العِلَّة
وهي الركن الرابع من أركان القياس، وأصل العلة في اللغة: العَرَض المؤثر كعلة المريض، وربما تطلق على الداعي للأمر كقولك: عِلَّة محبتي لفلان علمه وتُقاه، وربما أُطلقت على ما يعوق دون الشيء كقول حِماس بن قيس (١):
إن يُقبلوا اليوم فما لي عِلّه ... هذا سلاحٌ كاملٌ وألَّه
وفي الاصطلاح عرفها المؤلف بقوله:
٦٦١ - معرّفُ الحكم بِوضعِ الشارعِ ... والحكمُ ثابتٌ بها فاتَّبِعِ
يعني أن العلة في الاصطلاح هي الوصف المعرِّف للحكم بوضع الشارع، كالإسكار فإنه كان موجودًا في الخمر ولم يدل وجوده على تحريمها حتى جعله صاحبُ الشرع علة في تحريمها.
وقوله: "والحكم ثابت بها" إلخ يعني أن حكم الأصل ثابت بالعلة لا بالنصِّ على ما صححه بعضُ المالكية والشافعية، خلافًا للحنفية القائلين: إن ثبوت الحكم بالنصّ لأنه المفيد له. وأجاب القائلون بأنه العلة بأن النصَّ لم يُفِد الحكم بقيد كون محله أصلًا يقاس عليه، والكلام في خصوص ذلك والمفيد له العلة إذ هي منشأ التعْدِية المحقِّقة للقياس.
стр. 457
وإيضاحه: أن العلة تعرف كون الحكم منوطًا بها حتى إذا وُجدت في محل آخر ثبت الحكم فيه أيضًا، والنص يعرّف الحكم دون نظرَ إلى ذلك فلَيْسا معرّفين لشيء واحد من جهة واحدة، وقال بعضهم: معناه أنه إذا لوحظ النصّ عُرف الحكم، ثم إذا لوحظت العلة حصل التفات جديد للحكم، ومعرفة كون محله أصلًا يقاس عليه، فمجموع ذلك مستفاد من العلة وهو مرادهم بأنها تفيد حكم الأصل بقيد كون محله أصلًا يقاس عليه.
٦٦٢ - ووَصْفها بالبعثِ ما استُبينا ... منه سوى بعثِ المُكَلَّفينا
يعني أن وصف الأصوليين للعلة بالبعث أي تسميتهم لها باعثًا لم يظهر منه إلا أن معنى ذلك البعث أنها مشتملة على حِكمة تبعث المكلف على الامتثال، ولم يَسْتجيزوا أن يقال: إنها باعثة للشارع على تشريع الحكم؛ لأن أفعاله تعالى لا تُعَلَّل بالأغراض، وقائل هذا القول يرى أن كون أفعاله معللة يتضمن نقصًا؛ لأن الغرض كأنه تكميل لصاحب الغرض. والذي يظهر -واللَّه تعالى أعلم- أن أفعال اللَّه وتشريعه لم يخلُ شيءٌ منها عن حكمة بالغة لكن الحِكَم المشتملة عليها عللُ الشرع مصالُحها كلها راجعة إلى الخلق، واللَّه تعالى غنيٌّ بذاته الغنى المطلق عن كل شيء محتاج إليه كل شيء (١).
٦٦٣ - للدَّفع والرَّفْع أو الأَمرَيْنِ ... واجبةُ الظهورِ دونَ مَيْنِ
стр. 458
يعني أن الوصف المعلّلَ به قد يكون مانعًا لحكم آخر، وحينئذٍ فهو ثلاثة أقسام: دافع ورافع وهو مانع الدوام والابتداء. ودافع فقط وهو مانع الابتداء. ورافع فقط وهو مانع الدوام، وتقدمت أمثلتها عند قول المؤلف (١): "بمانع يمنع للدّوام" إلخ.
وقوله: "واجبة الظهور" يعني أن العلة يجب أن تكون ظاهرة كالإسكار والطَّعم، ولا يجوز كونها خفية كالرضى والغضب ونحو ذلك لأن الخفي لا يعرّف الخفي.
٦٦٤ - ومن شروطِ الوصفِ الانضباطُ ... إلّا فحكمةٌ بها يُناطُ
يعني أنه يشترط في الوصف المعلَّل به سواء كان حقيقيًّا أو لغويًّا أو شرعيًّا أو عرفيًّا أن يكون منضبطًا بأن لا يتخلّف بالنِّسَب والإضافات والكثرة والقلة لأن العلة تفيد الحكم كما تقدم في قوله: "والحكم ثابت بها"، وغير المنضبط لا يفيد القدر الذي علق به الحكم.
مثال غير المنضبط: المشقة في السفر والرضا في البيع عند من يقول: إنه لا ينعقد إلا بالصِّيَغ القولية. وقوله: "إلا فحكمة" إلخ يعني أن الوصف إذا لم يكن منضبطًا جاز التعليل بالحكمة . هذا مراد المؤلف.
قلت: الظاهر أن التعليل بالحكمة إنما يتأتَّى على القول المرجوح من الخلاف المشار إليه بقول المؤلف (٢):
стр. 459
وفي ثُبوتِ الحكم عند الانتفا ... للظنّ والنّفي خلافٌ عُرِفا
وقوله (١):
بالطرفين في الأصحِّ علَّلوا ... فقصرُ مُترفٍ عليه يُنقل
وإيضاحه: أن المشقة التي مَثَّلوا بها لغير المنضبط لمَّا لم تصلح للتعليل لم يعلل بالحكمة التي هي رفع المشقة إلا على القول المرجوح كما ذكرنا، لأن المسافر يقصر ولو لم تحصل له مشقة على المشهور، والمشهورُ في مثل هذا التعليلُ بالمظنة (٢).
٦٦٥ - وهي التي من أجلِها الوصفُ جرى ... عِلّةَ حُكْمٍ عند كلِّ من دَرَى
يعني أن الحكمة في اصطلاح أهل الأصول هي التي من أجلها صار الوصف علة، فهي إذًا عبارة عن جلب المصلحة أو تكميلها، أو دفع المفسدة أو تقليلها، فعِلَّةُ منع الخمر مثلًا الإسكار، والحكمة التي صار الإسكار من أجلها علة هي صيَانة العقل عن الذهاب، وقس على ذلك.
٦٦٦ - وهو للُّغةِ والحقيقه ... والشرعِ والعرفِ نَمَى الخليقَه
الضمير في قوله: "هو" عائد إلى الوصف المعلّل به، يعني أن الوصف المعلل به أربعة أقسام: لغوي، وحقيقي، وشرعي، وعرفي، وهذا مراده بقوله: "نمى الخليقة" أي نسب الناس المعلّلَ به إلى هذه الأقسام كما ذكرنا، أما الوصف اللغوي فقد تقدم الكلام عليه في قوله:
стр. 460
"هل تثبت اللغة بالقياس" (١) إلخ. والحقيقي في الاصطلاح هو: ما يتعقل في نفسه من غير توقف على عرف أو شرع أو لغة. ومثاله الإسكار، والطعم، والقتل عمدًا عدوانًا، ونحو ذلك. والشرعي كتعليل جواز رهن المشاع بجواز بيعه، وتعليل حياة الشَّعَر بحرمته بالطلاق وحليته بالنكاح. والعرفي كتعليل الكفاءة في الحسب بالشرف وعدمها فيه بالدناءة (٢).
٦٦٧ - وقد يُعلَّل بما تركَّبا ... وامنعْ لعلَّةٍ بما قد أذْهَبا
يعني أنه يجوز التعليل بالعلة المركبة عند أكثر الأصوليين كما قاله القرافي في "التنقيح" (٣)، ومثاله: القتل عمدًا عدوانًا لمكافئ غير والد (٤)، فإن مجموع هذه الأوصاف المذكورة علة للقصاص، وكالاقتيات والادِّخار وغلبة العيش فإن مجموعها علة لربا الفضل عند المالكية على خلافٍ في اعتبار غلبة العيش.
وقيل: لا يجوز التعليل بالعلة المركبة، وزعم قائل ذلك أنه يؤدي إلى المُحال، وإيضاحه عنده: أنه إذا انتفى جزءٌ من أجزاء المركبة انتفت عِلِّيَّتها، فلو انتفى جزء آخر لزم تحصيل الحاصل وهو محال، ومعناه عنده: أن انتفاء الجزء علة لعدم العلية.
وأُجِيب من قبل الجمهور بأن انتفاء الجزء ليس علة لعدم العلية بل
стр. 461
هو من قبيل انتفاء الشرط، فعدم العلية لانتفاء شرط وجودها لا لوجود علة عدمها.
وقوله: "وامنع لعلة" إلخ يعني أن مانع العلة يُشترط في كونه مانعًا لها أن يُذْهِب حِكْمَتها أي يبطلها، وقد عرفتَ مما سبق أن المانع لابد أن يكون وصفًا وجوديًّا.
مثال المانع المبطل لحكمة العلة: الدَّيْن، على القول بأنه مانع من وجوب الزكاة، فإن الحكمة في السبب المعبَّر عنه بالعلة -أعني الغنى بملك النصاب- مواساة الفقراء من فضل مال الأغنياء وليس مع الدَّيْن فضل يواسي به. وقوله: "أذْهَب" مفعوله محذوف أيْ أَذْهَبَ حِكْمَتَها.
٦٦٨ - والخُلْفُ في التعليل بالذي عُدِم ... لما ثبوتيًّا كنسبيٍّ عُلِم
يعني أنه اخْتُلف في تعليل الحكم الثبوتي -أي الوجودي- بالوصف العَدَمي أو الوصف الإضافي، فاللَّام في قوله: "لما" متعلقة بالتعليل، و"ما" موصولة وصلتها جملة "عُلِم". و"ثبوتيًّا" مفعول "عُلِم" الثاني مقدَّمٌ عليه، ومفعوله الأول الضمير المستتر النائب عن الفاعل. وتقرير المعنى: والخلف في التعليل بالذي عُدِم -أي بالوصف المعدوم- للذي عُلم ثبوتيًّا.
وحاصلُ تقرير (١) هذا المقام: أن الأحوال أربعة؛ لأن الوصف المعلَّلَ به إما وجوديّ أو عدميّ، والحكم المعلل كذلك، فنضرب حالتَي العلة في حالتَي الحكم بأربع:
стр. 462
الأولى: تعليل وجوديّ بوجوديّ، كتعليل حرمة الخمر بالإسكار.
الثانية: تعليل عدميّ بعدميّ، كتعليل عدم نفوذ التصرف بعدم البلوغ أو الرشد.
الثالثة: تعليل عدميِّ بوجوديِّ، كتعليل عدم قبول الشهادة بالفسق. وهذه الثلاث لا خلاف فيها ولا يقصدها المؤلف.
الرابعة: -هي محل الخلاف، وهي مراد المؤلف بالبيت- وهي تعليل الوجودي بالعدمّي، فالأكثرون على الجواز. واستدلوا بصحة قولك: "ضربتُ العبد لعدم امتثاله". وأجاب المانعون بأن التعليل في ذلك بالكف عن الامتثال، والكفّ أمر وجوديّ كما تقدم في قوله: "والكفُّ فِعْل في صحيح المذهب" (١).
واعلم أن العدميَّ عند الفقهاء هو ما كان العدم داخلًا في مفهومه كعدم كذا أو انتفاء كذا أو سلب كذا، والوجوديّ عندهم ما ليس العدم داخلًا في مفهومه، والتحقيق جواز تعليل الوجوديّ بالعدميّ إذ لا مانع من كون عدم أمرٍ علةٌ لوجود أمر آخر (٢).
وما احتجَّ به المانعون من أن العدميّ أخفى [من الثبوتي] (٣) وشَرْط العلة الظهور -كما تقدم- لا دليل فيه، لأن العدميَّ يكون ظاهرا ظهورًا لا
стр. 463
خفاء معه، ويدل على ذلك الإجماع على تعليل العدميّ بالعدميّ، فلو كان العدمي غير ظاهر لما جاز التعليل به أصلًا.
وقول المؤلف: "كنسبيٍّ" يعني بالنسبي الصفة الإضافية، ومعنى الصفة الإضافية: هي الصفة التي لا تُعْقَل حقيقتها إلا بإضافة أمر لآخر ينافيه منافاة تامة بحيث يستحيل اجتماع الوصفين في شيء واحد في وقت واحد، كما أنه يستحيل إدراك أحدهما إلا بإضافة الآخر إليه: كالأبوة والبنوة، والقَبْلِ والبَعْدِ، والفَوق والتَّحْت، ونحو ذلك، فالذات الواحدة مثلًا يستحيل أن تكون أبًا لشخص وابنًا لذلك الشخص بعينه، كما يستحيل اجتماع البياض والسواد، مع أن الأبوة والبنوة لم يُدْرَك معنى أحدهما إلا بإضافة الأخرى إليها وقس على ذلك.
والكاف في قول المؤلف: "كنسبيٍّ" أداة تشبيه له بالعدميّ، فظاهر المؤلف أن الصفات الإضافية عدمية، وكونها عدمية هو مذهب المتكلمين، أما الفقهاء والمناطقة (١) فهي وجودية عندهم، وقال بعض [المحققين] (٢): أما باعتبار الوجود الذهنيّ فهي وجودية، وباعتبار الوجود الخارجي فهي عدمية. إذا عرفتَ الخلافَ فيها فاعلم أنها على القول بوجودها يجوز التعليل بها مطلقًا، وعلى القول بعدمها يجوز تعليل العدم بها بلا خلاف، كتعليل عدم القصاص بالأبوة. وفي تعليل الوجودي بها على هذا القول الخلاف في تعليل الوجودي بالعدمي المذكور في البيت.
стр. 464
تنبيهان (١)
الأول: إذا كان للمعنى [الواحد] عبارتان إحداهما نفي والأخرى إثبات ، فإذا عبر بالإثبات جاز تعليل الثبوتي به، وإذا عبر بالنفي جَرَى على الخلاف، كالكفر -مثلًا- فإنه يُعَبَّر عنه بالكفر وبعدم الإسلام، فإذا عللتَ به جوازَ القتل -مثلًا- قلت: يقتل الكافر لكفره أو لعدم إسلامه، وكقولك: يُحجر على المجنون لجنونه أو لعدم عقله.
الثاني: إذا كانت العلة مركبة من جزأين أحدهما وجودي والآخر عدمي، كتعليل [الشافعية] وجوب الدية المغلَّظة في شِبْه العمد بأنه قتلٌ بفعل مقصود لا يَقْتُل غالبًا فإنها تجري على الخلاف نظرًا إلى الجزء العدمي.
٦٦٩ - لم تُلْفَ في المعلَّلات عِلَّه ... خاليةٌ من حكمةٍ في الجُمْله
٦٧٠ - ورُبَّما يُعْوِزُنا اطِّلاعُ ... لكنَّه ليسَ به امتناعُ
يعني أن الأحكام الشرعية المعلّلة لا تخلو علةٌ من عللها ولو غير متعدية عن حِكْمة في الجملة ولا يضرُّ تخلُّفها في بعض الجزئيات في المعلّلات بالمظان، كقصر المسافر الذي لم تُصبه مشقة في سفره. وقوله: "في المعلّلات" يُحترز به عن التَّعبديات، فيجوز عنده أن تتجرد عن حِكَم المصالح ودرء المفاسد بناءً على أن مصلحة الثواب ودرء مفسدة العصيان كافية في الحكمة في إناطة الأحكام بها.
стр. 465
قلت: والظاهر عندي أن التعبديات -أيضًا- لا تخلو من حِكَم تحصل بالامتثال زائدة على ما ذكر من تحصيل الثواب ودرء مفسدة العقاب، ومما يدلُّ على ذلك أن أشد التعبديات توغُّلا في التعبد الصلاة، وقد نصَّ تعالى على أن لها حكَمًا غير الثواب عليها في الآخرة كقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت/ ٤٥]، وقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة/ ٤٥].
وقول المؤلف: "وربما يعوزنا" إلخ، يعني أن كون العلة لا تخلو عن حكمة في الجملة لا يلزم منه اطلاعنا على كل حكمة، لكنَّ عدم اطلاعنا لا يلزم منه منع التعليل بتلك العلة التي لم تظهر حكمتها، كتعليل المالكية منع ربا الفضل بالاقتيات والادِّخار، وتعليل الشافعية له بالطَّعم، والحنفية والحنابلة بالكيل، فكل هذه العلل لم نعرف حِكْمَتها، وعدم معرفة حكمتها ليس مانعًا من التعليل بها، وهو مراده بقوله: "لكنه ليس به امتناع"، ومعنى قول: "يُعْوِزُنا اطلاع" أي لم نطلع عليها، من عازه الأمر إذا لم يقدر على تحصيله.
٦٧١ - وفي ثبوت الحكمِ عند الانتفا ... للظنِّ والنفي خِلافٌ عُرِفًا
يعني أنهم اختلفوا إذا قُطِع بانتفاء الحكمة في صورة هل يثبت الحكم فيها مع تخلف الحكمة إناطةً للحكم بمظنة الحكمة أو لا يثبت الحكم؟ إذ لا عبرة بالمظنة مع تحقق انتفاء الحكمة، والفروعُ المبنية على هذه القاعدة يرجّح فيها ثبوت الحِكَم نظرًا للمظنة، كقَصْر المسافر الذي لم تصبه مشقة، وكاسْتِبراء [الصغيرة] التي لا يحمل مثلها عادة؛ لأن
стр. 466
حِكْمة الاستبراء الدلالة على براءة الرحم، وذلك متحقق في الصغيرة بدون استبراء، وكشرع الاستنجاء من حصاة، والغُسْل من وضع الولد جافًا وغير ذلك.
وفي "الشرح" (١) للمؤلف هنا سهو أو تحريف مطبعي، وقول المؤلف: "خلاف" مبتدأ خبره "في ثبوت"، و"النفي" بالخفض عطف على "ثبوت". وقوله: "للظن" أي ثبوت الحكم لمظنة الحِكْمة في الجملة وإن قُطِع بنفيها في مسألة معينة.
٦٧٢ - وعلَّلوا بما خَلَتْ من تَعْدِيه ... ليُعلمَ امتناعُه والتقويَه
يعني أن الأصوليين من مالكية وشافعية وحنابلة جَوَّزوا التعليل بالعلة التي لا تتعدَّى محل النص، وهي المعروفة بالقاصرة، ومنعَ التعليل بها أكثرُ فقهاء العراق كما نقله عنهم القاضي عبد الوهاب، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى منع المستنبطة منها دون المنصوصة والمجمع عليها، فظهر أن التعدية ليست شرطًا في صحة التَّعليل عند الجمهور، وإنما هي شرط في صحة القياس كما تقدم في قوله: "أو التعدِّي فيه ليس يحصلُ" (٢).
وستأتي أمثلة العلة القاصرة في البيت بعد هذا، والمانعون للقاصرة احتجُّوا بعدم فائدتها لأن فائدة التعليل التعدية للفرع، فبيَّنَ المؤلف
стр. 467
فائدتين من فوائدها (١):
الأولى: علم امتناع القياس على محل معلولها حيث يشتمل على وصف آخر متعدٍّ، وهذا مراده بقوله: "ليعلم امتناعه". وإيضاحُه: أن الوصفَ المتعدِّي في معلولها يعارض بها فيتوقف عن القياس لأجل تلك المعارضة، إذ يجوز أن تكون العلة مركبة من كلا الوصفين وحينئذ فلا تعدية؛ لأن المركبَ من متعدٍّ وغيرِ متعدٍّ غيرُ متعدٍّ، إذ لا يوجد في الفرع إلا بعض العلة الذي هو جزؤها المتعدِّي والعلة يُشترط وجودها في الفرع بتمامها، كما تقدم في قوله: "وجود جامع به متمَّمًا شرطٌ" (٢).
فإن قلت: يجوز أن يكون الوصف القاصر والمتعدي كل واحد منهما علة مستقلة.
قلنا: تسقط العلية بالاحتمال.
فإن قيل: التعدية كافية في ترجيح استقلال المتعدي على كونه جزءًا.
قلنا: هو هنا معارَض بمرجح آخر لكونه جزءًا، وذلك المرجِّح هو أن اجتماع علتين خلاف الغالب، وموافقة الغالب من المرجِّحات، فيعارض الترجيح بالترجيح فيلزم التوقف عن القياس كما قال المؤلف.
ومثال ما ذكرنا: تعليل طهورية الماء بالرِّقة واللطافة ولا يوجد ما يماثل الماء فيها حتى يتعدَّى ذلك الوصف إليه، فهذه علة قاصرة على الماء. فلو عللها مستدلٌّ آخرُ بالإزالة لكل ما يُستقذر، وهذا الوصف متعدٍّ
стр. 468
لغير الماء من المائعات، فإنه لا يجوز الإلحاق بهذا الوصف المتعدِّي لاحتمال عدم استقلاله بالعلية، إذ يحتمل أن تكون العلة مركبة منه ومن الوصف القاصر كما تقدم.
والفائدة الثانية: هي تقوية النصِّ الدّالِّ على معلولها لأن التعليل كنصٍّ آخر كما تقدم في قوله: "والحكم ثابت بها"، فإذا كان النصُّ ظاهرًا قابلًا للتأويل تقوَّى بالعلة وامتنع تأويله، وإذا كان نصًّا قطعيًّا تقوَّى أيضًا بها لما تقدم من أن اليقين يتفاوت على التحقيق، وهذا مراده بقوله: "والتقوية".
٦٧٣ - مِنها محلُّ الحكم أو جزءٌ وزِدْ ... وصفًا إذا كل لزوميًّا يرِدْ
ذكر في هذا البيت ثلاثَ صور من صور العلة القاصرة:
الأولى: أن تكون العلة القاصرة محلَّ الحكم، كتعليل الربا في الذهب والفضة بالذهبية أو الفضية، وهذا معنى قوله: "منها محل الحكم".
الثانية: أن تكون جزءَ محلِّ الحكم الخاصِّ به دون غيره، كتعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج منهما، فالخروج جزء معنى الخارج إذ معناه ذات متصفة بالخروج كما تقدم إيضاحه في شرحنا لقول المؤلف: "وإن يكن لمبهم فقد عُهِدْ" (١) إلخ.
الثالثة: وصف محل الحكم الخاص به أيضًا، كتعليل الربا في الذهب والفضة بكونهما أثمانَ الألثمياء، لأن ذلك وصف لازم لهما في غالب أقطار الدنيا.
стр. 469
وهاتان الصُّورتان هما مراد المؤلف بقوله: أو جزء وزد وصفًا" إلخ. ومفهوم قوله: "إذا كلٌّ لزوميًّا يرد" أن جزء محل الحكم إذا كان غير خاصٍّ به لا يكون من صور القاصرة إذ لا يلزم نفي تعدِّيْه، كتعليل الحنفية نقض الوضوء في الخارج من السَّبيلين بخروج النجس من البدن المتعدِّي إلى نحو الفَصْد وغيره، فالخروج من البدن جزء معنى الخارج لكنه غير خاص بالخارج من السبيلين لِصْدقه على غير الخارج منهما كالدم الخارج من أجل الفَصْد، وكذلك وصف محل الحكم إذا كان غير خاصٍّ به فإنه ليس من صور القاصرة، كالإسكار الذي هو وصف الخمر، وهي محل الحكم الذي هو التحريم لكنه غيرُ خاصٍّ به.
وقول المؤلف: "إذا كُلٌّ" فاعل فِعل محذوف يفسره ما بعده، أي إذا يردُ كُلٌّ من الجزء والوصف حال كونه لزوميًّا أي مختصًّا بمحلِّ الحكم فيهما، وإنما وجب تقدير الفعل لأن "إذا" لا تُضاف إلا إلى الجمل الفعلية.
٦٧٤ - وجاز بالمشْتَقِّ دون اللَّقبِ ... وإن يكنْ من صفةٍ فقد أُبِي
ضمير الفاعل في قوله: "جاز" عائد إلى التعليل الذي الكلام فيه، يعني أنه يجوز التعليل بالمشتق، ومراده بالمشتق خصوص المشتق من الفعل اللغوي، أعني المصدر الذي هو حَدَث متجددٌ باختيار الفاعل خاصة، كالضارب المشتق من الضرب، والقاتل المشتق من القتل، والسارق المشتق من السرقة، كقولك: "اقطعه لأنه سارق" و"اضربه لأنه ضارب" وهكذا.
وقوله: "دون اللقب" أي فلا يجوز التعليل به وهو العَلَم بأقسامه،
стр. 470
واسم الجنس الجامد، واسم الجمع كـ "قوم ورهط".
فإن قيل: تقدم في قول المؤلف: "منها محل الحكم" جواز تعليل الربا في الذهب بكونه ذهبًا، والذهب اسم جنس جامد فهو لقب.
فالجواب: أن اللّقب يُنْظر إليه باعتبارين، فإن اعْتُبِر اشتماله على معنًى مناسب جاز التعليل به، كتعليل الربا في الذهب بكونه ذهبًا، لأن هذا اللّقب يشتمل على معنى مناسب هو كون النقد أثمان الأشياء في أقطار الدنيا. وإن اعْتُبر في اللقب مجرد التسمية دون مناسبة فهو اللَّقب الذي لا يصحُّ التعليل به كما لو عُلِّلَ تحريم الخمر بمجرد تسمية العرب له خمرًا من غير ملاحظة معنى الإسكار؛ لأن مجرد الأسماء طَرْدية لا تُناط بها الأحكام، وهذا معنى قول المؤلف: "دون اللَّقب".
وقوله: "وإن يكن من صفةٍ" أي: وإن كان الوصفُ مشتقًّا "من صفةٍ فقد أُبي" أي مُنِع التعليل به، ومراده بالصفة المصدر القائم بالذات من غير اختيارها كالبياض والسواد، فالأوصاف القائمة بالذات (١) لا يصلح المشتق منها للتعليل بناءً على منع قياس الشبه، وسيأتي تحقيق الكلام على ذلك في المسلك السادس (٢) إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: "أُبي" فعل ماض مبني للمجهول.
٦٧٥ - وعلّةٌ منصوصةٌ تعَدَّدُ ... في ذاتِ الاستنباطِ خلْفٌ يُعْهدُ
يعني أنه يجوز أن يكون لحكم واحد علتان فأكثر عند الجمهور وهو
стр. 471
الحق، سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة متعاقبة أو على المعية وهذا مذهب مالك (١). ودليل جوازِه وقوعُه كوجوب الوضوء فإن له عِلَلًا كثيرة كالبول والغائط والمذي، وكوجوب الغُسل يُعَلل بالجماع والإنزال وانقطاع دم الحيض، وكالصوم والإحرام والاستبراء والحيض فإنها علل لمنع الوطء.
وقول المؤلف: "في ذات الاستنباط خُلْفٌ" هل يجوز تعددها أو لا؟ كما أن في المنصوصة خلافًا أيضًا، وممَّن منعه فيها إمامُ الحرمين (٢) والسبكيُّ في "جمع الجوامع" (٣).
والتحقيقُ الجواز، وما استدل به ابنُ السُّبكي للمنع من أنه يؤدي لجمع النقيضين = لا يتجه إلا في العلل العقلية، أما في الشرعية فلا يلزم من تعليل الحكم بعلتين أيُّ محذور؛ لأن إناطة الأحكام بها بوضع الشرع كما تقدم في قول المؤلف: "معرف الحكم بوضع الشارع" (٤)، ولا محذور في تعدُّده كما هو مشاهد في الأمثلة المتقدمة، وستأتي أمثلة المنصوصة في مسلك النصِّ إن شاء اللَّه تعالى، وأمثلة المستنبطة في المسالك الأُخرِ.
٦٧٦ - وذاكَ في الحُكم الكثيرُ أطْلَقَه ... كالقَطْع مع غُرْمِ نِصابِ السَّرقه
стр. 472
"ذاك" إشارة إلى التعدد يعني أن تعدد الحكم لعلة واحدة أطلق جوازَهُ الكثيرُ منهم بل الأكثر، ومثَّل له المؤلف في الوجوديّ بقوله: "كالقطع مع غُرْم نصاب السَّرقه" فالسرقة علة واحدة ثبت بها حكمان، هما: قطع اليد، وغُرم المسروق. ومثاله في الحكم العَدَميِّ: الحيض، فإنه علة واحدة يثبت بها عدم وجوب الصوم والصلاة.
٦٧٧ - وقد تخَصِّصُ وقد تُعَمَّمُ ... لأصلِها لكنَّها لا تخْرِمُ
اللَّام في قوله: "لأصلها" زائدة داخلة على المفعول المتنازع فيه الفعلان قبله، يعني أن العلة يجوز أن تخصِّصَ أصلَها الذي استُنْبطت منه وتُعمِّمه على الظاهر من مذهب مالك.
مثال تخصيصها لأصلها: تخصيص عموم ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء/ ٤٣] بما توجد فيه اللذة عادة، ولذا لم ينقض عند مالك مَسُّ المَحْرَمِ؛ لأن علة نقض الوضوء من اللَّمْس الالتذاذُ، وهو لا يكون من المحارم غالبًا فخصَّصَت العلة أصلَها الذي اسْتُنبطت منه.
ومثال تعميمها لأصلها قوله ﷺ في حديث أبي بَكْرَةَ: "لا يقضينَّ حَكَم بين اثنين وهو غضبان" (١) فالعلة هنا هي ما اشتمل عليه الغضب من تشويش الفكر، فيلزم منع القضاء بكل مشوِّش كالحقن والحقب، والحزن والسرور المُفْرِطَيْن، فعمَّمتِ العلةُ أصلها، وأشار إلى هذا في
стр. 473
"المختصر" (١) بقوله: "ولا يحكم مع ما يُدْهشُ عن الفكر".
وقوله: "لكنها لا تخرم" يعني أنه يشترط في صحة الإلحاق بالعلة أن لا تخرم أي تبطل أصلها الذي استنبطت منه، لأنها إن أبطلته بطلت هي لكونه أصلها.
ومثاله: "تعليل الحنفية وجوب الشاة في الزكاة بدفع حاجة الفقير"، فأجازوا إخراج قيمة الشاة لأن إجزاء القيمة مُفْضٍ إلى عدم وجوب الشاة، وإذا ارتفع وجوب الشاة ارتفع أصلُ العلة الذي اسْتُنبطت منه وهو قوله ﷺ : "أربعين شاةً شاةٌ" (٢). والمقصود المثال، لأن الحنفية أجابوا عن هذا بأنه ليس إبطالًا لأنهم لم يقولوا برفع الوجوب بل هو توسيع للوجوب وتعميم له.
٦٧٨ - وشرطُها التعيينُ. . . . . ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن العلة يُشترط فيها أن تكون متعينة، فلا يصح الإلحاق بوصف غير معين كما هو مذهب الجمهور، لأن العلة منشأ التعدية المحققة للقياس الذي هو الدليل، والدليل لابد أن يكون معينًا فكذا منشأ المحقق له، وقيل: لا يشترط التعيين اكتفاءً بعلية وصف مبهم بين أمرين أو أكثر مشترك بين المقيس والمقيس عليه، كما لو قلت: الطعام الربويُّ يشتمل على أوصافٍ كالطَّعم، والكيل، والاقتيات، والادِّخار مثلًا، فالعلة لابد أن تكون أحد هذه الأوصاف وإن لم نُعينه، فإذا وُجِدت هذه الأوصاف في شيء آخر
стр. 474
علمنا وجود تلك العلة المبهمة فيه فيصح الإلحاق كما عليه الشافعية، لكن بشرط أن تثبت عِلِّيَّةُ كل واحد منها بانفراده، كقولهم: مَن مسَّ من الخنثى أحدَ فرجيه انتقض وضوءه، لأنه بتقدير أنه ذَكَر فهو ماسٌّ فرجَ آدميّ وذلك ناقض عندهم، وبتقدير أنه أنثى فهو لامس أنثى غير مَحْرَمٍ وذلك ناقض أيضًا عندهم.
. . . . . . . . . والتقدير ... لها جوازُه هو التحريرُ
يعني أن جواز كون العلة وصفًا مقدرًا هو التحرير أي التحقيق كما حققه القرافي وغيره. مثاله: قولهم: "الملك معنى شرعي مقدَّر في المحل" هو علة في إطلاق التصرف في الشيء المملوك، خلافًا للفخر الرازي (١) المانع من ذلك القائل بأنه لا يتصور في الشرع، والتحقيقُ تصوره ووقوعه كما رأيت، بل قال القرافي (٢): لا يخلو منه باب من أبواب الفقه، وهو كذلك.
٦٧٩ - ومقتضي الحكم وجودُه وجَبْ ... متى يكُنْ وجودُ مانعٍ سببْ
٦٨٠ - إذا انتفاءَ شرطٍ كانا ... وفخرُهُم خلافُ ذا أبانا
يعني أنه إذا كان وجودُ المانع وانتفاء الشرط سببًا، أي علة لانتفاء الحكم، لابد عند الجمهور من ثبوت المقتضي أعني العلة، إذ لو كانت العلة منتفية لكان انتفاء الحكم لانتفائها لا لانتفاء الشرط أو وجود المانع،
стр. 475
فلا يمكن عند الجمهور أن تقول: الأجنبيُّ لا يرث لأنه عبد، والرق مانع من الميراث لعدم وجود علة الميراث. ولا يجوز أن تقول: الدَّيْن مانع وجوب الزكاة على الفقير؛ لأن علة وجوب الزكاة لم توجد.
ومثاله في الشرط: أنه لا يجوز أن تقول: لا زكاة على الفقير لأن الشرط الذي هو تمام الحول منتفٍ، ولا رَجْم على من لم يزن لأف غيرُ محْصَن.
وقوله: "وفخرهم" إلخ، يعني أن الفخر الرازي "أبان" أي أظهر خلافَ ذلك بأن قال: لا يلزم وجودُ المقتضي في ذلك (١)، واختاره ابن الحاجب (٢)، وأجاب (٣) بأنه يجوز أن يكون انتفاء الحكم لانتفاء الشرط مثلًا وانتفاءِ العلة بناءً على جواز دليلين على مدلول واحد. والأظهر مذهب الجمهور، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: "لا يبصرُ الأعمى زيدًا لأن بينهما جدارًا" لأنه لا يبصره ولو كان بجنبه، والألف في "كانا" و"أبانا" للإطلاق.
* * *
стр. 476
مَسَالك العِلَّة
المسالك جمع مَسْلك، وهو في اللغة مكان السُّلوك أي المرور، وفي الاصطلاح عرفه المؤلف بقوله:
٦٨١ - ومسلكُ العِلّةِ ما دلَّ على ... عِلِّيَّة الشيء متى ما حَصَلا
يعني أن مسلك العلة في الاصطلاح هو: ما دلَّ على كون هذا الشيء علة لهذا الحكم حيثما كان هذا الشيء بناءً على اشتراط الاطراد في العلة، وسيأتي تحقيقه إن شاء اللَّه في أول القوادح في الكلام على النقض، قال المؤلف في "الشرح" (١): "ويصح أن يكن قوله: "متى ما حصلا" قيدًا في المسلك، والمعنى أن مسلك العلة حيثما كان هو ما يدل على كون الشيء علة لا ما لا يدل".
٦٨٢ - الاجماعُ فالنصُّ الصريحُ مِثْلُ ... لعلَّةٍ فسببٍ فَيَتْلو
٦٨٣ - من أجلِ ذا فنحو كَي إذًا. . . ... . . . . . . . . . .
هذا شروع من المصنف في بيان المسالك، فقوله: "الإجماع" يعني أن من مسالك العلة الإجماعَ على أن الوصفَ الفلانيَّ هو العلة كالإجماع على أن العلة في حديث "الصحيحين": "لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو غضبان" (٢) تشويش الغضب للفكر لأنه يؤدي إلى الميل عن الحق، ولما كان مدارُ النهي على تشويش الفكر علمنا أن الغضب اليسير
стр. 477
الذي لا يشوش لا يمنع من القضاء، وأن التشويش بغير الغضب مانع من القضاء أيضًا كما تقدَّم في شرح قوله: "وقد تُخصِّصُ وقد تُعمِّمُ" (١).
وقوله: "فالنصُّ الصريح" يعني أن المسلك الثاني هو النَّصُّ ، وظاهر كلامه أن النصَّ بعد الإجماع، لأن العطف بالفاء أو بثُمَّ فيه إشارة إلى أن ما بعده دون ما قبله في القوة فيقدم عليه عند التعارضِ.
ثم مثَّل للنصّ الصريح في العلة بقوله: "مثل لعلة فسببٍ" فأقوى صُوَره: "افعل كذا لعلة كذا" فيلي ذلك: "افعله لسبب كذا"، وأسقط بعضُ الأصوليين هذين المثالين إذ لا يكادان يُوجدَانِ في الكتاب والسنة. فيلي ما ذكر: "مِن أجل ذا" كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة/ ٣٢]. وفي مرتبته: "لأجل ذا" كحديث: "إنما جُعِل الاستئذان لأجل البصر" (٢)، وهذا ماده بقوله: "فيتلو من أجل ذا".
فيلي ما ذكر نحو: "كيْ" و"إذًا" وهما في مرتبة واحدة، كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر/ ٧]، وقوله: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ [الإسراء/ ٧٥].
فإن قيل: كيف عدّ المؤلف "كيْ" من الصريح في التعليل مع أنها تكون مصدرية، والمحتمل لغير التعليل ليس صريحًا في التعليل به.
стр. 478
قلنا: أجاب بعضهم عن هذا بأن "كيْ" المصدرية تلزمها لام التعليل ظاهرة أَو مقدرة فهي مؤكدة للام التعليل، فلم تخرج عن كونها للتعليل با لأصالة أو بالتوكيد، وفي الحقيقة مدخول "كي" الذي هو الفعل باعتبار ما تضمنته من المصدرية منتفيًا أو مثبتًا هو العلة.
قلت: الظاهر عندي ما قاله زكريا الأنصاري (١) من أن محل كونها للتعليل إذا لم تكن مصدرية، وعليه فعدها من الصريح فيه ما فيه.
. . . . . . . . . . . . فما ... ظهرَ لامٌ ثمَّتَ البا عُلِمَا
٦٨٤ - فالفاءُ للشارع فالفقيهِ ... فغيرِه يُتْبعُ بالشبيهِ
يعني أن النصَّ غير الصريح وهو النصُّ الظاهر يلي النصَّ الصريح، فقوله: "فما ظهر" يعني فيلي النصَّ الصريح ما ظهر، أي النصُّ الظاهر، ثم ذكر صِيَغَه بقوله: "لامٌ" "فما" الموصولة مبتدأ "وظهر" صلتها، و"لام" خبر المبتدأ، يعني أن النصَّ الظاهر أي غير الصريح أقوى مراتبه "اللّامُ" كقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم/ ١]. واللّام المقدرة كالمذكورة نحوُ: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ [القلم] أي لأن كان، ويطَّرِد جواز حدفِ لام التعليل قبل أنْ وأنّ المصدريتين كما أشار له في "الخلاصة" بقوله:
نقلًا وفي أنَّ وأنْ يطَّرِدُ ... معْ أمْنِ لبسٍ كعجبتُ أن يَدُوا
ثم يلي "اللّامَ" في الظهور "الباءُ" كقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا
стр. 479
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء/ ١٦٠] وهو مراده بقوله: "ثمّت البا"، ثم تلي "الباءَ" "الفاءُ"، وتُقدَّم في كلام الشارع من كتاب أو سنة سواء كان في الحكم كقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة/ ٣٨]، أو في الوصف المعلّلِ به كقوله ﷺ في المحرم الذي وقَصَتْهُ دابته فمات: "لا تُمِسُّوه طيبًا ولا تخمِّروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" (١).
فيلي ما ذكر "الفاء" في كلام الراوي الفقيه كقول عمران بن حصين ﵁: "سهى ﷺ فسجد" (٢). فيليه "الفاء" في كلام الراوي غير الفقيه.
وقوله: "يتبع بالشبيه" يعني أنه يتبع ذلك المذكور بكل ما يشابهه في كونه ظاهرًا في العلة نحوُ: "إنْ"، و"إذْ" ونحوِ ذلك، كقوله: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ﴾ [نوح/ ٢٦ - ٢٧]، وكقولك: "اضرب العبدَ إذْ أساء"، وقوله: "يُتبع" مبني للمفعول، وقوله: "فالفاءُ" بالرفع
стр. 480
عطفًا على الضمير المرفوع في قوله: "عُلِم" من غير فاصل على حدِّ قوله:
قلت إذا أقبلت وزهرٌ تهادى ... كنعاج الغلا تعسَّفْن رمْلًا (١)
٦٨٥ - والثالثُ الإيما اقْتِرانُ الوصفِ ... بالحُكم ملفوظيْن دونَ خلْفِ
٦٨٦ - وذلكَ الوصفُ أو النظيرُ ... قِرانُه لغيرها يَضيرُ
يعني أن المسلك الثالث من مسالك العلة هو الإيماء، وعرَّف الإيماءَ بأنه اقتران الوصف أو نظيرِه بالحكم أو نظيره على وجهٍ لو لم يكن الوصف أو نظيره فيه علة للحكم أو نظيره لكان ذلك مُخِلًّا بالفصاحة، وإخلالُه بالفصاحة هو مراده بقوله: "قرانه لغيرها يضير". وأمثلة اقتران الوصف بالحكم ستأتي في الأبيات التي بعد هذا.
ومثال اقتران نظير الحكم بنظير الوصف: حديث ابن عباس عند البخاري (٢) والنسائي (٣) أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه إن أمِّي ماتت وعليها نذر حج أفأحج عنها؟ قال: "أرأيتِ لو كان على أُمِّك دينٌ أكنت قاضيته"؟ قالت: نعم، قال: "فحُجِّي عن أمك فاللَّه أحق بالقضاء". فالمرأةُ سألت عن دَين اللَّه على الميت فذكر لها رسول اللَّه نظيرَ الحكم المسؤول عنه مقترنًا بنظير علة المسؤول عنه، فلو لم يكن جواز القضاء فيهما لكون الدَّين علة له لكان بعيدًا.
فالنبيُّ ﷺ في هذا الحديث نَبَّه على كون نظير الوصف علة لنظير
стр. 481
الحكم، كما نبه على أركان القياس الأربعة؛ فالأصلُ دَين العباد، والفرعُ دَين اللَّه تعالى، والحُكْم جواز القضاء، والعلة في الأصل والفرع كون كلٍّ منهما دينًا.
وقول المؤلف: "دون خُلْف" يعني أن الوصف والحكم إذا كان مصرَّحًا بهما على الوجه الذي ذكرنا فإنه إيماء بلا خلاف، ومفهومه أنهما إن كانا غير ملفوظَيْن -أي كانا مستنبطَيْن- فليس من صور الإيماء، وإن كان أحدهما ملفوظًا والثاني مستنبطًا ففيهما ثلاثة أقوال؛ قيل: هو إيماء، وقيل: لا، وقيل: إن كان الملفوظ الوصف فهو إيماءٌ وإن كان الحكم فلا.
مثال ذكر اللفظ واستنباط الحكم: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة/ ٢٧٥] فإن حِلِّية البيع وصف ملفوظ يُستنبط منه حكم هو صحة البيع.
ومثال ذكر الحكم دون الوصف: التنصيص على تحريم الربا في البُرِّ مثلًا فإنه حكم منصوص يستنبط منه الوصف وهو: الاقتيات والادِّخار على أحد الأقوال الماضية.
٦٨٧ - كما إذا سمع وصفًا فحَكَمْ ... وذِكْرُهُ في الحُكْمِ وصفًا قد أَلَمْ
٦٨٨ - إن لم يكن عِلَّتَه لم يُفِدِ ... ومنعه مما يُفيتُ. . . . . . . . .
ذكر في هذه الأبيات أمثلة من أمثلة الإيماء:
الأول: حكمه ﷺ بعد سماع وصفٍ، كما في حديث الأعرابيّ الذي قال: واقعت أهلي في نهار رمضان فقال ﷺ : "اعتق رقبة" (١).
стр. 482
فأَمْرُه بالعتق بعد ذِكر الوِقاع دليل على أن الوقاع علة العتق وإلا خلا السؤال عن الجواب وذلك بعيد. وهذا مراده بقوله: "كما إذا سمع وصفًا فحكم".
الثاني: ذكره ﷺ في الحكم وصفًا لم يصرِّح بأنه علة، لكن لو لم يكن ذلك الوصف علة لذلك الحكم لم يكن لذكره فائدة، مثاله: حديث: "لا يقضينَّ حَكَم بين اثنين وهو غضبان" (١)، فإنَّ الغضبَ المشوِّش للفكر المذكور في الحكم لو لم يكن علة المنع من القضاء لَمَا كان لذكره فائدة، وهذا هو مراده بقوله: "وذكره في الحكم. . " البيت.
الثالث: منع الشارع المكلَّفَ من فعل يحصل به تفويت فعل آخر مطلوب منه كقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة/ ٩]. فإنه يُفهم منه أن منع البيع وقتَ نداءِ الجمعة إنما هو أن البيع يفوِّت حضور الجمعة، فلو لم يكن لمظنة تفويتها لكان المنع بعيدًا، وهذا مراد المؤلف بقوله: "ومنعه مما يفيت".
. . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . استفد
٦٨٩ - ترتيبه الحكمَ عليه. . . ... . . . . . . . . .
أي استفد كون ترتيب الشارع الحكمَ على الوصف إيماءً نحو ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة/ ٩] فترتيبه الحكم بالقتل على وصف الشرك لو لم يكن لأنه علته لكان بعيدًا.
. . . . . . . واتَّضَحْ ... تفريقُ حُكْمينِ بوصفِ المُصْطلح
٦٩٠ - أو غايةٍ شرطٍ أو استثناءِ. . . ... . . . . . . . .
стр. 483
يعني أن من أمثلة الإيماء تفريق الشارع بين حكمين بواحد من أربعة أمور:
الأول: الوصف في اصطلاح أهل الأصول، وهو لفظ مُقَيِّد لآخر ليس بشرط ولا غاية ولا استثناء ولا استدراك، وسواء ذكر الوصف المفرق به مع كلا الحكمين أو أحدهما.
مثال الأول: أنه ﷺ جَعَل للرَّجُل سَهمًا وللفرس سهمين (١). فتفريقه بين هذين الحكمين بهذين الوصفين لو لم يكن لعلية كلٍّ منهما لكان بعيدا، والمراد بالوصفين في هذا المثال مفهوم الفرس والرجل لا اسماهما، إذ لا مدخل للتسمية بمجرَّدها في التعليل كما تقدم.
ومثال الثاني: حديث: "القاتل لا يرث" (٢). أي بخلاف غيره المعلوم إرثه، فالتفريق بين عدم الإرث المذكور وبين الإرث المعلوم بصفة القتل لو لم يكن لِعِلّيته لعدم الإرث لكان بعيدًا.
стр. 484
الثاني: الغاية، وقد تقدم تعريفها في قوله: "ومنه غاية عموم" إلخ أي فمن الإيماء تفريق الشارع بين حكمين بغايةٍ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة/ ٢٢٢] فتفريقه بين المنع من قُرْبانهن في الحيض وبين جوازه في الطهر لو لم يكن لأنَّ الطُّهر علة الجواز والحيض علة المنع لكان بعيدًا.
الثالث: الشرط، وقد تقدم الكلام عليه في قول المؤلف: "ولازم من انعدام الشرط" إلخ، وقوله: "ومنه ما كان من الشرط" إلخ أي ومن الإيماء تفريق الشارع بين حُكمين بالشرط.
ومثاله حديث: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثْلًا بمثْلٍ، سواء بسواء، يدًا بيدًا، فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (١) فتفريقه بين منع البيع في هذه الأشياء متفاضلًا، وبين جوازه بشرط اختلاف الجنس لو لم يكن لعلية الاختلاف لجواز البيع لكان بعيدًا.
الرابع: الاستثناء، وقد تقدم الكلام عليه في قوله: "حروف الاستثناء" (٢) إلخ أي: ومن الإيماء تفريق الشارع بين حكمين بالاستثناء. ومثاله قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة/ ٢٣٧] أي الزوجات عن ذلك النصف فلا شيء لهن، فتفريقه بين ثبوت النصف لهن وبين انتفائه إذا عفون عنه لو لم يكن لأن العفو علة الانتفاء لكان بعيدًا.
стр. 485
ولم يذكر المؤلف في البيت الاستدارك، وهو كالمذكورات. ومثاله: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة/ ٨٩]. فتفريقه بين عدم المؤاخذة بالأيمان وبين المؤاخذة بها حالةَ تعقيدها لو لم يكن لعلية التعقيد للمؤاخذة لكان بعيدًا، ومعنى التعقيد عقد نيتها بالقلب.
واعلم أن صُوَر الإيماء لا تنحصر في هذه الأمثلة فقِسْ عليها ما شابهها من كل ما يشمله حد الإيماء المتقدم.
. . . . . . . . . . . . ... تناسُبُ الوصفِ على البِنَاءِ
يعني أن اشتراط المناسبة في الوصف المُوْمَى إليه مبنية على الخلاف المتقدم في العلة هل هي الباعث أو المعرِّف؟ فمق قال: هي الباعثة على تشريع الحكم اشترط المناسبة، ومن قال: هي المعرِّف للحكم لم يشترطها، هذا مراد المؤلف.
وحجة عدم اشتراط المناسبة: أن المناسبة طريق مستقل، وهي المسلك الخامس الآتي، والإيماء مَسْلك مستقل فلا يتوقف أحدهما على الآخر.
وحجة القول باشتراط المناسبة: أن الغالب من تصرفات الشرع أن يكون على وَفْق الحكمة فما لا مناسبة له لا يُعَلَّل به، واعترض عدم اشتراط المناسبة بما سبق من أن شروط الإلحاق بها اشتمالها على حكمةٍ تبعث المكلف على الامتثال، وتصلح شاهد الإناطة الحكم بها، وبما (١) سبق أيضًا من أن الوصف يستلزم الحكم.
стр. 486
وأُجِيب بأن ما تقدم يُراد به اشتمالها على الحكمة المذكورة ولو احتمالًا أو مظنة، وإن كان قد لا يطلع على حكمته إذ لا تخلو علة من حكمة في الجملة كما تقدم، وبأن المراد هنا أنه [لا] يشترط مناسبة بحسب الظاهر وإلا فالمناسبة معتبرة في نفس الأمر قطعًا للاتفاق على امتناع خلو الأحكام عن الحكمة، وهذا هو الحق، خلافًا للعَضُد والمحلِّي (١) القائلَين بأن المناسبة في نفس الأمر لا تُشترط إلَّا على القول بأن العلة باعث لا مُعَرِّف، وإيَّاهما تَبعَ المؤلفُ كما بيَّنَه في "الشرح" (٢).
٦٩١ - والسَّبْرِ والتقسيم قسمٌ رابعُ ... أن يَحصُرَ الأوصافَ فيه جامعُ
٦٩٢ - ويُبْطلَ الذي لها لا يَصْلُحُ ... فما بقي تعيينُه مُتَّضِحُ
يعني أن المسلك الرابع من مسالك العلة هو السَّبْر والتقسيم، والسَّبْر -بالفتح- لغةً: الاختبار، والتقسيم لغة: الافتراق.
والمراد بالسَّبْر هنا: اختبار الصالحِ للعلة من الأوصاف وغيرِ الصالح لها، والتقسيم هنا: حصر جميع الأوصاف ليُسْبَر الصالحُ منها وغير الصالح.
و الأصلُ تقديم التقسيم لأنه قبل السبر ضرورة، وأخَّروه عنه في التسمية لأن السَّبر أهم، والعادةُ تقديم الأهم. أو لأن الكلَّ اسم لمَسْلَك واحد وهو مفرد فلا نَظَر فيه إلى ترتيب.
ثم بيَّنَ المرادَ بهذا المسلك وأنه متركِّب من أمرين:
الأول: حصر أوصاف المحل أي الأصل المقيس عليه بأن يجمعها كلها.
стр. 487
الثاني: إبطال ما لا يصلح للتعليل.
وحصرُ الأوصاف تارةً يكون عقليًّا كالحصر في الشيء ونقيضه إذ لا واسطة بين النقيضين، وتارة يكون بالاستقراء كما أشار له بقوله: "بحثتُ ثم بعد بحثي لم أجد"، وسيأتي قريبًا.
وإبطال غير الصالح له طرق ذكرها المؤلف في قوله الآتي: "أبطل لما طردًا يُرَى". ومثا له: أن يقول المستدل: علةُ الربا إما أن تكون الاقتيات والادِّخار، أو الطَّعم، أو الكيل، أو المالية، فيبيّن بطلان علية غير الوصف الذي يدَّعي أنه العلة، فإذا أبطلَ غيرَه تعيَّن هو للعلة، وهو معنى قوله: "فما بقي تعيينه متضح".
وحاصلُ التعليل بهذا المسلك: أن الحكمَ إذا أمكن أن يكون معلَّلًا لا يُجعل تعبدًا، وإذا أمكن إضافته للمناسب فلا يُضاف لغيره، وإذا لم يوجد مناسب إلا ما بقي بعد السبر فيجب كونه علة بهذه القواعد.
وسُمِّي هذا المسلك بالسبر وحدَه وبالتقسيم وحدَه وبهما معًا وهو الأكثر. ويسميه الجدليون: الترديد والتقسيم، والمنطقيون: الشَّرْطي المنفصل، وهذا المسلك قسم من أقسامه فقط.
٦٩٣ - مُعْتَرضُ الحصر في دَفْعِه يَرِدْ ... بحثْتُ ثم بعدَ بحثي لم أجدْ
٦٩٤ - أو انْفِقادُ ما سواها الأصْلُ ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن المستدل إذا حصر أوصاف الأصل فاعتُرِضَ عليه الحصرُ بأن قال المعترِض: لِمَ تحصرُ أوصافَ الأصل فيما ذكرتَ؟ فإن معترض الحصر يدفعه المستدلُّ بأحدِ أمرين:
стр. 488
الأول: أن يقول: بحثتُ فلم أجد غير هذا، ولكن يُشترط في هذا أن يكون عدل الرواية لأن هذا إخبارٌ محض فيقبل من العدل دون غيره، وهذا مراده بقوله: "مُعْترض الحصر" البيت.
الثاني: أن يقول: هذا ما وجدناه من الأوصاف في الأصل، والأصلُ "انفقاد" أيْ عَدَمُ ما سواه، وهو مراد المؤلف بقوله: "أو انفقاد" إلخ. وجملة "بحثت" فاعل "يَرِد" بفتح الياء على سبيل الحكاية.
. . . . . . . . . . . . ... وليسَ في الحصر لظنٍّ حَظْلُ
يعني أنه لا يمتنع أن يكون حصر الأوصاف ظنيًّا أي بأن يظن المجتهد حصرها فلا يلزم تيقن الحصر، هذا بالنسبة إلى المجتهد ومقلديه، وسيأتي حكم ذلك بالنسبة إلى المناظر في قوله: "حجية الظني" إلخ.
٦٩٥ - وهو قطعيٌّ إذا ما نُمِيا ... للقطعِ والظَّنّي سِواهُ وُعِيا
الضمير في قوله: "هو" عائد إلى مسلك السَّبْر، والألِف في قوله: "نُمِيا" ألف تثنية عائدة إلى الحصر والإبطال، والألف في قوله: "وُعِيا" ألف الإطلاق، وجملة "وُعِي" خبر المبتدأ، و"سواه" حالٌ مقدَّم من ضمير النائب في "وُعِي".
ومعنى البيت: أن السَّبْر والتقسيم يكون قطعيًّا بشرطين: الأول: أن يكون حصر أوصاف الأصل قطعيًّا. الثاني: أن يكون إبطالُ غير الوصف المستبقى للتعليل قطعيًّا. زاد بعضُهم شرطًا ثالثًا وهو القطعُ بأن الأصل معلَّل لا تعبديٌّ، وحيث اختلَّ أحدُ الشرْطَين بأن كان الحصر والإبطال ظنِّيَيْن أو أحدهما ظنيًّا فالسبر والتقسيم ظنيٌّ، وهو مراده بقوله: "والظنيِّ
стр. 489
سواه" أيْ والظنّي وُعي أي حُفِظ وعُرِف حال كونه سوى القطعيِّ.
٦٩٦ - حجيَّة الظنِّيِّ رأيُ الأكثرِ ... في حقِّ ناظرٍ وفي المُناظِر
يعني أن الاحتجاج بالسبر والتقسيم الظني هو مذهب الأكثر واختاره من المالكية الباقلَّانِيُّ والفهريُّ (١). وحجته أن الحكم لا يخلو عن علة ظاهرة غالبًا، والغالب أنها لا تعدو أوصاف محلِّه، وإذا ظهر بطلان ما سوى المستَبْقى غلب على الظن أنه العلة، ومقابل قول المؤلف: "رأي الأكثر" تحته ثلاثة أقوال (٢):
الأول: أنه ليس بحجة مطلقًا لجواز إبطال الباقي لأنه غيرُ قطعي.
الثاني: وبه قال إمام الحرمين (٣) أنه حجة بشرط انعقاد الإجماع على أن حكم الأصل معلَّلٌ لا تعبدي.
الثالث: أنه حجة للناظر لنفسه ومقلديه دون المناظر غيره لأن ظنَّه لا تقوم به الحجة على غيره.
فإن قيل: ما جواب الأكثر عن هذا الأخير؟
فالجواب: هو ما ذكره ابن قاسم في "الآيات البينات" (٤) من أن هذا من باب إقامة الدليل على الغير وإن لم يُفد إلا مجرَّد الظن لوجوب العمل بالدليل الظنِّيّ، ولا فرق في كون الظنِّيّ حجة بين الناظر لنفسه والمناظر لغيره.
стр. 490
قلت: لا يتضح هذا الجواب كل الاتضاح إلا إذا كان السبر المذكور محتمًّا به من القرائن على صحة ما ذكره المستدل ما يغلب على ظنِّ المناظر المنصف صدقه بسببه، لأن ظنه المجرد من ذلك ليس فيه حجة على غيره ألبتة.
٦٩٧ - إن يُبْدِ وَصْفًا زائدًا معترضٌ ... وفَى بِه دونَ البيان الغرَضُ
يعني أن المعترض إذا أبدى -أي أظهر- وصفًا زائدًا على حصر المستدل وَفَى -أيْ حصل بإبدائه- غرضُ المعترض وهو ثبوت الاعتراض على المستدل، ولا يكلّف المعترض حينئذٍ أن يبين أنَّ الوصفَ الذي أبداه صالح للتعليل، لأن بطلان الحصر بإبدائه كافٍ في الاعتراض، ولكن على المستدل أن يدفعه بأن يبين أنه غيرُ صالح للتعليل ولا ينقطع بإبدائه إلا إذا عَجَز عن إبطال التعليل به، وذلك مراده بقوله: "دون البيان" أي وأما مع بيان إبطاله فلا يفي غرض المعترض به لبطلان التعليل به.
٦٩٨ - وقطعُ ذي السَّبْر إذًا مُنْحَتِمُ ... والأمرُ في إِبطاله مُنْبَهِمُ
الواو في قوله: "والأمر" للحال يعني أن قَطْع صاحب السبر، أي بطلان استدلاله مُنحتم إذا أبدى المعترضُ وصفًا زائدًا، والحال أن الأمر مُنبهم في صلاحيته للعلة أيْ لم تتبيَّن صلاحيته لها ولا عدمُها، وإيضاحه: أن الوصف الزائد على حصر المستدل الذي أبداه المعترض له ثلاث حالات:
الأولى: أن يبيِّن مع إبداء الوصف صلاحيته للتعليل فينقطع المستدل أي يبطل دليله.
الثانية: أن يبين المستدل عدم صلاحية وصف المعترض فيبقى دليلُهُ سالمًا كما تقدم في قوله: "دون البيان".
стр. 491
الثالثة: أن ينبهم الأمر فلا يبين المعترض صلاحيته ولا المستدل عدمها، فالسَّبر منتقض بذلك الوصف المنبهم لأن السبر مبني على أصلَيْن؛ وهما الحصر والإبطال، وزيا دة الوصف المذكور تهدم أحدهما وهو الحصر، وهذا مراد المؤلف بالبيت.
٦٩٩ - أبطِلْ لِمَا طَرْدًا يُرَى. . . . ... . . . . . . . . . . . .
تقدم في قول المؤلف: "ويبطل الذي لها لا يصلح" وبيّن هنا طرق الإبطال المذكور هناك فذكر أن منها كون الوصف طردًا (١) ويقال له: الطرديُّ أيضًا، والمراد به ما عُلِم من الشارع إلغاؤه وعدم إناطة الأحكام به، ويُعْلَم ذلك باستقراء موارد الشرع.
واعلم أن الوصف الطردي قسمان:
الأول: ما هو طردي في جميع الأحكام كالطول والقِصَر فلا يعلل بهما شيء من أحكام الشرع.
الثاني: أن يكون طرديًّا في بعض الأحكام مع كونه معتبرًا في بعض آخر كالذكورة والأنوثة، فإنهما وصفان طرديَّان بالنسبة إلى العتق فلا يُعلل شيء من أحكام العتق بذكورة ولا أنوثة مع أنهما معتبران في بعض الأحكام كالميراث والشهادة ونحوِ ذلك، وقوله: "طردًا" مفعول ثان لـ "يُرَى" ومفعوله الأول هو الضمير النائب عن الفاعل.
. . . . . . . . . ويبطُلُ ... غيرَ مناسبٍ له المُنْخَزِلُ
стр. 492
يعني أن من طُرق الإبطال أيضًا -بعد ثبوت حصر الأوصاف- عدم ظهور مناسبة الوصف المنخزل أي المحذوف، وهو الوصف الذي يريد المستدل إسقاطه ليتعين غيره للعلة، والمراد بمناسبة الوصف مناسبته للحكم بأن يشتمل على حِكْمةٍ كما تقدم، وإنما كان عدمُ المناسبة من طرق الإبطال لانتفاء مثبت (١) العلية.
فإن قيل: تقدم في الإيماء أنه لا يُشترط فيه ظهور المناسبة عند الأكثر فما وجه اشتراطها في السبر دونه؟
فالجواب: أن السبر تعدَّدت فيه الأوصاف فاحتيج إلى بيان صلاحية بعضها للعلية بظهور المناسبة [فيه] فاشتراطه هنا لعارض (٢).
٧٠٠ - كذاكَ بالإلغا وإن قَدْ ناسَبا ... وبتعَدّي وصفِهِ الذي اجتَبَى
ذكر في هذا البيت طريقين من طرق الإبطال أيضًا بعد ثبوت الحصر:
الأولى: هي أن يكون الوصفُ مُلغًى وإن كان مناسبًا للحكم المتنازع فيه، ويتحقق الإلغاء بأن يستقل بالحكم الوصفُ المستبقَى دون غيره في صورة مجمعٍ عليها كما قاله الفهري. ومثاله: استقلالُ الطَّعم بالحكم الذي هو حرمة ربا الفضل في مِلء كف من القمح دون الكيل والاقتيات مثلًا، فإنّ مِلء الكفِّ لا يكال وليس فيه اقتيات في الغالب، ولكنه فيه الطعمية فاستقلت الطعمية بالحكم في مِلءِ الكف وأُلغي غيرها
стр. 493
كالكيل والاقتيات.
الثاني: تعدي وصف المستدل الذي اختاره للتعليل وكون غيره من أوصاف المحل غيرُ معتدٍّ، لأن تعدية الحكم محله أكثر فائدة من قَصْره عليه فالمتعدِّي أرجحُ من القاصر.
٧٠١ - ثمَّ المناسبة والإخَاله ... من المسالكِ بلا استحاله
٧٠٢ - ثم بتخريج المناطِ يشتهرْ ... تخريجُها وبعضهم لا يَعتبِرْ
يعني أن المسلك الخامس من مسالك العلة هو المسمى بالمناسبة والإخالة، فالمناسبة في اللغة: الملاءمة والمقاربة، وسيأتي قريبًا تعريفها اصطلاحًا للمؤلف. وسُمِّي هذا المسلك مناسبةً لمناسبة الوصف المعلَّل به فيه للحكم كما يأتي، وسُمِّيت (١) إخالة لأن الناظر فيه يَخال -أي يظن- عِلِّيَّة الوصف.
وهذا المسلك الذي هو المناسبة سمَّاه بعضُهم: تخريج المناط، والمناطُ العلةُ أي تخريج العلة واستنباطها، ولا مخالفة لأن المناسبة هي دليل العلة، واستخراجُها هو إقامة الدليل، وإضافةُ الحكمِ إِلى كلٍّ من الدليل وإقامته لا بأس فيها، وظاهر المؤلِّف أن المسمَّى بتخريج المناط هو تخريج المناسبة بما يأْتي، وقد عرفتَ أنه لا مانع من تسمية هذا المسلك بالمناسبة وبتخريج المناط.
وقوله: "وبعضهم لا يعتبر" يعني به الظاهرية فإنهم أنكروا ثبوتَ
стр. 494
العلة بمسلك المناسبة. وقوله: "تخريجها" فاعل "يَشْتهِر" وقوله: "يَعْتبر" مبني للفاعل.
٧٠٣ - وهو أن يُعَيِّنَ المجتهدُ ... لعلَّةِ بذكر ما سَيَرِدُ
٧٠٤ - من التناسبِ الذي معْهُ اتضحْ ... تقارُنٌ والأمْر (١) ممّا قد قدَحْ
يعني أن هذا المسلك الخامس الذي عبَّرَ عنه السبكي (٢) بالمناسبة والإخالة، وعبر عنه ابن الحاجب بتخريج المناط (٣)، هو تعيينُ المجتهد للعلة بالاستناد إلى ثلاثة أمور:
الأول: إبداء المناسبة بين العلة المعينة والحكم.
الثاني: الاقتران بين العلة والحكم في دليل الحكم، أعني ذكرهما فيه مُقْترنين.
الثالث: سلامة الوصف المعين من قوادح العلية، الآتية في القوادح من هذا الكتاب إن شاء اللَّه.
مثال المستوفي للشروط: الإسكار في قوله ﷺ : "كل مسكر حرام" (٤) فإن الشارع لم يصرِّح بعلة هذا الحكم، والمجتهد يستخرج العلة بالمناسبة، لأن الإسكار وصفٌ مناسب للتحريم لأنه يزيل العقل، ودرء
стр. 495
المفسدة متمَحِّض في منع ما يزيل العقل المطلوب حفظه، مع أن الإسكار الذي هو الوصف جاء في الحديث مقترنًا بالحكم الذي هو كونه حرامًا، وتعليل الحرمة بالإسكار سالم من جميع القوادح، فتمت فيه الأمور الثلاثة التي يُستخرج بها مسلك المناسبة.
فإن قيل: سلامة الوصف من القوادح في العلية (١) شرطٌ في كل مسلك فما وجه ذكرها في خصوص هذا المسلك؟
فالجواب: أن السلامة من القوادح قَيْد في تسمية هذا المسلك بتخريج المناط أو المناسبة فهي جزء من تعريف هذا المسلك بحسب الواقع. وإيضاحه: أن السلامة من القوادح جزء من مسمى هذا المسلك، وهي بالنسبة إلى غيره من المسالك شرط خارج عن المسمى.
واعلم أن الاقتران المذكورَ بين الوصف والحكم معتبر في كون الوصف المناسب علة لا في كونه مناسبًا، وقولنا فيما سبق بإبداء المناسبة للاحتراز من تعيين العلة بالطَّرْد أو الشَّبَه أو الدوران كما قاله ابن حلولو (٢) في نظيره.
فإن قيل: الحديث الذي مثَّلْتم به للمناسبة من أمثلة الإيماء، لأن الحكم فيه بالتحريم مرتَّب على وصف الإسكار، وقد قال المؤلف في صُوَرِ الإيماء: "ترتيبه الحكم عليه" إلخ.
فالجواب: أن في الحديث المناسبة من الجهة التي ذكرنا، وفيه