← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 283

نثر الورود شرح مراقي السعود

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (730 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

السّابع الدورَان الوجوديُّ والعَدميُّ ويسمّى بالدوران فقط، وبالطرد والعكس وهو المسلك السابع من مسالك العلّة، وسيأتي الكلام على الدوران الوجودي بعد هذا، وعرَّفَ المؤلف هذا المسلك السابع الذي هو الدوران بقوله: ٧٤٥ - أن يوجدَ الحكمُ لدى وجودِ ... وصفٍ وِينتفي لدى الفُقُودِ ٧٤٦ - والوصفُ ذو تناسبٍ أو احتملْ ... له وإلَّا فعَنِ القصدِ اعتزلْ يعني أن الدوران الوجودي والعدمي هو أن يكون الحكم يوجد عند وجود الوصف وينتفي عند انتفائه، والحال أن الوصف الدائر معه الحكم ظاهر التناسب أو محتمل له، فإن لم يكن ظاهر التَّناسب ولا محتملًا له فلا عبرة به، لأنه بمعزل عن القصد في هذا المسلك، وهو مراد المؤلف بقوله: "وإلا فعن القصد اعتزل" أي وإلا يكن مناسبًا أو محتملًا للمناسبة فهو بمعزل عن القصد. ومثال المستوفي للشروط في هذا المسلك: دوران التحريم مع الإسكار وجودًا وعدمًا، فإنَّ عصيرَ العنب تعدم فيه الحرمة لعدم الإسكار، فإن تَخمَّرَ وُجِدَت الحرمة لوجود الإسكار، فإن تخلَّلَ عُدِمت الحرمة لعدم الإسكار. فإن قيل: المناسبة المذكورة في هذا المسلك تكفي وحدها دون

стр. 527

الدوران كما تقدم في مسلك المناسبة. فالجواب: ما ذكره صاحب "الآيات البينات" (١) من أن غاية ما في الباب اجتماع جهتين كل منهما تفيد العلية ولا محذور في ذلك، فكون الإسكار علة التحريم يستدل عليه بثلاثة من مسالك العِلّة: الأول: مسلك الإيماء من جهة ترتُّب الحكم الذي هو المنع على الوصف الذي هو الإسكار في حديث: "كل مسكر حرام" (٢). الثاني: مسلك المناسبة لمناسبة الإسكار للتحريم واقترانه معه في دليل الحكم مع السلامة من القوادح كما تقدم في المناسبة (٣). الثالث: الدوران الوجوديُّ والعدمُّي كما مثَّلْنا به هنا. و"الفُقُود" مصدر فقد. ٧٤٧ - وهو عند الأكثرينَ سَنَدُ ... في صورةٍ أو صورتين يوجَدُ يعني أن الدوران المعرَّف في هذا المسلك "سَنَد" أي حجة عند الأكثرين من المالكية وغيرهم وهو دليل ظنيٌّ على التحقيق وهو مذهب الأكثر. ووجه دلالة هذا المسلك على العلية: أن اقتران الوجود بالوجود والعدم بالعدم مع ظهور المناسبة أو احتمالها يُفيدُ غلبة ظن العلية، وزعم بعضهم أنه قطعي، ومفهوم قول المؤلف: "عند الأكثرين" أن الأقل يقولون: إن الدوران لا يفيد العلية لا قطعًا ولا ظنًّا، وهو اختيار ابن

стр. 528

الحاجب (١) تبعًا للرازي (٢) والغزالي (٣) وغيرهما، محتجين بجواز ملازمة الوصف للعلة من غير أن يكون هو العلة نفسها كملازمة رائحة الخمر المخصوصة للإسكار وجودًا وعدمًا، فهي دائرة مع التحريم وجودًا وعدمًا وليست علته لكنها ملازمة لعلته التي هي الإسكار. وقوله: "في صورة أو صورتين" يعني أن الدوران يوجد في صورة واحدة ويوجد أيضًا في صورتين، فمثال وجوده في صورة واحدة: هو ما قدمنا من دوران التحريم مع الإسكار وجودًا وعدمًا، والدوران في صورة واحدة أقوى من الدوران في صورتين. ومثاله في صورتين: الحلي المباح عند من يقول بوجوب الزكاة فيه، لأن الحكم الذي هو وجوب الزكاة يدور مع الوصف الذي هو النقدية في صورتينِ، فوجود النقدية في النقدين -أعني الذهب والفضة- في غير صورة النزاع التي هي الحليُّ المباح يوجد معه وجوب الزكاة، وعدم النقدية في الثياب وغيرها من العروض مثلًا يعدم معه الحكم الذي هو وجوب الزكاة، فصار الدوران في صورتين لأنه في الوجود في النقد وفي العدم في غير النقد. ٧٤٨ - أصلٌ كبيرٌ في أمور الآخره ... والنَّافِعات عاجِلًا والضائِرَه قوله: "أصل" خبر مبتدأ محذوف تقديره هو، أي الدوران أصل كبير في أمور الآخرة وفي الأمور النافعة والضارة في الدنيا. مثاله في أمور

стр. 529

الآخرة: الأمر الفلاني يوجد عند وجوده الثواب ويعدم عند عدمه. وفي أمور الدنيا: كالمنافع والمضار في الأغذية والأدوية ونحو ذلك، فيوجد الأثر مثلًا عند استعمال بعض العقاقير ويعدم عند عدمه وهكذا. و"الضائرة" اسم فاعل ضاره يضيره بمعنى ضرَّه، وأفردَها والمقصود الجمع لأن الجمع المؤنث مطلقًا والمكسَّر المذكّر يجوز إجراؤهما مُجرى المؤنثة (١) المجازية التأنيث. * * *

стр. 530

الدورَان الوجوديُّ وهو الطَّرْد المراد بالطَّرْد في هذا المسلك والذي قبله: الاطراد وهو الملازمة في الثبوت، كما أن العكس في المسلك قبل هذا هو الملازمة في الانتفاء كما يأتي تحقيقه في القوادح. ٧٤٩ - وجودُ حكمٍ حيثما الوصفُ حصلْ ... والاقترانُ في انتفا الوصفِ انحظَلْ ٧٥٠ - ولم يكن تَناسُبٌ بالذاتِ ... أو تبعٍ فيه لدى الثّقاتِ يعني أن المسلك الثامن المسمَّى بالطرد وبالدوران الوجودي هو: مقارنة الحكم للوصف في الوجود فقط دون النفي بأن يكونَ الحُكْم يوجد عند وجود الوصف ولا ينعدم بانعدامه، وكونه يوجد بوجوده هو مراده بقوله: "وجود حكم حيثما الوصف حصل"، وكونه لا ينتفي بانتفائه هو مراده بقوله: "والاقتران في انتفا الوصف انحظل" أي الاقتران بين الحكم والوصف في حالة انتفاء الوصف مُنْحَظِلٌ أي ممتنع. ويشترط في الدوران الوجوديّ ألّا يكون الوصف مناسبًا بالذات ولا بالتبع، إذ لو كان مناسبًا بالذات لكان قياس علة، ولو كان مناسبًا بالتبع لكان قياس شبه، هذا مراد المؤلف بقوله: "ولم يكن تناسب. . . " البيت. ومَثَّل له المؤلف (١) بتعليل ربا الفضل بمجموع الاقتيات والادِّخار، ومَثَّل له المحلِّي (٢) بعدم بناء القنطرة على المائع.

стр. 531

ومثالُه به مُعْتَرض من جهتين؛ الأولى: ما قدمنا في مسلك الشبه من استلزامه المناسب بالذات فهو مناسب بالتبع. الثاني: أن الحكم ينتفي بانتفائه، وذلك يُخْرجه عن الطرد لأن الحكم فيه لا ينتفي بانتفاء الوصف، ونفي المناسبة في الطرد يخرج بقية المسالك حتى الدوران الوجودي والعدمي. إذا عرفتَ حدَّ المسلك التامن الذي هو الطرد فاعلم أن المؤلف ذكر حكمَه بقوله: ٧٥١ - وردَّه النقلُ عن الصحابَه ... ومن رأى بالأصلِ قد أجابَه يعني أن النقل عن الصحابة ﵃ ردَّ التعليل بالوصف المستدلّ على عليته بالطرد، لأن المنقولَ عنهم هو العمل بالمناسب فقط دون غيره، كما تقدمت أمثلته في الكلام على المصالح المرسلة (١). ورُدَّ أيضًا بأن ما لا يشتمل على مصلحة ولا درء مفسدة يجب ألَّا يُعتبر، وعدم الاحتجاج بالطَّرْد هو مذهب أكثر الأصوليين، واحتجَّ به بعضُهم، وأشار لذلك المؤَلف بقوله: "ومن رأى. . " إلخ، ومفعول "رأى" محذوف، أي ومن رأى جواز الاحتجاج على العلية بمسلك الطرد قد أجاب المانع لذلك بالأصل أي بأن الأصل في هذه المقارنة كون الوصف المقارن علة نفيًا للتعبد. والحاصل: أن من قال من العلماء بعدم حجية الدوران قال بعدم حجية الطرد من باب أولى، والقائلون بحجية الدوران اختلفوا في حجية

стр. 532

الطرد، والأقل القائلون بحجية الطرد اختلفوا أيضًا فقال بعضُهم: لابد من المقارنة في جميع الصور غير صورة النزاع، وقال بعضُهم: تكفي المقارنة في صورة واحدة. ٧٥٢ - والعكسُ وهو الدوراق العَدَمي ... ليسَ بمسلكٍ لِتِلكَ فاعلمِ ٧٥٣ - أن ينتفي الحُكم متى الوصفُ انتفى ... وما لدى الوجود إثره اقتفا يعني أن عكس الطرد هو الدوران العدمي، وهو ليس من مسالك العلة، وعرَّفه المؤلف بأنه هو انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف مع أنه لا يلزم من وجوده وجوده. ومَثَّل له المؤلف في "الشرح" (١) بما لو علَّل المالكيُّ ربا الفضل في الطعام بالطَّعم فإن الحكم الذي هو الربا منتفٍ عند المالكية في التفاح مثلًا مع وجود ذلك الوصف الذي هو الطَّعم. واعلم أن النسبة بين أنواع الدوران الثلاثة -أعني: الدوران، والطرد، والعكس- التباينُ على التحقيق. وقوله: "لتلك" إشارة إلى العلة. * * *

стр. 533

تنقِيح المنَاط التنقيح التصفية والتهذيب، وكلام مُنَقَّح لا حشو فيه، ومن هذا المعنى تنقيح المُنخُلِ وهو إزالة ما لا يُحتاج إليه وإبقاء ما يُحتاج إليه، و"المناط" مكان النَّوْط الذي هو التعليق والإلصاق, والمراد به العلة لأنها مناط الحكم الذي يعلق عليه، فتنقيح المناط إذًا هو تصفية العلة بإزالة ما لا يصلح لها وتعيين ما يصلح لها، وأشار المؤلف إلى تعريفه بقوله: ٧٥٤ - وهو أن يجِي على التعليل ... بالوَصْف ظاهرٌ من التنزيل ٧٥٥ - أو الحديثِ فالخصوصَ يَطْرُدُ ... عن اعتبار الشارع المجتهدُ يعني أن تنقيح المناط هو أن يدل ظاهر نصٍّ من كتاب أو سنة على التعليل بوصف فيطْرُد المجتهدُ أي يَحْذِف خصوصَ ذلك الوصف عن اعتبار الشارع، وإيضاحه: أن المجتهد يقول: لا يعتبر الشارع خصوص هذا الوصف الذي دل ظاهر النص على أنه العلة وينيط الحكم بما هو أعم من ذلك الوصف. فإن قيل: من أين للمجتهد العدول عن خصوص الوصف المدلول عليه بالظاهر؟ فالجواب: أنه يَطْردُ الخصوصَ المذكور بأحد الأمرين الآتيين في قوله: "فمنه ما كان بإِلغا الفارق" البيت. ومثال تنقيح المناط في القرآن: قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء/ ٢٥] فقد ألغوا خصوصَ الوصف

стр. 534

الذي هو الأنوثة في تشطير الحدِّ وأناطوه بالرق تنقيحًا للمناط. ومثاله في الحديث: ما قدمناه في حديث: "لا يقضينَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان" (١) فقد ألْغَوا خصوص الغضب وأناطوا الحكم بأعمَّ منه وهو التشويش المانع من استيفاء النظر والفكر (٢). ومنه تنقيح مالك وأبي حنيفة المناط في قول النبي ﷺ للأعرابي الذي قال: واقعت أهلي في نهار رمضان: "اعتق رقبة" (٣)، فألغيا خصوص الوقاع في رمضان، وأناطا الحكمَ بأعمَّ منه وهو انتهاك حُرْمة رمضان، فأوجبا الكفارةَ بالأكل والشرب فيه عمدًا. وقوله: "ظاهر" فاعل "يجي" وهو فعل مضارع مقصور للوزن. وقوله: "المجتهدُ" فاعل "يَطْرُدُ" ومفعوله "الخصوصَ" مقدَّم عليه. ٧٥٦ - فمنه ما كان بإلغا الفارقِ ... وما بغيرٍ من دليلٍ رائقِ يعني أن من تنقيح المناط قسمًا يقال له: إلغاء الفارق، فيسمى تنقيح المناط، وإلغاء الفارق، خلافًا لمن جعل إلغاء الفارق مسلكًا عاشرًا كالسبكي (٤). وإلغاءُ الفارق هو: تبيين أنه لا فرق بين ما ذكره الشارع وما سكت عنه إلَّا فرقًا لا أثر له في الحكم فيثبت الحكم لما اشتركا فيه، لأنه

стр. 535

إذا لم يفارق المسكوت عنه المنطوق به إلَّا فيما لا يؤثر فإنه ينبغي اشتراكهما في المؤثر، فيلزم من ثبوت الحكم في المنطوق به ثبوته في المسكوت عنه. تنبيه: هذا القسم من تنقيح المناط يُعَبَّر عنه بأسماء مُختلفة؛ يُسمَّى مفهوم الموافقة، ولَحْنَ الخطاب، وفحوى الخطاب كما تقدم، ويسمى تنقيح المناط، وإلغاء الفارق كما ذكر هنا، ويُسمَّى القياس في معنى الأصل كما يأتي في قول المؤلف: "قياس معنى الأصل عنهم حقق. . " البيت (١). و إلغاء الفارق أربعة أقسام تقدم تقسيمها وأمثلتها (٢): الأول: كإلغاء الفرق بين الضرب والتأفيف في المنع. الثاني: كإلغاء الفرق بين العمياء والعوراء في منع التضحية. الثالث: كإلغاء الفرق بَيْنَ إحراق مال اليتيم وأكله في المنع. الرابع: كإلغاء الفرق بين الأَمَة والعبد في سِراية العتق. وقول المؤلف: "وما بغير من دليل. . " إلخ، يعني أن من تنقيح المناط ما هو بغير إلغاء الفارق من دليل آخر كما تقدم في حديث: "لا يقضينّ حكمٌ بين اثنين وهو غضبان" (٣)، فالغضب مثلًا يفارق حقيقة الحقن والحقب مثلًا إلَّا أن الأدلة دلت على أن الغضب وحده ليس هو المقصودُ بإناطة الحكم، وإنما المقصود التشويش الناشيء عنه. وقوله: "رائقٍ" أي مُعْجبٍ. ٧٥٧ - من المنَاطِ أن تجي أوصافُ ... فبعضها يأتي له انحِذافُ

стр. 536

٧٥٨ - عن اعتباره وما قد بقيا ... ترتُّب الحكم عليه اقْتُفِيا هذا النوع الثاني من تنقيح المناط هو بعينه السَّبر والتقسيم، وقد عرفت حدَّه وأمثلته فيما مضى (١)، وذكره المؤلف تكرارًا مع ما مضى تبعًا للسبكي في "جمع الجوامع" (٢) والبيضاوي في "المنهاج" (٣). ٧٥٩ - تحقيق عِلَّة عليها ائتُلِفا ... في الفرع تحقيق مناط أُلِفا يعني أن تحقيق المناط أي العلة هو إثبات العلة المتفق عليها في الفرع، كتحقيق مالك والشافعي وأحمد مناط القطع الذي هو السرقة في النباش الذي ينبش القبور ويأخذ الأكفان = بأنه آخذُ مالٍ خِفْية من حِرْز مثله فيُقْطَع، خلافًا لأبي حنيفة القائل: لم يتحقق فيه المناط الذي هو السرقة، لأنه آخذ شيء في الخلاء لا حارس له كالملتقط. وتحقيقُ المناط ليس من مسالك العلة لكنه دليل تثبيتُ به الأحكام، فلا خلاف في وجوب العمل به، وهو مضطر إليه في كل شريعة، ولابد من الاجتهاد فيه في كل زمن إذ لا يمكن التكليف إلَّا به (٤)، وإنما يذكر الأصوليون تحقيق المناط مع أنه ليس من مسالك العلة تبعًا للجدليين الذين يذكرون تنقيح المناط وتخريج المناط وتحقيق المناط في محل واحد، ولم يذكر

стр. 537

المؤلف هنا تخريج المناط لأنه قدمه في مسلك المناسبة (١). ٧٦٠ - والعجزُ عن إبطال وصفٍ لم يُفِدْ ... عليةً له على الذي اعتُمِدْ ٧٦١ - كذا إذا ما أمكنَ القياسُ ... بهِ على الذي ارتضاه الناسُ ذكر في هذين البيتين مسلكين ضعيفين (٢)، الجمهورُ على أنهما ليسا بمسلكين، وقيل بمسلكيتهما: الأول منهما: عجز الخصم عن إبطال علية وصف فإنه لا يفيد عليته على المعتمد وهو مذهب الجمهور. وقال الشيخ أبو إسحاق (٣): إنَّ عَجْزَ الخصمِ عن إبطال عِلِّية الوصف دليلٌ على عِلِّيته، كالمعجزة فإنها دلَّت على صدق الرسول ﷺ للعجز عن معارضتها. وأجيب عن هذا من جهة الجمهور: بأن العجز في المعجزة من جميع الخلق والعجز هنا من خصوص الخصم وبينهما بون عظيم، وهذا مراده بالبيت الأول. الثاني منهما: إمكان القياس على تقدير كون الوصف علة لا يفيد عليته على ما ذهب إليه الجمهور، وقيل: يفيدها بناءً على أن القياس مأمور به في قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر] وعلى تقدير عِلِّية الوصف يخرج بقياسه من عُهدة الأمر فيكون الوصف علة.

стр. 538

وأجيب من جهة الجمهور بأمرين: الأول: أنه إنما تتعين عليته إذ (١) لو لم يخرج من عُهدة الأمر إلَّا بالقياس المستند إلى ذلك الوصف، وليس كذلك. الثاني: أنَّ تأتِّي القياس به متوقف على كونه علة، فإذا توقَّف كونه علة على تأتِّي القياس به لزم الدور السَّبْقي وهو مُحال عقلًا. * * *

стр. 539

القَوادح جمع قادح والمراد به ما يقدح في الدليل سواء كان علة أو غيرها. ٧٦٢ - منها وجودُ الوصفِ دون الحكمِ ... سمَّاه بالنقْضِ وُعاةُ العلمِ يعني أن من القوادح في العلة تخلُّف الحكم عن الوصف، والمراد بالوصف العلة، فوجود العلة مع عدم الحكم على هذا القول قادح فيها، وهو المسمَّى بالنقض في الاصطلاح، ووجه القدح بالنقض في العلة عند القائل به: أن العلة تستلزم الحكم فلابد أن يثبت معها في كل صورة، فإذا وُجِد الوصف وحدَه دون الحكم علمنا أنه ليس علة له. والقدحُ بالنقض هو مذهب الشافعي وجُلِّ أصحابه وكثير من المتكلمين (١)، ورجَّح بعضُ أصحابه بأنه يقدح في العلة بالنقض، فعِلَلُ مذهبه إذًا سالمة من النقض، وحاصل القدح بالنقض أنه القدح بعدم الاطراد الذي هو الملازمة في الثبوت، أعني ملازمة الحكم للوصف حال وجود الوصف. وقوله: "وُعاة العلم" جمع واعٍ بمعنى حافظ. والضمير في قوله: "منها" عائد إلى القوادح المذكورة في الترجمة. ٧٦٣ - والأكثرون عندَهم لا يقدَحُ ... بل هو تخصيصٌ وذا مُصحَّحُ يعني أن أكثر أصحاب مالك وأبي حنيفة وأحمد لا يقدح عندهم

стр. 540

عدم اطراد العلة الذي هو تخلُّف الحكم عنها، وإذا كان غير قادح فيها عندهم فهو عندهم تخصيص للعلة، أي إخراج بعض أفراد معلولها، كتخصيص العام فإنه إذا أخرج بعض أفراده بقي حجة فيما سواه كما تقدم في قول المؤلف (١): "وهو حجة لدى الأكثر إن. . " إلخ، لأن تناول المناسبة لجميع الصور كتناول دلالة العام لغة لجميع أفراده. مثال تخلف الحكم عن الوصف في العلة المنصوصة: تخلف القصاص الذي هو الحكم عن الوصف أي العلة التي هي القتل عمدًا عدوانًا لمكافئ في حالة قتل الأبِ ابنَه، فإن كون ذلك القَتْل علة منصوص عليه بالربط بين الشرط والجزاء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء/ ٣٣]. واستشكل بعضُ العلماء القدحَ في المنصوصة بأن القدح فيها ردٌّ للنصِّ الذي دل عليها. وأجيب عن ذلك بما وجَّه [به] الغزاليُّ (٢) القدحَ في المنصوصة بالنقض وهو أنا نستبين بعد وروده -يعني النقض- أن ما ذكر -يعني العلة المنصوصة- لم يكن تمام العلة بل جزء منها كقولنا: "خارج فينقض الطهر" أخذًا من قوله ﷺ : "الوضوء مما خرج" (٣)، ثم إنه لم يتوضأ من

стр. 541

الحجامة، فعُلِم أن العلة هي الخروج من المخرَج المعتاد لا مطلق الخروج. قلت: الذي يظهر لي أن المنصوصة بقاطعٍ لا يمكن القدحُ فيها بالنقض كما بينه زكريا الأنصاري، وابن الهمام، وابن أبي شريف، قال زكريا (١): "وأنت خبير بأن هذا وهم لأن العلة إذا ثبتت بشيء من ذلك فلا نقض لاستحالة التخلف في القاطع. . " إلخ كلامه. والقائلون بالتخصيص -وهم الأكثر- لا فرق عندهم بين المنصوصة والمستنبطة، ولا بين التخلف لوجود مانع أو فقد شرط أو غير ذلك. وقوله: "وذا مصحَّح" بصيغة اسم المفعول يعني أن هذا القول صحَّحه القرافي (٢). ٧٦٤ - وقد رُوي عن مالك تخصيصُ ... إن يكُ الاستنباطُ لا التنصيصُ يعني أن القرافي (٣) نقل عن الآمدي (٤) أنه حكى عن مالك -أي وأحمد وأكثر الحنفية- جواز تخصيص المستنبطة دون المنصوصة وإن لم يوجد في صورة النقض مانع ولم يعدم شرط، وعلى هذا القول فتخلُّف القصاص المذكور عن قتل الوالد ولده قادح في التعليل بالقتل المذكور،

стр. 542

ولا يخفى بطلان هذا وبعده؛ لأن اللَّه نصَّ على أن القتل ظلمًا موجب للقصاص كما تقدم، فكيف يُنقض؟! وهذا القول عندي أبعد الأقوال. وقوله: "إن يك الاستنباط" حُذِف فيه خبر كان أي إن يك الاستنباط هو المثبت للعلة. ٧٦٥ - وعكس هذا قد رآه البعض ... . . . . . . . . . . . . . . . يعني أن بعض أهل الأصول وهو الأكثر كما ذكر إمام الحرمين في "البرهان" (١) على أن النقض قادح في المستنبطة دون المنصوصة عكس القول المذكور في البيت قبله. ووجهه: أن الشارع له أن يُطلق العام ويريد بعضَه مؤخِّرًا بيانه إلى وقت الحاجة بخلاف غيره إذا علل بشيء ونُقِض عليه، فليس له أن يقول: أردت غير ذلك لسدِّ ذلك بابَ إبطال العلة؛ لأن الشارع يجب الانقياد لنصِّهِ لكونه أعلم بالمصالح، فلا عبرة بصورة التخلف؛ لأن النصَّ مقدَّم عليها. وإذا لم يوجد نصٌّ على العلية تعيَّن بالنقض أن الوصف ليس بعلة إذ لو كان علة لثبت الحكم معه في جميع صُوَره، وهذا عندي أوجه مما قبله. ودخول الألف واللام على "بعض" و"كل" أجازه بعض النحويين. . . . . . . . . . . . . . . . ... ومنتقى ذي الاختصار النقْضُ ٧٦٦ - إن لم تكن منصوصةً بظاهر ... . . . . . . . . . . . . مراده بذي الاختصار بظاهر "المختصر الأصولي" وهو ابن الحاجب،

стр. 543

ومنتقاه: مختاره، يعني أن مختار ابن الحاجب نقض العلة بتخلف الحكم إذا كانت العلة ثابتة بنص قطعي، بخلاف الثابتة بظاهر عام لقبوله التخصيص، وبخلاف المستنبطة إذا كان التخلف لفقد شرط أو وجود مانع كما أشار له المؤلف بقوله: . . . . . . . . . . . . . . . ... وليس فيما اسْتُنْبِطت بضائر ٧٦٧ - إن جا لفقدِ الشرطِ أو لما منَعْ ... . . . . . . . . . . يعني أن العلة المستنبطة لا يُقْدَح فيها بالنقض بل يكون تخصيصًا لها بشرط أن يكون التخلُّف لوجود مانع أو فقد شرط، فتحصَّل أن اختيار ابن الحاجب (١) أن النقض في أمرين؛ الأول: في المنصوصة بقطعي. الثاني: في المنصوصة بظاهر إذا كان التخلف لا لوجود مانع أو انتفاء شرط. وأن التخصيص في أمرين؛ الأول: في المنصوصة بظاهر عام. الثاني: في المستنبطة إذا كان التخلف لوجود مانع أو فَقْد شرط. وقد قدمنا أن التحقيق عدم النقض في المنصوصة بقاطع. وقوله: "إن جا" مقصور للوزن، واسم "ليس" وفاعل "جاء" ضمير التخلف. . . . . . . . . . . . . ... والوَفْقُ في مثل العرايا قد وَقَعْ مراده بالوَفْق الاتفاق أي الإجماع، يعني أن العلماء أجمعوا على أن تخلف الحكم عن الوصف ليس بقادح في العلة إذا كان واردًا على جميع

стр. 544

المذاهب كمسألة العرايا التي هي بيع الرطب بتمر، لأن جواز البيع فيها وارد على كل قول قيل به في العلة كالطعم والاقتيات والادِّخار والكيل والمالية، وإنما أجمعوا على هذا لأن الإجماع على وجود العلة في مثل العرية أقوى من دلالة تخلف الحكم على نقض العلة. قلت: وهذا التعليل يلزمه عدم النقض في المنصوصة بقاطع مطلقًا، وهو الحق كما تقدم عن زكريا وغيره. ٧٦٨ - جوابُه منعُ وجودِ الوصف أو ... منعُ انتفاءِ الحُكم فيما قد رَوَوْا يعني أن النقض الذي هو تخلف الحكم عن الوصف على القول بأنه قادح مطلقًا أو يقيَّد حسبما تقدم = "جوابه" أي الجواب الذي يُرَدُّ به النقض هو مَنعْ وجود الوصف بأن يقول: العلة ليست موجودة، ولو وُجِدت لوُجد الحكم. أو مَنعْ انتفاء الحكم بأن يقول: ليس الحُكم متخلِّفًا عن العلة بل هو ثابت بثبوتها. مثال منع وجود الوصف: ما إذا رمى الوالد ولده بحديدة فمات الولد فلا يُقتص من الوالد، فتخلُّف القصاص عن القتل في هذه الصورة لو نقض به الخصم عِلِّية القتل عمدًا عدوانًا لمكافئ للقصاص، فإنه يُجاب بمنع الوصف الذي هو العلة فيقال له: هو ما قتلَه عمدًا عدوانًا لاحتمال أنه أراد تأديبه فمات. ومثال نفي الحكم: ما لو ذَبَح الوالد ولده أو شقَّ بطنه أو فعل به نحو ذلك مما لا يحتمل التأديب، فقال خَصْمُ المالكي مثلًا: تخلُّفُ القصاص عن هذا القتل عمدًا عدوانًا نقض في العلة. فيجيب المالكي بمنع انتفاء

стр. 545

الحكم الذي هو نفي القصاص ويقول: الأبُ في هذه الصورة التي لا احتمال للتأديب فيها يقتص منه لولده كما هو مذهب المالكية، ومحل الجواب بانتفاء الحكم فيما إذا كان انتفاؤه مذهب المستدل، أما إذا كان غير مذهبه فلا يُقْبَل منه الجواب به كما لو أرادَ شافعيٌّ أو حنبلىٌّ أن يجيب بجواب المالكي الذي قدمنا آنفًا فإنه لا يُقبل منه لأن مذهبه عدم القصاص من الوالد مطلقًا. ٧٦٩ - والكسرُ قادح ومِنْه ذَكرا ... تخلُّف الحكمةِ عنه مَنْ دَرى يعني أن الثاني من القوادح: الكسر ، وعرَّفه في "جمع الجوامع" (١) بأنه إسقاط وصف يعني من أوصاف العلة المركبة أي: بيان أنه ملغى لا أثر له في التعليل. وعلى هذا التعريف أكثر الأصوليين والجدليين، وقول المؤلف: "ومنه ذكرا تخلف الحكمة" إلخ يعني أن بعض أهل المعرفة والدراية ذكر أن تخلف الحكمة عن العلة من أقسام الكسر، وقد قدمنا في شرح قول المؤلف: "وفي ثبوت الحكم عند الانتفا" أن التحقيق أن تخلف الحكمة لا يقدح في التعليل بمظنتها على الصحيح، وعليه فالقدح بتخلُّف الحكمةَ ضعيف، وقد رجَّح الآمدي (٢) وابن الحاجب (٣) عدم القدح به ولم يذكره القرافي في "التنقيح" من القوادح، وقال الفهريُّ: إنه قادح. وقوله: "ذَكرا" بالبناء للفاعل وفاعله "مَن" ومفعولُه "تخلُّفَ".

стр. 546

٧٧٠ - ومِنْهُ إبطالٌ لجُزْء والحِيَلْ ... ضاقَتْ عليه في المجيء بالبَدَلْ يعني أن هذا قسم من الكسر وهو إبطال المعترض جزءَ العلة المركبة أيْ ونقضه ما بقي من أجزائها بتخلُّف الحكم عنه، ومحلّ كون إبطال الجزء المذكور قادحًا في العلة فيما إذا لم يأت المستدل ببدل من الجزء الذي أبطله المعترض، فإن جاء ببدل صالح للعلية ألغيَ الكسرُ واستقامَ الدليل، و لهذا النوع من الكسر صورتان: الأولى: أن يأتي المستدلُّ ببدل الجزء الذي أبطله المعترض فيُبْطِل المعترض البدلَ أيضًا فيستقيم القدح بالكسر ويبطل التعليل. ومثاله: أن يقال في وجوب أداء صلاة الخوف: هي صلاة يجب قضاؤها لو لم تُفْعَل، فيجب أداؤها قياسًا على صلاة الأمن، فالعلة هنا وجوب قضاء الصلاة والحكم وجوب الأداء. فيقول المعترض: إن خصوص الصلاة مُلْغى لأن الحجَّ مثلًا واجب الأداء والقضاء. فيأتي المستدل ببدلٍ من الصلاة التي أبطل اعتبارها، وذلك البدل وصف عام وهو العبادة فيقول: هي عبادة يجب قضاؤها. . . إلخ. فيُبْطِل المعترضُ البدلَ أيضًا بقوله: صوم الحائض عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها بل يحرم. الثاني: أن لا يبدل المستدل الوصف الذي أبطله المعترض فلا يبقى للمستدل علة في المثال المتقدم مثلًا إلَّا قوله: يجب قضاؤهاء فيقول المعترض: ليس كل ما يجب قضاؤه يجب أداؤه بدليل صوم الحائض

стр. 547

الذي ذكرنا آنفًا. وقول المؤلف: "والحيل ضاقت" إلخ يعني أن الكسر بإبطال جزء العلة إنما يقدح في حالة ضيق الحيل أي عدم وجود طريق إلى الإتيان ببدل صالح للتعليل كما قدمنا، وجملة: "والحيل" إلخ حال من قوله: "إبطال" أي إبطال الجزء في حالة العجز عن الإتيان ببدل منه. ٧٧١ - وعدمُ العَكْس مع اتحادِ ... يقدحُ دونَ النصِّ بالتَّمادي اعلم أن العكس في اصطلاح الأصوليين هو الملازمة في النفي بحيث ينتفي المعلول بانتفاء علته، والاطراد عندهم هو الملازمة في الثبوت. ومعنى البيت: أن عدم العكس أي عدم انتفاء الحكم عند انتفاء العلة قادح فيها بشرطين: الأول: القول بامتناع تعدد العلة، وهو مراد المؤلف بقوله: "مع اتحادِ" أي: عدم العكس يقدح مع اتحاد أي مع القول بوجوب اتحاد العلة أي كونها واحدة، على الخلاف المتقدم في قوله: "وعلة منصوصة تعدد" إلخ. الشرط الثاني: أن لا يَرِد نصٌّ باستمرار الحكم مع انتفاء العلة كما قاله الأبياريُّ، وهو مراد المؤلف بقوله: "دون النصِّ بالتمادي" أي تمادي الحكم يعني استمراره مع انتفاء العلة. أما على القول بجواز تعدد العلة فعدم العكس ليس بقادح، وهو ظاهر إذ لا يخفى أن عدم البول مثلًا لا يلزم منه عدم نقض الوضوء لجواز نقض الوضوء بعلة أخرى غير البول كالغائط والنوم. وكذا لو ورَدَ النصُّ باستمرار الحكم فلا يقدح فيه عدم العكس، لأن

стр. 548

الاستمرار المدلُولَ عليه بالنصِّ أقوى من النفي المدلول عليه بعدم العكس. والحاصل أن المعلول إن لازم العلة في النفي والإثبات فهي العلة المطردة المنعكسة ولا نزاع في التعليل بها، وإن اختلفت الملازمة بينهما في الثبوت فهي غيرُ المطردة، وعدم الاطراد هو النقض بعينه وقد عرفتَ ما فيه من الأقوال، وإن اختلت (١) الملازمة في الانتفاء فهو عدم العكس وهو المذكور هنا. ٧٧٢ - والوصفُ إن يُعدَمْ له تأثيرُ ... فذاك لانتقاضِه يصيرُ هذا هو الثالث من القوادح ويُسمى عدم التأثير، ومعنى البيت: أن الوصف المعلل به إذا كان لا تأثير له في الحكم انتقض أي ذلك الوصف فلا يصح التعليل به. واعلم أن المراد بعدم التأثير هنا عدم مناسبة الوصف للحكم، فالتأثير هنا أعم من التأثير المتقدم في قوله (٢): "من المناسب مؤثر" إلخ. وصورة الاعتراض بعدم التأثير هنا أيْ عدم المناسبة هي أن يقول المعترض: هذا الوصف المعلل به غير مناسب للحكم. ٧٧٣ - خصَّ بذي العلةِ بائتلافِ ... وذاتِ الاستنباط والخلاف ضمير نائب الفاعل في قوله: "خُصَّ" راجع إلى القدح بعدم التأثير، يعني أن القدح بعدم التأثير له شروط: الأول: أن يكون القياس المقدوح فيه به قياس علة، ومراده به قياس المعنى المشتمل على المناسب، وإيضاحه: أن المراد به هو ما

стр. 549

ثبتت فيه عِلِّية المشترك بين الفرع والأصل بالمناسبة التي هي المسلك الخامس، فلا يكون قادحًا إلَّا في ذلك لاشتماله على المناسب. أما قياس الشبه والطرد فإنه لا يقدح في واحد منهما لعدم المناسبة. الثاني: أن تكون العلة مستنبطة. الثالث: أن تكون مختلفًا فيها لأن العلة المنصوصة والمستنبطة المجمع عليها كلتاهما لا تُشترط فيها المناسبة، وإذًا فلا قَدْح بعدمها. وأشار إلى الشرط الأول بقوله: "بذي العلة" وإلى الثاني بقوله: "وذات الاستنباط"، وإلى الثالث بقوله: "والخلاف" وقوله: "بائتلاف" يعني باتفاق. ٧٧٤ - يجيء في الطرديِّ حيثُ عُلِّلا ... به. . . . . . . . . . يعني أن القدح بعدم التأثير ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون في الوصف الطردي إذا عُلَّل به، والطرديُّ هو ما لا مناسبةَ فيه ولا شَبَه. ومثاله: قول الحنفي في صلاة الصبح: هي صلاة لا تُقْصر فلا يُقَدَّم أذانُها على الوقت قياسًا على المغرب، فعدم القصر طردي في عدم تقديم الأذان إذ لا مناسبة له فيه ولا شبه لأن عدم التقديم موجود فيما يقصر. وحاصل هذا القسم إنكار عِلِّية الوصف لكونه طرديًّا كما تقدم في قول المؤلف (١): "أبطل لما طردًا يُرَى". . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . وقد يجيءُ فيما أصِّلا

стр. 550

٧٧٥ - وذا بإبدا عِلَّةٍ للحكم ... ممَّن يَرى تعدُّدًا ذا سُقم هذا هو القسم الثاني من أقسام عدم التأثير، ومعنى البيت: أنه قد يجيء القدح بعدم تأثير العلة "فيما أصَّلَ" أي في الأصل، وذلك يكون بإبداء المعترض علةً لحكم الأصل غير علة المستدل بشرط أن يكون المعترض يَرَى تعدُّد العلة "ذا سقم" أي ضعيفًا ممتنعًا. وإيضاح هذا القسم: أنه معارضة في الأصل بإبداء علةٍ أخرى غير علة المستدل بناءً على منع التعليل بعلتين فأكثر، وأما على القول بجواز تعدّد العلل فلا قَدْح لصحة التعليل بكلتا العلتين، علة المستدل، وعلة المعترض. ومثال هذا القسم: قول من يمنع بيع الغائب: هو مبيع غير مرئي فلا يصح بيعه قياسًا على الطير في الهواء. فيقول المعترض: لا تأثير لكونه غير مرئيٍّ في الأصل، فإن العجز عن التسليم فيه كافٍ في عدم الصحة وعدمها موجود في الرؤية. وقوله: "أُصِّلا" بضم الهمزة وكسر الصاد مشددة مبنيًّا للمفعول، والمراد به الأصل، وقوله: "تعدُّدًا" يعني تعدُّدَ العلة، وقوله: "ذا سقم" أي سقيمًا يعني ضعيفًا ممتنعًا. ٧٧٦ - وقد يجي في الحُكم وهو أضْرُبُ ... فمنه ما لَيْس لِفَيْدٍ يُجْلَبُ هذا هو القسم الثالث عند المؤلف من أقسام القدح بعدم التأثير، والتحقيق أنه راجع إلى القسم الأول، ووجه عدِّه قسمًا مستقلًّا أن بينه وبين الأول فرقًا في الجملة؛ لأن الأول المشارَ إليه بقوله: "يجيءُ في

стр. 551

الطردي حيث عُلّلَا به. . . " إلخ = وَجْه (١) القدح فيه: هو أن الوصف من أصله لا أثر له لأنه طرديٌّ. وهذا القسم الثالث المذكور في هذا البيت إنما يكون الوصف الطردي فيه وصفًا آخر غير الوصف المعلَّل به مضمومًا إليه فيقدح بزيادة ذلك الوصف الذي لا أثر له في الحكم، فتنبَّه لهذا الفرق الدقيق. وهذا هو المسمَّى بعدم التأثير في الحكم، وهو ثلاثة أقسام كما أشار لذلك المؤلف بقوله: "وهو أضربُ" جمع ضرب بمعنى النوع. الأول منها: أن يكون ذلك الوصف المذكور مع العلة لا يُجْلب لفائدة أي لا فائدة في ذكره، وهو مراد المؤلف بقوله: "فمنه ما ليس لِفَيْدٍ يُجلبُ". ومثاله: قول الحنفي: مشركون أتْلفوا مالًا في دار الحرب فلا ضمان عليهم قياسًا على الحربيِّ، فإنَّ الوصف بالشرك هو في الحقيقة العلة، والوصف المضموم له في هذا المثال الذي هو كونهم في دار الحرب عند الحنفية طرديٌّ، لأن القائل منهم بعدم الضمان سواء عنده دار الحرب وغيرها، وكذلك القائلون منهم بالضمان، فإذًا لا فائدة لذكر دار الحرب، وإنما توجه القدح بعدم التأثير إلى المستدل لأنه ذكر وصفًا لا أثر له في الحكم مع العلة، وقوله: "لِفَيْد" متعلق بـ "يُجْلب" ومراده بالفَيْدِ الفائدة. ٧٧٧ - وما لِفَيدٍ عن ضرورةٍ ذُكِرْ ... أَوْ لَا وفي العَفْو خلافٌ قد سُطِرْ أشار المؤلِّف في هذا البيت للقسم الثاني والثالث من القدح بعدم

стр. 552

التأثير في الحكم، فأشار إلى الثاني بقوله: "وما لفيد عن ضرورة ذكر" يعني أن القسم الثاني من أقسام القدح بعدم التأثير في الحكم هو أن يُذْكر مع العلة وصف لا أثر له في الحكم إلا أن ذلك الوصف محتاج إليه حاجةً ضرورية للاحتراز به عن أمر ينقض العلة على المستدل. ومثاله: قول مُعتبر العَدَد في أحجار الاستجمار مثلًا: هي عبادة متعلقة بالأحجار لم تتقدمها معصية فاعْتُبِر فيها العدد قياسًا على أحجار رمي الجمار، فقوله: "لم تتقدمها معصية"، وَصْفٌ مذكورٌ مع العلة التي هي كونها عبادة متعلقة بأحجار، وهذا الوصف المضموم للعلة لا أثر له في الحكم إلا أنه ذُكِر لفائدة ضرورية، وهي أنه لو لم يذكره لانتقضت العلة بأحجار الرجم لأنها متعلقةٌ بها عبادة هي الرجم، ولم يعتبر فيها العدد فاضطر إلى إخراج هذا بقيد (لم تتقدمها معصية). ووَجْه القدح بهذا: أن عدم تقدّم المعصية لا أثر له في اعتبار العدد في الأحجار فلم يُقبل في معرض التعليل ولو كان المعلل له في نفس الأمر غيره. وأشار إلى الثالث بقوله: "أوْ لا" يعني أن القسم الثالث من أقسام القدح بعدم التأثير في الحكم هو أن يُذكر مع العلة وصفٌ مضموم إِليها لا أثر له في الحكم، إلا أنه مذكور لأجل فائدة غير ضرورية أي لو حُذِفَت لما ضرَّ حذفها لأنها لم يُحْتَرَز بها عن أمر ينقض العلة كالأول. ومثال هذا القسم ما لو قيل: الجمعةُ صلاةٌ مفروضة فلم تفتقر في إقامتها إلى إذن الإمام الأعظم قياسًا على الظهر، فقوله: مفروضة، وصف مضموم للعلة التي هي كونها صلاة، وله فائدة هي أن ذكر الفرض

стр. 553

يفيد تقريب الفرع من الأصل؛ لأن الفرض أقرب إلى الفرض من مطلق صلاة (١)، وإنما كانت هذه الفائدة غير ضرورية لأن لفظة "مفروضة" لو حُذِفت ما ضر ذلك، لأن الباقي لم ينتقض بشيء. ووجه القدح بهذا ما تقدم فيما قبله، ومن قَدَح بالأول قَدَح بالثاني من باب أولَى، والذين قالوا لا يقدح بالأول لأجل الضرورة لذكره اختلفوا في الثاني، وإلى ذلك الإشارة بقوله: "وفي العفو خلاف قد سُطِر" يعني أن القدحَ بعدم التأثير في الحكم المتوجِّه من عدم تأثير تلك الزيادة التي لا أثر لها في الحكم مع أن لذكرها فائدة اخْتُلِف فيه هل يُعْفَى عنه وتكون زيادتها غير قادحة نظرًا إلى أن أصل التعليل بغيرها وإنما ذُكِرَت لحاجة، أو لا يُعْفَى عنها بل يُقْدَح بها؟ لأن ذِكْر ما لا أثر له في التعليل في معرض التعليل غيرُ مقبول، ومن مَنَعه فيما فيه ضرورة مَنَعه في غيره، ومن أباحه فيما فيه ضرورة اختلفوا في جوازه فيما لا ضرورة فيه كما تقدم قريبًا. وقوله: "قد سُطِر" أي كُتِب في الفن. ٧٧٨ - والقلبُ إثباتُ الذي الحكمَ نقضْ ... بالوصفِ والقدحُ به لا يُعْتَرَض هذا هو الرابع من القوادح في الدليل، ولم يذكر المؤلف إلَّا قلب القياس خاصةً تبعًا للقرافي (٢)، وعرَّفه في "جمع الجوامع" (٣) بمعناه الأعم الشامل للقياس وغيره من الأدلة حيث قال: "وهو دعوى أن ما استدلَّ به

стр. 554

في المسألة على ذلك الوجه عليه لا له إن صح". ومعنى البيت: أن قلب القياس هو إثبات المعترض نقيض الحكم بعين العلة التي عَلَّلَ بها المستدلُّ. وقوله: "والقدح به لا يُعْتَرض" يعني أن القلب مبطل للقياس بإبطاله العلة من جهة أنه معارضة، لأن المعترض إذا قَلَب فأثبتَ بالعلةِ بعينها نقيضَ الحكم في عين صورة النزاع بطلت العلة وإلَّا لزمَ اجتماع النقيضين وهو محال. وقوله: "الحكم" مفعول قوله: "نقض" مقدَّم عليه. وقوله: "بالوصف" يعني العلة وهو متعلق بقوله: "إثبات" والذي نقض يعني به نقيض الحكم أي والقلب إثبات نقيض الحكم بالوصف أي العلة، ثم شرع في بيان أقسامه بقوله: ٧٧٩ - فمنه ما صحَّح رأيَ المعترِض ... مع أنَّ رأيَ الخصمِ فيه منْتَقِضْ يعني أن قلب القياس قسمان: الأول منهما: هو المشار إليه في هذا البيت، وهو ما صحح فيه المعترض القالِبُ للقياس مذهبَه، وذلك التصحيح فيه إبطال مذهب الخصم أي المستدل، وسواء كان مذهب المستدل مصرَّحًا به في دليله أو لا. مثالُ ما كان مصرَّحًا به فيه: قول الشافعي في بطلان بيع الفضوليّ: عقدٌ في حقِّ الغير بلا ولاية عليه فلا يصح، قياسًا على شراء الفضولي فلا يصح لمن سماه. فيقول المالكي أو الحنفيُّ: عقد فيصح كشراء الفضولي فإنه يصح لمن سماه إن رضي ذلك المسمَّى له وإلَّا لزمَ الفضوليَّ. ومثال غير المصرح به فيه: قول المالكي والحنفي -المشترطين للصوم في الاعتكاف-: هو -أي الاعتكاف-: لُبث فلا يكون بنفسه

стр. 555

قُربة، قياسًا على وقوف عرفة، فإنه إنما يكون قربة بضميمة الإحرام إليه، فكذلك الاعتكاف لا يكون قربة إلَّا بضميمة عبادة أخرى إليه وهي الصوم الذي هو المتنازَع فيه، فمذهبهما الذي هو اشتراط الصوم في الاعتكاف غير مصرَّح به في دليلهما. فيقول الشافعي -مثلا قالِبًا للدليل-: الاعتكاف لُبْثٌ فلا يشترط فيه الصوم قياسًا على وقوف عرفة. والضمير في قوله: "منه" و"فيه" عائدٌ إلى القلب. والمراد بـ "الخصم" المستدل كما تقدم، وقوله: "رأي" مفعول. ٧٨٠ - ومنه ما يُبطل بالتزام ... أو الطباق رأْيَ ذي الخِصام هذا هو الثاني من قسمي القلب وهو ما يتعرض فيه المعترض لإبطال مذهب الخصم فقط من غير تعرُّض لتصحيحه مذهب نفسه، سواء كان إبطاله لمذهب المستدل مدلولًا عليه بدلالة المطابقة أو بدلالة الالتزام. مثال الإبطال المصرح به بدلالة المطابقة: قول الحنفي في مسح الرأس في الوضوء: هو عضو وضوء فلا يكفي فيه أقل ما يطلق عليه اسم المسح، قياسًا على الوجه، فإنه لا يكفي في غَسْلِه أقل ما يُطْلَق عليه اسم الغسل. فيقول الشافعي: عضو وضوء فلا يتقدَّر بالربع قياسًا على الوجه في ذلك، فالشافعي يقول للحنفي: كونه عضو وضوء -الذي هو علة قياسك- يقتضي نقيضَ مذهبك من جواز الاقتصار على الربع في مسح الرأس. وليس في قَلْب الشافعيِّ هذا الدليلَ على إثبات مذهبه الذي هو الاكتفاء بأقل ما يُطلق عَليه اسم المسح. ومثال ما كان إبطال مذهب المستدل فيه بدلالة الالتزام: قول

стр. 556

الحنفي في بيع الغائب: هو عقدُ معاوضةٍ فيجوز مع الجهل بالعِوَض قياسًا على النكاح فإنه يجوز مع الجهل بالزوجة أي عدم رؤيتها، فيقول المعترض كالمالكي والشافعي: فلا يثبت به خيار الرؤية قياسًا على النكاح فقد أبطلا مذهبه بالالتزام، لأن ثبوت خيار الرؤية لازم شرعًا عنده لصحة بيع الغائب، وإذا انتفى اللَّازم انتفى الملزوم. وقوله: "رأي ذي الخصام" مفعول "يُبطل" بضم الياء، والمراد بذي الخصام صاحب المخاصمة الذي هو المستدل إذ هو خصم المعترض. ومراده بـ "الطباق" دلالة المطابقة التي هي دلالة اللفظ على تمام المعنى الموضوع له. ٧٨١ - ومنه ما إلى المُساواة نسِبْ ... ثبوت حُكْمَين للأصْلِ ينسلبْ ٧٨٢ - حكمٌ عن الفرع بالائتلافِ ... وواحدٌ من ذين ذو اختِلافِ (١) ٧٨٣ - فيلحَق الفرعُ بالأصل فَيَرِدْ ... كونُ التَّساوي واجبًا من مُنْتَقِدْ يعني أن من القلب لإبطال مذهب الخصم بالالتزام النوعَ المعروفَ بقلب المساواة، وسمي "قلب المساواة" لقول المعترض به: أنه يجب المساواة بين الحُكْمين في الفرع كما أنهما متساويان في الأصل. وعرَّفه المؤلف بقوله: "ثبوت حكمين" إلخ يعني أن قلب المساواة هو أن يَثبت للأصل المقيس عليه حكمان، واحدٌ منهما منتفٍ عن الفرع بالائتلاف أي بالاتفاق، والحكم الآخر هو الذي وقع الخلاف في ثبوته للفرع فيُلْحق

стр. 557

المستدلُّ الفرعَ المختلَفَ فيه بالأصل المقيس عليه. فَيَرِد من جهة المنتقد الذي هو المعترض اعتراضٌ هو كون التساوي بين الحُكْمين واجبًا في الفرع كاستوائهما في الأصل. ومثاله: قول الحنفيّ: طهارة الوضوء وغسل الجنابة طهارة بمائع فلا تُشترط فيها النية قياسًا على طهارة الخَبَث بخلاف غير المائع كطهارة التيمم فتجب فيه النية، فيقول المعترض كالشافعيّ والمالكيّ: الأصلُ المقيس عليه الذي هو طهارة الخبث يستوي مائعُه وجامدُه إذ لا فرقَ بين خَبَث جامد وبين خَبَث مائع فتلزم المساواة بين مائع الفرع وجامده، والفرعُ هو طهارة الحدث، فيمنع الفرق في الفرع الذي هو طهارة الحدث بين الجامد الذي هو التيمُّمُ والمائع الذي هو الوضوء والغسل لعدم الفرق في الأصل الذي هو طهارة الخبث بين مائع وجامد، فقوله: "ثبوت حكمين للأصل" في هذا المثال هما: عدم اشتراط النية في الخبث الجامد والخبث المائع. وقوله: "ينسلب حكمٌ عن الفرع بالائتلاف" في هذا المثال هو سلب عدم اشتراط النية في طهارة الفرع الجامدة، أعني بالفرع طهارة الحدث، وبالجامدة التيمُّم. وقوله: "وواحد من ذين ذو اختلاف" في هذا المثال هو اشتراط النية في الوضوء والغسل. وقوله: "فيلحق الفرع بالأصل" أي يقول الحنفي: لا يشترط فيهما النية قياسًا على غسل النجاسة. وقوله: "فيَرِد كون التساوي واجبًا" أي يقول المالكي والشافعيُّ مثلًا: الأصل المقيس عليه الذي هو طهارة الخبث لا فرقَ بين مائعه وجامده، فيلزم أن

стр. 558

يكون الفرع المقيس كذلك لا فرق بين جامده ومائعه. ٧٨٤ - قبوله فيه خِلافًا يَحْكِي ... بعضُ شروح الجمع لابن السُّبكي يعني أن بعض شروح "جمع الجوامع" حَكَى الخلاف في قبول قلب المساواة ورده، وصرَّح في "جمع الجوامع" (١) بأنَّ ممن ردَّه الباقلانيُّ (٢). واحتج من رده بأن وجه استدلال المعترض الغالبُ فيه غيرُ وجه استدلال المستدل، وبيَّنه ابنُ قاسم في "الآيات البينات" (٣) بأن المراد بوجه استدلال المستدل في المثال المذكور كون الجامع الطهارة بالماء المعبَّر عنه بالمائع، ووجه استدلال المعترض كونه مطلق الطهارة. وقوله: "قبوله" مبتدأ خبره جملة "يحكي"، وقوله: "خلافًا" مفعول "يحكي" مقدَّم عليه، وقوله: "بعض" فاعل "يحكي" و"الجمع" يعني به "جمع الجوامع" و"ابن السبكي" يعني به تاجَ الدين وأبوه تقي الدين السُّبكي. ٧٨٥ - والقول بالموجَب قدحه جلا ... وهو تسليمُ الدليل مُسْجَلا ٧٨٦ - مِن مانعٍ أن الدليلَ استلزما ... لِما من الصوَرِ فيه اختصما يعني أن القول بالموجَب -بفتح الجيم- من القوادح في الدليل، وعرَّفه بالاصطلاح الأصوليّ بأنه تسليم الدليل من مانع أن الدليل مستلزم لمحل النزاع (٤). وإيضاحه أنه يقول: صدقت فيما استدللت به إلَّا أنه لا

стр. 559

ينفعك لأنه ليس في محل النزاع. وقوله: "مسجلًا" يعني مطلقًا أي سواء كان الدليل المقدوح فيه بالقول بالموجَب قياسًا أو غيره فهو يكون في العلل وفي غيرها من الأدلة. ومثاله: قوله تعالى عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون/ ٨] الآية، فإنَّ اللَّه سلَّمَ لهم أن الأعزَّ قادر على إخراج الأذلِّ ولكن صرح بأن ذلك لا ينفعهم لأنهم الأذلُّ. أما القول بالموجَب في اصطلاح البيانيين فهو نوعان محروفان عند أهل البلاغة، وهو عندهم من البديع المعنوي (١). وقوله: "من مانع" يتعلق بـ "تَسْليم"، وقوله: "لما" زِيْدَت فيه اللام على المفعول لتوكيد التعدية، والأصل: استلزم ما اختصما فيه من الصُّوَرِ. ٧٨٧ - يجيءُ في النفي وفي الثبوتِ ... ولشُمولِ اللفظِ والسكوتِ ٧٨٨ - عَمَّا من المقدّمات قد خلا ... من شهرةٍ لخوفِهِ أن تُحْظَلا يعني أن القول بالموجَب يقع على أربعة أوجه (٢): الأول: النفي ، والمرادُ به أن يستنتج المستدل من الدليل نفي أمر يتوهم أنه مبنى مذهب الخصم في المسألة، والخصمُ يمنع كونه مبنى

стр. 560

مذهبه فيقول: صدقت في نفيه لكنه ليس مبنى مذهبي فلا ينتفي مذهبي بنفيه. ومثاله: قول المالكي وغيره ممن يرى القصاص في القتل بالمُثَقَّل: التفاوتُ في الوسيلة من آلات القتل لا يمنع القصاص، قياسًا على المتوسَّل إليه فإنه لا يمتنع فيه القصاص بالتفاوت، فيقع القصاص في القتل وفيما هو دونه كالقطع، فلا فرق بين القتل بقطع عنق أو قطع عضو آخر، وكذلك لا فرق في قطع العضو بين حَزِّه من جهة واحدة أو جهتين أو غير ذلك. فيقول الحنفيُّ: إنَّا نقول بموجب دليلك ونسلِّم أن التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص، ولكن كونه لا يمنع القصاص ليس مستندي في عدم القصاص، ولكنَّ مستندي غيره وهو أن القتل بالمثقَّل شِبْه عمد لا قَتْل عمد، لأن العمد من أفعال القلوب فلا يتحقق كون القتل عمدًا إلَّا بآلته المعهودة له كالسلاح المحدَّد، فهذا القول بالموجَب وقع على نفي وهو قول المالكي مثلًا: لا يمنع القصاص في المثال المذكور، وغالب القول بالموجب من هذا، وهذا هو مراده بقوله: "يجيءُ في النَّفْي". الثاني: الثبوت ، وضابطه أن يستنتج المستدل من الدليل أَمرًا يتوهم أنه محلُّ النزاع أو ملازمه، فيقول له الخصم: هذا الأمر الذي استنتجت ليس محل النزاع ولا ملازمًا له. ومثاله: قول المالكي أو الشافعيّ: القتل بالمثقل قتلٌ بما يَقْتل غالبًا فلا ينافي القصاصَ فيجب فيه القصاص قياسًا على الإحراق بالنار. فيقول الحنفيُّ: قلنا بموجبه وسلَّمنا أنه لا ينافي القصاص ولكن كونه لا ينافي القصاص ليس هو محلَّ النزاع، بل محل النزاع وجوب

стр. 561

القصاص بالفعل، وعدم منافاته للقصاص أعم من وجوب القصاص، والدليلُ على الأعمِّ ليس دليلًا على الأخصِّ؛ لأن كون الشيء لا ينافي الشيء لا يدل على استلزامه له، ألا ترى أن القعودَ لا ينافي الكلامَ، والحلاوةَ لا تنافي السواد، والبرودةَ لا تنافي البياض، وليس واحدٌ منها مستلزمًا للآخر، فهذا القول بالموجَب وقع على قول المستدل: فيجب القصاص وهو ثبوت، وهذا مراده بقوله: "وفي الثبوت". والحاصل أن المقصود من هذا النوع الأخير استنتاج ما يتوهَّم أنه محل النزاع أو لازمه فيقول الخصم: ليس محل النزاع ولا لازمه. والمقصود من النوع الأول استنتاج إبطال ما يتوهم أنه مَبْنَى دليل الخصم، فيقول الخصم: ليس مَبْنَى دليلي كما تقدم. الثالث: أن يَرِد القول بالموجَب لشمول لفظ المستدل صورةً متفقًا عليها بين المستدل والمعترض فيحمل المعترض كلامَ المستدل على تلك الصورة المتفق عليها. ومثاله: قول الحنفي في وجوب زكاة الخيل: هي حيوان يُسابَق عليه فتجب فيه الزكاة قياسًا على الإبل. فيقول المعترض كالمالكي: هو كذلك إذا كانت الخيل للتجارة خاصة. قال الفهري: هذا هو أضعف أنواع القول بالموجَب لأنه يندفع بأدنى شيء، كما لو قال المستدل: عنيتُ الخيلَ من حيث هي خيل لا من

стр. 562

حيث كونها للتجارة. وهذا مراد المؤلف بقوله: "ولِشُمُولِ اللَّفظِ". الرابع: هو إتيان القول بالموجَب لأجل سكوت المستدل عن مقدمةٍ غير مشهورة مَخَافَةَ منع الخصم لها لو صرَّح بها. ومثاله: قول مُشترط النية في الوضوء وغسل الجنابة: كل قُرْبة تُشترط فيها النية، ويَحْذِفُ صغرى القياس التي هي: الوضوء والغسل قُرْبة. فيقول الحنفيُّ بموجبِ الكبرى المنطوقِ بها لأجل حذفِ الصغرى. وإيضاحه أنه يقول: صدقت في أن كل قُرْبة تشترط فيها النية ولكن لا يلزم من ذلك اشتراطها في الوضوء، لأن المقدمة الواحدة لم تنتج، وهذا القول بالموجَب إنما ورد للسكوت عن الصغرى، فلو صرح المستدل بالصغرى فقال: الوضوء والغسل قربة وكل قربة تشترط فيها النية، فإن الحنفي يمنع الصغرى فلم يقل بموجبها وانتقل إلى المعارضة؛ لأنه يقول: الوضوء والغسل تنظيف للدخول في القربة لا قربة. وهذا مراد المؤلف بقوله: "والسكوت عما من المقدمات. . " إلخ. وقوله: "خلا من شهرةٍ" أي لأن المشهور كالمذكور، والمذكور لا يدخله هنا القول بالموجَب كما عرفت، وعَكَس بعضهم فقال: يجب القيد بالشهرة لأن الشهرة هي التي تسوِّغ حذف الصغرى إذ لو كانت غير مشهورة لما جاز حذفها، واختاره العَضُد (١).

стр. 563

٧٨٩ - والفرق بينَ الفرع والأصل قدَحْ ... إبداءً مختصٍّ بالأصلِ قدْ صَلَحْ ٧٩٠ - أو مانعٍ في الفرع والجمع يرى ... إلَّا فلا فرقَ أناسٌ كُبَرا يعني أن من القوادح الفرق بين الفرع والأصل ، وعرَّفَه المؤلف بأنه أحد أمرين، وقيل: هما معًا. الأول منهما: إبداء المعترض وصفًا صالحًا للتعليل مختصًّا بالأصل دون الفرع، كقول الشافعي: التفاح ربوي قياسًا على البُرِّ بجامع الطَّعم. فيقول المالكي: إن في البرّ وصفًا صالحًا للتَّعليل وهو الاقتيات والادِّخار موجودًا في الأصل الذي هو البر دون الفرع الذي هو التفاح، فيحصل الفرق بين الأصل والفرع بناءً على وجوب اتحاد العلة. الثاني: وجود مانع يقتضي نقيض الحكم موجود في الفرع دون الأصل، كما لو قال من يشترط في الهبة عدم الغرر: إنها تبطل بالغرر قياسًا على البيع فيقول المعترض: إن في الفرع الذي هو الهبة مانعًا من البطلان هو عدم المعاوضة من أصلها فلو لم تحصل الهبة ذاتُ الغرر لما نقص على الموهوب شيء، وهذا المانع في خصوص الفرع دون الأصل لأنه معاوضة تبطل بالغرر. وكما لو قال الحنفى: قَتْل المعاهَد يوجبُ القصاص قياسًا على المسلم بجامع عِصْمة الدم. فيقول المالكي مثلًا: إن في الفرع الذي هو المعاهد مانعًا من الحكم الذي هو القصاص مختصًّا به دون الأصل وذلك

стр. 564

المانع هو الكفر. وقيل: إن القدح بالفرق بين الفرع والأصل إنما يكون بالأمرين معًا لا بواحدٍ منهما، وعليه فحصول واحد منهما دون الآخر لا يقدح، وإليه الإشارة بقول المؤلف: "والجمعَ يرى" أي والجمع بين الأمرين في القدح المذكورين يراه أناسٌ كبراءُ من الأصوليين. وقوله: "إلَّا فلا فرق" أي وإن لم يجتمعا معًا فلا فرق، أي فلا فرق بين الأصل والفرع قادحًا إلَّا بهما معًا. وقوله: "أناسٌ" فاعل يرى و"الجمع" مفعوله مقدَّم عليه، وهذا القدح المذكور بالفرق بين الفرع والأصل مبني على منع تعدُّد العلل كما أشرنا إليه. ووجه القدح بهذا القادح: أنه يؤثر في كون العلة جامعًا بين الفرع والأصل، وذلك هو المقصود من القياس فالمؤثر فيه قادح. والجواب عن هذا القادح بمنع كون الوصف المبدَى في الأصل علة أو جزءَها، وبمنع كون ما في الفرع مانعًا من الحكم، وأنكَرَ قومٌ هذا القادح زاعمين أنه لا أثر له، وقيل فيه غير هذا. ٧٩١ - تعدُّدُ الأصلِ لفرعٍ مُعتمدْ ... إذ يوجبُ القوَّةَ تكثيرُ السندْ يعني أن تعدد الأصل لفرع واحد، أي تعدُّد أمور يصلحُ كلُّ واحد منها بانفراده للقياس عليه معتمد عليه أي عند ابن الحاجب (١)، وتبعه

стр. 565

المؤلف. ووجهه عند القائل به: أن كثرة الأدلة توجب قوة الظن بالمدلول. ومثاله: قول الحنفي: بضع المرأة كسلعة من سلعها تبيعها لمن شاءت بجامع أخذ المال عوضًا عن الكل، مع أنه قاس هذا الفرع بعينه على أصل آخر كقوله: المالكةُ أمرَ نفسِها تزوِّج نفسها دون ولي قياسًا على الرجل بجامع أن كلًّا منهما له حاجة في التلذذ والنسل، وهذا الفرع الذي هو تزويج الثيب نفسها أُلْحِقَ بأصلين أحدهما المال والثاني الرجل. وصحح السبكي (١) منع تعدد الأصل لفرع واحد معلِّلًا ذلك بأنه يؤدي إلى انتشار البحث، والتحقيق أن الانتشار لا يلزم من تعدد الأصل. وقوله: "تكثيرُ" فاعل "يوجب" و"القوة" مفعوله، ومراده بالسند الدليل. ٧٩٢ - فالفرقُ بينَه وأصلٍ قد كفى ... وقال لا يكفيه بعضُ العُرَفا يعني أنه على القول المعتمد بجواز تعدد الأصل لفرع واحد إذا اعترض على المستدل معترضٌ بالقادح المعروف بالفرق بين الفرع والأصل، فقيل: يكفي الفرق بين الفرع وبين أصلٍ واحد من تلك الأصول، وقيل: لا يكفي بل لابد من الفرق بين الفرع وبين كل أصل من تلك الأصول، والقول بأنه لابد من الفرق في الجميع واضح. وأما القول بالاكتفاء بالفرق بين الفرع وبين أصل واحد فإنه على الإلحاق بالمجموع واضح أيضًا، وأما على أن الإلحاق بكل واحد بانفراده كما دل عليه قوله: "إذ يوجب القوة تكثير السند" فمُشْكِل جدًا، وما وجَّهَه به ابن قاسم في "الآيات
следующие страницы →