القصاص بالفعل، وعدم منافاته للقصاص أعم من وجوب القصاص، والدليلُ على الأعمِّ ليس دليلًا على الأخصِّ؛ لأن كون الشيء لا ينافي الشيء لا يدل على استلزامه له، ألا ترى أن القعودَ لا ينافي الكلامَ، والحلاوةَ لا تنافي السواد، والبرودةَ لا تنافي البياض، وليس واحدٌ منها مستلزمًا للآخر، فهذا القول بالموجَب وقع على قول المستدل: فيجب القصاص وهو ثبوت، وهذا مراده بقوله: "وفي الثبوت".
والحاصل أن المقصود من هذا النوع الأخير استنتاج ما يتوهَّم أنه محل النزاع أو لازمه فيقول الخصم: ليس محل النزاع ولا لازمه. والمقصود من النوع الأول استنتاج إبطال ما يتوهم أنه مَبْنَى دليل الخصم، فيقول الخصم: ليس مَبْنَى دليلي كما تقدم.
الثالث: أن يَرِد القول بالموجَب لشمول لفظ المستدل صورةً متفقًا عليها بين المستدل والمعترض فيحمل المعترض كلامَ المستدل على تلك الصورة المتفق عليها.
ومثاله: قول الحنفي في وجوب زكاة الخيل: هي حيوان يُسابَق عليه فتجب فيه الزكاة قياسًا على الإبل.
فيقول المعترض كالمالكي: هو كذلك إذا كانت الخيل للتجارة خاصة. قال الفهري: هذا هو أضعف أنواع القول بالموجَب لأنه يندفع بأدنى شيء، كما لو قال المستدل: عنيتُ الخيلَ من حيث هي خيل لا من
стр. 562
حيث كونها للتجارة. وهذا مراد المؤلف بقوله: "ولِشُمُولِ اللَّفظِ".
الرابع: هو إتيان القول بالموجَب لأجل سكوت المستدل عن مقدمةٍ غير مشهورة مَخَافَةَ منع الخصم لها لو صرَّح بها.
ومثاله: قول مُشترط النية في الوضوء وغسل الجنابة: كل قُرْبة تُشترط فيها النية، ويَحْذِفُ صغرى القياس التي هي: الوضوء والغسل قُرْبة.
فيقول الحنفيُّ بموجبِ الكبرى المنطوقِ بها لأجل حذفِ الصغرى. وإيضاحه أنه يقول: صدقت في أن كل قُرْبة تشترط فيها النية ولكن لا يلزم من ذلك اشتراطها في الوضوء، لأن المقدمة الواحدة لم تنتج، وهذا القول بالموجَب إنما ورد للسكوت عن الصغرى، فلو صرح المستدل بالصغرى فقال: الوضوء والغسل قربة وكل قربة تشترط فيها النية، فإن الحنفي يمنع الصغرى فلم يقل بموجبها وانتقل إلى المعارضة؛ لأنه يقول: الوضوء والغسل تنظيف للدخول في القربة لا قربة. وهذا مراد المؤلف بقوله: "والسكوت عما من المقدمات. . " إلخ.
وقوله: "خلا من شهرةٍ" أي لأن المشهور كالمذكور، والمذكور لا يدخله هنا القول بالموجَب كما عرفت، وعَكَس بعضهم فقال: يجب القيد بالشهرة لأن الشهرة هي التي تسوِّغ حذف الصغرى إذ لو كانت غير مشهورة لما جاز حذفها، واختاره العَضُد (١).
стр. 563
٧٨٩ - والفرق بينَ الفرع والأصل قدَحْ ... إبداءً مختصٍّ بالأصلِ قدْ صَلَحْ
٧٩٠ - أو مانعٍ في الفرع والجمع يرى ... إلَّا فلا فرقَ أناسٌ كُبَرا
يعني أن من القوادح الفرق بين الفرع والأصل ، وعرَّفَه المؤلف بأنه أحد أمرين، وقيل: هما معًا.
الأول منهما: إبداء المعترض وصفًا صالحًا للتعليل مختصًّا بالأصل دون الفرع، كقول الشافعي: التفاح ربوي قياسًا على البُرِّ بجامع الطَّعم. فيقول المالكي: إن في البرّ وصفًا صالحًا للتَّعليل وهو الاقتيات والادِّخار موجودًا في الأصل الذي هو البر دون الفرع الذي هو التفاح، فيحصل الفرق بين الأصل والفرع بناءً على وجوب اتحاد العلة.
الثاني: وجود مانع يقتضي نقيض الحكم موجود في الفرع دون الأصل، كما لو قال من يشترط في الهبة عدم الغرر: إنها تبطل بالغرر قياسًا على البيع فيقول المعترض: إن في الفرع الذي هو الهبة مانعًا من البطلان هو عدم المعاوضة من أصلها فلو لم تحصل الهبة ذاتُ الغرر لما نقص على الموهوب شيء، وهذا المانع في خصوص الفرع دون الأصل لأنه معاوضة تبطل بالغرر.
وكما لو قال الحنفى: قَتْل المعاهَد يوجبُ القصاص قياسًا على المسلم بجامع عِصْمة الدم. فيقول المالكي مثلًا: إن في الفرع الذي هو المعاهد مانعًا من الحكم الذي هو القصاص مختصًّا به دون الأصل وذلك
стр. 564
المانع هو الكفر.
وقيل: إن القدح بالفرق بين الفرع والأصل إنما يكون بالأمرين معًا لا بواحدٍ منهما، وعليه فحصول واحد منهما دون الآخر لا يقدح، وإليه الإشارة بقول المؤلف: "والجمعَ يرى" أي والجمع بين الأمرين في القدح المذكورين يراه أناسٌ كبراءُ من الأصوليين.
وقوله: "إلَّا فلا فرق" أي وإن لم يجتمعا معًا فلا فرق، أي فلا فرق بين الأصل والفرع قادحًا إلَّا بهما معًا. وقوله: "أناسٌ" فاعل يرى و"الجمع" مفعوله مقدَّم عليه، وهذا القدح المذكور بالفرق بين الفرع والأصل مبني على منع تعدُّد العلل كما أشرنا إليه.
ووجه القدح بهذا القادح: أنه يؤثر في كون العلة جامعًا بين الفرع والأصل، وذلك هو المقصود من القياس فالمؤثر فيه قادح.
والجواب عن هذا القادح بمنع كون الوصف المبدَى في الأصل علة أو جزءَها، وبمنع كون ما في الفرع مانعًا من الحكم، وأنكَرَ قومٌ هذا القادح زاعمين أنه لا أثر له، وقيل فيه غير هذا.
٧٩١ - تعدُّدُ الأصلِ لفرعٍ مُعتمدْ ... إذ يوجبُ القوَّةَ تكثيرُ السندْ
يعني أن تعدد الأصل لفرع واحد، أي تعدُّد أمور يصلحُ كلُّ واحد منها بانفراده للقياس عليه معتمد عليه أي عند ابن الحاجب (١)، وتبعه
стр. 565
المؤلف. ووجهه عند القائل به: أن كثرة الأدلة توجب قوة الظن بالمدلول.
ومثاله: قول الحنفي: بضع المرأة كسلعة من سلعها تبيعها لمن شاءت بجامع أخذ المال عوضًا عن الكل، مع أنه قاس هذا الفرع بعينه على أصل آخر كقوله: المالكةُ أمرَ نفسِها تزوِّج نفسها دون ولي قياسًا على الرجل بجامع أن كلًّا منهما له حاجة في التلذذ والنسل، وهذا الفرع الذي هو تزويج الثيب نفسها أُلْحِقَ بأصلين أحدهما المال والثاني الرجل. وصحح السبكي (١) منع تعدد الأصل لفرع واحد معلِّلًا ذلك بأنه يؤدي إلى انتشار البحث، والتحقيق أن الانتشار لا يلزم من تعدد الأصل. وقوله: "تكثيرُ" فاعل "يوجب" و"القوة" مفعوله، ومراده بالسند الدليل.
٧٩٢ - فالفرقُ بينَه وأصلٍ قد كفى ... وقال لا يكفيه بعضُ العُرَفا
يعني أنه على القول المعتمد بجواز تعدد الأصل لفرع واحد إذا اعترض على المستدل معترضٌ بالقادح المعروف بالفرق بين الفرع والأصل، فقيل: يكفي الفرق بين الفرع وبين أصلٍ واحد من تلك الأصول، وقيل: لا يكفي بل لابد من الفرق بين الفرع وبين كل أصل من تلك الأصول، والقول بأنه لابد من الفرق في الجميع واضح. وأما القول بالاكتفاء بالفرق بين الفرع وبين أصل واحد فإنه على الإلحاق بالمجموع واضح أيضًا، وأما على أن الإلحاق بكل واحد بانفراده كما دل عليه قوله: "إذ يوجب القوة تكثير السند" فمُشْكِل جدًا، وما وجَّهَه به ابن قاسم في "الآيات
стр. 566
البينات" (١) وشهاب الدين ابن عميرة (٢) = لا يتَّجِه عند التأمل الصادق فيما يظهر لنا واللَّه تعالى أعلم.
فعلى أنه لابد من الفرق بين الفرع وكل أصل لو اعترض على الحنفيّ أحد قياسَيْه المتقدِّمَيْن كما لو قال المعترض: إن في الفرع الذي هو تزويج المرأة نفسها مانعًا لم يكن في الأصل، وهو أن عَرْضها نفسَها على الرجال كما تُعْرَض السلعة ومعاملتها لهم على بُضْعها كمعاملتها على سلعتها منافٍ للحياء والصيانة اللذَيْن تقضي بهما المروءة، بخلاف السلعة فلا مانع فيها من ذلك، فإنَّ هذا الفرق لا يكفي حتى يورَدَ فرقًا على الأصل الآخر، كأنْ يقول: إن في الفرع مانعًا ليس في الأصل وهو أن المرأة لو تُرِكَت ونفسَها لزوَّجَت نفسَها من غير كُفء وتلحق أولياءَها المعرَّةُ بسبب ذلك بخلاف الذَّكَر. وعلى القول بالاكتفاء بواحد فلا حاجة إلى الفرق في الآخر. وقول المؤلف: "وأصل" معطوف على الضمير المخفوض من [غير] إعادة العاطف وهو مرجوح، وأجازَه قوم منهم ابن مالك (٣) مستدلين بنحو قوله: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء/ ١] على قراءة الخفض (٤)،
стр. 567
وقول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . ... فاذهب فما بكَ والأيامِ من عجبٍ (١)
و"العرفاء" جمع عريف، وهو رئيس القوم، ومراد المؤلف بهم علماء الأصول.
٧٩٣ - وقيل إن أُلْحِقَ بالمجموعِ ... فواحدٌ يكفيه لا الجميعِ
يعني أن بعض أهل الأصول فصَّل في الخلاف المذكور فقال: إن قَصَد المستدل إلحاقَ الفرع بمجموع الأدلة من حيث هي مجموعة، فإنَّ القدحَ في واحدٍ منها بالفرق قدح في الكل؛ لأن كل واحد منها بعض من الدليل الذي هو مجموعها أي [و] هي مجتمعة. وإن قصد الإلحاق بكلٍّ منها على انفراده، فلابد من القدح بالفرق في كل واحد منها؛ لأن كل واحد منها دليل مستقل لا ارتباط له بالآخر. وإذا جُهِل قصدُه حُمِل على الإلحاق بكل واحد، فاحتيج إلى الفرق في كل واحد. والمراد بالإلحاق بالمجموع هنا: الإلحاق بأمور يصلح كلٌّ منها بانفراده للقياس (٢) عليه مع ملاحظته (٣) في الإلحاق.
٧٩٤ - وهل إذا اشتغَل بالتِّبيانِ ... يكفي جوابُ واحدٍ قولانِ
يعني أن المستدل الذي اعترض عليه إذا اشتغل بالتبيان -أي تبيين
стр. 568
بطلان الاعتراض عليه- هل يكفيه بطلان الاعتراض بالفرق في أصل واحد، أو لابد من تبيينه في كل واحد؟ فلو أبطل الحنفيُّ مثلًا اعتراض المعترض في أحد قياسَيْه المتقدمَيْن، فقيل: يكفيه ذلك، وهو مُفَرَّع على أنه لابد من القدح بالفرق في جميع الأصول، فإذا أبطلَ القدحَ في واحد منها استقام وكفى في الدليل. وقيل: لابد من تبيينه بطلان القدح بالفرق في كل واحد منها، وهو مُفَرَّع على أنه يكفي القدح بالفرق في واحد؛ لأنه ما دام واحد باقيًا لم يبطل الاعتراض عليه فهو كافٍ في الاعتراض وإبطال الدليل؛ لأنها حينئذٍ كأنها أجزاءُ دليل واحد يبطل مجموعها ببطلان البعض، فلابد في الاحتجاج بها إذًا من تبيين إبطال الاعتراض على كل واحد منها.
وقوله: "جواب" مضاف إلى قوله: "واحد" أي جواب واحد من تلك الاعتراضات بالقدح بالفرق على تلك الأصول المتعدِّدة.
٧٩٥ - من القوادح فسادُ الوضعِ أنْ ... يجي الدليلُ حائدًا عن السَّنَنْ
٧٩٦ - كالأخذِ للتوسيع والتسْهيلِ ... والنفي والإثبات من عديلِ
يعني أن من القوادح فسادَ الوضع، وعرَّفه المؤلف بأنه هو "أن يجيء الدليلُ حائدًا عن السنن" أي الطريق الصالحة لاعتبار الدليل في ترتيب الحكم عليه، وذلك كأن (١) يكون صالحًا لضدِّ ذلك الحكم أو نقيضه (٢)، ومَثَّل المؤلف لذلك بأربعة أمثلة:
стр. 569
الأول: أَخْذُ التوسيع من التضييق، ومثاله: قول الحنفية: الزكاة واجبة على وجه الإرفاق لدفع حاجة المسكين، فهي على التراخي كالدية على العاقلة، ففي هذا الدليل أخذ التراخي الذي هو توسيع من موجب التضييق، وهو دفع حاجة المسكين لأن دفع حاجته يقتضي تعجيل إخراج الزكاة لا تأخيره.
الثاني: أخذ التخفيف من التغليظ، ومثاله: قول الحنفية: القَتْل عَمْدًا جناية عظيمة فلا تجب فيه كفارة كالردة، ففي هذا الدليل أَخْذ التخفيف الذي هو سقوط الكفارة من موجب التغليظ الذي هو عظم الجناية.
الثالث: أخذ النفي من الإثبات، ومثاله: قول الشافعي في عدم انعقاد بيع المحقَّرات بالمعاطاة: هو بيعٌ لم يوجد فيه سوى الرضا فلا ينعقد قياسًا على غير المحقرات، ففي هذا الدليل أخذ النفي الذي هو نفي انعقاد البيع من موجب الإثبات وهو الرضا، لأن الرضا مَنَاطُ انعقاد البيع لا عدم انعقاده.
الرابع: أخذ الإثبات من النفي، ومثاله: قول المالكية بانعقاد البيع مطلقًا بالمعاطاة: هو بيع لم توجد فيه الصيغة فينعقد، ففي هذا الدليل أخذ الإثبات الذي هو انعقاد البيع من موجب النفي الذي هو عدم الصيغة لأن عدم الصيغة مناسب لعدم الانعقاد لا للانعقاد.
ومراد المؤلف بـ "العديل" المقابل المنافي أي: كأخذ التوسيع من عديله أي مقابله المنافي له وهو التضييق وهكذا، وقد عرفتَ أن عديل التخفيف التغليظ، وعديل النفي الإثبات كالعكس، و"السَّنن" بفتح السين الطريق.
стр. 570
واعلم أن هذا القادح والذي بعده يَرِدان على العلل وغيرها فهما قادحان في الدليل مطلقًا قياسًا كان أو غيره، ولذا عَبَّر المؤلف بالدليل.
٧٩٧ - منه اعتبار الوصفِ بالإجماعِ ... والذِّكرِ أو حديثِه المطاع
٧٩٨ - بناقِضِ الحكمِ بذا القياس ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن من فساد الوضع كون الوصف الجامع ثبت اعتباره بإجماع أو نصٍّ كتاب أو سنة في نقيض الحكم أو ضده، في قياس المستدل أو غيره من الأدلة. مثال اعتباره بالنصِّ في ذلك: قول الحنفية: الهرُّ سَبُع ذو ناب فيكون سؤره نجسًا كالكلب. فيقال: السبعية اعتبرها الشارع علة للطهارة حيث دُعي إلى دار فيها كلب فامتنع، وإلى أخرى فيها سِنَّوْرٌ أي هِرٌّ فأجاب، فسئل عن ذلك فقال: "السِّنَّور سبع" (١).
فإن قيل: يحتمل أن يكون امتناعُه من دخول دارٍ فيها كلب لعدم دخول الملائكة لا لنجاسته.
فالجواب: هو ما يأتي للمؤلف في آخر كتاب القياس (٢) من أن
стр. 571
المثال يكفي فيه الاحتمال حيث يقول:
والشأنُ لا يُعترض المثالُ ... إذ قد كفى الفرضُ والاحتمالُ
واعتباره بالإجماع مَثَّل له المؤلف في "الشرح" (١) بقول الشافعي في تثليث مسح الرأس في الوضوء: هو مسح فيثلَّث كأحجار الاستجمار (٢). فيقال: المسح اعتبره الشارع بالإجماع علة لعدم التثليث في المسح على الخف فإنه لا يُثَلَّث إجماعًا؛ إلَّا أنه حَكَى هذا الإجماعَ بقوله: "فيما قيل" (٣).
والظاهر أنه لم يُجْمَع على عدم تثليثه. ومراده بـ "الذِّكر" القرآن، والمراد "بناقض الحكم" ما ينقضه من ضد أو نقيض، والباء في قوله: "بذا" ظرفية.
. . . . . . . . . . . . ... جوابه بصحَّة الأساسِ
يعني أن جواب القدح بفساد الوضع هو أن يجيب المستدلُّ المعترضَ بأنَّ أساسه أي دليله صحيح، وذلك بأن يبيّنَ أن لدليله جهتين، إحداهما تصلح لنقيض حكمه ولم تكن هي دليله، وإنما استدلاله بالأخرى التي لا يلحقها فساد الوضع. ومثال رد القدح به في الأمثلة المتقدمة: هو أن يقول الحنفيُّ مثلًا: إن قولي بالتراخي في إخراج الزكاة لم آخذه من سدِّ حاجة الفقير، وإنما أخذته من الرفق بالمالك، وقد دلَّ الشرعُ على الرفق به كعدم أخذ خِيار مالِه، وكعدم تكليفه الإخراج من عين المال. وكأنْ يقول الحنفيُّ أيضًا: قولي بعدم الكفارة في القتل عمدًا لم
стр. 572
آخذه من عِظَم الجناية في القتل وإنما أخذته من أن القتل له عقوبة أخرى أعظم من الكفارة وهي القصاص. وكأنْ يقول الشافعي مثلًا: قولي بأن البيع في المحقَّرات لا ينعقد بالمعاطاة لم آخذه من وجود الرضا، وإنما أخذته من عدم وجود الصيغة. وكأن يقول المالكيُّ: قولي بانعقاد البيع بالمعاطاة مطلقًا لم آخذه من عدم الصيغة، وإنما أخذته من وجود الرضا الذي هو مناط انعقاد البيع كما يشير إليه قوله تعالى ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء/ ٢٩].
٧٩٩ - والخُلْفَ للنصِّ أو إجماعٍ دعا ... فسادَ الاعتبار كُلُّ من وَعى
يعني أن من القوادح نوعًا يسمَّى فسادَ الاعتبار، وهو مخالفة الدليل لنصٍّ من كتاب أو سنة، فكل دليل خالفَ النصَّ فهو مقدوح فيه بالقادح المُسمَّى فسادَ الاعتبار. ومثاله: قول من يمنع القرض في الحيوانات: لا يجوز لعدم انضباطه قياسًا على المختلطات. فيقول من يرى جوازه: هذا معترَضٌ بما ثبت في "صحيح مسلم" (١): من أنه ﷺ استسلف بَكْرًا وردَّ رَباعيًّا، وقال: "إن خيار الناس أحسنهم قضاءً". ومن أمثلته: قول من يرى منع غسل الزوج لزوجته بعد الموت: لا يجوز لحُرْمة النظر إليها قياسًا على الأجنبية، فيُعْتَرض بأنه مخالف للإجماع السكوتي في غَسْل عليٍّ فاطمةَ ﵄، فإنَّ هذا الإجماع السكوتي يقدح في ذلك الدليل. وقوله: "دعا" معناه سُمّي، وقوله: "كلُّ" فاعل "دعا"، ومُرَادُهُ بـ "منْ وَعى" من حَفِظ علمَ الأصول.
стр. 573
٨٠٠ - وذاك من هذا أخصُّ مُطلقا ... وكونه ذَا الوجهِ مما يُنتقى
يعني أنه اختلف في النسبة بين فساد الوضع وفساد الاعتبار على قولين:
الأول: أن فساد الاعتبار أعمُّ مطلقًا، وفساد الوضع أخصُّ مطلقًا، فالنسبة بينهما العموم المطلق، وهذا قول الآمدي (١)، وهو ظاهر كلام السبكي في "جمع الجوامع" (٢) وعليه فكل فاسد (٣) الوضع فاسد الاعتبار وليس كل فاسد الاعتبار فاسد الوضع؛ لأن الدليل قد يكون صحيح الوضع وإن كان فاسد الاعتبار بالنظر إلى أمر خارج هو النصُّ المخالف له كما تقدم (٤). وهذا مراد المؤلف بالشطر الأول، وإشارةُ البعيد فيه لفساد الوضع، وإشارةُ القريب لفساد الاعتبار كما بينَّا.
الثاني: أن النِّسْبة بينهما العموم والخصوص من وجه؛ واختاره زكريا الأنصاري (٥)، وشهاب الدين عميرة، وهو اختيار المؤلف في "الشرح" (٦). وإيضاحه: أنهما يجتمعان فيما إذا كان الدليل على غير الهيئة الصالحة لترتيب الحكم عليه مع أنه خالف نصًّا أو إجماعًا، وينفرد فساد الاعتبار فيما إذا كان الدليل على الهيئة الصالحة لترتيب الحكم عليه
стр. 574
لكنه خالف نصًّ أو إجماعًا. وينفرد فساد الوضع فقط فيما إذا كان الدليل على غير الهيئة الصالحة، مع أنه لم يخالف نصًّا ولا إجماعًا.
وقوله: "مما يُنتقَى" أي يُختار، والضمير في "كونه" عائد إلى العموم والخصوص المفهوم من قوله: "وذاك من هذا أخصُّ" أي كون العموم والخصوص بينهما "ذا الوجه" أي صاحبه. يعني العموم والخصوص من وجه مما يختار.
٨٠١ - وجمعُهُ بالمنع لا يضيرُ ... كان له التقديمُ والتَّأخيرُ
يعني أن المعترض بفساد الاعتبار له أن يجمع معه منعَ مقدمة فأكثر من الدليل، كأن يقول المالكيُّ مثلًا: قولك إن المقوَّمات لا تنضبط ممنوع، بل هيَ تنضبط بالأوصاف الكاشفة المستوعبة لما تختلف فيه الأغراض، مع أن ذلك الذي قلت مخالف أيضًا لما ثبت في "صحيح مسلم" كما تقدم، فالجمع بين المنع وفساد الاعتبار إبطال للدليل بالنقل والعقل معًا.
وقوله: "كان له التقديم والتأخير" يعني أنه سواء في ذلك قدَّم الاعتراض بالمنع على الاعتراض بفساد الاعتبار أو عَكَس الأمر. والتحقيقُ أن الذي ينبغي تقديمُ الاعتراض بالمنع لأن فيه الترقِّي من الأدْنَى إلى الأعلى، وهو من محَسِّنات الكلام للفائدة في ذكر الأقوى بعد الأضعف؛ لأن الأضعف قد يكون غير كاف أو غير تامِّ الكفاية، أما لو قدَّم الأقوى؛ فذِكْرُ الأضعف بعده قليل الجدوى، وإلى هذا الذي ذكرنا أشار المؤلف في "الشرح" (١).
стр. 575
و جواب الاعتراض بفساد الاعتبار يكون بأمور؛ منها الطعن في سند النصِّ بما يُضَعِّفه كالإرسال والوقف والانقطاع ونحو ذلك، ومنها الطعن في الإجماع المخالف له إذا كان ظنيًّا بتضعيف سند الناقلين له، ومنها المعارضة للنصِّ بنصٍّ آخر مماثل له في القوة أو أقوى منه، ومنها غير ذلك.
٨٠٢ - مِنَ القوادح كما في النقل ... منعُ وجودِ علَّةٍ للأصلِ
يعني أن من القوادح في الدليل المنقولة عن أهل الأصول: منع وجود علة الأصل المقيس عليه في الفرع، كقول أبي حنيفة: علةُ القطع التي هي السرقة لم توجد في الفرع المقيس الذي هو نبَّاش القبور لأنه غيرُ سارق.
واللَّام في "للأصل" داخلة بين المضاف والمضاف إليه أي علة الأصل، وفي الكلام حذف دل المقامُ عليه تقديره: في الفرع. وتقرير المعنى: من القوادح المنقولة منع وجود علة الأصل في الفرع.
٨٠٣ - ومنع عِلِّيَّةِ ما يعَلَّلُ ... به وقدحُه هو المعَوَّلُ
يعني أن من القوادح أيضًا على "المعول" أي المعول عليه، يعني المعتمدَ الأصحَّ: مَنعْ المعترض عِلِّية الوصف الذي علّل به المستدل، ويسمَّى هذا القادح أيضًا: المطالبة بتصحيح العلة.
ومثاله: أن يقول الحنفيُّ أو الحنبلي مثلًا: علة طعام الربا الكيل. فيقول المالكي أو الشافعي مثلًا: لا نسلِّم أن الكيل هو علة الربا لوجود الربا فيما لا كيل فيه كالحفنة. ووجه الاعتراض بهذا القادح: هو الخوف من أن يتمسَّك المستدل بما شاء من الأوصاف لو عَرَف أنه لا يُعْتَرض عليه بعدم العِلِّية.
стр. 576
٨٠٤ - ويقدح التقسيم أن يحتَمِلا ... لفظٌ لأمرينِ ولكِنْ حُظِلا
٨٠٥ - وجودُ علة بأمرٍ واحدِ ... وليسَ عند بعضِهم بالواردِ
يعني أن من القوادح في العلة نوعًا يسمَّى التقسيم وهو أن يحتمل لفظ مُوْرَدٌ في الدليل معنيين أو أكثر بحيث يكون متردِّدًا بين تلك المعاني أو المعنيين على السواء، لكنَّ المعترض يمنع وجودَ عِلِّة الحُكم في واحدٍ من تلك المحتملات.
ومثاله: ما لو قيل: الطهارة قُرْبة فتجب فيها النية. فيقول المعترض: لفظ الطهاوة يحتمل النظافة والأفعالَ المخصوصة التي هي الوضوء الشرعيُّ، والنظافة ليست قُرْبة فانتفت العلة التي هي الكون قُربة عن أحد المحتملين في الطهارة وهو النظافة.
ومن أمثلة هذا القادح ما لو استُدِل على ثبوت المِلْك للمشتري في زمن الخيار بوجود سببه الذي هو البيع الصادر من أهله. فيقول المعترض: السبب المذكور يحتمل أمرين؛ أحدهما: مطلق البيع ولو بخيار، والثاني: البيع الذي لا شرط فيه. والأول منهما تنتفي عنه سببية الملك التي هي علته.
ومن أمثلته: ما لو قيل في الحاضر الصحيح الفاقد للماء: وُجِد فيه سبب التيمّمِ، وهو تعذُّر الماء فيجب التيمُّمُ. فيقول المعترض: تعذُّر الماء محتمِلٌ لأمور منها السفر والمرض، ومنها مطلق تعذره، والعلة التي أباحت التيمُّمَ مفقودة في مُطْلق التعذر.
واعلم أن المحلِّيَّ صرّح بأن الممنوع ليس هو المرادَ عند المستدلِّ
стр. 577
والمراد عند المستدل غيرُ ممنوع (١). وخالفه العَضُد فجوَّز كون الممنوع هو المراد (٢).
وقال القرافي (٣): ليس من شروط التقسيم أن يكون أحدهما ممنوعًا والآخر مسلَّمًا، بل يجوز أن يكونا مسلَّمَيْن، لكن الذي يَرِد على أحدهما غير ما يَرِد على الآخر وإلَّا لم يكن للتقسيم معنى. ولا خلاف أنه لا يجوز أن يكونا ممنوعين.
وقوله: "وليس عند بعضهم بالوارد" يعني أن التقسيم ليس بوارد أي مقبول عند بعض الأصوليين، واختار السبكي (٤) قبوله إذا بيَّن المعترض المحتملات التي تردَّدَ اللانظ بينها، ومحل القدح به في تساوي الاحتمالات كما تقدم لأن الاحتمال المرجوحَ ملغى كما تقدم عند الكلام على النصِّ والظاهر (٥).
٨٠٦ - جوابُه بالوضع في المرادِ ... أو الظُّهورِ فيه باسْتِشهادِ
يعني أنه على القول بالقدح بالتقسيم فجوابه أن يبيّن المستدل أن اللفظ موضوع في المعنى الذي أراد به المستدل وحدده دون غيره من الاحتمالات وضعًا شرعيًّا، أو عرفيًّا، أو لغويًّا، أو أنه أظهر فيه من غيره
стр. 578
من اسْتشهاده أي استَدْلاله على وضعه له أو ظهوره فيه. فظهر من هذا أن المراد بالاستواء المشترط في هذا القادح الاستواء في نفس الأمر، أو بحسب الظاهر، أو عند المعترض؛ وإذًا فلا ينافي الاستواء تبيين الظهور.
٨٠٧ - وللمعارضةِ والمنعِ معا ... أو الأخيرِ الاعتراضُ رَجَعا
يعني أن الاعتراض بجميع القوادح المتقدمة راجع عند ابن الحاجب إلى أمرين هما: المنع أو المعارضة (١)، فالمراد بالمنع منعُ مقدمة فأكثر من الدليل، والمراد بالمعارضة معارضة الدليل بدليل يقاومه. فمثال المنع قول المالكيّ مثلًا للحنبليّ أو الحنفيّ: كون الكيل علة الربا ممنوع. ومثال المعارضة قول المستدل بجواز نكاح المُحْرِم لما ثبت في "الصحيحين" (٢) من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. فيقول المعترض: هو معارَض بما ثبت عن ميمونة وأبي رافع من أنه تزوجها وهو حلال (٣). وميمونة صاحبة القصة، وأبو رافع سفيرهما فيها، فهما أعلم بها من ابن عباس. وعند السبكي (٤) راجع إلى المنع وهو
стр. 579
مراده بقوله: "أو الأخير" و"أو" في قول ابن الحاجب (١) مانِعَةُ خُلُوٍّ تُجَوِّزُ الجَمْعَ، فصُوَر الاعتراض إذًا ثلاث وهي: المنع وحده، والمعارضة وحدها، وهما معًا.
٨٠٨ - والاعتراضُ يلحقُ الدليلا ... دونَ الحكايةِ فلا سبيلا
يعني أن الاعتراض منعًا كان أو معارضة إنما يلحق دليل المستدل لا حكايته الأقوال في المسألة، لأن حكاية الأقوال لا تستلزم أن الذي حكاها يقول بصحتها. نعم يتوجَّه الاعتراضُ على الحكاية من حيث إنها مكذوبة على من حُكِيت عنه. وقوله: "فلا سبيلا" أي إلى اعتراض الحكاية.
٨٠٩ - والشأنُ لا يعترضُ المثال ... إذ قد كفى الفرضُ والاحتمالُ
يعني أن المثال لا يُعترض عليه للاكتفاء فيه بمجرد الفرض على تقدير الصحة وبمطلق الاحتمال؛ لأن المراد من المثال إيضاح القاعدة بخلاف الشاهد فإنه يُعْتَرض إذا لم يكن صحيحًا لأنه لتصحيح القاعدة.
* * *
стр. 580
خاتِمَة
أي: لكتاب القياس.
٨١٠ - وهو مفروضٌ إذا لم يكنِ ... للحكم من نَصٍّ عليه ينبني
يعني أن حكم القياس في المسألة التي لم يوجد فيها نصٌّ أنه فرض كفاية عند تعدد المجتهدين، وفرض عين إن لم يوجد إلَّا واحد، واستدل الأصوليون على فرضيته بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر] لأن فيه معنى اعتبار النظير بنظيره.
٨١١ - لا ينتمي للغوثِ والجليلِ ... إلّا على ضربٍ من التأويلِ
مراده بالغوث: النبي ﷺ (١)، وبالجليل: اللَّه تعالى. ومعنى البيت: أن الحكم الثابت بالقياس لا يُنسب إلى اللَّه ولا إلى الرسول ، فلا يجوز أن تقول: إن اللَّه قاله أو قاله رسوله؛ لأنه مستنبط لا منصوص، إلَّا إذا كانت نسبته لهما على "ضرب" أي نوع من التأويل بأن يَقْصد ذلك القائل أن نصَّ الكتاب أو السنة دل على حكم الفرع المقيس بحكم الأصل المقيس عليه
стр. 581
٨١٢ - وهو معدودٌ من الأصول ... وشِرْعةِ الإله والرَّسول
يعني أن القياس معدود من الأصول، أي أصول الفقه كما تقدم في تعريف أصول الفقه في قول المؤلف (١): "أصوله دلائل الإجمال. . " إلخ، أي والقياس دليل إجمالي فهو منها، خلافًا لإمام الحرمين (٢). وقوله: "شِرْعةِ الإله" هو بالجرِّ عطفًا على الأصول، ومعناه أن القياس معدود أيضًا من شرع اللَّه وشرع الرسول، يعني أنه من الدين، بمعنى أنه متعبَّد به، وإنما قال الأصوليون: إنه من الدين لأنه مأمور به في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر].
وما ذكره في "الآيات البينات" (٣) من أن في دليل الصغرى بحثًا لجواز أن يكون المراد بالاعتبار في الآية الاتعاظ فلا تدل على القياس وكما جزم بذلك الظاهرية (٤)؛ فقد ردَّه بعضُ المحققين بأن الآية وإن أريد بها الاتعاظ بما وقع لبني النضير، فإنها قطعًا تدل على النهي عن مثل فعلهم حَذَرًا من مثل عقوبتهم، وذلك بعينه إلحاق النظير بنظيره بجامع.
٨١٣ - ما فيه نفي فارقٍ ولو بظَن ... جلي وبالخفيّ عكسَه استَبِن
هذا شروع من المؤلف في أقوال العلماء في تعريف الجلي والخفيّ من القياس. ومعنى البيت: أن القياس الجليَّ هو ما كان نفيُ الفارق
стр. 582
المؤثر بين الفرع والأصل مقطوعًا به فيه أو مظنونًا ظنًّا قويًّا.
فمثال المقطوع به: إلحاق البول في إناء وصبه في الماء الراكد بالبول فيه في الكراهية. ومثال المظنون: إلحاق العمياء بالعوراء في مَنعْ التَّضحية كما تقدم (١).
وقوله المؤلف: "وبالخفيّ عكسه استبن" يعني أن القياس الخفي على هذا القول هو ما كان الفارق فيه محتملًا احتمالًا قويًّا كإلحاق القتل بالمثقل كالعصا بالقتل بالمحدَّد في وجوب القصاص؛ لأن الفرق باحتمال المثقَّل للتأديب محتمل احتمالًا غير شديد الضعف. وقوله: "اسْتَبِن" فعل أمر من استبانَ الأمرَ إذا عَلِمه.
٨١٤ - كونُ الخفي بالشَّبْهِ دأْبًا يستوي ... وبينَ ذَينِ واضحٌ مما رُوي
هذا قول ثان في تعريف القياس الجليّ والخفيّ، وعلى هذا القول فالقسمة ثلاثية وهي: قياس جليٌّ، وقياس واضح، وقياس خفيٌّ. فإذا عرفتَ ذلك فمعنى البيت: أن القياس الجلي هو ما تقدم في البيت قبل هذا في قوله: "ما فيه نفي فارق. . " إلخ، والقياس الخفيُّ هو: قياس الشَّبَه المتقدم، والقياس الواضح هو: ما بينهما كقياس القتل بالمثقَّل على القتل بالمحدَّد في وجوب القصاص. وقوله: "كون" مبتدأ خبره الجار والمجرور الذي هو "مما رُوي".
٨١٥ - قيل الجلي وواضحٌ وذو الخفا ... أولى مُساوٍ أدْوَنٌ قد عُرِفا
стр. 583
هذا قول ثالث في تعريف القياس الجلي، والواضح، والخفيّ، ومعنى البيت: أن بعض العلماء قال: إن القياس الجليَّ هو: قياس الأوْلَى كإلحاق الضرب بالتأفيف في التحريم في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء/ ٢٣]. وأن القياس الواضح هو: قياس المساوي كإلحاق إحراق مال اليتيم بأكله في التحريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء/ ١٠] الآية. وأن القياس الخفي هو: القياس الأَدْوَن المتقدم في قوله: "وإن تكن ظنية فالأدون" إلخ كقياس التفاح على البر في حُرمة الربا بجامع الطَّعْم.
وقوله: "الجلي وواضح وذو الخفا" مبتدآتٌ متعاطفة. وقوله: "أولى مساوٍ أدون" أخبارٌ متعاطفة على سبيل الَّلف والنشر المرتب؛ فالأول خبر الأول، والثاني خبر الثاني، والثالث خبر الثالث. وقوله: "مساوٍ" معطوف بحذف العاطف. وتنوين "أدون" لضرورة الوزن. كقول امرئ القيس (١): "خِدْرَ عُنَيْزةٍ".
٨١٦ - وما بذاتِ عِلَّةٍ قد جُمعا ... فيه فَقَيْسَ عِلَّة قد سُمِعا
هذا تقسيم آخرُ للقياس باعتبار علته ، وهو أن الجامع بين الفرع والأصل إن كان نفس العلة فهو قياس العلة سواء كان مناسبًا بالذات أو بالتبع، فقياس العلة في هذا التقسيم يتناول الشبه، لأن الجمع فيه بالعلة
стр. 584
وإن كانت مناسبتها بالتبع فقياس العلة هنا أعم من قياس العلة المذكور في قوله: "وحيثما أمكن قيس العلة. . " (١) إلخ.
ومثال قياس العلة: النبيذ حرام قياسًا على الخمر بجامع العلة التي هي الإسكار، وأما إن كان الجامع بغير العلة بل بلازمها أو أثرها أو حكمها فهو قياس الدلالة وإليه الإشارة بقوله:
٨١٧ - جامعُ ذي الدلالة الذي لزِمْ ... فأثَرٌ فحكمُها كما رُسِمْ
يعني أن قياس الدلالة هو ما كان الجامع فيه هو لازم العلة فأثرها فحكمها.
فمثال الجمع بلازمها: النبيذ حرام كالخمر بجامع الشدَّة المُطْرِبة لأنها لازمة للإسكار.
ومثال الجمع بأثرها: القتل بالمُثَقَّل يُوجب القصاص كالقتل بمحدَّد بجامع الإثم، وهو أثر العلة التي هي القتل عمدًا عدوانًا.
ومثال الجمع بحكمها: تُقْطَع الجماعةُ بالواحد قياسًا على قتلهم به بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان غير عَمْد وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى، والقتل منهم في الثانية. ومن أمثلته أيضًا: الحكم بصحة ظهار من صح طلاقه قياسًا للظهار على الطلاق، مع أن الطلاق حكم العلة التي هي الأهلية للطلاق لا نفس العلة. وقوله: "الذي لزم" يعني لازم العلة، والعطف بالفاء يقتضي الترتيب بين المذكورات.
стр. 585
٨١٨ - قياسَ معنى الأصلِ عنهم حقِّقِ ... لِما دُعِي الجمعَ بنفي الفارقِ
يعني أن الإلحاق بنفي الفارق الذي تقدم إيضاحه في تنقيح المناط وفي مفهوم الموافقة (١) هو المعروف في الاصطلاح بالقياس في معنى الأصل، فالإضافة في قوله: "قياسَ معنى الأصل" بمعنى في. وقوله: "قياسَ" مفعول مقدم لفعل الأمر الذي هو "حقق"، واللَّام في قوله: "لما" تتعلق بـ "حقق" و"الجمعَ" هو المفعول الثاني للفعل المبنِيّ للمفعول الذي هو: "دُعِي". وقوله: "بنفي الفارق" يتعلق بـ "الجمعَ"، ومثاله: إلحاق البول في إناء وصبه في الماء الراكد بالبول فيه في الكراهة بنفي الفارق المؤثر بينهما، وقد قدمنا أمثلة أنواعه الأربعة.
* * *
стр. 586
كتابُ الاسْتِدلَال
الاستدلال لغة طلب الدليل، ويطلق في عُرْف الأصوليين على أمرين:
أحدهما: إقامة الدليل مطلقًا من نصٍّ أو إجماعٍ أو غيرهما.
والثاني: نوع خاصٌّ من الدليل غير الكتاب والسنة والإجماع والقياس وهو المراد هنا.
٨١٩ - ما ليس بالنصِّ من الدليلِ ... وليسَ بالإجماع والتمثيلِ
يعني أن الاستدلال المذكور هنا هو الدليل الذي ليس بسنة ولا كتاب ولا إجماع ولا قياس، ومراده بالتمثيل القياس الأصولي المعروف بقياس الفقهاء المتقدم تعريفه في قوله: "بحمل معلوم" (١) إلخ. والاستدلال المذكور كالقياس المنطقِيّ، ومذاهب الصحابة، والمصالح المرسلة، والاستصحاب، والاستقراء، والعوائد، وسَدّ الذرائع، وغير ذلك.
٨٢٠ - منه قياسُ المنطقي والعكس ... . . . . . . . . . . . .
يعني أن الاستدلال يدخل فيه قياس المنطقي وهو قسمان: قياس اقترانِيٌّ، وقياس استثنائي.
وضابط الاقتراني: أن تكون النتيجة فيه مذكورة بالقوة أي بمادتها دون صورتها، وهو يكون في الحمليات والشرطيات المتصلة. ومثاله في الحمليات: الوضوء قُربة وكل قُربة تُشترط فيها النية، ينتج من الشكل
стр. 587
الأول: الوضوء تشترط فيه النية. وهذه النتيجة مذكورة بمادتها في القياس لأن موضوعها موضوعُ المقدمة الصغرى، أعني قولنا: الوضوء، ومحمولها محمول الكبرى أعني: تُشترط فيها النية.
ومثاله في الشرطيات المتصلة: كلما كانت الطهارةُ وضوءًا كانت قُربة، وكلما كانت قربة اشترطت فيها النية، ينتج من الشكل الأول أيضًا: كلما كانت الطهارة وضوءًا اشترطت فيها النية.
وضابط القياس الاستثنائي: أن تكون النتيجة فيه مذكورة في القياس بمادتها وصورتها هي أو نقيضها وهو قسمان: شَرْطي متصل وشَرْطي منفصل. فالشَّرْطي المتصل أعني المركب من شَرْطية متصلة لزومية ومن استثنائية ضرورية: أربعة ينتج منها اثنان ويعقم اثنان، فالمنتجان هما: استثناء نقيض التالي فإنه ينتج نقيض المقدم، لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم، واستثناء عين المقدم فإنه ينتج عين التالي، لأن وجود الملزوم يقتضي وجود اللازم.
وضرْباهُ العقيمان هما: استثناء عين التالي فإنه لا ينتج عين المقدم لأن وجود اللازم لا يقتضي وجود الملزوم، واستثناء نقيض المقدم فإنه لا ينتج نقيض التَّالِي، لأن نفي الملزوم لا يقتضي نفي اللازم.
ومثال الاستثنائي المذكور قولك: لو كان هذا إنسانًا لكان حيوانًا، فلو استثنيت نقيض التالي فقلت: لكنه غير حيوان، أنتجَ: فهو غير إنسان. وكذا لو استثنيت عين المقدم فقلت: لكنه إنسان، أنتج: فهو حيوان. أمَّا لو استثنيت عين التَّالي فقلت: لكنه حيوان، لم ينتج كونه إنسانًا؛ لأن
стр. 588
وجود الأعم لا يقتضي وجود الأخصِّ. وكذا لو اسْتَثنيت المقدم فقلت: لكن غير إنسان، لم ينتج شيئًا؛ لأن نفي الأخص لا يقتضي نفي الأعم.
أما الشَّرْطي المنفصل فهو ثلاثة أقسام:
الأول: هو المركب من الشَّرْطية المنفصلة الحقيقية المعروفة بمانعة الجَمْع والخُلُو، وهي المركبة من النقيضين أو مساويهما، وهي ما كان العناد والتنافر بين طرفيها في الوجود والعدم معًا، فاستثناء عين كل من طرفيها ينتج نقيض الآخر، واستثناء نقيض كل منهما ينتج عين الآخر، كقولك: العدد إما زوج وإما فرد، فلو قلت: لكنه زوج، أنتج: هو غير فرد، ولو قلت: لكنه فرد، أنتج: هو غير زوج. ولو قلت: لكن غير زوج، أنتج: هو فرد، ولو قلت: لكنه غير فرد، أنتج: هو زوج.
القسم الثاني: هو ما كان فيه التنافر بين طرفَي القضية في الوجود فقط دون العدم، وهو المركَّب من مانعة الجمع المجوِّزة للخلو وهي تتركَّب من قضية وأخصُّ من نقيضها، وضروبها أربعة ينتج منها اثنان ويعقم اثنان، أما المنتجان فهما: استثناء عين المقدم فإنه ينتج نقيض التالي، واستثناء عين التالي فإنه ينتج نقيض المقدم. والعقيمان هما: استثناء نقيضهما فإنهما لا ينتجان لأنها مجوزة لِلْخُلُوِّ. مثاله: ما لو قلت: اللون إما أبيض وإما أسود، فلو قلت: لكنه أبيض، أنتج: غير أسود، ولو قلت: لكنه أسود، أنتج: غير أبيض. بخلاف ما لو قلت: لكن غير أبيض أو غير أسود فإنه لم ينتج.
والثالث: هو ما كان التنافر فيه بين طرفي القضية في العدم فقط دون
стр. 589
الوجود، وهي مانعة الخلو المجوِّزة للجمع، وضروبها أربعة ينتج منها اثنان وهما العقيمان فيما قبله، ويعقم منها اثنان وهما المنتجان فيما قبله. وضابطُ مانعة الخلو المجوِّزة للجمع أنها تتركب من قضية وأعم من نقيضها. ومثال قياسها قولك: الجرم إما غير أبيض وإما غير أسود، فلو استثنيتَ نقيض "غير أبيض" الذي هو أبيض، أنتج: عين "غير أسود"، وكذلك لو استثنيت نقيض "غير أسود" الذي هو عين أسود، أنتج: "غير أبيض". أما لو استثنيت عين واحد من الطرفين فإنه لا ينتج، كما لو قلت: لكنه "غير أسود"، لم ينتج: "غير أبيض"، وكذا لو قلت: لكنه "غير أبيض" لم ينتجْ "غير أسود".
وقول المؤلف: "والعكس" يعني أن من الاستدلال قياس العكس ، وهو: إثبات عكس الحكم لمعاكس لمحله لتعاكسهما في العلة، ومثاله: حديث مسلم: أيأتي أحدُنا شهوتَه وله فيها أجر؟ قال ﷺ : "أرأيتم لو وَضَعها في حرام أكان عليه وزر؟ " (١). فالحكم المذكور هنا هو ثبوت الوزر وعكسه ثبوت الأجر، ومحلُّ ثبوت الأجر الذي هو الوضع (٢) في حلال معاكس لمحل ثبوت الوزر الذي هو الوضع في حرام. وإيضاح تعاكسهما في العلة: أن علة الوزر الوضع في حرام وعلة الأجر الوضع في حلال.
ومنه قول المالكية: إن كثير القيء لا ينقض الوضوء كقليله بقياس العكس على البول لما نقض كثيره نقض قليله، ومنعَ قومٌ الاستدلالَ
стр. 590
بقياس العكس (١). وقول المؤلف: "ومنه فقد الشرط دون لبس" يعني أن من الاستدلال عدم الشرط فإنه يدل على عدم الحكم المشروط كما تقدم في قوله: "ولازم من انعدام الشرط" إلخ.
٨٢١ - ثمَّ انتفا المُدْرَك مما يُرتَضى ... كذا وجود مانعٍ أو ما اقتضى
يعني أن من أنواع الاستدلال: انتفاء مُدْرَك الحكم أي دليلُه الذي يُدرك به بأن بحث عنه المجتهد البحث التام فلم يجده، فعدم وجود الدليل على الحكم يفيد ظنًّا بانتفاء الحكم، هذا مراد المؤلف وخالف فيه الأكثرون قائلين: لا يلزم من عدم وجدان الدليل انتفاء الحكم.
وقوله: "كذا وجود مانع أو ما اقتضى" يعني أن وجود المانع من أنواع الاستدلال لأنه يدل على عدم الحكم كالأبوة في القصاص، فوجود المانع دليل على انتفاء الحكم، ومراده بـ "ما اقتضى" المقتضِي -بالكسر- وهو السبب، يعني أن وجود السبب للحكم دليل على وجود الحكم لما تقدم من أن وجود السبب يقتضي وجود المسبَّب، وخالف الأكثر قائلين: ليس شيء من ذلك دليلًا بل دعوى دليل ولا يكون دليلًا إلَّا إذا عُيِّن المقتضي أي السبب والمانع وبُيِّن وجودهما، وكذلك الشرط إلا أنه لا يلزمه بيان فقده.
فإن قيل: المانع والسبب مثلًا إنما عُرِف الاستدلالُ بهما من جهة الشرع فكيف يُعَد ذلك من أنواع الاستدلال الذى حُدَّ بأنه غير نص أو
стр. 591
إجماع أو قياس؟
فالجواب أنه على القول بأن ذلك يشترط في كونه استدلالًا ثبوت وجود المقتضي والمانع أو فقد الشرط بغير النصِّ والإجماع والقياس فلا إشكال، وأما على القول بأنه استدلال ولو ثبت ذلك بنص أو إجماع أو قياس فوجهه: أن وجود المانع إلخ غير نصِّ ولا إجماع ولا قياس.
٨٢٢ - ومنه الاستقراء بالجزئِيِّ ... على ثبوتِ الحكمِ للكُلِّيِّ
يعني أن من أنواع الاستدلال: الاستقراء وهو لغة التتبُّع من قولك: استقريت البلد أي تتبعته قرية قرية. وهو في الاصطلاح: تتبع الأفراد الجزئية فيستدل بتتبعها على أن ذلك الحكم الحاصل لكل واحد منها شامل لكل فرد فيلزم من ذلك ثبوته للصورة المخصوصة التي فيها النزاع.
ومثاله: تتبع أفراد خبر الآحاد في مذهب مالك فإنه باستقراء الجزئيات التي عمل فيها مالك بأخبار الآحاد يُستدل على قاعدة كلية هي: كل خبر آحاد ثبت فإن مالكًا يعمل به فيلزم من ذلك عمله به في كل صورة حتى لو وقع النزاع في صورة معينة لكانت تلك الكلية حجة فيها.
وحاصل الاستقراء: استدلال بجزئيات على كلية. وعكسه وهو الاستدلال بالكليات على الجزئي هو القياس المنطقي، والاستدلال بالجزئي الإضافيِّ على الجزئيِّ الإضافي هو قياس التمثيل المعروف بقياس الفقهاء والقياس الأصوليّ، وإلى هذا التقسيم أشار في "السُّلَّم" (١) بقوله:
стр. 592
وإن بجزئِي على كلِّي استُدِلْ ... فذا بالاستقراء عندهم عُقل (١)
وعكسُه يُدْعَى القياسُ المنطقي ... وهو الذي قدَّمته فحقِّق
وحيث جزئيٌّ على جزءٍ حُمِل ... لجامعٍ فذاك تمثيلًا جُعِل
٨٢٣ - فإن يَعُمَّ غيرَ ذي الشقاقِ ... فهو حجة بالاتفاقِ
٨٢٤ - وهو في البعض إلى الظن انتسبْ ... يُسْمَى لُحوقَ الفردِ بالذي غَلَبْ
يعني أن الاستقراء ينقسم إلى تام وغير تام ، فالتامُّ هو: أن يعم الاستقراء غير صورة الشقاق -أي النزاع- بأن يكون ثبوت الحكم لذلك الكُلِيّ بواسطة ثابتةٍ بالتتبع في جميع جزئياته غير صورة النزاع عند الأكثر، ولا خلاف في حجيته فيها كرفع الفاعل ونصب المفعول في لغة العرب. والمنطقيون يقولون: هو غيرُ قطْعِيٍّ لاحتمال أن تكون الصورة التي لم تستقرأ مخالفةً لعامة الأفراد التي استقرئت. ومَثَّلوا لذلك بأنهم تتبعوا أفراد الحيوان فوجدوا كلَّ فردٍ منه يُحَرِّك فكَّه الأسفل في المضغ، فأثبتوا بهذا الاستقراء قضيَّة كلية هي: كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ، مع أنه وُجِد فردٌ خارج عن الكلية لأنه لم يستقرأ وهو التمساح، فإنه يحرِّك فكَّه الأعلى، وإلى هذا الإشارة بقول صاحب "السُّلَّم" (٢):
ولا يفيد القطع بالدليل ... قياس الاستقراء والتمثيل
وهذا الاستقراء التام هو مراده بالبيت الأول.
стр. 593
والنوع الثاني -الذي هو غير التام من الاستقراء-: هو أن يكون ثبوت الحكم في الكلِيّ بواسطة إثباته بالتتبع في بعض الجزئيات الخالي عن صورة النّزاع، ولكن يشترط فيه أن يكون ثبوت الحكم للبعض يفيد ظن عموم الحكم، ولو كان البعض المستقرأ أقلَّ على التحقيق.
ومثاله: ما ذكره الشافعي (١) وغيره من أن أقل سِنين الحيض تسع سنِين، وأن أقلَّه يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر ونحو ذلك، فقد صرح علماء الشافعية بأنَّ مستند الشافِعيّ في جميع ذلك هو الاستقراء، ومعلوم أن الشافعي لم يستقرئ من حال نساء العالم إلَّا النَّزْرَ القليل بالنسبة لما لم يستقرئ، وقوله: "يُسمَى لحوق الفرد" يعني أن الاستقراء الناقص يسميه الفقهاءُ: إلحاقَ الفرد بالأغلب، وما مشى عليه المؤلِّف في تعريف الاستقراء هو اصطلاح المنطقيين، وهو عند الأصوليين: الاستدلال بحال ما عدا صورة النزاع من الجزئيات المعلوم بالتتبع على صورة النزاع. وقوله: "إلى الظن انتسب" يعني أن الاستقراء الناقصَ دليل ظنِّيٌّ.
٨٢٥ - ورجّحَنَّ كونَ الاستِصْحاب ... للعدمِ الأصليِّ من ذا الباب
٨٢٦ - بعدَ قُصارى البحثِ عن نصٍّ فلَمْ ... يُلْفَ وهذا البحثُ وَفْقا منحَتِمْ
يعني أن الراجح عند المالكية كون استصحاب العدم الأصلِيّ من ذا الباب، يعني باب الاستدلال فهو حجة. والمراد بالعدم الأصلِيّ: انتفاءُ الأحكام الشرعية في حق الأمة قبل بعث الرسول ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَمَا
стр. 594
وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء]. واسْتِصحابُ العدم هذا هو الإباحة العقلية المتقدمة، ولا يُحتج به إلَّا "بعد قُصارى البحث" -أي غايته- عن دليلٍ فلم يوجد. والمراد بالبحث: استفراغ الجهد في طلب الدليل ولم يوجد، فلو وُجد دليل لوجب العمل به. فصوم جمادى مثلًا ساقط لأن الأصل براءة الذمة منه. ومفهوم قوله: "رجحنَّ" أن فيه من يقول بخلاف ذلك، والمخالفون منهم من يقول: الأصلُ في الأشياء التي لم يَرِد عليها دليلٌ المنع، واستدلوا بأمرين:
أحدهما: أن اللَّه قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة/ ٤]، وقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة/ ١]. وقوله: ﴿أُحِلَّ﴾ و ﴿أُحِلَّتْ﴾ يُفهم منه أن المنع هو الأصل والإحلال مُخرَّج عنه.
والأمر الثاني: أن كل الأشياء ملك للَّه تعالى ولا يجوز التصرف بملك الغير بغير إذنه، ومنهم من يقول: إن الأصل الإباحة لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة/ ٢٩]. وعليه فالإباحة المفهومة من الآية شرعية فليست استصحابًا ولا إباحة عقلية.
وقوله: "وهذا البحث" إلخ يعني أن البحث عن الدليل قبل الاستناد إلى الاستصحاب واجب اتفاقًا. وقوله: "لم يُلْفَ" معناه لم يوجد.
٨٢٧ - وإن يعارض غالبًا ذا الأصلُ ... ففي المقدَّم تنافى النقلُ
يعني أن محل استصحاب العدم الأصليّ ما لم يعارض الغالبُ ذلك الأصل الذي هو العدم، فإن عارضه فقيل: يُقَدَّم الغالب، وقيل: يقدم الأصل، وهذا الخلاف هو مراده بقوله: "ففي المقدم تنافى النقل".
стр. 595
واعلم أن فروع هذا الأصل منها ما اخْتُلِف فيه بناءً على الاختلاف في هذا الأصل ، كاختلاف الزوجين في دفع النفقة فالغالب دفعها والأصل عدمه. ومنها ما اتفق على تغليب الأصل فيه على الغالب كدعاوي أهل الدِّين والورع على غيرهم، فالغالب صدقُهم والأصلُ براءةُ الذمة، وهو مقدَّم هنا على الغالب بلا خلاف. ومنها ما اتفق فيه على تقديم الغالب كشهادة البينة على عمارة الذمة فالأصل براءة الذمة والغالب صدق البينة، وقد اتفق على تقديم هذا الغالب على الأصل.
٨٢٨ - وما على ثبوتِهِ للسبَبِ ... شرعٌ يدلُّ مثلَ ذاك استَصْحِبِ
يعني أن استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه نوعٌ من أنواع الاستدلال وهو حجة كما لو قال: كانت له في ذِمَّتي مئة وقضيته، فإن الشرع يثبت المئة في ذمته بالسبب الذي هو الإقرار، فيلزم استصحاب بقائها في الذمة حتى تقوم بينة على القضاء، وهكذا.
وقوله: "مثل ذاك" يعني استصْحِب ما دَلَّ الشرعُ على ثبوته مثل استصحاب ذاك العدم الأصلي المتقدم. وقول المؤلف: "استصحب" فعل أمر مفعوله "ما" مقدَّم عليه. وقوله: "على ثبوته" متعلِّق بـ "يدل". وقوله: "للسبب" متعلق بـ "ثبوته". أما استصحاب العموم والنصّ إلى أن يوجد مخصِّصٌ أو ناسخ فليسا من الاستصحاب لأن الحكم مستند إلى نفس الدليل. قال الرازي (١): وأن سماه أحد استصحابًا لم يناقش (٢).
стр. 596
٨٢٩ - وما بماضٍ مثبتٌ للحالِ ... فهو مقلوبٌ وعكسُ الخالي
٨٣٠ - كجري ما جُهِل فيه المَصرِفُ ... على الذي الآن لذاك يُعْرَفُ
هذا نوع من أنواع الاستدلال يسمَّى: مقلوب الاستصحاب وهو: إثبات أمر في الزمن الماضي لثبوته في الحال أي الزمن الحاضر، فالباء في قوله "بماض" بمعنى في، و"مثبت" اسم المفعول، و"اللام" في "للحال" للتعليل أي: المثبت في الماضي لأجل ثبوته في الحال هو المسمَّى مقلوبَ الاستصحاب، ويقال له أيضًا: معكوس الاستصحاب.
ومَثَّل له المؤلف بما ذكره بعضُ القرويين والأندلسيين من المالكية من أن الحُبُسَ إذا جُهِل مَصْرفُه وَوُجِد على حالة فإنه يلزم إجْراؤه عليها، ورأوا أن إجراءَه عليها دليل على أنه كان كذلك في الأصل. ومن أمثلته: أن يقال في المكيال الموجود الآن: كان على عهده ﷺ استصحابًا بالحال (١) في الماضي، وكثيرٌ من العلماء لم يعتبره حجة وهو الظاهر لاحتمال طروّ الحالة الراهنة.
٨٣١ - والأخذ بالذي له رُجحانُ ... من الأدلةِ هو استِحْسان
٨٣٢ - أو هو تخصيصٌ بعرفٍ ما يَعُمْ ... ورعْيَ الاستصلاح بَعْضُهُمْ يؤمْ
٨٣٣ - وَرَدُّ كونِهِ دليلًا ينقدِحْ ... ويقْصُر التعبير عنه مُتَّضِح
يعني أن في معنى الاستحسان المعمول به عند المالكية أربعة أقوال:
الأول: أنه الأخذ بأقوى الدليلين، كتخصيص العرايا من عموم منع
стр. 597
بيع الرطب بالتمر لأن دليله أخصُّ. وكتصديق مُدَّعي الأشبه من زوجين في الصداق ومن متبايعين في الثمن. وكشهادة الرهن في قَدْر الدين، وهذا القول نقله الباجي (١) عن ابن خويز منداد، ورُوِي مثلُه عن أحمد. وهو مراد المؤلف بالبيت الأول.
القول الثاني: أن الاسْتحْسَان هو تخصيص الدليل العام بالعادة لمصلحة، كاسْتِحْسان جواز دخول الحمام من غير تعيين زمن المكث فيه وقدر الماء، فإن العادة جرت بذلك على خلاف الدليل لأن المشاحَّة في تعيين ذلك قبيحة في العادة، وفي الحديث: "بعثتُ لأتمِّمَ مكارم الأخلاق" (٢) وفيه: "إن اللَّه يحب معالي الأمور ويكره سفسافها" (٣).
فإن جَرَت العادة المذكورة في زمنه ﷺ من غير إنكار أو بعد زمنه من غير مخالف من الأئمة عُمِل بها إجماعًا لدلالة السُّنَّة في الأول والإجماع في الثاني، وإن قام دليل على إنكارها من النبي ﷺ أو بعض المجتهدين
стр. 598
رُدَّت، وهذا القول الثاني في الاسْتِحسان هو قول أشهب، وهو مراد المؤلف بقوله: "أو هو تخصيصٌ بعرفٍ ما يعُمْ".
القول الثالث في الاستحسان: أنه استعمال مصلحة جزئية، كما إذا اختار بعض ورثة المشتري بالخيار الردَّ وبعضُهم الإمضاءَ، فالقياسُ ردُّ الجميع إن ردَّ بعضهم، لأن من ورثوا عنه الخيار لو رَدَّ البعضُ تعيَّن ردّ الجميع لما في التَّبعيض من إدخال الضرر على البائع، والاسْتِحسانُ أخذ المجيز الجميع ارتكابًا لأخف الضررين، فالاستحسانُ على هذا القول أخذٌ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كليّ، ويُستشهد له بالرخص في الشريعة فإنها أخذ بمصالح جزئية في مقابلة أدلة كلية. وهذا القول الثالث قول الأبياري، وإليه الإشارة بقول المؤلف: "ورعيَ الاستصلاح بعضهم يؤُمْ" أي بعضهم يؤم أي يقصد في تفسير الاسْتحْسَان رَعْيَ الاستصلاح، أي مراعاة المصلحة الخاصة في مقابلة الدليل الكلِّيّ.
القول الرابع: ما قاله بعضهم من أن الاستحسان دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عبارته عنه، وهذا القول الرابع بين المؤلف ردَّه تبعًا لابن الحاجب (١) وغيره، بقوله: "وردُّ كونه دليلًا" إلخ، فقوله: "ورَدُّ" مبتدأ خبره قوله: "متضح" أي رد كونه دليلًا. . . إلخ متضح. ووجه رَدِّه: أن الاستحسان لا يكون إلَّا من مجتهد والمجتهد يُشترط فيه أن يكون قادرًا على التعبير عما في نفسه، وأصل الاستحسان ما حسن في الشرع ولم
стр. 599
ينافه، ودليله قوله ﷺ : "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن" (١). وفي هذا الاستدلال عندي نظر.
٨٣٤ - رأي الصَّحابيِّ على الأصحاب لا ... يكونُ حجةً بوَفْق مَنْ خلا
٨٣٥ - في غيره ثالثُها إن انتشَرْ ... وما مخالفٌ له قطُّ ظَهَرْ
يعني أن مذهب الصحابي سواء كان قولًا أو فعلًا حاكمًا كان أو مفتيًا ليس حجة على صحابي آخر مجتهد، وهذا لا خلاف فيه، وهو مراد المؤلف بالبيت الأول. وأما مذهب الصحابي بالنسبة للمجتهدين من التابعين فمَن بعدهم ففي كونه حجة عليهم ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه حجة عليهم مطلقًا، وحجته أنهم باشروا النبيَّ ﷺ فاطَّلعوا على ما لم يطلع عليه غيرُهم، فهم أعلم بالسنة من غيرهم، وما راءٍ كمن سمع، والاحتجاجُ لهذا القول بحديث: "أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم" (٢) لا ينهض لأن الحديث ضعيف.
стр. 600
الثاني: أنه ليس بحجة مطلقًا لأنه قول مُجْتهد من الأمة فلا يكون حجة على مجتهد آخر وكلا القولين مرويٌّ عن مالك.
الثالث: أنه إن اشتهر ولم يظهر له مخالف كان حجةً وهو مروي عن مالك أيضًا، وإن خُوْلِف فليس بحجة لأن القول الآخر يناقضه، وكون حجة إن انتشر (١) ليس إجماعًا سكوتيًّا؛ لأن اشتراط الانتشار لا يلزمه بلوغ الكل، ومضيّ مهلة النظر، وتجرّد السكوت عن أمارة الرضا أو السخط كما تقدم اشتراط الكل في السكوتيِّ.
وهذه الأقوال الثلاثة في حجية مذهب الصحابي على المجتهد من غير الصحابة هي مراد المؤلف بالبيت الأخير، وفي المسألة أقوال أُخَرُ غير ما ذكره المؤلف ذكرها صاحب "جمع الجوامع" (٢) واقتصر المؤلف على الأقوال المذهبية منها.
٨٣٦ - ويَقْتَدي من عمَّ بالمجتهِدِ ... منهم لدى تحقُّقِ المُعْتَمَدِ
يعني أن العامي -ومراده به غيرُ المجتهد- يجوز له العمل بمذهب الصحابي إذا تحقق أن ذلك مذهبه، وهو مراده بالمعتمد، وإنما اشترط هذا الشرط لأن مذاهب الصحابة لم تثبت حقَّ الثبوت لأنها نُقِلت فتاوي مجرَّدة فلعل لها مقيِّدًا أو مخصِّصًا أو مكمِّلًا لو انضبط كلام قائله لظهر،