← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 283

نثر الورود شرح مراقي السعود

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (730 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الكل ولا يقول على اللَّه إلَّا بوحي لقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم/ ٣ - ٤] بل قال العبَّادي في "الآيات البينات" (١): الأمر كذلك ولو على القول بأنه ﷺ ربما اجتهد لأن اجتهاده أيضًا حق ولا يُقَرُّ على باطل. ٣٩٥ - والحكم بالنقيض للحكم حَصَلْ ... لِما عليه الحُكْم قبل مُتَّصِلْ ٣٩٦ - وغيرُه منقطعٌ ورُجِّحا ... جوازُه وهو مجازًا وَضَحا تعرَّض المؤلف هنا لحقيقة الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع . وقوله: "والحكم بالنقيض" إلخ يعني أن الاستثناء المتصل هو الحكم بنقيض الحكم على جنس ما حكمت عليه أولًا، وأن غيره هو المنقطع، وهو صادق بأمرين: الأول: أن يكون المحكوم عليه بنقيض الحكم ليس من جنس الأول نحو: "جاء القوم إلَّا حمارًا". والثاني: أن يكون المحكوم عليه في الثاني من جنس الأول إلَّا أن الحكم على الثاني ليس بنقيض الحكم الأول كقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان/ ٥٦]، فإنه استثناء منقطع على التحقيق، مع أن المحكوم عليه في الثاني هو عين المحكوم عليه في الأول، إلَّا أن الحكم على الثاني ليس نقيضًا للحكم على الأول، لأن الحكم [على] الأول عدم ذوق الموت في الآخرة، والحكم على

стр. 247

الثاني ذوقه في الدنيا، وذوقه في الدنيا ليس نقيضًا لذوقه في الآخرة. وقوله: "ورُجِّحا جوازه" يعني أن المرجَّح عند علماء الأصول جواز وقوع الاستثناء المنقطع، خلافًا لأحمد وأصحابه القائلين بعدم جوازه في اللغة، لأن الاستثناء إخراجٌ لما دخل، وما لم يدخل لا يمكن إخراجه. وحجة الجمهور: كثرة وقوعه في القرآن وفي كلام العرب، فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنّ﴾ [النساء/ ١٥٧]. ومعلوم أن اتباع الظن ليس من جنس العلم، وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم/ ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) وَأَصْحَابُ الْيَمِ﴾ [الواقعة/ ٢٥ - ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ [الليل/ ١٩ - ٢٠] الآية. ومن أمثلته في كلام العرب قول نابغة ذبيان (١): وقفت فيها أُصَيْلالًا أُسائلها ... عيَّت جوابًا وما بالرَّبع من أحد إلَّا الأواريَّ لأْيًا. . . . ... . . . . . . . . . . . . . "الأواريُّ" ليس من جنس "الأحد" وهي مرابط الخيل. وقول بعض شعراء بني تميم (٢): وبنتِ كريمٍ قد نكحنا ولم يكن ... لها خاطب إلَّا السنانُ وعاملُه وقول الراجز (٣):

стр. 248

ياليتني وأنت يالميسُ ... ببلدةٍ ليس بها أنيسُ إلَّا اليعافيرُ وإلَّا العيسُ وقوله: "وهو مجازًا وَضَحا"، يعني أن الاستثناء المنقطع وَضَحَ حال كونه مجازًا، وسيأتي بقية الأقوال فيه من كونه مشتركًا أو متواطئًا بين المتصل والمنقطع. ٣٩٧ - فلْتُنْمِ ثوبًا بعد ألفِ درهمِ ... للحذفِ والمجازِ أو للندمِ ٣٩٨ - وقيلَ بالحذفِ لدى الإقرارِ ... والعقدُ معنى الواوِ فيه جارِ قوله: "فَلْتُنْم" يعني فلْتَنْسُبْ وهو مجزوم بلام الأمر. وقوله: "ثوبًا بعد ألف درهم" يعني أنه لو قال: "له عليَّ ألف دينار إلَّا ثوبًا" أنه ينسب قوله: "إلَّا ثوبًا" للحذف على قول، وللمجاز على قول، وللندم على قول. أما نسبته للحذف فالمراد به حذف المضاف المدلول عليه بالاقتضاء، وتقديره: إلَّا قيمة ثوب. وأما نسبته للمجاز فالمراد أن الثوب أُطْلق وأُريدت قيمته مجازًا علاقته البدلية وهي: أن القيمة بدل عن الثوب عادة، وقد تقرر عندهم أن البدلية والمبدلية من علاقات المجاز المرسل، وقد تقدم للمؤلف أن المجاز قبل الإضمار في قوله: "وبعد تخصيصِ مجازٍ فيلي الإضمارُ" (١) إلخ، وعليه فالأولى جعله مجازًا دون تقدير المحذوف، ومعنى القولين واحد؛ لأن المعنى على كليهما أنه استثنى

стр. 249

قيمة الثوب، سواءٌ عبرنا عن ذلك بالمجاز أو الحذف. وأما نسبته للندم فمعناه أن الألف تلزمه كفَها ويعدُّ قوله: "إلَّا ثوبًا" ندمًا. والظاهر أن هذا القول مبنيٌّ على عدم صحة الاستثناء المنقطع كما هو قول أحمد ومن وافقه المشار إليه بقول المؤلف: "ورجحا جوازه". وقوله: "وقيل بالحذف لدى الإقرار" يعني أن في المسألة قولًا رابعًا، وهو: التفريق بين الإقرار والعقود، فلو قال في الإقرار: "له على ألف دينار إلَّا ثوبًا" كان للحذف أي: إلَّا قيمة ثوب، ولو قال في البيع: "بعتك هذه السلعة بألف دينار إلَّا ثوبًا" فإنه يكون معناه وثوبًا، فيكون الثوب مبيعًا مع السلعة، قال مالك: إذا قلت: "بعْتُك هذه السلعة بدينار إلَّا قفيز حنطة"، كان القفيز مبيعًا مع السلعة؛ لأنه لو استثنى من الدينار قيمة القفيز لفسد البيع للجهل بالثمن، نص عليه مالك في كتاب الصرف من "المدونة" (١). ٣٩٩ - بِشِرْكَةٍ وبالتَّواطِي قالا ... بعضٌ. . . . . . . . . . . . . يعني أن بعض الأصوليين وهو أبو الحسن الأبياري المالكي اختار أن الاستثناء المنقطع حقيقة، وهو الظاهر من كلام أهل العربية، وعليه فقيل: اسم الاستثناء مشترك بين المتصل والمنقطع كاشتراك العين بين الباصرة والجارية، وقيل: هو متواطى فيهما كتواطى الرجل في زيد وعمرو.

стр. 250

.. . . . . وأوْجِب فيه الاتصالا ٤٠٠ - وفي البواقي دونَ ما اضطرار ... وأبْطِلَنْ بالصمت للتَّذكارِ يعني أنه يجب في الاستثناء اتصاله بالمستثنى منه خلافًا لمن قال بجواز تأخير الاستثناء إلى شهر، وقيل: إلى شهرين، وقيل: إلى سنة، وقيل: إلى سنتين، وقيل: أبدًا، كما روي عن ابن عباس (١)، وعن عطاء والحسن جواز انفصاله في المجلس، وأومأ إليه أحمد في إحدى الروايتين في اليمين، وعن مجاهد إلى سنتين، وقيل: ما لم يأخذ في كلام آخر، وقيل: يجوز ذلك في كلام اللَّه لأنه لا يغيب عنه شيء فهو مرادٌ أولًا بخلافِ غيره (٢). وحجة من قال بجواز تأخير الاستثناء حديث: "من حَلَف واستثنى عاد كمن لم يحلف" (٣) أي قال: إن شاء اللَّه ولم يذكر لزوم اتّصاله به، قالوا: وقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء/ ٩٥] نزل بعد المستثنى منه

стр. 251

في المجلس (١) واستدل ابن عباس بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٢) [الكهف/ ٢٤] لأن معناه لما أمره بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فأمره بالاستنناء بالمشيئة صرَّح له بأنه إن نسي الاستثناء به وتذكَّره بعد ذلك قال: إن شاء اللَّه. وحجة الجمهور قوله ﷺ : "من حلفَ على شيء ثم رأى غيرَه خيرًا منه فليكفِّر عن يمينه وليأتِ الذي هو خير" (٣)، فلو جاز الانفصال لقال: فليَسْتثن ولا داعي إلى التكفير حالة إمكان الاستثناء. قال ابن العربي المالكي (٤): سمعت فتاةً ببغداد تقول لجارتها: لو كان مذهب ابن عباس صحيحًا ما قال اللَّه تعالى لأيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص/ ٤٤] بل يقول له: استثن (٥).

стр. 252

ولو جاز انفصال الاستثناء لما ثبت إقرارٌ ولا طلاقٌ ولا عتق، لعدم الجزم بثبوت شيء منها لجواز الاستثناء المنفصل، ولم يُعلم صِدْق خبر ولا كذبه أصلًا، لجواز استثناءٍ يَرِدُ عليه يصرفه إلى ما يغيره (١) صادقًا وبالعكس. وأجيب من قبل الجمهور عن احتجاج ابن عباس بالآية بأمرين: الأول: أن الاستثناء بالمشيئة له فائدتان: الأولى: رد الأمور إلى مشيئة من هي بيده وهو اللَّه تعالى. والثانية: عدم انعقاد اليمين. والاستثناء يُفيد مع الانفصال في الخروج من عُهدة اللوم المتوجه من عدم رد الأشياء إلى مشيئة من هي بيده، وهو مراد ابن عباس بجواز انفصال الاستثناء. أما

стр. 253

الثانية التي هي عدم انعقاد اليمين، فلا يفيد فيها الاستثناء مع الانفصال كما هو مذهب الجمهور ولم يقصده ابن عباس وجزم بهذا ابنُ جرير (١)، وهو وجيه جدًّا. الثاني: أن يُحمل الانفصال المذكور على ما إذا قصد الاستثناء ونواه وقتَ اليمين وأَخَّرَ النُّطق به، كما ذكره ابن رشد عن بعض العلماء وقال: يُحمل عليه كلام ابن عباس (٢). وقوله: "وفي البواقي" يعني أن البواقي من المخصِّصات المتصلة كالشرط والغاية والبدل يجب فيها الاتصال أيضًا، وحكى بعضٌ الاتفاقَ على ذلك في الكل، وحكى بعضهم عليه الاتفاق في غير الشرط. فالحاصل أنه في الكل إما اتفاقًا وإما على الصحيح الذي هو مذهب الجمهور في بعض المخصِّصات كالشرط. وقوله: "دون ما اضطرار" يعني أن وجوب عدم الفصل ما لم يضطر إليه فالفصل بما اضطر إليه كلا فصل، كالفصل بِنَفَس أو سعال، أو عطف الجُمَل بعضها على بعض ثم يستثني. وقوله: "وأبطلن بالصَّمْت للتذكار" يعني أن سكتة التذكار فاصل مانع من إفادة الاستثناء، وهي أن يسكت المتكلم ليتذكر شيئًا من الكلام الذي هو بصدده هو في الحال ناسٍ له. و"ما" في قوله: "دون ما" زائدة، والأصل: دون اضطرار.

стр. 254

٤٠١ - وعَددٌ مع كَإلَّا قد وجَبْ ... له الخصوص عند جُلِّ من ذَهَبْ ٤٠٢ - وقال بعضٌ بانتفا الخُصوصِ ... والظاهرُ الإبقا من النُّصوصِ اعلم أنه لمَّا كان في التخصيص بالمخصِّص المتصل شِبْه تناقض؛ لأن البعض الخارج بالمخصِّص اجتمع فيه أنه داخلٌ في العموم وخارجٌ بالمخصِّصِ، وكون الشيء الواحد داخلًا في شيء وغير داخل فيه في وقت واحد يظهر أنه تناقض = اضطروا إلى تقدير دلالة على وجهٍ يرفع ذلك التناقض، واختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب، أشار لها المؤلف في مسألة الاستثناء من العدد؛ لأن التناقض المذكور أظهرُ فيها من غيرها؛ لأن في قولك: "عشرة إلَّا ثلاثة" ما يدل على دخول الثلاثة في العشرة مع أن فيه التصريح بعدم دخولها فيها. الأول: وعزاه المؤلف إلى جل من ذهب أن العددَ مع إلَّا كقوله: "له عليَّ عشرة إلَّا ثلاثة" عامٌّ مرادٌ به الخصوص، فالمراد بالعشرة سبعة، وقوله: "إلَّا ثلاثة" قرينة على ذلك وليس فيه إخراج أصلًا فلا تناقض، وهذا مراده بقوله: "وعدد مع كإلَّا. . " البيت، هكذا قرره المؤلف وغير واحد. ولا يخفى أن جعلهم له من العام المراد به الخصوص ينافي قول المؤلف المارِّ: "وشبه الاستثنا لأولٍ سما" فلا يصح قولهم على (١) هذا إلَّا على قول الأقدمين الذين لم يفرقوا بين العام المخصوص والمراد به الخصوص كما ترى، وجَعْله العدد من العموم ينافي أيضًا قوله: "بلا

стр. 255

حصر من اللفظ كعشر مثلًا". الثاني: وهو قول الباقلاني أنه لا خصوص فيه أصلًا، وإيضاحُه أن لفظ "السبعة" له اسمان: اسم مفرد وهو سبعة، واسم مركَّب وهو عشرة إلَّا ثلاثة، وعليه أيضًا فلا إخراج ولا تناقض، وإليه الإشارة بقول المؤلف: "وقال بعضٌ بانتفا الخصوص". الثالث: وهو اختيار ابن الحاجب (١) والتاج السُّبْكي (٢) أن المراد بالعشرة في المثال المذكور العشرة باعتبار الأفراد ثم أُخْرجت الثلاثة بقوله: "إلَّا ثلاثة" فأُسْنِد لفظًا إلى العشرة ومَعْنًى إلى السبعة، فكأنه قال: "له عليَّ الباقي من عشرة أُخْرِج منها ثلاثة" وليس في ذلك إلَّا إثبات ولا نَفْيَ أصلًا فلا تناقض، فتحصَّل أنه على قول الجُلّ فيه تخصيص وإليه الإشارة بقوله: "وعددٌ مَعَ كإِلَّا" البيت. وعلى قول الباقلاني لا تخصيص فيه، وإليه الإشارة بقوله: "وقال بعضٌ بانتفا الخصوص". وعلى ما اختاره ابنُ الحاجب والسبكيُّ فهو يحتمل التخصيص نظرًا إلى الحكم؛ لأنه للعام في الظاهر والمراد الخصوص، ويحتمل كونه ليس تخصيصًا، إذ المفرد الذي هو "العشرة" لم يرد به إلَّا العموم لجميع أفراده كحالته منفردًا لم يغير بتخصيص، لأن العشرة في قولك: ما بقي من العشرة بعد إخراج الثلاثة، لم تطلق العشرةُ فيه إلَّا على معناها الأصلي وإن كان المعنى يؤول إلى سبعة.

стр. 256

وقوله: "والظاهر الإبقا من النصوص" يعني أن الذي يظهر للمؤلف من النصوص أي المذاهب الثلاثة المذكورة في الاستثناء أن المستثنى مُبَقّى على الملك لا مشترى لأن عشرة إلَّا ثلاثة عند الجُل عامّ مراد به الخصوص، فالثلاثة باقية على الملك، وعند الباقلاني بمعنى سبعة فالثلاثة باقية أيضًا، وعلى المختار عند ابن الحاجب والسبكي فالعشرة وإن أريد بها جميع الأفراد فالعموم مُرادٌ تناولًا لا حكمًا فبقيت الثلاثة أيضًا ولم تدخل في الحكم. ٤٠٣ - والمِثْل عند الأكثرين مُبطلُ ... ولجوازه يدُلّ المَدْخَلُ يعني أن استثناء المِثْلِ مبطل للاستثناء ، ويدل لجوازه على أحد القولين كلام ابن طلحة (١) الأندلسي في "المدخل" (٢)، وروي عن اللخمي أيضًا ما يفيد جوازه إن نواه قبل الانعقاد في الفتوى، وفي القضاء خلاف. ٤٠٤ - وجوِّز الأكثر عند الجُلِّ ... . . . . . . . . . . . . . يعني أنه يجوز استثناء الأكثر عند الأكثر والقاضي عبد الوهاب، نحو: "له عليَّ عشرة إلَّا تسعة" واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر/ ٤٢]، ومعلوم أن الغاوين أكثر.

стр. 257

فإن قيل: المراد بالعباد في قوله: ﴿عِبَادِي﴾ ما يشمل الملائكة مع صالح الثّقلين فإذًا يلزم كونهم أكثر من الغاوين فينتفي الدليل من الآية. فالجواب: أنا لو سلمنا أن الصالحين أكثر من الغاوين بهذا الاعتبار فإنه يلزم على ذلك أيضًا جواز استثناء الأكثر في قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [ص/ ٨٢ - ٨٣]، وادعاء دخول الملائكة في الأول وخروجهم من الثاني تحكُّم لا دليل عليه. واستدل له أيضًا بقوله: أدّوا التي نقصت تسعين عن مئة ... ثم ابعثوا حكمًا بالعدل قوَّالا (١) وتكلم بعضُهم في هذا البيت بأنه مصنوع. . . . . . . . . . . . . . ... ومالًا أوجبَ للأقلِّ يعني أن الإمام مالكًا ﵀ أوجب كون المستثنى أقلَّ من المستثنى منه، فلو استثنى النصف كقوله: "عليَّ عشرة إلَّا خمسة" بَطَل الاستثناءُ ولزمته العشرة. وأحرى إذا كان المستثنى أكثر نحو: "له عليَّ عشرة إلَّا ستة". وإلى هذا القول ذهب القاضي وغيره، وأكثر النحويين، وهو مذهب الإمام أحمد إلَّا أن استثناء النصف فيه عند الحنابلة خلاف، أما استثناء الأكثر فلا يجوز عندهم، ومشهور المذهب المالكي موافقة الجمهور في استثناء الأكثر كما قال خليل في "مختصره" (٢) الذي قال مبينًا

стр. 258

لما به الفتوى: "وصح استثناء بإلَّا إن اتّصَل ولم يستغرق" فالمضر الاستغراق فقط لا الأكثرية وأحرى المساواة. وحجة القول بوجوب كون المستثنى أقل: أنه هو المعروف من لغة العرب فإنهم يقولون: "مائة إلَّا عشرة" ولم يقولوا: "مائة إلَّا تسعين" وقس على ذلك. ٤٠٥ - ومُنِعَ الأكثرُ من نَصِّ العَدَد ... والعقدُ منه عندَ بعضٍ انْفَقَد يعني أن اللخميّ قال بمنع استثناء الأكثر من خصوص ما هو نصٌّ في العدد كـ "له عليَّ عشرة إلَّا سبعة" بخلاف ما ليس نصًّا في العدد فإنه يجوز فيه عنده استثناء الأكثر نحوُ: "عبيدي أحرار إلَّا الصقالبة" وهم أكثر. وقوله: "والعقد منه عند بعضٍ انفَقَدْ" يعني بالبعض عبد الملك بن الماجشون، ومراده أنه ينفقد أي يمتنع عنده استثناء العقد الصحيح من العدد ويجوز غيره، فالعقد الصحيح الذي يمتنع عنده استثناؤه من العدد كالعشرة من المائة والمائة من الألف، فلا يجوز عنده: "له عليَّ مائة إلَّا عشرة" ولا "ألف إلَّا مائة". وخَرَج بالعقد ما ليس بعقد كالانثي عشر، وبالصحيح الكسر كنصف. وحاصل هذا القول: أن الآحاد عقود العشرات، والعشرات عقود المئين، والمئون عقود الألوف، فلا يجوز على هذا القول استثناء عقدٍ صحيح من العدد نحو "عشرة إلَّا واحدًا" و"مائة إلَّا عشرة" أو "ألف إلَّا مائة". ويجوز: "له عليَّ عشرة إلَّا نصفًا" أي نِصْف واحد أو نحوه ولو مع غيره كـ "واحد ونصف" و"مائة إلَّا تسعة" أو نحوها ولو مع غيرها من

стр. 259

العشرات، و"ألف إلَّا تسعين" ونحوها ولو مع المئين. وحجة هذا القول: أنه لم يقع في الكتاب والسنة إلَّا هو كقوله تعالى: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت/ ١٤] وخمسون بعض عقدٍ من ألف، وقوله ﷺ : "إن للَّه تسعة وتسعين اسمًا مائة إلَّا واحدًا" (١) والواحد بعض عقد المئة، فتحصَّل أن في المسألة خمسة أقوال: الأول: قول ابن طلحة بجواز المِثْل. الثاني: قول الجمهور بجواز الأكثر دون الكل. الثالث: قول مالك بمنع النصف وأحرى الأكثر. الرابع: قول اللخمي بمنع الأكثر من نص العدد. الخامس: قول ابن الماجشون بمنع استثناء العقد الصحيح من العدد دون غيره. ٤٠٦ - وذا تعدُّدٍ بعطفٍ حصِّلِ ... بالاتفاقِ مُسْجَلًا للأوَّلِ يعني أن الاستثناءات المتعددة إذا كان بعضها معطوفًا على بعض ترجع كلها للأول الذي هو المستثنى منه، لا الأول من الاستثناءات. وقوله: "مُسْجَلًا" يعني مطلقًا، سواء كان الاستثناء مستغرقًا أم لا، إلَّا أنه يبطل في المستغرق ويصح في غيره. مثال غير المستغرق: "له عليَّ عشرة إلَّا واحدًا وإلَّا اثنين وإلَّا ثلاثة" فتسقط الستة من العشرة فتبقى أربعة هي اللازمة له، ومثال المستغرق: "له عليَّ عشرة إلَّا خمسة وإلّا أربعة وإلَّا واحدًا" فالمجموع عشرة، فعلى القول بجمع مُفرق الاستثناء يبطل

стр. 260

جميع الاستثناءات لأنها بمثابة: "له عليَّ عشرة إلَّا عشرة". وأما على القول بأنه لا يُجمع مُفرقه فلا يبطل إلَّا الذي حصل به الاستغراق مع ما بعده إن كان بعده شيء، والباطل الذي حصل به الاستغراق في هذا المثال الأخير هو الواحد لأنه آخر مذكور حصل به الاستغراق فتسقط تسعة ويلزم واحد لبطلان الاستثناء فيه. وقوله: "ذا تعدد" مفعول به مقدَّم لقوله: "حَصِّلِ". ٤٠٧ - إلَّا فكلٌّ للذي به اتَّصلْ ... . . . . . . . . . . . . . قوله: "إلَّا" يعني وإلَّا تكن الاستثناءات المتعددة متعاطفة بل كانت متعددة من غير تعاطفِ فكلٌّ منها عائد إلى ما قبله يليه ما لم يستغرقه، فإن استغرقه فسيأتي للمؤلف. ومثالُ رجوع كلٍّ لما قبله يليه مع عدم الاستغراق قوله: "عليَّ عشرة إلَّا خمسة إلَّا أربعة إلَّا ثلاثة" فيلزمه ستة لأن الثلاثة تخرج من الأربعة فيبقى واحد يخرج من الخمسة فتبقى أربعة تخرج من العشرة تبقى ستة. وهذا الذي مشى عليه المؤلف هو الحق، خلافًا لقول ابن مالك في "الخلاصة" برجوعها كلها للأول، حيث قال: * وحكمها في القصد حكم الأول * فإن استغرق كل ما يليه بطل الجميع نحو: "له عليَّ عشرة إلَّا عشرة إلَّا عشرة إلَّا عشرة" فتلزمه العشرة لبطلان الاستثناءات كلها، وإلى هذا أشار بقوله: . . . . . . . . . . . . . ... وكلُّها عند (١) التساوي قد بَطَل

стр. 261

أي ويدل له قوله المتقدم: "والمثل عند الأكثرين مبطل" (١). ٤٠٨ - إن كان غيرُ الأول المستَغْرِقا ... فالكل للمُخْرَجِ منه حُقِّقا يعني أن الاستثناء إذا تعدد واستغرق غير الأول عاد الكل إلى المُخْرَجِ منه الذي هو المستثنى منه نحو: "له عليَّ عشرة إلَّا اثنين إلَّا ثلاثة إلَّا أربعة" فيخرج الكل من العشرة يبقى واحد فقط هو اللازم. ٤٠٩ - وحيثُما استغرقَ الأولُ فقطْ ... فأَلْغِ واعتبر بخَلْفٍ في النَّمَطْ يعني أنه إذا تعدَّد الاستثناء ولم يستغرق منه إلَّا الأول فقط نحو: "له عليَّ عشرة إلَّا عشرة إلَّا أربعة" فقيل: يُلغى ما يعد المستغرق تبعًا له وهو الأربعة في المثال المذكور فتلزم العشرة، وهذا هو معنى قوله: "فألْغِ". وقيل: يعتبر ما بعده، وعليه فقد اخْتُلِف في نمط أي طريق اعتباره فقيل: يُستثنى الثاني من الاستثناء الأول، فتلزم أربعة لأن العشرة المستثناة من العشرة منفية لأن الاستثناء من الإثبات نفي، والأربعة المستثناة منها منفية لأن الاستثناء من النفي إثبات. وقيل: يعتبر الاستثناء الثاني ويبطل الأول، فيكون الثاني الذي هو استثناء الأربعة في المثال المذكور من العشرة الأولى وهي مثبتة، وهو من الإثبات نفيٌ فتبقى ستة هي اللازمة. ٤١٠ - وكلُّ ما يكونُ فيه العطفُ ... من قبلِ الاستثنا فكُلًّا يقفو ٤١١ - دونَ دليلِ العقلِ أو ذي السَّمعِ ... والحقُّ الافتراقُ دون الجَمْعِ يعني أن الاستثناء الوارد بعد متعاطفات سواءٌ كانت مفردات أو

стр. 262

جملًا فإنه يرجع لكلها حيث صلح له، لأنه الظاهر عند الإطلاق إلَّا لدليل يُعَيِّن ما يرجع إليه الاستثناء من المتعاطفات، فإن وُجِد دليل يُعين الرجوع إلى بعضها اتُّبع. مثاله في المفردات قولك: "تصدَّق على المساكين وأبناء السبيل وبني تميم إلَّا الفاسق منهم" فإنه يخرج فاسق الكل، وقوله ﷺ : "لا يجلسَنَّ أحدُكم على تَكْرِمة أخيه ولا يؤمُّه في بيته إلَّا بإذنه" (١) فإنه راجع لهما. ومثاله في الجُمَل قولك: "عبيدي أحرار ونسائي طوالق إلَّا المسلم منهم" فإنه يخرج مسلم الكل، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان/ ٦٨ - ٦٩] الآية، فإنه راجع إلى الكل. وخالف أبو حنيفةَ الجمهورَ قائلًا: إن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط، ولأجل ذلك لم يقبل شهادةَ القاذف ولو تابَ وأصلحَ لأن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ يرجع عنده لخصوص جملة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ أي فقد زال فسقهم بالتوبة، ولا يَقْبل رجوع الاستثثاء إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ أي: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور/ ٤ - ٥] فاقبلوا شهادتهم، بل يقول: لا تقبلوها لهم مطلقًا، والاستثناء لم يرجع إليها لاختصاصه بالأخيرة.

стр. 263

ولم يخالف أبو حنيفة قاعدَتَه هذه في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ فإنه موافق للجماعة في رجوعه لجميع الجمل قبله، ووجه عدم مخالفته فيه لأصله: أنه عنده راجع إلى الأخيرة فقط وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ إلَّا أن الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى جميع الجمل المتقدمة، وبرجوعه لها صار الاستثناء راجعًا للكل فظهر أن أبا حنيفة لم يخالف فيها أصلَه. قال مُقيِّده عفا اللَّه عنه: هذه القاعدة التي ذكرها المؤلف وذكرناها عن الجمهور، منهم المالكية والشافعية والحنابلة، مِن رجوع الاستثناء لجميع المتعاطفات قبله تقتضي صحة احتجاج داود الظاهريِّ على إباحة جمع الأختين في الوطء بملك اليمين؛ لأنه يقول: إن قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ راجع أيضًا لقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣] أي: إلَّا ما ملكت أيمانكم من الأخوات فلا يحرم فيه الجمع. والجواب عن هذا: أن التحقيق في هذه المسألة هو ما حقَّقه بعضُ المتأخرين كابن الحاجب (١) من المالكية، والغزالي (٢) من الشافعية والآمدي (٣) من الحنابلة (٤) = مِن أَنَّ حُكم الاستثناء بعد الجمل المتعاطفات

стр. 264

هو الوَقْف لاحتمال رجوعه للكل أو البعض أخيرًا أو أوَّلًا. ووَجْه كون هذا القول هو التحقيق: أن القرآن يشهد له في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ﴾ إلى قَوْله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور/ ٤ - ٥] فإنه لا يرجع إلى الجملة الأولى التي هي ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ لأن القاذف لا يسقط عنه حدّ القذف بالتوبة. وكقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء/ ٩٢] فإنه لا يرجع للأولى لأن تَصَدُّق مستحق الدية بها لا يُسقط كفارةَ القتل خطأً. وكقوله تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ [النساء/ ٨٩ - ٩٠] الآية، فإنه لا يرجع للأخيرة التي هي: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ لأن اتخاذهم أولياء حرامٌ مطلقًا دون استثناء، ولكنه راجع للأولين أعني قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ أي خذوهم بالأسْرِ واقتلوهم، إلَّا الذين يَصِلُون إلى قومٍ بينكم وبينهم ميثاق فليس لكم أسْرُهم ولا قَتْلُهم لأن لهم من الميثاق ما لمن وصلوا إليهم، لاشتراطهم ذلك في عقد الصلح الذي عقده ﷺ مع هلال بن عُوَيمر، وسراقة بن مالك. وإذا كان الاستثناء ربما لا يرجع للأخيرة التي هو يليها فكيف يكون نصًّا في الرجوع إلى غيرها؟ ! فتبين أنه لا حجة لداود الظاهري في الاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ على التحقيق. وفرَّق بعضُ العلماء بين المفردات والجملِ فقال: يرجع للكل في المفردات بلا خلاف، وفي الجُمَل فيه خلاف، وفرَّق بعضهم بين العطف

стр. 265

بالواو وبين العطف بغيرها قائلًا برجوعه للكل في الواو دون غيرها. وقوله: "والحق الافتراق دون الجمع" يعني أنه على القول برجوع الاستثناء لجميع المتعاطفات قبله فالحق أنه يعود إلى الجميع مفرَّقًا ولا يعود إليه مجموعًا، وتظهر ثمرةُ ذلك فيما لو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا وثلاثًا إلَّا أربعًا" فعلى التفريق تلزمه الثلاث لأن قوله: "إلَّا أربعًا" راجع لكل من الثلاث بانفراده، والأربعة مستغرقة للثلاث فيبطل الاستثناء في كل منهما لاستغراقه، وعلى الجمع تجمع الثلاث والثلاث فيكون مجموعها ستة فيكون كمن قال: "ستًّا إلَّا أربعًا" فتلزمه طلقتان. ٤١٢ - أمَّا قِرانُ اللفظ في المشهورِ ... فلا يُساوي في سِوى المذكُورِ يعني أن القِران بين جملتين مثلًا، أو مفردَيْن مثلًا، أي الإتيان باللفظين الدالَّين عليهما مقترنين لا يوجب التسوية بينهما في غير ذلك الحكم المذكور، كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة/ ١٩٦] عند من يقول بعدم وجوب العمرة فإنه تعالى قَرَن بينهما في حكم، هو وجوب الإتمام بعد الشروع، فلا يلزم من ذلك مساواتهما في الحكم ابتداءً، ومن قال بالوجوب يقول: معنى الإتمام ابتداء فعلهما والإتيان بهما تامَّين. وما ذكره المؤلف من أن القِران في اللفظ لا يدل على المساواة في غير ذلك الحكم هو مذهب الجمهور خلافًا لبعض المالكية، والمُزَنيِّ من الشافعية، وأبي يوسف من الحنفية، وعليه تكون العمرة واجبة كالحج ولو على أن المراد بالإتمام الإتمام بعد الشروع. ٤١٣ - ومنه ما كان مِنَ الشرطِ أَعِدْ ... للكلِّ عند الجلِّ أو وَفْقًا تُفِدْ

стр. 266

اعلم أولًا أن الشرط من حيث هو أربعة: شرط عقليّ كالحياة للعلم، وشرعيّ كالطهارة للصلاة، وعاديّ كالسُّلَّم لصعود السطح، ولغويّ وهو المقصود هنا. وقوله: "ومنه" أي ومن المخصِّص المتصل "ما كان" أي ما شابه إنْ الشرطية من أدوات الشروط كـ "مهما ومتى" ونحوِهما من جوازم فعلين، وكـ "إذا ولو"، والمراد بالشرط الأداة وفعل الشرط لأنهما هما الدالَّان على التخصيص كقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور/ ٣٣]، يُفْهم منه تخصيص الأمر بالكتابة بالذين عُلِم منهم خيرٌ دون غيرهم، أي فإن لم تعلموا فيهم خيرًا فلا تكاتبوهم، وحقيقةُ الشرط المخصص هو تعليق حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملةٍ أخرى. وقوله: "أعدْ للكل عند الجل أو وَفْقًا" يعني أن الشرط يعود لكل الجمل المتقدمة عند الجمهور وقيل: اتفاقًا. ووَجْه ذلك أن الشرط له صدر الكلام فهو مقدم على مشروطه تقديرًا. ورُدَّ هذا بأنه مقدَّم على خصوص ما هو راجع إليه فلا يلزم من ذلك رجوعه للكل، فإن رجع للأخيرة قُدِّم عليها فقط، وعلى هذا فلا يظهر بينه وبين الاستثناء فَرْق. ٤١٤ - أخرجْ به وإن على النِّصْفِ سما ... كالقومَ أكرِمْ إن يكونوا كُرَما يعني أنه يجوز الإخراج بالشرط وإن كان المخرَج به أكثر من المخرَج منه نحو: "أكرِم القومَ إن كانوا كرماءَ" فيصح ولو كان المخرَج بالشرط أكثر وهم اللؤماء، وقوله: "وإن على النصفِ سما" أي زاد على النصف.

стр. 267

٤١٥ - وإن ترتَّبَ على شرطينِ ... شيءٌ فبالحصولِ للشرطَيْن يعني أنه إن اشْتُرط شرطان أو أكثر في شيء فإنه لا يحصل إلا بحصول الجميع، فلو قال لزوجته: "إن دخلتِ الدارَ وكلمتِ زيدًا فأنتِ طالق" لم تَطْلُق إلا بالشرطين معًا وهكذا. ٤١٦ - وإن على البدلِ قد تعلَّقا ... فبحصولِ واحدٍ تُحُقِّقا يعني أنه إن عُلِّق شيءٌ على أحدِ شرطين على سبيل البدل نحو: "إن دخلتِ الدارَ أو كلمتِ زيدًا فأنتِ طالق" فإنه يحصل بحصول أيِّ واحد منهما. وقوله: "تُحُقِّقا" بالبناء للمفعول. ٤١٧ - ومنه في الإخراج والعَوْدِ يُرى ... كالشرط قُل وصفٌ وإن قبلُ جَرى قوله: "ومنه" أي من المخصِّص المتصل، يعني أن من المخصِّص المتصل الوصف، نحو: "أكرِمْ بني تميم العلماءَ" فالعلماء وصف مُخْرِجٌ لغير العلماء منهم. وقوله: "في الإخراج والعَودِ يُرى كالشرط" يعني أن الوصف كالشرط في أنه يعود للكل، وأنه يجوز به إخراج أكثر من النصف، فمثال رجوعه للكل: "هذه الدار حَبْس على أولادي وأولادهم المحتاجين" فإنه يخرج غير المحتاج من الأولاد وأولادهم. وقوله: "وإن قبلُ جَرى" يعني أن التخصيص المذكور بالوصف واقع وإن جاء الوصف قبل الموصوف نحو: "هذه الدار حَبْس على محتاجي أولادي وأولادهم" فإنه يخرج غير المحتاجِ من الجميع. ٤١٨ - وحيثُما مُخَصِّصٌ توسَّطا ... خصَّصَه بما يلي من ضَبَطا

стр. 268

يعني أن المخصِّص المتصل من صفةٍ، أو استثناءٍ، أو شرطٍ، أو غايةٍ، إذا توسَّط بين المتعاطفات كان مخصِّصًا لما قبله من المتعاطفات دون ما بعده، وهو مراده بقوله: "خصَّصَهُ بما يلي"، وقوله: "من ضَبَطا" يعني به السبكيَّ، ولم يقل السبكيُّ ذلك إلَّا في الصفة فقط مع قوله: "إنه لا يعلم فيها نقلًا" (١). وذكر ابن قاسم في "الآيات البينات" (٢) أنه لا فرق بين الصفة وغيرها في تخصيص الكل لما قبله دون ما بعده، وإياه تبعَ المؤلِّف في قوله "وحيثما مخصص" إلخ حيث عمَّم في المخصص المتصل. ومثاله في الصفة قولك: "أكرم بني هاشم وبني زهرة العلماء وبني تميم" فإن التخصيص بوصف العِلم يكون فيما قبله لا فيما بعده، وقس على ذلك باقى المخصصات. وروى عن الإمام الشافعي ﵀ ما يدل على أن الصفة المتوسطة بين المتعاطفات تخصِّص ما بعدها كتخصيصها لما قبلها، ولذا قال في طعام جزاء الصيد: إنه يُعطَى لخصوص مساكين الحرم؛ لأنه تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة/ ٩٥] الآية، فالأول الذي هو الهَدْي خُصِّص ببلوغ الحرم، فجعل الشافعيُّ التخصيص بذلك فيما بعد الصفة وهو الإطعام فجعله لمساكين الحرم (٣). ٤١٩ - ومنه غايةُ عمومٍ يَشْمُلُ ... لو كان تصريحٌ بها لا يحصُلُ

стр. 269

قوله: "ومنه" أي من المخصص المتصل "غايةُ عمومٍ" بإضافة "غاية" إلى "عموم" أي غاية صحبها عموم يشملها من جهة الحكم لو كانت لم تذكر معه كقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة/ ٢٩] فإنَّ الأمرَ بالقتال عام تناولًا لمعطي الجزية كتناوله لغيره، فلو لم تُذْكر الغاية بقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ لَعَمَّ الحكمُ إعطاء الجزية وغيره بوجوب القتال في كل ذلك، وهذا هو مراده بقوله: "غايةُ عموم يشملُ لو كان تصريح بها لا يحصل". واعلم أن الغاية تخصِّص سواء تقدمت أو تأخرت ، فتقدُّمُها كقولك: "إلى أن يفسق أولادُ فلان وقفتُ عليهم داري" فإذا فسقوا نُزِعَ منهم الوقف، لتخصيص العموم بالغاية ولو تقدمت. ومثال تأخرها ما ذكرنا من الآيات، وقولك: "وقفتُ داري عليهم إلى أن يفسقوا". وأصلُ الغايةِ منتهى الشيء. ٤٢٠ - وما لتحقيق العُمومِ فَدعِ ... نحو سلامٌ هيَ حَتَّى مَطلَعِ يعني أن الغاية التي جيء بها لتحقيق العموم فيما قبلها ليست للتخصيص، أي دع التخصيص بالغاية المذكورة لتحقيق العموم كقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر/ ٥] لأنها قد تكون غير مشمولة لما قبلها كهذه الآية، لأن مَطْلع الفجر لا تشمله الليلة لأنه من النهار. ٤٢١ - وهي لما قبلُ خلا تعودُ ... وكونُها لما تلي بعيدُ يعني أن الغاية كغيرها من المخصِّصات المتصلة تعود لجميع ما

стр. 270

قبلها من المتعاطفات، نحو: "وقف على أولاده (١) وأولادهم إلى أن يفسقوا" وقوله: "وكونها" إلخ، يعني أن القول القائل برجوعها لخصوص ما قبلها -وهو الأخير من المتعاطفات- بعيد، أي ضعيف. ٤٢٢ - وبدلُ البعضِ من الكلِّ يفي ... مُخصِّصًا لدى أُناس فاعرفِ يعني أن بدل البعض من الكل من المخصِّصات المتصلة كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران/ ٩٧] فقوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ عام، وقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ بدل بعضٍ منه مخصص له بالمستطيع دون غيره. وقوله: "لدى أناس" أي منهم الشافعي وابن الحاجب (٢). ويُخَصِّص أيضًا ببدل الاشتمال؛ لأنه راجع في الحقيقة لبدل البعض من الكل، كقولك: "أعجبني القومُ حديثُهم" والأكثرون لم يعدّوا بدلَ البعض من الكل من المخصِّصات، لأن المبدَل مثه في نية الطرح والمقصود بالحكم البدل، فكأن المبدَل منه لم يُذكر لعدم قَصْده بالحكم (٣). * * *

стр. 271

المخصِّص المنفصل ٤٢٣ - وسمِّ مُسْتَقِلَّهُ منفصِلا ... للحِسِّ والعقل نماة الفُضَلا هذا هو القسم الثاني من أقسام المخصص وهو المنفصل، وعرَّفه المؤلِّف بأنه المستقلّ بنفسه عن العام، أي لا يحتاج إلى ذكره مقترنًا بالعام، وهو قسمان: لفظيّ وغير لفظيّ. وبدأ المؤلف بغير اللَّفظي لقلته، وهو التخصيص بالحس والعقل. وقوله: "للحس والعقل نماه الفضلا" أي نسب الفضلاءُ المخصِّصَ المنفصل إلى الحسّ فقالوا: مُخصِّصٌ منفصل واقع بالحسِّ، ويمثلون له بقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف/ ٢٥]، فقوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يعم الأرض والجبال والسماء، والحسُّ بالعين يشاهدها غير مُدَمَّرة، فدلَّ على خصوص التدمير بغيرها. وبعضهم قال: إن هذا التخصيص باللفظ في قوله: ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ وهذا لم يأمرها ربُّها بتدميره. وله مخصِّص آخر لفظي، وهو تخصيص التدمير بما أتت عليه دون غيره المشار إليه بقوله: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات/ ٤٢]. ومخصِّص منفصل واقع بالعقل كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر/ ٦٢] الآية دلَّ العقل على عدم دخول اللَّه جل وعلا فى هذا العموم، مع أن لفظ "الشيء" يطلق عليه كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص/ ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ

стр. 272

اللَّهُ﴾ [الأنعام/ ١٩] الآية. وقوله: "الفضلا" مقصور لضرورة الوزن، والمراد به الأصوليون. ٤٢٤ - وخَصِّصِ الكتابَ والحديثَ بهْ ... أو بالحديث مطلقًا فَلْتَنْتَبِهْ يعني أنه يخصَّصُ الكتابُ والحديثُ بالكتاب والحديثِ، فصُوَرُ التخصيص بالنص المنفصل أربع؛ لأن المُخَصِّصَ باسم الفاعل، والمُخَصَّص باسم المفعول، كل منهما يكون كتابًا ويكون سنة، فتضرب حالتي المُخَصِّص بالكسر في حالتي المخصَّص بالفتح بأربع: الأولى: تخصيص الكتاب بالكتاب كتخصيص قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة/ ٢٢٨] الآية بغير الحوامل بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق/ ٤]. وكتخصيصه أيضًا بغير المدخول بهنَّ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب/ ٤٩] الآية. الثانية: تخصيص الكتاب بالسنة كتخصيص قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٤] بقوله ﷺ : "لا تُنكح المرأة على عَمَّتها أو خالتها" (١)، وكتخصيص قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء/ ١١] بحديث: "لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ" (٢)،

стр. 273

وكقوله ﷺ : "لا نُوْرَث ما تركناه صدقة" (١). الثالثة: تخصيص السُّنَّة بالسُّنَة كتخصيص قوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر" (٢) بقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسةِ أوْسُق صدقة" (٣). الرابعة: تخصيص السّنّة بالكتاب، كتخصيص قوله ﷺ : "ما أُبِيْن من البهيمة وهي حية فهو ميت" (٤) الشامل عمومه للوَبَر والصوف والشَعر

стр. 274

بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا﴾ [النحل/ ٨٠] الآية، وكتخصيص قوله ﷺ : "أُمِرْت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا اللَّه" (١) الشامل لأهلِ الكتاب بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة/ ٢٩] الآية. واعلم أن التحقيق هو تخصيص العام بالخاص سواء تقدم العام أو الخاص أو جُهل الحال، خلافًا لأبي حنيفة القائل بأن العام المتأخِّر ناسخ للخاصِّ، وأنه إن جُهل التاريخ تساقطا (٢)، وهو رواية عن أحمد (٣). واعلم أيضًا أَنه يجوز تخصيصُ الكتاب والسّنّة المتواترة بأخبار الآحاد؛ لأن التخصيص بيان، والقطعيُّ يُبَيَّنُ المقصودُ منه بالآحاد على التحقيق، كما يأتي للمؤلف في قوله: "وبين القاصر من حيث السند" (٤) إلخ. ٤٢٥ - واعتبرَ الإجماعَ جلُّ الناسِ ... وقِسْمَي المفهومِ كالقياسِ يعني أن الإِجماع اعتبره جلُّ الأصوليين مخصِّصًا للعموم، والتحقيقُ أن التخصيص في نفس الأمر بالنص الذي هو مستند الإِجماع،

стр. 275

ويوضِّح ذلك أنهم يمثلون للتخصيص بالإِجماع بتخصيص قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج/ ٣٠] بغير الأخت من الرضاع، وبغير موطوءة الأب للإجماع على عدم إباحتهما بملك اليمين، والمخصص حقيقة في الأولى هو قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء/ ٢٣]، وفي الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء/ ٢٢] وهكذا. وقوله: "وقسْمَي المفهوم" أي واعتَبَرَ جلُّ الناس أيضا قسْمَي المفهوم مخصِّصَيْن للعام وهما: مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة اللذان تقدم الكلام عليهما، وظاهر كلامه وجود الخلاف في كلٍّ من المفهومَين وهو كذلك في مفهوم المخالفة. أما مفهوم الموافقة فقد حَكَى الاتفاقَ على التخصيص به الآمديُّ (١) والسبكيُّ في "شرح المختصر" (٢). ومثاله تخصيص قوله ﷺ : "لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عقوبته وعرضه" (٣) ومعنى "لَيُّ الواجد" ظُلْم الغني، ومعنى "يُحل" بقوله: "مَطَلني"،

стр. 276

و"عقوبته" (١) أي بالحبس. وظاهر هذا الحديث العموم ولو كان الواجد الذي حصل منه اللّيُّ أبًا في دين ابنه، ولكنَّ مفهوم الموافقة في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء/ ٢٣] يدلُّ على تحريم الأذى بالحبس الذي هو أشد من التأْفيف، فيخصَّص عمومُ الحديث بمفهوم الموافقة في هذه الآية، فيمتنع حبس الوالد في دَيْن ولده كما نص عليه مالك (٢). وأما مفهوم المخالفة فقد اخْتُلف في جواز التخصيص به كما أشار له المؤلف، وحكى الباجي (٣) مَنعْ التخصيص به عن أكثر المالكية، والجمهور على التخصيص كما أشار له المؤلف. وحجة من قال بالتخصيص به: أن إِعمالَ الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وهو الحجة في التخصيص بمفهوم الموافقة أيضًا. وحجة من قال بعدم التخصيص بمفهوم المخالفة: أن ما دل عليه العام دل عليه بالمنطوق، والمخالفة مفهوم، والمنطوق مقدّم على المفهوم. وأجيب عن هذا بأن تقديم المنطوق على المفهوم في غير المنطوق الذي هو بعض أفراد العام. أما المنطوق الذي هو بعض أفراد العام فيقدَّم عليه المفهوم؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. ومثال التخصيص بمفهوم المخالفة: تخصيص عموم "في أربعين

стр. 277

شاةً شاةٌ" (١) بمفهوم قوله: "في الغنم السَّائمة زكاة" (٢) يفهم منه أنه لا زكاة في المعلوفة فيُخَصَّص به عموم: "في أربعين شاةً شاةٌ" أي إن كانت سائمة لا معلوفة عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة، وهم أكثر. وقوله: "كالقياس" يعني أن الأكثر يخصِّصون النص بالقياس ، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور/ ٢] فإنه يعم بظاهِرِهِ كل زانيةٍ وكل زانٍ، ثم إن عموم الزانية خصصه النص بالحُرَّة في قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء/ ٢٥]. وخصَّص العلماءُ عمومَ الزاني الذَّكَرِ بالقياس على الزانية بالعلة الجامعة التي هي الرق فقالوا: لا فرقَ بين الأَمَة والحُرة إلَّا الرِّق فتشطَّر جَلْد الأمة لعلة الرق، فيُشَطَّر جلد العبد لاتصافه بعلة التشطير التي هي الرق، فصار عموم الزانية مخصصًا بالنص، وعموم الزاني مخصَّصا بالقياس على النصِّ. ٤٢٦ - والعُرفَ حيث قارنَ الخطابا ... . . . . . . . . . . . قوله: "والعرفَ" عَطْف على الإِجماع في قوله: "واعتبر الإجماع"

стр. 278

إلخ، يعني أن العرف من مخصِّصات العام، وهو مخصِّص منفصل كما تقدم في قول المؤلف: "إن لم يكن فمطلق العرفيّ فاللغويّ" إلخ. وقوله: "حيث قارنَ الخطابا" يعني أن العوائد لا تخصِّص نصوص الشريعة إلَّا إذا كانت مقارنة لها في الوجود عند النطق بها، أما الطارئة بعدها فلا تخصِّصْها. ومثالُ العرف المقارن للخطاب: ما أخرجه مسلم والإمام أحمد من حديث مَعْمر بن عبد اللَّه العدوي ﵁ قال: كنتُ أسمع النبيَّ ﷺ يقول: "الطعامُ بالطعام مِثْلًا بمثلٍ وكان طعامُنا يومئذٍ الشعير" (١) فلفظ الطعام يعمّ كل أجناسه إلَّا أن العُرْف المقارن للخطاب خصَّصه بالشعير كما قال هذا الصحابي الجليل، فيخصِّص العرفُ المقترنُ بالخطاب الطعَامَ بالمتعارف عندهم باسم الطعام وهو الشعير، ولولا أن هذا العُرْفُ خصَّص الطعامَ بذلك لكان الربا منصوصًا في جميع أنواع المطعومات، ولم يحتجْ فيها إلى قياسٍ أصلًا كما ذهب إليه الشافعي. والعرف والغالب والعادة مترادفات، وعرَّفه ابن عاصم في أصوله بقوله: والعرف ما (٢) يغلبُ عند الناس ... ومثله العادةُ دونَ باس . . . . . . . . . . . ... وَدَعْ ضميرَ البعضِ والأسبابا ٤٢٧ - وذِكْرَ ما وَافَقَه من مفرَدِ ... ومذهبَ الرَّاوي على المُعْتَمَد هذه أربع مسائل اختُلِف في التخصيص بها ، والمعتمد عدم التخصيص

стр. 279

بها، ولذا قال فيها المؤلف: "دَعْ" أي دعِ التخصيصَ بها على المعتمد. الأولى: ضمير البعض، وقيل: يخصِّص العامَّ، وهو مروي عن الشافعي وأكثر الحنفية. ومثاله قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنّ﴾ [البقرة/ ٢٢٨] فإنه راجع إلى بعض المطلقات وهي الرجعيات خاصة، ورجوع ضمير بعض المطلقات للمطلقات لا يجعله خاصًّا بالرجعيات بل جميع الرجعيات والبوائن كلهنَّ يتربصن بأنفسهنَّ ثلاثةَ قروء، فالعمومُ باقٍ وإن رجع إليه ضمير البعض. وعلى القول الآخر فالتربص المذكور في خصوص الرجعيات، أما تربص البوائن فبدليل آخر كالقياس على الرجعيات أو نصّ منفصل. الثانية: سببُ النزول لا يخصِّص العامَّ النازل فيه، وتحريرُ هذا المقام: أن العام الوارد على سبب خاص له ثلاث حالات: الأولى: أن يقترن بما يدل على التعميم. الثانية: أن يقترن بما يدل على التخصيص. الثالثة: ألا يقترن بما يدل على عموم ولا خصوص. فإن اقترن بما يدل على التعميم فهو عام بلا نزاع كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة/ ٣٨] فإنها نزلت في المخزومية التي سرقت وقطع ﷺ يدها. وقال بعضُ العلماء: نزلت في الرجل الذي سرق رداءَ صفوان بن أمية في مسجد النبي ﷺ (١)، فعلى أنها نزلت في المرأة فالإتيان بلفظ "السارق" الذَّكَر دليل على التعميم، وعلى

стр. 280

أنها نزلت في الرجل فالإتيان بلفظ "السارقة" الأنثى يدل على التعميم. وإن اقترن بما يدل على الخصوص فهو خاص بلا نزاع، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب/ ٥٠] الآية فهذا خاصٌّ بالنبي ﷺ ، والخاصُّ به عام على التحقيق كما تقدم في قول المؤلف: "وما به قد خوطب النبي" (١) إلخ، فإذا عرفتَ عمومه فاعلم أنه مقترن بما يدل على التخصيص وهو قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وإن لم يقترن بما يدل على عموم ولا خصوص فهو مراد المؤلف بقوله: "والأسبابا" أي دعَ تخصيص العام بسب نزوله لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ومثاله: آية الظهار النازلة في امرأة أوس ابن الصامت، وآية اللعان النازلة في هلال بن أمية (٢) وعُوَيمر العجلاني (٣)، وآية: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ النازلة في تميم الدَّاري وعدي بن بداء، وآية: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال/ ٧٠] النازلة في العباس بن عبد المطلب. وآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة/ ١٩٦] النازلة في كعب بن عُجْرة، وآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء/ ٦٥] النازلة [في] خَصْم الزبير بن العوام، وآية: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة/ ١٩٥] النازلة في الأنصار. فكل هذه الآيات يعم من نزلت فيه الآية وغيره،

стр. 281

فآية الظهار تعم كلَّ مُظاهر، وآية اللعان تعم كل ملاعن، وهكذا. . وإن نزلت في أسبابٍ خاصة. والدليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: قصةُ الأنصاري الذي نال بعض ما لا يجوز من امرأة أجنبية فلما سأل النبي ﷺ : أنزل اللَّه فيه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود/ ١١٤] فسأل ذلك الأنصاريُّ: هل ذلك خاص به؟ فبيَّن له النبي ﷺ أنه عامٌّ بقوله: "بل لأمتي كلهم" (١) فكان فيه الدليل الصريح على أن العبرة بعموم ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ. . .﴾ الآية لا بخصوص الأنصاري الذي هو سبب النزول. الثالثة: ذِكْر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصِّصه على التحقيق، وهو مذهب الجمهور ولم يخالف فيه إلَّا أبو ثور، زاعمًا أنه لا فائدة لذكره إلَّا التخصيص. وأُجيب من جهة الجمهور بأنه مفهوم لقب وهو ليس بحجة، وبأن فائدة ذكَر البعض نفي احتمال إخراجه من العام. وسواء ذُكِرا في نص واحد أو ذُكِر كل منهما على حِدَته، فمثال ذكرهما في نص واحد قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة/ ٢٣٨] فذِكْر الصلاة الوسطى لا يقتضي تخصيصَ الأمر بالمحافظة بها بل هو عام في جميع الصلوات. ومثال ذكر كل منهما على حدة: حديث الترمذي (٢) وغيره: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر". مع حديث

стр. 282

مسلم أنه ﷺ مرَّ بشاةٍ ميتة فقال: "هَلَّا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" الحديث (١)، فإنَّ ذِكْر إهاب الشاة لا يدلُّ على تخصيص ذلك بجلد الشاة الميتة فقط بل يعم جلود الميتة لعموم: "أيما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر". المسألة الرابعة: مذهب الراوي لا يُخَصِّص مَرْوِيَّه لأن العبرة بمَرْوِيِّه لا بمذهبه؛ لجواز أن يكون قوله عن اجتهادٍ. وقيل: يخصِّصه لأنه لا يخالف مرويَّه إلَّا عن دليل. وقيل: يفرَّق بين الصحابي وغيره فيُقْبل من الصحابي دون غيره، لأنه إذا خالف مرويَّه دلَّ ذلك على أنه اطلع منه ﷺ على قرينة تدل على تخصيص ذلك العام، وأنه ﷺ أراد به الخصوص، والتابعيُّ لا يتأتَّى له ذلك لعدم اجتماعه به ﷺ . وما راءٍ كمن سَمِعا. ومثاله: حديث البخاري (٢) من رواية ابن عباس: "من بَدَّل دينَه فاقتلوه". وهو شامل للمرأة إذا ارتدت، مع ما يُرْوى عن ابن عباس من أنه يقول بعدم قتل المرتدة، إلَّا أنه لم يصح عنه، ولكن سيأتي للمؤلف (٣): والشأن لا يُعْتَرض المثالُ ... إذ قد كَفَى الفرضُ والاحتمالُ ٤٢٨ - واجزِمْ بإدخال ذواتِ السَّبَبِ ... واروِ عنِ الإِمَامِ ظَنًّا تُصِبِ يعني أن صورة السبب الذي ورد عليه العام قطعيةَ الدخول في العام فلا يجوز إخراجها بالاجتهاد، فالمرأة التي نزلت فيها آية الظهار داخلةٌ في

стр. 283

حكمها قطعًا، والرجل الذي نزلت فيه آية اللعان داخل في حكمها قطعًا؛ لأن ورودَ العام على تلك الصورة قرينة قطعية على شموله لها. وقوله: "وارْوِ عن الإمام ظنًّا تُصِب" فِعْل أمر من الرواية، والإمام هو مالك، يعني أنَّ القرافيَّ روى عن مالك أن دخول صورة السبب في العام ظنِّي، فارْوِهِ عن مالك تُصِب، أي توافق الصواب. وحجة هذا القول: أنها من إفراد العام وليست دلالته قطعية إلَّا على واحد منها غير معيَّن كما تقدم في قوله: "وهو على فردٍ يدلُّ حتمًا" (١) إلخ. وما ألزمه المحلِّي (٢) للإمامِ أبي حنيفة من القول بأنه أخرج صورة السبب في قوله بأن الأَمَةَ التي لم يُقر سيدُها باستلحاق ولدٍ (٣) منها لا يلحقه ولو كان متسرِّيًا بها، إذ لابد عنده من الإقرار قائلًا -أعني المحلّي-: إن النبي ﷺ قال في خصومةِ عَبْد بن زَمْعة وسعد بن أبي وقاص: "الولد للفراشِ. . . " (٤) فالأمةُ صورة السبب وأبو حنيفة أخرجها = لا يلزمُ أبا (٥) حنيفة لأنه لم يسلِّم أن مجرَّد التَّسَرِّي تكون به الأمة فراشًا بل لا تكون عنده فراشًا إلَّا بالإقرار باستلحاق ولدٍ منها، وأمةُ زمعة عنده استلحق منها ولدًا قبل التنازع فيه بدليل قولِ عَبْد بن زمعة: "وليدة أبي" فهي فعيلة بمعنى فاعلة

стр. 284

أي والدٌ لأبي، ولو ثبت أنها ولدت منه قبل ذلك وضحَ كونها فراشًا فإنه لا يخرجها من العام لأنها صورة السبب حينئذٍ حقًّا. ٤٢٩ - وجاء في تخصيصِ ما قد جاورا ... في الرَّسْم ما يعمُّ خُلْفُ النُّظَرا قوله: "خُلْفُ" فاعِل "جاء". وقوله: "تخصيص ما" مصدر مضاف إلى فاعِلِه، ومفعولُه: "ما يُعَم" فـ "ما" الأولى فاعل المصدر أضيف إليه، وما الثانية مفعوله. وقوله: "في الرسم" يتعلق بـ"جاور". وتقرير المعنى: وجاءَ خُلْفُ النُّظراء -أي المتناظرين- في تخصيص الخاصِّ المجاور للعام في الرسم له، أي إذا ذُكِر خاصٌّ ثم ذُكِر بعده عام مجاور له في الرسم هل يُحمل ذلك العام على خصوص ذلك الخاص أو لا؟ مثاله: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء/ ٢٥]، فقوله: ﴿تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ خاص بالمخاطبين، وقوله: ﴿لِلْأَوَّابِينَ﴾ عامٌّ لكل أوَّاب من المخاطَبِين وغيرهم [من عامة الناس، فهل يُحمل قوله: ﴿لِلْأَوَّابِينَ﴾ على خصوص المخاطبين أو] (١) يبقى على عمومه وشموله لكل أوَّاب كائنًا ما كان؟ وأمثال هذا في القرآن كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران/ ٣٢].

стр. 285

٤٣٠ - وإن أتى ما خَصَّ بعدَ العملِ ... نَسَخَ وَالغَيرُ مُخصِّصًا (١) جلي يعني أنه إذا تعارض دليلان أحدهما عام والآخر خاص، وتأخَّر الخاص عن وقت العمل بالعام، فإن الخاص يكون ناسخًا للعام بالنسبة إلى ما تعارضا فيه. ومثاله: آيات المواريث مع آية الوصية للوالدين والأقربين عند من يقول بأنها مخصصة، لأن تخصيصها بآيات المواريث يُخرج من عمومها الوالدين الوارثين والأقارب الوارثين دون غيرهم، كالوالدين الرقيقين والأقارب الذين لا يرثون، فمن يقول بهذا التخصيص فهو تخصيص بعد العمل بالعام (٢)، فهو نسخ، وأما على قول الأكثر بأن آيات المواريث ناسخة لآية الوصية من أصلها، وأن حديث: "لا وصيةَ لوارثٍ" (٣) بيانٌ للناسخ فلا تصلح الآية مثالًا. ومن أمثلة ذلك أيضًا: ما ذكره جماعة من علماء التفسير من أن آية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة/ ٥] ناسخة لقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام/ ١٢١]؛ لأن عموم ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يتناول ما ذبحه كتابيٌّ لم يسمِّ اللَّه ولا غيره، ثم أخرج الكتابيَّ من عموم هذه الآية بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ﴾ الآية، وهو
следующие страницы →