← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 283

نثر الورود شرح مراقي السعود

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (730 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

صبي، ثم أدَّاه في حالة الإسلام أو البلوغ أو زوال الفسق والابتداع فإنه يُقْبَل على مذهب الجمهور وهو الحق؛ لأن العبرة بوقت الأداء، وقد أجمعَ الصحابة على رواية صغار الصحابة الذين سمعوا من النبي ﷺ في زمن صباهم وأدَّوا بعد البلوغ، كابن عباس والحسن والحسين والنعمان بن بشير وابن الزبير وأضرابهم، وقد قبلوا حديثَ جُبير بن مُطعم في صلاة النبي ﷺ بسورة الطور، وقد سمعه وهو كافر من النبي ﷺ وأدَّاه بعد الإسلام (١). و"الواو" في قوله: "قُبِلوا" نائب الفاعل وضميره عائد إلى الكافر والفاسق والمبتدع والصبي، والكلام على حذف مضاف، أي قُبلت روايتهم. وقوله: "إن يكن تحملوا" فيه حذف، أي وإن يكن التحمل مقترنًا بصفة المنع كالكفر والفسق مثلًا. وقوله: "ثم أَدًا بنفي منع" إلخ يعني ثم كان الأداء بعد ذلك مقترنًا بنفي المنع لوقوعه بعد زوال الكفر والفسق إلخ. ٥٦٢ - من ليسَ ذا فِقهٍ أباه الجيلُ ... وعكسُه أثبته الدليل يعني أن الراوي إذا كان غير فقيه فإن الجيل يردون روايته، وأصلُ الجيل: الصنف من الناس، والمراد به عند المؤلف أهل مذهب مالك قائلين: إن رد رواية غير الفقيه هو المنقول عن مالك (٢)؛ لأن غير الفقيه لا

стр. 387

يؤمن أن يَفهم الكلام على غير وجهه فيعبِّر عن المروي بحسب ما فهم فيقع الخلل في الرواية. وقوله: "وعكسه" أي عكس ما قالوا، وهو قبول رواية غير الفقيه "أثبته الدليل" أي الأحاديث المصرِّحة بقبوله كقوله: "رُبَّ حاملِ فقهٍ ليْس بفقيه" (١). وقوله: "يَحْمل هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه. . . " (٢) الحديث ولم يشترط فيهم الفقه. ٥٦٣ - وِمَنْ له في غيره تساهُلُ ... . . . . . . . . . . قوله: "من" مبتدأ خبره "يقبل" محذوف دل عليه ما بعده، يعني أن الراوي إذا كان يتساهل في غير الحديث مع تحرزه في الحديث وعدم

стр. 388

تساهله فيه يقبل؛ لأن المقصودَ ضبطُ الشريعة وأمْنُ الخلل فيها ولو تساهل في غيرها. وقيل: تردُّ رواية المتساهل مطلقًا، والتساهل كالتحمل حال النعاس أو نعاس الشيخ ونحو ذلك. . . . . . . . . . . ... ذو عجمةٍ أو جهلِ مَنْمًى يُقْبَلُ يعني أن عجميَّ اللِّسان ومن لا يحسن العربية تُقبل روايتهما لأن العدالة تمنعهما أن يرويا إلَّا كما سمعا، وكذلك يُقبل مجهول المَنْمى أي النسب إذ المدار على عدالته لا على معرفة نسبه. ٥٦٤ - كخلْفِهِ لأكثر الرواةِ ... وخُلْفِه للمتواترات يعني أن خُلْف الراوي لأكثر الرواة لا يبطل روايته، وخُلْفه للمتواتر لا يُبطل روايته أيضًا، ولكن يُصار إلى الترجيح فيرجح الأكثر والمتواتر على الأقل والآحاد. ٥٦٥ - وكثرةٍ وإن لُقِيٌّ يَنْدُرُ ... فيما به تَحْصِيلُه لا يُحْظَرُ يعني أنه يُقبل إكثار الرواية من الحديث وإن ندرت مخالطة الراوي للمحدِّثين إن كان يمكن تحصيل ذلك القدر الذي رواه من الحديث في ذلك الزمن الذي خالط فيه المحدثين، ومفهومه أنه إن لم يمكن تحصيله في ذلك الزمن لا يُقبل شيء مما رواد لظهور الكذب في بعض منه لم تُعْلَم عينُه فوجب طرحُ الجميع. هذا حُكم الإكثار من الحديث، وأما حكم الإقلال منه فالتحقيق أنه لا يقدح في روايته، وربما أنكر بعضُ المحدثين روايةَ المُقل من الحديث، لأن إقلاله يدل على عدم اهتمامه بالدين وذلك قادح فيه.

стр. 389

٥٦٦ - عدْلُ الروايةِ الذي قد أوجَبوا ... هو الذي مِن هذا يُجْلَبُ ٥٦٧ - والعدلُ من يجتنبُ الكبائرا ... ويتَّقي في الأغلبِ الصَّغائرا ٥٦٨ - وما أُبيح وهو في العيانِ .... يقدحُ في مُروءةِ الإنسانِ هذا تعريف من المؤلف لعَدْلِ الرواية، لأن خبر الآحاد تُشترط فيه عدالة الرواة فاحتيج إلى تعريف العدل، وعرَّفه المؤلف باستجلابه بَيْتَي ابنِ عاصم في تعريفه عدل الشهادة؛ لأن عَدْل الشهادة هو عدلُ الرواية إلَّا في المسائلِ التي ذكرها في قوله: "وذو أنوثة" إلخ وذلك هو قوله: "من بعد هذا يُجْلب". وعرَّف العدل بأنه من يجتنب الكبائر مطلقًا والصغائر في الأغلب، ونادِرُها لا يقدح في العدالة لعُسْر التحرز منه، لكن بشرط أن تكون غير صغائر الخِسَّة، أما ارتكاب صغيرة الخِسَّة فهو قادح لدلالته على دناءة الهمة وسقوط المروءة، كسرقة لقمة وتطفيف حبة. ويشترط للعدالة سلامة المروءة من القوادح، فارتكاب ما يُخل بالمروءة يُخل بالعدالة، كالبول في الطريق والأكل في السوق لغير سوقيّ، ومخالطة الأنذال ونحو ذلك، وذلك هو مراده بقوله: "وما أُبيح" البيت. وحاصل تحقيق المقام في العدالة أنها لغةً: التوسط، واصطلاحًا: سلامةُ الدينِ من الفسق والمروءةِ من القوادح، والعقلِ من البَلَه والتغفيل. واختلف العلماءُ في حدِّ الكبيرة اختلافًا كثيرًا فقيل: هي ما تُوُعِّدَ فاعلُه بغضبٍ أو عذابٍ أو نحو ذلك، وقيل: ما يترتب عليه حَدٌّ، واختار بعضهم أن ضَابطها: أنها كل ذنب يدل على استخفاف مرتكبه بالدين،

стр. 390

وقال ابن عباس: هي إلى السبعمئة أقرب منها إلى السبع (١). ٥٦٩ - وذو أُنُوثةٍ وعبْدٌ والعِدا ... وذو قرابةٍ خلافُ الشُّهدا يعني أن الإنسان المتصف بالعدالة تُقبل روايته ولو كان امرأةً أو عبدًا أو عدوًّا أو قريبًا، فرواية هؤلاء تُقبل دون شهادتهم، فالمرأة تُقبل روايتها في كل شيء ولا تُقْبل شهادتها إلَّا في الأموال وفيما لا يظهر للرجال، والعبد تُقبل روايته إن كان عدلًا ولا تقبل شهادته عند الأكثر، والعدوُّ لا تقبل شهادته على عدوه وتقبل روايته عليه إذا روى حديثًا يقتضي الحكم عليه، وكذلك القريب، وقبول رواية هؤلاء دون شهاداتهم هو مراده بقوله: "خلاف الشهدا" الذي هو خبر المبتدأ وهو "ذو قرابة" وما عُطِف عليه. ٥٧٠ - ولا صغيرةَ مع الإصْرَارِ ... المُبْطِلِ الثقةِ بالأخبار يعني أن الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرها كبيرة فيقدح في العدالة، والإصرارُ عرَّفه بعضهم بأنه المواظبة والمداومة، ومعناه لغةً: العزيمة والتصميم على التمادِي في الفعل، وقوله: "المبطل الثقة" يعني به أن المُصِرَّ على الصغائر لا تقبل روايته إذ لا ثقةَ بخبره، وسواء كانت الصغائر من جنس واحد أم لا، فالآتي بواحدة من كل نوع مُصِرٌّ. ٥٧١ - فدَعْ لمنْ جُهِلَ مطلقًا ومَنْ ... في عَيْنه يُجْهَلُ أو فيما بَطَنْ يعني أنه يترتب على اشتراط العدالة ترك شهادة المجهول، و المجهول ثلاثة أقسام:

стр. 391

الأول: مجهول الظاهر والباطن وهو مراده بقوله: "فدع لمن جُهِل مطلقًا" أي اترك من جُهِلَ ظاهره وباطنه، فاللام زائدة لتقوية التعدية داخلة على المفعول، والكلامُ على حذف مضاف إذ المراد بتركه ترك روايته. الثاني: مجهول العين، وهو عند جمهور المحدثين من لم يرو عنه إلَّا واحد ولو كان معروف العين والنسب، والجلُّ على عدم قبول روايته إن كان غير صحابي، أما الصحابي فهو مقبول ولو لم يرو عنه إلَّا واحد، كالمسيّب بن حَزْن فإنه لم يرو عنه غير ابنه سعيدٍ أخرج الشيخان حديثه في وفاة أبي طالب (١). وكعَمْرو بن تغلب النَّمَري (٢) أو العبدي أخرج البخاري (٣) حديثه أن النبي ﷺ أثنى عليه -أي عَمْرو المذكور- في إسلامه ولم يرو عنه إلَّا الحسن البصري، وأشار العراقيُّ إلى هذا في "ألفيته" (٤) بقوله: ففي الصحيح أخرجا المسيبا ... وأخرج الجعفيُّ لابن تَغْلبا مع أنه قال قوم: إن عَمْرو بن تغلب روى عنه غير الحسن البصري وهو الحكم بن الأعرج كما ذكره ابن أبي حاتم (٥) وابن عبد البر (٦)، وهذا مراد المؤلف بقوله: "ومن في عينه يُجْهَلُ".

стр. 392

الثالث: هو من ظهرت منه العدالة بحسب الظاهر مع جهل باطنه، والأكثر على عدم قبوله، وهو مراد المؤلف بقوله: "أو فيما بطن". وقوله: "جُهِل" "يُجهَل" بالبناء للمفعول. ٥٧٢ - ومثبتُ العدالةِ اختبارُ ... كذاك تعديلٌ والانتشارُ يعني أن الأمور التي تثبت بها العدالة ثلاثة: الأول: الاختبار بالمعاملة والمخالطة التي تُطْلِعُ على خبايا النفوس وخفاياها. الثاني: التعديل بتزكية العدل له. الثالث: انتشار السماع المتواتر أو المستفيض بعدالته، وهو في الحقيقة نوع من التعديل. ٥٧٣ - وفي قضا القاضي وأخذِ الراوي ... وعملِ العالِمِ أيضًا ثاوي ٥٧٤ - وشرطُ كُلٍّ أن يُرَى مُلْتَزَما ... رَدًّا لِمَنْ لَيْس بعدلٍ عُلِما لما بين أن التعديل من مثبتات العدالة بيَّنَ هنا أن التعديل يكون بالالتزام ولو لم يُصرح بالتعديل، والتعديلُ الالتزامي ذكره في ثلاث مسائل: الأولى: قضاءُ القاضي بشهادة الشاهد أي حكمه بمقتضاها. الثانية: رواية الراوي الذي لا يروي إلَّا عن عدل عن شيخ. الثالثة: عمله بروايته. إلَّا أن كون قبول القاضي شهادته ورواية الراوي عنه وعمل العامل بمرويه تعديلًا ضمنيًّا له مشروطٌ بأن يكون كُلٌّ منهم لا يقبل غير العدل، بأن يُعْلَم ذلك منه بصريح أو بعادةٍ مُطَّردة كالشيخين في صحيحيهما، وقيل: إن لم يصرح بأنه يَشْتَرِط ذلك لم يكن تعديلًا له لجواز أن يَعْمل به احتياطًا أو يخالف عادته. وقوله: "ثاوي" يعني أن التعديل الضمني كائن

стр. 393

ثابت بقضاء القاضي إلخ. ٥٧٥ - والجَرْحَ قدِّم باتفاقٍ أبدا ... إن كان من جَرحَ أعْلَى عَدَدَا ٥٧٦ - وغيرُه كَهْوَ بغير مَيْنِ ... وقيل بالترجيح في القِسْمين يعني أنه إذا عدَّل الراوي جماعةٌ وجرَّحه آخرون فلذلك ثلاث حالات: الأولى: أن يكون المُجَرِّح أكثر عدَدًا. الثانية: أن يكون المعدِّل أكثر عددًا. الثالثة: أن يستويا. فإن كان المُجَرِّح أكثر عددًا قُدِّم بلا خلاف، وهو مراده بقوله: "والجرح قدم" البيت. وإن كان المعدِّل أكثر أو استويا قُدِّم المجرِّح أيضًا على الراجح؛ لأن المجرِّح اطلع على ما لم يطلع عليه المعدِّل وهو مراد المؤلف بقوله: "وغيره وهو". وقيل: يصار إلى الترجيح في هذين القسمين الداخلين تحت قوله: "وغيره وهو" وهما إذا كثر المعدِّل أو تساويا. والمَيْن: الكذب، ودخول الكاف على ضمير الرفع شاذ. ٥٧٧ - كلاهما يُثْبِتُه المُنْفَرِدُ ... ومالكٌ عنه رُوِي التَّعَدُّد الضمير في قوله: "كلاهما" راجع إلى الجرح والتعديل، يعني أنه يثبت كل واحد منهما بعدل واحد، ورُوِي عن مالك اشتراط التعدد في الشاهد (١)، كما قال ابن عاصم في "التحفة":

стр. 394

وشاهدٌ تعديله باثنيْن ... كذاك تجريح مبَرِّزَيْن ويُقاس عليه الراوي، وأشار إلى بقية الأقوال بقوله: ٥٧٨ - وقال بالعددِ ذو دِرايه ... في جهةِ الشاهدِ لا الرِّوَايه يعني أن بعض أهل الدراية لم يقبل التزكية ولا التجريح من واحد في خصوص الشاهد، نظرًا إلى طلب التعدُّد في أصل الشهادة دون الرواية، فيقبل عدلًا واحدًا في تعديل الراوي وتجريحه، نظرًا إلى أن أصل الرواية لا يطلب فيه التعدد، وعزا بعضُهم هذا التفصيل للأكثر. ٥٧٩ - شهادةٌ الاخبارُ عما خَصَّ إنْ ... فيه ترافُعٌ إلى القاضي زُكِنْ ٥٨٠ - وغيرُه روايةٌ. . . . ... . . . . . . . . . . تعرَّض المؤلف هنا للفرق بين الشهادة والرواية ففرَّق بَيْنهما بأن (١) الشهادة هي الإخبار عن خاصٍّ من شأنه أن يُترافع فيه إلى حُكَّام الشريعة، كالإخبار عن زيد بأن عليه مئة لعَمْرو أو أنه طلَّق زوجته أو أعتق عَبْده ونحو ذلك. وقوله: "وغيره رواية" يعني أن الرواية هي الإخبار عن عام كخبر: "إنما الأعمال بالنيات" (٢)، أو الإخبار عن خاصٍّ لا يمكن الترافع فيه كخبر "يخرب الكعبة ذو السُّوَيقتين من الحبَشة" (٣).

стр. 395

واعتُرِض على التعريفين، أما تعريف الشهادة بما ذكر فقد اعترض عليه بأنه غيرُ مانع لشموله للدعوى والإقرار، لأن كلًّا منهما إخبار عن خاصٍّ يمكن الترافع فيه وليسا برواية. وأجيب بأن المراد تمييز الشهادة عن الرواية خاصة، والتمييز بينهما حاصل بما ذكر. واعْتُرِض تعريف الرواية أيضًا بأنه غير مانع لأن الإخبار عن عام تارة يكون شهادة كالبينة القائمة على وقف على عامة المسلمين. ولم أر من أجاب عنه بمقنع. وقوله: "زُكِن" بمعنى عُلِم. وقوله: "الإخبار" مبتدأ مؤخَّر نُقِلت حركة همزته إلى اللام وما بعده متعلق به، و"شهادة" خبر مقدم. . . . . . . . . . . والصَحْبُ ... تْعديلُهم كُلٌّ إليه يَصْبُو يعني أن أصحابَ النبيِّ ﷺ كلَّهم عدولٌ فلا تضر جهالة الصحابي ولا يلزم البحث عن عدالته. وقوله: "يصبو" أي يميل يعني أن كل السلف يميلون إلى عدالة كل الصحابة لما جاء من تزكيتهم والثناء عليهم في الكتاب والسنة. ٥٨١ - واختارَ في الملازمينَ دون مَنْ ... رآه مرَّةً إمامٌ مؤتمنْ مراده بالإمام المؤتمن القرافي، يعني أن القرافيّ اختار أن ثبوت العدالة للصحابة إنما هو لخصوص الملازمين له ﷺ المهتدين بهداه، أما من رآه مرَّة ورجع إلى بلاده كمالك بن الحويرث، وضمامة بن ثعلبة،

стр. 396

وأمثالهم = فلا تستلزم تلك الصحبة عدالتهم (١)، والتحقيقُ الأول، وهو قول الجمهور. واعلم أن أصحَّ حدود الصحابي (٢): أنه من اجتمع بالنبي ﷺ مسلمًا ومات على ذلك ولو تخلَّلت إسلامه ردةٌ كالأشعث بن قيس. ٥٨٢ - إذا ادَّعى المعاصرُ العدلُ الشَّرَفْ ... بصحبةٍ يقبلُه جُلُّ السَّلَفْ يعني أن الإنسان إذا ادَّعَى صحبة النبي ﷺ لنفسه بأن قال: أنا اجتمعتُ بالنبي ﷺ . فإنَّ قوله يقبل وتثبت به صحبته بشرطين: الأول: أن يكون عدلًا. الثاني: أن يكون وجوده في عصر النبي ﷺ معلومًا، وأشار المؤلف إلى الشرطين المذكورين بقوله: "إذا ادَّعى المعاصِرُ العدلُ". وإنما قُبِل قولُه لأن عدالته تمنعه من الكذب. ومفهوم قوله: "جُلُّ السلف" أن من العلماء من لا يقبل قوله في ادِّعاء الصحبة لأنه يدعي الفضل والعدالة لنفسه بالصحبة كما أن الإنسان إذا قال: أنا عدل لم تُقْبل تزكيته لنفسه (٣). ٥٨٣ - ومرسلٌ قَوْلَةُ غيْرِ مَنْ صحِبْ ... قال إمامُ الأعْجمينَ والعربْ ٥٨٤ - عند المحدثينَ قولُ التابعي ... أوِ الكبيرِ قال خيرُ شافِعِ تعرَّض المؤلفُ هنا لبيان المرسل فذكر أن المرسل في اصطلاح الفقهاء والأصوليين هو: أن يقول غيرُ الصحابي: قال رسول اللَّه ﷺ ،

стр. 397

سواء كان تابعيًّا صغيرًا أو كبيرًا أو غير تابعيٍّ مطلقًا، وعليه فالمرسل بالاصطلاح الأصولي يشمل المنقطع والمعضل في اصطلاح أهل الحديث، فكل من يحتج بالمرسل يحتج بالمنقطع والمعضل. وإلى تعريف المرسل عند الأصوليين أشار بالبيت الأول. وأما المرسل عند المحدثين فهو: أن يقول التابعي -صغيرًا كان أو كبيرًا عند بعض- أو التابعي الكبير خاصة: قال رسول اللَّه ﷺ . والمشهور عند المحدثين الأول، والتابعيُّ الكبير كعبيد اللَّه بن عدي بن الخِيَار، وقيس بن أبي حازم، والصغير كالزهري. ٥٨٥ - وهو حجةٌ ولكنْ رُجِّحا ... عليه مُسْندٌ وعكْسٌ صُحِّحا اعلم أن في المرسل ثلاثة أقوال: الأول: أنه غير حجة، وهو مذهب الشافعي (١) وجمهور المحدثين، لأن الساقط مجهول والمجهول لا اعتبار بروايته، وهذا القول لم يتعرض له المؤلف، وإنما ذكر القولين الأخيرين. الأول منهما وهو الثاني من الأقوال الثلاثة التي ذكرنا: أنه حجة، ولكنّ المتصل يُقدَّم عليه عند التعارض. والآخر وهو الثالث: أنه حجة ويقدَّم على المتَّصل عند التعارض. وحجة القول بالاحتجاج بالمرسل: أن العدل لا يسقط الواسطة مع الجزم برفع الخبر إلى النبي ﷺ إلَّا لجزمه بثقة الواسطة التي لم تُذْكر وإلَّا

стр. 398

كان مدلِّسًا تدليسًا قادحًا في عدالته، والفَرْض أنه عدل. وحجة تقديم المتصل عليه واضحة لأرجحية الاتصال على الإرسال. وحجة تقديم المرسل على المتصل -عند القائل به- أنَّ من وصلَ السند أحالك على البحث عن عدالة الرواة، ومن حذفَ الواسطة مع الجزم بالرواية فقد تكفَّل لك بعدالة الواسطة، ومشهور مذهب مالك (١) وأبي حنيفة (٢) وأصح الروايتين عن أحمد (٣): أن المرسل حجة ولكن يُقَدَّم عليه المتِّصل عند التعارض. ومراده بالمسند في البيت المتصل. فإن قيل: تقدم أن مجهول العين لا يقبل في قوله: "ومن في عينه يجهل" وإذًا فما الفرق بين الواسطة الساقطة -إذا لم يحقق أنها صحابي- وبين مجهول العين المتقدم أنه لا يقبل؟ فالجواب أن المجهول الذي لا يقبل فيما تقدم يُعنى به أمران وكلاهما مغاير للواسطة الساقطة في المرسل: الأول: هو من روى عنه راوٍ واحدٌ ولو كان معروف العين والنسب إن (٤) كان غير صحابي كما تقدم. والثاني: أن يكون في الإسناد مبهم كقوله: عن شيخ أو عن رجل ونحو ذلك، فإن هذا مجهول العين ولا يُقْبل، والفرقُ بين هذا وبين

стр. 399

المرسل ظاهر، فإن الراوي إذا حَدَّث عن شيخ أو عن رجل لم يقتض ذلك أنه عَدْل عنده بخلاف ما لو حذف الواسطة وجزم بالرواية فإنه يدل على عدالة الواسطة المحذوفة عنده. والذين لا يحتجون بالمرسل لا يقبلونه (١) دون معرفة عين الراوي لاحتمال أنه لو بيَّنه لكان غيره يعلم فيه جرحًا، والمجرِّح مقدَّم على المعدِّل كما تقدم. ٥٨٦ - والنقل للحديث بالمعنى مُنِعْ ... . . . . . . . . . . . . . يعني أن نقل الحديث بالمعنى مَنَعه مالك فيما نقله عنه المازري (٢) وذكر ابن الحاجب (٣) عن مالك أنه كان يشدِّدُ النكير في إبدال التاء بالباء كعكسه من تاللَّه وباللَّه وهو محمول على المبالغة. ومَنْعُ نقله بالمعنى مرويٌّ عن ابن عمر ﵄، وحجَّة المنع قوله ﷺ : "نَضَّرَ اللَّهُ امرأً سمعَ مقالتي فوعاها فأدَّاها كما سمعها" (٤)، وقوله ﷺ للبراء بن عازب لما أبدلَ لفظةَ النبي بالرسول فقال: وبرسولك الذي أرسلت، قال له ﷺ : "قل وبنبيك الذي أرسلت" (٥)، وقوله ﷺ : "لا يقل أحدُكم خَبُثت نفسي وليقل لَقِسَتْ" (٦).

стр. 400

مع أن مَعْنى لَقِست وخَبُثت واحد، وكان بعضُ علماء الحديث يمنع إبدال حدثنا بأخبرنا (١)، وهذا القول أحوط في حفظِ الحديث وبعدِه من تطرُّق الخلل. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ومالكٌ عنه الجوازُ قد سُمِعْ ٥٨٧ - لعارفٍ يفهَنم معناه جَزَم ... وغالبُ الظنِّ لدى البعضِ انحتمْ ٥٨٨ - والاستواء في الخفاءِ والجَلا ... لدى المُجوِّزِين حتْمًا حصلا يعني أن مالكًا وأبا حنيفة والشافعي وأحمدَ وجمهورَ العلماء والمحدثين على جوز نقل الحديث بالمعنى بالشروط الآتية، لأن الحديث لم يُتعبد بلفظه والمقصود منه المعنى، فإذا حقَّق أو غلبَ على الظن حصول المعنى فلا حاجةَ إلى اللفظ، ولحديث عبد اللَّه بن سليمان بن أُكيمة (٢) الليثي عند الطبراني (٣) قال قلت: يا رسول اللَّه إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمعه منك يزيدُ حرفًا وينقصُ حرفا فقال: "إذا لم تُحِلوا حرامًا ولم تُحَرِّموا حلالًا وأصبتم المعنى فلا بأس" (٤) وذُكِرَ ذلك للحسن فقال:

стр. 401

لولا هذا ما حدثنا (١). فإن قيل: هذا الحديث صاحبه عاجز عن تأْديته بلفظه كما يدل عليه قوله: لا أستطيع أن أؤديه، وإذًا فلا يصلح دليلًا في القادر على أدائه بلفظه. فالجواب: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لاسيما وقد صرح ﷺ بما يدل على التَّعميم وهو صِيَغ الجمع في قوله: "تحلوا، وتحرموا، وأصبتم". وذَكَر المؤلِّف شروط جواز النقل بالمعنى -على القول به- فبين أن من شَرْطه أن يكون الناقل عارفًا بمدلولات الألفاظ فَطِنًا بمواقعها لا تتمشى عليه التغييرات التي تغير المعاني، وهذا هو مراده بقوله: "لعارف". الشرط الثاني: أن يكون الناقل بالمعنى فاهمًا للحديث متيقِّنًا أن معناه هو ما فهم، وقيل: تكفيه غلبةُ الظنِّ، وهذا هو مراده بقوله: "يفهم معناه جزم" إلخ. الثالث: استواء اللفظ الذي جاء به مع لفظ الحديث في الخفاء والظهور بأن لا يكون أخفى منه ولا أظهر، ومَنعْ كونه أخفى منه واضح، لأنه ينقلُ النص من الوضوح إلى الخفاء، ومَنعْ كونه أظهر منه خوف أن يعارض حديثًا آخر فيرجَّح عليه بالظهور، والظهور من المرجحات، فيؤدِّي إلى ترجيح الحديث بتصرف الراوي، وذلك لا يجوز لأنه يوهم أرْجَحِية غير الراجح. ٥٨٩ - وبعضُهم مَنَع في القِصارِ ... دون التي تطُولُ لاضطرارِ

стр. 402

يعني أن بعضَ الأصوليين ومراده به القاضي عبد الوهاب من المالكية مَنَع النقل بالمعنى في الأحاديث القصار دون الطوال، لأنه قد يضطر إليه في الطوال دون القصار (١). ٥٩٠ - وبالمُرادفِ يجوزُ قطعا ... وبعضُهم يحكُونَ فيه المَنْعا يعني أن بعضهم والمراد به الأبياري شيخ ابن الحاجب من المالكية جعل إبدال اللفظ بمرادفه لا خلاف في جوازه (٢)، وقال بعضهم: يختلف فيه لأنه من جملة النقل بالمعنى. والفرق بين المرادف والنقل بالمعنى: أن المرادف لا يتغير فيه وضع الكلام، وإنما يبدل لفظ بمرادفه والتركيب هو التركيب، كما لو روى بعضُهم في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد: فأراقَ عليه دلوًا من ماء، وروى الثاني: فأراق عليه ذَنوبًا من ماء، فالتركيب هو الأول بعينه لأن (٣) الدلو أبدلت بمرادفها وهو الذَّنوب. ويُستثنى من مسألة نقل اللفظ بالمعنى: ما كان متعبَّدًا بلفظه كتكبيرة الإحرام وتسليمة التحليل ونحو ذلك. واستثنى بعضهم منه أيضًا جوامع الكلم نحوُ: "إنما الأعمال بالنيات" (٤) و"لا ضرر ولا ضرار" (٥)

стр. 403

"والآن حَمِي الوطيس" (١) ونحو ذلك. ٥٩١ - وجوِّزَنْ وَفْقًا بلفظٍ عَجَمي ... ونحوِهِ الإبدالُ للمتَرْجِم يعني أن الأصوليين أجازوا اتفاقًا الترجمة عن الحديث بالفارسية، وهي مراده بقوله: "بلفظٍ عَجَمي" ونحوها من لغات العجم لضرورة التبليغ إذا كان الإبدال للإفتاء والتعليم لا للرواية. وقوله: "الإبدالَ" مفعول قوله: "جوِّزن" و"وَفْقًا" معناه: اتفاقًا، وقوله: "للمترجم" يتعلق بـ "جوِّزن". فإن قيل (٢): ما الفرق بين مسألة نقل الحديث بالمعنى وبين مسألة تعاور الرديفين المتقدمة؟ فالجواب: أن مسألة الرديفين في أمر لغوي وهو أعم من أن يقع في كلامِ راوٍ للحديث أو غيره، فالمانع فيها يقول: اللغة تمنع ذلك مطلقًا ولا يتعرض للشرع هل يمنعه أو لا. ومسألة نقل الحديث بالمعنى في أمرٍ شرعيٍّ خاص بحديثه ﷺ والمانع فيه يمنعه احتياطًا منعَتْه اللغة أم لا. * * *

стр. 404

كيفية رواية الصَّحابيِّ ٥٩٢ - أرفعُها الصريحُ في السماعِ ... من الرسولِ المُجْتبى المُطاع ٥٩٣ - منه سمعتُ منه ذا أو أخبرا ... شافَهني حدَّثَنيهِ صيَّرا يعني أن أرفع كيفيات رواية الصحابي عن النبي ﷺ هو ما كان صريحًا في السماع منه لعدم احتمال الواسطة التي يُتوقع منها الخلل، ومن الصريح بالسماع الصِّيَغ التي ذكرها المؤلف وهي: سمعت منه ﷺ كذا، أو أخبرني به، أو شافهني، أو حدثنيه. وقوله: "سمعت" مفعول به لـ "صيَّر" على قصد الحكاية، وما بعده معطوف عليه. و"شافهني وحدثني" معطوفان بحذف العاطف، وهذه هي المرتبة الأولى، وأشار إلى المرتبة الثانية بقوله: ٥٩٤ - فقال عن. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . يعني أن المرتبة التي تلي ما هو صريح في السماع مرتبة "قال" أيْ إذا قال الصحابي: قال رسول اللَّه ﷺ لأنه ظاهر في سماعه منه ﷺ دون واسطة، وظاهر المؤلف أن "عن" كقول الصحابي: عن رسول اللَّه ﷺ في مرتبة "قال" لعدم عطفه (١) بفاء أو بثُم لظهوره في السماع منه ﷺ وعليه كثير من المحدثين والأصوليين. وقيل: إن "عن" أنزل درجة من

стр. 405

"قال" وعليه فهي مرتبة ثالثة، وإليه مال المؤلف في "الشرح" (١). . . . . . . . . . ثم نُهِي أو أُمِرا ... إن لم يكن خيرُ الورى قد ذُكِرا يعني أن المرتبة الثالثة بناءً على اتحاد مرتبة "قال وعن"، أو الرابعة بناءً على أن مرتبة "عن" بعد مرتبة "قال" هي: قول الصحابي: نُهِينا أو أُمرنا، أو نُهِي عن كذا أو أُمِر. وإنما كان هذا في حكمِ المرفوع لأن الظاهر أن الآمر أو الناهي هو ﷺ ، وإنما كان دون ما قبله لأن احتمال الواسطة الذي فيما قبله فيه هو أيضًا، ويزيد باحتمال أن يكون الناهي والآمر غيرَ النبي ﷺ من الخلفاء الراشدين وغيرهم. ومفهوم قوله: "إن لم يكن خيرُ الورى قد ذُكِرا" أن الصحابي إذا قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن كذا أو أَمَرَ = أنه لا يكون من هذه المرتبة. وقال المؤلف في "الشرح" (٢): إنه لا تحتمل فيه الواسطة اتفاقًا إلَّا أنه يحتمل كون الطلب جازمًا أو غير جازم، وهل النهي أو الأمر للكل أو البعض؟ وهل هو دائم أو غير دائم؟ كما أن هذه الاحتمالات كلَّها عنده أيضًا في منطوق المؤلف، وجَعَل مسألة المؤلف هذه صاحب "جمع الجوامع" (٣) مرتبةً رابعة، والصحيحُ عند المالكية والشافعية قبولهما معًا. قلت: إن مسألة قول الصحابي: أَمَرنا رسول اللَّه ﷺ أو نهانا أظهر ما يقال فيها أن تكون في مرتبة "قال"، وما ادعاه المؤلف في "الشرح"

стр. 406

من الاتفاق على عدم احتمال الواسطة غيرُ صحيح، بل الواسطة محتملة في قول الصحابي أمر رسول اللَّه ﷺ كاحتمالها في قوله: قال رسول اللَّه ﷺ ، وما ادعوه من الاحتمالات في الأمر هل للكل أو البعض أو دائم أو غير دائم يظهر ضعفه لأن الصحابي عدل عارفٌ فيبعد أن يروي إلَّا كما سمع. ٥٩٥ - كذا من السنة يُرْوى والتحقْ ... كُنَّا بِه إذا بعهدِه التصَقْ يعني أن قول الصحابي: "من السنة"، يحتج به وهو في مرتبة ما قبله لظهوره في سنة النبي ﷺ ، وقيل: لا يُحتج به لأن السنة قد تطلق على سنة الخلفاء الراشدين وغيرهم، وعلى ما قابل الفرض، وغير ذلك. ومثاله: قول علي ﵁: من السنة ألَّا يقتل حر بعبد (١). وقوله: "والتحق كنا به" إلخ ظاهر المؤلف أن هذه المرتبة تساوي ما قبلها للعطف بالواو لكنه ذكر في "الشرح" (٢) أنها بعدها، ومعنى كلامه أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل كذا في عهد النبي ﷺ ، يكون له حكم الرفع، لأنه محمول على أنه اطلع عليه فقرَّرهم عليه كقول جابر: كنَّا نعْزِل والوَحْي ينزل (٣). وقيل: ليس له حكم الرفع، لأن الحجة في عِلْم النبي ﷺ به وتقريره عليه، وهنا لم يثبت أنه سمعه، أما إذا قال الصحابي: إن النبي ﷺ سَمِعه وأقر عليه كقول ابن عمر: كنا نقول أفضل الأمة بعد نبيها

стр. 407

أبو بكر وعمر، والنبيُّ ﷺ يسمعُ فلا ينكر (١). فهو مرفوعٌ بلا خلاف. وأما إذا قال الصحابيُّ: كنَّا نفعل ولم يذكر أن ذلك في عهد النبي ﷺ ، فقيل: له حكمُ الرفع لظهوره في زمن النبي ﷺ ، وقيل: لا لاحْتِمال كونه بعد زمنه. ومثاله: قول عائشة ﵂: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه (٢). * * *

стр. 408

كيفيّة رواية غيره عَن شيْخه قوله: "غيره" أي غير الصحابي، وهو التابعي فمن دونه: ٥٩٦ - للعَرْضِ والسَّماع والإذنِ اسْتِوَا ... متى على النَّوال ذا الإذْنُ احتوى يعني أنه عند الإمام مالك تستوي كيفيات رواية الراوي عن غير النبي ﷺ الثلاث وهي: السماع والعرض والإجازة، بشرط أن تشتمل الإجازة على المناولة. و"العرض" هو: القراءة على الشيخ، فيقول: نعم أو يسكت خلافًا لمن قال: إن سكت لا تجوز الرواية عنه. و"السماع" يعني به: السماع من لفظ الشيخ. و"الإذن" يعني به: الإجازة. و"النوال" يعني به: المناولة، بأن يناوله كتابًا ويقول له: أجزتُ لكَ أن تروي هذا عَنِّي، ومساواةُ الإجازة مع المناولة للعرض والسماع ذهب إليها مالك وخالفه جمهور العلماء. فإن سَمع الراوي وحدَه من الشيخ قال: حدثني أو أخبرني، وإن سمع مع غيره قال: حدثنا أو أخبرنا، فإن روى عنه بالعرض قال: أخبرنا قراءةً عليه، فإن كان القارئ غيره قال: أخْبَرَنا قراءةً عليه وأنا أسمع، فإن كان الرواية بالإجازة قال: أنبأنا، وهي تنصرف في الاصطلاح للإجازة، أو: أخبرنا إجازة. ٥٩٧ - واعملْ بما عنِ الإجازةِ رُوي ... إن صحَّ سمعُه بظنٍّ قد قَوي يعني أن الإجازة تجوز الرواية بها والعمل إن غلب على ظن المُجاز

стр. 409

أن هذا الشيء المُجاز فيه هو سماع المُجيز بأن يثبت ذلك عنده بطريقٍ تفيدُ العلم أو غلبة الظن. وقال قوم من أهل الحديث: لا يجوز العمل ولا الرواية بالإجازة، قال شعبة: لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة في طلب العلم (١). ٥٩٨ - لِشبْهِها الوقْفَ تجي لمن عُدِمْ ... وعدَمُ التفصيل فيه مُنْحَتِمْ يعني أنه تجوز الإجازة للمعدوم ، نحو: أجزتُ لمن سيولد لفلان رواية هذا الكتاب عنِّي، لمشابهتها للوقف. وقوله: "وعدم التفصيل" يعني أن الإجازة للمعدوم تجوز مطلقًا من غير تفصيل خلافًا لمن قال: لا تجوز مطلقًا، ولِمَن فصَّل في ذلك قائلًا: إن كان المعدوم تَبَعًا لموجود جازت نحو: أجزت لك ولمن سيولد لك، وإن لم يكن المعدومُ تبعًا لموجود نحو: أجزتُ لمن سيولد لك، لم تَجُز. ٥٩٩ - والكَتْبِ دونَ الإذنِ بالذي سُمع ... إن عُرِفَ الخَطُّ وإلا يمتنع قوله: "والكَتْبِ" بالخفض عطفًا على قوله: "الإجازة" يعني أنه يجوز العمل بالكتب دون الإذن بالرواية بأن يكتب راوٍ لغيره بأن هذا سماعه، ولم يقل له: أجزتُ لكَ روايته عَنِّي، فإنَّ العملَ به يجوز دون الرواية، ومحلّ جوازِهِ إذا كان يعرفُ الخطَّ الذي كتب به إليه الراوي، أو شَهِدَت عليه بينة، فإن لم يعرفه ولم تقم عليه بينة لم يَجُز العملُ به وذلك هو مراده بقوله: "إن عرف الخط وإلا يمتنع"، ومفهوم قوله: "دون الإذن" أنه لو أذن له مع الكتب لكان إجازة.

стр. 410

٦٠٠ - والخُلْفُ في إعلامه المُجَرَّدِ ... واعْمِلَن منه صحيحَ السَّنَدِ يعني أنهم اختلفوا في إعلام الشيخ المجرَّد عن الإجازة، كما إذا قال لك الشيخ: هذا الحديث أو هذا الكتاب من سماعي عن فلان، مقتصرًا على ذلك هل تجوز الرواية [عنه] بهذا أم لا؟ والقول بالجواز ذهب إليه كثير من الأصوليين والفقهاء والمحدثين، وممن ذهب إليه من المالكية ابن حبيب وصححه عياض (١). والقول بالمنع قال به أيضًا جماعة من الأصوليين وكثير من المحدثين، وممن جزم به الغزالي (٢). وحجة المنع القياس على الشاهد إذا ذكر شهادته في غير مجلس الحكم، فإنه لا يجوز تحمُّلها إلا بإذنه، وقالوا أيضًا: قد يحدِّث الإنسان بشيء ولا يُجَوِّز روايته عنه لكونه يعلم فيه خَلَلًا مانعًا من القبول. أما العمل بإعلامه المجرَّد فهو جائز إذا كان صحيح السند والمتن أو حسن السند والمتن، فالمدارُ على صحة المتن أو حُسنه صحَّ الإسناد أو حَسُن أم لا، والمتن والإسناد كل منهما يصح ويحسن دون الآخر، فالإسنادُ قد يكون صحيحًا مع أن المتن غيرُ صحيح لعلةٍ أو شذوذ، كما أن المتن يكون صحيحًا مع أن الإسناد غير صحيح كما في الصحيح لغيره، لأن كثرة الطرق وإن كانت ضعيفة قد يشدُّ بعضُها بعضًا فيصح المتن بمجموعها مع أن كل واحد منها بانفراده ضعيفٌ. لا تخاصم بواحدٍ أهلَ بيتٍ ... فضعيفان يغلبان قويًّا

стр. 411

وقس على ذلك الحَسَن. ٦٠١ - والأخذُ عن وِجادةٍ مما انحْظَل ... وَفْقًا وجُلُّ الناس يمنَعُ العَمَلْ الوِجَادة -بكسر الواو- مصدر وَجَد وهو غير مسموع عن العرب وإنما هو موَلَّد يستعمله المؤلفون، ومرادُهم بالوجادة هو: ما وُجِد من حديث ونحوه مكتوبًا في صحيفة بخط شيخٍ معروفٍ من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة. يعني أن الرواية بالوجادة ممنوعة اتفاقًا والعملُ بها ممنوع عند الجُلِّ، هذا مراده، وكثير من محققي النُّظَّار على جواز العمل بها وعن الشافعي ونُظَّار أصحابه جواز الرواية بها، وقطع بعضُ محققي الشافعية بوجوب العمل بها عند حصول الثقة (١). ٦٠٢ - وما به يُذْكَرُ لفظُ الخبرِ ... فذاك مسطورٌ بعلمِ الأثرِ يعني أن كيفيات أداء رواية الحديث مسطورة في مصطلح الحديث، ولذا تركها هنا عملًا بما قال في أول الكتاب: "منتبذًا عن مقصدي ما ذكرا" إلخ. * * *

стр. 412

كتابُ الإجماع الإجماع من الأدلة الشرعية، وهو يكون شرعيًّا كالإجماع على حِلّيَّةِ البيع والنكاح، وعقليًّا كإجماع من يُعتد بهم على حدوث العالم، ولغويًّا ككون الفاء للتعقيب، ودنيويًّا كتدبير الجيوش. والإجماع في اللغة: مصدر أجمع، وهو مشترك لغةً بين أمرين؛ أحدهما: العزم والتصميم، والثاني: الاتفاق، وهو المناسب للإجماع الذي هو أحد الأدلَّة، واصطلاحًا عرَّفه المؤلف بقوله: ٦٠٣ - وهو الاتفاقُ من مجتهدي ... الأمةِ من بعدِ وفاةِ أحمدِ ٦٠٤ - وأطلِقَنْ في العصر والمتَّفَقِ ... عليه. . . . . . . . . . . . يعني أن الإجماع في اصطلاح الأصوليين هو: اتفاق المجتهدين في أي عصر على أيِّ شيء، وذلك هو مراده بقوله: "وأطلِقَن في العصر والمتفَقِ عليه" بعد وفاته ﷺ لأنه ما دام حيًّا -صلاةُ اللَّه عليه وسلامه- فالعبرة بقوله وفعله وتقريره، ولا حجة في الإجماع في حياته ﷺ . وفُهِم من قوله: "وأطلِقَن في العصر" أن الإجماعَ لا يختص بالصحابة والتابعين خلافًا لمن زعم ذلك، ومن قوله: "والمتفق عليه" أن الإجماع يكون شرعيًّا وغير شرعيٍّ. . . . . . . . . . . . . ... فالإِلْغا لمن عَمَّ انْتُقي يعني أنه يترتب على كون الإجماع اتفاقُ خصوصِ المجتهدين إلغاء العوام وعدم اعتبارهم في الإجماع إذْ لا علمَ عندهم حتى يُعتبر وِفاقُهم،

стр. 413

فمراده بقوله: "من عَمَّ" العوامُّ، وقوله: "انتقي" يعني اخْتِير. ٦٠٥ - وقيل لا. . . . . . . .... . . . . . . . . . . . . يعني أن بعضهم قال: إنه يشترط في الإجماع موافقة العوام لأن النبي ﷺ قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (١) وحينئذٍ فالحجة باتفاق جميع الأمة، والعوام من الأمة فلابد من وِفاقِهم. . . . . . . . . وقيل في الجليّ ... مثلُ الزِّنا والحجِّ لا الخفيِّ معناه أن بعضَ العلماء فصَّل في المسألة فقال: يشترط في الإجماع موافقة العوام في الجلي الواضح الذي لا يخفى على أحد، كوجوب الحج وحرمة الزنا، دون الخفي الذي لا يعلمه كل الناس، كالإجماع على أن لبنت الابن السدس مع بنت الصلب، وأن الأخ لا يحجب الجدَّ. واعلم أن الإجماعَ يُعتبر فيه في كل فن أهله، فيُعتبر في الشرع المجتهدون، وفي اللغة العلماء باللغة، وهكذا.

стр. 414

٦٠٦ - وقيل لا في كلِّ ما التكليفُ ... بعلمِه قد عمَّمَ اللطيفُ يعني أن بعضَ العلماء قال: لا يُلْغَى العوامُّ في الإجماع فيما يعمُّ التكليف بعلمه كالطهارة والصلاة دون ما لا يعم التكليف بعلمه فإنهم يلغون فيه، كالبيع والإجارة، وينعقد الإجماع فيه دونهم. و"اللطيفُ" من أسمائه جلَّ وعلا. ٦٠٧ - وذا للاحتجاجِ أو أن يُطلَقا ... عليه الاجماعُ وكلٌّ يُنْتَقى الإشارة في قوله: "ذا" راجعة إلى القول باعتبار العوام في الأبيات الماضية، يعني أنه اختلف فيما يشترط له وفاق العوام هل هو الاحتجاج بالإجماع، وعلى هذا القول إن لم يوافق العوام لم يكن إجماعُ من سواهم حجةً، وحجةُ هذا القول: أن الذي دلَّ الدليل على عصمته هو كل الأمة لحديث: "أمتي لا تجتمع على ضلالة" (١)، وآية: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء/ ١١٥]. وعلى هذا القول فالخلاف حقيقي وهو صِدْق إطلاق إجماع الأمة، وعليه فتكون فائدة وفاق العوام أن يَصْدُقَ قولُك: أجمعت الأمةُ على كذا، وأهلُ هذا القول يقولون: حجة الإجماع تامة باتفاق المجتهدين، وعليه فالخلاف لفظي. وقوله: "وكل يُنتقى" يعني أن كل واحد من القولين اختاره بعض العلماء. وقوله: "يُطْلَقا"، و"يُنتقى" مبنيان للمفعول. ٦٠٨ - وكلُّ مَنْ بِبِدْعةٍ يُكفَّرُ ... من أهل الأهواءِ فلا يُعْتَبرُ

стр. 415

يعني أن كل مبتدع ببدعة يكَفَّر مرتِكبُها كجهم بن صفوان فإنه لا يُعتبر في الإجماع، فلا تقدح مخالفته في انعقاد الإجماع إذِ العبرةُ بالمسلمين دون غيرهم، فالمراد بالأمة فيما مضى أمة الإجابة فقط لا أمة الدعوة (١). ٦٠٩ - والكلُّ واجبٌ وقيل لا يضرّ ... الاثنانِ دونَ من عليهما كَثُرْ يعني أن جميع مجتهدي العصر يجب -لانعقاد الإجماع- اتفاقهم كلهم، فلو خالفَ واحدٌ لم ينعقد الإجماع، وهو مراده بقوله: "والكلُ واجب"، ومحققوا الأصوليين يعتبرون موافقةَ داود مطلقًا خلافًا لمن قال: لا يعتبر مطلقًا، ولمن قال: لا يعتبر في المسائل التي مبناها القياس دون غيرها (٢). وقوله: "وقيل لا يَضُرّ" يعني أن بعض العلماء قال: لا يضر مخالفةَ الواحد أو الاثنين وإنما يضر ما زاد على ذلك، وممن قال بهذا القول ابن خويز منداد وابن جرير الطبري، ولذا ذكر ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام/ ١٢١] أنَّ جوازَ أكل ذبيحة الناسي للتسمية مُجمع عليها مع أنه روى كراهةَ أكله عن الشعبي وابن سيرين (٣)، والكراهةُ عند السلف كثيرًا ما تطلق على المنع، فخلاف الشعبيِّ وابنِ سيرين عنده لم يقدح في الإجماع.

стр. 416

وحجةُ اعتبار الكل: أنَّ الحجة في قول الأمة كلها، وحجَّةُ عدم اعتبار مخالفة الواحد أو الاثنين إلغاء النادر واعتبار السَّواد الأعظم، وإنما جزم المؤلف بالأول، وحكى الثاني بقيلَ لأن السواد الأعظم إنما يفيد الظن والمطلوب في الإجماع إفادة القطع. ٦١٠ - واعتبرَنْ مع الصحابي مَنْ تَبِعْ ... إن كان موجودًا وإلا فامتنِعْ يعني أن [أهل] العصر المجمعين إذا كان فيهم صحابة وتابعون فإن التابعين يعتبرون مع الصحابة، فلا ينعقد إجماعُ الصحابة دونهم إن كان التابعون وقتَ انعقاد الإجماع موجودين متصفين بصفات الاعتبار؛ من بلوغ مرتبة الاجتهاد، دون إن كان التابعون وقت انعقاد الإجماع غير موجودين أو موجودين غير علماء، فإنهم لا يُعتبرون، وذلك هو مراده بقوله: "إن كان موجودًا وإلا فامتنع"، وقوله: "من تبع" يعني به التابعي وهو مفعول "اعتبرن". ٦١١ - ثمَّ انقراضُ العَصْر والتواترُ ... لغوٌ على ما ينتحيْهِ الأكثرُ ذكر في هذا البيت مسألتين اختلف العلماء في اشتراطهما في الإجماع، ورجح عدم الاشتراط فيهما الأكثر. الأولى منهما: هل يُشترط في انعقاد الإجماع انقراض المُجْمعين بناءً على وجوب الكل، أو معظمهم بناء على عدم اعتبار مخالفة الواحد أو الاثنين؟ والمراد بالمجمعين خصوص المجتهدين على القول بإلغاء العوام، أو كل الأمة على القول بعدم إلغائهم. ويُروى اشتراط انقراض العصر في الإجماع عن الإمام أحمد وابن فورك وسُلَيْم الرازي من

стр. 417

الشافعية. وحجَّة هذا القول أنهم ما داموا أحياءً يحتمل رجوعهم. ورُدَّ من قبل الجمهور بأن الإجماع إذا انعقد لحظةً تمت به الحجة ولا يُقبل رجوعُ بعض المجمعين لأنه خَرْق للإجماع. والثانية: هل يُشترط في المُجْمعين أن يبلغ عددهم قدرًا يحصل به التواتر أو لا؟ فعلى اشتراط بلوغهم عدد التواتر لو لم يكن في الدنيا إلا مجتهدان أو ثلاثة أو أربعة لا يكون إجماعهم حجة، أما على المشهور من عدم اشتراط عدد (١) التواتر فإن إجماع المذكورين يكون حجة لدخوله في حدِّ الإجماع، أما لو لم يبق إلا مجتهد واحد فلا يكون قوله إجماعًا ولا يدخل في حد الإجماع لقول المؤلف: "وهو الاتفاق" إلخ، والواحد لا يطلق عليه الاتفاق. ٦١٢ - وهو حجةٌ ولكن يُحْظَلُ ... فيما به كالعلم دَوْرٌ يَحصُلُ يعني أن الإجماع حجة ولم يخالف في ذلك إلا من لا يُعتد به كالشيعة والنظَّام. وقوله: "ولكن يُحْظَل" يعني أنَّ الإجماعَ يمنع الاحتجاج به "فيما كالعلم" والقدرة والإرادة من صفات اللَّه تعالى، لأن الاحتجاج به على ذلك يلزمه الدور، وإيضاحه: أن الإجماع تتوقف حجيته على معرفةِ صحة الدليل الدال عليها من كتاب أو سنة، ومعرفةُ صحةِ الدليل المذكور تتوقف على معرفة علم اللَّه وقدرته إذ لا يمكن إرساله النبي إلا مع العلم

стр. 418

مثلًا فلو احتججنا على علمه مثلًا بالإجماع لكانت معرفة علمه متوقفة على الإجماع الذي استدل عليها به، مع أن الإجماع متوقف على معرفة علم اللَّه كما تقدم فيتوقف كلٌّ من الأمرين على الآخر وهو مراده بالدور. هذا مراد المؤلف، وهو مذهب المتكلمين القائلين بأن العلم والإرادة والحياة والقدرة لا يمكن إثباتها بدليل نقلي زاعمين أن ثبوتها به يلزمه الدور المذكور. والتحقيقُ أنه لا يلزمه الدور، وأن صِدْق النبيِّ ﷺ لا يتوقف الجزم به على النظر العقلي، بل كان ﷺ يذكر العقائد والأحكام لجَهَلَة الأعراب الذين لا يعرفون النظر فيصدقونه في ذلك تصديقًا جازمًا لا تخالطهم فيه شكوك ولا أوهام، ومن ذلك الآية والأحاديث الدالة على أن الأمةَ لا تجتمع على ضلالة (١). وقوله: "فيما كالعلم" يشير به إلى أن ما لا يلزمه الدور المزعوم ككون اللَّه يراه المؤمنون يوم القيامة ونحو ذلك يثبت بالإجماع لأن ثبوته به لا يلزمه الدور. ٦١٣ - وما إلى الكوفةِ منه ينتمي ... والخلفاء الراشدينَ فاعْلَمِ يعني أن إجماعَ أهل الكوفة ليس بحجة على الصحيح، وكذلك إجماع أهل الكوفة والبصرة لأنهم بعض الأمة، خلافًا لمن زعم أن إجماع أهل الكوفة والبصرة معًا أو أهل الكوفة فقط حجة نظرًا لكثرة من سكنها من أهل العلم من الصحابة.

стр. 419

وقوله: "والخلفاء الراشدين" يعني أن إجماع الخلفاء الأربعة ليس بإجماع لأنهم بعض الأمة، وقيل: هو إجماع، وقيل: هو حجة لا إجماع، ويُرْوى عن أحمد (١) محتجًّا بقوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي. . " (٢). وذكر ابن قاسم في "الآيات البينات" (٣) أن إجماعهم لا يتصور علمه إلا في خلافةِ علي وهو ظاهر. وأجابَ المانعون عن الحديث بأنه محمول على اتباع السنة والكتاب لا على اتفاق من ذكر لأنه اتفاق بعض الأمة. وقوله: "وما إلى الكوفة" عطف على نائب فاعل "يُحْظل" أي يُحظل فيما كالعلم ويحظل إجماع أهل الكوفة إلخ. ٦١٤ - وأوجبَنْ حجيَّةً للمدني ... فيما على التوقيف أمرُهُ بُنَي ٦١٥ - وقيل مُطلقًا. . . . . ... . . . . . . . . . . . . يعني أن إجماع أهل المدينة حجة عند مالك فيما لا مجال للرأي فيه، وذلك هو مراده بقوله: "فيما على التوقيف أمره بُني" أي فيما بُني على توقيف من الشرع بحيث لا يتطرق إليه الاجتهاد، ونظير هذا قوله

стр. 420

المتقدم: "وما ينافي نَقْل طيبة مُنِع إذ ذاك قطعيٌّ". وقوله: "وقيل مطلقًا" يعني أن بعضَ المالكية قال: إن إجماع أهل المدينة حجة ولو كان فيما للاجتهاد فيه مجال. وجمهور العلماء لا يحتجون بإجماع أهل المدينة، وحجة الجمهور: أنهم بعض الأمة يجوز في حقهم الخطأ. وحجة مالك أن نقلَهم فيما لا مجال للرأي فيه يدلُّ على أن ذلك بتوقيف من النبي ﷺ ، وإذًا فهو نقل متواتر عنه ﷺ كما تقدم في قوله: "إذ ذاك قطعيٌّ". وحجة من قال بأن إجماعهم (١) حجة مطلقًا قوله ﷺ : "المدينة كالكير تنفي خَبثَها كما ينفي الكير خبث الحديد" (٢)، قالوا: والخطأ خُبْثٌ فوجب نفيه عنهم. وهذا الاستدلال ضعيف لأن الحديث لا يدل على أن أهل المدينة لا يخطئون، وما ذكره القرافي (٣) من أن منطوقَ هذا الحديث مقدَّم على مفهوم حديث: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (٤) لا تنهض به حجة أيضًا؛ لأن حديث: "المدينة كالكير" لا دلالة فيه على أن قول أهلها حجة.

стр. 421

واعلم أن المراد بأهل المدينة: الصحابة والتابعون فقط، وإنما جعل مالك اتفاقهم حجة فيما لا مجال فيه للرأي لأنهم أعرف بالوحي وبالمراد منه لمسكنهم محل الوحي. . . . . . وما قدْ أجمعا ... عليه أهلُ البيتِ مما مُنِعا يعني أن إجماع أهل البيت ليس بحجة عند مالك والجمهور خلافًا للشيعة، محتجِّين بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب/ ٣٣] الآية. قالوا: والخطأ رجس، فوجب نفيه عنهم. وأجيبَ بأن الخطأ ليس برجسٍ، والرجس قيل: العذاب، وقيل: الإثم، وقيل: كل مُستقذر. ومراده بأهل البيت: علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ وأرضاهم، والشيعة يقولون بأن قول عليٍّ وحده حجة! ٦١٦ - وما عَرا مِنْه على السَّنِيّ ... من الأمارة أو القطعيّ قوله: "وما" في محل رفع معطوف على نائب فاعل "مُنعَ" على حدِّ قوله: قُلتُ إذ أَقبلتْ وزهرٌ تهادى ... كنعاج الملا تَعسَّفْنَ رملا (١) يعني أن الإجماع لا يُقبل إلَّا إذا كان مستندًا إلى دليل قطعي أو ظني، والأمارة -بفتح الهمزة- في عُرف الأُصُوليين: الدليل الظنّيُّ، أي ومُنِع من الإجماع ما عَرِي أي تجرَّدَ عن الأمارة أي الدليل الظني أو

стр. 422

القطعيّ. وقوله: "على السنّي" أي على المذهب الراجح. هذا مراد المؤلف، وحُجَّتُه أن حد الإجماع يقتضي هذا لأن قوله في الحد: "وهو الاتفاق من مجتهدي" يدلُّ على أنه لابد من الاجتهاد والفَحْص عن شيء هو مستند الإجماع، والجمهورُ على جواز كون مستند الإجماع ظنيًّا ولو قياسًا، فإنكار الظاهرية إمكان كون القياس مستند الإجماع غير صحيح. ومن الإجماع الذي مستندُه قياسٌ: الإجماعُ على تحريم شحم الخنزير قياسًا على لحمه، وإجماع الصحابة على إمامة أبي بكر قياسًا على إمامته في الصلاة. ومفهومُ قوله: "على السَّنيّ" أن من العلماء من قال: يصحُّ الإجماع من غير مستند بأن يُلْهَموا الاتفاق على الصواب. قلتُ: ما ذكر المؤلف في هذا البيت -تَبَعًا لغيره- من أن الإجماع يُرَدُّ إذا لم يستند إلى دليلٍ قطعيٍّ أو ظنيٍّ ظاهر عندي، لأن النبي ﷺ إذا صرَّح بأن أمته لا تجتمع على ضلالة فكيف يسوغ لأحدٍ ردُّ إجماعها زاعمًا أنه ليس له مستند قطعي أو ظني؟ وأيُّ مستند أقوى من قوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (١)، وقوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" (٢) الحديث، فالحجَّة القاطعة في إجماعهم لا في مستندهم، والأَوْلى ما ذكره بعض الأصوليين من أن صورة الخلاف هي: هل يمكن

стр. 423

أن ينعقد الإجماع دون مستند من كتاب أو سنة بأن يُلْهَمُوا الصواب فيتفقوا عليه، أو لا يمكن انعقاده إلَّا بمستند من كتاب أو سنة؟ أما بعد فرض انعقاده فلا يمكن رَدُّه كما تقدم. ٦١٧ - وخرقُه فامنعْ لقولٍ زائدِ ... إِذْ لم يكن ذاك سِوى مُعَانِدِ ٦١٨ - وقيل إن خرَقَ. . . . . ... . . . . . . . . . . . . قوله: "وخرقُه" بالرفع معطوف على نائب فاعل "مُنع" أيضًا أي ومُنِعَ خرق الإجماع أي مخالفته، فلا يجوز إحداث قول ثالث في مسألة اختلف فيها أهلُ عصرٍ على قولَين. قال بعض العلماء: إحداث القول الثالث مثلًا لابد أن يكون خارقًا للإجماع على كل حال؛ لأن كلَّ جماعة تنفي ما عدا قولها فحصل اتفاقهم على نفي غير القولين، وذلك هو مراد المؤلف بقوله: "إذ لم يكن ذاك سوى معاند". وقال بعضهم: لا يلزم من إحداث قول ثالث خرق الإجماع بل قد يكون خارقًا له وقد يكون غير خارق، فمثال الخارق: ما حكاه ابن حزم (١) من حَجْب الأخ للجد، فإن الصحابة اختلفوا في مسألة الأخوة والجد فمِنْ قائل يقول: الجدّ أبٌ يحجب الإخوة، ومن قائل: هم سواء لأنهم يُدْلون بذات واحدة وهي أبو الميت فقد اتفق الكل على أن الجدَّ غير محجوب، فالقول الزائد بحجبه خَرْقٌ للإجماع.

стр. 424

ومثال القول الذي لم يخرق: قول بعض العلماء بالردِّ بعيوب الزوجين كلها مع قول آخر أنه لا يرد بشيء منها، فإذا أحدث الثالث برد بعض منها دون بعض لم يكن خارقًا لأنه يوافق كلًّا من القولين في بعض، وقد يقول أهل القول الأول كذلك خالف كلًّا من القولين في بعض. . . . . . . . والتفصِيلُ ... إحْداثُه مَنَعَه الدليلُ يعني أن إحداث التفصيل بين مسألتين لم يفصل بينهما أهل عصر ممنوع لأنه خرق للإجماع، ومراده بالدليل: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء/ ١١٥] ونحوها، وعلى هذا القول فالتفصيل لابد أن يكون خارقًا، وقيل: قد يكون خارقًا وقد لا، وهو الحق، فإن خَرَق مُنِع وإلَّا فلا، ولزوم الخرق محقق في صورتين: الأولى: أن يُصرِّح أهل العصر بعدم الفرق بينهما. الثانية: أن تتحد علة حكمهما لاقتضاء اتحاد العلة عدم الفرق كتوريث العمة والخالة، فمن العلماء من لا يورثهما، ومنهم من يورثهما فلو فصَّل مفصل فورَّث العمة دون الخالة أو العكس كان خارقًا للإجماع على عدم الفرق بينهما، سواء قيل بتوريثهما أم لا؛ لاتحاد العلة فيهما وهي كونهما من ذوي الأرحام. ومثال ما لم يخرق فيه التفصيلُ الإجماعَ فلا يمنع: قولُ مالك والشافعي بوجوب الزكاة في مال الصبي دون الحُلِيِّ المباح مع أنه قيل بوجوبها فيهما، وقيل بعدمه فيهما. والفرق بين التفصيل وإحداث قول هو أن متعلق الأقوال في مسألة

стр. 425

إحداث القول واحد، ومتعلق التفصيل متعدد، وهذا هو المشهور (١)، خلافًا لمن زعم أنه لا فرق بينهما كولي الدين وابن الحاجب (٢). ٦١٩ - ورِدَّةَ الأمَّةِ لا الجهلَ لِما ... عدمُ تكليفٍ به قدْ عُلِما "وردَّةَ" بالنصب أي ومنع الدليل أيضًا ردة الأمة كلها للأحاديث المتقدمة نحوُ: "لا تزال طائفة" الحديث، و"لا تجتمع أمتي" الحديث (٣). وقوله: "لا الجهل لما (٤) " إلخ يعني أنه لا يمتنع أن يجهل جميع الأمة شيئًا لم يُكَلَّفوا بعلمه كالتفضيل بين حذيفة وعمار. ومفهوم قوله: "لما عدمُ تكليفٍ" إلخ أن ما كلفت الأمة بعلمه يستحيل اتفاقها على جهله لما تقدم، ومن زعم جواز ردة الأمة كُلًّا قائلًا: إنها إذا ارتدت زال عنها اسم الأمة لأن المراد أمة الإجابة = فقوله ضعيف، كما يدل على ضعفه قوله ﷺ في بعض روايات الحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر اللَّه" (٥). ٦٢٠ - ولا يُعارضُ له دليلُ ... ويُظْهَرُ الدليلُ والتأويلُ يعني أن الإجماع لا يعارضه دليل ؛ لأن الإجماع قطعي والدليل المفروض معارضته إما أن يكون قطعيًّا أو ظنيًّا، فإن كان قطعيًّا استحالت
следующие страницы →