فآية الظهار تعم كلَّ مُظاهر، وآية اللعان تعم كل ملاعن، وهكذا. . وإن نزلت في أسبابٍ خاصة.
والدليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: قصةُ الأنصاري الذي نال بعض ما لا يجوز من امرأة أجنبية فلما سأل النبي ﷺ : أنزل اللَّه فيه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود/ ١١٤] فسأل ذلك الأنصاريُّ: هل ذلك خاص به؟ فبيَّن له النبي ﷺ أنه عامٌّ بقوله: "بل لأمتي كلهم" (١) فكان فيه الدليل الصريح على أن العبرة بعموم ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ. . .﴾ الآية لا بخصوص الأنصاري الذي هو سبب النزول.
الثالثة: ذِكْر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصِّصه على التحقيق، وهو مذهب الجمهور ولم يخالف فيه إلَّا أبو ثور، زاعمًا أنه لا فائدة لذكره إلَّا التخصيص. وأُجيب من جهة الجمهور بأنه مفهوم لقب وهو ليس بحجة، وبأن فائدة ذكَر البعض نفي احتمال إخراجه من العام.
وسواء ذُكِرا في نص واحد أو ذُكِر كل منهما على حِدَته، فمثال ذكرهما في نص واحد قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة/ ٢٣٨] فذِكْر الصلاة الوسطى لا يقتضي تخصيصَ الأمر بالمحافظة بها بل هو عام في جميع الصلوات. ومثال ذكر كل منهما على حدة: حديث الترمذي (٢) وغيره: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر". مع حديث
стр. 282
مسلم أنه ﷺ مرَّ بشاةٍ ميتة فقال: "هَلَّا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" الحديث (١)، فإنَّ ذِكْر إهاب الشاة لا يدلُّ على تخصيص ذلك بجلد الشاة الميتة فقط بل يعم جلود الميتة لعموم: "أيما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر".
المسألة الرابعة: مذهب الراوي لا يُخَصِّص مَرْوِيَّه لأن العبرة بمَرْوِيِّه لا بمذهبه؛ لجواز أن يكون قوله عن اجتهادٍ. وقيل: يخصِّصه لأنه لا يخالف مرويَّه إلَّا عن دليل. وقيل: يفرَّق بين الصحابي وغيره فيُقْبل من الصحابي دون غيره، لأنه إذا خالف مرويَّه دلَّ ذلك على أنه اطلع منه ﷺ على قرينة تدل على تخصيص ذلك العام، وأنه ﷺ أراد به الخصوص، والتابعيُّ لا يتأتَّى له ذلك لعدم اجتماعه به ﷺ . وما راءٍ كمن سَمِعا.
ومثاله: حديث البخاري (٢) من رواية ابن عباس: "من بَدَّل دينَه فاقتلوه". وهو شامل للمرأة إذا ارتدت، مع ما يُرْوى عن ابن عباس من أنه يقول بعدم قتل المرتدة، إلَّا أنه لم يصح عنه، ولكن سيأتي للمؤلف (٣):
والشأن لا يُعْتَرض المثالُ ... إذ قد كَفَى الفرضُ والاحتمالُ
٤٢٨ - واجزِمْ بإدخال ذواتِ السَّبَبِ ... واروِ عنِ الإِمَامِ ظَنًّا تُصِبِ
يعني أن صورة السبب الذي ورد عليه العام قطعيةَ الدخول في العام فلا يجوز إخراجها بالاجتهاد، فالمرأة التي نزلت فيها آية الظهار داخلةٌ في
стр. 283
حكمها قطعًا، والرجل الذي نزلت فيه آية اللعان داخل في حكمها قطعًا؛ لأن ورودَ العام على تلك الصورة قرينة قطعية على شموله لها.
وقوله: "وارْوِ عن الإمام ظنًّا تُصِب" فِعْل أمر من الرواية، والإمام هو مالك، يعني أنَّ القرافيَّ روى عن مالك أن دخول صورة السبب في العام ظنِّي، فارْوِهِ عن مالك تُصِب، أي توافق الصواب. وحجة هذا القول: أنها من إفراد العام وليست دلالته قطعية إلَّا على واحد منها غير معيَّن كما تقدم في قوله: "وهو على فردٍ يدلُّ حتمًا" (١) إلخ.
وما ألزمه المحلِّي (٢) للإمامِ أبي حنيفة من القول بأنه أخرج صورة السبب في قوله بأن الأَمَةَ التي لم يُقر سيدُها باستلحاق ولدٍ (٣) منها لا يلحقه ولو كان متسرِّيًا بها، إذ لابد عنده من الإقرار قائلًا -أعني المحلّي-: إن النبي ﷺ قال في خصومةِ عَبْد بن زَمْعة وسعد بن أبي وقاص: "الولد للفراشِ. . . " (٤) فالأمةُ صورة السبب وأبو حنيفة أخرجها = لا يلزمُ أبا (٥) حنيفة لأنه لم يسلِّم أن مجرَّد التَّسَرِّي تكون به الأمة فراشًا بل لا تكون عنده فراشًا إلَّا بالإقرار باستلحاق ولدٍ منها، وأمةُ زمعة عنده استلحق منها ولدًا قبل التنازع فيه بدليل قولِ عَبْد بن زمعة: "وليدة أبي" فهي فعيلة بمعنى فاعلة
стр. 284
أي والدٌ لأبي، ولو ثبت أنها ولدت منه قبل ذلك وضحَ كونها فراشًا فإنه لا يخرجها من العام لأنها صورة السبب حينئذٍ حقًّا.
٤٢٩ - وجاء في تخصيصِ ما قد جاورا ... في الرَّسْم ما يعمُّ خُلْفُ النُّظَرا
قوله: "خُلْفُ" فاعِل "جاء". وقوله: "تخصيص ما" مصدر مضاف إلى فاعِلِه، ومفعولُه: "ما يُعَم" فـ "ما" الأولى فاعل المصدر أضيف إليه، وما الثانية مفعوله.
وقوله: "في الرسم" يتعلق بـ"جاور". وتقرير المعنى: وجاءَ خُلْفُ النُّظراء -أي المتناظرين- في تخصيص الخاصِّ المجاور للعام في الرسم له، أي إذا ذُكِر خاصٌّ ثم ذُكِر بعده عام مجاور له في الرسم هل يُحمل ذلك العام على خصوص ذلك الخاص أو لا؟
مثاله: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء/ ٢٥]، فقوله: ﴿تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ خاص بالمخاطبين، وقوله: ﴿لِلْأَوَّابِينَ﴾ عامٌّ لكل أوَّاب من المخاطَبِين وغيرهم [من عامة الناس، فهل يُحمل قوله: ﴿لِلْأَوَّابِينَ﴾ على خصوص المخاطبين أو] (١) يبقى على عمومه وشموله لكل أوَّاب كائنًا ما كان؟ وأمثال هذا في القرآن كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران/ ٣٢].
стр. 285
٤٣٠ - وإن أتى ما خَصَّ بعدَ العملِ ... نَسَخَ وَالغَيرُ مُخصِّصًا (١) جلي
يعني أنه إذا تعارض دليلان أحدهما عام والآخر خاص، وتأخَّر الخاص عن وقت العمل بالعام، فإن الخاص يكون ناسخًا للعام بالنسبة إلى ما تعارضا فيه.
ومثاله: آيات المواريث مع آية الوصية للوالدين والأقربين عند من يقول بأنها مخصصة، لأن تخصيصها بآيات المواريث يُخرج من عمومها الوالدين الوارثين والأقارب الوارثين دون غيرهم، كالوالدين الرقيقين والأقارب الذين لا يرثون، فمن يقول بهذا التخصيص فهو تخصيص بعد العمل بالعام (٢)، فهو نسخ، وأما على قول الأكثر بأن آيات المواريث ناسخة لآية الوصية من أصلها، وأن حديث: "لا وصيةَ لوارثٍ" (٣) بيانٌ للناسخ فلا تصلح الآية مثالًا.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: ما ذكره جماعة من علماء التفسير من أن آية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة/ ٥] ناسخة لقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام/ ١٢١]؛ لأن عموم ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يتناول ما ذبحه كتابيٌّ لم يسمِّ اللَّه ولا غيره، ثم أخرج الكتابيَّ من عموم هذه الآية بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ﴾ الآية، وهو
стр. 286
تخصيص بعد العمل، لأن آية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ من سورة الأنعام وهي مكية بالإجماع، وآية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ من سورة المائدة وهي من آخر القرآن نزولًا بالإجماع بالمدينة، فهذا التخصيص بعد العمل نسخ، ودليل ذلك أن التخصيص بيان، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة إليه كما يأتي للمؤلف (١).
٤٣١ - وإن يكُ العمومُ من وجهٍ ظَهَرْ ... فالحكمُ بالترجيحِ حتمًا مُعْتَبرْ
يعني أن الدليلين إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها، فيجب الترجيح بينهما، ويجب العمل بالراجح إجماعًا، وخلافُ الباقلاني في وجوب العمل بالراجح مردود عليه بالإجماع كما يأتي للمؤلف في آخر الكتاب (٢).
ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣] مع قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٦] فإن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، تنفرد آية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ في الأختين بنكاح، وتنفرد آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في ملك اليمين غير الأختين، ويجتمعان في الأختين بملك اليمين، فتدل آية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ على التحريم، وآية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ على الإباحة كما قال عثمان ﵁: أحلتهما آية وحرمتهما أخرى (٣)،
стр. 287
فيرجَّح عمومُ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ من خمسة أوجه:
الأول: أنه في محل تحريم النساء وتحليلهن، وآية: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في معرض مدح المتقين، فذكر من صفاتهم حِفْظ الفرج فاستطرد أنه لا يلزم عن الزوجة والسُّرِّية، وأَخْذ الأحكامِ من مظانّها أولى من أخذها لا من مظانها.
الثاني: أن عمومَ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أجمعَ العلماءُ على تخصيصه، للإجماع على أن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يخصِّصه عمومُ ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وعموم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء/ ٢٢] الآية، فالأخت من الرضاع وموطوءة الأب لا تحلّان بملك اليمين إجماعًا بخلاف عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ فلم يدخله التخصيص، والعامُّ الباقي على عمومه مقدَّم على العام المخصوص كما يأتي للمؤلف أيضًا، ولم يخالف في ذلك إلَّا السبكي وصفي الدين الهندي (١).
الثالث: أن عموم: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وارد في معرض مدح المتقين، والعامُّ الواردُ في معرض مدح أو ذم قيل بعدم اعتبار عمومه كما تقدم في قوله: "وما أتى للمدح أو للذم" إلخ، وعموم: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ لم يَرِد في معرض ذم ولا مدح، وما لم يقترن بمانع الاعتبار مقدَّم على ما قال بعدمِ اعتبارِه بعضُ العلماء كما هو ظاهر.
الرابع: أن الأصل في الفروج التحريم ما لم يدل دليل سالم من
стр. 288
المعارض على الإباحة.
الخامس: أن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يتضمن إباحةً، وعموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يتضمن تحريمًا، والتحريم مقدَّم على الإباحة؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فتركُ مباحٍ أهون من ارتكاب حرام كما سيأتي للمؤلف.
* * *
стр. 289
المقيّد وَالمطلق
٤٣٢ - فما على معناه زِيدَ مُسْجَلا ... مَعنى لغيرهِ اعتقِدْهُ الأوَّلا
يعني أن الأولى الذي هو المقيد هو: ما زِيْد معنًى على معناه لغير معناه نحو: "رقبة مؤمنة" فالإيمان معنى زيد على معنى الرقبة، فالرقبة مقيدة بالإيمان. وقوله: "مُسْجلا" معناه مطلقًا أي سواءٌ ذُكِر القيد أو كان مقدَّرًا، فمثال ذكره قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء/ ٩٢]. ومثال تقديره قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف/ ٧٩] فالسفينة هنا مقيدة بالصفة المقدرة أي كل سفينة صالحة صحيحة، وكذلك كان يقرؤها ابن عباس (١).
وقول عَبيد بن الأبرص (٢):
مَنْ قوله قولٌ ومَن فعله ... فعلٌ ومَن نائلُه نائلُ
أي: قوله قولٌ فَصْل، وفعله فعل جميل، ونائله نائل جَزْل.
وقول الآخر (٣):
وَرُبَّ أسيلةِ الخدَّين بكر ... مهفهفةٍ لها فرعٌ وجيد
أي: فرع فاحم وجِيد طويل.
стр. 290
٤٣٣ - وما على الذات بلا قيدٍ يدُلْ ... فمطلقٌ وباسمِ جنسٍ قد عُقِلْ
يعني أن المطلق الذي هو اسم الجنس هو: اللفظ الدال على الماهية بلا قيد أي من غير تقييد بوحدة أو تعيين خارجي أو ذهني، لأنه إن قُيد بوحدة صار النكرة، وإن قُيد بتعيين خارجي صار المعرفة، كالمُعَرَّف بأل العهدية، وإن قُيد بتعيين ذهني صار علمَ الجنس، وعلى هذا التعريف فعَلَم الجنس لا يدخل في اسم الجنس، لأنه مقيّد بالوحدة الذهنية بخلاف اسم الجنس فإنه غير مقيد بشيء، ولكنَّ هذا يشكل عليه أن من فرَّق بين النكرة واسم الجنس كالسبكي جعل موضوع القضية الطبيعية هو اسم الجنس، ومعلوم أن موضوع القضية الطبيعية لابد فيه من مراعاة الوحدة الذهنية للماهية، إذ احتمال دخول الفرد في ضمنها لا يصح في الطبيعية وإن صح في اسم الجنس؛ لأن الماهيَّة في اسم الجنس لا تتحقق في الخارج إلا في ضمن بعض أفرادها، والطبيعية لا يمكن (١) وجودُ فردٍ من أفرادها الخارجية لأنها لم يقصد فيها إلا الماهية من حيث هي هي، فهي المحكوم عليه دون أفرادها الخارجية، فلو قلت: إنسانٌ كلِّي، لا يمكن الحكم بكونه كليًّا على فرد من أفراد الإنسان؛ لأن كل فرد من أفراده جزئي، صمانما الكلِّيُّ الصادق عليه الحكم: ماهيته. وجعل العبادي في "الآيات البينات" (٢) عَلَم الجنس في حكم اسم الجنس.
واعلم أن المراد بالجنس هنا ما يشمل الجنس والنوع والصنف عند
стр. 291
المنطقيين، كالحيوان فإنه جنس، والإنسان فإنه نوع، والعربيّ فإنه صنف.
وحاصل الفرق بينهما (١): أن كل حقيقية اعتبرت من حيث هي هي فهي المطلق، وإن اعتبرت بإضافة شيء آخر إليها فهي المقيد.
٤٣٤ - وما على الواحدِ شاع النَّكِرَه ... . . . . . . . . . . .
يعني أن اللفظ الدالَّ على واحد شائع في جنسه، أي يصح إطلاقه على كل فرد من أفراد الجنس إطلاقًا بدليًّا هو النكرة نحو: "رجلٌ، ورقبةٌ" وكذلك "رجلان" فإنه يدل على اثنين شائعين في جنسهما، و"رجالٌ" فإنه يدل على ثلاثة شائعة من جنسها، فلفظ المطلق والنكرة واحد، وإنما الفرق بينهما اعتباري، لأن المطلق يعتبر فيه مطلق الماهية من غير قيد بشيء، والنكرة يعتبر فيها الواحد الشائع في جنسه.
فإن قيل: إذا كان المعتبر في اسم الجنس مطلق الماهية وهي ذهنية، فأيُّ حاجة للأصول في الحقائق الذهنية؟
قلنا: إن الحقائق الذهنية المطلقة قد توجد في الخارج في ضمن أفرادها، فالأفراد إذًا تدخل في المطلق لضرورة عدم وجوده في الخارج إلا في ضمنها.
. . . . . . . . . . . ... والاتحادُ بعضُهم قد نصرَه
يعني أن اتحاد النكرة واسمِ الجنس، وأن كل واحد منهما هو ما دل على واحد شائع في جنسه، نَصرَه بعضُ الأصوليين وهو مذهب ابن
стр. 292
الحاجب والآمدي (١)، وعليه عامة النحويين، لأن الموجود في الخارج هو الفرد، والماهية الذهنية لا وجود لها في الخارج، وقد قدمنا وجودها فيه ضمن أفرادها.
وثمرة الخلاف في هل دلالة المطلق على الفرد بالمطابقة أو الالتزام؟ فعلى الاتحاد مع النكرة فهي مطابقة، وإلا فهي التزام، والمراد بالنكرة المتحدة بالمطلق عند هذا البعض هي النكرة في سياق الإثبات التي لم تقترن بأداة استغراق نحو: "رجلٌ، ورقبة" أما التي في سياق النفي كـ "لا رجلَ" والتي في سياق الإثبات مع الاستغراق نحو: "كلُّ رجلٍ" فهي للعموم، ولم تتحد باسم الجنس.
٤٣٥ - عليه طالقٌ إذا كان ذكَرْ ... فولَدَت لاثنين عندَ ذي النظَرْ
يعني أنه ينبني على الفرق بين النكرة واسم الجنس خلافُ الفقهاء فيمن قال لزوجته: "إن ولدت ذكرًا فأنت طالق" فولدت ذكرين هل تطلق أم لا؟ فعلى إرادة المطلق تطلق لأن التعليق على مطلق الماهية وقد وُجِدت في ضمن كل من الولدين، وعلى إرادة النكرة لم تَطْلق لأنها جاءت بغير المعلق عليه، لأن الوحدة الشائعة التي هي مدلول النكرة في معنى: إن ولدت ذكرًا واحدًا، وقد جاءت بذكرين، وكونهما اثنين مخالف للوحدة الشائعة التي هي معنى النكرة.
٤٣٦ - بما يخصِّصُ العمومَ قَيِّدِ ... ودَعْ لِما كان سواه تقتدي
стр. 293
يعني أن المطلق يقيد بما يخصَّص به العامُّ من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس.
مثاله في الكتاب: تقييد الآيات التي أطلق فيها الدّمُ عن قيد المسفوحية في البقرة والنحل والمائدة بقيد المسفوحية في قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام/ ١٤٥].
ومثال التقييد بالسنة: تقييد إطلاق المسروق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة/ ٣٨] الآية بالسنة التي بينت أن القطع مُقيد بكون المسروق ربع دينار (١) -مثلًا-.
ومثال التقييد بالإجماع: تقييد قوله تعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ [الكهف/ ٧٩] بالإجماع على أن المراد بها خصوص الصحيحة الصالحة، وقد تقدم أن التخصيص في الحقيقة بمستند الإجماع فكذلك التقييد.
ومثال التقييد بالقياس: تقييد قوله تعالى في كفارة الظهار واليمين: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة/ ٨٩] و [المجادلة/ ٣] بالقياس (٢) على كفارة القتل المقيَّدة بالإيمان في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء/ ٩٢] بناءً على القول القائل بأن حَمْل المطلق على المقيد بالقياس ورجَّحه بعض الأصوليين.
أما المخصِّصات المتصلة فالظاهر أن التقييد لا يكون بها إلَّا في
стр. 294
الصفة كقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وقوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف/ ١١٠] لأن المطلق إما مطلق الماهية أو الواحد الشائع كما تقدم، والواحد لا تعدُّد في ذاته حتى يخرج بعضها بالاستثناء أو بالشرط أو بالغاية أو ببدل البعض، والمطلق على كونه مطلق الماهية لم يقصد به متعدد حتى يخرج بعضُ أفراده أيضًا.
٤٣٧ - وحملُ مطلقٍ على ذاك وجبْ ... إن فيهما اتحدَ حكمٌ والسَّبَبْ
يعني أنه إذا ورد في الوحي نصٌّ فيه إطلاق وآخر فيه تقييد وكان سببُهما واحدًا وحكمهما أيضًا واحدًا فإن المطلق يُحمل على المقيد كتقييد الدم في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة/ ٣] بقيد المسفوحية المذكور في قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام/ ١٤٥]؛ لأن السبب واحد والحكم واحد. وكتقييد قوله ﷺ : "لا نكاح إلَّا بوليّ" (١) بقوله في بعض الروايات:
стр. 295
"إلا بولي مُرْشد وشاهِدَي عدل" (١).
٤٣٨ - وإن يكنْ تأخَّرَ المقيَّد ... عن عَمَلٍ فالنسخُ فيه يُعهَدُ
يعني أن القيد إذا تأخر وروده عن أول وقت العمل بالمطلق كان القيد ناسخًا لما أخرجه من المطلق، وإنما انتقل من التقييد إلى النسخ لأن التقييد بيان والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت العمل كما يأتي للمؤلف، وكما تقدم نظيرُه في التخصيص. والحاصل أنه إنْ عُلِم تقدمُ المقيد على وقت العمل، أو كان المطلق هو الأخير ورودًا أو تقارنا، أو جُهِل التاريخ = حُمِل المطلق على المقيد. وإن تأخر التقييدُ عن وقت العمل كان ناسخًا (٢). وكل هذه الصور يدخل في كلام المؤلف.
أما إذا عُلِم الأول منهما ونُسِيَ فالظاهر أيضًا أنه كذلك يُحمل فيه المطلق على المقيد ولا يُحْكَم بكونه نسخًا لاحتياج النسخ إلى دليل خاص يثبته كما يأتي للمؤلف، فلو فرضنا أن الشارع قال للمكفر: "اعتق رقبة" ثم قال بعد الفعل: "اعتق رقبة مؤمنة" كان القيد بالإيمان بعد العمل بعتق مطلق الرقبة نسخًا لعتق الكافرة لا تقييدًا، لمنع تأخر البيان عن وقت العمل.
٤٣٩ - وإن يكن أمرٌ ونهي قُيِّدا ... فمطلقٌ بضدِّ ما قد وُجِدا
стр. 296
يعني أنه إذا كان الإطلاق والتقييد في أمر ونهي بأن كان الأمر والنهي أحدهما مطلق والثاني مُقيد، فإن المطلق منهما يُقيد بضدِّ القيد الذي قُيِّد به المقيّد لما بين الأمر والنهي من المضادة والمنافاة.
مثال تقييد النهي وإطلاق الأمر: "لا تُعْتِقْ رقبةً كافرةً أعتق رقبةً" فإن الرقبة المطلقة المأمور بعتقها تقيد بضدِّ القيد الذي قيدت به الرقبة المنهي عن عتقها وهو الكفر فضدّه الإيمان، فتقيد به الرقبة المطلقة المأمور بعتقها فيكون المعنى: "أعْتِق رقبة مؤمنة".
ومثال إطلاق النهي وتقييد الأمر ما لو قلت: "لا تُعْتِقْ رقبة أعتق رقبة مؤمنة" فإن الرقبة المُطْلقة المنهي عن عتقها تُقيد بضد القيد الذي قُيدت به الرقبة المأمور بها، وقَيْدها هو الإيمان وضده الكفر، فتقيد الرقبة المطلقة المنهي عنه عتقها بالكفر، فيكون المعنى لا تُعتِق رقبةً كافرة.
٤٤٠ - وحيثُما اتَّحَد واحدٌ فلا ... يحمِلُهُ عليه جُلُّ العُقلا
اعلم أولًا أن أحوال المطلق والمقيد أربعة:
الأول: أن يَتَّحدا في الحكم والسبب معًا، وقد تقدم هذا قريبًا للمؤلف.
الثاني: أن يختلفا في الحكم والسبب معًا، وهذا لا حَمْل فيه لأحدهما على الآخر إجماعًا، ولذا لم يتعرض له المؤلف.
الثالث والرابع هما: إذا ما اتحد الحكم واختلف السبب أو اتحد السبب واختلف الحكم، وهما مراد المؤلف بهذا البيت.
وظاهرُ كلامه أن أكثر العقلاء لا يحمل أحدهما على الآخر وأنهما
стр. 297
سواء في ذلك، وليس كذلك؛ لأن حَمْل المطلق على المقيد فيما إذا اتحد الحكم واختلف السبب قال به جُلُّ الشافعية والحنابلة وكثير من المالكية. ومثاله: إطلاق كفارة الظهار واليمين عن قيد الإيمان، وتقييد كفارة القتل خطأ به، فيُحْمَل المطلق على المقيد، فيشترط الإيمان في رقبة الظهار وكفارة اليمين، ويدلُّ لذلك قوله ﷺ لمعاوية بن الحكم السلمي: "اعتقها فإنها مؤمنة" (١) ولم يستفصله، وتَرْكُ الاستفصال كالعموم في الأقوال، كما تقدم للمؤلف.
واخْتُلِف في دليل حَمْل المطلق على المقيَّد فقيل: هو اللغة لأن العرب يثبتون ويحذفون اتكالًا على المثبت، كقول قيس بن الخطيم (٢):
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأيُ مختلفُ
وقول ضابئ بن الحارث البُرْجُمي (٣):
فمنْ يَكُ أمسى بالمدينةِ. . . ... . . . . . . . . . . البيت
وقول عمرو بن أحمر الباهلي (٤):
رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي ... بريئًا ومن أجل الطَّوِيِّ رماني
فحذف من الأول "راضون" لدلالة "راض" عليه، وحذف من الثاني
стр. 298
"غريب" لدلالة لفظ "غريب" المذكور عليه، وحذف من الثالث "بريئًا" لدلالة المذكور عليه أيضًا.
وقيل: حَمْل المطلق على المقيد بالقياس كما تقدمت الإشارة إليه، وقيل: بالعقل وهو أضعفها.
وأما الحالة الثانية التي هي: اختلاف الحكم واتحاد السبب، فليس الحكم فيها كالأولى لأن الحنابلة يقولون بحَمْل المطلق على المقيد في الأولى دونها، وقال بعض المالكية والشافعية بحَمْل المطلق على المقيد فيها أيضًا.
ومَثَّلَ القائلون بعدم الحمل بقوله تعالى في صوم الظهار: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. . .﴾ [المجادلة/ ٤] فإنه قَيَّده بالتتابع وأطلق إطعام الظهار عن قيد التتابع فلا يُحْمل المطلق على المقيد، فلا يشترط التتابع في إطعام الظهار مع أن السبب واحد وهو الظهار والحكم غير واحد لأن هذا إطعام وهذا صوم.
ومَثَّلَ القائلون بحمل المطلق على المقيد في هذه الصورة بقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ في عِتْق الظهار وصومه مع أنه أطلق إطعام الظهار عن القيد بكونه قبل المسيس فيُحْمَل المطلق على المقيد، فيجب كون إطعام الظهار من قبل أن يتماسَّا.
ومَثَّلَ له اللخمي بقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ [المائدة/ ٨٩]، وأطلق الكسوة عن القيد في قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فيُحْمَل المطلق على المقيد، فتكون الكسوة من
стр. 299
أوسط ما تكسون أهليكم، وهذا كله فيما إذا كان المقيد واحدًا، وأما إن ورد مطلق ومقيدان بقيدين مختلفين فإنه لا يمكن حمله عليهما لتنافي قيديهما، فإن كان أحدهما أقرب إليه من الآخر حُمِل عليه، وإن لم يكن أحدهما أقرب من الآخر بقي على إطلاقه ولم يُقَيَّد بقيدِ واحدٍ منهما لاستحالة الترجيح بلا مرجِّح.
مثال كونه أقرب لأحدهما: صوم كفارة اليمين فإنه لم يقيد بتتابع ولا تفريق، مع أن صوم الظهار مقيَّد بتتابع، وصوم التمتع مُقيد بالتفريق، وكفارة اليمين أقرب إلى الظهار منها إلى التمتع، فتقيد بقيده وجوبًا عند بعضٍ وندبًا عند بعض. وقراءةُ ابنِ مسعود: (ثلاثة أيام متتابعات) لم يثبت بها كون (متتابعات) من القرآن؛ لإجماع الصحابة على عدم كَتْبِها في شيء من المصاحف العثمانية.
ومثال كونه ليس أقرب لأحدهما من الآخر: صوم قضاء رمضان فإن اللَّه قال فيه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥] ولم يُقَيِّده بتفريقٍ ولا تتابع، مع أن صوم الظهار مُقيد بالتتابع، وصوم التمتع مُقيد بالتفريق، وليس صومُ قضاء رمضان أقرب إلى أحدهما من الآخر، فيبقى على إطلاقه من شاء فَرَّقه ومن شاء تابعه.
ويجاب عن المؤلف بأنه أراد بِجُلِّ العقلاء خصوصَ المالكية، فتكون "ألْ" عهدية، لأن التأليف في أصولهم.
* * *
стр. 300
التأويل، والمُحكم، والمُجْمَل
التأويل في اللغة: ما تؤول إليه حقيقة الشيء، وذلك هو معناه في القرآن حيث جاء، وبعض العلماء كابن جرير الطبري يُطلق التأويل يعنى به التفسير. وفي اصطلاح الأصوليين هو ما عرَّفه المؤلف.
والمُحْكم في اللغة: اسم مفعول أَحْكَمه بمعنى أتقنه، وفي الاصطلاح سيأتي.
والمجمل: اسم مفعول أَجْمَله إذا خَلَطه بغيره ولم يميزه عنه، وفي الاصطلاح سيأتي أيضًا.
٤٤١ - حَملٌ لظاهرٍ على المرجوحِ ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن التأويل في اصطلاح الأصوليين هو: صَرْف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح، وحَمْله على ذلك المحتمل المرجوح لدليلٍ اقتضى ذلك، كقوله ﷺ : "الجار أحق بصقبه" (١)، فإنَّ حَمْل الجار على خصوص الشريك غير (٢) المقاسم حَمْلٌ له على محتمل مرجوح، إلا أن ذلك الحَمْل (٣) دلَّ عليه الدليل وهو قوله ﷺ : "إذا ضُرِبت الحدود وصُرِفت الطرق فلا شُفعة" (٤).
стр. 301
... واقسِمْه للفاسدِ والصحيح
٤٤٢ - صحيحُه وهو القريبُ ما حُمِلْ ... معْ قوَّةِ الدليلِ عند المُسْتَدِلْ
٤٤٣ - وغيرُه الفاسدُ والبعيدُ ... وما خلا فلَعِبًا يفيدُ
يعني أن التأويل المذكور ينقسم إلى تأويل صحيح وتأويل فاسد، والصحيح هو "القريب" والفاسد هو "البعيد".
أما التأويل القريب فهو الذي يكون فيه الدليل الذي دلَّ على صرف اللفظ عن المعنى الراجح الظاهر إلى المعنى الخفي المرجوح قويًّا في نفس الأمر، لا في ظن المؤوّل كما يوهمه قول المؤلف: "عند المستدل". وليس مراده أن قوَّته عند المستدل تكفي ولو كان ضعيفًا في نفس الأمر، بل مقصوده مع قوة الدليل الكائن (١) عند المستدل.
وأما التأويل البعيد فهو كون الدليل الذي اسْتُدِل به على صرف اللفظ عن الظاهر الراجح إلى الخفي المرجوح ليس قويًا في نفس الأمر وإن كان المؤوِّل يظنه قويًّا. وذلك هو معنى قوله: "وغيره الفاسد والبعيد".
وقوله: "وما خلا" إلخ يعني أن صرف اللفظ عن ظاهره إذا كان لغير دليل أصلًا فهو لَعِب ولا يسمَّى تأويلًا، وكذا إن صرفه عن ظاهره معتقدًا أن ذلك الصرف لا دليل عليه، ولو كان لذلك الصرف دليلٌ في نفس الأمر.
ومثال اللّعب: حَمْل أهل الأهواء كثيرًا من الآيات والأحاديث على معانٍ بعيدة من المقصود، كقول بعض غلاة الشيعة في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ
стр. 302
الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن/ ١٩] أنهما عليّ وفاطمة ﵄، وأن قولَه: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن/ ٢٠] يعني الحسن والحسين.
وقوله: "لعبًا" مفعول مقدم لقوله: "يُفيد" والمعنى أنه متلاعب بكتاب اللَّه أو سنة نبيه ﷺ .
٤٤٤ - والخُلْفَ في فهمِ الكتاب صَيِّرِ ... إيَّاه تأويلًا لَدى المختَصَر
يعنى أن خليلَ بن إسحاق المالكيَّ في "مختصره" (١) جعل لنفسه اصطلاحًا خاصًّا في التأويل وهو أنه اختلاف شارحي "المدَوَّنة" في فهمها، ومراد المؤلف بـ "الكتاب": "المدَوَّنة"، وقوله: "إياه" ضمير منفصل مع تأتِّي الاتصال، وارتكبه للضرورة، كما أشار له في "الخلاصة" بقوله:
وفي اختيار لا يجيء المنفصلُ ... إذا تأتَّى أن يجيء المتَّصلُ
ونظير ما ارتكبه المؤلف من الفصل في محلِّ الوصل للضرورة قول الشاعر:
بالباعثِ الوارثِ الأموات قد ضَمِنتْ ... إيّاهمُ الأرضَ في دهرِ الدَّهاريرِ (٢)
٤٤٥ - فجعل مسكينٍ بمعنى المُدِّ ... عليه لائحٌ سِمَات البُعْدِ
٤٤٦ - كحملِ مرأةٍ على الصغيرَه ... وما ينافي الحرَّة الكبيرَه
٤٤٧ - وحملِ ما رُوِيَ في الصيامِ ... على القضاءِ معَ الالتزامِ
ذكر في هذه الأبيات ثلاثَ مسائل من مسائل التأويل البعيدة:
стр. 303
الأولى: تأويل الحنفية المسكين في قوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة/ ٤] بالمُدّ حيث جوَّزوا إعطاء ستين مدًّا لمسكين واحد في ستين يومًا، حيث جعلوا الذي لم يُذْكر -وهو المد- هو المقصود، والذي ذُكِر -وهو المسكين- غير مقصود، مع أن قَصْد العدد فيه من الفائدة ما لم يكن في الواحد، لأن إعطاء المكَفِّر ستين رجلًا يستدعي تظافر الكل على الدعاء له، وكثرة الداعين مظنة الإجابة، ومظنة صلاح البعض إن لم يكن الكل صالحًا، وهذا لا يوجد في الواحد. وهذا هو مراد المؤلف بالبيت الأول، فقوله: "جَعْلُ" مبتدأ وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، ومفعوله الثاني الجار والمجرور الذي هو "بمعنى"، وقوله: "لائح" خبر المبتدأ، وقوله: "سِمات البُعْد" فاعل الخبر والمسوِّغَ لعمله مع أنه اسم فاعل منكر اعتماده على المبتدأ. والسمات: جمع سِمَة وهي العلامة. و"لائح" معناه ظاهر أي ظاهر عليه علامات البعد.
المسألة الثانية: حَمْل المرأة أيضًا في قوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" (١) على خصوص المكاتبة؛
стр. 304
لأنهم لما أرادوا حمله (١) على الصغيرة فقيل لهم: الصغيرة لا تسمى امرأة عرفًا فأرادوا حمله على الأَمَة، فقيل لهم: آخر الحديث يمنع ذلك فإن في بعض رواياته: "فإن أصابَ منها فلها مهر مثلها"، ومهر الأَمَة لسيدها لا لها. ووجه بُعْد هذا: أن لفظ "أيّ" صيغة عموم كما تقدم للمؤلف، وأُكِّدَ هذا العموم بـ "ما" المزيدة للتأكيد، وزيد التأكيد بتكرير قوله: "باطل باطل باطل" فقَصْر هذا العموم على صورة نادرة بعيد، وهذا هو مراده بالبيت الثاني.
المسألة الثالثة: حَمَل الحنفية أيضًا الصيام في حديث: "لا صيام لمن لم يُبَيِّتِ الصيامَ من الليل" (٢) على خصوص النذر والقضاء دون الصوم الذي هو أحد دعائم الإسلام وهو صوم رمضان؛ لأن الصوم إذا أطلق ينصرف إليه فإخراجه من صيغة عامة هي نكرة مبنية على الفتح في سياق النفي بعيد، وقد تقدم أن النكرة إذا كانت كذلك فهي نصٌّ صريحٌ في العموم، ومراده بالالتزام النذر، وبالقضاء قضاء رمضان.
٤٤٨ - وذو وضوحٌ محكمٌ والمجمَلُ ... هو الذي المرادُ منه يُجْهَلُ
يعني أن المحكم في الاصطلاح هو: واضح المعنى نحو: ﴿وَأَقِيمُوا
стр. 305
الصَّلَاةَ﴾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ ويُطلق المُحكم أيضًا مرادًا به غير المنسوخ، ويُطلق أيضًا مرادًا به المتقن كقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود/ ١].
وقوله: "والمجمل" إلخ، يعني أن المجمل في الاصطلاح هو: الذي لم يتضح المقصودُ منه لتردُّده بين معنيين متساويين في الاحتمال أو بين معان كذلك، فإن كان المجمل مشتركًا ففي حمله على معنييه أو معانيه ما تقدم من الخلاف.
٤٤٩ - وما به استأثرَ علمُ الخالقِ ... فذا تشابُهٍ عليه أطْلِقِ
يعني أن المتشابه في الاصطلاح هو: ما استأثر به أي اختص به علم اللَّه دون الخلق، وهذا التعريف للمتشابه مبني على قول الأكثر أن الكلام تمَّ عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران/ ٧] وأن "الواو" في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ استئنافية. ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ مبتدأ خبره جملة ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران/ ٧]. وعلى تفسير الآية بهذا فالقسمة ثلاثية: محكم، ومجمل، ومتشابه. وأما على أن الواو عاطفة فالقسمة ثنائية: محكم ومتشابه، والمجملُ على هذا يدخل في المتشابه. وقوله: "ذا تشابه" مفعول مقدَّم لقوله: "أطْلِق".
٤٥٠ - وإن يكن عِلمٌ به مِنْ عَبْدِ ... فذاك ليسَ من طريقِ العهدِ
يعني أنه لو أطْلَعَ اللَّهُ بعضَ أوليائه على علم شيء من المتشابه، فإنَّ تلك الطريقة إلى علم ذلك المتشابه ليست من الطرق المعهودة لإفادة العلم، وإذًا فلا ينافي ذلك حد المتشابه بأنه ما استأثر اللَّه بعلمه لأن النادرَ لا حكمَ له.
стр. 306
٤٥١ - وقد يجي الإجمالُ من وجهٍ ومِنْ ... وجهٍ يَراه ذا بيانٍ من فَطِنْ
يعني أن النَّصَّ الواحد يكون مبيَّنًا من جهةٍ مجملًا من جهةٍ أخرى ، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام/ ١٤١]، فإنه مبيَّن في أصل الحق مُجمل في القَدْر المطلوب منه.
٤٥٢ - والنفيُ للصلاةِ والنكاحِ ... والشَّبْهِ مُحكمٌ لدى الصِّحاح
يعني أن نَفْيَ الصلاة -مثلًا- في حديث: "لا صلاةَ لمن لم يقرأ بأمِّ الكتاب" (١)، وحديث: "لا صلاةَ إلَّا بطَهُور" (٢) ونحو ذلك، ونفي النكاح في حديث: "لا نكاح إلَّا بوليّ" (٣) ليس من المُجمل خلافًا للباقلاني ومن وافقه. ووَجْه عدم إجماله: أن الحقيقة لا تُراد بالنفي لوجود صورتها في محل النفي، فيجب ارتكاب أقرب المجازاتِ [لنفي] الحقيقة (٤)، وأقرب المجازات لنفي الحقيقة نفي الصحة، فيصير المعنى: لا صلاة صحيحة إلَّا بطهور، ولا نكاح صحيحًا إلَّا بولي. وحجّة القائل بالإجمال: أن نفي أصل الذات غير مقصود فيتوجه النفي إلى الصحة والكمال، فيصير مجملًا لاحتمال هذا [وهذا].
٤٥٣ - والعكسُ في جداره ويَعْفو ... والقَرْءِ في منع اجتماعٍ فاقْفوا
стр. 307
قوله: "فاقفوا" أمرٌ من الاقتفاء وهو الاتباع، والمراد بـ "العَكْس" عكس الإحكام وهو عند المؤلف الإجْمال، والمعنى: اتبع العكس في الحديث والآيتين أي فكلها من المجمل؛ أما الحديث فهو قوله ﷺ : "لا يمنع أحدكم جاره أن يضعَ خشبته في جداره" (١) لاحتمال رجوع الضمير إلى الأحد وإلى الجار، والتحقيقُ أن الحديث ظاهر في منع الإنسان من وضع خشبة الجار على جداره أي على جدار الإنسان المالك.
وأما الآيتان فالأولى منهما قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة/ ٢٣٧] فإنه يحتمل الوليَّ كما قاله مالك، والزوج كما قاله الشافعي. والثانية منهما قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة/ ٢٢٨] لأن القُرْءَ يُطلق على الطُّهْر وعلى الحيض، وعلى الطهرِ حمل الآيةَ مالكٌ والشافعيُّ، وقال أبو حنيفة وأحمد: المرادُ بالقُرْءِ الحيض.
وقوله: "في منع اجتماع" يعني أن المشترك بين معنيين متنافيين لا يمكن اجتماعهما كالقُرْء المذكور من المجمل، إذ لا يمكن قصد الكل فيتعين أن المقصود واحد، وكلٌّ منهما يحتمل أن يكون هو المراد.
* * *
стр. 308
البَيَان
يعني به التبيين كالسلام بمعنى التسليم.
٤٥٤ - تصييرُ مُشكلٍ من الجليِّ ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن البيان هو تصيير المشكل جليًّا أي إخراجه من حال الخفاء إلى حال الظهور والاتضاح، وعلى هذا التعريف فبين المجمل والمبيَّن واسطة هي ما لا إشكال فيه أصلًا نحو: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء/ ٣٢] فليس بمجمل ولا مبيَّن لأنه لم يدخل الإشكال حتى يخرج إلى حال الظهور.
. . . . . . . . . . . . ... وهو واجبٌ على النبيِّ
٤٥٥ - إذا أُريدَ فهمُه. . . ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن البيان بمعنى التبيين يجب على النبي ﷺ إذا طُلِبَ منه تبيين ما فيه خفاء لأجل العمل به أو الإفتاء، كسؤال الرجل عن الحيض ليفتي به من لا يستطيع التعلُّم من النساء واللَّه يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل/ ٤٤].
. . . . . . . . . . . وَهُوَ بما ... من الدَّليل مطلقًا يجلو العَمَى
يعني أن البيان يكون بكلِّ ما يجلو العمى أي يزيل الجهلَ ويُبَيِّنُ المقصود من نصٍّ أو قرينة أو عقل أو حسٍّ، والمبيِّنُ تارةً يكون مقترنًا بالمبيَّن كقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة/ ١٨٧]، وتارةً يكون مستقلًّا عن كتبيين: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة/ ١]
стр. 309
بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة/ ٣] الآية.
٤٥٦ - وبيَّنَ القاصرُ من حيثُ السَّنَدْ ... أو الدلالة على ما يُعْتَمد
يعني أن المُبيِّن -باسم الفاعل- لا يشترط أن يكون مساويًا للمبيَّن -باسم المفعول- في القوة بل يجوز تبيين الأقوى في السند أو الدلالة بما هو أضعف منه سندًا أو دلالة.
مثال تبيين الأقوى سندًا بما هو دونه في قوة السند؛ تبيين آيات الصلاة والزكاة بأخبار الآحاد، كتبيين: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام/ ١٤١] بحديث: "ليسَ فيما دونَ خمسةِ أَوسُقٍ صدقة" (١).
ومثال تبيين الأقوى دلالة بما هو دونه في قوة الدلالة: تبيين المنطوق بالمفهوم، كتبيين أن المراد في قوله ﷺ : "في أربعين شاةً شاةٌ" خصوص السائمة بمفهوم قوله: "في الغنم السائمة زكاة" (٢) عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة، فقوله: "القاصر" يعني الأضعف مرتبة (٣)، لكونه آحادًا أو مفهومًا. وأضافَ "حيث" إلى المفرد بناءً على جوازه بِقِلَّةٍ، كقول الراجز:
أما ترى حيثُ سهيلٍ طالعا ... نجمًا يُضيء كالشهاب لامعا (٤)
стр. 310
وقوله: "على ما يُعتمد" يشيرُ إلى خلافٍ في المسألة.
فإن قيل: لِمَ جاز البيان بالقاصر سندًا أو دلالة وامتنع النسخ بذلك؟
فالجواب: أن النسخ رفعٌ للحكم من أصله، والأقوى لا يرفعه ما هو أضعف منه، والبيانُ إرشادٌ للمقصود بالنص لا رفعٌ له فظهر الفرق (١).
٤٥٧ - وأوجِبَنَّ عندَ بعضٍ عِلْمًا ... إذا وجوبُ ذي الخفاءِ عمَّا
يعني أن بعض الأصوليين أوجبوا كون الدليل الحاصل به البيان يفيد العلم، أي اليقين، إذا كان المبيَّن -باسم المفعول- يجب على كلِّ أحد، أما إذا كان لا يجب على كلِّ أحد فلا يُشترط فيه عند أهل هذا القول حصول اليقين في البيان. وهذا القول للعراقيين محتجِّين بأن عموم وجوبه تتوفر به الدواعي إلى نقله تواترًا، وما كان كذلك لا يُقبل آحادًا، وعلى هذا القول لا يصح بيان القطعيات كالصلاة والزكاة بأخبار الآحاد بل بالمتواتر فقط، والتحقيق الأول.
٤٥٨ - والقولُ والفعلُ إذا توافَقا ... فانمِ البيانَ للذي قد سَبَقا
يعني أن إذا ورد نصٌّ يحتاج إلى بيان، ثم ورد بعده قول وفعل كلاهما صالح للبيان وليس في أحدهما زيادة على الآخر، فإن الأول منهما هو المبيِّن، فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية يحتمل أن قَطْع اليد من الكوع ويحتمل المرفق والمنكب؛ لأن اليد تطلق على الجميع، فإذا قال
стр. 311
النبي ﷺ : إن القطع من الكوع، وقَطَع المخزومية التي سرقت من الكوع، فالسابق من الأمرين هو المبيِّن:
٤٥٩ - وإن يزدْ فعلٌ فللقولِ انتسِبْ ... والفعل يقتضي بلا قيدٍ طلَبْ
يعني أنه إذا ورد نصٌّ يحتاج إلى بيان، وجاء بعده قول وفعل كلاهما صالح للبيان، وفي الفعل زيادة ليست في القول = فالبيان بالقول، والزيادةُ الحاصلةُ في الفعل تقتضي طلبًا متوجهًا إلى خصوص النبي ﷺ .
وقوله: "بلا قيد" يعني أن الطلب المذكور المتوجه لخصوصه ﷺ المفهوم من الزيادة الفعلية غير مُقيد بإيجاب ولا ندب بل هو محتمل للكل، فالنصوص الواردة في الصوم -مثلًا- تحتمل جوازَ الوصال وعدمه، وقد نهى ﷺ عن الوصال بالقول مع أنه ﷺ فَعَلَه، فيكون البيان بالقول، ووصالُه ﷺ يدل على أنه مطلوب بذلك دون أمته، ولكن لا يدل إلا على مطلق الطلب من غير قيدٍ بإيجاب أو غيره، وقوله: "طلبْ" وقف على بالسكون على لغة ربيعة.
٤٦٠ - والقولُ في العَكْس هو المبيِّنُ ... وفعلُهُ التخفيفُ فيه بيِّنُ
مراده بالعكس عكس ما قبله الذي هو زياة الفعل على القول، فعكسه المراد هنا زيادة القول على الفعل، يعني أنه إذا جاء فعل وقول كلاهما صالح للبيان، والحالُ أن في القول زيادة على الفعل، فإن البيان يكون بالقول، والفعل يدل على تخفيفٍ خاصٍّ بالنبي ﷺ في القدر الذي نقص به الفعل عن القول، فلو فرضنا -مثلًا- أنه أمَرَ بطوافين وطاف هو طوافًا واحدًا فالمبيِّن هو قوله ﷺ ، واقتصاره على واحد يدل على عدم
стр. 312
وجوب الثاني عليه.
٤٦١ - تأخّر البيانِ عن وقتِ العملْ ... وقوعْه عند المجيزِ ما حَصَلْ
يعني أن النبي ﷺ لم يؤخِّر بيانًا عن وقت الحاجة إليه ، سواء كان المبيَّن -بالفتح- ظاهرًا في غير المراد أو مجملًا، حتى على قول من قال بجواز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، والحقُّ أنه لم يَجُز ولم يقع.
فإن قيل: قد وقع في صبح ليلة الإسراء فإنَّ جبريل لم يبيِّن للنبي ﷺ كيفية الصلاة وأوقاتها إلا من وقت الظهر.
فالجواب: أن الصبح لم تجب لأن أول الواجب بعد فرضها الظهر، أما صلاة صبح ليلة الإسراء فلم تجب، لأنها لو وجبت لوجب قضاؤها، وهو ﷺ لم يصلها أداءً ولا قضاءً، وعدم وجوبها يحتمل أن يكون أصل الوجوب معلقًا على البيان، والواجب المعلق لا يجب حتى يوجد المعلق عليه، أو أنه أُوحي (١) إليه أن أول واجب الظهر.
٤٦٢ - تأخيره للاحتياج واقِعُ ... وبعضُنا هُوَ لذاك مانِعُ
٤٦٣ - وقيل بالمنع بما كالمطلقِ ... ثم بعكسِه لدى البعضِ انْطِقِ
مراده بالبيتين أن تأخير البيان إلى وقت العمل به فيه أربعة مذاهب:
الأول: جوازه مطلقًا لأنه لا يلزم فيه محذور كتأخير بيان المناسك إلى وقت الحج، وكتأخير بيان الصفات الكاشفة لبقرة بني إسرائيل.
واعْتُرِض هذا الأخير بأنه ما كان يحتاج إلى بيان، إذ لو ذبحوا
стр. 313
بقرةً (١) لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدَّدَ اللَّه عليهم، وسيأتي تحقيق هذا إن شاء اللَّه في مبحث النسخ قبل التمكن من الفعل.
الثاني: منع تأخير البيان المذكور مطلقًا، وهو قول بعض المالكية وفاقًا للحنفية والمعتزلة وبعض الشافعية، ووَجْه هذا القول: أن تأخير البيان يخل بفهم المراد وقت الخطاب، لأنه في المجمل لا يُفْهم المقصود منه، وفي الظاهر يتبادر منه غيرُ المقصود.
الثالث: منع تأخير البيان (٢) في ماله ظاهر يوهم غير المراد دون ما لا ظاهر له كالمجمل، وهذا قول أبي الحسين المعتزلي، وهو مبنيٌّ على التحسين والتقبيح العقليين، لأن ما لا ظاهر له كالمجمل لا يوقع في غير المراد بل ينشأ منه الجهل البسيط، والجهلُ البسيط لا يخلو عنه البشر، بخلاف ما له ظاهر غير مراد فإنه يوقع في الجهل المركب من جَهْلِه بالمرادِ وجَهْلِه بأنه جاهل به، لاغتراره بالظاهر الغير المقصود.
الرابع: عكس هذا القول، وهو يجوز تأخير البيان إلى وقت الفعل في ما له ظاهر دون ما لا ظاهر له. ووَجه هذا القول: أن ما له ظاهر له فائدة في الجملة دون غيره.
وأشار المؤلَف إلى المذهب الأول بالشطر الأول، وإلى الثاني بالشطر الثاني، وإلى الثالث بالشطر الثالث، وإلى الرابع بالشطر الرابع. مثال ما لا ظاهر له قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة/ ١]. ومثال ما له
стр. 314
ظاهر غير مراد قوله ﷺ : "الجار أحق بصقبه" (١) فإن ظاهره وجوب الشُّفعة للجار والمراد به خصوص الشريك المقاسم كما تقدم.
٤٦٤ - وجائزٌ تأخير تبليغ له ... . . . . . . . . . . . .
يعني أنه يجوز تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة، فاللام في قوله: "له" للغاية بمعنى إلى، والضمير المجرور بها عائد إلى وقت العمل.
فإن قيل: ما الفرق بين تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة مع تأخير البيان إليه؟
فالجواب: أن تأخير التبليغ لا يلزمه المحذور الذي يلزم تأخير البيان؛ لأن تأخير البيان يُخِل بفهم المراد، وتأخير التبليغ من أصله ليس كذلك. وَجَزم بعضهم بأن القرآن يجب تبليغه فورًا لأنه متعبَّد بتلاوته، وهو الظاهر. وقال بعض العلماء: يجب التبليغ فورًا مطلقًا لأن اللَّه قال لنبيه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة/ ٦٧] والأمر للفور، وفيه الخلاف المتقدِّم.
. . . . . . . . . . . . ... ودَرْءُ ما يُخْشى أَبى تعجيلَه
يعني أن تعجيل التبليغ قد يمتنع ويجب تأخيره إلى وقت الحاجة إذا كان في تعجيله مفسدة يدرؤها تأخير التبليغ، فلو أُمِر ﷺ بقتال أهل مكة قرب زمن (٢) الهجرة، وجبَ تأخير التبليغ لئلا يستعد العدو إذا علم فيعظم
стр. 315
الفساد، ولذا لما أراد ﷺ قتالهم قطع الأخبارَ عنهم حتى دَهَمهم، وكان ذلك أيْسر لأخذهم.
٤٦٥ - ونسبةُ الجهل لذي وجودِ ... بما يُخصصِّ من الموجودِ
يعني أنه على القول بمنع تأخير البيان إلى وقت الحاجة يجوز أن يكون المكلفُ الموجود وقت الخطاب قد سمع العام مع جهله بمخصِّصِه، ودليلُه الوقوعُ؛ لأن فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ﵂ سمعت عمومَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء/ ١١] ولم تعلم بتخصيصه يقول ﷺ : "لا نورث ما تركناه صدقة" (١)، ولذا طلبت إرْثها منه ﷺ من أبي بكر الصديق.
وقيل: لا يجوز وقوعُ جهلِ الموجودِ وقت الخطاب بالمخصِّص لِمَا فيه من تأخير الإعلام بالبيان.
وأجيب بأن المحذور تأخير البيان وهو منتفٍ هنا، وهو ﷺ لم يبلِّغ كلَّ أحد بعينه بل بلَّغ البعض وقال: "ليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ" (٢).
وقوله: "نسبة" مبتدأ خبره "من الموجود" أي من الواقع. وقوله: "لذي وجوب" متعلق بـ "نسبة" وقوله: "بما" متعلق بـ "الجهل". وقوله: "يخصِّصُ" بالبناء للفاعل.
* * *
стр. 316
النسخ
هو لغة الإزالة (١)، ومنه نَسَخت الشمسُ الظّلَّ، والريحُ الأثرَ، وهذا هو أصل معناه الاصطلاحي، ويُطلق النسخ لغة أيضًا على النقل والتحويل، ومنه: تناسخ المواريث، وتناسخ الأرواح، واصطلاحًا هو ما أشار له المؤلف بقوله:
٤٦٦ - رفعٌ لحكم أو بيانُ الزَّمَنِ ... بمُحْكم القرآن أو بالسُّنَن
يعني أن النسخ اختلف في حدِّه، قيل: هو رفع حكم شرعي بخطاب شرعي متراخٍ (٢) عنه. كرفع الحكم بالاعتداد بحولٍ بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر، فخرج بقوله: "رفعُ حُكْمٍ شرعيّ" رفعُ البراءةِ الأصلية، وبقوله: "بخطابٍ شرعي" رَفْع الحكم بارتفاع محله أو بانتهاء غايته إذا كان مغيًّا ونحو ذلك، وخرج بقوله: "متراخٍ عنه" ما يرفعه المخصِّص المتَّصل كالاستثناء من الأفراد المشمولة للحكم لولا الاستثناء (٣).
فإن قيل: ذلك رفْعٌ للبعض والنسخ رفع للكل؟
فالجواب: أن النسخ يكون رفعًا للبعض أيضًا كما ثبت في "صحيح مسلم" (٤) عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن:
стр. 317
"عشر رضعات معلومات يحَرِّمن" فنُسِخْن بخمسٍ معلومات.
فإن قيل: هذا الحد يشمل نوعين من أنواع النسخ الثلاثة وهما: نسخُ التلاوة والحكم معًا كآية "عشر رضعات"، وكسورة الخلع والخنع (١). ونسخُ الحكم فقط دون التلاوة كآيتي العدة المتقدمة، ولكن لا يشمل الثالث الذي هو رفع التلاوة دون الحكم كنسخ تلاوة آية: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من اللَّه واللَّه عزيز حكيم" (٢) دون حكمها، لأن حكمها لم يُرْفع، والنسخ رَفْع الحكم فلم يدخل في النسخ؟
فالجواب: أن فيها نسخ حكم وهو عدم حرمة قراءتها على الجُنُب، ومسِّها على المحْدِث، وقراءتها في الصلاة، وهذه أحكام رُفِعت فيصدق عليها التعريف إذًا.
فإن قيل: هذا ينافي قولكم: إن هذا النوع منسوخ تلاوة لا حكمًا؟
فالجواب: أنه لا منافاة لأن المراد بالحكم المنفي حُكم خاص وهو مدلول اللفظ لا مطلقًا.
والقول الثاني في النسخ: أنه بيان لانقضاء زمن الحكم الأول. وعلى هذا يكون النسخ تخصيصًا في الزمن لأن ظاهر النص الأوّل تأبيد الحكم، والثاني بيَّن اختصاصَه بالزمن الذي قبل ورود الناسخ.
стр. 318
وقوله: "بمحكم القرآن أو بالسنن" يشير إلى أقسام النسخ بالنظر إلى الناسخ والمنسوخ أربعة، لأن الناسخ إما كتاب أو سنة والمنسوخ كذلك، فالصور أربع من ضرب حالتي الناسخ في حالتي المنسوخ وستأتي أمثلتها.
٤٦٧ - فلم يكن بالعقلِ أو مجرِّدِ ... الإجماعِ بل يُنْمَى إلى المستَنَدِ
صرَّح في هذا البيت بمفهوم قوله: "بمحكم القرآن" إلخ، فبيَّن أن غير النص لا يصح النسخ به كالعقل. وقوله: "أو مجرد الإجماع" يعني أن الإجماعَ بمجرَّده لا يصح النسخُ به، لأنه لا ينعقد إلا بعد وفاته ﷺ كما يأتي للمؤلف، وبعد وفاته لا يمكن النسخُ لأنه تشريع. وقوله: "بل يُنْمى" إلخ، يعني أنك إذا وجدت في كلام العلماء: النصُّ الفلاني منسوخ بالإجماع، فإنهم يعنون بذلك مستند الإجماع؛ لأن الإجماع لا يصلح ناسخًا كما عرفت.
٤٦٨ - ومنعُ نسخِ النصِّ بالقياسِ ... هو الذي ارتضاه جلُّ الناسِ
يعني أن القياس لا يصح النسخ به عند الجمهور، وهو الحق؛ لأن النص مقدَّم على القياس، ولا يصار إلى القياس إلا عند عدم النص.
وقدَّم المؤلف أن النسخ بالقرآن أو السنة كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل/ ١٠١]، وقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة/ ١٠٦]، وقوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس/ ١٥].
وقيل: يجوز النسخ بالقياس، ووجهه عند من يقول به أن الحكم الأول إنما نُسِخَ بما دل عليه النص الأخير.
стр. 319
٤٦٩ - ونسخُ بعضِ الذِّكر مطلقًا وَرَدْ ... والنسخُ بالنصِّ لنصٍّ (١) مُعتمد
يعني أن نسخ بعض القرآن وقع بالفعل ، ومفهوم بعضِه أن كله لا يجوز نسخه، وما زعمه اليهود من استحالة النسخ لما يلزم عليه من البداء -الذي هو الرأي المتجدد- باطل لأن اللَّه يعلم أنه سينسخه ويبدله بغيره عندما تنقضي مصلحته وتكون المصلحة في غيره، كما لا يلزم البداء في إماتة الحيّ وإيجاد المعدوم وإمراض الصحيح ونحو ذلك.
وقوله: "مطلقًا" يعني سواء نُسِخت تلاوته وحكمه معًا، أو تلاوته فقط، أو حكمه فقط، وقد تقدمت أمثلة الكل.
وقوله: "والنسخ بالنص" إلخ يعني أن نسخ النص بالنَّص معتمَدٌ أي قويّ مشهور للجواز والوقوع، وهو أربعة أقسام:
الأول: نسخ الكتاب بالكتاب، كنسخ آية الاعتداد بحول بآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشر.
الثاني: نسخ السُّنَّة بالسُّنَة، كقوله ﷺ : "كنتُ نَهْيتكم عن زيارة القبور فزوروها، وكنت نهيتكم عن ادِّخار لحوم الأضاحي فادخروا منها ما شئتم" (٢).
الثالث: نسخ السُّنَّة بالكتاب، كنسخ استقبال بيت المقدس الثابت
стр. 320
بالسنة بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) [البقرة/ ١٤٩] الآية.
الرابع: يأتي في البيت الآتي.
واعلم أن الشافعي يمنع نسخَ الكتاب بالسنة كالعكس، فلا يجيز نسخ الكتاب إلا بكتاب ولا سنة إلا بسنة.
وما ذكرنا من نسخ السُّنَّة بالسنة إن كانتا متواترتين، أو كل منهما آحادًا، أو الناسخ متواتر والمنسوخ آحاد، فلا إشكال. أما نسخ السنة المتواترة بالآحاد فالظاهر عدم جوازه (٢)، وعلى القول بجوازه لم يقع