← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 283

نثر الورود شرح مراقي السعود

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (730 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الوصال، فإنَّ ظاهره شمول كراهة الوصال له ﷺ إلا أنه لمَّا فَعَلَه دل على اختصاص النهي عن الوصال بغيره، وكتزويجه أكثر من أربع مع دلالة ظاهر القرآن على المنع. ٥١٤ - ولَمْ يكن تعارُضُ الأفعالِ ... في كلِّ حالةٍ من الأحْوالِ يعني أن الأفعال لا تتعارض إن تجرَّدت عن القول، لأن الفعل لا يقع في الخارج إلا شخصيًّا، ولا عموم له حتى يقع التعارض بين الأفعال كما قال ابن الحاجب (١) والرهونيُّ وغيرُهما (٢). ٥١٥ - وإن يكُ لقولُ بحكمٍ لامعا ... فآخِرُ الفعلين كان رافعا يعني أن ما تقدم من عدم تعارض الأفعال محلُّه إذا لم يقترن بالفعلين قولٌ يدل على ثبوت الحكم، فإن اقترن بهما كان آخرُهما ناسخًا للأول، ومثاله عند القائل به: كيفيات صلاة الخوف، لأن القول ورد ببيان الحكم فيها بقوله ﷺ : "صلوا كلما رأيتموني أُصَلِّي" (٣)، فتكون الكيفية الأخيرة ناسخة لما قبلها؛ لأن الحكم مثبت بقول. وقوله: "بحكم لامعًا" أي وإن يكن القول لامعًا بالحكم أي واردًا بثبوته. ٥١٦ - والكُلُّ عند بعضِهم صحيحُ ... ومالكٌ عنه رُوِي الترجيحُ يعني أن بعضَ العلماء يقول بأن كيفيات الفعل كلها صحيحة، فأية

стр. 352

كيفيةِ صلاةٍ من صلاة الخوف فَعَلَها فهي صحيحة بناء على عدم تعارض الأفعال ولو اقترنت بقولٍ مثبت للحكم، ورُوي عن مالك بن أنس ﵀ الترجيح بين كيفيات الفعل فتتعين التي هي أقرب للخشوع، أو التي هي أقل أفعالًا، ونحو ذلك من المرجحات. ٥١٧ - وحيثُ ما قد عُدِمَ المصيرُ ... إليه فالأوْلى هو التخييرُ يعني أنه على القول بالترجيح إذا لم يوجد مرجِّح لأحد الفعلين على الآخر فالأولى تخيير المكلَّف في أن يفعل أيَّ الأفعال شاء، فقوله: "عُدِم المصيِرُ إليه" أيْ بعدم وجود مُرَجِّحٍ. ٥١٨ - وَلَم يكنْ مكلَّفًا بشرعِ ... صلى عليه اللَّهُ قبلَ الوضعِ يعني أن النبي ﷺ لم يكن مكلَّفًا بشرع أحدٍ من الأنبياء قبل الوضع أي قبل نزول الوحي عليه، وأما بعد نزول الوحي عليه فقد أشار إليه بقوله: ٥١٩ - وهو والأمةُ بعدُ كُلِّفا ... إلا إذا التكليفُ بالنصِّ انتفَى ٥٢٠ - وقيلَ لا والخُلْفُ فيما شُرِعا ... ولم يكنْ داعٍ إليه سُمِعا يعني أن النبي ﷺ وأمته بعد نزول الوحي مكلَّفون بشرع من قبلهم خلافًا للشافعي، ومحلُّ هذا الخلاف فيما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا ولم يثبت في شرعنا أنه شرعٌ لنا، وهذان القيدان هما مراد المؤلف بقوله: "والخُلْفُ فيما شُرِعا. . . " البيت. وهذه المسألة هي مسألة: هل شَرْع من قبلنا شرعٌ لنا؟ وتحقيق المقام فيها أن لها ثلاث حالات: الأولى: أن يكونَ شرعُ من قبلنا فيها شرعًا لنا بلا خلاف، وهي ما إذا ثبت في شرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ثم نُصَّ لنا في شرعنا أنه شرع

стр. 353

لنا كالقصاص، لأن اللَّه بيَّن أنه كان شرعًا لمن قبلنا بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة/ ٤٥] الآية، ونصَّ على أنه شرعٌ لنا أيضًا في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة/ ١٧٨] الآية. الثانية: ليس شرعًا لنا فيها بلا خلاف، وهي في صورتين؛ إحداهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلًا ولو زعموا أنه من شرعهم. والأخرى: ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لهم ونُصَّ لنا على أنه ليس شرعًا لنا، كالآصار والأثقال التي شُرِعت على من قبلنا، كإيجابه على بني إسرائيل أن يَقتُلوا أنفسهم توبةً من عبادةِ العِجْلِ المنصوص في قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة/ ٥٤] فإن هذه الآصار رُفعت عنا كما قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف/ ١٥٧]. وثبت في "صحيح مسلم" (١) أن النبي ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال اللَّه: قد فعلت". الثالثة: هي محل الخلاف، وهي ما إذا ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا ولم ينص في شرعنا على أنه مشروع لنا ولا غير مشروع، والجمهور على أنه شرع لنا خلافًا للشافعي، وحُجَّة الجمهور: أنه ما ذُكِرَ لنا في شرعنا إلَّا للاعتبار كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف/ ١١١]، وثمرة الاعتبار العمل، وقد حضَّ تعالى في آيات كثيرة على الاعتبار بأحوال الأمم الماضية.

стр. 354

ومما استدلَّ به الجمهور: أن اللَّه لما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام قال للنبي ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠]، وقد تقدَّم أن الأصح أن الأمر للوجوب، وأن الأمة تدخل تحت الخطاب الخاص به ﷺ . واستدلُّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى/ ١٣] الآية، وبقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٦]. واحتجَّ الإمام الشافعي (١) على أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/ ٤٨] وقال: إن الهدى فى قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ والدين في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ المراد به العقائد دون الفروع العملية بدليل الآية المذكورة. والحق أنه لا يختص بذلك لما ثبت في "صحيح البخاري" (٢) عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في (ص)؟ فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فسجدها داودُ فسجدها رسول اللَّه ﷺ . فهذا نصٌّ صريحٌ مرفوعٌ إلى النبي ﷺ ثابت في "صحيح البخاري" على أن سجود التلاوة داخل في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وهو ليس من العقائد بالإجماع، فظهر عدم الاختصاص بالعقائد. وأجاب الجمهورُ عن احتجاج الشافعي بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا

стр. 355

مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بأن المراد بها نسخُ بعض ما كان مشروعًا أو زيادة ما لم يكن مشروعًا وكلاهما ليس من محلِّ النزاع، ولم يزل العلماء يستدلون على الأحكام بالقَصَص الماضية، كاستدلال المالكية وغيرهم على أن القرينة الجازمة ربما تكفي في البيِّنَة بجَعْل شاهدِ يوسفَ قرينةَ شقِّ القميصِ من دُبُرِ مقتضيةً صِدْق يوسفَ وكَذِبَ امرأةِ العزيز المنصوص في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ [يوسف/ ٢٦ - ٢٨] الآية، ولذا صارت القرينة تكفي عن البينة في أمور كثيرة، كقول مالك: إن من اسْتُنكه فشُّمَّ من نكهته رائحة الخمر أنه يُجلد جلد الشارب (١). وكمسيس الزوجة التي تزوجها ولم يرها وزُفت إليه مع نساء لا تُثْبِت شهادتُهن عينَ الزوجة اعتمادًا على القرينة. وكالضيف يأتيه الصبي أَو الوليدة بالطعام فيُبَاح أكلُه من غير بينة اعتمادًا على القرينة. وكأخْذِ المالكية وغيرهم أيضًا أن القرينة تُبطلها قرينة أقوى منها من قصة يعقوب وأولاده، حيث جعلوا دم السَّخلة على قميص يوسف ليكون الدم قرينة لهم على صدقهم في أن يوسف أكله الذئب، فأبطلها يعقوبُ بقرينة أقوى منها وهي عدم شق القميص فقال: سبحان اللَّه! متى كان الذئب حليمًا كَيَّسًا يقتل يوسف ولا يشق قميصه؟! كما ذكره اللَّه عنهم في قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف/ ١٨] الآية.

стр. 356

وكأَخْذ المالكية وغيرهم جواز ضمان الغرمِ مِنْ قوله تعالى في قصة يوسف وإخوته: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾. وكأخذ بعض الشافعية ضمان الوجه المعروف عندهم بالكفالة من قصة يعقوب وأولاده المنصوص في قوله: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف/ ٦٦] الآية. وكأخذ الحنابلة جواز طول مدة الإجارة من قوله في قصة موسى وشعيب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ إلى قوله: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص/ ٢٧]. وكأخذ المالكية وجوب الإعذار للخصم بـ: أبَقِيَتْ لك حجة؟ من قوله في قصة سليمان والهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ [النمل/ ٢١]. وكأخذهم أيضًا أن التلوُّم للخصم بعد انقضاء الآجال ثلاثة أيام من قوله تعالى في قصة صالح وقومه: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود/ ٦٥] الآية. وأشار لهذا ابن عاصم في "التحفة" بقوله: * ثلاثة وأصله تمتّعوا * وكأخذ العلماء جواز وقِع كرامات الأولياء من قوله تعالى في قصة مريم: ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران/ ٣٧] الآية، وأمثال هذا كثيرة جدًّا. ٥٢١ - ومُفْهِمُ الباطلِ من كلِّ خبَرْ ... في الوضع أو نقصٍ من الراوي انحَصَرْ يعني أن كلَّ خبر رُوي عن النبي ﷺ وعُرِف أنه غير مطابق للحق

стр. 357

بطريق من طرق اليقين فإنه لا يخلو من أحد أمرَيْن؛ إما أن يكون موضوعًا أي مكذوبًا على النبي ﷺ ، ومَثَّل له المؤلف في "الشرح" (١) بما رُوِي: أن اللَّه تعالى خلق نفسه (٢). ومن أمثلته ما رواه مسلم (٣) وغيره عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أن اللَّه خلق التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، وبثَّ الدواب يوم الخميس، وخَلَق آدمَ بعد العصر يوم الجمعة" فإن هذا الحديث يظهر عدم صحته من مخالفة نص القرآن في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان/ ٥٩]. ولذا قال البخاري (٤) وعلي بن المديني (٥) وغير واحد من الحفاظ: إنه من كلام كَعْب الأحبار فغلط بعض الرواة فرفعه إلى النبي ﷺ (٦).

стр. 358

وإما أن يكون الراوي نقصَ منه ما يُزيل الباطل، ومثاله: ما رواه الشيخان (١) عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "أرأيتَكُم ليلَتَكُم هذه فإنَّ على رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض اليومَ أحدٌ" قال ابنُ عمر: فوهَل الناس في مقالته أي غلطوا حيثُ لم يسمعوا لفظة "اليوم" فظنوا انقراض جميع الناس على رأس مئة سنة. ٥٢٢ - والوضعُ للنسيانِ والترهيبِ ... والغلَطِ التنفِيْرِ والترغيبِ يعني أن أسباب الوضع -أي الكذب على النبي ﷺ منها: النسيان من الراوي لما رواه فيذكر غيرَه ظنًّا منه أنه هو. ومنها: قصد الترهيب عن المعصية، وقصد الترغيب في الطاعة، وقد وضعت الكرَّامية في ذلك أحاديث كثيرة. ومنها: الغلط بأن يسبق لسان الراوي إلى غير ما رواه. ومنها التنفير كوضع الزنادقة أحاديث لا تقبلها العقول لتنفير الناس عن الشريعة. وقوله: "التنفير"، معطوف بحذف العاطف. ٥٢٣ - وبعدَ أن بُعِثَ خيرُ العربِ ... دعوى النبوَّة انْمِها للكَذِبِ هذا شروع من المؤلف ﵀ في تقسيم الخبر إلى ما قُطِعَ بكذبه، وما قُطع بصدقه ، وما لم يُقْطَع فيه بواحد منهما، وبدأ بالمقطوع بكذبه. ومعنى البيت: أن من ادَّعى النبوة بعد مبعث النبي ﷺ يُقْطَع بكذبه

стр. 359

من غير أن يُطالب بدليل، للأدلة القاطعة كإجماع المسلمين على ذلك، ونص قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب/ ٤٠]. ٥٢٤ - وما انتفَى وجودُه من نصِّ ... عند ذوي الحديثِ بعدَ الفَحْصِ قوله: "ما" عطفٌ على الضمير المنصوب في قوله: "انْمِها" أي انْمِها للكذب، وانْمِ للكذب أيضًا كُلَّ حديثٍ نُسِب إلى النبي ﷺ ولم يوجد بعد البحث والتفتيش التامِّ، لقضاءِ العادةِ بكذب ناقله. وقيل: لا يُقْطَع بكذبه لتجويز العقل صدق ناقله، وهذا بعد تدوين الأحاديث، أما قبل ذلك كعصر الصحابة فلا مانع من أن يروي أحدهم ما ليس عند غيره. ٥٢٥ - وبعضَ ما يُنْسب للنبيِّ ... . . . . . . . . . . . . قوله: "وبعضَ" بالنصب أيضًا عطفًا على مفعول "انمِ" أي: انم للكذب بمعنى انسب له قطعًا بعض الأحاديث المروية عن النبي، يعني أنه يُقطع بأن النبي ﷺ قيل عليه ما لم يَقُلْهُ، ووجه القطع بذلك أنه رُوِي عنه أنه قال: "سَيُكْذَب علَيَّ" (١) ولا يخلو الأمر من أحد أمرين: إما أن يكون قال هذا الحديث، وإما أن يكون مكذوبًا عليه، فإن كان قاله حَصَل القطعُ بوقوع الكذب عليه، وإن كان لم يقله فقد كُذِبَ به عليه (٢). وهذا الحديث لا يُعْرف له إسناد.

стр. 360

.. وخبرَ الآحاد في السّنيّ ٥٢٦ - حيثُ دواعي نقْلِه تواتُرا ... نَرَى لها لو قاله تقَرُّرا قوله: "وخبرَ الآحاد" بالنصب أيضًا عطفًا على الضمير مفعول "انْمِ" أي: وانْمِ خبرَ الآحاد للكذب أيضًا إذا كانت الدواعي متوفِّرة إلى نقله تواترًا؛ لأن توفر الدواعي إلى نقله تواترًا قادح في نقله آحادًا، إذ لو وقع لنُقِلَ تواترًا لتوفُّر الدواعي إلى ذلك، كما لو سقط الخطيبُ عن المنبر يوم الجمعة ولم يُخْبر به إلَّا واحد فإنه يُقْطَع بكذبه لمخالفته للعادة، وقيل: لا يُقْطَع بكذبه لتجويز العقل صدقه. وقوله: "دواعي" مبتدأ وجملة "نرى لها" خبره. ٥٢٧ - واقطعْ بصدقِ خبرِ التواتُرِ ... وسَوِّ بينَ مسلمٍ وكافِرِ ٥٢٨ - واللفظِ والمعنى. . . . ... . . . . . . . . . . . . يعني أن من الأخبار قِسمًا يُقطع بصدقه كالخبر المتواتر. والتواتر لغةً تَتابع الشيء، ومنه قول لبيد (١): يعلو طريقةَ مَتْنِها متواترٌ ... في ليلةٍ كَفَر النجومَ غمامُها (٢) يعني بقوله: "متواتر" مطرًا متتابعًا أو غبارًا متتابعًا. واصطلاحًا سيأتي تعريفه قريبًا. وقوله: "وسوِّ بين مسلمٍ وكافر" يعني أن المتواتر يُقْطَع بصدقه سواء

стр. 361

كان المخبرون مسلمين أو كفارًا أو فاسقين؛ لأن القطع بصدقه من جهة استحالة تواطئهم على الكذب لا عدالتُهم. والعلمُ الذي يفيده التواتر ضروري عند الجمهور لا نظري خلافًا لإمام الحرمين (١) والغزالي (٢)، ومعنى كونه نظريًّا عندهما أنهما يقولان -مثلًا-: هذا الشيء أخْبَرَ به جَمْعٌ يستحيلُ تواطؤهم على الكذب عادةً، وكل ما أخبرَ به جمعٌ كذلك فهو قطعي الصدق، ينتج من الشكل الأول: هذا الشيء قطي الصدق. وقيل: يشترط الإسلام، وقيل: تشترط العدالة، وكلاهما ضعيف. وقوله: "واللفظ والمعنى" يعني أنه لا فرق بين التواتر اللفظي والتواتر المعنوي، فالتواتر اللفظي ظاهرٌ، والتواتر المعنوي هو أن تختلف عبارات الألفاظ ويتضَمَّن كلٌّ منها معنى كليًّا يُسْتفاد من جميع الألفاظ المختلفة كما لو أخبر واحد عن حاتم أنه أعطى دنانير، وآخر (٣) أنه أعطى خيلًا، وآخر أنه أعطى إبلًا، وهكذا فقد اتفقوا على معنى كِلِّيٍّ هو الإعطاء.

стр. 362

وذاك خبَرُ ... مَنْ عادةً كذِبُهمْ منحَظِرُ ٥٢٩ - عن غيرِ معقولٍ. . . . . . ... . . . . . . . . . هذا تعريف المتواتر وهو المشار إليه بقوله: "وذاك" يعني أن المتواتر في الاصطلاح هو خبرُ جَمْعٍ يمتنع عادةً تواطؤهم على الكذب، أي توافقهم عليه إذا كان خبرهم عن محسوس بإحدى الحواس الخمس. وهو المراد بقوله: "عن غير معقول". ويدخل في المحسوس الوُجداني وهو ما كان مُدْرَكًا بالحس الباطن كاللذة والألم. وقوله: "عن غير معقول" الذي هو المحسوس احترز به عن المعقول فلا يفيد التواتر فيه القطع، لأن آلاف العقول تتواطأ على الخطأ في المعقول كتواطئ الفلاسفة على قِدَم العالم. . . . . . . . . . وأوجبِ العَدَدْ ... من غيرِ تحديدٍ على ما يُعْتَمَد يعني أن المتواتر لابدَّ فيه من تعدُّدِ رواته في جميع طبقات السند من غير تحديد بعدد معين، بل المعتبر ما حصل به العلم على المعتمد وهو مذهب الجمهور. فإن قيل: كيف علمتم أن المتواتر يحصل به العلم مع جهل تعيين العدد المحصِّل للعلم؟ قلنا: كما علمتم أن الخُبز يشبع والماء يُرْوي مع جهلكم لتحديد ما يحصل به الشبع والرِّيُّ. ٥٣٠ - وقيل بالعشرينَ أو بأكثَرا ... أو بثلاثين أوِ اثْنَيْ عشَرا يعني أنه قيل: إن أقل عدد التواتر عشرون، ويُرْوَى عن ابن القاسم. وقيل: أقله ما زاد على العشرين، ويُروى عن سحنون. وقيل:

стр. 363

أقله ثلاثون، ويروى عن ابن أبي زيد. وقيل: أقله اثنا عشر، وقيل: غير ذلك. ٥٣١ - إلغاءُ الأربعَةِ فيه راجحُ ... وما عليها زادَ فهوَ صالحُ يعني أن إلغاء الأربعة في عدد التواتر والحكم بأنها لا تكفي فيه راجح، ووَجْه رجحانه: أنهم لو شهدوا بزنى لاحتاجُوا إلى التزكية وما يحصل به التواتر لا يحتاج إلى تزكية قطعًا، وقد تقدم للمؤلف أن المسلم والكافر فيه سواء، وممن ذكر عدم صلاحية الأربعة الباقلانيُّ والسبكيُّ. ٥٣٢ - وأوجبَنْ في طبقاتِ السَّنَدِ ... تواترًا وَفْقًا لدى التعَدُّدِ يعني أن طبقات السند إن كانت متعددة يجب التواتر في كل طبقة منها بأن يرويه في كل طبقة جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، فإن بقيت طبقة لم يتواتر فيها كان خبر آحاد، ومثال ما تواتر فيه في كل الطبقات حديث: "من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مَقْعَدَه من النار" (١). ومثال ما تواتر في بعض طبقات السند دون بعض حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٢)، فإنه لم يَرْوه عن عمر بن الخطاب إلَّا علقمة بن وقاص، ولم يروه عن علقمة إلَّا محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم إلَّا يحيى بن سعيد الأنصاري، وقد تواتر عن

стр. 364

يحيى بن سعيد وعمن روى عنه (١). وقوله: "وفقًا" يعني اتفاقًا. وقوله: "لدى التعدد" يحترز به مما لو كان رواة المنقول بالتواتر طبقة واحدة فإنه لا إشكال فيه. ٥٣٣ - ولا يفيدُ القطعَ ما يُوافِقُ ... الإجماعَ والبعضُ بقطعٍ ينطقُ ٥٣٤ - وبعضُهم يفيدُ حيث عوَّلا ... عليهِ. . . . . . . . . . . . يعني أن خبر الآحاد إذا انعقد الإجماع موافقًا له اختلف فيه هل يصير بذلك قطعيًّا أو لا؟ على ثلاثة أقوال: الأول: وهو أصحها عند الأصوليين أن موافقة الإجماع لخبر الآحاد لا تفيد القطع بأن النبي ﷺ قال ذلك الخبر المروي آحادًا مطلقًا، لجواز أن يكون مستندهم غيره، أو يكونوا ظنوا الحكم فوجب عليهم العمل بما غلب على ظنهم وإن لم يكن مطابقًا في نفس الأمر عند من يجيز ذلك في حقهم. الثاني: أنه يفيد القطع لاعتضاده بالقطعي الذي هو الإجماع. الثالث: التفصيل، فإن صرح المجمعون بأن ذلك الخبر هو مستندهم أفاد القطع وإلَّا فلا، ومن يقول في هذا بأنه لا يفيد القطع ولو صرحوا بأنه مستندهم يرى أن الأمة يجوز في حقها أن تُجْمعَ مستندة إلى ظن ليس مطابقًا للواقع في نفس الأمر، وهي حينئذٍ لم تكن مُجْمعة على ضلالة لأنها عملت بما غلب على ظنها أنه صواب، وذلك ليس بضلال ولو لم يطابق ما في نفس الأمر.

стр. 365

. . . . . وانْفِهِ إذا ما قد خلا ٥٣٥ - معَ دَواعي ردِّه من مُبْطِلِ ... كما يَدُلُّ لخلافةِ عَلي الضمير في قوله: "انفه" عائد إلى القطع بصدق الخبر المذكور في قوله: "واقطع بصدق خبر التواتر" يعني أنه لا يفيد القطع بصدق الخبر عدم إبطاله مع توفر الدواعي الباعثة على إبطاله، كالأحاديث الدالة على أن عليًّا أحق بالخلافة من معاوية كحديث: "أنت منِّي بمنزلةِ هارون من موسى" (١)، وكحديث: "من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه" (٢) فإن داوعي بني أمية متوفرة إلى إبطال ذلك، فإذا لم يبطلوه لم يوجب ذلك القطع بصدقه. وقوله: "من مبطل" يتعلق بقوله: "خلا" أي خلا الخبر من مبطل "مع دواعي ردِّه" أي إبطاله. ٥٣٦ - كالافتراقِ بَيْن ذي تأوُّلِ ... وعامِلٍ به على المُعَوَّل يعني أن افتراق العلماء في حديث إلى مؤوِّلٍ له ومحتجٍّ به لا يوجب القطعَ بصدقه على القول المعول عليه وهو مذهب الجمهور، وقيل:

стр. 366

يوجب له القطع. وحجة القائل به: إجماعُ الكل على قبوله لأن تأويله يستلزم القبول ولولا ذلك لم يحتج إلى تأويله، واستلزام العمل بظاهره للقبول واضح فصاروا مجمعين على قبوله. ومحلُّ هذا القول الضعيف ما لم يعلق التأويل على تقدير الصحة، كما لو قال: ولو فرضنا أنه صحيح فمعناه كذا، ومثاله: حديث أبي رافع عند البخاري: "الجارُ أحق بِصَقَبهِ" (١)، فإنَّ أكثر العلماء أوَّل الجار على أن المراد به الشريك المقاسم، لَحديث جابر المتفق عليه: "فإذا ضُرِبَت الحدودُ وصرفت الطرق فلا شُفعة" (٢)، وبعضٌ حمَلَه على ظاهره فأوجبَ الشُّفعة للجار. ٥٣٧ - ومذهبُ الجمهور صِدق مخبرِ ... مع صَمْت جمعٍ لم يَخَفْهُ حاضرِ يعني أن مذهب الجمهور -واختاره ابن الحاجب (٣) - أن من أخبر عن أمر محسوس بحضرة جَمْع يحصل بعددهم التواتر، وذلك الأمر مما لا يخفى عليهم عادة، ولم يكونوا خائفين من ذلك المُخْبِر، وسكتوا ولم يكذِّبوه وهم سامعون لما يقول = فإن ذلك يفيد القطع بصدقه، لاستحالة تواطئهم على السكوت على الكذب عادة، وقيل: يفيد ذلك الظن فقط لإمكان أن يسكتوا لا لشيء. وقوله: "حاضر" نعت لقوله: "جمع" وفاعل "يخف" ضمير عائد إلى الجمع، والضمير المنصوب به عائد إلى "المخبِر".

стр. 367

٥٣٨ - ومودَعٌ من النبيِّ سَمْعا ... يفيدُ ظنًّا أو يفيدُ قَطْعا ٥٣٩ - وليسَ حاملٌ على الإقرار ... ثَمَّ مع الصمتِ عن الإنكار يعني أن المخبر إذا كان بمكان يسمع النبيُّ ﷺ فيه خبره وسكت عن الإنكار عليه، ولا حامل للنبيِّ على الصمت ولا للمخبر على الكذب، فإن ذلك يفيد الظن بصدق خبره لا اليقين كما اختاره ابن الحاجب (١)، وقيل: يفيد القطع وهو قول المتأخرين، وسواء كان عندهم ذلك الأمر دينيًّا أو دنيويًّا (٢). أما إذا لم يكن النبي ﷺ سمعه فلا إشكال، وإذا سمعه وكان للنبي حاملٌ على الصمت ككون المخبر كافرًا ذا لَجاج وقد أنكر عليه قبل ذلك مرارًا ولم يُفِد، فلا يكون صمته عنه دليلًا على صدقه، وكذا إذا كان للمخبر حامل على الكذب ككونه يدفع به عن نفس معصوم أو مال فلا يفيد ذلك أيضًا صدقه. والحقُّ في هذه المسألة ما قاله العبَّادي (٣) من أنها لا فائدة لها، إذ لا يتصور حصول العلم بالصدق لأحد لتوقفه على العلم بانتفاء كلِّ شيء يحمل على التقرير ولا يمكن العلم بذلك؛ لأن الحوامل لا تنحصر وقد يخفى الحامل ويشتبه بغيره فيظن ما ليس بحامل حاملًا كالعكس. ٥٤٠ - وخبرُ الآحاد مظنونٌ عَرَى ... عن القيودِ في الذي تواترا

стр. 368

يعني أن أخبار الآحاد تفيد الظن لا اليقين، وستأتي للمؤلف بقية الأقوال، وقد عرَّفه بقوله: "عرى" إلخ أي هو خبر عار عن قيود المتواتر التي هي: كونه خبر جمع يستحيل. . . إلخ، فخبر الآحاد إذًا هو خبر واحد، أو اثنين، أو جمعٍ لا يستحيل تواطؤهم على الكذب، أو خبر جمع يستحيل تواطؤهم عليه عن معقول. ٥٤١ - والمستفيضُ منه وهو أربعَه ... أقلُّهُ وبعضُهُم قد رَفَعَه ٥٤٢ - عن واحدٍ وبعضُهُم عما يلي ... وجَعْلُه واسطةً قولٌ جَلِي يعني أن المستفيض من خبر الآحاد ، وعليه فالقسمة ثنائية متواتر وآحاد، والآحاد هو المنقسم إلى مستفيض وغيره. وقيل: إن القسمة ثلاثية: آحاد ومستفيض ومتواتر، وأشار لهذا بقوله: "وجَعْله واسطة" إلخ. وعند ابن عبد الحكم وابن عَرَفة والموَّاق وغيرهم أن المستفيض هو المتواتر. والمستفيضُ ذَكَر المؤلف في أقله ثلاثة أقوال: الأول: أن أقله أربعة. الثاني: أن أقله اثنان، وهو مراده بقوله: "وبعضهم قد رَفَعَه عن واحد". الثالث: أن أقله ثلاثة، وهو مراده بقوله: "وبعضهم عما يلي". وجَعْل المستفيض واسطة هو الذي عليه "شرح عمليات فاس" (١).

стр. 369

٥٤٣ - ولا يفيدُ العلمَ بالإطلاق ... عند الجماهيرِ من الحُذَّاقِ ٥٤٤ - وبعضهم يفيدُ إن عدلٌ روى ... واختير ذا إنِ القرينةَ احْتَوى يعني أن خبر الآحاد لا يفيد العلم يعني اليقين عند جماهير الحذَّاق يعني الأصوليين. وقوله: "بالإطلاق" يعني سواء احتفَّت به قرائن الصدق أم لا. وحُجَّة هذا القول: أن الرواة غيرُ معصومين وادعاء القطع بخبرهم مع إمكان الكذب في حقهم كأنه تناقض. وقوله: "وبعضهم يفيد إن عدلٌ رَوى" يعني أن بعض الأصوليين منهم ابن خُويز منداد من المالكية وهو رواية عن أحمد، وكثير من أهل الحديث يقولون: إن خبر الواحد يفيد القطع إذا كان راويه عدلًا ضابطًا (١). وحجَّتهم أن وجوب العمل به يقتضي إفادته العلم، لأن اللَّه ذم متبعَ الظن وبيَّن أن الظنَّ لا يغني من الحق شيئًا كما قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم]، وقال ﷺ : "إياكم والظنَّ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث" (٢). وأجيب من جهة الجمهور بأن الفروع العملية لا يُطْلَب فيها القطع بما في نفس الأمر، والعمل يكون قطعيًّا وهو مبني على ظن (٣) في نفس

стр. 370

الأمر، ألا ترى أن القتل يجب بشهادة عدلين على موجبه وجوبًا قطعيًّا مع أنه لا يُقْطع بصدقهما في نفس الأمر؟ وقوله: "واختير ذا" إلخ يعني أن ابن الحاجب اختار إفادة خبر الآحاد اليقين إذا احتوى على قرينة منفصلة زائدة على العدالة (١)، كما لو أُخْبِر عن رجل بأنه قَتَل آخر مع مشاهدة المقتول يتشحَّط في دمه والقاتل هاربًا فزعًا وبيده السِّكين وعليها الدم، فإن هذه القرينة -مثلًا- يتقوَّى بها الخبر فيفيد القطع. ومن المحتفِّ بقرينة الصدق: ما أخرجه الشيخان أو أحدهما لما احتف به من قرائن الصدق لشدة معرفتهما بالصحيح من غيره وتلقِّي الناس (٢) لكتابَيْهما بالقبول. وقوله: "القرينة" مفعول فعل محذوف يفسره ما بعده، لأنَّ "إنْ" لا تدخل على الجمل الاسمية، واحتوى الشيءَ وعليه بمعنى جَمَعه. ٥٤٥ - وفي الشهادةِ وفي الفتوى العَمَلْ ... به وجوبُه اتفاقًا قد حصَلْ ٥٤٦ - كذاك جاءَ في اتخاذِ الأدْوِيَه ... ونحوها كسَفَرٍ والأغذيه يعني أن الأمة اجتمعت على وجوب العمل بحكم الحاكم وفتوى المفتي وبشهادة الشاهد وإن لم يبلغوا حدَّ التواتر، فوجوب العمل بخبر الآحاد فيها مُجْمَع عليه، وكذلك أجمعوا على العمل به في الدنيويات كاتخاذ الأدوية، فيُعْتمد فيها على قولِ عدلٍ أنها داوءٌ مأمون من العطب،

стр. 371

وكارتكاب سفر أو غيره مما فيه غررٌ إذا أخبرَ عدلٌ أنه مأمون، وكاتخاذ الغذاء [إذا أخبر عدلٌ] (١) بأنه لا يضر سواء كان مأكولًا أو مشروبًا، ومحل هذا إذا كان المخبر عدلًا عارفًا، ولا يجوز الاعتماد على جاهلٍ في ذلك، وإن نشأ عَطَب ضَمِنَ كما أشار له في "المختصر" (٢) بقوله: "كطبيب جهل". ٥٤٧ - ومالكٌ بما سِوى ذاكَ نَخَعْ ... . . . . . . . . . . . . يعني أن مالكًا ﵀ "نخع" أي نطق وقال بوجوب العمل بخبر الواحد في جميع الأمور الدينية، وكذلك قال أبو حنيفة والشافعي وأحمدُ وعامة الأصوليين والفقهاء والمحدثين. وقد دَلّ على العمل به العقلُ والنقلُ، أما دلالة العقل فهي أنه لو لم يُعْمَل به لتعطل جُلُّ الأحكام لأن غالبها ثابت بالآحاد، والتالي باطل فالمتقدم مثله. وأما دلالة النقل فإنه دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، والمخالف فيه من المعتزلة محجوج بانعقاد الإجماع قبله. أما دلالة القرآن عليه ففي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات/ ٦] يُفْهَم من دليل خطابه أن الجائي بنبأ لو كان غير فاسق لما لزم التبيُّن وذلك يفيد العمل بخبره. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة/ ١٢٢] الآية، فإن هذه الطائفة النافرة المنذرة قومَها آحاد، والآية تدلُّ على قبول

стр. 372

خبرها، ولم يقل أحد إنها لابد أن تكون يحصل بها التواتر المفيد للقطع. وأما دلالة السنة فإنه ﷺ كان يرسل الرسول الواحد والرسولين في مُهِمَّات الدين، ولو لم يكن ذلك حجة لما أَرْسَل إلى الناس من ليس في خبره حجة. وأما الإجماع فقد اشتهر بين الصحابة الرجوع إلى أخبار الآحاد من غير نكير، ومن تتبع وقائعهم في ذلك حصل له العلم بأنه لا مخالف منهم في ذلك، فمن ذلك رجوع عمر بن الخطاب إلى خَبَر عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذ الجِزْية من مجوس هَجَر (١)، وكرجوع أبي بكر ﵁ لخبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة بعد أن قال لها: مالكِ في كتاب اللَّه شيء ولا علمتُ لكِ في سنة رسول اللَّه ﷺ شيئًا (٢).

стр. 373

ورجوع عمر إلى قولهما في دية الجنين أنَّها غرة (١). وكرجوع الصحابة لخبر عائشة في وجوب الغسل من التقاء الختانين (٢). فإن قيل: لم يقبل أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى شَهِد معه محمد بن مَسْلمة، ولم يقبل عمر بن الخطاب حديث أبي موسى في الاستِئْذان حتى شَهِد معه أبو سعيد الخدري (٣)، ولم تقبل عائشة خبرَ ابن عمر أن الميت يُعَذَّب ببكاء أهله (٤)، ولم يقبل النبي ﷺ خبر ذي اليدين في السهو في الصلاة حتى شهد معه أبو بكر وعمر (٥). فالجواب: أن أبا بكر لم يردَّ خبرَ المغيرة في ميراث الجدة وإنما طلبَ غيرَه معه تثبتًا وزيادةً للتأكيد وذلك لا يقتضي رد الخبر، كما جاء في القرآن نظيره عن إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة/ ٢٦٠] مع أنه حجة أيضًا على قبول أبي بكر خبر الآحاد؛ لأن الاثنين آحاد بالإجماع. وأن عمر بن الخطاب صرَّح في [بعض] روايات الحديث بأنه لم يتهم أبا موسى، وإنما فعل ذلك سدًّا

стр. 374

للذريعة لئلا يتجرَّأ الناسُ على التقوُّل على رسول اللَّه ﷺ ، وهو أيضًا حجة على قبول عمر خبر الآحاد مع أنه ثبت في الصحيح رجوعه لخبر عبد الرحمن ابن عوف وحْدَه في أَخْذ النبيِّ ﷺ الجزيةَ من مجوس هجر (١)، وأن عائشة ﵂ لم تقل برد خبر ابن عمر وإنما ظنَّت أنه غالط في خصوص هذا الحديث لظنها أن الآية تكذِّبه وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ويدل لذلك ما ثبت في "صحيح مسلم" (٢) من رواية القاسم بن محمد أن عائشة ﵂ قالت في حديث ابن عمر المذكور: "إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكنَّ السمعَ يخطئ". وهو صريح فيما ذكرنا. وأن النبي ﷺ إنما لم يقبل خبرَ ذي اليدين لأنه ﷺ كان يظن أنه صَلّى أربعًا وأنَّ ذا اليدين هو الغالط كما دل عليه قوله ﷺ : "كلُّ ذلكَ لم يكن" أي في ظني. . . . . . . . . . . ... وما ينافي نَقْلَ طَيْبَة مَنَعْ ٥٤٨ - إذَّ ذاك قطْعِيٌّ وإن رأيًا ففِي ... تقديم ذَا أو ذَاكَ خُلْفٌ قد قُفي يعني أن خبر الواحد إذا تعارض مع ما نقله جميع مجتهدي المدينة من الصحابة والتابعين فقط فإن مالكًا يمنع العمل بخبر الواحد فيقدِّم عليه نقل أهل المدينة؛ لأن نَقْل أهل المدينة قطعيٌّ لتواتره والمخالف له آحاد، وهذا من قبيل تقديم المتواتر على الآحاد. وقوله: "وما ينافي نقلَ طيبة" يعني أن الذي يقدمه مالك على خبر

стр. 375

الآحاد هو ما نقله أهلُ المدينة عن النبي ﷺ بأن صرحوا بنقله عنه أو كان له حُكم الرفع بأن كان لا مجال للرأي فيه. وقوله: "إذا ذاك قطعي" أي لتواتره. وقوله: "وإن رأيًا ففي تقديم ذا" إلخ يعني أن عمل أهل المدينة المخالف لخبر الآحاد إذا كان عن اجتهاد منهم لا نقلٍ عن النبي ﷺ فإن المالكية اختلفوا أيهما يقدم، فأكثر البغداديين على أنه ليس بحجة، لأنهم بعض الأمة فيقدَّم عليهم خبرُ الآحاد المروي عن النبي ﷺ . قلت: وهو الحق وعليه المحققون من المالكية، وسيصرِّح المؤلف في القوادح (١) بأن فساد الاعتبار قادح في كل اجتهاد، وهو مخالفة النص، فكلُّ اجتهاد خالفَ نصًّا فهو باطل بالقادح المُسَمَّى بفساد الاعتبار، وذلك في قوله في باب القوادح الذي سيأتي: والخُلْفَ للنصّ أو اجماعٍ دعا ... فسادَ الاعتبار كلُّ من وعى وقال آخرون: إجماعهم حجة فيقدَّم على خبر الواحد، والتحقيق خلافه كما يأتي للمؤلف في كتاب الإجماع (٢). أما إذا لم يعلم أهل المدينة بالخبر فهو مقدَّم على قولهم بالاتفاق، وقال المالكية: إذا علموه وتركوا العمل به دل ذلك على نسخة فيقدَّم عملُهم عليه. ٥٤٩ - كذاك فيما عارضَ القياسَا ... رِوَايتا من أحْكَم الأسَاسَا يعني أنه جاء عن مالك روايتان في عمل أهل المدينة إذا خالف

стр. 376

القياس أيهما يقدم؟ وينبني على الخلاف جَرَيان القصاص في الأطراف بين الحر والعبد، فعمل أهلِ المدينة بأن لا قصاص فيها، ومقتضى القياس القصاص فيها، فقدَّمَ مالكٌ هنا عملَ أهل المدينة، وسيأتي لهذا زيادة إيضاح في أول كتاب القياس (١). وقوله: "من أحكم الأساسا" يعني من أتقن الأصول، ومراده به مالك. ٥٥٠ - وقد كفى من غيرِ ما اعتضادِ ... خبرُ واحدٍ منَ الآحادِ يعني أن خبر الآحاد يجوز العمل به ولا يحتاج إلى عاضد يعضده من نص أو قياس وعمل، فلفظةُ "ما" زائدة والمعنى: من غير اعتضادٍ أي تقوٍّ بشيءٍ مما ذُكِر. ٥٥١ - والجزمُ من فرعٍ وشكَّ الأصل ... ودَعْ بجَزْمِه لذاك النَّقْلِ قوله: "الجزمُ" بالرفع عطف على فاعل "كفى". وقوله: "وشكَّ" بالنَّصب مفعول معه، يعني أنه يكفي في قبول الخبر جزم الفرع الذي هو الراوي مع شك الأصل الذي هو المروي عنه، فشكّ الأصل في رواية الراوي عنه لا يبطلها على قول الجمهور، لأن الرواة قد ينسون بعضَ ما حفظوا وروي عنهم، وإنما قُبِل مع شك الأصل لأن الراوي عَدْل جازم، ولم يأت من المروي عنه ما يُعارضه، وقد روى سُهيل بن أبي صالح [عن أبيه] عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قضى بالشاهد واليمين ثم نسيه سهيل فكان يقول: حدثني ربيعةُ عنِّي ولم ينكر عليه أحد (٢).

стр. 377

وقوله: "ودع بجزمه لذاك النقل" يعني أن الأصل إذا جَزَم (١) بأن الفرع لم يرو عنه هذا الحديث ولم يَشك في ذلك فلا تُقْبَل روايته عنه. وقوله: "لذاك" مفعول "دع" بمعنى اترك، واللّام زائدة لتأكيد التعدية، والباء في "بجزمه" سببية، وتقرير المعنى: ودع ذلك النقلَ بسبب جزم الأصل أن الفرع لم يرو عنه. ٥٥٢ - وقال بالقبول إنْ لم ينتفِ ... أصْلٌ من الحديث شيخٌ مقتفي يعني أن الباجيَ قال (٢): إنَّ جزم الأصل بعدم رواية الفرع عنه إذا اعترف بأن هذا الحديث من مروياته بأن قال: هذا من روايتي ولكنَّ هذا الراويَ لم يروه عني = لم يمنع جزمُه بذلك قبولَ رواية الفرع عنه؛ لأنه يمكن أن يحدِّثه وينسى أنه حدثه، وأما إن انتفى من الحديث أصلًا بأن قال: لم أرْوِ هذا الحديث أصلًا فلا تُقْبَل رواية الفرع عنه اتفاقًا. وقوله: "شيخ مقتفي" أي متَّبع يعني الباجيَّ. ٥٥٣ - وليس ذا يقدحُ في العداله ... كشاهدٍ للجزمِ بالمقالَه يعني أن مخالفةَ الأصل والفرع لا تقدَحُ في عدالة واحدٍ منهما، فلا تقول: لابدَّ أن يكون أحدهما كاذبًا والكذبُ من مسقطات الثقة بالخبر؛ لأن كلًّا منهما بالنظر إليه بمفرده يدَّعي أنه جازم وأنه صادق، كما لو قال رجل رأى طائرًا: إن كان هذا غرابًا فزوجتي طالق، وقال الآخر: إن لم

стр. 378

يكن غرابًا فزوجتي طالق، وطار ولم يُعرف وادَّعى كلٌّ منهما اليقين فلا تطلق زوجةُ واحدٍ منهما. وقوله: "كشاهد" أي كما لا تسقط شهادة الشهود بشهادة بعضِهم بنقيضِ ما شَهِدَ به الآخرون (١) ولو لم يمكن الجمع بل يرجَّح بين البَيِّنَتَيْن ولا يقدح ذلك التكاذبُ في عدالة أحدٍ منهم لأن الكل عَدْل جازم. قلت: ويُسْتأْنس لهذه المسائل بمسألة اللعان حيث جاء القرآنُ بقبول أَيْمان الزوجين وسقوط الحدِّ عنهما، مع أنَّا نقطع بأن أحدهما كاذب، وقد قال ﷺ : "اللَّه يعلمُ بأنَّ أحدكما لكاذب" (٢)، والكاذبُ منهما يلزم على كذبه حدٌّ من حدود اللَّه، لأنَ كذب المرأة يُلزمها حدَّ الزنا، وكذب الرجل يُلزمه حدَّ القذف. ٥٥٤ - والرفعُ والوصل وزَيْدُ اللَّفظِ ... مقبولةٌ عندَ إمامِ الحفظِ ٥٥٥ - إن أمكن الذهولُ عنها عاده ... إلّا فلا قبولَ للزِّياده يعني أن الرفع إلى النبي ﷺ مقدَّم على الوقف على الصحابي، والوصل مقدَّم على الإرسال، وإيضاحُه: أن الحديث لو رواه بعضُ الرواة مرفوعًا إلى النبي ﷺ ورواه بعضُهم موقوفًا على الصحابي ولم يرفَعْه إلى النبي ﷺ ، وكلا الإسنادين صحيح، فإنَّ الرفعَ مقدَّم على الوقف؛ لأن الرفعَ زيادة وزيادة العدل مقبولة.

стр. 379

وكذلك لو روى الحديث بعضُهم متصلًا -أي لم تسقط طبقة من طبقات السند- ورواه بعضُهم مرسلًا، كأن يقول: عن فلان التابعي عن النبي ﷺ ، فإنَّ رواية الواصلِ الذي لم يَحْذف واحدًا من رجال السند مقدَّمة على من أرسلَه -أي حَذفَ بعض رجال السند- لأن الوصل زيادة على الإرسال، وزياداتُ العدول مقبولة (١). فمثال ما اخْتُلِف فيه بالرفع والوقف حديث: "الطوافُ بالبيت صلاة إلا أن اللَّه أحل فيه الكلام" (٢)، فقد اخْتُلِف في رفعه ووقفه على ابن عباس. وحديث: "أفضلُ صلاة المرءِ في بيته إلا المكتوبة" (٣) اخْتُلِف في

стр. 380

رفعه ووقفه (١)، ذكر هذين المثالين هكذا المؤلفُ في "الشرح" (٢). ومثال ما اخْتُلِف فيه بالوصل والإرسال -ورواةُ الوصل أعلى درجة من رواة الإرسال- حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعنا رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أدركَ مالَه بعينه عندَ رجلٍ قد أفلس فهو أحقُّ به" رواه البخاري ومسلم عن أبي بكر بن عبد الرحمن متصلًا (٣). ورواه أبو داود ومالك (٤) عن أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلًا أي لم يذكر فيه أبو هريرة. ومثاله -ورواةُ الإرسالِ أعلى درجة- حديث: "لا نكاحَ إلَّا بِوَلي" (٥) فإنه رواه إسرائيل بن يونس عن جده أبي إسحاق السبيعيّ، عن أبي بُرْدة، عن أبيه أبي (٦) موسى الأشعري، عن النبي ﷺ ، ورواه شبعةُ وسفيانُ الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عنه ﷺ مرسلًا، وقد قضى البخاريُّ لمن وصله مع كون شبعة وسفيان كالجبلين في الحفظ والإتقان (٧).

стр. 381

وبما قرَّرْنا من أن الرفع والوصل زيادة وهي مقبولة من العدول يُعْلَم أنه يجري فيها التفصيل الآتي في زيادة اللفظ. وقوله: "وزيد اللفظ" يعني أنه إذا روي الحديث وكان في بعض طرقه زيادة لم تكن في الأخرى، سواءٌ كانت زيادةَ لفظ فقط أو زيادةً تُبيِّن إجمالًا أو زيادةَ معنى. مثالُ زيادة اللفظ فقط: رواية: "ربنا ولك الحمد" (١) بزيادة "الواو". ومثالُ الزيادة المُبيِّنة للإجمال: زيادة مسلم (٢) من رواية سعد بن طارق -أبي مالكٍ الأشجعيِّ- لفظ "التُّرْبة" في حديث: "وجُعِلَت لي الأرض تُرْبتُها مسجدًا وطهورًا" عند من يوجب التراب كالشافعي وأحمد، وأما عند مالك وأبي حنيفة فلفظ "التربة" لا يفيد معنًى زائدًا على الصعيد لأمرين: الأول: هو ما تقدم من أن ذِكْر بعض أفراد العام لا يخصِّصه، الثاني: هو ما تقدم من أن مفهوم اللقب لا اعتبار به. ومثال زيادة المعنى: الحديث المتفق عليه (٣): "قوموا إلى سيدكم" فإن الإمام أحمد أخرج فيه (٤) بسندٍ حسن عن عائشة من طريق علقمة بن وقاص زيادة: "فأنزلوه" وهي تغير المعنى، لأنها تُصيِّر المعنى أن قيامهم

стр. 382

له لإنزاله عن الدابة لأنه جريح لا للإجْلال. وقوله: "إن أمكن الذهول عنها عادة" يعني أن محل قبول الزيادة ما إذا أمكن غفلة الذين لم يذكروها عنها، أما إذا لم تمكن عادة غفلتهم عنها لكثرتهم وأهميتها (١) لم تُقبل لقضاء العادة بكذبها. ٥٥٦ - وقيلَ لا إنِ اتحادٌ قد عُلِمْ ... والوَفْقُ في غيرِ الذي مَرَّ رُسِمْ يعني أن بعض أهل الأصول منع قبول الزيادة مطلقًا أمكن الذهول عنها أم لا بشرط أن يُعلم اتحادُ المجلس، أي أنه لم يُحَدِّثْ به إلا مرَّةً واحدة، أما إذا عُلِم تعدُّد المجالس فهي مقبولة، ويُحمل على أنه حدَّث بالزيادة في بعض المجالس، وبدونها في غيره، وكذلك إذا لم يُعْلم اتحادهما ولا تعددها فإنها تُحْمل على التعدد، ولا تُرَدُّ رواية العدل للزيادة بمحتمل، والصحيحُ عند المحدثين أن الزيادة إن كانت مخالفة لما رواه العدل لم تقبل، وإن لم تكن مخالفة وكان الراوي عدلًا ضابطًا قبلت (٢). ٥٥٧ - وللتعارُض نُمِي المُغيِّرُ ... وحذفُ بعضٍ قد رآهُ الأكثرُ ٥٥٨ - دونَ ارتباطٍ وهو في التأليفِ ... يسُوغُ بالوفْقِ بلا تَعْنيفِ يعني أن الزيادة إذا غيرت الإعراب كانت معارضة للرواية الخالية عن الزيادة فيُطْلَب الترجيحُ بينهما من خارج، كما لو جاءت رواية في

стр. 383

قوله: "في أربعين شاة شاة" (١) بنصف شاة. وقيل: تُقبل ولو غيرت الإعراب، والأول مذهب الجمهور. وقوله: "وحذف بعض" إلخ، يعني أن حذف بعض الحديث جائز في رأي الأكثر بشرط ألا يكون المحذوف بينه وبين المذكور ارتباط، ككون المحذوف شرطًا أو غاية للمذكور أو استثناءً منه. مثال الحذف الجائز لعدم الارتباط: حديث البحر "هو الطهور ماؤه الحِلُّ ميتته" (٢)، فيجوز أن نقتصر على كلٍّ من الجملتين دون غيرها. ومثال ما لم يجز فيه الحذف للارتباط: حديث أنه ﷺ "نهى عن بيعِ الثمرةِ حتى تَزْهو" (٣) فلا يجوز حذف "حتى تزهو" للارتباط بما قبله، وحديث: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الوَرِق بالوَرِق إلا وزنًا بوزن مِثْلًا

стр. 384

بمثل سواء بسواء" (١) فلا يجوز حذف: "إلا وِزنًا بوزن" إلخ. ومفهوم قوله: "قد رآه الأكثر" أن بعضهم منع حذف البعض مطلقًا ولو لم يكن بينهم ارتباط لاحتمال أن يكون لذكر الكل فائدة تفوت بالتفريق. وقوله: "وهو في التأليف" إلخ، يعني أن حذف البعض من الحديث جائز في التأليف اتفاقًا، وهو عادة المؤلفين من السلف كمالك وأحمد والبخاري والنسائي وأبي داود وغيرهم، ورُوي عن أحمد أنه لا ينبغي، وقال ابن الصلاح (٢): "لا يخلو عن كراهة". و"التعنيف" اللوم والتشديد. ٥٥٩ - بغالبِ الظنِّ يدورُ المعتَبَرْ ... فاعتبرَ الإسلامَ كلُّ من غبَرْ "المعتبر" هنا مصدر ميميٌّ بمعنى الاعتبار، والباء في قوله: "بغالب" بمعنى على وهي متعلقة بـ "يدور"، وتقرير المعنى: الاعتبار لصدق الخبر يدور على غلبة ظنِّ صدقه، فكل ما يُخل بغلبة الظنِّ يَمْنع من القبول ككفر المُخْبر وفسقه. وقوله: "فاعتبر الإسلام" إلخ يعني أنه يتَسبَّبُ عن دوران الاعتبار على غلبة الظن اشتراط الإسلام في الراوي لعدم الثقة بخبر الكافر. واعلم أن الكافر الصريح أجمعَ العلماءُ على عدم قبول روايته، والكافر المتأوِّل كالمبتدع بما يكفِّره إذا كان متدينًا يُحْرِّمُ الكذب فهو كذلك أيضًا عند الجمهور، وهو الحق، وفي بعض الروايات عن أحمد قبوله. وقوله:

стр. 385

"غَبَرْ" بمعنى مضى، ومادته من الأضداد تُستعمل في الباقي والماضي. ٥٦٠ - وفاسقٌ وذو ابتداعٍ إن دَعَا ... أو مُطْلَقًا ردٌّ لكلٍّ سُمِعا يعني أنه يلزم على دوران الاعتبار على غلبة الظن أيضًا رَدٌّ رواية الفاسق والمبتدع ، والمشهور عند المحدِّثين أن البدعِى المُتأوِّلَ إذا كان داعية لبدعته، أو كان يجيز الكذب لترويجها كالخطَّابية (١) فإنه لا تقبل روايته، وأما إذا كان غير داعية ولم يُجزِ الكذبَ لترويج بدعته فإنه تقبل روايته، وفي رجال "الصحيحين" جَماعة من أهل الأهواء والبدع لا يدعون لبدعتهم ولا يَسْتبيحون الكذب. وقيل: تُرد رواية البدعي مطلقًا، وإليه الإشارة بقول المؤلف: "أو مطلقًا" وهو مذهب مالك، وهذا في غير البدعة المكفِّرة كما تقدم. ٥٦١ - كذا الصَّبي وإن يكن تحملوا ... ثم أَدًا بنفي منعٍ قُبِلُوا يعني أن الصبيَّ لا تُقْبَل روايته ولو كان مميزًا صدوقًا، لعلمه بعدم مؤاخذته، فلا ثقة بخبره، وأحرى إذا كان غير مميز أو معروفًا بالكذب. وقوله: "وإن يكن تحملوا" إلخ يعني: أن الكافرَ -المفهوم من اشتراط الإسلام- والفاسق والمبتدعَ والصبيَّ إذا تحملوا حال اتِّصافهم بصفة المنع ثم كانوا وقت الأداء غير متصفين بما يمنع قبول روايتهم كما لو سمع الحديث من النبي ﷺ أو الشيخ وهو كافر أو فاسق أو مبتدع، أو

стр. 386

صبي، ثم أدَّاه في حالة الإسلام أو البلوغ أو زوال الفسق والابتداع فإنه يُقْبَل على مذهب الجمهور وهو الحق؛ لأن العبرة بوقت الأداء، وقد أجمعَ الصحابة على رواية صغار الصحابة الذين سمعوا من النبي ﷺ في زمن صباهم وأدَّوا بعد البلوغ، كابن عباس والحسن والحسين والنعمان بن بشير وابن الزبير وأضرابهم، وقد قبلوا حديثَ جُبير بن مُطعم في صلاة النبي ﷺ بسورة الطور، وقد سمعه وهو كافر من النبي ﷺ وأدَّاه بعد الإسلام (١). و"الواو" في قوله: "قُبِلوا" نائب الفاعل وضميره عائد إلى الكافر والفاسق والمبتدع والصبي، والكلام على حذف مضاف، أي قُبلت روايتهم. وقوله: "إن يكن تحملوا" فيه حذف، أي وإن يكن التحمل مقترنًا بصفة المنع كالكفر والفسق مثلًا. وقوله: "ثم أَدًا بنفي منع" إلخ يعني ثم كان الأداء بعد ذلك مقترنًا بنفي المنع لوقوعه بعد زوال الكفر والفسق إلخ. ٥٦٢ - من ليسَ ذا فِقهٍ أباه الجيلُ ... وعكسُه أثبته الدليل يعني أن الراوي إذا كان غير فقيه فإن الجيل يردون روايته، وأصلُ الجيل: الصنف من الناس، والمراد به عند المؤلف أهل مذهب مالك قائلين: إن رد رواية غير الفقيه هو المنقول عن مالك (٢)؛ لأن غير الفقيه لا

стр. 387

يؤمن أن يَفهم الكلام على غير وجهه فيعبِّر عن المروي بحسب ما فهم فيقع الخلل في الرواية. وقوله: "وعكسه" أي عكس ما قالوا، وهو قبول رواية غير الفقيه "أثبته الدليل" أي الأحاديث المصرِّحة بقبوله كقوله: "رُبَّ حاملِ فقهٍ ليْس بفقيه" (١). وقوله: "يَحْمل هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه. . . " (٢) الحديث ولم يشترط فيهم الفقه. ٥٦٣ - وِمَنْ له في غيره تساهُلُ ... . . . . . . . . . . قوله: "من" مبتدأ خبره "يقبل" محذوف دل عليه ما بعده، يعني أن الراوي إذا كان يتساهل في غير الحديث مع تحرزه في الحديث وعدم

стр. 388

تساهله فيه يقبل؛ لأن المقصودَ ضبطُ الشريعة وأمْنُ الخلل فيها ولو تساهل في غيرها. وقيل: تردُّ رواية المتساهل مطلقًا، والتساهل كالتحمل حال النعاس أو نعاس الشيخ ونحو ذلك. . . . . . . . . . . ... ذو عجمةٍ أو جهلِ مَنْمًى يُقْبَلُ يعني أن عجميَّ اللِّسان ومن لا يحسن العربية تُقبل روايتهما لأن العدالة تمنعهما أن يرويا إلَّا كما سمعا، وكذلك يُقبل مجهول المَنْمى أي النسب إذ المدار على عدالته لا على معرفة نسبه. ٥٦٤ - كخلْفِهِ لأكثر الرواةِ ... وخُلْفِه للمتواترات يعني أن خُلْف الراوي لأكثر الرواة لا يبطل روايته، وخُلْفه للمتواتر لا يُبطل روايته أيضًا، ولكن يُصار إلى الترجيح فيرجح الأكثر والمتواتر على الأقل والآحاد. ٥٦٥ - وكثرةٍ وإن لُقِيٌّ يَنْدُرُ ... فيما به تَحْصِيلُه لا يُحْظَرُ يعني أنه يُقبل إكثار الرواية من الحديث وإن ندرت مخالطة الراوي للمحدِّثين إن كان يمكن تحصيل ذلك القدر الذي رواه من الحديث في ذلك الزمن الذي خالط فيه المحدثين، ومفهومه أنه إن لم يمكن تحصيله في ذلك الزمن لا يُقبل شيء مما رواد لظهور الكذب في بعض منه لم تُعْلَم عينُه فوجب طرحُ الجميع. هذا حُكم الإكثار من الحديث، وأما حكم الإقلال منه فالتحقيق أنه لا يقدح في روايته، وربما أنكر بعضُ المحدثين روايةَ المُقل من الحديث، لأن إقلاله يدل على عدم اهتمامه بالدين وذلك قادح فيه.

стр. 389

٥٦٦ - عدْلُ الروايةِ الذي قد أوجَبوا ... هو الذي مِن هذا يُجْلَبُ ٥٦٧ - والعدلُ من يجتنبُ الكبائرا ... ويتَّقي في الأغلبِ الصَّغائرا ٥٦٨ - وما أُبيح وهو في العيانِ .... يقدحُ في مُروءةِ الإنسانِ هذا تعريف من المؤلف لعَدْلِ الرواية، لأن خبر الآحاد تُشترط فيه عدالة الرواة فاحتيج إلى تعريف العدل، وعرَّفه المؤلف باستجلابه بَيْتَي ابنِ عاصم في تعريفه عدل الشهادة؛ لأن عَدْل الشهادة هو عدلُ الرواية إلَّا في المسائلِ التي ذكرها في قوله: "وذو أنوثة" إلخ وذلك هو قوله: "من بعد هذا يُجْلب". وعرَّف العدل بأنه من يجتنب الكبائر مطلقًا والصغائر في الأغلب، ونادِرُها لا يقدح في العدالة لعُسْر التحرز منه، لكن بشرط أن تكون غير صغائر الخِسَّة، أما ارتكاب صغيرة الخِسَّة فهو قادح لدلالته على دناءة الهمة وسقوط المروءة، كسرقة لقمة وتطفيف حبة. ويشترط للعدالة سلامة المروءة من القوادح، فارتكاب ما يُخل بالمروءة يُخل بالعدالة، كالبول في الطريق والأكل في السوق لغير سوقيّ، ومخالطة الأنذال ونحو ذلك، وذلك هو مراده بقوله: "وما أُبيح" البيت. وحاصل تحقيق المقام في العدالة أنها لغةً: التوسط، واصطلاحًا: سلامةُ الدينِ من الفسق والمروءةِ من القوادح، والعقلِ من البَلَه والتغفيل. واختلف العلماءُ في حدِّ الكبيرة اختلافًا كثيرًا فقيل: هي ما تُوُعِّدَ فاعلُه بغضبٍ أو عذابٍ أو نحو ذلك، وقيل: ما يترتب عليه حَدٌّ، واختار بعضهم أن ضَابطها: أنها كل ذنب يدل على استخفاف مرتكبه بالدين،

стр. 390

وقال ابن عباس: هي إلى السبعمئة أقرب منها إلى السبع (١). ٥٦٩ - وذو أُنُوثةٍ وعبْدٌ والعِدا ... وذو قرابةٍ خلافُ الشُّهدا يعني أن الإنسان المتصف بالعدالة تُقبل روايته ولو كان امرأةً أو عبدًا أو عدوًّا أو قريبًا، فرواية هؤلاء تُقبل دون شهادتهم، فالمرأة تُقبل روايتها في كل شيء ولا تُقْبل شهادتها إلَّا في الأموال وفيما لا يظهر للرجال، والعبد تُقبل روايته إن كان عدلًا ولا تقبل شهادته عند الأكثر، والعدوُّ لا تقبل شهادته على عدوه وتقبل روايته عليه إذا روى حديثًا يقتضي الحكم عليه، وكذلك القريب، وقبول رواية هؤلاء دون شهاداتهم هو مراده بقوله: "خلاف الشهدا" الذي هو خبر المبتدأ وهو "ذو قرابة" وما عُطِف عليه. ٥٧٠ - ولا صغيرةَ مع الإصْرَارِ ... المُبْطِلِ الثقةِ بالأخبار يعني أن الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرها كبيرة فيقدح في العدالة، والإصرارُ عرَّفه بعضهم بأنه المواظبة والمداومة، ومعناه لغةً: العزيمة والتصميم على التمادِي في الفعل، وقوله: "المبطل الثقة" يعني به أن المُصِرَّ على الصغائر لا تقبل روايته إذ لا ثقةَ بخبره، وسواء كانت الصغائر من جنس واحد أم لا، فالآتي بواحدة من كل نوع مُصِرٌّ. ٥٧١ - فدَعْ لمنْ جُهِلَ مطلقًا ومَنْ ... في عَيْنه يُجْهَلُ أو فيما بَطَنْ يعني أنه يترتب على اشتراط العدالة ترك شهادة المجهول، و المجهول ثلاثة أقسام:
следующие страницы →