← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 283

نثر الورود شرح مراقي السعود

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (730 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

النسخ هو لغة الإزالة (١)، ومنه نَسَخت الشمسُ الظّلَّ، والريحُ الأثرَ، وهذا هو أصل معناه الاصطلاحي، ويُطلق النسخ لغة أيضًا على النقل والتحويل، ومنه: تناسخ المواريث، وتناسخ الأرواح، واصطلاحًا هو ما أشار له المؤلف بقوله: ٤٦٦ - رفعٌ لحكم أو بيانُ الزَّمَنِ ... بمُحْكم القرآن أو بالسُّنَن يعني أن النسخ اختلف في حدِّه، قيل: هو رفع حكم شرعي بخطاب شرعي متراخٍ (٢) عنه. كرفع الحكم بالاعتداد بحولٍ بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر، فخرج بقوله: "رفعُ حُكْمٍ شرعيّ" رفعُ البراءةِ الأصلية، وبقوله: "بخطابٍ شرعي" رَفْع الحكم بارتفاع محله أو بانتهاء غايته إذا كان مغيًّا ونحو ذلك، وخرج بقوله: "متراخٍ عنه" ما يرفعه المخصِّص المتَّصل كالاستثناء من الأفراد المشمولة للحكم لولا الاستثناء (٣). فإن قيل: ذلك رفْعٌ للبعض والنسخ رفع للكل؟ فالجواب: أن النسخ يكون رفعًا للبعض أيضًا كما ثبت في "صحيح مسلم" (٤) عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن:

стр. 317

"عشر رضعات معلومات يحَرِّمن" فنُسِخْن بخمسٍ معلومات. فإن قيل: هذا الحد يشمل نوعين من أنواع النسخ الثلاثة وهما: نسخُ التلاوة والحكم معًا كآية "عشر رضعات"، وكسورة الخلع والخنع (١). ونسخُ الحكم فقط دون التلاوة كآيتي العدة المتقدمة، ولكن لا يشمل الثالث الذي هو رفع التلاوة دون الحكم كنسخ تلاوة آية: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من اللَّه واللَّه عزيز حكيم" (٢) دون حكمها، لأن حكمها لم يُرْفع، والنسخ رَفْع الحكم فلم يدخل في النسخ؟ فالجواب: أن فيها نسخ حكم وهو عدم حرمة قراءتها على الجُنُب، ومسِّها على المحْدِث، وقراءتها في الصلاة، وهذه أحكام رُفِعت فيصدق عليها التعريف إذًا. فإن قيل: هذا ينافي قولكم: إن هذا النوع منسوخ تلاوة لا حكمًا؟ فالجواب: أنه لا منافاة لأن المراد بالحكم المنفي حُكم خاص وهو مدلول اللفظ لا مطلقًا. والقول الثاني في النسخ: أنه بيان لانقضاء زمن الحكم الأول. وعلى هذا يكون النسخ تخصيصًا في الزمن لأن ظاهر النص الأوّل تأبيد الحكم، والثاني بيَّن اختصاصَه بالزمن الذي قبل ورود الناسخ.

стр. 318

وقوله: "بمحكم القرآن أو بالسنن" يشير إلى أقسام النسخ بالنظر إلى الناسخ والمنسوخ أربعة، لأن الناسخ إما كتاب أو سنة والمنسوخ كذلك، فالصور أربع من ضرب حالتي الناسخ في حالتي المنسوخ وستأتي أمثلتها. ٤٦٧ - فلم يكن بالعقلِ أو مجرِّدِ ... الإجماعِ بل يُنْمَى إلى المستَنَدِ صرَّح في هذا البيت بمفهوم قوله: "بمحكم القرآن" إلخ، فبيَّن أن غير النص لا يصح النسخ به كالعقل. وقوله: "أو مجرد الإجماع" يعني أن الإجماعَ بمجرَّده لا يصح النسخُ به، لأنه لا ينعقد إلا بعد وفاته ﷺ كما يأتي للمؤلف، وبعد وفاته لا يمكن النسخُ لأنه تشريع. وقوله: "بل يُنْمى" إلخ، يعني أنك إذا وجدت في كلام العلماء: النصُّ الفلاني منسوخ بالإجماع، فإنهم يعنون بذلك مستند الإجماع؛ لأن الإجماع لا يصلح ناسخًا كما عرفت. ٤٦٨ - ومنعُ نسخِ النصِّ بالقياسِ ... هو الذي ارتضاه جلُّ الناسِ يعني أن القياس لا يصح النسخ به عند الجمهور، وهو الحق؛ لأن النص مقدَّم على القياس، ولا يصار إلى القياس إلا عند عدم النص. وقدَّم المؤلف أن النسخ بالقرآن أو السنة كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل/ ١٠١]، وقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة/ ١٠٦]، وقوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس/ ١٥]. وقيل: يجوز النسخ بالقياس، ووجهه عند من يقول به أن الحكم الأول إنما نُسِخَ بما دل عليه النص الأخير.

стр. 319

٤٦٩ - ونسخُ بعضِ الذِّكر مطلقًا وَرَدْ ... والنسخُ بالنصِّ لنصٍّ (١) مُعتمد يعني أن نسخ بعض القرآن وقع بالفعل ، ومفهوم بعضِه أن كله لا يجوز نسخه، وما زعمه اليهود من استحالة النسخ لما يلزم عليه من البداء -الذي هو الرأي المتجدد- باطل لأن اللَّه يعلم أنه سينسخه ويبدله بغيره عندما تنقضي مصلحته وتكون المصلحة في غيره، كما لا يلزم البداء في إماتة الحيّ وإيجاد المعدوم وإمراض الصحيح ونحو ذلك. وقوله: "مطلقًا" يعني سواء نُسِخت تلاوته وحكمه معًا، أو تلاوته فقط، أو حكمه فقط، وقد تقدمت أمثلة الكل. وقوله: "والنسخ بالنص" إلخ يعني أن نسخ النص بالنَّص معتمَدٌ أي قويّ مشهور للجواز والوقوع، وهو أربعة أقسام: الأول: نسخ الكتاب بالكتاب، كنسخ آية الاعتداد بحول بآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشر. الثاني: نسخ السُّنَّة بالسُّنَة، كقوله ﷺ : "كنتُ نَهْيتكم عن زيارة القبور فزوروها، وكنت نهيتكم عن ادِّخار لحوم الأضاحي فادخروا منها ما شئتم" (٢). الثالث: نسخ السُّنَّة بالكتاب، كنسخ استقبال بيت المقدس الثابت

стр. 320

بالسنة بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) [البقرة/ ١٤٩] الآية. الرابع: يأتي في البيت الآتي. واعلم أن الشافعي يمنع نسخَ الكتاب بالسنة كالعكس، فلا يجيز نسخ الكتاب إلا بكتاب ولا سنة إلا بسنة. وما ذكرنا من نسخ السُّنَّة بالسنة إن كانتا متواترتين، أو كل منهما آحادًا، أو الناسخ متواتر والمنسوخ آحاد، فلا إشكال. أما نسخ السنة المتواترة بالآحاد فالظاهر عدم جوازه (٢)، وعلى القول بجوازه لم يقع

стр. 321

على الصحيح، لأن المتواتر قطعيّ والآحاد ليس كذلك، ولا يصح رفع الأقوى بما هو دونه مرتبة، كما أشار له بقوله: ٤٧٠ - والنسخُ بالآحادِ للكتابِ ... ليسَ بواقعٍ على الصواب يعني أن نسخ القرآن بأخبار الآحاد ليس بواقع على الصواب أي على القول الصحيح ولو قلنا بجوازه، ووَجْه هذا القول: أن القرآن قطعيٌّ وخبر الآحاد دونه في القوة، والأقوى لا يُرْفع بما هو دونه. وقيل: هو واقعٌ كنسخ آية الوصية للوالدين والأقربين بحديث: "لا وصيةَ لوارث" (١). واحتجَّ القائلون بهذا أن خبر الآحاد يجب العمل به قطعًا، وإذًا فهو قطعي إذ لا يضرنا التردد في أصله مع القطع بوجوب العمل به، وقالوا أيضًا: لا نسلِّم أن المقطوع لا يُرْفع بالمظنون، فبراءةُ

стр. 322

الذِّمة من التكليف مقطوع بها، مع أنه يجب التكليف بالأَدلة الظنية. واحتجُّوا أيضًا بأنه (١) وإن كان قطعي المتن فليس قطعي الدلالة بل دلالته ظنية. فإن قيل: نسخُ التلاوة بالآحاد يُبْطل قرانية الآية، وقرانيتها قطعية. فإنهم يجيبون أن قرآنيتها وإن كانت قطعية فدوامُها ليس بقطعيٍّ، والنسخُ بالآحاد إنما أبطلَ دوامَ القرآنية المظنون لا أصلها القطعي. وممن قال بالنسخ به من المالكية: الباجيُّ والقرافيُّ (٢). والتحقيق: أن آية الوصية منسوخة بآية المواريث، والحديث بيانٌ للناسخ، وبيان المتواتر بالآحاد جائز كما تقدم في قوله: "وبين القاصر" إلخ. ٤٧١ - ويُنسَخُ الخِفُّ بما له ثِقَلْ ... . . . . . . . . . . . . يعني أنه يجوز نسخ الحكم الخفيف بحكم أثقل منه كنسخ التخيير بين الصوم والفدية في رمضان المنصوص في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة/ ١٨٤] الآية. بتعيين الصوم المنصوص في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وكنسخ حَبْس الزواني في البيوت المنصوص في قوله: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء/ ١٥] الآية،

стр. 323

بالجلد والرجم المنصوص أولهما بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور/ ٢] الآية، وثانيهما بالآية المتقدمة المنسوخةِ التلاوةِ دون الحكم (١). ونسخه الأخف بالأثقل لمصلحة كثرة الثواب، ونسخ الأثقل بالأخف لمصلحة التخفيف والتسهيل صيانة عن الوقوع في الإثم. . . . . . . . . . . . . ... وقدْ يَجيء عاريًا من البدل يعني أن النسخ يجوز بلا بدل أصلًا، وهذا قول جمهور الأصوليين، والذي يظهر أن هذا القول باطل لأن اللَّه نصَّ على بطلانه بقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦]. وما احتجُّوا به من وقوعه باطل أيضًا، وذلك أنهم زعموا أن قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة/ ١٢] الآية نسخٌ بلا بدل، والتحقيق أنه نسخ ببدل وهو ندبيَّةُ الصدقة. ٤٧٢ - والنسخ مِن قَبْل وقوعِ الفِعْلِ ... جاء وُقوعًا في صحيح النقلِ يعني أن النسخ قبل وقوع الفعل جائز وواقع في النقل الصحيح، كنسخ ذبح ولد إبراهيم قبل أن يذبحه، كما أشار له تعالى بقوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات]، وكنسخ خمسٍ وأربعين صلاة بعد فرضها ليلة الإسراء حتى لم يبق من الخمسين إلا خمس. والحكمةُ في النسخ قبل الفعل الاختبار والابتلاء، كما بينه تعالى بقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ [الصافات] أي

стр. 324

الاختبار الظاهر هل يصمِّمُ على ذبح ولده أو لا؟ وهذه المسألة منهم من يعبِّر عنها بنسخ الفعل قبل التمكُّن منه، ومنهم من يعبر بالنسخ قبل الفعل، ومنهم من يقول: وقت الفعل أو قبل مجيء وقته، وبعض الحنابلة يجعلها مسألتين: النسخ قبل التمكُّن من الفعل، والنسخ بعد التمكُّن من الفعل قبل الفعل، وكلاهما فيه الخلاف. والظاهر الجواز مطلقًا لحكمة الابتلاء المتقدمة. ٤٧٣ - وجازَ بالفحوى ونسْخه بلا ... أصلٍ وعَكْسُه جوازُه انجلى يعني أن نسخ النص بالفحوى جائز ، والمراد بالفحوى مفهوم الموافقة بقسميه، وهذا على القول بأنه منصوص، أما على القول بأنه قياس فلا يجوز النسخ به لقول المؤلف: "ومنع نسخ النص بالقياس" (١) إلخ. فلو فرضنا -مثلًا- أن آية: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء/ ٢٣] نزلت بعد العمل بحديث: "لَيُّ الواجِدِ. . . " (٢) الحديث = لكان مفهومها الذي هو الفحوى ناسخًا لحبس الأب في دَيْن الولد لأن التخصيص بعد العمل نسخ كما تقدم. وقوله: "ونسخه بلا أصل" إلخ. يعني أنه يجوز نسخ مفهوم الموافقة دون المنطوق ويجوز نسخ منطوقه دونه، فالمنطوق -مثلًا- تحريم التأْفيف، والمفهوم تحريم الضرب، فعلى هذا القول يجوز نسخ

стр. 325

التأفيف مع بقاء تحريم الضرب، ويجوز نسخ تحريم الضرب مع بقاء تحريم التأفيف؛ بناءً على عدم الارتباط بينهما وعدم لزوم واحد منهما للآخر، والظاهر خلاف ذلك كما ذهب إليه الأكثر، وأشار له المؤلف بقوله: ٤٧٤ - ورأي الأكثرين الاستلزامُ ... . . . . . . . . . . . . يعني أن رأي أكثر العلماء استلزام نسخ كل من المنطوق وفحواه للآخر، وعليه فلا يمكن نسخ أحدهما دون الآخر؛ لأن الفحوى لازم لأصله [وتابع له] ورفع اللازم يستلزم رفع الملزوم كما أن رفع المتبوع يستلزم رفع التابع، وأما رفعهما معًا فلا مانع منه، فيجوز نسخهما بلا خلاف. . . . . . . . . . . . . ... وبالمُخالَفَةِ لا يُرَام يعني أن النسخ لا يُقصد بمفهوم المخالفة لضعفه عن مقاومة النصِّ وهو ظاهر. ٤٧٥ - وهي عن الأصل لها تجرُّدُ ... في النسخ وانعِكَاسُه مُسْتَبْعَدُ الضمير في قوله: "لها" عائد إلى المخالفة بمعنى الحكم المدلول عليه بها، يعني أن الحكم المدلول عليه بمفهوم المخالفة يصحُّ تجرُّده عن أصله الذي هو المنطوق، ف يجوز نسخ حكمِ مفهوم المخالفة مع بقاء المنطوق. ومثاله: قوله ﷺ : "إنما الماءُ من الماءِ" (١) فإنه دلَّ بمنطوقه على وجوب الغسل من نزول المنيِّ، ودل بمفهومه مفهوم المخالفة الذي

стр. 326

هو مفهوم الحصر هنا (١) على عدم وجوب الغسل من الجماع بلا إنزال، فنسخُ المفهومِ بأحاديث وجوب الغسل بالتقاء الختانين، مع بقاء المنطوق الذي هو وجوب الغسل من خروج المنيّ غير منسوخ. وقوله: "وانعكاسه مُسْتبعد" يعني أن عكس ما ذكر مستبعد، وهذا المستبعد الذي هو عكس المذكور وهو نسخ المنطوق وبقاء مفهوم المخالفة، واستبعادهم له يؤيد رأي الأكثرين في استلزام المنطوق لمفهوم الموافقة كما تقدم. ٤٧٦ - ويجبُ الرفعُ لحكمِ الفرعِ ... إنْ حُكْمُ أصلِه يُرى ذا رَفْعِ يعني أنه إذا رُفِع حكم [الأصل] (٢) المقيس عليه بأن نُسِخَ، فإن حكم الفرع يجب رفعه تبعًا لحكم أصله، فلو قال أحدٌ أيام تحليل الخمر: النبيذُ مباحٌ قياسًا على الخمر، ثم نُسِخ حكم الخمر لزمَ ارتفاعُ الحِلّيَّةِ عن النبيذ تبعًا لارتفاعها عن الخمر. وخالف في ذلك بعض الحنفية زاعمين جواز بقاء حكم الفرع مع ارتفاع حكم الأصل. ومَثَّلوا لذلك بجواز شهادِة أهلِ الذمة بعضهم على بعض قياسًا على جواز شهادة الكافرين على الإيصاء في السفر المنصوص بقوله: هو ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة/ ١٠٦] بجامع ضرورة عدم وجود المسلمين، قالوا: فنُسِخ الأصل بآيات اشتراط العدالة وبقي الفرعُ

стр. 327

مُحْكمًا، فمنعوا شهادة الكافرين على الإيصاء في السفر نظرًا لنسخ حكمها وأثبتوا شهادةَ أهل الذمة بعضهم على بعض، إبقاءً لحكم الفرع المقيس مع رفع حكم أصله المقيس عليه، والآيُة مختَلَف في نسخها، وشهادة أهل الذمة المذكورة مختَلَف فيها. ٤٧٧ - ويُنْسخ الإنشا ولو مؤبَّدا ... والقيدُ في الفعل أو الحُكْم بدا ٤٧٨ - وفي الأخير منَعَ ابنُ الحاجِبِ ... كمستمِرٍّ بعدَ صومٍ واجب يعني أن النسخَ إنما يكون في الإنشاء دون الخبر ، ويجوز نسخ الإنشاء ولو اقترن بقيد التأْبيد، سواء كان القيد بالتأبيد في الفعل أو في الحكم. فمثاله في الفعل: ما لو قال الشارع قبل نَسْخ صوم عاشوراء: صوموا عاشوراء أبدًا، فقوله: "أبدًا" متعلق بالفعل الذي هو الصوم. ومثاله في الحكم: ما لو قال منشئًا لا مخبرًا: صوم عاشوراء مستمرٌّ عليكم أبدًا، أو وجب عليكم أبدًا، فإن كل هذا لا ينافي النسخَ عند الأكثر لأن المقصود الإنشاء، والتأبيد هو ظاهر التشريع، واختار ابنُ الحاجب منع النسخ في الأخير الذي هو كون القيد بالتأبيد واقعًا في الحكم لظهور منافاته للنسخ (١). و أوْضح فرقٍ بين الإنشاء والخبر: أنَّ مدلولَ الخبر أمر خارجي أُخْبِرَ عنه، ومدلول الإنشاء لا وجود له في الخارج، وإنما يوجد بحصول صيغة الإنشاء، فقولك: "جاء زيد" -مثلًا- إخبار عن أمر واقع في

стр. 328

الخارج. وقولك: "بعتك سلعتي بكذا" ليس فيه إخبار عن أمر كان واقعًا في الخارج، لأن السلعة لم تكن مبيعة فيما قبل، وإنما أُنشأ بيعها بالصيغة، أما صيغ الإنشاء الطلبية فلا التباس بينها وبين الخبر أصلًا. ٤٧٩ - ونسخُ الاخبار بإيجاب خبَرْ ... بناقِضٍ يجوز لا نسخُ الخبَرْ في الكلام مضاف محذوف تقديره: "إيجاب" أي ونسخُ إيجاب الإخبار، وقوله: "بناقض" يعني بنقيض الخبر الأول. وتقرير المعنى: أنه لو وجب خبر بشيء فإن ذلك الإيجاب يجوز نسخُه بإيجاب الإخبار بنقيض الخبر الأول، فيجوز أن يوجب عليك الإخبار بأنَّ زيدًا قائم -مثلًا- ثم يُنسخ ذلك الإيجاب بنقيضه بأن يوجب عليك أن تخبر بأن زيدًا غير قائم. فإن قيل: يلزم على هذا إيجاب الإخبار بكذب؛ لأن لا يصح صدق الأول والثاني، بل لابدَّ من كذب أحدهما. فالجواب: أنه لا منافاةَ بين إيجاب الإخبار وبين كون المخبَر به غير واقع [في نفس الأمر] (١) ألا ترى أنك لو سألك ظالمٌ عن رجل تعرف محلَّه وأنت موقنٌ أن الظالم يريد قتلَه ظلمًا ولا يمكن أن تتخلَّصَ من الظالم إلا بالجواب = أنه يجبُ عليكَ الإخبارُ بغير الواقع بأن تقول: لا أدري، وأنت تدري؟ وقوله: "لا نسخ الخبر" يعني أن الخبر لا يجوز نسخه لأن نسخه تكذيب له والوحي يستحيل فيه الكذب.

стр. 329

٤٨٠ - وكلُّ حكمٍ قابلٌ له وفي ... نفي الوقوعِ الاتفاقُ قد قُفِي يعني أن كل حكم تكليفيّ بالنظر إليه بمفرده قابل للنسخ عقلًا وشرعًا ، أما نسخ كلِّ أحكام الشريعة فهو مُجْمَع على أنه لم يقع، وذلك هو معنى قوله: "وفي نفي الوقوع الاتفاق قد قُفِي". وقوله: "قُفي" بمعنى اتُّبع أي اتُّبع اتفاقُ العلماء على عدم وقوع نسخ كل أحكام الشريعة. ٤٨١ - هل يستقلّ الحكم بالورودِ ... أو ببلوغه إلى الموجودِ ٤٨٢ - فالعزلُ بالموت أو العزلِ عَرَضْ ... كذا قضاءُ جاهلٍ للمفترَضْ يعني أنهم اختلفوا هل يستقلّ -أي يثبت- الحكم في حق المكلَّفين -بمعنى استقراره في ذِمَمهم- بمجرَّد الورود أي تبليغ جبريل إياه إلى النبي ﷺ أوْ لا يَسْتقل (١) إلا بعد أن يبلِّغه لهم النبي ﷺ ؟ وللمسألة أربعة أحوال: الأول: ألا يبلغ الحكمُ جبريلَ ولا النبيَّ فهذا لا يثبت في حق المكلفين إجماعًا. الثاني: أن يبلغ جبريلَ قبل أن يبلغ النبي. وهذا كالأول على التحقيق. والثالث: أن يبلِّغه جبريلُ إلى النبي ﷺ ولم يبلّغه الأمة، فهذا هو مقصود المؤلف. وينبني على الخلاف فيه نسخ خمس وأربعين صلاة من الخمسين ليلة الإسراء بعد بلوغ الأمر للنبي ﷺ وقبل بلوغه للأمة هل يكون نسخًا في حقهم بناءً على ثبوت الحكم بمطلق الورود، أو لا يكون نسخًا في حقهم

стр. 330

بناءً على أن الحكم لا يثبت إلا بالبلوغ، ولَمَّا لم يبلُغْهم لم يثبت في حقهم أصلًا حتى ينسخ؟ واختار هذا الأخير ابنُ الحاجب والسبكي (١) وعليه الأكثر. الرابع: أن يبلِّغ الأمة ولا إشكال فيها. وقوله: "فالعزل بالموت" إلخ يعني أن الخلاف المذكور ينبني عليه الخلاف في تصرف الوكيل بعد موت موكِّله أو عَزْله إياه وقبل العلم بالموت أو العزل، فعلى القول بأن الحكم يستقل بمطلق الورود ينعزل الوكيل بمجرَّد موت موكله أو عزله إياه ولو لم يعلم بذلك. وعلى أن الحكم لا يستقل إلا ببلوغه فلا ينعزل إلا بعد العلم بالموت أو العزل. وقوله: "كذا قضاء" إلخ يَعْني أنه ينبني على الخلاف أيضًا الخلاف في الذي لم تبلغه الدعوة، كالذي نشأ على شاهق جبل أو في دار كفر إذا وجد من يعلِّمه هل يقضي ما فاته من الفرائض بناءً على ثبوت الحكم بمطلق الورود أو لا يقضيه بناءً على أنه لا يثبت إلا بالبلوغ؟ أما القادر على تعلُّم الشرائع فالقضاء واجب عليه وإن لم يَعْلمها لأنه مُفرِّط. ٤٨٣ - وليسَ نسخًا كلُّ ما أفادا ... فيما رسا بالنَّصِّ الازدِيادا قوله: "الازدياد" مفعول "أفادَ"، و"نسخًا" خبر "ليس" و"كلُّ" أسمها. يعني: أنه ما كل شيء أفاد الزيادة على ما "رَسَا بالنص" أيْ ثبت به يكون نسخًا، بل قد يكون نسخًا (٢) وقد لا، وقيل: لا يكون نسخًا مطلقًا.

стр. 331

وخالف في ذلك الحنفية فقالوا: الزيادة على النص نسخ سواءٌ كانت زيادة جزء أو شرط. مثال زيادة الجزء: زيادة تغريب الزاني البكر بالسنة الثابت في "الصحيح" (١) على جلد مائة الثابت في الآية (٢)، فالتغريب المزيد في الحديث جزءٌ من عقوبة الزاني البكر. وكزيادة الحكم بالشاهد واليمين الثابت عن النبي ﷺ في الأموال (٣) على الشاهدين، والشاهد والمرأتين المنصوص في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة/ ٢٨٢] لأن الشاهد واليمين صورة زائدة من الصور التي يُقضى بها في الأموال. ومثال زيادة الشرط: زيادة شرط الإيمان في رقبة الظهار واليمين المفهوم من قوله ﷺ : "اعتقها فإنها مؤمنة" (٤) على مطلق الرقبة المنصوص في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فكل هذه الزيادات لا تقتضي النسخ لأنها لم ترفع حكمًا شرعيًّا، وإنما رفعت جوازَ تركِها الأول وهو من الإباحة العقلية، وهي ليست من الأحكام -كما تقدم للمؤلف- حتى يكون رفعها نسخًا. وخلافُ الحنفية في ذلك مبنيٌّ على أن الزيادة لابدَّ أن ترفع حكمًا

стр. 332

شرعيًّا لأن الاقتصار على الأول كان جائزًا، والزيادة رفعت ذلك الجواز، والتحقيقُ الأول؛ لأن جواز ترك الزائد قبل فرضه مأخوذ من البراءة الأصلية. وقول المصنف: وليس كل ما أفاد الزيادة نسخًا، يُفهم منه أن بعض الزيادات نسخ، وهو يقصد ذلك (١)، والزيادةُ التي تكون نسخًا كما لو زيدت في صلاة الصبح ركعة -مثلًا- لأنه قبل الزيادة كان الاقتصار على الاثنتين واجبًا، والصلاة تبطل بزيادة الثالثة عمدًا، وبطُروِّ الزيادة انعكس الأمر فصارت تبطل بتركها، وإنما لم تكن الزيادة نسخًا لأن الناسخ لابدَّ من منافاته للمنسوخ، والزيادةُ قد لا تنافي، ومن هنا لم يقل مالكٌ بتحريم ذي النَّاب من السباع وذي المِخْلَب من الطير، مع أن الأحاديث صحَّت عن النبي ﷺ بالنهي عنها المقتضي للتحريم، وفي بعضها التصريح بالتحريم، ولكنَّ مالكًا يقول: هذه الزيادة منافية للآيات، والزائد المنافي لابد أن يكون ناسخًا، والقرآن لا يُنسخ بأخبار الآحاد (٢)، ووجه منافاة هذه الزيادة للآيات: أن اللَّه تعالى صرَّح بحصر الطعام الحرام في أشياء لم يكن منها ذو الناب من السباع ولا ذو المِخْلب من الطير، فتحريمُها ينقض ذلك الحصر، ونقضُه لا يكون إلَّا بنسخ، وحَصْرُ التحريم في شيء وبيانُ تحريم شيء بينهما فرق ظاهر، فحَصْر الطعام الحرام في أشياء فيه النَّصُّ على أن غيرها ليس بحرامٍ، فتحريمُه رفع للتحليل المفهوم من النص الأول. وما كالتغريب -مثلًا- فليس فيه منافاة؛ لأن الآية ذُكِر فيها الجلد

стр. 333

من غير تعرُّض لنفي غيره. فإذا عرفتَ ذلك فاعلم أن اللَّه تعالى قال في سورة الأنعام -وهي مكية-: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام/ ١٤٥] الآية، وهذا الحصر يدل على عدم تحريم ذي الناب من السباع وذي المِخْلب من الطير، فالزيادة المحرم لهما تُناقض هذا الحصر القرآنيَّ. وقال تعالى في سورة النحل -وهي مكية أيضًا-: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [النحل/ ١١٥] و ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر أيضًا عند جمهور الأصوليين والبيانيين وهو الحق، والنحلُ نزلت بعد الأنعام بدليل قوله في النحل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [النحل/ ١١٨] وقد قصَّ عليه في سورة الأنعام بقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام/ ١٤٦] الآية، ثم قال في سورة البقرة -وهي مدنية بالإجماع-: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة/ ١٧٣] الآية، فلم يقبل مالك رفع هذا الحصر المتكرر في مكة والمدينة بأخبار الآحاد وإن كانت صحيحة، ولذا لم يقل بحُرمة ذي الناب من السباع بل قال بكراهته؛ جمعًا بين الأدلة قائلًا: إن الروايات المصرحة بالتحريم فَهِم أصحابُها التحريم من النهي فصرَّحوا بالتحريم ظنًّا منهم أنه معنى النَّهي، مع أن مالكًا يقبل الزيادة على النص ولا يقول بأنها نسخ إلَّا إذا نافت كما عرفت. ٤٨٤ - والنقصُ للجزءِ أو الشرطِ انْتُقي ... نسخُه للسَّاقِط لا لِلَّذْ بقي يعني أن نقص الجزء أو الشرط "انتقي" أي اختير كونه نسخًا للساقط دون الباقي، وقيل: إنه نسخ للكل، والأول أصح. مثالُ نسخ الجزء: ما

стр. 334

ثبت في "صحيح مسلم" (١) عن عائشة ﵂ قالت: "كان في ما أنزل من القرآن: "عشر رضعات معلومات يُحَرِّمن" فنُسِخْن بخمس". ومثالُ نسخ الشرط: نسخ ما كان في أول الإسلام من اشتراط الوضوء لكل صلاة (٢). وقوله: "للذْ بقي" بتسكين الذال فيه لغة. ٤٨٥ - الإجماع والنَّص على النسخِ ولوْ ... تَضَمّنًا كلا فعَرفًا رأوْ ٤٨٦ - كذاك يُعرَف لدى المُحَرِّرِ ... بالمَنْع للجَمع مع التأخُّرِ ٤٨٧ - كقول راوٍ سابقٌ والمَحْكِي ... بما يُضاهي المَدَني والمَكَي ٤٨٨ - وقولِه الناسخُ. . . . . ... . . . . . . . . . . . . ذكر في هذد الأبيات [الأدلة] (٣) التي يُعرف بها النسخ أي أن هذا ناسخ وهذا منسوخ: الأول: الإجماع، كإجماع المسلمين على نسخ سورة الخَلْع والخُنْع (٤)، وهو مرادُ المؤلف بقوله: "الإجماع". الثاني: النص على النسخ، كما لو قال ﷺ : النص الفلاني منسوخ ولو كان النَّصُّ على النسخ بالتضمُّن والالتزام من غير تصريح بالنسخ، كقوله ﷺ : "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها. . . " الحديث، وقوله ﷺ : "كنتُ نهيتكم عن ادِّخار لحومِ الأضاحي. . . " (٥) الحديث،

стр. 335

وهذا هو مراده بقوله: "والنص على النسخ ولو تضمنا". الثالث: معرفة المتأخر من النصين مع عدم إمكان الجمع، فالمتأخر إن لم يمكن الجمع ناسخ، وهو مراده بقوله: "كذاكَ يُعرفُ. . " البيت. وقوله: "كقول راوٍ سابقٌ" يعني أن معرفة المتأخر الناسخ للسابق تُعرف بأدلة منها قول الراوي: هذا سابق وهذا متأخر. ومنها أن يقول: هذا مدني وهذا مكّي، للعلم بأن المدني متأخر عن المكِّي. وأصح التعريفات للمدني والمكي: أن المدني ما نزل بعد الهجرة ولو نزل في مكة أو عرفات، والمكي ما نزل قبل الهجرة. والصحيحُ فيما نزل في سَفَر الهجرة بين مكة والمدينة كآية: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص/ ٨٥] التي نزلت بالجُحْفة من طريق الهجرة أنه مدني، والأمران المذكوران هما مراد المؤلف بقوله: "وقول راو سابق" البيت. وقوله: "وقولِه الناسخُ" يعني أن من الأدلة المثبتة للنسخ قول الراوي: هذا النص هو الناسخ -بالتعريف- لا إن قال: هذا ناسخٌ -بالتنكير- فلا يثبت به النسخ عند جمهور الشافعية والمالكية خلافًا للحنابلة. ووجه الفرق عند القائل به: أن قوله: هذا هو الناسخ -بالتعريف- يدل على أن النسخ ثابت عند غيره وهو إنما عَيَّن الناسخ، وتعيينُ الناسخ دليل على معرفة خاصة، بخلافِ ما لو قال: هذا ناسخ، فلا يدل على ثبوت النسخ عند غيره (١)، وقد يظهر له ذلك باجتهاد منه لا يتابعه عليه غيره.

стр. 336

. . . . . . والتأثيرَ دَعْ ... بوَفْقِ واحد للأصلِ يُتَّبعْ ٤٨٩ - وكون راويه الصحابي يقْتَفي ... ومِثْلُه تأخُّرٌ في المُصْحَف قوله: "التأثيرَ" مفعول مقدم لقوله: "دع" يعني اترك التأثير في معرفة المتأخر بموافقة واحد من النصين للأصل الذي هو البراءة الأصلية، فالموافق من النصين لبراءة الذمة الأصلية لا يدل ذلك على كونه متأخرًا حتى ينسخ الآخر، خلافًا لمن زعم ذلك نظرًا إلى أن الأصل مخالفة الشرع لها وهو مردود بجواز ورود الموافق لها أولًا، إذ لا مانع من ذلك، ودع التأثير أيضًا بكون الصحابي الراوي لأحد الحديثين يقتفي راوٍ آخر في الإسلام. وإيضاحُه: أن راوِيَيْ الحديثين المختلفين إذا كان أحدهما متأخر الإسلام كأبي هريرة الذي أسلم عام خيبر، مع أحد السابقين كعمَّار فلا يقتضي تأخُّر إسلامه تأخُّر حديثه، لجواز أن تكون رواية الأسْبَق إسلامًا بعد رواية الأحْدَث إسلامًا، خلافًا لمن زعم ذلك نظرًا لأن تأخر الإسلام من مظنة تأخر الرواية. وقوله: "ومثله تأخر في المصحف" يعني أنه يترك التَّأْثير أيضًا بتأخر الآية في المصحف لجواز أن تكون المتأخرة في المصحف سابقة في النزول، ألا ترى أن أول ما نزل صدر سورة اقرأ وهو في آخر المصحف، ولذا جاز أن تكون الأولى في المصحف ناسخةً للأخيرة فيه لتأخرها في النزول وإن تقدمت في ترتيب المصحف. وكآية ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب/ ٥٠]، فإنها ناسخة لقوله: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ [الأحزاب/ ٥٢] على أصح القولين مع أنها قبلها في المصحف، والعلم عند اللَّه تعالى.

стр. 337

كتاب السنَّة السنة في اللّغَة الطريقة، ومنه قول لبيد (١): من معشَرٍ سنَّت لهم آباؤهم ... ولكل قومٍ سنَّةٌ وإمامُها واصطلاحًا عرَّفها المؤلف بقوله: ٤٩٠ - وهيَ ما انضافَ إلى الرَّسول ... من صفةٍ كَلَيْس بالطَّويل ٤٩١ - والقولِ والفعلِ وفي الفعلِ انحَصَرْ ... تقريرُه كذي الحديثُ والخبَرْ يعني أن السنة اصطلاحًا هي ما انتسب إلى النبي ﷺ من الصفات ككونه ليس بالطويل ولا بالقصير، ومن الأقوال والأفعال، ويدخل في الأفعال تقريره ﷺ ؛ لأنه لا يقر أحدًا على باطل كما يأتي، وأشار إلى أن التقرير فِعْل ضِمْني بقوله: "وفي الفعل انحصر تقريره" ولا سيما إذا سُرَّ بالفعل الذي قُرِّر عليه كسرُوْره من قول مُجزِّزٍ في أسامة وزيد: هذه الأقدام بعضُها من بعض (٢). ومن ثمَّ أخذ بعض العلماء ثبوت النسب بالقافة. ويدخل في الفعل الإشارة والهمُّ، لأنه ﷺ لا يهم بباطل، ومثال الإشارة: إشارته لكعب بن مالك أن يضع شَطْر دينه على ابن أبي حَدْرَد (٣).

стр. 338

ومثال الهم: همه بتنكيس الرِّداء في الاستسقاء، ولذلك قال الشافعي بسُنِّيته (١). وقوله: "كذي الحديث" إلخ، يعني أن الحديث والخبر والسنة ألفاظ مترادفة، ولما بيَّن أن أفعال النبي ﷺ سنة بيَّن أنه معصوم هو وجميع الأنبياء من الوقوع في المنهي عنه بقوله: ٤٩٢ - والأنبياء عُصِموا مما نُهوا ... عنه. . . . . . . . . . . . العِصْمة -بالكسر- تخصيص القدرة بالطاعة فلا تقع منهم معصية، وأجاز البعض عليهم خصوص صغيرة غير الخسة مع عدم إقرارهم عليها. فإن قيل: قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه/ ١٢١]، وقال في يوسف: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف/ ٢٤]، وذكر عن إخوة يوسف في سورة يوسف ما دل على قطع الرحم والعقوق والكذب. فالجواب عن قصة آدم: أنه نسيَ العهد فأكل الشجرة ناسيًا، وسبب نسيانه غرور الشيطان له وحلفه باللَّه، لأن آدم لا يخطر في عقله أن أحدًا يحلف باللَّه على الكذب، وذكر اللَّه أنه ناس مغرور قال: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه/ ١١٥]، وقال: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف/ ٢٢]. ويُجاب عن هم يوسف بأنّها خَطْرة قَلْب لم يُصَمِّمْ عليها، وما كان من الهمِّ كذلك لا مؤاخذة به. وأَجَابَ البعضُ بأن الهمَّ لم يقع منه أصلًا

стр. 339

لتعليقه على الشرط بقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف/ ٢٤]. وعن إخوة يوسف بأن التحقيق أنهم ليسوا أنبياءَ (١). فإن قيل: في القرآن ما يدل على نبوتهم وهو قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ -إلى قوله: - وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة/ ١٣٦]، ففي ذلك دليل على نزول الوحي إلى الأسباط، والأسباطُ أولاد يعقوب. فالجواب: أن المراد بالأسباط قبائل بني إسرائيل الاثني عشرة وفيهم أنبياء كثيرون يوحَى إليهم، ويدلُّ لهذا قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف/ ١٦٠]. وما أضيف إلى النبي ﷺ من الذنب في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ [الفتح/ ٢]، والوزر في قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح/ ٢]. فيجاب عنه بأن اللَّه يعدُّ على الأنبياء خلف الأَوْلى كأنه ذنب، كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقال بعضهم (٢): فصغائرُ الرجلِ الكبيرِ كبائرٌ ... وكبائرُ الرجلِ الصغير صغائرُ أو أن المراد بالذنب والوزر ما كان من التقصير في العمل قبل النبوة، ولكن قوله: ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ لا يساعد هذا القول. ومما يدل على الجواب الأول قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة/ ٤٣]

стр. 340

فالعفو يستلزم ذنبًا وهو ﷺ لم يفعل إلا ما أذن اللَّه له فيه كما قال: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور/ ٦٢]. والحاصل عصمة الأنبياء من الكفر قبل النبوة وبعدها، ومن الكذب فيما بلَّغوا عمدًا إجماعًا، ونسيانًا أو سهوًا عند الجمهور، وعصمتهم من الكبائر عمدًا عند الجمهور وهو الحق خلافًا للحشوية، وكذا سهوًا أو نسيانًا على ما اختاره بعض المحققين. وأما الصغائر فأجاز وقوعها منهم كثير إن كانت غير صغائر خسَّة، وأكثر المجوزين يقولون: لم تقع منهم بالفعل. . . . . . . . . . . . . ... . . . . . ولم يكنْ لهم تفكُّهُ ٤٩٣ - بجائزٍ بل ذاك للتَّشْرِيعِ ... أو نيَّةِ الزُّلفى من الرَّفيعِ يعني أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يفعلون الجائز للتفكُّهِ أي التلذذ والرغبة في الدنيا، وإنما يفعلون ذلك تشريعًا لأممهم "أو نية الزُّلْفى" أي القربى "من الرفيع" وهو اللَّه تعالى (١)، كالأكل والشرب بنيَّة التقَوِّي على العبادة. ٤٩٤ - فالصَّمتُ للنبيِّ عن فعلٍ عَلِمْ ... به جوازُ الفعل منه قد فُهِمْ

стр. 341

يعني أنه يعلم من عصمة الأنبياء أن سيدنا محمدًا ﷺ لا يُقرُّ أحدًا على باطل، فكل فعلٍ عَلِمَ به وسَكَت عليه فهو جائز إلا إذا عُرِف لسكوته عليه موجب، كما لو أقرّ على ترك الصلاة ذِميًّا كافرًا مؤدِّيًا للجزية. ٤٩٥ - ورُبَّما يفعلُ للمكروهِ ... مُبَيِّنًا أنَّهُ للتنزيهِ ٤٩٦ - فصارَ في جانبهِ منَ القُرَبْ ... كالنهي أن يُشْرَبَ من فَمِ القِرَبْ يعني أن النبي ﷺ ربما فعل بعض المكروهات ليبيِّن أن كراهته تنزيهية وأنه غير حرام فيصير قربة في حقه لأنه حينئذٍ تبليغٌ، ومن أمثلة ذلك ما ذكره المؤلف من أنه ﷺ نهى عن الشُّرْب من فَمِ القِرْبَةِ (١)، ثم شرب من فَمِ القربة (٢) ليبيِّن عدم المنع. ٤٩٧ - وفعلُه المركوزُ في الجِبِلَّه ... كالأكل والشُّربِ فليس مِلَّه يعني أن أفعال النبي ﷺ الجِبِلّية أي التي تقتضيها الجِبِلّة البشرية، كالأكل والشرب والقيام والقعود = لا تدخل في حدِّ السنة اصطلاحًا، وذلك هو المراد بقوله: "فليس مِلَّه" وأصل المِلة الشريعة والطريقة، لأن الأفعال الجبلية لم تُفْعَل لأجل التشريع والاستنان بل لأن الطبع البشري

стр. 342

يقتضيها، والحقُّ أنها تفيد جواز ذلك الفعل. ٤٩٨ - من غيرِ لَمْح الوصفِ. . . . ... . . . . . . . . . . . . يعني أن حلَّ كون الأفعال الجِبِلّيَة لا تدخل في السنة اصطلاحًا ما لم تُرَاع صفاتها التي وقعت عليها، أمَا مع "لَمح" أي مراعاة صفاتها فإنها من السنة، كمراعاة صفة الأكل من كونه يأكل بيمينه ويأكل مما يليه، ومراعاة صفةِ الشُّرب ككونه يأخذُ الإناءَ بيمينه ولا يتنفس في الإناء، وأمثال ذلك، فإن ذلك كلَّه من السنة وإن كان أصل الأكل والشرب -مثلًا- لَيْسا منها اصطلاحًا. . . . . . . . . . والذي احتَمَلْ ... شرْعًا ففيه قُلْ ترَدُّدٌ حَصَلْ اعلم أولًا أن أفعال النبي ﷺ باعتبار التشريع والجبلَّة ثلاثة أقسام: قسم متمحِّض للتشريع، وقد تقدم في قول المؤلف: "والقولِ والفعلِ" إلخ. وقِسم متمحِّض للجبلة، وقد تقدم في قوله: "وفعله المركوز" إلخ. وقسم محتمل لكليهما لكونه وقع مقترنًا بعبادةٍ مع أن الجبلة تقتضيه، وقد تردَّد فيه العلماء، أي اختلفوا فيه من أجل احتماله للأمرين، وذلك هو معنى قول المؤلف: "والذي احتَمَل شرعًا ففيه قل تردُّد". ومثَّل له المؤلف بمثالين: الأول: ركوبه ﷺ في حجة الوداع، فبعضهم يقول: ركوبه في الحج فِعل جبلَّي لأنه كان يركب في غير الحج، فالركوب في الحج ليس بسنة والمشي فيه أفضل منه، وبعضهم يقول: هو سنة لأن النبي ﷺ فعله

стр. 343

وقال: "خذوا عني مناسككم" (١)، وهذا هو مراد المؤلف بقوله: ٤٩٩ - فالحجّ راكبًا عليه يجري ... . . . . . . . . . . . . المثال الثاني: الضِّجْعة التي كان يضجعها (٢) ﷺ على جنبه الأيمن قبل صلاة الصبح، فالأكثرون يقولون: لا تُسن لأنها فعل جبلِّي لأنه استراحة من تعب القيام بالليل، وبعضهم يقول: سُنة لكثرة فعله ﷺ لها قبل صلاة الصبح، وهذا هو مراد المؤلف بقوله: . . . . . . . . . . . . ... كضِجْعَةٍ بعدَ صلاةِ الفَجْرِ وشذ بعضُ الظاهرية فجعلها شرطًا في صحة الصلاة (٣). ومن أمثلة الفعل المتردد بين الجبلة والتشريع: الدخول من كَداء والخروج من كُدى، والنزول بالمُحَصِّب والخروج إلى المصلى من طريق والنزول من طريق آخر يوم العيد. ٥٠٠ - وغيرُه وحكمُه جليُّ ... فالاستوا فيه هو القويُّ ٥٠١ - من غيرِ تخصيصٍ. . . ... . . . . . . . . . . . . يعني أن فعل النبي ﷺ الذي ليس بجبلِّيٍّ وهو التشريعي إذا كان معروف الحُكْم بالنسبة إلى النبي ﷺ أي عُرِف أنه فَعَله لأنه واجب -مثلًا- أو مندوب أو مباح، فاستواءُ الأمة معه في حكم ذلك الفعل هو القوي أي

стр. 344

هو الصحيح، إلا إذا دلَّ دليل منفصل على خصوصه به كالوصال وتزويج أكثر من أربع. وحاصُل هذا القول أن الأصل في أفعاله ﷺ العمومُ لا الخصوصُ به إلا لدليل، وقيل: يختصُّ حكمُ الفعل به إلا لدليلٍ على استواء الأمة معه، وهذا الكلام في الفعل المعروف حكمه بالنسبة إليه، أما المجهول فسيأتي في قوله: "وكل ما الصفة فيه تُجْهَل". . . . . . . . وبالنصِّ يُرى ... وبالبيانِ وامتثالٍ ظهرا لما قدَّمَ أن فعله ﷺ التشريعي المعروفُ حكمُه تستوي فيه معه الأمة على الصحيح، بيَّن في هذا البيت الطرق التي يُعرف بها حكمه فقال: "وبالنص يرى" يعني أن معرفة حكم الفعل بالنسبة إلى النبي ﷺ تُعْلَم بالنص على ذلك، كما لو قال ﷺ : هذا الفعل واجب أو مندوب أو جائز. وقوله: "وبالبيان" أي ويُعرف حكم الفعل بكونه بيانًا لنص من القرآن فيه إجمال، لأن البيان له حكم المبيّن، وقطعه ﷺ يدَ السارق من الكوع لبيان محل القطع المذكور في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة/ ٣٨] يدلُّ على أن القطع من الكوع واجب لأنه بيان لواجب. وقوله: "وامتثال" يعني أن وقوع الفعل منه ﷺ على سبيل الامتثال لأمر يعرف منه وجوبه، كما لو قال على سبيل الوجوب: تصدَّقْ بدرهم، فَفَعَل ﷺ امتثالًا للأمر، فيُعْلمُ أن هذا الفعل واجب؛ لأنه فُعِل لامتثال أمرٍ واجب. فإن قيل: وجوبُه يُعلم من الأمر فأي حاجة للامتثال؟ فالجواب: أن معرفة وجوبه من الامتثال لها فائدتان؛ الأولى:

стр. 345

توكيد ثبوت الحكم حيث استفيد من طريقين وهما: الأمر والامتثال. والثانية: دَفْع توهم توقف إجزاء المأمور به على بعض الوجوه. ٥٠٢ - وللوجوب عَلَمُ النِّداءِ ... كذاك قد وُسِمَ بالقضاءِ يعني أن من علامات وجوب الصلاة الأذان، فمراده "بالعَلَم" العلامة وبـ "النداء" الأذان، أي من الطرق التي يُعرف بها حكم الفعل الأذان، فإنه يدل على وجوب الصلاة المؤذَّن لها، لأن الاستقراء دل على اختصاص الأذان بالواجبة. وقوله: "كذاك قد وُسِم بالقضاء" يعني أن من علامات وجوب الفعل عند المالكية وجوب قضائه إلا ركعتي الفجر كما أشار له في "المختصر" (١) بقوله: "ولا يُقضى غيرُ فرضٍ إلا هي فللزوال" أما على قول من يقول بقضاء غير الفرض كالعيدين وذوات الأسباب كالشافعي فالقضاء عنده لا يدل على الوجوب (٢). ٥٠٣ - والتَّرك إن جَلَبَ للتعزير ... وَسْمٌ للاستقرا مِنَ البصيرِ يعني أن من علامات وجوب (٣) الفعل تعزيرُ تاركه ، لأن الاستقراء من أهل البصر والعلم أثبت أنه ﷺ لا يُعزِّر إلا على ارتكاب حرام فلا يُعزر على ترك إلا إذا كان الترك حرامًا لوجوب الفعل، ولا يعزِّر على فعل إلا إذا كان حرامًا قال في "المختصر" (٤): "وعزَّرَ الإمامُ لمعصية اللَّه تعالى"

стр. 346

والمعصية منحصرة في فعل حرام أو ترك واجب. ٥٠٤ - وما تمحَّضَ لِقَصْد القُرْب ... عن قَيْدِ الإيجابِ فسِيْمى النَّدْب يعني أنَّ تمحُّض الفعل لقصد التقرب به إلى اللَّه علامة لندبتيه إذا تجرَّد عن قيد الوجوب. فإن قيل: قصد القربة أمر باطن لا اطلاع عليه. فالجواب: أنه يُعرف بدلالة القرينة على قصد القربة بذلك الفعل مجرَّدًا عن قيد الوجوب بأن ينتفي دليل الوجوب وقرينته، والمتمحِّض لقصد القربة يكون صلاة أو صومًا أو ذكرًا أو غير ذلك. ٥٠٥ - وكل ما الصفةُ فيه تُجْهَل ... فللوجوبِ في الأصحِّ يُجْعَلُ يعني أن فعل النبي ﷺ إذا كان مجهول الصفة أي مجهول الحكم بالنسبة إليه، فإنه يُحْمَل على الوجوب عليه وعلى الأمة لأنه أحوط إذ لا يتيقن الخروج من العهدة إلا به، ولأن اللَّه قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر/ ٧] وفعله مما آتانا، ولأن اللَّه قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب/ ٢١]، ولأن الصحابة خلعوا نعالهم لما خلع النبيُّ ﷺ نعله في الصلاة، فقد تابعوه طى فعله مع جهلهم حكمَه وقرَّرَهم على ذلك حيث أخبرهم أنه خلعها لأن جبريل أخبره أن في باطنها أذى (١).

стр. 347

وقيل: يُحْمَل على الندب ، إذ فِعْله ﷺ دل على أرجحية الفعل على الترك ولم يدل على الوجوب، لأن الإثم بتركه يحتاج إلى دليل منفصل. وقالوا: إن قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية أن ذلك فيما عُلِم حُكمه بالنسبة إليه لا فيما لم يُعلم حكمه كهذه المسألة، إذ لو كان فعله المجهول الحكم في نفس الأمر مندوبًا في حقه ﷺ وفعلناه على سبيل الوجوب معللين بأنه الأحوط = لم نكن متبعين له في نفس الأمر. وأجابوا عن كونه أحوط بأن الاحتياط لا يُشرع إلا إذا تقدم وجوب، أو ثبوت الوجوب هو الأصل. مثال الأول: صلاة الخمس إن جُهِل عين المنسية، ومثال الثاني: صوم الثلاثين من رمضان إذا لم يُرَ الهلال لغيم أو نحوه. أما إذا لم يتقدم وجوب ولم يكن ثبوته الأصل، فلا يلزم الاحتياط، كصوم يوم الشك في هلال رمضان، وهذه المسألة لم يتقدم فيها وجوب، ولم يكن الثبوت فيها هو الأصل عند أهل هذا القول. وأجابوا عن خلعهم نعالهم بأن موجبه ليس مجرد المتابعة في الفعل المجهول الحكم بل موجبه المتابعة في هيئات الصلاة وذلك بقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصَلِّي" (١). وقيل: يُحمل على الجواز، وقيل بالوقف، وسيأتي للمؤلف. وذكر غيرُ واحد -كالمؤلف- أن أصح هذه الأقوال الحمل على

стр. 348

الوجوب، وهو مذهب مالك والأبهري وابن القصَّار وبعض الشافعية وبعض الحنفية وكثير من الحنابلة. ٥٠٦ - وقيل مع قَصْد التقرب وإنْ ... فُقِدَ فَهْو بالإباحة قَمِنْ هذا القول للباجيّ (١)، يعني أن الباجيَّ قال: إنَّ فعله ﷺ الذي جُهِل حكمه يُحمل على الوجوب إن ظهر قصد القربة، وإلَّا فعلى الإباحة، وقال بعض المالكية أيضًا: إن ظهر قصد القربة فللندب وإلا فللإباحة. فإن قيل: قول الباجيّ هذا أنه إن ظهر قصد القربة حُمِل على الوجوب ينافي ما تقدَّم من أن التمحُّض للقربة علامة الندب -كما تقدم- إذا تجرد عن قيد الوجوب. فقد أجاب بعضهم عن هذا بأن المراد بقصد القربة عند الباجيّ قصد التقرب ببيان الفعل للأمة، وقصد القربة الذي هو سيمى الندب هو قصد التقرب بنفس الفعل، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "قَمَن" بكسر الميم وفتحها بمعنى حقيق وجدير. ٥٠٧ - وقد رُوِي عن مالكِ الأخيرُ ... والوقفُ للقاضي نَمَى البصيرُ يعني أنه روي عن مالك القول الأخير وهو الإباحة، رواه عنه إمام الحرمين (٢) والآمدي (٣). وقوله: "والوقف للقاضي" إلخ يعني أن البصيرَ

стр. 349

بعلم الأصول نسب القول بالوقف للقاضي أبي بكر الباقلاني (١)، ووجه القول بالوقف احتمال الفعل للوجوب والندب والإباحة. ٥٠٨ - والناسخُ الأخيرُ إن تقابلا ... فِعْلٌ وقولٌ متكَرِّرًا جلا يعني أن النبي ﷺ إذا صدر منه قول يقتضي التكرار متضمِّنًا حكمًا، وصدر منه فعل يناقض ذلك القول، كما لو قال: صوم يوم عاشوراء واجب عليَّ، ولم يصُمْه، فإن المتأخِّر من القول أو الفعل ناسخ للأول إذا عُرِف المتأخر، فإن جُهِل فهو قوله: ٥٠٩ - والرَّأي عندَ جهلِه ذو خُلْفِ ... بينَ مرجّحٍ ورأي الوَقْفِ يعني أنه إن جُهِل المتأخر من القول والفعل المتعارِضَيْن فرأي العلماء مختلف في ذلك، فمنهم من رجح القول، ومنهم من رجح الفعل، ومنهم من قال بالوقف. ٥١٠ - والقولُ إنْ خَصَّ بنا تعارَضا ... فينا فقطْ والناسخ الذي مَضَى ٥١١ - إن بالتأسِّي أذِنَ الدليلُ ... والجهلُ فيهِ ذلكَ التفصيلُ يعني أن القول المعارض للفعل إذا كان مختصًّا بالأمة دونه ﷺ ، تعارض القول والفعل في خصوص الأمة ولم يتعارضا في حقه ﷺ ، لأن القولَ لم يتناوَلْه أصلًا حتى يعارض الفعل، ومحل تعارضهما في الأمة إذا دل الدليل على استواء الأمة معه في الفعل. كما لو قال: صوم عاشوراء واجب عليكم، وتَركَ صومَه تشريعًا لأمته، فالقول والفعل إذًا متعارضان

стр. 350

في حق الأمة والمتأخر منهما ناسخ، وإن جُهِل؛ فقيل يُرَجَّح الفعل، وقيل يُرَجَّح القول، وقيل بالوقف على نحو ما تقدم، وذلك هو معنى قوله: "والناسخ الذي مضى" وقوله: "والجهل في ذلك التفصيل". وقوله: "إن بالتأسِيّ أذِنَ الدليل" يعني أن محل تعارضهما في الأمة فيما إذا أذن الدليل بالتَأسِيّ أي دل الدليل على الاقتداء به في الفعل، و"أذن" هنا بمعنى الإعلام أي أكْلَمَ الدليلُ بالتأسِيّ وهو الاقتداء، أما إن لم يدل الدليل على التأسِّي في الفعل، فلا معارضة بينهما في حق الأمة أيضًا. والتعارض في الاصطلاح هو: التقابل بين شيئَيْن على وجهٍ يمنع كلٌّ منهما مقتضى الآخر أو بعض مقتضاه. ٥١٢ - وإن يعمَّ غيرَه والاقْتِدا ... به له نصٌّ فما قبلُ بدا يعني أن القول إذا كان يشمل النبي ﷺ مع الأمة والحال أن النص دَلَّ على أن الأمة مثله في الفعل المعارض للقول، فحكم المسألة حكم ما مضى قبل، وهو أن المتأخر ناسخ في حقِّه وحقِّ الأمة إن عُلِم، وإن جُهِل المتأخر فالخلاف المتقدِّم بين ترجيح القول أو الفعل أو الوقف. ومفهوم قوله: "والاقتدا به له نص" أن الفعلَ إذا كان خاصًّا به كان التعارض في حقه فقط دون الأمة. ٥١٣ - في حقِّه القولُ بفعلٍ خُصَّا ... إن يكُ فيه القولُ ليس نَصّا يعني أنه إذا جاء نص بحكم عام وكان عمومُه يشممل النبيَّ ﷺ ولكن لا يشمله إلا بظاهر العموم وعارضَه فعل النبي ﷺ ، فإن فعل النبي يدلُّ على أنه غير داخل في العموم وأن الفعل يختص به دون الأمة، كنهيه عن

стр. 351

الوصال، فإنَّ ظاهره شمول كراهة الوصال له ﷺ إلا أنه لمَّا فَعَلَه دل على اختصاص النهي عن الوصال بغيره، وكتزويجه أكثر من أربع مع دلالة ظاهر القرآن على المنع. ٥١٤ - ولَمْ يكن تعارُضُ الأفعالِ ... في كلِّ حالةٍ من الأحْوالِ يعني أن الأفعال لا تتعارض إن تجرَّدت عن القول، لأن الفعل لا يقع في الخارج إلا شخصيًّا، ولا عموم له حتى يقع التعارض بين الأفعال كما قال ابن الحاجب (١) والرهونيُّ وغيرُهما (٢). ٥١٥ - وإن يكُ لقولُ بحكمٍ لامعا ... فآخِرُ الفعلين كان رافعا يعني أن ما تقدم من عدم تعارض الأفعال محلُّه إذا لم يقترن بالفعلين قولٌ يدل على ثبوت الحكم، فإن اقترن بهما كان آخرُهما ناسخًا للأول، ومثاله عند القائل به: كيفيات صلاة الخوف، لأن القول ورد ببيان الحكم فيها بقوله ﷺ : "صلوا كلما رأيتموني أُصَلِّي" (٣)، فتكون الكيفية الأخيرة ناسخة لما قبلها؛ لأن الحكم مثبت بقول. وقوله: "بحكم لامعًا" أي وإن يكن القول لامعًا بالحكم أي واردًا بثبوته. ٥١٦ - والكُلُّ عند بعضِهم صحيحُ ... ومالكٌ عنه رُوِي الترجيحُ يعني أن بعضَ العلماء يقول بأن كيفيات الفعل كلها صحيحة، فأية

стр. 352

كيفيةِ صلاةٍ من صلاة الخوف فَعَلَها فهي صحيحة بناء على عدم تعارض الأفعال ولو اقترنت بقولٍ مثبت للحكم، ورُوي عن مالك بن أنس ﵀ الترجيح بين كيفيات الفعل فتتعين التي هي أقرب للخشوع، أو التي هي أقل أفعالًا، ونحو ذلك من المرجحات. ٥١٧ - وحيثُ ما قد عُدِمَ المصيرُ ... إليه فالأوْلى هو التخييرُ يعني أنه على القول بالترجيح إذا لم يوجد مرجِّح لأحد الفعلين على الآخر فالأولى تخيير المكلَّف في أن يفعل أيَّ الأفعال شاء، فقوله: "عُدِم المصيِرُ إليه" أيْ بعدم وجود مُرَجِّحٍ. ٥١٨ - وَلَم يكنْ مكلَّفًا بشرعِ ... صلى عليه اللَّهُ قبلَ الوضعِ يعني أن النبي ﷺ لم يكن مكلَّفًا بشرع أحدٍ من الأنبياء قبل الوضع أي قبل نزول الوحي عليه، وأما بعد نزول الوحي عليه فقد أشار إليه بقوله: ٥١٩ - وهو والأمةُ بعدُ كُلِّفا ... إلا إذا التكليفُ بالنصِّ انتفَى ٥٢٠ - وقيلَ لا والخُلْفُ فيما شُرِعا ... ولم يكنْ داعٍ إليه سُمِعا يعني أن النبي ﷺ وأمته بعد نزول الوحي مكلَّفون بشرع من قبلهم خلافًا للشافعي، ومحلُّ هذا الخلاف فيما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا ولم يثبت في شرعنا أنه شرعٌ لنا، وهذان القيدان هما مراد المؤلف بقوله: "والخُلْفُ فيما شُرِعا. . . " البيت. وهذه المسألة هي مسألة: هل شَرْع من قبلنا شرعٌ لنا؟ وتحقيق المقام فيها أن لها ثلاث حالات: الأولى: أن يكونَ شرعُ من قبلنا فيها شرعًا لنا بلا خلاف، وهي ما إذا ثبت في شرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ثم نُصَّ لنا في شرعنا أنه شرع

стр. 353

لنا كالقصاص، لأن اللَّه بيَّن أنه كان شرعًا لمن قبلنا بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة/ ٤٥] الآية، ونصَّ على أنه شرعٌ لنا أيضًا في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة/ ١٧٨] الآية. الثانية: ليس شرعًا لنا فيها بلا خلاف، وهي في صورتين؛ إحداهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلًا ولو زعموا أنه من شرعهم. والأخرى: ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لهم ونُصَّ لنا على أنه ليس شرعًا لنا، كالآصار والأثقال التي شُرِعت على من قبلنا، كإيجابه على بني إسرائيل أن يَقتُلوا أنفسهم توبةً من عبادةِ العِجْلِ المنصوص في قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة/ ٥٤] فإن هذه الآصار رُفعت عنا كما قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف/ ١٥٧]. وثبت في "صحيح مسلم" (١) أن النبي ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال اللَّه: قد فعلت". الثالثة: هي محل الخلاف، وهي ما إذا ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا ولم ينص في شرعنا على أنه مشروع لنا ولا غير مشروع، والجمهور على أنه شرع لنا خلافًا للشافعي، وحُجَّة الجمهور: أنه ما ذُكِرَ لنا في شرعنا إلَّا للاعتبار كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف/ ١١١]، وثمرة الاعتبار العمل، وقد حضَّ تعالى في آيات كثيرة على الاعتبار بأحوال الأمم الماضية.

стр. 354

ومما استدلَّ به الجمهور: أن اللَّه لما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام قال للنبي ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠]، وقد تقدَّم أن الأصح أن الأمر للوجوب، وأن الأمة تدخل تحت الخطاب الخاص به ﷺ . واستدلُّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى/ ١٣] الآية، وبقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٦]. واحتجَّ الإمام الشافعي (١) على أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/ ٤٨] وقال: إن الهدى فى قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ والدين في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ المراد به العقائد دون الفروع العملية بدليل الآية المذكورة. والحق أنه لا يختص بذلك لما ثبت في "صحيح البخاري" (٢) عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في (ص)؟ فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فسجدها داودُ فسجدها رسول اللَّه ﷺ . فهذا نصٌّ صريحٌ مرفوعٌ إلى النبي ﷺ ثابت في "صحيح البخاري" على أن سجود التلاوة داخل في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وهو ليس من العقائد بالإجماع، فظهر عدم الاختصاص بالعقائد. وأجاب الجمهورُ عن احتجاج الشافعي بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا

стр. 355

مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بأن المراد بها نسخُ بعض ما كان مشروعًا أو زيادة ما لم يكن مشروعًا وكلاهما ليس من محلِّ النزاع، ولم يزل العلماء يستدلون على الأحكام بالقَصَص الماضية، كاستدلال المالكية وغيرهم على أن القرينة الجازمة ربما تكفي في البيِّنَة بجَعْل شاهدِ يوسفَ قرينةَ شقِّ القميصِ من دُبُرِ مقتضيةً صِدْق يوسفَ وكَذِبَ امرأةِ العزيز المنصوص في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ [يوسف/ ٢٦ - ٢٨] الآية، ولذا صارت القرينة تكفي عن البينة في أمور كثيرة، كقول مالك: إن من اسْتُنكه فشُّمَّ من نكهته رائحة الخمر أنه يُجلد جلد الشارب (١). وكمسيس الزوجة التي تزوجها ولم يرها وزُفت إليه مع نساء لا تُثْبِت شهادتُهن عينَ الزوجة اعتمادًا على القرينة. وكالضيف يأتيه الصبي أَو الوليدة بالطعام فيُبَاح أكلُه من غير بينة اعتمادًا على القرينة. وكأخْذِ المالكية وغيرهم أيضًا أن القرينة تُبطلها قرينة أقوى منها من قصة يعقوب وأولاده، حيث جعلوا دم السَّخلة على قميص يوسف ليكون الدم قرينة لهم على صدقهم في أن يوسف أكله الذئب، فأبطلها يعقوبُ بقرينة أقوى منها وهي عدم شق القميص فقال: سبحان اللَّه! متى كان الذئب حليمًا كَيَّسًا يقتل يوسف ولا يشق قميصه؟! كما ذكره اللَّه عنهم في قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف/ ١٨] الآية.
следующие страницы →