واعلم أن المراد بأهل المدينة: الصحابة والتابعون فقط، وإنما جعل مالك اتفاقهم حجة فيما لا مجال فيه للرأي لأنهم أعرف بالوحي وبالمراد منه لمسكنهم محل الوحي.
. . . . . وما قدْ أجمعا ... عليه أهلُ البيتِ مما مُنِعا
يعني أن إجماع أهل البيت ليس بحجة عند مالك والجمهور خلافًا للشيعة، محتجِّين بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب/ ٣٣] الآية. قالوا: والخطأ رجس، فوجب نفيه عنهم.
وأجيبَ بأن الخطأ ليس برجسٍ، والرجس قيل: العذاب، وقيل: الإثم، وقيل: كل مُستقذر. ومراده بأهل البيت: علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ وأرضاهم، والشيعة يقولون بأن قول عليٍّ وحده حجة!
٦١٦ - وما عَرا مِنْه على السَّنِيّ ... من الأمارة أو القطعيّ
قوله: "وما" في محل رفع معطوف على نائب فاعل "مُنعَ" على حدِّ قوله:
قُلتُ إذ أَقبلتْ وزهرٌ تهادى ... كنعاج الملا تَعسَّفْنَ رملا (١)
يعني أن الإجماع لا يُقبل إلَّا إذا كان مستندًا إلى دليل قطعي أو ظني، والأمارة -بفتح الهمزة- في عُرف الأُصُوليين: الدليل الظنّيُّ، أي ومُنِع من الإجماع ما عَرِي أي تجرَّدَ عن الأمارة أي الدليل الظني أو
стр. 422
القطعيّ. وقوله: "على السنّي" أي على المذهب الراجح.
هذا مراد المؤلف، وحُجَّتُه أن حد الإجماع يقتضي هذا لأن قوله في الحد: "وهو الاتفاق من مجتهدي" يدلُّ على أنه لابد من الاجتهاد والفَحْص عن شيء هو مستند الإجماع، والجمهورُ على جواز كون مستند الإجماع ظنيًّا ولو قياسًا، فإنكار الظاهرية إمكان كون القياس مستند الإجماع غير صحيح. ومن الإجماع الذي مستندُه قياسٌ: الإجماعُ على تحريم شحم الخنزير قياسًا على لحمه، وإجماع الصحابة على إمامة أبي بكر قياسًا على إمامته في الصلاة.
ومفهومُ قوله: "على السَّنيّ" أن من العلماء من قال: يصحُّ الإجماع من غير مستند بأن يُلْهَموا الاتفاق على الصواب.
قلتُ: ما ذكر المؤلف في هذا البيت -تَبَعًا لغيره- من أن الإجماع يُرَدُّ إذا لم يستند إلى دليلٍ قطعيٍّ أو ظنيٍّ ظاهر عندي، لأن النبي ﷺ إذا صرَّح بأن أمته لا تجتمع على ضلالة فكيف يسوغ لأحدٍ ردُّ إجماعها زاعمًا أنه ليس له مستند قطعي أو ظني؟ وأيُّ مستند أقوى من قوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (١)، وقوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" (٢) الحديث، فالحجَّة القاطعة في إجماعهم لا في مستندهم، والأَوْلى ما ذكره بعض الأصوليين من أن صورة الخلاف هي: هل يمكن
стр. 423
أن ينعقد الإجماع دون مستند من كتاب أو سنة بأن يُلْهَمُوا الصواب فيتفقوا عليه، أو لا يمكن انعقاده إلَّا بمستند من كتاب أو سنة؟ أما بعد فرض انعقاده فلا يمكن رَدُّه كما تقدم.
٦١٧ - وخرقُه فامنعْ لقولٍ زائدِ ... إِذْ لم يكن ذاك سِوى مُعَانِدِ
٦١٨ - وقيل إن خرَقَ. . . . . ... . . . . . . . . . . . .
قوله: "وخرقُه" بالرفع معطوف على نائب فاعل "مُنع" أيضًا أي ومُنِعَ خرق الإجماع أي مخالفته، فلا يجوز إحداث قول ثالث في مسألة اختلف فيها أهلُ عصرٍ على قولَين.
قال بعض العلماء: إحداث القول الثالث مثلًا لابد أن يكون خارقًا للإجماع على كل حال؛ لأن كلَّ جماعة تنفي ما عدا قولها فحصل اتفاقهم على نفي غير القولين، وذلك هو مراد المؤلف بقوله: "إذ لم يكن ذاك سوى معاند".
وقال بعضهم: لا يلزم من إحداث قول ثالث خرق الإجماع بل قد يكون خارقًا له وقد يكون غير خارق، فمثال الخارق: ما حكاه ابن حزم (١) من حَجْب الأخ للجد، فإن الصحابة اختلفوا في مسألة الأخوة والجد فمِنْ قائل يقول: الجدّ أبٌ يحجب الإخوة، ومن قائل: هم سواء لأنهم يُدْلون بذات واحدة وهي أبو الميت فقد اتفق الكل على أن الجدَّ غير محجوب، فالقول الزائد بحجبه خَرْقٌ للإجماع.
стр. 424
ومثال القول الذي لم يخرق: قول بعض العلماء بالردِّ بعيوب الزوجين كلها مع قول آخر أنه لا يرد بشيء منها، فإذا أحدث الثالث برد بعض منها دون بعض لم يكن خارقًا لأنه يوافق كلًّا من القولين في بعض، وقد يقول أهل القول الأول كذلك خالف كلًّا من القولين في بعض.
. . . . . . . والتفصِيلُ ... إحْداثُه مَنَعَه الدليلُ
يعني أن إحداث التفصيل بين مسألتين لم يفصل بينهما أهل عصر ممنوع لأنه خرق للإجماع، ومراده بالدليل: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء/ ١١٥] ونحوها، وعلى هذا القول فالتفصيل لابد أن يكون خارقًا، وقيل: قد يكون خارقًا وقد لا، وهو الحق، فإن خَرَق مُنِع وإلَّا فلا، ولزوم الخرق محقق في صورتين:
الأولى: أن يُصرِّح أهل العصر بعدم الفرق بينهما.
الثانية: أن تتحد علة حكمهما لاقتضاء اتحاد العلة عدم الفرق كتوريث العمة والخالة، فمن العلماء من لا يورثهما، ومنهم من يورثهما فلو فصَّل مفصل فورَّث العمة دون الخالة أو العكس كان خارقًا للإجماع على عدم الفرق بينهما، سواء قيل بتوريثهما أم لا؛ لاتحاد العلة فيهما وهي كونهما من ذوي الأرحام.
ومثال ما لم يخرق فيه التفصيلُ الإجماعَ فلا يمنع: قولُ مالك والشافعي بوجوب الزكاة في مال الصبي دون الحُلِيِّ المباح مع أنه قيل بوجوبها فيهما، وقيل بعدمه فيهما.
والفرق بين التفصيل وإحداث قول هو أن متعلق الأقوال في مسألة
стр. 425
إحداث القول واحد، ومتعلق التفصيل متعدد، وهذا هو المشهور (١)، خلافًا لمن زعم أنه لا فرق بينهما كولي الدين وابن الحاجب (٢).
٦١٩ - ورِدَّةَ الأمَّةِ لا الجهلَ لِما ... عدمُ تكليفٍ به قدْ عُلِما
"وردَّةَ" بالنصب أي ومنع الدليل أيضًا ردة الأمة كلها للأحاديث المتقدمة نحوُ: "لا تزال طائفة" الحديث، و"لا تجتمع أمتي" الحديث (٣).
وقوله: "لا الجهل لما (٤) " إلخ يعني أنه لا يمتنع أن يجهل جميع الأمة شيئًا لم يُكَلَّفوا بعلمه كالتفضيل بين حذيفة وعمار.
ومفهوم قوله: "لما عدمُ تكليفٍ" إلخ أن ما كلفت الأمة بعلمه يستحيل اتفاقها على جهله لما تقدم، ومن زعم جواز ردة الأمة كُلًّا قائلًا: إنها إذا ارتدت زال عنها اسم الأمة لأن المراد أمة الإجابة = فقوله ضعيف، كما يدل على ضعفه قوله ﷺ في بعض روايات الحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر اللَّه" (٥).
٦٢٠ - ولا يُعارضُ له دليلُ ... ويُظْهَرُ الدليلُ والتأويلُ
يعني أن الإجماع لا يعارضه دليل ؛ لأن الإجماع قطعي والدليل المفروض معارضته إما أن يكون قطعيًّا أو ظنيًّا، فإن كان قطعيًّا استحالت
стр. 426
المعارضة إذ لا معارضةَ بين قطعيين، وإن كان ظنيًّا فلا معارضة إذ الظني لا يُقاوِم القطعيَّ.
وقوله: "ويظهر الدليل والتأْويل" يشير به إلى أن الممنوع إنما هو خَرْق (١) الإجماعِ، أما الزيادة في حكمه بإظهار دليلٍ لم يطلع عليه المجمعون، أو استنباط علة للحكم المُجمع عليه لم يطلع عليها المجمعون، أو تأويل حكم يخالف ظاهرُه الإجماع ليكون بذلك التأويل موافقًا للإجماع، كل ذلك لا مانع منه لأنه ليس خرقًا للإجماع وإنما هو ذِكْر شيءٍ لم يتعرَّض له المجمعون.
مثال إظهار الدليل والتأويل: أن المجتهدين المجمعين على منع وطء الأخت من الرضاع بملك اليمين لم يتعرضوا أصلًا للنصِّ الذي هو مستند الإجماع، ولم يتعرضوا لتأويل النصِّ المقتضي بظاهره مخالفة هذا الإجماع، فلِمَن بعدهم أن يُظهر دليلَ الإجماع بأن يقول: دليل هذا الإجماع قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء/ ٢٣].
وله أيضًا أن يؤوِّل النصَّ المخالف بظاهره لهذا الإجماع وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٦] المقتضي للإباحة الشامل عمومه الأخت من الرضاع بأن يقول: هذا العموم مؤوَّل أي محمول على غير ما لم يخرجه دليل، أما ما أخرجه الدليل كالأخت من الرضاع وموطوءة الأب فليس بمراد، وقِسْ على ذلك. وهذا مفهوم من أن
стр. 427
الممنوع خرق الإجماع لأنه يقتضي أن ما لم يخرقه لم يُمْنَع إلَّا لدليل منفصل. وقوله: "يُظْهَرُ" بالبناء للمفعول.
٦٢١ - وَقَدِّمَنَّهُ على ما خالفا ... إن كان بالقطع يُرى متصفا
٦٢٢ - وهو المشاهَدُ أو المنقولُ ... بعدَدِ التواترِ المقولُ
يعني أن الإجماع القطعيّ يجب تقديمه على ما خالفه ولو نصًّا قاطعًا ككتاب أو سنة، لأنه يدل على النسخ بخلاف الإجماعات الظنية كالسكوتيّ والمنقول آحادًا، فالنصقُ من كتاب أو سنة مقدَّم عليهما. فحاصلُ البيتين أن الإجماعَ مقدَّم على غيره من الأدلة إن كان قطعيًّا خاصَّةً، وأن القطعيَّ يكون في صورتين:
الأولى: أن تشاهده بأن لا يكون بينك وبينه واسطة، كما لو فُرِض أن جميع المجتهدين في عصر من الأعصار اجتمعوا وأنت حاضر وشاهدتهم اتفقوا كلهم على أمر.
الثانية: هو الإجماع المَقُول أي النطقي خاصة دون السكوتي المنقول بعدد التواتر في جميع طبقات السند، فقوله: "المقول" يعني النطقيَّ وهو نعت للمنقول.
٦٢٣ - وفي انقِسامِها لقسمين وكُلْ ... في قولِهِ مُخْطٍ تردُّدٌ نُقِلْ
يعني أنهم اختلفوا هل يمكن اختلاف الأمة في مسألتين متشابهتين ويخطئ في كل واحدة من المسألتين بعضهم؟ قيل: يمنع هذا، وعليه الأكثر نظرًا إلى خطأ جميع الأمة في مجموع المسألتين، وقيل: لا يُمنع، نظرًا إلى كل مسألة على حِدَة، ولم يُخطى في مسألة على حدة إلَّا بعض الأمة.
стр. 428
وتحريرُ هذه المسألة أن لها ثلاث حالات:
[حالة] تمتنع اتفاقًا، وهي اتفاق جميعهم على الخطأ في مسألة واحدة من وجه واحد.
وحالة لا تمتنع اتفاقًا، وهي اختلافهم في مسألتين متباينتين ويخطئ في كل منهما بعض الأمة، كأنْ يخطئ نصفُ الأمة مثلًا في مسألة من مسائل الطهارة ويخطئ نصفها الآخر في مسألة من مسائل الجنايات.
وحالة هي محل الخلاف، وهي مراد المؤلف بالبيت, ومثالها ما لو قال بعضهم: إن العبد يرث، والقاتل عمدًا لا يرث، وقال البعض الآخر: القاتل عمدًا يرث والعبد لا يرث. ومثار الخلاف: هل أخطأت الأمةُ كلُّها نظرًا إلى المجموع لأنه بالنظر إلى المجموع يكون جميعُ الأمة قال بإرث من لا يرث، وهو خطأ؟ أو لم تخطئ نظرًا إلى كل مسألة بمفردها لأنه لم يخطئ في مسألة بمفردها إلَّا البعض؟
وقوله: "تردُّدٌ" مبتدأ مؤخر خبره الجار والمجرور المتقدم الذي هو "في انقسامها". وقوله: "وَكُلْ" مبتدأ خبره "مُخْطٍ" وجملة: "وكل في قوله" إلخ حالية، والضمير في "انقسامها" لأُمة الإجابة، وجملة "نُقل" نعت للمبتدأ الذي هو "تردُّدُ".
٦٢٤ - وجعلُ من سكتَ مثلَ من أقَرّ ... فيه خلافٌ بينهم قد اشتهَرْ
٦٢٥ - فالاحتجاج بالسُّكوتيِّ نما ... تفريعَه عليه من تقدَّما
٦٢٦ - وهو بفقدِ السُّخطِ والضدِّ حري ... معَ مُضيِّ مهلةٍ للنظرِ
يعني أن العلماء اختلفوا في السكوت هل هو رضا وإقرار أم لا؟
стр. 429
ويجري على الخلاف في ذلك الاختلاف في الاحتجاج بالإجماع السكوتي، وهو أن يقول بعض المجتهدين حكمًا ويسكت جميع الباقي منهم ولم ينكروا عليه، فعلى أن السكوت رضًا وإقرار؛ فالسكوتيُّ إجماع لدلالة السكوت على موافقة الساكتين. وعلى أن السكوت ليس برضا ولا إقرار؛ فالسكوتيُّ ليس بإجماع وهو قول الشافعي (١)، واختيار الباقلاني ممت المالكية (٢). قال الشافعيُّ: لا يصح أن يُنْسَب للساكت قول (٣).
و الاختلاف في الإجماع السكوتي مُقيَّد بثلاثة شروط:
الأول: هو ألَّا يقوم دليل على أن الساكتين أو بعضهم ساخطون لذلك الحكم غير راضين به، فإن قام على ذلك دليل فليس بإجماع اتفاقًا.
الثاني: ألَّا يقوم دليل على أن الساكتين كلَّهم راضون بذلك الحكم موافقون عليه، فإن قام دليل على ذلك فهو إجماع اتفاقًا. وهذان الشرطان هما مراد المؤلف بقوله: "وهو بفقد السخط والضد حري" فالسُّخط -بضم السين- يعني به كراهية الساكتين للحكم الذي نطق به البعض، والألف واللام في قوله: "الضد" عِوَض عن المضاف إليه، أي ضِدِّ السخط وهو الرضا. وقوله: "حري" معناه حقيق وجدير، والضمير في قوله: "وهو" عائد إلى السكوت الذي فيه الخلاف المذكور.
стр. 430
الثالث: هو أن تمضي بعد سماع السَّاكتين مهلة أي مدة تكفي عادةً لنظرهم في ذلك القول، أما قُبيل مُضِي تلك المدة فليس بإجماع قولًا واحدًا، وهذا مراد المؤلف بقوله: "مع مُضِيّ مهلة للنظر". وفي المسألة أقوال أخر.
٦٢٧ - ولا يُكفَّر الذي قد اتبَعْ ... إنكارَ الاجماعِ وبئسَ ما ابتدَعْ
يعني أن من أنكر حجية الإجماع لا يُحكم عليه بالتكفير لكن ذلك القول بدعة يحق لها أن تُذَم، ولذلك ذمها المؤلف بالفعل الدال على إنشاء الذم الذي هو "بئس"، وإنما لم يكفر منكر حجية الإجماع لأنه لم يُكَذِّب الأدلة الشرعية بل يدَّعي أنها لم يثبت منها ما يدل على حجيته، والذين أنكروا الإجماع الشيعةُ والخوارجُ والنظَّامُ.
٦٢٨ - والكافرُ الجاحدُ ما قد أُجمِعا ... عليه مما علمُهُ قد وقَعا
٦٢٩ - عن الضروري من الدّينيِّ ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن الذي يوجب الكفر هو إنكار ما عُلِم من الدين بالضرورة، ومعنى بالضرورة: أنه يعلمه كل أحد من غير قبول للتشكيك فيه بحال كوجوب الصلاة وحُرْمة الزنا.
وقوله: "عن الضروريّ" سيأتي مفهومه. وقوله: "من الدينيّ" يُحترز به عن إنكار ما عُلِم بالضرورة من غير الدينيّ كإنكار وجود بغداد أو الكوفة، وإنما حُكِم بتكفير منكر ما عُلِم من إلدين بالضرورة لأنه مكذب لرسول اللَّه ﷺ :
. . . . . . . . . . . . ... ومثلُهُ المشهور في القويِّ
стр. 431
٦٣٠ - إن كان منصوصًا ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن المجمعَ عليه المشهورَ علمه بين الناس يَكْفُر جاحدُه أيضًا على القول القوي نظرًا إلى شهرته، وقيل: لا يكفر جاحده لاحتمال أن يخفى عليه، وقوَّاه بعضهم، ومثَّل له المحلِّيّ (١) بجواز البيع، وذكر المؤلف في "الشرح" (٢) تبعًا لصاحب "الضياء اللامع" أن البيع من القسم الأول الضروري وهو الظاهر.
. . . . . وفي الغيرِ اختَلَفْ ... إن قَدُمَ العهدُ بالاسلام السَّلَفْ
مراده بالغير المشهور الغير المنصوص، يعني أن المشهور الغير المنصوص المُجْمع عليه اختُلِف في تكفير جاحده، والظاهر أن من أمثلته إباحة القراض فإنها مجمع عليها مشهورة، ولم تثبت بنص صحيح إذ لم يرد فيها مرفوعًا إلَّا حديث صهيب عند ابن ماجه (٣)، وهو ضعيف لأن في إسناده نصرَ بن القاسم عن عبد الرحيم بن داود وهما مجهولان.
ومحل هذا الخلاف في غير حديث العهد بالإسلام، أما حديث العهد به فلا يكفر بذلك اتفاقًا، لأنه معذور بحدوث إسلامه، فإنه قد
стр. 432
يجهل المشهور عند المسلمين، أما الخفي فلا يكفر جاحده اتفاقًا، كالإجماع على أن الجماع قبل وقوف عرفة يفسد الحج به (١)، ولو كان منصوصًا كالإجماع على أن لبنت الابن السدس مع بنت الصلب، فإنه ثابت في "صحيح البخاري" (٢) من طريق هُزيل من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا. وقوله: "السلف" فاعل "اختلف"، و"قَدُمَ" بضم الدال بمعنى تقادم.
* * *
стр. 433
كتابُ القِيَاس
القياس في اللغة: التقدير، يقال: قاس الجرح بالميل إذا قدَّر عمقه، ومنه قول الشاعر يَصف طعنة.
إذا قاسها الآسِيْ النِّطاسِيُّ أدبرَتْ ... غَثِيْثَتُها أَوْ زاد وهْيًا هُزُومُهَا (١)
واصطلاحًا عرَّفه المؤلف بقوله:
٦٣١ - بحملِ معلومٍ على ما قد عُلِم ... للاستوا في عِلَّة الحُكْم وُسِم
يعني أن القياس في الاصطلاح وُسِمَ، أي مُيّز وعُرِف بأنه: حَمْل معلوم على معلوم -أي إلحاقه به- في حكمه لمساواته له في علته بأن توجد العلة بتمامها في الفرع المحمول، كتحريم النبيذ إلحاقًا بالخمر للعلة الجامعة التي هي الإسكار، وإنما عبَّر المؤلفُ بالمعلوم في قوله: "بحمل معلوم" إلخ دون "الشيء" ليتناول التعريفُ المعدومَ لأن المعدوم قد يُقاس على المعدوم بعلة، والمعدوم ليس بشيء، وبهذا يندفع ما يقال: إذا كان الفرع المحمول معلومًا فلا حاجة إلى القياس، وإيضاحُه: أن المراد بالمعلوم ما يتعلق به العلم من موجود ومعدوم، وفي حدِّ المؤلف مناقشات وأجْوِبَةٌ إن شئت الوقوف عليها فانظرها في شروح
стр. 434
"الجمع"، وانظر طرفًا منها في "نشر البنود" (١).
٦٣٢ - وإن تُرِد شمولَه لما فَسَدْ ... فَزِدْ لدى الحامِل والزيدُ أسَدّ
يعني أن الحدَّ المتقدمَ للقياس يشمل الصحيح فقط لانصراف المساواة المطلقة إلى المساواة في نفس الأمر دون المساواة في ظن المجتهد، وإن أردت الحدَّ الشامِلَ للفاسد مع الصحيح فزد على الحد المتقدم لفظتَيْ: (لدى الحامل) بأن تقول: هو حمل معلوم على معلوم لمساواته له في العلة عند الحامل، فيشمل إذًا المساواة في نفس الأمر والمساواة في ظن المجتهد، وبذلك يشمل الصحيح والفاسد معًا. وقوله: "أَسَدّ" أي أوفق للسَّدَاد وهو الصواب، وإنما ذكر المؤلف أن زيادة (لدى الحامل) أصوبُ لأن الحدَّ تعريف الماهية من حيثُ هي الشامل لصحيحها وفاسدها.
٦٣٣ - والحامل المُطْلق والمقيَّدُ ... وهو قبلَ ما رواه الواحِدُ
يعني أن الحامل الذي هو المستدلُّ بالقياس هو المجتهد المطلق أو المجتهد المقيد، إلَّا أن المطلق يقيس في جميع الشريعة، والمقيد يقيس في أصول مذهبه، والمقيد هو مجتهد المذهب، وسيأتي إيضاح ذلك في كتاب الاجتهاد (٢).
وقوله: "وهو قبلَ ما رواه الواحد" يعني أن القياس مقدمٌ عند مالك
стр. 435
على خبر الواحد، وقال القرافي في "التنقيح" (١): إن هذا مذهب مالك، ووجَّهَه بأن الخبر إنما ورد لتحصيل الحكم، والقياس متضَمِّن للحكَمة فيُقَدَّم على الخبر (٢).
قلت: التحقيق خلاف ما ذهب إليه المؤلف والقرافيُّ، والرواية الصحيحة عن مالك رواية المدنيين أن خبر الواحد مقدَّم على القياس. وقال القاضي عياض: مشهور مذهبه أن الخبر مقدَّم، قاله المقَّري وهو رواية المدنيين. اهـ. ومسائل مذهبه تدل على ذلك كمسألة المُصَرَّاة، ومسألة النضح، ومسألة غسل اليدين لمن أحدث في أثناء الوضوء. وما زَعمه بعضهم من أنه قدَّم القياسَ على النص في مسألة وُلوغ الكلب غير صحيح؛ لأنه لم يترك فيها الخبرَ للقياس، وإنما حمل الأمر على الندب للجمع بين الأدلة، لأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة/ ٤] ولم يأمر بغسل ما مسَّه لعاب الكلب، فدلَّ على أنه غير نجس، واعتضد ذلك بقاعدة هي: أن الحياة علة الطهارة (٣).
٦٣٤ - وقبلَه القطعيُّ من نصٍّ ومِنْ ... إجماعِهم عندَ جميعِ من فَطِنْ
стр. 436
يعني أن القياس الظنّي يقدَّم عليه القطعيّ من كتاب وسنة، والقياس القطعي لا تُمكن معارضته للنّصِّ القطعيّ إذ لا تعارض بين قطعيين، وسيأتي القطعي من القياس والظنيّ، وقوله: "فطن" مثلَّث الطاء، والأَوْلَى في البيت الكسر لمناسبته (١) للبيت قبله.
٦٣٥ - وما رُويَ من ذَمِّهِ فقد عُني ... به الذي على الفساد قد بُني
يعني أن ما روي عن الصحابة ﵃ من ذم القياس والرأي، محمول على القياس الفاسد المخالف للنصوص ولا يريدون القياس الصحيح. وقوله: "رُوي" و"عُنِي" و"بُني" أفعال ماضية مبنية للمفعول.
٦٣٦ - والحدُّ والكفَّارةُ التقديرُ ... جوازُه فيها هو المشهورُ
يعني أن مشهور مذهب مالك -كما نقله القرافي عن الباجيّ وابن القصَّار- جواز دخول القياس في الحدود والكفارات والتقادير (٢).
مثاله في الحدود: قياس اللَّائط على الزاني بجامع إيلاج فرجٍ في فرج مُشْتَهى طبعًا محرم شرعًا. وقياس النبَّاش على السارق في القطع بجامع أخذ مال الغير من حرز مِثْلِه خِفْية.
ومثال دخوله في الكفارات: اشتراط الإيمان في رقبة كفارة الظهار واليمين قياسًا على رقبة كفارة القتل خطأ.
ومثاله في التقديرات: تقدير أقل الصداق بربع دينار قياسًا على
стр. 437
إباحة قطع اليد في السرقة بجامع أن كلًّا منهما فيه استباحة عضو (١).
وحجة المانعين: أن هذه الأشياء لا يُدْرَك فيها المعنى، وأجيب بأنه يُدْرَك في بعضها فيجري فيه القياس.
وقوله: "التقدير" إلخ معطوف بحذف العاطف.
٦٣٧ - ورخصةٌ بعكسِها والسببُ ... وغيرُها للاتفاقِ يُنْسَبُ
يعني أن الرخصة والسبب عكس المسائل المتقدمة فيمتنع فيها القياس على مشهور مذهب مالك.
مثالُ منعه في الرخصة: منع قياس غير التمر على التمر في بيع العرِيَّة، وكالمسح على خفٍّ فوقَ خفٍّ قياسًا على المسح على الخف الواحد.
ومثاله في السبب: قياس التسبمب إلى القتل بالإكراه على التسبب إليه بالشهادة.
وحجة منعه في الرخص: أن الرخصة لا تتعدى محلَّها لأنها مخالفة للنص، وتعديتها محلها تؤدي إلى كثرة مخالفة الدليل.
وأجاب القائلون بجواز القياس في الرخص بأن صاحب الشرع لم يخالف الدليل في الرخصة إلَّا لكون الرخصة أكثر مصلحة، فإذا وُجدَت تلك المصلحة في فرع ألحقناه بالأصل لتكثير (٢) المصلحة.
وحجة المنع في السبب: أن جواز القياس عليه يقتضي نفي سَبَبِيَّتِهِ، وإيضاحه: أن يتسبب أمر عن أمر مثلًا فيلحق بذلك الأمر آخرُ في كونه
стр. 438
سببًا لذلك الأمر أيضًا، فيؤل الأمر إلى أن السَّببَ أحدُ الأمرين، ويظهر بالقياس أن النصَّ على سَبَبِيَّته الأول أنه يصدق عليه اسم السبب لكونه فردًا من أفراده لوجود السبب الثاني بالقياس، فظهر أن القياس على السبب يلزمه أن يخرجه عن كونه سببًا مستقلًّا فامتنع لتضمُّن إثباته رفعه. ومثل هذا بعينه في الشرط والمانع، فالقياس فيهما ممنوع أيضًا لهذه العلة في مشهور مذهب مالك.
فمثاله في الشرط: قياس استقصاء الأوصاف في بيع الغائب على الرؤية.
ومثاله في المانع: قياس النسيان للماء في الرحل على المانع من استعماله حسًّا كالسبع واللص.
وقوله: "وغيرها للاتفاق يُنسب" يعني أن غير المسائل المذكورة (١) يجوز فيه القياس باتفاق المالكية، وهو قول جمهور العلماء خلافًا للظاهرية.
٦٣٨ - وإن نُمِي للعُرفِ ما كالطُّهْرِ ... أو المحيض فهو فيه يَجْري
يعني أن القياس يجوز في الأمور العادية إذا كانت منضبطة لا تختلف باختلاف الأحوال والأزمنة والبقاع، كأكثر الحيض وأقله وأقل الطهر، فهذه يجوز القياس عليها لانضباطها، فيجوز قياس النفاس على الحيض في أن أقله قطرة عند المالكية أو يوم وليلة عند الشافعية، وإذا لم ينضبط لا يجوز القياس عليه، وهو مراد القرافي بقوله في "التنقيح" (٢):
стр. 439
لا يدخل القياس فيما طريقه الخِلْقَةُ والعادةُ كالحيض، وبيَّنه في "شرح التنقيح" (١) بقوله: لا يمكن أن تقول: فلانة تحيض عشرة أيام وينقطع دمها فوجب أن تكون الأخرى كذلك قياسًا عليها، لأن هذه الأمور تتبع الطباع والأمزجة والعوائد في الأقاليم.
* * *
стр. 440
أركانه
٦٣٩ - الأصل حكمُهُ وما قد شُبِّها ... وعلةٌ رابعُها فانتَبِها
أركان الشيء أجزاؤه الداخلة فيه التي تتركب منها حقيقته، وأركان القياس أربعة، أشار لها بقوله: "الأصل. . . " البيت، يعني أن أركانه الأربعة هي: الأصل، والفرع، والعلة، والحكم. وسيأتي الكلام على كلها، وبدأ بالكلام على الأصل فقال:
٦٤٠ - والحكمُ أو محلُّه أو ما يدلْ ... تأصيلُ كلِّ واحدٍ مما نُقِلْ
يعني أن الأصل اخْتُلِف فيه على ثلاثة أقوال، قيل: إنه الحكم، وقيل: محل الحكم، وقيل: دليل الحكم. فالحكم -مثلًا- التحريم في الخمر، ومحله الخمر لأنها الشيء المحكوم بتحريمه، ودليله آية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة/ ٩٠]. إذا عرفتَ ذلك فالتحقيق أن الأصل هو محل الحكم وهو الخمر -مثلًا- والفرع النبيذ -مثلًا-، والعلة الإسكار، والحكم التحريم، والدليل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ الآية.
٦٤١ - وقِسْ عليه دون شرطِ نصِّ ... يجيزُة بالنَّوعِ أو بالشَّخْص
يعني أن القياس على الأصل الذي يُقاس عليه يجوز ولا يشترط فيه وجودُ نصٍّ أي دليل على جواز القياس على ذلك الأصل [لا] باعتبار شخصه ولا باعتبار نوعه، فإذا أراد مثلًا أن يقيس على أصل من مسائل البيوع (١) فلا يشترط وجود دليل على جواز القياس في تلك المسألة بعينها، ولا
стр. 441
وجود دليل على جواز القياس في نوع البيع. والمخالف في هذه المسألة هو عثمان البتيُّ القائل: يشترط أحد الأمرين. ومثاله باعتبار الشخص: قياس: "أنتِ حرام" على "أنتِ طالق" فإنه قد ثبتَ عن مالك ومن وافقه (١). فيصح قياس "أنتِ خليَّةٌ، أو بريَّةٌ" على "أنت طالق" في لزوم الطلاق.
٦٤٢ - وعلّةٌ وجودُها الوفاقُ ... عليه يأبى شَرْطَهُ الحُذَّاقُ
يعني أنه لا يشترط عند الحذاق أي المحققين من أهل الأصول الإجماع على وجود العلة في الأصل، فيصح القياس عندهم على أصلٍ اختلف في وجود علته أصلًا أو وجودها فيه، والمخالف في هذا بشر المريسي القائل: لابد من الإجماع على أن حكم الأصل معلل، وعلى أن العلة موجودة فيه، ويقوم مقام ذلك النصّ على عَيْن العلة في الأصل.
٦٤٣ - وحكمُ الأصل قد يكون مُلْحقا ... لِما مِنَ اعْتِبارِ الأدنى حُقِّقا
هذا شروع من المؤلف ﵀ في الكلام على الركن الثاني من أركان القياس وهو حكم الأصل، يعني أنه يجوز كون الأصل المقيس عليلا فرعًا مقيسًا على أصل آخر، كما قال ابن رشد في "المقدمات" (٢) إنه مذهب مالك وأصحابه.
فإن قيل: لِمَ لا يمنع القياس على الفرع المقيس اكتفاء عنه بالقياس على الأصل الذي قيس هو عليه كما ذهب إليه الشافعية وغيرهم؟
стр. 442
فالجواب: أن الفرع الأول الذي هو الأصل الثاني أقرب إلى الفرع الثاني من الأصل الأول، وهذا هو مراد المؤلف بقوله: "لِما من اعتبار الأدنى حُقِّقا".
ومثاله: قياس الغسل من الجنابة على الصلاة في وجوب النية بجامع أن كلًّا قربة، فإذا تقرَّرَ وجوبُ النية في الغسل بهذا القياس كان لنا أن نقيس الوضوء على الغسل في وجوب النية لأن الغسل أقرب إلى الوضوء من الأصل (١) الذي هو الصلاة.
٦٤٤ - مُسْتلحق الشرع هو الشرعيُّ ... وغيرُه لغيره مَرْعِيُّ
يعني أن الفرع المقيس إذا كان شرعيًّا لابد أن يكون مُسْتَلْحِقه -بكسر الحاء- أي أصله الملحق به شرعيًّا أيضًا، فلا يمكن أن يُلحق فرع شرعي إلا بأصل شرعي، وهذا مراده بقوله: "مستلحِق الشرع هو الشرعيُّ". وأما إذا كان القياس في حكم لغوي على الخلاف المتقدم (٢)، أو عقلي بناءً على جواز القياس في العقليات، فلابد أن يكون الأصل في اللغوي لغويًّا وفي العقلي عقليًّا، وهذا معنى قوله: "وغيره لغيره مرعيُّ".
ومثاله في اللغويّ قد تقدم، ومثاله في العقْلِيّ عند القائل به: الحكم بحدوث جميع أنواع العالَم إلحاقًا لما لم يشاهَدْ حدوثه بما شوهد حُدوثه بجامع افتقار الكل إلى الفاعل المختار.
٦٤٥ - وما بقطْعٍ فيه قد تَعبَّدا ... ربّي فملحقٌ كذاك عُهِدَا
стр. 443
يعني أن ما كان الناس متعبَّدِين فيه بالقطع أي مكلفين فيه بالعلم اليقينيّ كالعقائد لا يُقاس عليه إلا ما يُطْلَب فيه القطع بأن يتيقنَ حكمُ الأصل ويتيقن وجودُ العلة فيه ويتيقنَ وجودها في الفرع.
وحاصلُ مراد المؤلف أن ما يُطلب فيه اليقين يجوز فيه القياس اليقينيُّ خاصة دون الظنِّيّ، وخالف في ذلك الغزاليُّ (١) قائلًا: إن ما تُعبّد فيه بالعلم اليقينيّ لا يجوز إثباته بالقياس كإثبات حجية خبر الواحد بالقياس على قبول شهادة الشاهدين، ووَجْهُه عنده أن القياس التمثيليَّ الذي هو قياس الأصول لا يفيد إلا الظن عند الجمهور، كما قال الأخضري (٢):
ولا يفيد القطعَ بالدّليل ... قياسُ الاستقراء والتمثيل
وما لا يفيد إلا الظن لا يمكن أن يثبتَ به ما يُطلب فيه اليقين، ولكن ما درجَ عليه المؤلف مشروط بحصول اليقين بالقياس وذلك هو مراده بقوله: "فملحق كذاك" أي فالفرع الملحق بالقياس لابد أن يكون إلحاقه كذاك أي يقينيًا أيضًا.
٦٤٦ - وليس حكمُ الأصلِ بالأساس ... متى يَحِدْ عن سَنَنِ القياس
٦٤٧ - لكونه معناه ليس يُعقلُ ... أو التعديّ فيه ليس يحصُلُ
يعني أنه يشترط في حكم الأصل أن لا يعدل عن سَنَنِ القياس، فإن عَدَل عن سَنَن القياس لم يَجُز القياسُ عليه، وسَنَن القياس -بفتح السِّين-
стр. 444
بمعنى طريقه ومنهاجه، ومراد المؤلف بسنن القياس أمران:
الأول: أن يكون معقول المعنى أي معروف العلة.
الثاني: أن تكون علته متعدية إلى غيره كتحريم الخمر فإن علته معلومة وهي الإسكار، متعدية (١) إلى غير الخمر كالنبيذ.
إذا عرفتَ هذا فالحائد عن سَنَن القياس أمران:
الأول: أن يكون غير معقول المعنى أي غير معروف العلة كأعداد الركعات، ومقادير النصب والكفارات، ونحوِ ذلك.
الثاني: أن يكون معروف العلة ولكن علته لم تتعدَّ إلى غيره كحمل العاقلة دية الخطأ، وكمسألة اللّعان، والشُّفْعة في العقار على قول الجمهور، وكشهادة خزيمة إذ التحقيق أنها من هذا القبيل، وسيأتي إيضاح هذا في قول المؤلف: "وعللوا بما خلت من تعديه" إلخ. والأمران المذكوران سابقًا هما مراد المؤلف بقوله: "لكونه معناه ليس يُعقل" إلخ.
٦٤٨ - وحيثُما يندَرِجُ الحُكْمانِ ... في النصِّ فالأمران قُل سِيّان
الاندارج في اللغة الدخول، ومراده بالبيت: أن من شروط (٢) القياس أن لا يكون الفرع داخلًا في نص حكم الأصل من كتاب أو سنة سواء كان نصًّا أو ظاهرًا، لأن النصَّ إن شملهما معًا فليس أحدهما أولى بالأصالة من الآخر حتى يكون [هو] أصلًا والآخر فرعًا. ومَثَّل له بعضهم
стр. 445
بما لو استدل مستدل على ربوية البر بحديث مسلم (١): "الطعام بالطعام مِثْلًا بمِثْل" فيمتنع قياس الذرة عليه بجامع الطَّعم، لأن لفظ الطعام الذي هو لفظ النص يشمل الذرة مع البر.
٦٤٩ - والوَفْقُ في الحُكم لدى الخصْمَينِ ... شرطُ جوازِ القَيْس دونَ مَيْنِ
"الوفق" الاتفاق، و"القيس" القياس، يعني أنه يشترط في حكم الأصل أن يكون متفقًا عليه بين الخصمين لأن البحث بينهما، ولو خالف الخصم في الحكم احتاج المستدل إلى إثباته فينتقل إلى مسألة أخرى وينتشر الكلام فيفوت المقصود. أما إذا حصل الاتفاق بينهما على حكم الأصل تحقق انتفاء الانتشار، فلو ذكر المستدل الحكم مقترنًا بدليله من نص أو إجماعٍ ابتداء لم يشترط موافقة الخصم لأن منع الحكم المؤدي إلى الانتشار لا يمكن مع دلالة النص الصريح عليه. وما مشى عليه المؤلف من اشتراط اتفاق الخصمين فقط هو مذهب الجمهور، خلافًا لمن زعم أنه لابد من إجماع الأمة على الحكم (٢).
٦٥٠ - وإن يكن لعلتينِ اختلفا ... تركَّبَ الأصل لدى من سَلَفا
الضمير المرفوع المحذوف (٣) الذي هو اسم "يكن" عائد إلى اتفاق الخصمين على حكم الأصل، يعني أنه إذا كان اتفاقهما عليه ثابتًا لعلتين مختلفتين بأن اتفقا على الحكم وادّعَى كلٌّ أنه ثابت بعلة غير العلة التي
стр. 446
يدعي الآخر، فإنَّ هذا النوع من القياس يسمَّى مركب الأصل لتركيب الحكم فيه أي بنائه على العلتين بالنظر إلى الخصمين فهو من التركيب بمعنى البناء، أي ترتيب ما شيء على آخر لا من التركيب الذي هو ضدُّ الإفراد.
ومن أمثلته: قياس حُليّ البالغة على حُلِيّ الصبية فإن حُكم الأصل متفق عليه بين المالكية والحنفية إلا أن الحنفية يقولون: إن العلة أنه مال لغير بالغةٍ فلا يمكن قياس حلي الكبيرة عليه لبلوغها، والمالكية يقولون: العلة كونه حُليًّا مباحًا وهي موجودة في حُلِيّ الكبيرة. وقوله: "اختلفا" يعني العلتين، وإنما ذكَّر الضميرَ بتضمين العلة معنى الوصف.
٦٥١ - مركبُ الوصفِ إذا الخصمُ منعْ ... وُجودَ ذا الوصفِ في الأصلِ المُتَّبعْ
يعني أن القياس المسمَّى "مركب الوصف" هو الذي كان حكم الأصلِ فيه متفقًا عليه بين الخصمين، إلا أن العلة التي يدَّعي المستدل أنه ثابت بها يدَّعي الخصم نفيها من أصلها عن الأصل، وسُمِّيَ "مركب الوصف" لتركيب الحكم فيه أي بنائه على الوصف الذي مَنع الخصمُ وجودَه في الأصل، ولا مشاحَّة في الاصطلاح.
ومثال مركب الوصف: قياس "إن تزوجْتُ فلانة فهي طالق" على "فلانة التي أتزوجها طالق" في عدم وجود الطلاق بعد التزوج، فإنَّ عدمه في الأصل متفق عليه بين الشافعية والمالكية، والشافعيةُ يقولون: العلة في الأصل تعليق الطلاق قبل ملكِ محله، والمالكية يقولون: هذه العلة من أصلها ليست موجودة في الأصل، لأن الأصل الذي هو "فلانة التي أتزوجها طالق" لا تعليقَ فيه أصلًا، وإنما هو تنجيز طلاق أجنبية وهي لا
стр. 447
ينجز عليها الطلاق.
واعلم أن " مركب الوصف" له صورتان:
الأولى: أن يمنع الخصمُ وجودَ العلة في الأصل، مع أنه ينفي عليتها أيضًا لو فُرض ثبوتها، كهذا المثال المتقدم قريبًا، فإنَّ ادعاءَ الشافعية أن علة الأصل فيه هي تعليق طلاق أجنبية، فالمالكية ينفون التعليق كما تقدم، مع أنهم لو فرضوا وجودَ التعليق لما كان التعليق عندهم علة لعدم الطلاق؛ لأن تعليق طلاق الأجنبية لازم عندهم.
الثانية: أن ينتفي وجودُ العلة مع اعترافه بأنها علة الحكم لو فرض ثبوتها.
٦٥٢ - وردُّه انتُقي وقيل يُقبلُ ... وفي التقدُّمِ خلافٌ يُنْقَلُ
الضمير في قوله: "ردُّه" عائد إلى القياس المركب بنوعَيه ، أعني مركب الأصل ومركب الوصف. وقوله: "انتُقي" بمعنى اختير، يعني أن رَدَّ القياس المركب بنوعيه، أي عدم نهوض الاحتجاج به على الخصم هو المختار عند الأصوليين، ووجه ردِّه عندهم: أن الخصم يمنع وجودَ العلة في الفرع في مركب الأصل، ووجودَها في الأصل في مركب الوصف كما هو واضح مما تقدم، وخالف الجدليون فقالوا بقبوله (١).
وعلى القول بقبوله فقيل: يُقدَّم على غير المركب، وقيل: يقدم
стр. 448
عليه غيرُ المركب، وقيل: هما سواء.
وهذا هو مراده بقوله: "وفي التقدم خلافٌ يُنقل". أما بالنظر إلى نفس المجتهد ومقلديه فلا خلاف في الاحتجاج بمركب الأصل ومركب الوصف. وقوله: "انتقي" و"يُقبل" و"يُنقل" كلها بالبناء للمفعول.
* * *
стр. 449
الفرع
٦٥٣ - الحكمُ في رأي وما تُشُبِّها ... من المحلِّ عندَ جُلِّ النُّبَها
يعني أن الفرع الذي هو ركن من أركان القياس اخْتُلِف فيه على قولين، قيل: إنه حكم الفرع المقيس، وقيل: إنه محلُّ حكيم الفرع المقيس، وهو الحق. فعلى أنه حكم الفرع فمثاله: تحريم النبيذ، وعلى أنه محل حكم الفرع فهو النبيذُ بعينه مثلًا في إلحاقه بالخمر.
٦٥٤ - وجودُ جامعٍ به متمَّمَا ... شرطٌ وفي القَطْع إلى القَطْع انتمى
المراد بالجامع العلة، ومعنى البيت: أنه يُشترط في الفرع المقيس وجودُ علة الأصل بتمامها لا بعضها، فلو حصل قتل بمثقَّل خطأ لا يمكن القول فيه بالقصاص قياسًا على القتل بالسيف، وعلة القصاص هي القَتْل عمدًا عدوانًا وهي غيْرُ موجودة بتمامها في الفرع، لأن الفرع ليس فيه منها إلا مجردُ القتل.
وقوله: "وفي القطع إلى القطع انتمى" يعني أن القياس قد يكون قطعيًّا وإذا كان قطعيًّا فلابد من القطع بأن الوصف علة حكيم الأصل، والقطع بأن العلة موجودة في الفرع، كقياس ضرب الوالدين على التأفيف في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء/ ٢٣] للقطع بأن علة المنع الإيذاء، وأنه موجود في التأفيف وموجود في الضرب أيضًا، والتمثيل بهذا بناءً على القول بأنه قياس، المتقدم في قوله: "دلالة الوفاق للقياس. . . " إلخ.
٦٥٥ - وإن تكنْ ظنيةً فالأَدْوَنُ ... لِذا القياسِ علَمٌ مُدَوَّنُ
стр. 450
يعني أن الوصف المعلَّلَ به إذا كانت عليته ظنية فهو المسمى عند الأصوليين بالقياس الأَدْوَن، مثاله: قياس الشافعية التفاح على البر في الربا بجامع "الطَّعم" الذي هو علة الربا عندهم، مع احتمال كون العلة هي "الاقتيات والادِّخار" كما عند المالكية أو "الكيل" كما عند الحنفية والحنابلة، فثبوتُ الحكمِ فيه -أي التفاح الذي ليس فيه من الأوصاف إلا الطعم- أدْوَنُ من ثبوته في البر المشتمل على الأوصاف الثلاثة. ووجه هذه الأدْوَنية: احتمال أن تكون العلة غير ما ظُنَّ أنه العلة من الأوصاف الموجودة في الأصل دون الفرع.
واعلم أن القياس الأدْوَن الذي هو الظنيُّ على هذا يمكن أن يكون الحكم فيه في الفرع أولى منه في الأصل أو مساويًا له، لكون العلة أظهر في الفرع أو مساويةً.
مثال كونها أظهر في الفرع: قياس العمياء على العوراء في منع التضحية، فالعمياء أولى بالحكم من العوارء، وإنما كان هذا القياس ظنيًّا لاحتمال عدم وجود العلة في الفرع، إذ يحتمل أن تكون العلة في العوراء مظنة الهزال لأنها تُوْكَل إلى نفسها في الرعي وهي ناقصة البصر، بخلاف العمياء فإنها تُعْلَف.
ومثاله في المساواة: قياس الأَمَة على العبد في سراية العتق في حديث: "من أعتق شِرْكًا له في عبد" (١) الحديث، مع احتمال أن العلة في
стр. 451
سراية العتق في العبد لا توجد في الأمَة، لأن عتق العبد يترتب عليه من الأمور ما لا يترتب على عتق الأمة كالجهاد والإمامة وغير ذلك.
٦٥٦ - والفرعُ للأصل بباعِثٍ وفي ... الحكمِ نوعًا أو بجنسٍ يَقْتفي
يعني أن الفرع لابد أن يكون تابعًا للأصل فيما يقصد من نوع العلة أو جنسها، وتابعًا للأصل أيضًا فيما يقصد من نوع الحكم أو جنسه.
مثال المساواة في نوع العلة: قياس النَّبيذ على الخمر بجامع الشدة المُطْربة فإنها موجودة في النبيذ بعينها النوعية لا الشخصية لأن العلة عرض لا يتشخص إلا بتشخيص محله الذي قام به، وهو في مثالنا خصوص الخمر، وهو مفقود في النبيذ، فظهر أن الوحدة نوعية لا شخصية.
ومثال المساواة في جنس العلة: قياس الطرف على النَّفْس في وجوب القصاص بجامع الجناية فإنها جنس لإتلافِهما، فعلَّة (١) الحكم في الأصل والفرع جنس الجناية لا إتلاف النَّفْس وإتلاف الطرف، إذ لو كانت العلة في الأصل إتلاف النَّفْس لم يتصور القياس لعدم وجود العلة في الفرع.
ومثال المساواة في نوع الحكم: قياس القتل بمثَقَّل على القتل بمحدَّدٍ في وجوب القصاص فإنه فيهما واحد والجامع كون القتل عمدًا عدوانًا.
ومثال المساواة في جنس الحكم: قياس بضع الصغيرة على مالها في ثبوت الولاية عليه للأب بجامع الصغر، فإن الولاية جنس لولايتي النكاح والمال، والفرق بين الجنس والنوع أن أفراد الجنس مختلفة
стр. 452
حقائقها كأفراد الحيوان، وأفراد النوع متفقة حقائقها كأفراد الإنسان.
إذا عرفت ذلك فحقيقة القتل تنافي حقيقة قطع الطرف، والولاية على المال تنافي الولاية على البضع، ولذا قيل في كل منهما: إنه جنس دون غيرهما من باقي الأمثلة، فإن الحقيقة فيه واحدة ولذا كان نوع، فقول المؤلف: "والفرع" مبتدأ وجملة "يقتفي" خبره، واللام في "للأصل" زائدة، و"الأصل" مفعول به مقدم لقوله: "يقتفي" والباء في "بباعث" ظرفية بمعنى في، وقوله: "في الحكم" عَطْف عليه. وتقرير المعنى: الفرع يقتفي الأصل -أي يتبعه- في الباعث -أي العلة- وفي الحكم، وذلك الاتِّباع في كليهما إما في النوع أو الجنس، وتقدمت أمثلة الكل.
٦٥٧ - ومقتضي الضدِّ أو النقيضِ ... للحكم في الفرع كوَقْعِ البِيْضِ
يعني أن معارضة حكم الفرع بما يقتضي ضده أو نقيضه كائنة كوقع البِيْض، أيْ كهدم السيوف للأجسام، بمعنى أنها مبطلة لإلحاق ذلك الفرع بذلك الأصل، والفرق بين الضدين والنقيضين: أن مقابلة النقيضين هي المقابلة بين السّلب والإيجاب أي النفي والإثبات، والمقابلة بين ضدين هي المقابلة بين أمرين وجوديين متنافيين في ذاتَيْهما ولا يمكن اجتماعهما في ذات أخرى كالسواد والبياض.
ومثال الدليل المقتضي لنقيض الحكم في الفرع: قياس القائل بتثليث مسح الرأس له على الوجه في الوضوء بجامع أن الكلَّ ركن في الوضوء، فيقول المعترض: هو مسح في الوضوء فلا يُسَنُّ تثليثه قياسًا على الخف، فقوله: فلا يُسَن تثليثه نقيض لقول المستدل: يُسَن تثليثه؛
стр. 453
لأن أحدهما نفي والثاني إثبات.
ومثاله في الضد: قول الحنفي: الوتر واجب قياسًا على التشهد بجامع مواظبته ﷺ عليهما فيُعارَض بأنه مستحب قياسًا على ركعتي الفجر بجامع أن كلًّا منهما يُفعل في وقت من أوقات الصلوات الخمس ولم يُعْهَد من الشارع وضع صلاتي فرضٍ في وقتٍ واحد.
وما ذكره المؤلف من أن معارضة حكم الفرع بما يقتضي ضده أو نقيضه مبطلة له هو الراجح، وقيل: لا تُقبل المعارضة لأنها إن قُبِلت انقلب منصب المناظرة إذ يصير المعترضُ مستدلًّا والمستدلُ معترضًا وذلك خروج عما قَصَد في معرفة صحة نظر المستدلّ. وأُجيب بأن قصد المعترض هدم (١) دليل المستدل، وإنما ينقلب منصب المناظرة لو كان قصد المعترض إثبات متقضى المعارضة وليس كذلك، وإنّما قصده عدم دليل المستدل.
٦٥٨ - بعكس ما خلافَ حكمٍ يقتضي ... وادفع بترجيحٍ لذا المعترض
يعني أن المعارضة بمقتضى خلاف الحكم عكس المعارضة بمقتضى النقيض أو الضد، فإنها لا تقدح في قياس المستدل اتفاقًا لعدم منافاتها له، كما لو قيل: اليمين الغموس قول يأثم قائله، فلا يوجب الكفارة قياسًا على شهادة الزور. فيقول المعارض: هي قول مؤكِّد للباطل تُظن به حقيقته فيوجب التعزير قياسًا على شهادة الزور، فعدم التكفير في
стр. 454
قياس الأول ووجوب التعزير في قياس الثاني خلافان لا نقيضان ولا ضدَّان، وضابط الخلافين أنهما متنافيان في حد ذاتيهما لا يستحيل اجتماعهما في ذات ثالثة كالسواد والحلاوة والبياض والبرودة.
وقوله: "وادفع بترجيح لذا المعترض" يعني أن المعارض بنقيض الحكم في الفرع أو ضده تدفع معارضته بكون وصف المستدل أرجح من وصفه، ككونه قطعيًّا ووصف المعارض ظنيًّا، أو كون مسلكه أقوى وغير ذلك من مرجِّحات القياس، وقوله: "لذا المعترض" مفعول "ادفع" واللام زائدة، والكلام على حذف مضاف أي ادفع اعتراض (١). . . إلخ.
٦٥٩ - وعدم النصِّ والاجماع على ... وفاقه أوجبَهُ من أصَّلا
٦٦٠ - منعَ الدليلين. . . . ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن من أصَّلَ منع الدليلين على مدلول واحد أي جعله أصلًا مطَّرِدًا يشترط في القياس أن لا يوجد نصٌّ ولا إجماع على حكم الفرع؛ لأنه إذا قام عليه دليل استغنى به عن القياس، والكلام في نص يختص بالفرع، أما النص الذي يشمله مع الأصل فقد تقدم في قوله: "وحيثما يندرج الحكمان" البيت، أما عند من لم يمنع دلالة دليلين على شيء واحد فلا يشترط في القياس عدم دليل موافق له لأن القياس دليل ثان عليه، وهو مذهب الأكثر، وحجة المانعين أنه لا حاجة إلى القياس مع وجود النص وقد عرفت أنه لا مانع من ترادف الأدلة.
стр. 455
وحكمُ الفرعِ ... ظهورُه قَبلُ يُرى ذا مَنْعِ
يعني أنه يُشترط في حكم الفرع أن لا يكون ظهوره للمكلفين قبل ظهور حكم الأصل، فإن ذلك ممنوع كقياس الوضوء على التيمم في وجوب النية، فإن الوضوء كان معروفًا حكمه قبل نزول رخصة التيمم، لأن الوضوء تُعُبِّد به عند مبدأ الوحي بالتكليف بالصلاة، ورخصة التيمم لم تنزل إلا في غزوة بني المصطلق (١) أو بعدها.
* * *
стр. 456
العِلَّة
وهي الركن الرابع من أركان القياس، وأصل العلة في اللغة: العَرَض المؤثر كعلة المريض، وربما تطلق على الداعي للأمر كقولك: عِلَّة محبتي لفلان علمه وتُقاه، وربما أُطلقت على ما يعوق دون الشيء كقول حِماس بن قيس (١):
إن يُقبلوا اليوم فما لي عِلّه ... هذا سلاحٌ كاملٌ وألَّه
وفي الاصطلاح عرفها المؤلف بقوله:
٦٦١ - معرّفُ الحكم بِوضعِ الشارعِ ... والحكمُ ثابتٌ بها فاتَّبِعِ
يعني أن العلة في الاصطلاح هي الوصف المعرِّف للحكم بوضع الشارع، كالإسكار فإنه كان موجودًا في الخمر ولم يدل وجوده على تحريمها حتى جعله صاحبُ الشرع علة في تحريمها.
وقوله: "والحكم ثابت بها" إلخ يعني أن حكم الأصل ثابت بالعلة لا بالنصِّ على ما صححه بعضُ المالكية والشافعية، خلافًا للحنفية القائلين: إن ثبوت الحكم بالنصّ لأنه المفيد له. وأجاب القائلون بأنه العلة بأن النصَّ لم يُفِد الحكم بقيد كون محله أصلًا يقاس عليه، والكلام في خصوص ذلك والمفيد له العلة إذ هي منشأ التعْدِية المحقِّقة للقياس.
стр. 457
وإيضاحه: أن العلة تعرف كون الحكم منوطًا بها حتى إذا وُجدت في محل آخر ثبت الحكم فيه أيضًا، والنص يعرّف الحكم دون نظرَ إلى ذلك فلَيْسا معرّفين لشيء واحد من جهة واحدة، وقال بعضهم: معناه أنه إذا لوحظ النصّ عُرف الحكم، ثم إذا لوحظت العلة حصل التفات جديد للحكم، ومعرفة كون محله أصلًا يقاس عليه، فمجموع ذلك مستفاد من العلة وهو مرادهم بأنها تفيد حكم الأصل بقيد كون محله أصلًا يقاس عليه.
٦٦٢ - ووَصْفها بالبعثِ ما استُبينا ... منه سوى بعثِ المُكَلَّفينا
يعني أن وصف الأصوليين للعلة بالبعث أي تسميتهم لها باعثًا لم يظهر منه إلا أن معنى ذلك البعث أنها مشتملة على حِكمة تبعث المكلف على الامتثال، ولم يَسْتجيزوا أن يقال: إنها باعثة للشارع على تشريع الحكم؛ لأن أفعاله تعالى لا تُعَلَّل بالأغراض، وقائل هذا القول يرى أن كون أفعاله معللة يتضمن نقصًا؛ لأن الغرض كأنه تكميل لصاحب الغرض. والذي يظهر -واللَّه تعالى أعلم- أن أفعال اللَّه وتشريعه لم يخلُ شيءٌ منها عن حكمة بالغة لكن الحِكَم المشتملة عليها عللُ الشرع مصالُحها كلها راجعة إلى الخلق، واللَّه تعالى غنيٌّ بذاته الغنى المطلق عن كل شيء محتاج إليه كل شيء (١).
٦٦٣ - للدَّفع والرَّفْع أو الأَمرَيْنِ ... واجبةُ الظهورِ دونَ مَيْنِ
стр. 458
يعني أن الوصف المعلّلَ به قد يكون مانعًا لحكم آخر، وحينئذٍ فهو ثلاثة أقسام: دافع ورافع وهو مانع الدوام والابتداء. ودافع فقط وهو مانع الابتداء. ورافع فقط وهو مانع الدوام، وتقدمت أمثلتها عند قول المؤلف (١): "بمانع يمنع للدّوام" إلخ.
وقوله: "واجبة الظهور" يعني أن العلة يجب أن تكون ظاهرة كالإسكار والطَّعم، ولا يجوز كونها خفية كالرضى والغضب ونحو ذلك لأن الخفي لا يعرّف الخفي.
٦٦٤ - ومن شروطِ الوصفِ الانضباطُ ... إلّا فحكمةٌ بها يُناطُ
يعني أنه يشترط في الوصف المعلَّل به سواء كان حقيقيًّا أو لغويًّا أو شرعيًّا أو عرفيًّا أن يكون منضبطًا بأن لا يتخلّف بالنِّسَب والإضافات والكثرة والقلة لأن العلة تفيد الحكم كما تقدم في قوله: "والحكم ثابت بها"، وغير المنضبط لا يفيد القدر الذي علق به الحكم.
مثال غير المنضبط: المشقة في السفر والرضا في البيع عند من يقول: إنه لا ينعقد إلا بالصِّيَغ القولية. وقوله: "إلا فحكمة" إلخ يعني أن الوصف إذا لم يكن منضبطًا جاز التعليل بالحكمة . هذا مراد المؤلف.
قلت: الظاهر أن التعليل بالحكمة إنما يتأتَّى على القول المرجوح من الخلاف المشار إليه بقول المؤلف (٢):
стр. 459
وفي ثُبوتِ الحكم عند الانتفا ... للظنّ والنّفي خلافٌ عُرِفا
وقوله (١):
بالطرفين في الأصحِّ علَّلوا ... فقصرُ مُترفٍ عليه يُنقل
وإيضاحه: أن المشقة التي مَثَّلوا بها لغير المنضبط لمَّا لم تصلح للتعليل لم يعلل بالحكمة التي هي رفع المشقة إلا على القول المرجوح كما ذكرنا، لأن المسافر يقصر ولو لم تحصل له مشقة على المشهور، والمشهورُ في مثل هذا التعليلُ بالمظنة (٢).
٦٦٥ - وهي التي من أجلِها الوصفُ جرى ... عِلّةَ حُكْمٍ عند كلِّ من دَرَى
يعني أن الحكمة في اصطلاح أهل الأصول هي التي من أجلها صار الوصف علة، فهي إذًا عبارة عن جلب المصلحة أو تكميلها، أو دفع المفسدة أو تقليلها، فعِلَّةُ منع الخمر مثلًا الإسكار، والحكمة التي صار الإسكار من أجلها علة هي صيَانة العقل عن الذهاب، وقس على ذلك.
٦٦٦ - وهو للُّغةِ والحقيقه ... والشرعِ والعرفِ نَمَى الخليقَه
الضمير في قوله: "هو" عائد إلى الوصف المعلّل به، يعني أن الوصف المعلل به أربعة أقسام: لغوي، وحقيقي، وشرعي، وعرفي، وهذا مراده بقوله: "نمى الخليقة" أي نسب الناس المعلّلَ به إلى هذه الأقسام كما ذكرنا، أما الوصف اللغوي فقد تقدم الكلام عليه في قوله:
стр. 460
"هل تثبت اللغة بالقياس" (١) إلخ. والحقيقي في الاصطلاح هو: ما يتعقل في نفسه من غير توقف على عرف أو شرع أو لغة. ومثاله الإسكار، والطعم، والقتل عمدًا عدوانًا، ونحو ذلك. والشرعي كتعليل جواز رهن المشاع بجواز بيعه، وتعليل حياة الشَّعَر بحرمته بالطلاق وحليته بالنكاح. والعرفي كتعليل الكفاءة في الحسب بالشرف وعدمها فيه بالدناءة (٢).
٦٦٧ - وقد يُعلَّل بما تركَّبا ... وامنعْ لعلَّةٍ بما قد أذْهَبا
يعني أنه يجوز التعليل بالعلة المركبة عند أكثر الأصوليين كما قاله القرافي في "التنقيح" (٣)، ومثاله: القتل عمدًا عدوانًا لمكافئ غير والد (٤)، فإن مجموع هذه الأوصاف المذكورة علة للقصاص، وكالاقتيات والادِّخار وغلبة العيش فإن مجموعها علة لربا الفضل عند المالكية على خلافٍ في اعتبار غلبة العيش.
وقيل: لا يجوز التعليل بالعلة المركبة، وزعم قائل ذلك أنه يؤدي إلى المُحال، وإيضاحه عنده: أنه إذا انتفى جزءٌ من أجزاء المركبة انتفت عِلِّيَّتها، فلو انتفى جزء آخر لزم تحصيل الحاصل وهو محال، ومعناه عنده: أن انتفاء الجزء علة لعدم العلية.
وأُجِيب من قبل الجمهور بأن انتفاء الجزء ليس علة لعدم العلية بل