← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 283

نثر الورود شرح مراقي السعود

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (730 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الثالثة: أن ينبهم الأمر فلا يبين المعترض صلاحيته ولا المستدل عدمها، فالسَّبر منتقض بذلك الوصف المنبهم لأن السبر مبني على أصلَيْن؛ وهما الحصر والإبطال، وزيا دة الوصف المذكور تهدم أحدهما وهو الحصر، وهذا مراد المؤلف بالبيت. ٦٩٩ - أبطِلْ لِمَا طَرْدًا يُرَى. . . . ... . . . . . . . . . . . . تقدم في قول المؤلف: "ويبطل الذي لها لا يصلح" وبيّن هنا طرق الإبطال المذكور هناك فذكر أن منها كون الوصف طردًا (١) ويقال له: الطرديُّ أيضًا، والمراد به ما عُلِم من الشارع إلغاؤه وعدم إناطة الأحكام به، ويُعْلَم ذلك باستقراء موارد الشرع. واعلم أن الوصف الطردي قسمان: الأول: ما هو طردي في جميع الأحكام كالطول والقِصَر فلا يعلل بهما شيء من أحكام الشرع. الثاني: أن يكون طرديًّا في بعض الأحكام مع كونه معتبرًا في بعض آخر كالذكورة والأنوثة، فإنهما وصفان طرديَّان بالنسبة إلى العتق فلا يُعلل شيء من أحكام العتق بذكورة ولا أنوثة مع أنهما معتبران في بعض الأحكام كالميراث والشهادة ونحوِ ذلك، وقوله: "طردًا" مفعول ثان لـ "يُرَى" ومفعوله الأول هو الضمير النائب عن الفاعل. . . . . . . . . . ويبطُلُ ... غيرَ مناسبٍ له المُنْخَزِلُ

стр. 492

يعني أن من طُرق الإبطال أيضًا -بعد ثبوت حصر الأوصاف- عدم ظهور مناسبة الوصف المنخزل أي المحذوف، وهو الوصف الذي يريد المستدل إسقاطه ليتعين غيره للعلة، والمراد بمناسبة الوصف مناسبته للحكم بأن يشتمل على حِكْمةٍ كما تقدم، وإنما كان عدمُ المناسبة من طرق الإبطال لانتفاء مثبت (١) العلية. فإن قيل: تقدم في الإيماء أنه لا يُشترط فيه ظهور المناسبة عند الأكثر فما وجه اشتراطها في السبر دونه؟ فالجواب: أن السبر تعدَّدت فيه الأوصاف فاحتيج إلى بيان صلاحية بعضها للعلية بظهور المناسبة [فيه] فاشتراطه هنا لعارض (٢). ٧٠٠ - كذاكَ بالإلغا وإن قَدْ ناسَبا ... وبتعَدّي وصفِهِ الذي اجتَبَى ذكر في هذا البيت طريقين من طرق الإبطال أيضًا بعد ثبوت الحصر: الأولى: هي أن يكون الوصفُ مُلغًى وإن كان مناسبًا للحكم المتنازع فيه، ويتحقق الإلغاء بأن يستقل بالحكم الوصفُ المستبقَى دون غيره في صورة مجمعٍ عليها كما قاله الفهري. ومثاله: استقلالُ الطَّعم بالحكم الذي هو حرمة ربا الفضل في مِلء كف من القمح دون الكيل والاقتيات مثلًا، فإنّ مِلء الكفِّ لا يكال وليس فيه اقتيات في الغالب، ولكنه فيه الطعمية فاستقلت الطعمية بالحكم في مِلءِ الكف وأُلغي غيرها

стр. 493

كالكيل والاقتيات. الثاني: تعدي وصف المستدل الذي اختاره للتعليل وكون غيره من أوصاف المحل غيرُ معتدٍّ، لأن تعدية الحكم محله أكثر فائدة من قَصْره عليه فالمتعدِّي أرجحُ من القاصر. ٧٠١ - ثمَّ المناسبة والإخَاله ... من المسالكِ بلا استحاله ٧٠٢ - ثم بتخريج المناطِ يشتهرْ ... تخريجُها وبعضهم لا يَعتبِرْ يعني أن المسلك الخامس من مسالك العلة هو المسمى بالمناسبة والإخالة، فالمناسبة في اللغة: الملاءمة والمقاربة، وسيأتي قريبًا تعريفها اصطلاحًا للمؤلف. وسُمِّي هذا المسلك مناسبةً لمناسبة الوصف المعلَّل به فيه للحكم كما يأتي، وسُمِّيت (١) إخالة لأن الناظر فيه يَخال -أي يظن- عِلِّيَّة الوصف. وهذا المسلك الذي هو المناسبة سمَّاه بعضُهم: تخريج المناط، والمناطُ العلةُ أي تخريج العلة واستنباطها، ولا مخالفة لأن المناسبة هي دليل العلة، واستخراجُها هو إقامة الدليل، وإضافةُ الحكمِ إِلى كلٍّ من الدليل وإقامته لا بأس فيها، وظاهر المؤلِّف أن المسمَّى بتخريج المناط هو تخريج المناسبة بما يأْتي، وقد عرفتَ أنه لا مانع من تسمية هذا المسلك بالمناسبة وبتخريج المناط. وقوله: "وبعضهم لا يعتبر" يعني به الظاهرية فإنهم أنكروا ثبوتَ

стр. 494

العلة بمسلك المناسبة. وقوله: "تخريجها" فاعل "يَشْتهِر" وقوله: "يَعْتبر" مبني للفاعل. ٧٠٣ - وهو أن يُعَيِّنَ المجتهدُ ... لعلَّةِ بذكر ما سَيَرِدُ ٧٠٤ - من التناسبِ الذي معْهُ اتضحْ ... تقارُنٌ والأمْر (١) ممّا قد قدَحْ يعني أن هذا المسلك الخامس الذي عبَّرَ عنه السبكي (٢) بالمناسبة والإخالة، وعبر عنه ابن الحاجب بتخريج المناط (٣)، هو تعيينُ المجتهد للعلة بالاستناد إلى ثلاثة أمور: الأول: إبداء المناسبة بين العلة المعينة والحكم. الثاني: الاقتران بين العلة والحكم في دليل الحكم، أعني ذكرهما فيه مُقْترنين. الثالث: سلامة الوصف المعين من قوادح العلية، الآتية في القوادح من هذا الكتاب إن شاء اللَّه. مثال المستوفي للشروط: الإسكار في قوله ﷺ : "كل مسكر حرام" (٤) فإن الشارع لم يصرِّح بعلة هذا الحكم، والمجتهد يستخرج العلة بالمناسبة، لأن الإسكار وصفٌ مناسب للتحريم لأنه يزيل العقل، ودرء

стр. 495

المفسدة متمَحِّض في منع ما يزيل العقل المطلوب حفظه، مع أن الإسكار الذي هو الوصف جاء في الحديث مقترنًا بالحكم الذي هو كونه حرامًا، وتعليل الحرمة بالإسكار سالم من جميع القوادح، فتمت فيه الأمور الثلاثة التي يُستخرج بها مسلك المناسبة. فإن قيل: سلامة الوصف من القوادح في العلية (١) شرطٌ في كل مسلك فما وجه ذكرها في خصوص هذا المسلك؟ فالجواب: أن السلامة من القوادح قَيْد في تسمية هذا المسلك بتخريج المناط أو المناسبة فهي جزء من تعريف هذا المسلك بحسب الواقع. وإيضاحه: أن السلامة من القوادح جزء من مسمى هذا المسلك، وهي بالنسبة إلى غيره من المسالك شرط خارج عن المسمى. واعلم أن الاقتران المذكورَ بين الوصف والحكم معتبر في كون الوصف المناسب علة لا في كونه مناسبًا، وقولنا فيما سبق بإبداء المناسبة للاحتراز من تعيين العلة بالطَّرْد أو الشَّبَه أو الدوران كما قاله ابن حلولو (٢) في نظيره. فإن قيل: الحديث الذي مثَّلْتم به للمناسبة من أمثلة الإيماء، لأن الحكم فيه بالتحريم مرتَّب على وصف الإسكار، وقد قال المؤلف في صُوَرِ الإيماء: "ترتيبه الحكم عليه" إلخ. فالجواب: أن في الحديث المناسبة من الجهة التي ذكرنا، وفيه

стр. 496

أيضًا الإيماءُ من جهة ترتيب الحكم على الوصف، ويظهر الفرق بأنا لو فرضنا أنه لم تظهر فيه مناسبة لقيل فيه: مسلك الإيماء، لأن المناسبة فيه لا تُشترط عند الأكثر ولم يُقَلْ (١) فيه: مسلك المناسبة لعدم مناسبة الوصف للحكم. ٧٠٥ - وواجبٌ تحقيقُ الاستقلالِ ... بنَفْي غيرِه من الأحوالِ يعني أنه لابد في مسلك المناسبة أن يحقق استقلال الوصف المناسب بالعلية، وتحقق ذلك إنما يكون بنفي غيره من الأحوال أي الأوصاف، وطريقة ذلك هي السَّبر بأن لا يوجد مثلُه ولا ما هو أولى منه، ولا يكفي هنا: "بحثتُ فلم أجد" أو "انفقاد ما سواه هو الأصل" بخلاف السبر كما تقدم؛ لأن المقصود في مسلك المناسبة هو إثبات الوصف الصَّالح للعلية، وفي السبر نفي ما لا يصلح للعلية من الأوصاف فظهر الفرق. قلت: يعْسُر جدًّا حقيقة الفرق بين الوصف الذي تعين للعلية بمسلك المناسبة وبين الوصف المستبقَى بالسبر لاسيما وقد قدَّمنا أن من طرق الإبطال عدم ظهور المناسبة كما في قول المؤلف: "ويبطل غير مناسب له المنخزل"، وفرَّق بينهما الأصفهاني شارح "المختصر" (٢) لابن الحاجب، والزركشيُّ (٣)، وزكريا الأنصاريُّ (٤) بأن الوصفَ المستبقَى في السبر لا

стр. 497

يُدْرِك العقلُ من ترتيب الحكم عليه المصلحةَ الباعثةَ، بخلاف المناسبة، فإن العقلَ يُدْرِك فيها ذلك. قالوا: وعدم إدراك العقل لذلك لا يلزم منه خلوُّ تلك الأوصاف عن حكمة. وبحَثَ في هذا الجواب صاحب "الآيات البينات" (١)، ولا يظهر عندي هذا الجواب كلَّ الظهور لِمَا تقدم من أن عدم ظهور المناسبة من طرق الإبطال في السَّبْر. ٧٠٦ - ثم المناسبُ الذي تَضَمَّنا ... تَرتُّبُ الحكم عليه ما اعْتَنى ٧٠٧ - به الذي شَرَعَ من إبعادِ ... مفسدةٍ او جَلْبِ ذي سَدادِ يعني أن المناسب هو "الذي تضمن" أي استلزم ترتب الحكم عليه ما اعتنى به الشارع في شرع الأحكام من جلب المصلحة ودفع المفسدة، فمثال جلب المصلحة: وجوب الزكاة فإن علته سدُّ خلة الفقير، وهو جلب مصلحة. ومثال درء المفسدة: الإسكار فإنه علة لتحريم الخمر، والمنع منها يدرء مفسدةَ فساد العقل. والمصلحة هي المنافع واللذَّات ووسائلها، والمفسدة هي المضار والمشقَّات ووسائلها. وقول المؤلف: "ترتُّبُ" بالرفع فاعل "تضمَّن" ومفعول "تضمَّن" هو "ما" الموصولة في قوله: "ما اعتنى" و"الذي شَرَع" يعني به الشارع، والمراد "جلب ذي سداد" جلب المصلحة، وفي المناسبة أقوال أُخر غير هذا ذكرها صاحب "جمع الجوامع" (٢).

стр. 498

٧٠٨ - ويحصل القصدُ بشَرْع الحكمِ ... شكًّا وظنًّا وكذا بالجزمِ ٧٠٩ - وقد يكونُ النفيُ فيه أرْجَحا ... كآيسٍ لقصدِ نسلٍ نَكَحا مرداه بـ "القصد" المقصود أي الحكمة التي هي المقصود من شرع الحكم، يعني أن الحكمة التي اشتملت عليها العلة بالنظر إلى حصولها بالفعل وعدم حصولها لها أربع حالات: الأولى: أن يجزم بحصولها كالملك لجواز التصرف. الثانية: أن يُظنَّ حصولها كالقصاص فإنه يحصل به غلبة الظن على وجود حكمته التي هي الانزجار عن القتل، إذ يغلب على الظن أن من عَرَف بأنه إذا قَتَل قُتِل لا يُقْدِم على القتل خوفًا من الموت. الثالثة: أن يكون حصول الحكمة مشكوكًا فيه كحد الخمر، فإنه يحتمل أن يحصل به الانزجار عنها خوفًا من الضرب والإقدام عليها، وهذا أمر تقريبيُّ لأن الإقدام عليها والإحجام عنها كلاهما يقع من غير ضبط لأكثرية أحدهما. الرابعة: أن يكون انتفاء الحكمة أرجح وأغلب على الظن، وهذا الأخير مَثَّل له المؤلف بقوله: "كآيسٍ لقصد نسلٍ نكحا" والمعنى أن من حصل له اليأس عادة من الولد جاز أن يتزوج بقصد حصول الولد مع أن عدم وجوده أرجح. وقوله: "كآيس" فيه القَلْب الصرفيُّ فصار الفاء مكان العين والعين مكان الفاء. وقوله: "النفي" يعني الانتفاءَ فهو مصدر نفى اللَّازمة بمعنى انتفى. ٧١٠ - بالطرفيْنِ في الأصَحِّ علَّلُوا ... فقصرُ مترفٍ عليه يُنْقَلُ

стр. 499

مراده بالطرفين: الأول من الأقسام الأربعة في النظم، والأخير والأول منها هو الشك المذكور في قوله: "شكًّا" والآخر منهما هو الوهم المذكور في قوله: "وقد يكون النفي فيه أرجحا" إلخ يعني أن الأصح عند أهل الأصول جواز التعليل بالوصف المناسب المشتمل على حكمة حاصلة من ترتيب الحكم عليه شكًّا أو وهمًا، وأما التعليل بالمظنون حصولها فيه والمجزوم به فجائز اتفاقًا. فإن قيل: إذا جاز التعليل بالأمور الأربعة المذكورة لم يبق شيء ألبتة، لأن كل وصف لابد أن تكون حكمته مجزومًا بها أو مظنونة أو مشكوكًا فيها أو موهومة. فالجواب: أن هذه الأربعة أقسامُ المناسب أي ما ظهرت مناسبته والعلةُ لا تنحصر فيه، وقد تكون فيما لم تظهر مناسبته كما تقدم في الإيماء وفيما لم يُطلع على حكمته. وقوله: "فقصر مترف" إلخ يعني أن قصر المترفِّه بسفره ينبني جوازه الذي هو المشهور على جواز التعليل بالطرفين، فعلى الأصح يجوز له القصر مع أن انتفاء الحكمة مظنون ووجودها مَوْهُوم، لأن الحكمة رفع المشقة وسَفَر الترفُّه لا مشقَّة فيه غالبًا، وقد تكون فيه احتمالًا، وإن قطع بنفي المشقة فقد تقدم في قوله: "وفي ثبوت الحكم عند الانتفا" إلخ. ومقابل الأصح هو القول بأنه لا يجوز التعليل بالأول لأن المقصود فيه الذي هو الحكمة مشكوك فيها، ولا بالرابع لرجحان عدمها فيه، وعليه فلا يجوز قَصْر المُتَرَفِّه بسفره.

стр. 500

٧١١ - ثمَّ المناسِبُ عنيتُ الحكمه ... منه ضرُورِيٌّ وجا تتمَّه ٧١٢ - بينهما ما ينتمي للحاجي ... وقدِّم القويَّ في الرَّواج يعني أن المناسب بمعنى الحكمة ثلاثة أقسام، وإن شئت قلت: الوصف المناسب باعتبار الحكمة ثلاثة أقسام وهي: الضروري، والحاجيُّ، والتتميميُّ ويُسَمَّى التحسينيَّ وستأتي أمثلتها. قوله: "وجا" مقصور للوزن، وقوله: "تتمة" يعني تتميمًا. والضروري: ما كان حفظه سببًا للسَّلامة من هلاك بَدَن أو دين. والحاجيُّ هو: ما يحتاج إليه ولم يصل إلى حد الضروري. والتتميميُّ الذي هو التحسينيُّ هو: الجَرْي على مكارم الأخلاق واتباعُ أحسن المناهج في العادات. وقوله: "ما ينتمي" مبتدأ خبره "بينهما"، والمعنى أن الحاجيَّ مرتبة بين الضروري والتتميميّ، و"الرواج" الاعتبار. وقوله: "وقدِّم القويَّ" أي عند تعارض الأقيسة قدِّم القوي في الاعتبار من هذه الثلاثة فيقدَّم المناسب الضروري ثم المناسب الحاجيّ ثم المناسب التتميميُّ. ٧١٣ - دِينٌ فَنفْسٌ ثم عَقْلٌ نَسَبُ ... مالٌ إلى ضرورةٍ تنتسبُ ٧١٤ - ورتِّبَنْ ولتعطفَنْ مُساويًا ... عِرْضًا على المالِ تكُنْ موافيًا ٧١٥ - فحفظها حتمٌ على الإنسانِ ... في كلِّ شِرْعةٍ من الأديانِ يعني أن من الضروريات التي هي أصول المصالح: حِفْظ الدين، وهو الحكمة المقصودة من قتل المرتد والزنديق والكافر. وحفظ النفس، وهو الحكمة المقصودة من شَرْع القصاص. وحفظ العقل، وهو الحكمة

стр. 501

المقصودة من شَرْع حدِّ الخمر. وحفظ النَّسَب، وهو الحكمة المقصودة من شَرْع حدِّ الزنا. وحفظ المال، وهو الحكمة المقصودة من شرع حد السَّرقة. وحفظ العِرْض، وهو الحكمة المقصودة من شرع حدِّ القذف. وقوله: "ورتِّبن" يعني أنه عند التعارض يُقَدَّم حفظ الدين ثم النفس ثم العقل ثم النسب، و"لتعطفن مساويًا" إلخ يعني أن حفظ المال وحفظ العرض في مرتبة واحدة هي آخر المراتب المذكورة، هذا مراد المؤلف. وفصَّل بعضُ العلماء فقال: أما الوقوع في العرض بما يؤدِّي إلى الشك في النسب فهو مقدَّم على المال، لأنه في مرتبة حفظ النسب، كقذفه له بأنه ابن زنى ونحو ذلك، والوقوعُ في العرض بغير ذلك دون المال. وقوله: "فحفظها حَتْم على الإنسان" إلخ يعني أن حفظ الضروريات المذكورة واجب على كلِّ إنسان مكلف في جميع الملَلِ السابقة، قال الجزائريّ: قد أجمعَ الأنبيا والرُّسْلُ قاطبةً ... على الديانة بالتوحيد في الملل وحفظِ نفسٍ ومالٍ مَعْهما نسبٌ ... وحفظِ عقلٍ وعِرضٍ غيرِ مبتذل والعِرض -بالكسر- النفس وجانب الرجل الذي يصونه ويدافع عنه من نفسِه وحسَبِه أن يُنْتَقص أو يُعاب سواءٌ كان في نفسه أو سلفه، وقيل: العِرض موضعَ المدح والذمِّ، وقيل: ما يفتخر به من حَسَب وشرفٍ، وقد يراد به الآباءُ والأجداد والخلائق المحمودة وغير ذلك. و"الحتمُ": اللازم، ومنه قوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا﴾ [مريم/ ٧١]. ٧١٦ - ألحِقْ به ما كان ذا تكميلِ ... كالحدِّ فيما يُسكر القليلِ

стр. 502

الضمير في قوله: "به" عائد إلى الضروري. وقوله: "القليل" نعت لـ"ما" المجرورة بـ "في"، يعني أن الضروري يلحق به مكمِّله في مرتبته، ومَثَّل لمكمِّل الضروريّ بوجوب الحدِّ في شرب القليل الذي لا يسكر لقلته من جنس ما هو مسكر كالخمر، فالوصفُ المناسبُ في هذا المثال كون القليل يدعو إلى الكثير. والحكمُ الحدُّ المرتَّب على القليل، والمقصود الحفظ مما يدعو إلى ذلك الكثير، وهذا الحفظ مكمِّل لحفظ العقل أي مؤكِّد له ومبالغ فيه. ٧١٧ - وهو حلالٌ في شرائع الرسلْ ... غير الذي نسخ شرعَه السُّبُلْ الضمير في قوله: "هو" راجع إلى القليل مما يُسكر جنسه، يعني أن القليل من المسكر الذي لا يسكر لقلته كان مباحًا في جميع الشرائع، فنُسِخ جوازُه في شريعة نبينا ﷺ مبالغةً في حفظ العقول، كما قال ﷺ : "كلُّ ما أسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حرام" (١).

стр. 503

٧١٨ - أباحَها في أوَّلِ الإسلام ... براءةٌ ليست من الأحكام الضمير في قوله: "أباحها" للخمر، والبيتُ جوابٌ عن اعتراض النووي على الأصوليين في قولهم: إن الضروريات محرمة في جميع شرائع الرسل، ووَجْه اعتراض النووي: أن الخمرَ كانت مباحة في أول الإسلام. ووَجْه جواب المؤلف عن هذا الاعتراض: أن إباحتها الأولى إباحة عقلية، والإباحة العقلية ليست من الأحكام الشرعية حتى يكون رفعها نسخًا كما تقدم في قول المؤلف: "وما من الإباحة العقليه" (١) إلخ. هكذا ذكر المؤلف (٢) هذا الجواب تبعًا لأبي إسحاق الشاطبي (٣) وغيره، ويظهر لي أن هذا الجواب غيرُ سديد لأن الخمر دلَّ النصُّ القرآنيُّ على إباحتها في أول الإسلام، وما دلَّ عليه القرآن لا يمكن أن يكون إباحة عقلية، والآية التي دلت على إباحتها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل/ ٦٧] الآية اللهم إلا على القول بأن السَّكَر الطُّعْم كما اختاره ابن جرير، أو الخلَّ كما قاله أبو عبيدة (٤) = فيتجه ما قاله المؤلف، وقوله: "براءةٌ" فاعل "أباحها" ولحَذْف التاء من الفعل

стр. 504

مسوغان: الفَصْل، وأن التأنيث غير حقيقيٍّ. ٧١٩ - والبيعُ فالإجارةُ الحاجِيُّ ... خيارُ بيعٍ لاحقٌ جليُّ يعني أن الحاجِيَّ كالحكمة المقصودة من شَرْع البيع والإجارة وهي الملك للذات في البيع، والمنفعة في الإجارة، والحُكْم هو جوازهما، والعلة الاحتياج إلى المعارضة، وقد يكون البيع والإجارة ضروريين، فالبيع الضروري كالذي يتوقف عليه سلامة البدن من الهلاك، والإجارة الضرورية كالإجارة لتربية الطفل. واختلف المالكية في النكاح هل هو ضروري بناءً على أنه قوت أو حاجيّ بناءً على أنه تفكُّهٌ. وقوله: "خيار بيع" إلخ يعني أنه يلحق أيضًا بالحاجيّ مكمِّله فيكون في رتبته، فالحاجيُّ مثلًا البيع ومكمِّله اللّاحق به في رتبته خيار التروِّي لأنه يكمل به الملك لدفعه الغبن، ومن مُكَمِّل الحاجيّ اعتبار الكفاءة في النكاح، ومهر المثل في الصغيرة فإنهما داعيان إلى دوام النكاح، ومنه اغتفار الغَرَر اليسير للحاجة. وقول المؤلف: "الحاجيّ" مبتدأ خبره "البيع" و"الإجارة" معطوف عليه، وقوله: "خيار" مبتدأ و"لاحق" خبره، و"جلي" نعت الخبر. ٧٢٠ - وما يُتمِّمُ لدَى الحُذَّاقِ ... حَتٌّ على مكارمِ الأخلاقِ يعني أن الحكمة المسمَّاة بالتحسينيّ والتَّتْمِيميّ هي ما كان فيه حث على مكارم الأخلاق واتباع أحسن المناهج، وسُميت تتمة لأنها مُتَمِّمة للمصالح. ٧٢١ - منهُ موافقٌ أصولَ المَذْهَب ... كسَلْبِ الأَعْبُدِ شريفَ المنْصِب

стр. 505

يعني أن التتميمىَّ قسمان: قسم موافق أصول المذهب أي قواعده وقسم مخالف لها. الأول: "كسلب الأعْبُد" أي العبيد، "شريفَ المنصب" أي المناصب الشريفة كأهلية الشهادة والقضاء والإمامة وولاية النكاح لنقصهم بالرق فان ذلك يحصل به المقصود الذي هو الجَرْي على محاسن العادات، والمراد بالمنْصِب الرتبة وهو كمَجْلِس، وأصله حديدٌ ينصب عليه القدر. ٧٢٢ - وحُرْمَةِ القذر والإنفاقِ ... عَلَى الأقاربِ ذوي الإمْلاقِ "حرمةِ" بالجر عطفًا على قوله: "كسلب"، و"الإنفاق" عطف على "حرمة" يعني أن من التتمِيميِّ الموافق لقواعد المذهب تحريم بيع النجاسات لعدم طهارتها، والمقصودُ الجَرْي على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات لأن بيع ذلك يستلزم ملامسته بالكيل والوزن ونحو ذلك وذلك غيرُ لائق. ومنه أيضًا: وجوب الإنفاق على الأقارب الفقراء لأجل قرابتهم، فيحصل الجَرْي على ما ذكر من مكارم الأخلاق. ومن التحسينيّ: العتق بغير عِوَض. وقوله: "ذوي" بمعنى أصحاب، و"الإملاق" الفقر. ٧٢٣ - وما يُعارضُ كتابةٌ سَلَمْ ... ونَحْوُهُ وأكْلُ ما صيدَ يُؤمْ قوله: "وما يعارض" عَطْف على قوله: "منه موافق" يعني أن التتميميَّ منه موافق أصول المذهب -كما تقدم- ومنه ما يعارض أصولَ المذهب أيْ لا يوافقها، ومَثَّل له المؤلف بالكتابة والسَّلَم ونحوه وأكل الصيد. أمَّا وجه مخالفة الكتابة للأصول فهو امتناع بيع الشخص بعضَ ماله ببعضٍ؛ لأن العبد ومالَه كليهما للسيد بناءً على أن العبد لا يملك، مع أن

стр. 506

الصحيحَ في مذهب مالك أن ما يؤديه المكاتب من جنس الغَلَّة لا البيع. وأما وجه مخالفة السَّلَم للقواعد فلأنه بيع ما ليس عند الإنسان. وقول المؤلف: "نحوه" يشير إلى أن ما فيه غَرَر من العقود المباحة شرعًا كالمساقاة والقِراض والمغارسة والجَعالة وبيع الغائب من التتميميات المخالفة للقواعد. ووجه مخالفة أكل الصيد هو: عدم تسهيل الموت على الحيوانات وبقاء الفضلات فيه إذا قتله الجارح ككلب أو باز. ووجه كون هذه الأمور من التتميميات: أن الكتابة فيها الجَرْي على مكارم الأخلاق من تكريم بني آدم برفع (١) الرقِّ. وفي السَّلَم وأكل الصيد: أن بعض الناس ربما احتاج إلى ذلك في معاشه فجُعِل ذلك شرعًا عامًّا لعدم الانضباط في مقادير الحاجات، قاله القرافي في "شرح التنقيح" (٢). قلت: هكذا قالوا، والظاهر أنه لا ينبغي أن يُقال في شيء نزل به القرآن وجاءت به السنة الصحيحة أنه مخالف للأصول إذ لا أصل أكبر من الكتاب والسنة (٣). ٧٢٤ - من المُناسِبِ مؤثِّرٌ ذُكِرْ ... بالنَّصِّ والإجماعِ نوعُه اعتبِرْ ٧٢٥ - في النوعِ للحُكْم. . . . ... . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 507

هذا تقسيم آخر للمناسب قسَّمه المؤلف فيه إلى أربعة أقسام مؤثِّر، وملائم، وغريب، ومرسل، وبدأ بالمؤثِّر -وهو بكسر الثاء بصيغة اسم الفاعل- وفسَّرَه المؤلف بقوله: "بالنصِّ والإجماع نوعه اعتُبِر في النوع للحكم" يعني أن الوصفَ المناسب المؤثِّر هو ما اعتبر الشرع فيه عينَ الوصف أي نوعه، في عين الحكم أي نوعه، وكان اعتباره فيه بنص أو إجماع. مثال اعتباره فيه بالنصِّ: تعليل نقض الوضوء بمسِّ الذَّكر فإنه مستفاد من الربط بين الشرط والجزاء في قوله ﷺ : "من مسَّ ذكره فليتوضأ" (١) عند القائل بنقض الوضوء بمسِّ الذكر. ومثال اعتباره فيه بالإجماع [تعليل] ولاية المال على الصغير بالصِّغَر فإنه مُجْمع عليه، وإنما سُمِّي هذا المناسب مؤثِّرًا لظهور تأثيره بما اعتبره الشرع به من نصٍّ أو إجماعٍ. قوله: "مؤثِّر" خبره "من المناسب"، وقوله: "نوعه" مبتدأ خبره جملة "اعْتُبِر" بالبناء للمفعول.

стр. 508

وإن لم يُعْتَبرْ ... بِذَينِ بل ترتُّبُ الحكم ظهرْ ٧٢٦ - على وِفاقِه فذا المُلائم ... . . . . . . . . . . . . . يعني أنه إن لم يعتبر الشرع نوعَ الوصف في نوع الحكم بنص ولا إجماع بل اعتبر عين الوصف في عين الحكم أي نوعه في نوعه بأمر آخر غير النصِّ والإجماع، ذلك الأمر هو ترتب الحكم على وَفْق الوصف، وإيضاحه: أن المراد بترتُّب الحكم على وَفْق الوصف ثبوت الوصف مع الحكم في محل النصِّ بأن كانا مقترنين في نص الحكم، وهذا مراد المؤلف بقوله: "بل ترتب الحكم ظهر على وفاقه" فهذا الوصف المذكور هو الملائم، وسمِّيَ ملائمًا لملاءمته للحكم، ثم بين المؤلف أقسامه الثلاثة وترتيبها بقوله: . . . . . . . . . . . . . . . ... أقواه ما ذَكَر قبلُ القاسمُ ٧٢٧ - من اعتبار النوع في الجنس ومِنْ ... عكسٍ ومن جنسٍ بآخرٍ زُكِنْ يعني أن أقسام الملائم ثلاثة، أقواها ما يذكره القاسم أي الأصولي الذي يريد تقسيم الملائم. وقوله: "قبلُ" أيْ أولًا، فالقسم الأول أقوى من الثاني، والثاني أقوى من الثالث. وأشار المؤلف لأولها بقوله: "من اعتبار النوع في الجنس" أي نوع الوصف في جنس الحكم. مثاله: تعليل ولاية النكاح على الصغيرة التي هي الحكم بالصغر الذي هو الوصف، وقيل: علةُ الولايةِ البكارةُ، وقد اعْتُبِر عين الصغر في جنس الولاية حيث اعْتُبِر في ولاية المال بالإجماعِ لأن الإجماعَ على اعتباره في ولاية المال إجماعٌ على اعتباره في جنس الولايةَ الصادق بولاية النكاح والمال، فهذا

стр. 509

المثال اعْتُبِر فيه عينُ الوصف بسبب ترتيب الحكم على وَفْق الوصف بلا نصٍّ ولا إجماع على اعتبار العين في العين، وإنما كان الإجماع على اعتبار الصغر في ولاية المال إجماعًا على اعتباره في جنس الولاية، لأنهم نظروا إلى مجرد تعليل الولاية بالصغر مع قطع النظر عن المال، إذ لو كان خصوص المال ملحوظًا في المعلول لم ينهض هذا حجة على اعتبار الصغر في ولاية النكاح قاله شهابُ الدين عميرة (١). وأشارَ المؤلفُ للثاني منها بقوله: "ومن عَكَس" أي عَكَس القسم الأول والمراد بذلك العكس هو اعتبار العين في العين بترتيب الحكم على وَفْق الوصف حيث ثبت معه، والحالُ أن الشارع اعتبر جنس الوصف في عين الحكم. مثاله: تعليل جواز الجمع في الحَضَر ليلة المطر بالحَرَج الحاصل من المطر، وقد اعْتُبِر جنس الحرج في عين جواز الجمع في السَّفَر بالنصِّ. وأشار للثالث منها بقوله: "ومن جنس" إلخ والمراد به اعتبار العين في العين بترتيب الحكم على وَفْق الوصف حيث ثبت معه، والحالُ أن الشارع قد اعتبر جنسَ الوصف في جنس الحكم. ومثاله: اعتبار جنس الوصف الذي هو الجناية في جنس الحكم الذي هو مطلق القصاص في

стр. 510

قياس القتل بالمثقَّل على القتل بالمحدَّدِ، وإنما كانت الجناية جنسًا لصدقها على الجناية على الأنفس وعلى الأطراف، وإنما كان القصاص جنسًا لصدقه على ذلك أيضًا وقوله: "زُكِن" بمعنى عُلِم. ٧٢٨ - أخصُّ حكمٍ منعُ مثلِ الخَمْرِ ... أو الوجوبُ لمضاهي العَصْر ٧٢٩ - فمطلَقُ الحُكْمينِ بعدَه الطلَبْ ... وهُوَ بالتَخيير في الوضعِ اصطَحَبْ ٧٣٠ - فكونُهُ حُكْمًا. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . يعني أن الحكم له أجناس منها عالٍ ومنها متوسط ومنها سافل، وأخَصُّ أجناسه أي أقربها كونه مثلًا تحريم الخمر أو إيجاب صلاة العصر مثلًا، وإنما كان هذا أخَصَّها لتعيينه وتعيين متعلقه، وهذا مراد المؤلف بقوله "أخصُّ حكمٍ" البيت. ثم يليه كونه مطلق إيجاب أو تحريم -مثلًا- كقول السّبكي (١): "فإن اقتضى الخطابُ الفعلَ اقتضاءً جازمًا فإيجاب إلخ. . ". وهو مراد المؤلف بقوله: "فمطلق الحكمين". ثم يلي هذا كونه طلبًا أو تخييرًا لأن الطلب شامل لطلب الفعل والكف، فيدخل فيه الواجب والمندوب والمكروه والحرام، والتخيير في مرتبته، وذلك مراده بقوله: "بعده الطلب وهو بالتخيير" إلخ. وآخر الأجناس وأعلاها: المرتبة التي بعد الطلب والتخيير، وهي كونه حكمًا كما تقدم في قول المؤلف: "خطاب ربي إن تعلق. . " إلى قوله:

стр. 511

"فذاك بالحكم" (١) إلخ. وقوله: "لمضاهي" أي مشابه العصر من الواجبات. . . . . . . . كما في الوصفِ ... مناسبٌ خصَّصه ذو العُرْف ٧٣١ - مصلحةٌ وضِدُّها بعد فما ... كَوْنُ محلِّها من الَّذْ عُلِما يعني أن أعمَّ أجناس الوصف وأبعدَها كونه وصفًا تُناط به الأحكام كما أن أبعد أجناس الحكم كونه حكمًا كما ذكره بقوله: "فكونه حكمًا"، وقوله: "مناسبٌ خَصَّصَه ذو العرف" يعني أن صاحبَ العرف الأصولِيّ حَكَم بأن الوصف المناسب أخصُّ من مطلق الوصف لصدق مُطْلَقه بغير المناسب، وقوله: "مصلحة وضدُّها بعدُ" يعني أن كون الوصف مصلحة أو ضدَّ مصلحة ككونه مفسدة أو مشقة "بعدُ" بالضم أي بعد المناسب، فكون الوصف مصلحة أو ضدّهَا أخصُّ من مطلق المناسب. وقوله: "فما كون محلها من الّذْ علما" يعني أنه يلي مرتبة المصلحة وضدَّها تعيين المصلحة بكونها حاجية أو تتميمية أو المفسدة بكونها ضرورية كالنفس والدين، وهذا معنى قوله: "فما كون ملحها من الَّذْ علما" وتسكين الذال لغة في الذي. ٧٣٢ - فقدِّم الأخصَّ. . . . ... . . . . . . . . . . . . . قوله: "قدم" أمر يعني أنه يجب تقديم الأخصِّ من الأوصاف والأحكام، أعني الأقرب منها على الأعم الذي هو الأبعد. ومثاله: تقديم البنُوَّة على الأخوَّة، والأخُوَّة على العمومة في الميراث. ومن هنا قدَّم

стр. 512

المالكية ترك الصلاة بالثوب النجس على الصلاة بالحرير إن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا أو حريرًا؛ لأن النجس أخصُّ بالصلاة من الحرير؛ لأن الحرير ممنوع في غيرها، والنجس لا يُمْنَع إلا فيها، ولهذا قدَّموا أيضًا أكل الميتة على أكل الصيد للمُحْرِم لأن منعَ الصيد أخصُّ بالمحرم من منع الميتة. ومن فروع هذه القاعدة: ما تقدم من تقديم المؤثِّر على الملائم لأنه أخصُّ منه، وكذلك تقديم بعض أقسام الملائم على بعض لأن أخصها اعتبار نوع الوصف في جنس الحكم، ثم اعتبار (١) جنس الوصف في نوع الحكم. ثم اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، وإنما قدم اعتبار الجنس في النوع كما تقدم لأن الإبهام في الوصف الذي هو العلة أكثر محذورًا منه في الحكم، لأن العلة تُعرِّفُ الحكم، فكلما كانت أخصَّ وأقرب كان الحكم أحرى بالظهور، وكلما كانت أبعدَ وأعمَّ بَعُدَ معلولها من الظهور بحسب بُعْدِها. . . . . . . . . والغريبُ ... ألغى اعتبارَهُ العَلي الرقيبُ يعني أن الوصفَ المناسب إذا دلَّ الدليل على إلغائه وعدم اعتباره فهو المسمَّى بالغريب، ومثاله: ما لو جامع المَلِكُ في نهار رمضان، فالوصف المناسب أن يُلْزَم بخصوص الصوم في الكفارة، لأن ألَمَ الجوع والعطش هو الذي يرْدَعُه عن انتهاك حرمة رمضان لسهولة بذل المال في العتق والإطعام على المَلِك في شهوة فرجه، لكنَّ الشارعَ أهدرَ هذا فجعل

стр. 513

الناس سواءً في العتق والإطعام والصوم لا فرق في ذلك بين مَلِك وغيره. و ربما قيل للغريب: طَرْدٌ وطَرْديٌّ ، وعليه فالطردي قسمان. وإنما قيل للغريب: مناسب لأنه ملائم لأفعال العُقلاءِ عادة، وقد تُنفى عنه المناسبة بالنظر إلى أن الشارع ألغاها. ٧٣٣ - والوصفُ حيثُ الاعتبارُ يُجْهَلُ ... فهو الاستصلاحُ قلْ والمرْسَلُ يعني أن الوصف المناسب إذا لم يدل دليل على اعتباره ولا على عدم اعتباره فهو المعروف بالاستصلاح والمرسل، ويسمَّى بالمصلحة المرسلة والمصالح المرسلة، فتحَصَّل أن الوصفَ المناسب له ثلاث حالات: الأولى: أن يدلَّ الدليلُ على اعتباره، وذلك هو المنقسم إلى مؤثِّر وملائم وقد تقدم. الثانية: أن يدلَّ على عدم اعتباره، وهو الغريب. الثالثة: أن لا يدل على اعتباره ولا على عدم اعتباره، وهو المرسل، وهو مراد المؤلف بالبيت. وسُمِّي [استصلاحًا] (١) ومصلحة لما فيه من المصلحة التي اشتمل عليها الوصف المناسب، وسُمِّيَ مرسلًا لإرساله أي إهماله عن دليل الاعتبار ودليل الإلغاء. والعمل بالمصالح المرسلة أصل من أصول الإمام مالك محتجًّا بإجماع الصحابة في مسائل كثيرة من المصالح المرسلة، وذكر بعض المحققين من المالكية أن كثيرًا من أتباع الأئمة شنعوا على مالك -كإمام

стр. 514

الحرمين (١) - في الأخذ بالمصالح المرسلة، مع أن كلَّهم يأخذ بها أكثر من المالكية وينكرون على المالكية (٢). وأشار المؤلف إلى أن المالكية يعملون بالمصالح المرسلة بقوله: ٧٣٤ - نقبلُه لعملِ الصحابه ... كالنَّقْطِ للمصحف والكتابَه ٧٣٥ - توليةِ الصدِّيق للفاروقِ ... وهدمِ جار مسجدٍ للضيقِ ٧٣٦ - وعملِ السِّكَّةِ تجديدِ النِّدا ... والسِّجن تدْوينُ الدّواوِينِ بدا قوله: "نقبله" يعني أن المالكية يجوِّزون العمل بالمرسل رعايةً للمصالح، ومن ذلك تجويز مالك لضرب المتهم بالسَّرقة لِيُقرَّ (٣)، كما قال ابن عاصم في "التحفة": وإن تكن دعوى على من يُتَّهم ... فمالك بالسِجن والضربِ حَكَم وفي بعض روايات الإفك (٤): أن عليًّا ﵁ ضرب بريرة لتصْدُق

стр. 515

في الخبر عن عائشة والنبي ﷺ حاضر فلم ينكر، وهو دليل لمثل ذلك (١). وذكر المؤلف (٢) أن مالكًا عمل بذلك لعمل الصحابة ﵃ به من غير مخالف ولا نكير في ذلك، وذكر لذلك ثمانية أمثلة. الأول: نَقْط المصحف لأجل حفظه من التصحيف. الثاني: كتابته لأجل حفظه من الذهاب والنسيان. الثالث: تولية أبي بكر ﵁ لعمر بن الخطاب ﵁ رعايةً لمصلحة المسلمين لأنه أحق بها من غيره. والرابع: هدم ما جاور المسجد من الدُّور لتوسيع المسجد كما فعله عثمان وعمر. الخامس: عمل سكة يتعامل بها المسلمون لتسْهُل على الناس المعاملة كما فعله عمر. السادس: تجديد الأذان يوم الجمعة كما فعله عثمان ﵁ لكثرة الناس. السابع: اتخاذُ السِّجن -بالكسر- للمعاقبة بالسَّجن -بالفتح- فعله

стр. 516

عمر بن الخطاب ﵁ فإنه اشترى من صفوان بن أمية دارًا في مكة واتخذها سجنًا، وسَجَن عمر ﵁ الحُطَيئة في الهجو، وسَجَن صَبيغًا لسؤاله عن المتشابه، وسَجَن عثمانُ ﵁ ضابئَ بنَ الحارث البُرْجُمِيَّ وهو من لصوص تميم حتى مات في السجن، وسَجَن عليٌّ بعضَ المجرمين بالكوفة. الثامن: تدوين الدواوين أي كتابة أسماء الجُند في ديوان. فإن هذه المسائل كلَّها لم يفعل النبي ﷺ منها شيئًا ولم يَرِد بها نصٌّ خاص من كتاب ولا سنة، وإنما فعلها الصحابة من غير مُنْكِر ولا مخالف، لأجل رعاية المصالح المرسلة فقط لأن المصالح المرسلة تشهد لها أصول الشرع من اعتباره لجلب المصالح ودرء المفاسد كما يأتي في كتاب الاستدلال، وأمثال هذا كثيرة، وقد ذكرنا الأمثلة الثمانية على حسب ترتيب النظم، وبذكرها يظهر معنى الأبيات، وكلها متعاطفة بالخفض إلا قوله: "تدوينُ الدواوين" فهو مبتدأ خبره جملة الفعل بعده أي بدا وظَهَر كونه من المصالح المرسلة. ٧٣٧ - اخرِمْ مُناسبًا بمُفْسِد لَزِم ... للحُكم وهو غيرَ مرجوحٍ عُلِمْ يعني أن مناسبة الوصف تنخرم أي تبطل بمفسدةٍ ملازمة للحكم إذا كانت المفسدة غير مرجوحة، بل لابُدَّ في انخرام المناسَبَة بالمفسدة من كون المفسدة إما راجحة على مصلحة الحكم وإما مساوية لها، وإذا كانت كذلك امتنع التعليل بذلك الوصف المناسب، إذ لا مصلحة مع المفسدة الراجحة أو المساوية خلافًا للرازي في قوله ببقاء المناسبة، ولكنه موافق

стр. 517

على انتفاء الحكم بالمفسدة المذكورة، فهو عنده كوجود المانع من تأثير العلة (١)، وعلى الأول فالعلة منفية من أصلها بسبب المفسدة اللازمة لترتُّب الحكم عليها. ومن فروع هذه المسألة: فداء الأسارى المسلمين من أيدي الكفار بالسلاح حيث لم يرض الكفار في فدائهم غير السلاح، فإذا غَلَب على الظن أن السلاح إذا أُعْطِيَ في فدائهم للكفار تمكنوا به من أن يقتلوا من المؤمنين قدر الأسارى أو أكثر منهم فإن مصلحة الفداء تنخرم بمفسدة قوة شوكة الكفار التي هي سبب لمفسدة مساوية أو أرجح من المصلحة المذكورة. وقوله: "غيرَ" حال من الضمير النائب عن فاعل "عُلِم" المستتر أي علم هو أي المفسد حال كونه غير مرجوح. تنبيه: ومما يجب التنبيه (٢) له في هذه المسألة: النظر في مآلات الأمور وعواقبها فلا يُحْكَم بإعمال المصالح المرسلة إلا بعد النظر التام في عواقب ما تؤولُ إليه تلك الأحكام؛ لأنه ربما ظهرت في الفعل مصلحة وهي تنطوي على مفاسد كامنة ستظهر بعد ذلك. * * *

стр. 518

السّادس الشبه المراد بالشبه هنا هو الوصف المشتمل عليه المسلك لا نفس المسلك، فبذلك تعرف تعريف الشبه بأنه المسلك المشتمل على الوصف المعرَّف هنا المشار إليه بقوله: ٧٣٨ - والشبَهُ المستلزَم المُناسِبا ... مِثْلُ الوضو يستلزمُ التقَرُّبا اعلم أولًا أن عبارات الأصوليين اختلفت في تعريف الشَّبَه، فعرَّفه البعضُ بأنه منزلة بين المناسب والطَّرْد، وبه صدَّر صاحب "جمع الجوامع" (١). وعرَّفه الباقلانيُّ بأنه هو المناسب بالتبع، وإياه تَبِعَ المؤلفُ. ومعنى البيت: أن الشبه المرادَ به الوصف: هو الوصف المستلزم للوصف المناسب للحكم بالذات لأنه إن لم يناسب بذاته ولم يستلزم المناسب فهو المسمَّى بالطرد المُلْغى إجماعًا، وإن كان مناسبًا بالذات فهو المناسب المتقدم، فظهر أن الشبه فوق الطَّرْد ودون المناسب ، فهو يُشْبه الطردَ من جهة عدم المناسبة بالذات، ويُشبه المناسب من جهة استلزامه للمناسب بالذات. ومَثَّل له المؤلف بقوله: "مثل الوضو يستلزم التقربا"، ووجه المثال للمناسب (٢) بالتبع بهذا: أنك لو قست الوضوء مثلًا على التيمُّمِ في

стр. 519

وجوب النية بجامع كونه طهارة، فإن الطهارة من حيث هي ليست مناسبة لاشتراط النية لعدم اشتراطها في طهارة الخبث، لكن الطهارة تستلزم وصفًا مناسبًا لاشتراط النية وهو كونها عبادة وقربة، والعبادة مناسبة لاشتراط النية بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة/ ٥]. فإن قيل: إذا كان المناسب لاشتراط النية جهة العبادة فلِمَ لا تُشترط في طهارة الخبث لتحقق كونها عبادة أيضًا، إذ لا تكون إلا واجبة أو مندوبة، وكلا الواجب والمندوب عبادة؟ فالجواب: أن طهارة الخَبَث من حيث هي لا تتمحَّض للتَّعبد فقد تكون غير واجبة ولا مندوبة كإزالتك النجس عن أرضك دفعًا للاستقذار، بخلاف الوضوء مثلًا فإنه لا يكون إلا عبادة، ولا ينافي ذلك أن الإنسان قد يغسل أعضاءه لمجرد التنظيف، لأن غَسْلَها على الوجه الخاصِّ والترتيب الخاصِّ لا يكون إلا للتعبد. وقول المؤلف: "مثل الوضو" الظاهر أنه سهو منه ﵀ وأن الذي ينبغي أن يقال: "مثل التيمُّمِ" لأن الوضوء في مثاله هو الفرع المقيس. فإن قلت: قياس الوضوء على التيمم ممنوع لظهور حكم الوضوء قبل التيمّمِ كما تقدم في قوله (١): . . . . . . . وحكم الفرع ... ظهوره قبلُ يُرى ذا منع فالجواب: أن المؤلف ذكر هنا في المتن و"الشرح" نقيض ما ذكر

стр. 520

هناك في المتن و"الشرح" (١)، والذي يظهر لي أن المثالَ المذكور هنا أولى من المثال المذكور هناك؛ لأن الحكم في هذا المثال هو اشتراط النية، ولم يكن معروفًا في الوضوء إذ لم يرد فيه نصٌّ، والنصُّ الوارد في الوضوء لا يتعرض لوجوب النية ولا لعدمه، فظهر أن حكمَ الفرع هنا لم يكن معروفًا قبل حكم الأصل؛ لأن المعروف قَبْلُ حكم الوضوء لا حكم اشتراط النية فيه. وقوله: "والشبه" مبتدأ و"المستلزم" خبره و"المناسب" -بالكسر- مفعول المستلزم. ٧٣٩ - مع اعتبارِ جنسِه القريبِ ... في مثله للحكمِ لا الغريبِ يعني أن الشبه الذي عرَّفناه بأنه لا يناسب لذاته ولكن يستلزم المناسب لذاته يُزَادُ في تعريفه أنه لابد أن يشهد الشرع بتأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب. ولا يُكتفى بالجنس البعيد في ذلك. ومثال التأثير المذكور: ما تقدم، فإن جنس العبادة القريب مؤثِّر في جنس اشتراط النية القريب في المثال المتقدم. ومن أمثلته أيضًا قولنا: الخل مائع لا تنبني القنطرة على جِنْسه فلا تُزال به النجاسة قياسًا على الدهن. فإن قولنا: لا تنبني القنطرة عليه يؤذن بأنه قليل، والقلة وصف مناسب لعدم مشروعية التطهير به، لأن الشرع العامّ يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود، أما التكليف للكل بما لا يجده إلا البعض فبعيد عن القواعد، فظهر أن قولنا: لا تنبني القنطرة على جنسه، ليس بمناسب وهو مستلزم للمناسب، وقد

стр. 521

شهد الشرع بتأثير جنس القلة والتعذر في عدم مشروعية الطهارة، لأن الماء إذا قل أو اشتدت إليه الحاجة فإن الأمر به يسقط ويكون الحكم التيمّم. ٧٤٠ - صلاحُهُ لم يُدْرَ دون الشرْعِ ... ولم يُنَط مناسِبٌ بالسَّمْعِ تعرض المؤلف في هذا البيت للفرق بين المناسب والشبه تبعًا للفِهْري، ومعنى الفرق الذي تضمنه البيت أن صلاحية الشبه لما يترتب عليه من الأحكام لا يدركها العقل لو قُدِّر عدم ورود الشرع، فاشتراط النية في الطهارة مثلًا لو لم يَرِد الشرعُ باشتراطها في التيمم ما أدرك العقل اشتراطها فيها، وهذا مراده بقوله: "صلاحه لم يدر دون الشرع" بخلاف الوصف المناسب فإن صلاحيته لما يترتَّب عليه من الأحكام يدركها العقل لو لم يرد الشرع باعتبارها، فالعقل قَبْل تحريم الخمر مثلًا يدرك أن تحريمَها مناسبٌ لصيانة العقول، وقد قال قيس بن عاصم التميميُّ في جاهليته (١): فلا واللَّه أشربُها صحيحا ... ولا أُشفي بها أبدًا سقيما ولا أعْطي بها ثمنًا حياتي ... ولا أدعو لها أبدًا نديما لأن الخمرَ تفضحُ شاربيها ... وتجنيهم بها الأمرَ العظيما

стр. 522

وقبل الأبيات: رأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها ... خصال تفسدُ الرجلَ الحليما وهذا مراده بقوله: "ولم يُنط مناسب بالسمع" وقوله: "يُنط" مبنيٌّ للمفعول من الإناطة "ومناسب" نائبه. ٧٤١ - وحيثما أمكنَ قيْسُ العلَّةِ ... فتركَه بالاتفاقِ أثبِتِ مراد المؤلف بـ "قيس العلة" هنا ما قابل الشَّبَه وهو الوصف المناسب بالذات، بخلاف مراده به في آخر القياس فإنه يعني به الجمع بنفس العلة كانت مناسبةً بذاتها أو بالتبع، فلا تلتبس عليك الطرق، كما أنهم يُطلقون قياس الدلالة الآتي في قوله: "جامع ذي الدلالة الذي لزم" إلخ على قياس الشَّبَه هذا أيضًا. ومعنى البيت: أنه إذا أمكن القياس بالوصف المناسب بالذات وجب ترك القياس بالمناسب بالتبع إذ لا حاجة إلى الشبه مع وجود المناسب. وقوله: "قيس العلة" أي قياسها وتقدم معناه، وقوله: "أثبت" فعل أمر و"تركه" مفعوله قُدِّم عليه. ٧٤٢ - إلّا ففي قبوله تردُّدُ ... . . . . . . . . . . . . . . . يعني وإلا يمكن قيس العلة فهل يُقبل قياس الشَّبه أو لا يُقبل في ذلك؟ تردَّدَ الباقلانيُّ فمرة قَبِله كالشافعي نظرًا إلى استلزامه للمناسب، ثم استقرَّ على منعه وفاقًا لبعضَ الشافعية نظرًا إلى عدم مناسبة الوصف بالذات (١).

стр. 523

والظاهرُ قبوله إن لم يوجد غيره كما قال به الأكثر في غلبة الأشباه، ومراد المؤلف بالتردُّدِ تردُّدُ الباقلانِيّ من المالكية المذكور، وقوله: "إلَّا" فيه إن الشرطية مدغمة في لا النافية وفعل الشرط محذوف على حد قول الشاعر (١): * وإلَّا يَعْلُ مَفْرِقك الحسام * . . . . . . . . . . . . . . . ... غلبةُ الأشباه هُوَّ الأجْوَدُ يعني أن قياس غلبة الأشباه هو أجود أي أقوى القياسات المبنية على الشبه بمعنى الوصف، وقياس غلبة الأشباه هو: إلحاق فرعٍ متردِّدٍ بين أصلين بأحدهما الذي هو أكثر به شبهًا في الحكم والصفة ثم الحكم ثم الصفة كما يأتي. ومثاله: إلحاق العبد بالمال في إيجاب قيمته إذا قُتِل ولو زادت على الدية، لأن شَبَهَه بالمال في الحكم والصفة أكثر من شبهه بالحُرِّ فيهما، لكونه يُبَاعُ ويورث ويُعَارُ، هذا من جهة الحكم. وأما في الوصف فتتفاوت (٢) قيمته بتفاوت أوصافه جودةً ورداءةً مع أنه يشبه الحرَّ في كونه آدميًّا يُثاب ويُعاقب. ومن أوجب في قتله الدية زعم أن شَبَهَه بالحُرِّ أكثر لمشابهته له في الأوصاف البدنية والأوصاف النفسية والتكاليف. فإن قيل: كيف يدخل قياس غلبة الأشباه في قياس الشبه المعرَّف بأنه المستلزم المناسب لما درج عليه المؤلف؟

стр. 524

والجواب: أن قياس غلبة الأشباه لا يتبادر دخوله في الحدّ الذي حدَّ به المؤلفُ والباقلانيُّ الشبَهَ، ولكن يدخل فيه على التعريف الذي صدَّر به صاحب "جمع الجوامع" (١)، لأن بالنظر إلى كل من الشبيهين يناسب إلحاقه به، وإلحاقه بهذا يمنع إلحاقه بذلك لتنافي حكمَيْهما، فصار بالنظر إلى كل واحد منهما بانفراده يشبه المناسب من حيث مشابهته له، ويُشبه الطردي بالنسبة إليه من حيث مشابهته للآخر المنافي له، فالعبد المقتول مثلًا من حيث إنه يشبه المال ويلحق به طرديُّ بالنسبة إلى الحر، ومن حيث إنه يشبه الحر يشبه الطردي بالنسبة إلى المال. وقد يدخل قياسُ غلبةِ الأشباه في تعريف المؤلف بتكُّلف كأن تقول: شبه العبد بالمال مثلًا ليس مناسبًا لإلحاقه به في وجوب قيمته بالقتل، لأن هذه المناسبة معارضة بشبهه للحر المقتضي للزوم الدية، إلا أن مشابهته للمال استلزمت المناسب وهو الأغلبية في الشبه في الحكم والوصف. ٧٤٣ - في الحُكمِ والصفةِ ثم الحُكْم ... فصفةٍ فقط لدى ذي العِلْم يعني أن قياس غلبة الأشباه ثلاثة أنواع: نوع يكون في الصفة والحكم معًا، وقد تقدم مثاله في قياس العبد على المال. ونوع يكون في الحكم فقط، وهو دون ما قبله فيقدَّم عليه عند التعارض، ولم أرَ من مَثَّلَ له ولم يحضرنا له مثال. وقوله: "ثم الحكم فصفة" يعني أن غلبة الأشباه في الصفة والحكم معًا، يليها غلبتها في الحكم، ثم يلي ذلك غلبتها في الوصف فقط،

стр. 525

ومَثَّل له المؤلف في "الشرح" (١) بإلحاق الأقوات بالبر والشعير في الربا. ٧٤٤ - وابنُ عُلَية يرى للصُّوري ... كالقَيْس للخَيْلِ على الحَمير يعني أن إسماعيل بن عُلَية يرى جواز العمل بقياس الشبه الصوري لأجل الشبه في الصورة التي يُظن كونها علة الحكم، وضابط الصُّوري: ما كن الشبه فيه بأصل الخِلْقةِ -بالكسر- كقياس الخيل على الحمير في عدم الزكاة؛ وحرمة الأكل للمشابهة في الصورة، وكقياس المنيِّ على البيض لمشابهتهما في أن كلًّا منهما يستحيل إلى حيوان طاهر، وكإلحاق الهرة الوحشية بالإنسية في التحريم على الأصح كما قاله بعض الشافعية (٢). والأصلُ في قياس الشبه عند القائل به قوله تعالى في جزاء الصيد: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة/ ٩٥]، وما ثبت أن النبي ﷺ اسْتَسْلف بَكْرًا ورد رباعيًا (٣). واعلم أن العلماء اختلفوا في قياس الشبه: فمنهم من اعتبره مطلقًا، ومنهم من اشترط في اعتباره الضرورة إلى الحكم في واقعةٍ لا يوجد فيها إلا الوصف الشبهيُّ، ومنهم من أجاز غلبة الأشباه فقط، وفيه أقوال غير هذا (٤). * * *

стр. 526

السّابع الدورَان الوجوديُّ والعَدميُّ ويسمّى بالدوران فقط، وبالطرد والعكس وهو المسلك السابع من مسالك العلّة، وسيأتي الكلام على الدوران الوجودي بعد هذا، وعرَّفَ المؤلف هذا المسلك السابع الذي هو الدوران بقوله: ٧٤٥ - أن يوجدَ الحكمُ لدى وجودِ ... وصفٍ وِينتفي لدى الفُقُودِ ٧٤٦ - والوصفُ ذو تناسبٍ أو احتملْ ... له وإلَّا فعَنِ القصدِ اعتزلْ يعني أن الدوران الوجودي والعدمي هو أن يكون الحكم يوجد عند وجود الوصف وينتفي عند انتفائه، والحال أن الوصف الدائر معه الحكم ظاهر التناسب أو محتمل له، فإن لم يكن ظاهر التَّناسب ولا محتملًا له فلا عبرة به، لأنه بمعزل عن القصد في هذا المسلك، وهو مراد المؤلف بقوله: "وإلا فعن القصد اعتزل" أي وإلا يكن مناسبًا أو محتملًا للمناسبة فهو بمعزل عن القصد. ومثال المستوفي للشروط في هذا المسلك: دوران التحريم مع الإسكار وجودًا وعدمًا، فإنَّ عصيرَ العنب تعدم فيه الحرمة لعدم الإسكار، فإن تَخمَّرَ وُجِدَت الحرمة لوجود الإسكار، فإن تخلَّلَ عُدِمت الحرمة لعدم الإسكار. فإن قيل: المناسبة المذكورة في هذا المسلك تكفي وحدها دون

стр. 527

الدوران كما تقدم في مسلك المناسبة. فالجواب: ما ذكره صاحب "الآيات البينات" (١) من أن غاية ما في الباب اجتماع جهتين كل منهما تفيد العلية ولا محذور في ذلك، فكون الإسكار علة التحريم يستدل عليه بثلاثة من مسالك العِلّة: الأول: مسلك الإيماء من جهة ترتُّب الحكم الذي هو المنع على الوصف الذي هو الإسكار في حديث: "كل مسكر حرام" (٢). الثاني: مسلك المناسبة لمناسبة الإسكار للتحريم واقترانه معه في دليل الحكم مع السلامة من القوادح كما تقدم في المناسبة (٣). الثالث: الدوران الوجوديُّ والعدمُّي كما مثَّلْنا به هنا. و"الفُقُود" مصدر فقد. ٧٤٧ - وهو عند الأكثرينَ سَنَدُ ... في صورةٍ أو صورتين يوجَدُ يعني أن الدوران المعرَّف في هذا المسلك "سَنَد" أي حجة عند الأكثرين من المالكية وغيرهم وهو دليل ظنيٌّ على التحقيق وهو مذهب الأكثر. ووجه دلالة هذا المسلك على العلية: أن اقتران الوجود بالوجود والعدم بالعدم مع ظهور المناسبة أو احتمالها يُفيدُ غلبة ظن العلية، وزعم بعضهم أنه قطعي، ومفهوم قول المؤلف: "عند الأكثرين" أن الأقل يقولون: إن الدوران لا يفيد العلية لا قطعًا ولا ظنًّا، وهو اختيار ابن

стр. 528

الحاجب (١) تبعًا للرازي (٢) والغزالي (٣) وغيرهما، محتجين بجواز ملازمة الوصف للعلة من غير أن يكون هو العلة نفسها كملازمة رائحة الخمر المخصوصة للإسكار وجودًا وعدمًا، فهي دائرة مع التحريم وجودًا وعدمًا وليست علته لكنها ملازمة لعلته التي هي الإسكار. وقوله: "في صورة أو صورتين" يعني أن الدوران يوجد في صورة واحدة ويوجد أيضًا في صورتين، فمثال وجوده في صورة واحدة: هو ما قدمنا من دوران التحريم مع الإسكار وجودًا وعدمًا، والدوران في صورة واحدة أقوى من الدوران في صورتين. ومثاله في صورتين: الحلي المباح عند من يقول بوجوب الزكاة فيه، لأن الحكم الذي هو وجوب الزكاة يدور مع الوصف الذي هو النقدية في صورتينِ، فوجود النقدية في النقدين -أعني الذهب والفضة- في غير صورة النزاع التي هي الحليُّ المباح يوجد معه وجوب الزكاة، وعدم النقدية في الثياب وغيرها من العروض مثلًا يعدم معه الحكم الذي هو وجوب الزكاة، فصار الدوران في صورتين لأنه في الوجود في النقد وفي العدم في غير النقد. ٧٤٨ - أصلٌ كبيرٌ في أمور الآخره ... والنَّافِعات عاجِلًا والضائِرَه قوله: "أصل" خبر مبتدأ محذوف تقديره هو، أي الدوران أصل كبير في أمور الآخرة وفي الأمور النافعة والضارة في الدنيا. مثاله في أمور

стр. 529

الآخرة: الأمر الفلاني يوجد عند وجوده الثواب ويعدم عند عدمه. وفي أمور الدنيا: كالمنافع والمضار في الأغذية والأدوية ونحو ذلك، فيوجد الأثر مثلًا عند استعمال بعض العقاقير ويعدم عند عدمه وهكذا. و"الضائرة" اسم فاعل ضاره يضيره بمعنى ضرَّه، وأفردَها والمقصود الجمع لأن الجمع المؤنث مطلقًا والمكسَّر المذكّر يجوز إجراؤهما مُجرى المؤنثة (١) المجازية التأنيث. * * *

стр. 530

الدورَان الوجوديُّ وهو الطَّرْد المراد بالطَّرْد في هذا المسلك والذي قبله: الاطراد وهو الملازمة في الثبوت، كما أن العكس في المسلك قبل هذا هو الملازمة في الانتفاء كما يأتي تحقيقه في القوادح. ٧٤٩ - وجودُ حكمٍ حيثما الوصفُ حصلْ ... والاقترانُ في انتفا الوصفِ انحظَلْ ٧٥٠ - ولم يكن تَناسُبٌ بالذاتِ ... أو تبعٍ فيه لدى الثّقاتِ يعني أن المسلك الثامن المسمَّى بالطرد وبالدوران الوجودي هو: مقارنة الحكم للوصف في الوجود فقط دون النفي بأن يكونَ الحُكْم يوجد عند وجود الوصف ولا ينعدم بانعدامه، وكونه يوجد بوجوده هو مراده بقوله: "وجود حكم حيثما الوصف حصل"، وكونه لا ينتفي بانتفائه هو مراده بقوله: "والاقتران في انتفا الوصف انحظل" أي الاقتران بين الحكم والوصف في حالة انتفاء الوصف مُنْحَظِلٌ أي ممتنع. ويشترط في الدوران الوجوديّ ألّا يكون الوصف مناسبًا بالذات ولا بالتبع، إذ لو كان مناسبًا بالذات لكان قياس علة، ولو كان مناسبًا بالتبع لكان قياس شبه، هذا مراد المؤلف بقوله: "ولم يكن تناسب. . . " البيت. ومَثَّل له المؤلف (١) بتعليل ربا الفضل بمجموع الاقتيات والادِّخار، ومَثَّل له المحلِّي (٢) بعدم بناء القنطرة على المائع.
следующие страницы →