك طلبًا جازمًا عن الفعل أي الأمر فعلًا كان أو قولًا أو نية "ودع وما يضاهيه" أي وما يشابهه كذر واترك وخل قد امتنع دخوله في مدلول النهي فلا يسمى نهيًا.
٣٤١ - (وهو) أي النهي النفسي (للدوام) أي يدل عليه دلالة الالتزام للزوم الدوام لامتثال النهي (والفور) أي يدل عليه إجماعًا أو على المشهور وذلك (متى عدم تقييدٍ بضدٍّ ثَبتَا) أي ما لم يقيد بالمرة أو التراخي فإن قُيد بالمرة كانت مدلوله وضعًا، وإن قُيد بالتراخي حُمِل عليه.
٣٤٢ - واللفظ للتحريم شرعًا وافترق ... للكُرْه والشِّرْكة والقَدْر الفِرَق
يعني أن صيغة النهي حقيقة في التحريم شرعًا، وقيل: لغة، وقيل: عقلًا عند المالكية، وافترق الفرق المخالفة لهم، فمنهم من قال بها للكراهة حقيقة، ومنهم من قال بالشِّرْكة إنها مشتركة بين التحريم والكراهة، ومنهم من قال للقَدْر المشترك بين التحريم والكراهة وهو مطلق طلب الترك جازمًا أم لا.
٣٤٣ - وهو عن فرد وعما عُدِّدا ... جمعًا وفرقًا وجميعًا وُجِدا
يعني أن وُجِد عن فرد أي عن معنى واحد نحو: لا تزن، وعن جمع
стр. 219
المتعدد نحو: لا تتزوج هندًا وأختها فعليه ترك أحدهما فقط، وعن فرق المتعدد كالنهي عن التفريق بين النعلين بلبس أو نزع الثابت في "الصحيحين". وقد يوجد عن جميع المتعدد أي عن كل فرد منه كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ فإن "أو" بمعنى الواو أي لا تطع واحدًا منهما. قوله: "جمعًا وفرقًا وجميعًا" تمييزات محولات عن المضاف.
٣٤٤ - وجاء في الصحيح للفساد ... . . . . . . . . . . . . .
يعني أن النهي لفظيًّا كان أو نفسيًّا، تحريمًا كان أو تنزيهًا في العبادات والمعاملات مستلزم للفساد أي فساد المنهي عنه، والمراد بالفساد هنا لازمه وهو عدم الاعتداد بالمنهي عنه إذا وقع. والمراد النهي المطلق أي غير المقيد بما يدل على الصحة، فإن قُيد بذلك فهو للصحة، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
. . . . . . . . . . . . . ... إن لم يجي الدليل للسداد
أي إن لم يدل دليل على السداد أي الصحة، فإن دل دليل على الصحة فهو لها كالطلاق في الحيض يترتب عليه أثره الذي هو وقوع الطلاق، وإنما كان النهي يدل على الفساد.
٣٤٥ - لعدم النفع وزَيْد الخلل ... . . . . . . . . . . . . .
لعدم المصلحة في النهي عنه ولزيادة الخلل أي الفساد فيه على المصلحة. والقائل بأن النهي للصحة مطلقًا هو أبو حنيفة، ومذهب مالك أنه يدل على الفساد إذا كان لأمر داخل في الذات أو خارج لازم لها مع إفادته شبهة الصحة.
стр. 220
قوله:
. . . . . . . . . . . . .... ومُلْك ما بيعَ عليه ينجلي
٣٤٦ - إذا تغيَّر بسوقٍ أو بدن ... أو حقُّ غيره به قد اقترن
أي ينبني على كون النهي يفيد الفساد وشبهة الصحة صحة ملك المشتري لما بيْع بيعًا حرامًا إذا تغير المبيع لتغير سوقه أو تغير بدنه بهلاك أو غيره أو اقترن به تَعلق حق غير المشتري كما إذا وهبه أو باعه أو أعتقه أو آجره فيملكه المشتري حينئذٍ بالقيمة.
٣٤٧ - وبثَّ للصحة في المدارس ... معلِّلًا بالنهي حِبْر فارس
يعني أن حِبْر فارس وهو أبو حنيفة بث في مجالس درسه أن النهي يقتضي الصحة، وعلَّل ذلك بالنهي أي بأن النهي عن الشيء يقتضي إمكان وجوده شرعًا وإلا امتنع النهي عنه. فعلى مذهب أبي حنيفة يترتب الملك وسائر الآثار من جواز التصرف ووطء الأمة على مجرد وقوع البيع من غير احتياج إلى موقت؟
٣٤٨ - والخُلْف فيما ينتمي للشرع ... وليس فيما ينتمي للطبع
يعني أن الخلاف بين القائل بأن النهي يقتضي الفساد والقائل بأنه يقتضي الصحة إنما هو في الصحة الشرعية وليس الخلاف في الصحة الطبعية أي العادية. قال القرافي: اتفق الناس على أنه ليس في الشريعة منهي عنه ولا مأمور به ولا مشروع على الإطلاق إلا وفيه الصحة العادية.
٣٤٩ - الإجزاء والقبول حين نُفيا ... لصحةٍ وضدها قد رُوِيا
стр. 221
أي روي عن الأصوليين قولان في نفي الإجزاء والقبول هل نفيهما يدل للصحة أو يدل لضدها الذي هو الفساد؟ حجة الأول: قوله ﷺ : "من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا". وقوله: "إذا أبَقَ العبد من مواليه لم تقبل له صلاة حتى يرجع إليهم" رواهما مسلم. ومعلوم أن صلاة سائل العراف والعبد الآبق صحيحة لعدم طلب فعلها منهما ثانيًا لكنها غير مقبولة أي لا ثواب فيها، وهذا بناءً على أن الإجزاء إسقاط القضاء وأنَّ نفي القبول ظاهر في عدم الثواب دون عدم الاعتداد.
وحجة القول الثاني: قوله ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن". وقوله: "لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". وهذا بناءً على أن الإجزاء الكفاية أي سقوط الطلب وأن نفي القبول ظاهر في عدم الاعتداد.
стр. 222
العام
أي هذا مبحثه.
٣٥٠ - ما استغرق الصالح دَفْعةً بلا ... حصر من اللفظ كعشرٍ مثلا
يعني أن العام هو اللفظ الذي يستغرق جميع المعاني الصالحة له أو الصالح هو للدلالة عليها دفعة من غير حصر. قوله: "من اللفظ" بيان لـ "ما"، والمراد بـ "الصالح" جميع الأفراد باعتبار الوضع الذي استعمل اللفظ باعتباره حقيقة كان أو مجازًا. وقوله: "بلا حصر" أي في اللفظ ودلالة العبارة فخرج ما فيه حصر كاسم العدد من جهة الآحاد فإنه يستغرقها بحصر كألف وعشر، ومثله النكرة المثناة من حيث الآحاد كرجلين. وخرج بقوله: "دَفْعة" النكرة في الإثبات فإنها تستغرق ما تصلح له لكن لا دفعة بل على سبيل البدل.
٣٥١ - وهو من عوارض المباني ... وقيل للألفاظ والمعاني
يعني أن الصحيح عند السبكي أن العموم من عوارض المباني أي الألفاظ، يعني أنها توصف به فيقال: لفظ عام. وقال ابن الحاجب والعضد وغيرهما: إن العموم يكون عَرَضًا أي وصفًا للألفاظ والمعاني معًا، فكما يصدُق "لفظ عام" يصدُق "معنى عام" حقيقة ذهنيًّا كان كمعنى الإنسان أو خارجيًّا كمعنى المطر والخصب.
٣٥٢ - هل نادرٌ في ذي العمومِ يدخل ... ومطلقٍ أو لا خلافٌ يُنْقَل
стр. 223
يعني أنهم اختلفوا في دخول الصورة النادرة في حكم العام والمطلق، والخلاف منقول عن أهل المذهب، والنادر هو الذي لا يخطر ببال المتكلم لندرة وقوعه.
٣٥٣ - فما لغير لذَّةٍ والفيلُ ... ومشبِهٌ فيه تَنافى القيلُ
يعني أن القيل أي القول تنافى أي اختلف في المنيّ الخارج لغير لذة أو للذة غير معتادة، هل يلزم منه غسل أم لا؟ وفي الفيل هل تجوز المسابقة عليه أم لا؟ وفي ما يشبه ذلك، فعلى القول بدخول الصورة النادرة في حكم العام والمطلق يلزم الغسل من المنيّ ألخارج بغير لذة أو بلذة غير معتادة، وتجوز المسابقة في الفيل، لدخول الأول في عموم قوله ﷺ : "إنما الماء من الماء"، ودخول الثاني في إطلاق قوله ﷺ : "لا سَبق إلا في خُف أو حافر" لأن الفيل من ذوات الخف. وعلى القول بعدم دخول الصورة النادرة في العام والمطلق لا يلزم الغسل من المنيّ المذكور، ولا يجوز السَّبق في الفيل بناءً على عدم دخولهما في عموم الحديثين المذكورين. وعدم لزوم الغسل من المني المذكور هو المشهور.
٣٥٤ - وما من القصد خلا فيه اخْتُلِف ... . . . . . . . . . . . . .
أي وقع الخلاف بين الأصوليين في غير المقصود هل يدخل في حكم العام والمطلق أم لا؟ حكى ذلك الخلاف القاضي عبد الوهاب. مثال غير المقصود: ما لو وكَّلَه على شراء عبيد فلان وفيهم من يعتق عليه، هل يصح شراؤه أم لا؟ والاختلاف في اعتبار غير المقصود مبني على الخلاف في
стр. 224
تعارض اللفظ والقَصْد هل يعتبر اللفظ أو القصد؟
. . . . . . . . . . . . . ... وقد يجيءُ بالمجاز مُتَّصف
يعني أن العام قد يجيء متصفًا بالمجاز نحو: جاءني الأُسُود الرماة إلا زيدًا، خلافًا لبعض الحنفية القائل: إن المجاز لا يكون عامًّا.
٣٥٥ - مدلوله كُلِّية إنْ حَكَما ... عليه في التركيب من تكلَّما
يعني أن مدلول العام في التركيب أي في حال التركيب إذا حكم عليه المتكلم أي من جهة الحكم عليه "كُلية" أي الحكم على كل فرد مما يتناوله اللفظ مطابقة إثباتًا أو نفيًّا، والإثبات الخبر والأمر، والنفي يدخل فيه النهي نحو: جاء عبيدي وما خالفوا فأكرمهم ولا تهنهم، لأن الأول جمع معَرَّف بالإضافة والضمائر الباقية عائدة إليه، والعائد على العام عام، فقد اشتمل الكلام على الخبر والأمر والنفي والنهي، وحكم عاى العام بكل واحد منها في قوة قضايا بعدد أفراده، أي: جاء فلان وفلان إلخ وما خالفَ فلان وما خالف فلان إلخ، وأكرم فلانًا وأكرم فلانًا إلخ، ولا تُهِن فلانًا ولا تهن فلانًا إلى آخر الأفراد. فاحترز بقوله: "في التركيب" عن العام قبل التركيب إذ لا يتصور كونه كلية. وقوله: "إن حَكَما عليه في التركيب من تكلما" يريدا وحكم به نحو: الساكن في الدار عبيدي، والمراد بالحكم ما يشمل التعلق.
٣٥٦ - وهو على فردٍ يدلُّ حتما ... وفهمُ الاستغراقِ ليس جزما
يعني أن العام يدل على فرد واحد دلالة "حتمًا" أي دلالة قطعية، والمراد بالفرد الواحد ما ليس جمعًا ولا تثنية، والاثنان في التثنية والثلاثة في الجمع.
стр. 225
"وفهم الاستغراق" منه لجميع أفراده "ليس جزمًا" أي ليست دلالته على كل فرد من أفراده دلالة قطعية بل هو أمر راجح أي مظنون، لأن الألفاظ ظواهر فلا تدل على القطع إلا بالقرائن كما أنها لا تسقط دلالتها إلا بالقرائن، وهذا هو المختار عند المالكية. وهذا هو معنى قوله:
٣٥٧ - بل هو عند الجُلِّ. . . . ... . . . . . . . . . . . . .
أي الجمهور من المالكية وغيرهم (بالرجحان) أي الظن القوي.
. . . . . . . . . . . . . ... والقطعُ فيه مذهب النعمان
يعني أن إفادة القطع أي اليقين "فيه" أي العام، أي أنه يدل على ثبوت الحكم لكل فرد مما يتناوله اللفظ دلالة قطعية، هو مذهب أبي حنيفة النعمان.
٣٥٨ - ويلزمُ العمومُ في الزمان ... والحالِ للأفرادِ والمكان
يعني أن العموم في الأزمان والأحوال أي الصفات والأمكنة يلزم من عموم العام لأفراده إذ لا غنى للأفراد عن هذه الثلاثة، فقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ الآية، أي كلُّ زانٍ على أي حال كان من طول وقصر وبياض وسواد وغير ذلك، وفي أي زمان كان، وفي أي مكان كان. هذا هو مذهب السبكي ووالده والسمعاني.
٣٥٩ - إطلاقه في تلك للقرافي ... وعمَّمَ التقيْ إذا يُنافي
يعني أن القرافي والآمدي والأصبهاني قالوا: إن العام في الأفراد مطلق في الأزمان والأمكنة والأحوال لانتفاء صيغة العموم فيها، فما خُص به العام
стр. 226
مبين للمراد بما أُطلق فيه. قوله: "وعمم التقي" إلخ، يعني أن تقي الدين ابن دقيق العيد قال بعموم الأفراد في المتعلقات: "إذا ينافي" الإطلاق أي ما يلزم عليه من الاكتفاء بالعمل بالمطلق مرة واحدة صيغة العموم، فإذا كان الإطلاق أي ما يلزم عليه منافيًا لصيغة العموم كان العام في الأفراد عامًّا في الأزمان والأمكنة والأحوال محافظةً على مقتضى صيغة العموم، لا من حيث أن المطلق يعم، فإذا قال: من دخل داري فأعطه درهمًا، فدخل قوم في أول النهار وأعطاهم لم يَجُز حرمان غيرهم ممن دخل آخر النهار لكونه مطلقًا فيما ذكر لما يلزم عليه من إخراج بعض الأشخاص بغير مخصِّص.
٣٦٠ - صِيَغهُ كلُّ أو الجميعُ ... وقد تلا الذي التي الفروعُ
هذا شروع منه في تعداد أدوات العموم وهي نحو عشرين، فمنها "كل" وهي أقوى صيغ العموم ولذلك قدمها. و"الجميع" ولابد من إضافة كل منهما للفظ حتى يحصل العموم فيه. ومن صِيَغه أيضًا "الذي والتي" وفروعهما نحو: أكرم الذي يأتيك والتي تأتيك، أي كل آتٍ وآتيةٍ لك، حيث لم تكن الصلة معهودة بين المتكلم والسامع وإلا فلا عموم.
٣٦١ - أينَ وحيثُما ومَن أيٌّ وما ... شَرْطًا ووصْلًا وسؤالًا أفهما
يعني أن من صِيَغ العموم "أين وحيثما" المكانييم الشرطيين، نحو: أين أو حيثما كنت آتك، وتزيد أين بالاستفهام نحو: أين كنت؟ ومنها أيضًا: "من وأي وما" سواءٌ أَفْهَم كلٌّ من الثلاثة شرطًا أو موصولية أو استفهامًا.
واستشكل جعل الموصول من صيغ العموم مع أنه لابد من العهد في
стр. 227
صلته، وأجيب بأن العهد في الصلة لا يسقط عموم الموصول لأنه عام وضعًا بل يخصصه.
٣٦٢ - متى وقيل لا وبعضٌ قَيَّدا ... . . . . . . . . . . . . .
أي ومن صيغ العموم "متى" شرطية كانت أو استفهامية، نحو: متى تجيء، ومتى تجئني أُكْرمك، لكن العموم في "متى وأين وحيثما" إنما هو في الظرف، وأما المعلَّق عليها وهو المظروف فمطلق، فإذا قال: متى أو حيثما دخلتِ الدار فأنتِ طالق، فهو مُلتزمٌ مطلقَ الطلاق في جميع الأزمنة أو البقاع، فاذا لزمه طلقة واحدة فقد وقع ما التزمه من مطلق الطلاق، فلا تلزمه طلقة أخرى بل ينحل اليمين. وقيل: إن "متى" ليست للعموم بل بمعنى أن وإذا، وبعض الأصوليين قيد كونها للعموم بأن تكون معها "ما".
. . . . . . . . . . . . . ... وما معرَّفًا بأل قد وُجدا
٣٦٣ - أو بإضافةٍ إلى المعرَّف ... إذا تحقق الخصوصِ قد نُفِي
أي من صيغ العموم المعرَّف بأل أو الإضافة إلى المعرَّف إذا انتفى تحقق الخصوص أي العهد فيهما كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ سواء كان كل منهما مفردًا أو تثنية أو جمعًا مكسَّرًا أو سالمًا.
٣٦٤ - وفي سياق النفي منها يُذْكَر ... إذا بُني أو زِيْد مِن مُنَكَّر
يعني أن المنكَّر في سياق النفي يذكر كونه من صيغ العموم إذا بُني المنكَّر مع "لا" التي لنفي الجنس، أو زِيْد من قبله نحو: لا رجل في الدار، وما في
стр. 228
الدار من رجل.
٣٦٥ - أو كان صيغةً لها النفيُ لَزِمْ ... وغيرُ ذا لدى القرافي لا يَعُمْ
يعني أن من صيغ العموم النكرة التي النفي صيغة ملازمة له كـ "أحد" بمعنى إنسان و"ديار وعريب" ونحوه. و"غير ذا" أي غير النكرة التي في سياق النفي والملازمة له لا يعم أي لا يفيد العموم، والقيد هو النكرة في سياق النفي غير المبنية ولا زائدة قبلها من نحو: لا رجلُ في الدار بالرفع.
٣٦٦ - وقيل للظهور في العُموم ... وهو مُفاد الوضعِ لا اللُّزوم
أي وقال السبكي فيما قال القرافي إنه لا يفيد العموم وهو النكرة الواقعة في سياق النفي غير المبنية ولا زائدة قبلها من أنها للظهور في العموم، ويحتمل الوحدة احتمالًا مرجوحًا، وهو أي عمومها مفاد منها بالوضع أي المطابقة بمعنى أن اللفظ وُضِع لسلب كل فرد من الأفراد. قوله: "لا اللزوم" أي ليس العموم مستفادًا من النكرة المذكورة باللزوم أي بالالتزام خلافًا للحنفية القائلين بأنه مستفاد باللزوم منها نظرًا إلى أن النفي أولًا للماهية ويلزم منه في كل فرد ضرورة.
٣٦٧ - بالقصد خُصِّص التزامًا قد أبى ... تخصيصَه إيَّاه بعض النُّجَبا
يعني أنه يجوز التخصيص بالقصد أي بالنية لما دلَّ عليه اللفظ بالالتزام أو بالتضمن فأحرى بالمطابقة باتفاق المالكية والشافعية، وقد أبى بعض النجباء التخصيص بالنية لما دل عليه اللفظ بالالتزام أو التضمن وهم الحنفية، والتقييد كالتخصيص في الصحة والمنع، ورُدَّ على الحنفية بقوله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى" وهذا قد نوى شيئًا فيكون له.
стр. 229
٣٦٨ - ونحو لا شربتُ أو إن شَرِبا ... واتفقوا إن مصدَرٌ قد جُلِبا
أي ومن صيغ العموم نحو: واللَّه لا شربت أو إن شرب زيد فزوجي طالق، فيعمان جميع المشروبات، وكذا كل فعل مطلق وقع في سياق النفي لأن الفعل يدل بالتضمن على نكرة واقعة في سياق النفي. وكذا: إن أكلت فزوجي طالق فهو للمنع من جميع المأكولات عند ابن الحاجب والأبياري لأن الفعل في سياق الشرط يعم عندهما ولا فرق بين المتعدي والقاصر.
قوله: "واتفقوا" إلخ يعني أن العلماء اتفقوا على عموم الفعل المذكور إذا جلب المصدر نحو: واللَّه لا أكلت أكلًا فيخصص بالنية.
٣٦٩ - ونزِّلَنَّ تركَ الاستفصال ... منزلةَ العُمومِ في المقال
يعني أن ترك الشارع الاستفصال أي طلب التفصيل في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال يُنَزَّل منزلةَ العموم في المقال أي الأقوال، والمراد بالأحوال حال الشخص، والمراد بالحكاية التلفظ سواء كان الحاكي لها صاحبها أو غيره، كقوله ﷺ لغيلان بن سلمة وقد أسلم على عشرة نسوة: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن"، لم يستفصِلْه ﵊ هل تزوجهن معًا أو مرتبات، فلولا أن الحكم يعم الحالين لما أطلق الجواب لامتناع الإطلاق في مكان التفصيل المحتاج إليه.
٣٧٠ - قيامُ الاحتمال في الأفعال ... قُلْ مجمِلٌ مُسْقِطُ الاستدلال
يعني أن قيام الاحتمال المساوي في الأفعال أي في أفعال الشارع مجمل بكسر الميم أي يورث الإجمال فيها ومسقط للاستدلال بها على أحد الاحتمالات
стр. 230
المتساوية. مثال ذلك حديث: "أن النبي ﷺ جمع بالمدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر"، فإنه يحتمل أن يكون لمرض وأن يكون جمعًا صوريًّا ولا مرجح لأحد الاحتمالين فلذلك كان مجملًا لا يستدل به.
٣٧١ - وما أتي للمدحِ أو للذَّمِّ ... يعمُّ عند خلِّ أهل العلم
يعني أن العام الذي سيق للمدح أو للذم أو لغرض آخر كالامتنان لا يخرجه ذلك عن عمومه عند الأكثر بل يعم عند جل أهل العلم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾. وقيل: لا يعم لأنه سيق لقصد المبالغة في الحث أو الزجر ولهذا منع التمسك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية، في وجوب الزكاة في الحلي.
٣٧٢ - وما به قد خُوطب النبيُّ ... تعميمُه في المذهب السَّنِيُّ
يعني أن الخطاب الخاص بالنبي ﷺ - تعميمه بأن يتناول الأمة من جهة الحكم لا من جهة اللفظ هو السَّنِيّ أي المشهور من مذهب مالك إلا ما ثبتت فيه الخاصية كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ فإنه يعم الأمة من جهة الحكم، ولذلك احتج مالك في "المدونة" على أن ردة الزوجة مزيلة للعصمة بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. وقد أنكرت عائشة ﵂ على من ذهب إلى أن نفس التخيير طلاق بقولها: خَيَّر رسول اللَّه ﷺ نساءَه فاخترته فلم يعد ذلك طِلاقًا، مع أنه ورد فيه خطاب خاص به ﷺ وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ﴾ الآيتين.
٣٧٣ - وما يعمّ يشملُ الرَّسولا ... وقيلَ لا ولْنَذْكر التفصيلا
стр. 231
يعني أن اللفظ العام الوارد على لسان النبي ﷺ المتناول له لغةً نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يشمل الرسول ﷺ من جهة الحكم المستفاد منه التركيب كما شمله من جهة اللغة، وقيل: لا يشمله من جهة الحكم مطلقًا لأنه ورد على لسانه للتبليغ لغيره، وقيل: إن اقترن بنحو بَلِّغ أو قل فلا يشمله وإلا فيشمله، وأما ما لا يتناوله لغة فلا يشمله حكمًا بلا خلاف نحو: يا أيها الأمة.
٣٧٤ - والعبدُ والموجودُ والذي كَفَر ... مشمولةٌ له لدى ذوي النظر
يعني أن العبيد والموجودين زمن الوحي دون من بعدهم والكفار "مشمولة له" أي للفظ العام من جهة الحكم إذا كان يتناولها لغة لدى العلماء أهل النظر نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ لأن العبد والكافر من الناس لغةً والأصل عدم النقل وإنما خُص بالموجودين زمن الوحي لأن الخطاب موضوع لغة للمشافهة فلا يتناول من يحدّث بعده إلا بدليل ليس من اللغة بل هو للعلم من الدين بالضرورة أن الشريعة عامة قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ والإجماع على تكليفهم بما كُلِّف به الموجودون.
٣٧٥ - وما شمولُ مَنْ للأنثى جَنَفُ ... وفي شبيه المسلمين اختلفوا
يعني أن شمول "من" شرطية كانت أو استفهامية للأنثى ليس جَنَفًا بل هو الصواب والأصح عند الأكثرين، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ إذ لولا تناولها للأنثى وضعًا لما صح أن تبين بالقسمين، وقوله ﷺ : "من جرَّ ثوبَه خيلاء لم ينظر اللَّه إليه" فقالت أم سملة: كيف تصنعُ النساء بذيولهن؟ ففهمت أم سلمة دخولهن في عموم "من"
стр. 232
وأقرَّها ﷺ .
قوله: "وفي شبيه" إلخ، يعني أنم اختلفوا في شبيه "مسلمين" وهو جمع المذكر السالم هل يدخل فيه النساء ظاهرًا؟ قال في "التنقيح": والصحيح عندنا اندارج النساء في خطاب التذكير قاله القاضي عبد الوهاب؛ لأن النساء شقائق الرجال في الأحكام إلا ما دل دليل على تخصيصه.
٣٧٦ - وعمِّم المجموع من أنواع ... إذا بمن جُرَّ بلا نِزاع
يعني أن المجموع من أنواع إذا كان معرفًا بأل أو الإضافة يعمم جميع تلك الأنواع إذا جُرَّ بمن التبعيضية نظرًا لمدلول العام أنه كلية، نحو قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ فإنه يقتضي الأخذ من كل نوع من مال كل واحد، وقيل: يقتضي الأخذ من نوع واحد من مال كل واحد، واختاره ابن الحاجب والقرافي؛ لأن صيغة التبعيض تبطل صيغة العموم في ذلك الحكم المتبعِّض لأن "من" للتبعيض وهو يَصْدق ببعض مدخولها وهو نوع واحد، وأجيب بأن التبعيض في العام أن يكون باعتبار كل جزء من جزئياته. وينبني على الخلاف ما لو شَرَط على المدرِّس أن يلقي كل يوم ثلاثة علوم من الفقه والتفسير والأصول هل يجب عليه أن يلقي كل يوم من كل واحد منها أو يكفيه أن يلقي من واحد منها؟ وإلى ذلك أشار بقوله:
٣٧٧ - كمِنْ علومٍ ألْقِ بالتفصيل ... للفقه والتفسير والأصول
أي ألق من علوم الفقه والتفسير والأصول بتفصيل العلوم بأن ينص على كل واحد منها.
стр. 233
٣٧٨ - والمقتضِي أعمَّ جلُّ السَّلَف ... كذاك مفهومٌ بلا مختلفِ
يعني أن المقتضِي بكسر الضاد أي الكلام المتوقف صدقه أو صحته على تقدير أحد أمور يعم تلك الأمور حذرًا من الإجمال عند "جُل السلف" خلافًا لابن الحاجب والغزالي في أنه لا يعمها لاندفاع الضرورة بواحد منها ويكون مجملًا بينها يتعين بالقرينة، وكذاك المفهوم موافقةً كان أو مخالفة فإنه يعم "بلا مختلف" أي بلا خلاف، كقوله تعال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فإنه يدل على تحريم جميع أنواع الإيذاءات. وكقوله ﷺ : "مَطْل الغني ظلم" أي بخلاف غيره.
стр. 234
ما عَدَمُ العمومِ أصحُّ فيه
أي من العموم.
٣٧٩ - منه منكَّرُ الجموع عُرِفا ... وكان والذي عليه انْعَطَفا
يعني أن المُنكَّر المجموع في الإثبات نحو: جاءَ عبيد لزيد "عُرِف" مما عَدَم العموم أصح فيه، أي ليس بعام على الأصح عند الجمهور فيُحْمَل على أقل الجمع ثلاثة أو اثنين، والأصح في "كان" أيضًا أنها ليست صيغة عموم إذا كانت في الإثبات إلا أن تكون مصوغة للامتنان فإنها تعم.
قوله: "والذي عليه انعطفا" يعني أن المعطوف على العام الأصح فيه أنه ليس بعام، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ فهذا الضمير لا يلزم أن يكون عامًّا في جملة ما تقدم فإن العطف معناه التشريك في الحكم الذي سيق الكلام لأجله. قاله في "التنقيح". قال في "الشرح": الضمير خاص بالرجعيات لأن وصف الأحقية بالأزواج إنما هو فيهن لانعقاد الإجماع على استواء الزوج والأجنبي في البائن.
٣٨٠ - وسائرٌ حكاية الفِعْل بما ... منه العمومُ ظاهرًا قد عُلِما
يعني أن لفظ "سائر" الأصح فيه أنه ليس للعموم فإن معناه باقي الشيء لا جملته، هذا هو مذهب الجمهور. قوله: "حكاية الفعل" إلخ، يعني أن حكاية الصحابي لفعل النبي ﷺ "بما" أي بلفظ عُلِم منه العموم ظاهرًا نحو قوله: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الغرر"، و"قضى بالشفعة للجار"، و"حكم بالشاهد
стр. 235
واليمين". فلا يعم عند الأكثر كل غَرَر وكلَّ جارٍ وكلَّ شاهد؛ لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية. وقيل: يعم وهو الذي اختاره الأبهري وابن الحاجب، لأن الحاكي عَدْل عارف باللغة والمعنى فلا ينقل العموم إلا بعد ظهوره عنده أو قَطْعِه به وهو صادق، وصِدْق الراوي يوجب اتباعَه اتفاقًا.
٣٨١ - خطابُ واحدٍ لغير الحَنْبلي ... من غيرِ رَعْي النصِّ والقَيْس الجَلي
يعني أن خطاب الواحد أو الاثنين أو الجماعة الأصح أنه لا يعم غير المخاطب فلا يتناول الأمة "من غير رَعْي" نصٍّ أو قياس جلي يدل على عمومه عند الجمهور للقطعٍ بأن خطاب الواحد أو الاثنين أو الجماعة لا يتناول غير المخاطب لغة خلافا لأحمد بن حنبل القائل بعمومه محتجًّا بأن العادة جارية بخطاب الواحد وإرادة الجميع فيما يتشاركون فيه، وبقوله ﷺ في مبايعة النساء: "أنا لا أصافح النساء وما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة"، وما روي عنه أيضًا أنه قال: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة".
стр. 236
التخصِيص
هو مصدر خصّصَ بمعنى خصَّ.
٣٨٢ - قصرُ الذي عمَّ مع اعتمادِ ... غيرٍ على بعضٍ من الافرادِ
يعني أن التخصيص في الاصطلاح هو: قَصْر العام على بعض أفراده لدليل، والدليل المخصَّص هو مراده بقوله: "مع اعتماد غير"، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة/ ٢٢٨] الآية، فإنه مقصور على بعض أفراد الملطقات دون بعض، لخروج الحوامل منه بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ [الطلاق/ ٤] الآية، وخروج المطلقات قبل الدخول بقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب/ ٤٩] الآية. وسواء كان العموم لفظيًّا أو عرفيًّا أو عقليًّا، فالعمومُ اللفظي كما مثلنا، والعمومُ العرفيّ كعموم مفهوم الموافقة، والعموم العقليّ كعموم مفهوم المخالفة، كما تقدم في قوله: "كذاك مفهوم بلا مختلف" (١).
٣٨٣ - جوازُه لواحدٍ في الجمعِ ... أَتَتْ به أدلةٌ في الشرعِ
الضمير في قوله: "جوازه" عائدٌ إلى التخصيص، يعني أن الأدلة الشرعية جاءت بجواز التخصيص حتى لا يبقى من العام إلَّا فَرْدٌ واحد كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران/ ١٧٣] الآية، يعني نُعَيم بن مسعود، ويدل لذلك إفراد اسم الإشارة في قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ
стр. 237
يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران /١٧٥] الآية. وكقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء/ ٥٤] على القول بأن المراد بالناس نبينا ﷺ . وكقوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران/ ٤٢] يعني جبريل. وسواءٌ كان العام كـ "من وما" ونحوهما من أسماء الشروط (١) والاستفهام أو لا على الصحيح، وسواءٌ كان جمعًا أو مفردًا على الصحيح أيضًا.
٣٨٤ - وموجِبٌ أقلَّهُ القفَّالُ ... والمنعُ مطلقًا له اعتِلالُ
يعني أن القفَّال الشاشي يقول: إن لفظ العام إذا كان جمعًا كـ "المسلمين" يجب فيه أن يبقى بعد التخصيص أقل الجمع وهو ثلاثة أو اثنان -كما يأتي قريبًا- بناءً منه على أن أفراد العام الذي هو جمع جماعات لا آحاد، والتحقيق أنها آحاد، وأن التخصيص يجوز فيها إلى أن لا يبقى إلَّا واحد كما تقدم.
وقوله: "والمنع مطلقًا له اعتلال" يعني أن القول بمنع التخصيص إلى الواحد مطلقًا سواء كان لفظ العام جمعًا أو مفردًا "له اعتلال" أي ضعيف، وهو قول أبي الحسين المعتزلي، والقائل بالمنع يوجب بقاء أقل الجمع، وقيل إلى بقاء غير محصور من أفراد العام.
٣٨٥ - أقلُّ معنى الجمع في المُشتهِر ... الاثنانِ في رأي الإمام الحِمْيري
٣٨٦ - ذا كثرةٍ أم لا وإن مُنكَّرا ... والفرقُ في انتهاءِ ما قد نُكِّرا
يعني أن أقل الجمع الحقيقي وما في معناه كـ "ناس وجيل ورهط"
стр. 238
ونحو ذلك من أسماء الجموع -في رأي الإمام مالك بن أنس- اثنان، كما نقله عنه القاضي أبو بكر وعبد الملك بن الماجشون، واستدل لهذا بقوله: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه/ ١٣٠] أي طرفيه، وقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم/ ٤]، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء/ ١١] أي: أخوان فصاعدًا، وفي الحديث: "الاثنان فما فوقهما جماعة" (١).
وقال الجمهور: أقل الجمع وما في معناه ثلاثة، لتفريق العرب بين الجمع والتثنية ووضعها لكل منهما لفظًا يختص به، وجعلوا إطلاق الاثنين وإرادة الثلاثة من المجاز.
وقوله: "ذا كثرة أم لا. . " إلخ، يشير إلى أن التحقيق هو ما حرَّره بعضُ المحققين من أن جمع القلة وجمع الكثرة إذا كانا مُعرَّفَيْن لا فرق بينهما، لأن "أل" الاستغراقية تعمّم كل واحد منهما فيستويان في المبدأ والمنتهى، أي مبدؤهما ثلاثة أو اثنان ولا منتهى لأكثرهما، وأما إذا كانا مُنكَّرَين فلا فرق بينهما أيضًا في المبدأ، لأن أقل كل منهما الاثنان أو الثلاثة، وإنما يفترقان في الانتهاء فقط في التنكير، فأكثر جمع القلة
стр. 239
عشرة، وجمع الكثرة لا منتهى له، وبهذا التحرير لا تحتاج أن تقول في محلٍّ من المحال: هذا مما استُعِيْرَ فيه جمع الكثرة لجمع القلة، فهذا هو التحقيق ولا تلتفت إلى كلام كثير من النحويين يزعمون أن أقل جمع الكثرة ما زاد على العشرة.
٣٨٧ - وذو الخصوص هو ما يُسْتعملُ ... في كلِّ الافرادِ لدى من يعقِلُ
يعني أن العام المخصوص هو ما يُقصد فيه جميع الأفراد استعمالًا لا حكمًا نحو: "له عليَّ عشرة إلَّا ثلاثة" فجميع العشرة يتناوله اللفظ استعمالًا إلَّا أن الحُكم لا يتناول مما دل عليه اللفظ إلَّا سبعة، لخروج ثلاثة بالمخصِّص الذي هو الاستثناء.
٣٨٨ - وما به الخصوصُ قد يُرادُ ... جعَلَه في بعضِها النقَّادُ
يعني أن العامَّ المرادَ به الخصوص لم يُقصد فيه إلَّا بعض الأفراد وبعضها لم يُقصد لا تناولًا ولا حُكمًا، بل المراد فيه البعض فقط في الاستعمال والحكم معًا كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران/ ١٧٣] أي: نُعَيم، ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران/ ٣٩] أي: جبريل، فالأول أريدت فيه الأفراد كُلًّا استعمالًا لا حكمًا، والثاني لم يُرَد فيه إلَّا البعض استعمالًا وحكمًا.
٣٨٩ - والثانيَ اعْزُ للمَجَازِ جزما ... وذاك للأصلِ وفرعٍ يُنْمَى
يعني أن الثاني من القسمين وهو العام المراد به الخصوص مجاز جزمًا، يعني بلا خلاف، لأنه من إطلاق الكل وإرادة البعض، وعلاقة الكلية والجزئية من علاقات المجاز المرسل كما هو معروف عند البيانيين،
стр. 240
فالعام المراد به الخصوص على هذا مجاز مرسل.
وقوله: "وذاك للأصل وفرع يُنْمَى" يعني أن العام المخصوص يُنمى للأصل في قول، وللفرع في قول، ومراده بالأصل الحقيقة، وبالفرع المجاز. والمعنى: أن العام المخصوص قيل: إنه حقيقة في الباقي بعد التخصيص، وقيل: مجاز فيه، وممن قال بالأول السُّبْكي والفخر الرازي والحنابلة وكثير من الحنفية وأكثر الشافعية وبعض المالكية. وممن قال بالثاني ابن الحاجب والبيضاوي والصَّفِيُّ الهندي والكمال ابن الهمام (١).
وحجة من قال إنه حقيقة في الباقي بعد التخصيص: أن تناول اللفظ للبعض الباقي بعد التخصيص كتناوله له بلا تخصيص، وذلك التناول حقيقي فليكن هذا التناول حقيقيًّا.
وأجاب القائلون بأنه مجاز في الباقي بأنه كان يتناوله مع غيره والآن يتناوله وحده وهما متغايران؛ لأن الشيء مع غيرِه غيرُه لا مع غيره. وحجتهم لكونه مجازًا: أن اللفظ عام والحكم قاصر على البعض فعُرِف أن اللفظ أطلق على غير مدلوله اللغوي فهو مجاز.
وأجيب: بأن اللفظ أطلق على مدلوله اللغوي ولكنَّ المخصِّص أخرج بعض ما دلَّ عليه العموم، كما تقدم من أن كل الأفراد مقصودٌ تناولًا لا حكمًا في العام المخصوص.
٣٩٠ - ثمَّ المُحاشاةُ وقصرُ القصدِ ... من آخرِ القِسْمَين دون جَحْدِ
стр. 241
يعني أن المحاشاة وقَصْرَ القصد -أي التخصيص- بالنية كلاهما من القسم الأخير وهو العام المراد به الخصوص، والمحاشاة هي: إخراج الحالف شيئًا يتناوله لفظه بالنية فقط دون اللفظ، وظاهر كلام المؤلف أن المحاشاة غير التخصيص بالنية، والواقع في الحقيقة أن المحاشاة تخصيص بالنية أيضًا، ولذا قال القرافي: المحاشاةُ هي التخصيص بعينه من غير زيادة ولا نقص (١).
فإن قيل: أهل مذهب مالك يفرقون بينهما، فإن التخصيص بالنية إذا خالفت ظاهر اللفظ لا يقبل عندهم مع المرافعة، والمحاشاة تُقبل عندهم في المرافعة، فمن قامت عليه بينة عندهم أنه قال: الحلال عليَّ حرام، وادعى محاشاة الزوجة بالنية، صدق في المرافعة، وهذا يقتضي الفرق عندهم بين المحاشاة والتخصيص بالنية.
فالجواب: أن المحاشاة تخصص بمسألة الحلال عليه حرامٌ كما قال خليل، وهي المحاشاة وعليه فلا إشكال.
وعلى القول بأن المحاشاة أعم من مسألة "الحلال عليَّ حرام" كما صوَّبه البنَّانيّ مستدلًا بكلام الباجيّ.
فالجواب: أن المحاشاة في خصوص المحلوف به، والتخصيص في المحلوف به والمحلوف عليه، فهي أخص وهو أعم.
وعلى قول ابن محرز ومن تبعه: أن المحاشاة قاعدة مطَّرِدة في
стр. 242
المحلوف به والمحلوف عليه فيتعين ما قاله القرافي من اتحادهما، أو يُجاب بأن ابن محرز ومن تبعه يرون أن اليمين على نية الحالف باللَّه أو غيره مطلقًا حلف على وثيقة حق أم لا، وعليه فهما متحدان أيضًا، فظهر أن الفرق لا يمكن إلَّا على القول الأول والثاني، واللَّه تعالى أعلم (١).
٣٩١ - وشبه الاسْتِثنا للأوَّلِ سَما ... واتَّحدَ القسمان عندَ القُدَما
يعني أن كل ما يشابه الاستثناء من كل مخصص متصل فرينته لفظية "سما" أي ظهر عندهم "للأول" أي من القسم الأول الذي هو العام المخصوص، و"القسمان" اللذان هما العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص متحدان "عند القدما" أي الأقدمين من الأصوليين، ولذا لم يتعرضوا للفرق بينهما فكلاهما عند الأقدمين عام مخصوص ومراد به الخصوص، وإنما فرَّق بينهما المتأخرون كالسُّبكيَّيْن.
٣٩٢ - وهو حجةٌ لدى الأكثرِ إنْ ... مُخصَّصٌ له معَيَّنًا يَبِنْ
يعني أن العام الذي دخله تخصيص حجة في الباقي بعد التخصيص لدى أكثر العلماء وهو الحق، ولكن يشترط أن يكون المخصِّص -بصيغة اسم الفاعل- معيَّنًا بصيغة اسم المفعول نحو: "اقتلوا المشركين إلَّا أهل الذمة" فإن كان غير معين نحو: "اقتلوا المشركين إلَّا بعضهم" لم يصح الاحتجاج به في الباقي؛ لأنه ما من فرد إلَّا يحتمل أنه من البعض المستثنى
стр. 243
فلا يجوز قتل فرد. وخالف السبكي (١) قائلًا: إن مذهب الأكثر الاحتجاج به ولو كان المخصِّص غير معين، وقال القرافي (٢): إن هذا المذهب لم يقل به أحد ولا يمكن العمل به مع كون البعض حرامًا والبعض حلالًا من غير تمييز.
قال مُقيِّده عفا اللَّه عنه: يظهر من بعض مسائل فروع المالكية جواز ما ذكره السبكي عن الأكثر، مِن جواز العمل مع عدم تعيين المخصص وذلك في قولهم: إن كون مضيّ البيع المختلَف فيه عند الفوات بالثمن، ومضي المتفق عليه بالقيمة، كلتاهما قاعدة أغلبية يخرج منها بعض الأفراد ولم يُعَيِّنُوه مع تجويزهم العمل بكلتا القاعدتين، كما هو معروف في فروع مالك.
٣٩٣ - وقِسْ على الخارج للمصالحِ ... ورُبَّ شيخٍ لامتناع جانحِ
يعني أنه اختلف في الفرد الخارج من العموم بمخصص هل يجوز أن يكون أصلًا يقاس عليه أو لا؟ وإيضاحه: أن العامَّ إذا أخرج من حكمه بعض الأفراد بمُخصِّصٍ لحِكْمة تخص ذلك الفرد المخرجَ من العموم، ثم وُجِدت تلك الحكمة في شيء آخر، هل يجوز قياسه على ذلك الفرد المخرَج من العموم لتكثير المصلحة، أو لا يجوز ذلك خوفًا من كثرة مخالفة الأصل؟
стр. 244
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة/ ٢٧٥] خرج من عمومه بيع البرّ متفاضلًا يدًّا بيد، فهل يجوز أن نقيس الأرز -مثلًا- على البر الخارج من العموم بجامع الطعم والكيل، أو الاقتيات والادِّخار، أو لا يجوز ذلك خوفًا من كثرة مخالفة الأصل؟
وقوله: "ورب شيخ" للتكثير، يشير إلى كثرة القائلين بعدم القياس علي ما أخرجه المخصِّصُ. وقوله: "جانح" أي مائل، والمجرور قبله متعلَّق به، أي: رُبّ شيخ جانح، أي مائل إلى امتناع ذلك.
* * *
стр. 245
المخصِّصُ المتصل
المخصِّص عرفًا: الدليل المفيد للتخصيص. والتخصيص قسمان: متصل ومنفصل، أما المنفصل فسيأتي الكلام عليه في قول المؤلف: "وسمِّ مُسْتقلهُ منفصلًا" (١) إلخ. وأما المتصل وهو المذكور هنا فهو: ما لا يستقل بنفسه دون العام بل لابد من مقارنته للعام، وهو خمسة أشياء: الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية، وبدل البعض من الكل، وسيأتي إن شاء اللَّه جميعها للمؤلف.
٣٩٤ - حروفُ الاستثناءِ والمضارعُ ... من فِعْل الاستثنا وما يُضارعُ
يعني أن من أنواع المخصِّص المتصل حروف الاستثناء، أي أدواته كـ "إلَّا، وسوى" إلخ. وقوله: "والمضارع من فعل الاستثناء" أي الفعل المضارع من مادة الاستثناء نحو: "جاء القومُ واستثني زيدًا". وقوله: "وما يضارع" أي ما يشابه المضارع من صِيَغ الماضي الدالةِ على الاستثناء نحو: "جاء القوم خلا زيدًا" و"عدا عَمْرًا" بالنصب فيهما. وقيل: يشترط في المستثنَى والمستثنى منه أن يكونا من متكلِّم واحد، وقيل: لا يشترط ذلك.
وإذا كان العام من كلام اللَّه والاستثناء من كلام النبي ﷺ فقيل: يكون مخصِّصًا منفصلًا، وقيل: يكون متصلًا، لأن النبي ﷺ مبلِّغ في
стр. 246
الكل ولا يقول على اللَّه إلَّا بوحي لقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم/ ٣ - ٤] بل قال العبَّادي في "الآيات البينات" (١): الأمر كذلك ولو على القول بأنه ﷺ ربما اجتهد لأن اجتهاده أيضًا حق ولا يُقَرُّ على باطل.
٣٩٥ - والحكم بالنقيض للحكم حَصَلْ ... لِما عليه الحُكْم قبل مُتَّصِلْ
٣٩٦ - وغيرُه منقطعٌ ورُجِّحا ... جوازُه وهو مجازًا وَضَحا
تعرَّض المؤلف هنا لحقيقة الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع . وقوله: "والحكم بالنقيض" إلخ يعني أن الاستثناء المتصل هو الحكم بنقيض الحكم على جنس ما حكمت عليه أولًا، وأن غيره هو المنقطع، وهو صادق بأمرين:
الأول: أن يكون المحكوم عليه بنقيض الحكم ليس من جنس الأول نحو: "جاء القوم إلَّا حمارًا".
والثاني: أن يكون المحكوم عليه في الثاني من جنس الأول إلَّا أن الحكم على الثاني ليس بنقيض الحكم الأول كقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان/ ٥٦]، فإنه استثناء منقطع على التحقيق، مع أن المحكوم عليه في الثاني هو عين المحكوم عليه في الأول، إلَّا أن الحكم على الثاني ليس نقيضًا للحكم على الأول، لأن الحكم [على] الأول عدم ذوق الموت في الآخرة، والحكم على
стр. 247
الثاني ذوقه في الدنيا، وذوقه في الدنيا ليس نقيضًا لذوقه في الآخرة.
وقوله: "ورُجِّحا جوازه" يعني أن المرجَّح عند علماء الأصول جواز وقوع الاستثناء المنقطع، خلافًا لأحمد وأصحابه القائلين بعدم جوازه في اللغة، لأن الاستثناء إخراجٌ لما دخل، وما لم يدخل لا يمكن إخراجه. وحجة الجمهور: كثرة وقوعه في القرآن وفي كلام العرب، فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنّ﴾ [النساء/ ١٥٧]. ومعلوم أن اتباع الظن ليس من جنس العلم، وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم/ ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) وَأَصْحَابُ الْيَمِ﴾ [الواقعة/ ٢٥ - ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ [الليل/ ١٩ - ٢٠] الآية.
ومن أمثلته في كلام العرب قول نابغة ذبيان (١):
وقفت فيها أُصَيْلالًا أُسائلها ... عيَّت جوابًا وما بالرَّبع من أحد
إلَّا الأواريَّ لأْيًا. . . . ... . . . . . . . . . . . . .
"الأواريُّ" ليس من جنس "الأحد" وهي مرابط الخيل.
وقول بعض شعراء بني تميم (٢):
وبنتِ كريمٍ قد نكحنا ولم يكن ... لها خاطب إلَّا السنانُ وعاملُه
وقول الراجز (٣):
стр. 248
ياليتني وأنت يالميسُ ... ببلدةٍ ليس بها أنيسُ
إلَّا اليعافيرُ وإلَّا العيسُ
وقوله: "وهو مجازًا وَضَحا"، يعني أن الاستثناء المنقطع وَضَحَ حال كونه مجازًا، وسيأتي بقية الأقوال فيه من كونه مشتركًا أو متواطئًا بين المتصل والمنقطع.
٣٩٧ - فلْتُنْمِ ثوبًا بعد ألفِ درهمِ ... للحذفِ والمجازِ أو للندمِ
٣٩٨ - وقيلَ بالحذفِ لدى الإقرارِ ... والعقدُ معنى الواوِ فيه جارِ
قوله: "فَلْتُنْم" يعني فلْتَنْسُبْ وهو مجزوم بلام الأمر. وقوله: "ثوبًا بعد ألف درهم" يعني أنه لو قال: "له عليَّ ألف دينار إلَّا ثوبًا" أنه ينسب قوله: "إلَّا ثوبًا" للحذف على قول، وللمجاز على قول، وللندم على قول.
أما نسبته للحذف فالمراد به حذف المضاف المدلول عليه بالاقتضاء، وتقديره: إلَّا قيمة ثوب. وأما نسبته للمجاز فالمراد أن الثوب أُطْلق وأُريدت قيمته مجازًا علاقته البدلية وهي: أن القيمة بدل عن الثوب عادة، وقد تقرر عندهم أن البدلية والمبدلية من علاقات المجاز المرسل، وقد تقدم للمؤلف أن المجاز قبل الإضمار في قوله: "وبعد تخصيصِ مجازٍ فيلي الإضمارُ" (١) إلخ، وعليه فالأولى جعله مجازًا دون تقدير المحذوف، ومعنى القولين واحد؛ لأن المعنى على كليهما أنه استثنى
стр. 249
قيمة الثوب، سواءٌ عبرنا عن ذلك بالمجاز أو الحذف. وأما نسبته للندم فمعناه أن الألف تلزمه كفَها ويعدُّ قوله: "إلَّا ثوبًا" ندمًا. والظاهر أن هذا القول مبنيٌّ على عدم صحة الاستثناء المنقطع كما هو قول أحمد ومن وافقه المشار إليه بقول المؤلف: "ورجحا جوازه".
وقوله: "وقيل بالحذف لدى الإقرار" يعني أن في المسألة قولًا رابعًا، وهو: التفريق بين الإقرار والعقود، فلو قال في الإقرار: "له على ألف دينار إلَّا ثوبًا" كان للحذف أي: إلَّا قيمة ثوب، ولو قال في البيع: "بعتك هذه السلعة بألف دينار إلَّا ثوبًا" فإنه يكون معناه وثوبًا، فيكون الثوب مبيعًا مع السلعة، قال مالك: إذا قلت: "بعْتُك هذه السلعة بدينار إلَّا قفيز حنطة"، كان القفيز مبيعًا مع السلعة؛ لأنه لو استثنى من الدينار قيمة القفيز لفسد البيع للجهل بالثمن، نص عليه مالك في كتاب الصرف من "المدونة" (١).
٣٩٩ - بِشِرْكَةٍ وبالتَّواطِي قالا ... بعضٌ. . . . . . . . . . . . .
يعني أن بعض الأصوليين وهو أبو الحسن الأبياري المالكي اختار أن الاستثناء المنقطع حقيقة، وهو الظاهر من كلام أهل العربية، وعليه فقيل: اسم الاستثناء مشترك بين المتصل والمنقطع كاشتراك العين بين الباصرة والجارية، وقيل: هو متواطى فيهما كتواطى الرجل في زيد وعمرو.
стр. 250
.. . . . . وأوْجِب فيه الاتصالا
٤٠٠ - وفي البواقي دونَ ما اضطرار ... وأبْطِلَنْ بالصمت للتَّذكارِ
يعني أنه يجب في الاستثناء اتصاله بالمستثنى منه خلافًا لمن قال بجواز تأخير الاستثناء إلى شهر، وقيل: إلى شهرين، وقيل: إلى سنة، وقيل: إلى سنتين، وقيل: أبدًا، كما روي عن ابن عباس (١)، وعن عطاء والحسن جواز انفصاله في المجلس، وأومأ إليه أحمد في إحدى الروايتين في اليمين، وعن مجاهد إلى سنتين، وقيل: ما لم يأخذ في كلام آخر، وقيل: يجوز ذلك في كلام اللَّه لأنه لا يغيب عنه شيء فهو مرادٌ أولًا بخلافِ غيره (٢).
وحجة من قال بجواز تأخير الاستثناء حديث: "من حَلَف واستثنى عاد كمن لم يحلف" (٣) أي قال: إن شاء اللَّه ولم يذكر لزوم اتّصاله به، قالوا: وقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء/ ٩٥] نزل بعد المستثنى منه