← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 283

نثر الورود شرح مراقي السعود

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (730 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٨٢٩ - وما بماضٍ مثبتٌ للحالِ ... فهو مقلوبٌ وعكسُ الخالي ٨٣٠ - كجري ما جُهِل فيه المَصرِفُ ... على الذي الآن لذاك يُعْرَفُ هذا نوع من أنواع الاستدلال يسمَّى: مقلوب الاستصحاب وهو: إثبات أمر في الزمن الماضي لثبوته في الحال أي الزمن الحاضر، فالباء في قوله "بماض" بمعنى في، و"مثبت" اسم المفعول، و"اللام" في "للحال" للتعليل أي: المثبت في الماضي لأجل ثبوته في الحال هو المسمَّى مقلوبَ الاستصحاب، ويقال له أيضًا: معكوس الاستصحاب. ومَثَّل له المؤلف بما ذكره بعضُ القرويين والأندلسيين من المالكية من أن الحُبُسَ إذا جُهِل مَصْرفُه وَوُجِد على حالة فإنه يلزم إجْراؤه عليها، ورأوا أن إجراءَه عليها دليل على أنه كان كذلك في الأصل. ومن أمثلته: أن يقال في المكيال الموجود الآن: كان على عهده ﷺ استصحابًا بالحال (١) في الماضي، وكثيرٌ من العلماء لم يعتبره حجة وهو الظاهر لاحتمال طروّ الحالة الراهنة. ٨٣١ - والأخذ بالذي له رُجحانُ ... من الأدلةِ هو استِحْسان ٨٣٢ - أو هو تخصيصٌ بعرفٍ ما يَعُمْ ... ورعْيَ الاستصلاح بَعْضُهُمْ يؤمْ ٨٣٣ - وَرَدُّ كونِهِ دليلًا ينقدِحْ ... ويقْصُر التعبير عنه مُتَّضِح يعني أن في معنى الاستحسان المعمول به عند المالكية أربعة أقوال: الأول: أنه الأخذ بأقوى الدليلين، كتخصيص العرايا من عموم منع

стр. 597

بيع الرطب بالتمر لأن دليله أخصُّ. وكتصديق مُدَّعي الأشبه من زوجين في الصداق ومن متبايعين في الثمن. وكشهادة الرهن في قَدْر الدين، وهذا القول نقله الباجي (١) عن ابن خويز منداد، ورُوِي مثلُه عن أحمد. وهو مراد المؤلف بالبيت الأول. القول الثاني: أن الاسْتحْسَان هو تخصيص الدليل العام بالعادة لمصلحة، كاسْتِحْسان جواز دخول الحمام من غير تعيين زمن المكث فيه وقدر الماء، فإن العادة جرت بذلك على خلاف الدليل لأن المشاحَّة في تعيين ذلك قبيحة في العادة، وفي الحديث: "بعثتُ لأتمِّمَ مكارم الأخلاق" (٢) وفيه: "إن اللَّه يحب معالي الأمور ويكره سفسافها" (٣). فإن جَرَت العادة المذكورة في زمنه ﷺ من غير إنكار أو بعد زمنه من غير مخالف من الأئمة عُمِل بها إجماعًا لدلالة السُّنَّة في الأول والإجماع في الثاني، وإن قام دليل على إنكارها من النبي ﷺ أو بعض المجتهدين

стр. 598

رُدَّت، وهذا القول الثاني في الاسْتِحسان هو قول أشهب، وهو مراد المؤلف بقوله: "أو هو تخصيصٌ بعرفٍ ما يعُمْ". القول الثالث في الاستحسان: أنه استعمال مصلحة جزئية، كما إذا اختار بعض ورثة المشتري بالخيار الردَّ وبعضُهم الإمضاءَ، فالقياسُ ردُّ الجميع إن ردَّ بعضهم، لأن من ورثوا عنه الخيار لو رَدَّ البعضُ تعيَّن ردّ الجميع لما في التَّبعيض من إدخال الضرر على البائع، والاسْتِحسانُ أخذ المجيز الجميع ارتكابًا لأخف الضررين، فالاستحسانُ على هذا القول أخذٌ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كليّ، ويُستشهد له بالرخص في الشريعة فإنها أخذ بمصالح جزئية في مقابلة أدلة كلية. وهذا القول الثالث قول الأبياري، وإليه الإشارة بقول المؤلف: "ورعيَ الاستصلاح بعضهم يؤُمْ" أي بعضهم يؤم أي يقصد في تفسير الاسْتحْسَان رَعْيَ الاستصلاح، أي مراعاة المصلحة الخاصة في مقابلة الدليل الكلِّيّ. القول الرابع: ما قاله بعضهم من أن الاستحسان دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عبارته عنه، وهذا القول الرابع بين المؤلف ردَّه تبعًا لابن الحاجب (١) وغيره، بقوله: "وردُّ كونه دليلًا" إلخ، فقوله: "ورَدُّ" مبتدأ خبره قوله: "متضح" أي رد كونه دليلًا. . . إلخ متضح. ووجه رَدِّه: أن الاستحسان لا يكون إلَّا من مجتهد والمجتهد يُشترط فيه أن يكون قادرًا على التعبير عما في نفسه، وأصل الاستحسان ما حسن في الشرع ولم

стр. 599

ينافه، ودليله قوله ﷺ : "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن" (١). وفي هذا الاستدلال عندي نظر. ٨٣٤ - رأي الصَّحابيِّ على الأصحاب لا ... يكونُ حجةً بوَفْق مَنْ خلا ٨٣٥ - في غيره ثالثُها إن انتشَرْ ... وما مخالفٌ له قطُّ ظَهَرْ يعني أن مذهب الصحابي سواء كان قولًا أو فعلًا حاكمًا كان أو مفتيًا ليس حجة على صحابي آخر مجتهد، وهذا لا خلاف فيه، وهو مراد المؤلف بالبيت الأول. وأما مذهب الصحابي بالنسبة للمجتهدين من التابعين فمَن بعدهم ففي كونه حجة عليهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه حجة عليهم مطلقًا، وحجته أنهم باشروا النبيَّ ﷺ فاطَّلعوا على ما لم يطلع عليه غيرُهم، فهم أعلم بالسنة من غيرهم، وما راءٍ كمن سمع، والاحتجاجُ لهذا القول بحديث: "أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم" (٢) لا ينهض لأن الحديث ضعيف.

стр. 600

الثاني: أنه ليس بحجة مطلقًا لأنه قول مُجْتهد من الأمة فلا يكون حجة على مجتهد آخر وكلا القولين مرويٌّ عن مالك. الثالث: أنه إن اشتهر ولم يظهر له مخالف كان حجةً وهو مروي عن مالك أيضًا، وإن خُوْلِف فليس بحجة لأن القول الآخر يناقضه، وكون حجة إن انتشر (١) ليس إجماعًا سكوتيًّا؛ لأن اشتراط الانتشار لا يلزمه بلوغ الكل، ومضيّ مهلة النظر، وتجرّد السكوت عن أمارة الرضا أو السخط كما تقدم اشتراط الكل في السكوتيِّ. وهذه الأقوال الثلاثة في حجية مذهب الصحابي على المجتهد من غير الصحابة هي مراد المؤلف بالبيت الأخير، وفي المسألة أقوال أُخَرُ غير ما ذكره المؤلف ذكرها صاحب "جمع الجوامع" (٢) واقتصر المؤلف على الأقوال المذهبية منها. ٨٣٦ - ويَقْتَدي من عمَّ بالمجتهِدِ ... منهم لدى تحقُّقِ المُعْتَمَدِ يعني أن العامي -ومراده به غيرُ المجتهد- يجوز له العمل بمذهب الصحابي إذا تحقق أن ذلك مذهبه، وهو مراده بالمعتمد، وإنما اشترط هذا الشرط لأن مذاهب الصحابة لم تثبت حقَّ الثبوت لأنها نُقِلت فتاوي مجرَّدة فلعل لها مقيِّدًا أو مخصِّصًا أو مكمِّلًا لو انضبط كلام قائله لظهر،

стр. 601

بخلاف مذاهب الأئمة فإنها دُوِّنت وحُقِّقت كل التحقيق (١). ٨٣٧ - والتابعي في الرأي لا يُقلِّدُ ... له من أهل الاجتهادِ أحدُ يعني أن التابعي المجتهد فمَن دونه لا يجوز لمجتهد آخر تقليده؛ إذ لا يجوز للمجتهد تقليد غيره إلا إذا كان ذلك الغير صحابيًّا، ففيه الأقوال الثلاثة المارة، والّلامُ في قوله: "له" زائدة داخلة على المفعول. ٨٣٨ - من لم يكن مجتهدًا فالعَمَلُ ... منه بمعنى النصِّ مِمّا يُحْظَل يعني أن غير المجتهد لا يجوز له العمل بمعنى الكتاب والسنة لاحتمال أن يكون له نَاسِخٌ (٢) أو مقيد أو مُخصِّصٌ أو معارض لم يطلع عليه، أو أن ما حمله عليه ليس هو المراد به، وهذا التعليل يدل على أن المتبصِّر الذي له اطلاع بالكتاب والسنة، العالم بالناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، العارف بالرجال والأسانيد والعلل، قد يجوز له أن يعمل بالكتاب والسنة إذا تحقق سلامته من تلك الأشياء المانعة من العمل به، فمَنْع العمل به مطلقًا باطل، وتجويز العمل به مطلقًا حتى للجاهل الذي لا يعرف خاصًّا من عام ولا مطلقًا من مقيد ولا ناسخًا من منسوخ ونحو ذلك باطل أيضًا (٣).

стр. 602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 605

٨٣٩ - سَدُّ الذارئع إلى المُحَرَّم ... حتمٌ كفتحِها إلي المُنْحَتِم ٨٤٠ - وبالكراهةِ وندبٍ وَرَدًا ... . . . . . . . . . . . . . الذريعةُ إلى الشيء الوسيلةُ المؤدِّية إليه؛ بمعنى (١) أن الذرائع إلى الحرام يجب سَدُّها، والذرائع إلى الواجب يجب فتحها، والذرائع إلى المندوب يندب فتحها ويكره سدُّها، والذرائع إلى المكروه يُندب سدُّها ويكره فتحها. والذرائع ثلاثة أقسام: قسم يجب سدُّه إجماعًا كسبِّ الأصنام المؤدِّي إلى سب اللَّه تعالى، وحفر الآبار في طريق المسلمين، وإلقاء السموم في أطعمتهم ونحو ذلك. وقسم لا يجب سدُّه إجماعًا، وسيأتي في قول المؤلف: "وألغ إن يك الفسادُ. . " إلخ. وقسم مُخْتَلَف (٢) فيه كبيوع الآجال المعروفة بهذا الاسم عند المالكية، ويسميها غيرهم العِيْنة، كأن يبيع سلعة إلى أجل، ثم يشتريها بعينها بأقل من الثمن الأول نقدًا أو لأجل أقرب من الأول، أو بأكثر لأبعد

стр. 606

من الأجل الأول، فكل من البيعتين بالنظر إلى ذاتها جائزة لكنَّ ذلك قد يكون ذريعةً إلى الربا نظرًا إلى أن السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاة، فيؤول الأمر إلى دَفْع عينٍ وأَخْذ أكثر منها نسيئة، وهو عين ربا النسيئة، فمثل هذا يمنعه مالك وأحمد في بعض الصور خلافًا للشافعي. . . . . . . . . . . . . . ... وأَلْغِ إن يكُ الفسادُ أبعدا ٨٤١ - أو رجَحَ الإصلاحُ كالأُسارى ... تُفْدَى بما ينفعُ للنصارى ٨٤٢ - وانظر تدّلِّيَ دوالي العِنَب ... في كلِّ مشرقٍ وكل مغربِ هذا هو القسم الذي يجب فيه إلغاء الذريعة إجماعًا وهو نوعان: الأول: ما كان الفساد فيه بعيدًا والمصحلة أقرب منه، وهو مراد المؤلف بقوله: "وألغ إن يك الفساد أبعدا" واستدل له بالإجماع بقوله: "وانظر تدلِّيَ. . " البيت، أي وانظر إجماع أهل مشارق الدنيا ومغاربها على غرس شجر العنب مع أنه ذريعة لشرب الخمر التي تُعْصَر منه لأن مصلحة العنب والزَّبيب العامة أقرب من مفسدة شرب الخمر منها. النوع الثاني: من هذا القسم هو ما كانت المصلحة فيه أرجحَ من المفسدة ومَثَّل له المؤلف بفداء الأسارى من أيدي الكفار بشيء ينفعهم كمالٍ أو طعام أو سلاح لا تقوَى به شوكتهم حتى يقدروا على أن يقتلوا من المسلمين به قدر الأُسارى أو أكثر. وقوله: "ألغ" فعل أمر من الإلغاء، ومفعوله محذوف أي: ألغِ الذريعةَ ولا تعتبر سدَّها إن كان الفسادُ أبعدَ أو كانت المصحلة أرجحَ. ٨٤٣ - ويُنْبَذُ الإلهامُ بالعراءِ ... أعني به إلهامَ الأولياء

стр. 607

يعني أن الإلهام ليس بحجة لعدم الثقة بإلهامِ من ليس معصومًا فلا تُؤْمَن دسيسة الشيطان فيه، والنبذ: الطرح والإلغاء، و"العراء" الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر، و"الإلهام" إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال، يخص اللَّه تعالى به من شاء، والحقُّ فيه ما ذكره المؤلف من أنه يُنبذ بالعراء أي يُلْغى ويُطْرح بالفضاء إذْ لا يثبت الشرع إلا بدليل. ومِثْل الإلهام: ما لو رأَى النبيَّ ﷺ يأمره أو ينهاه في النوم لأن النائم لا يضبط. ٨٤٤ - وقد رآه بعضُ من تَصَوَّفا ... وعصمة النبيّ تُوجِبُ اقْتِفا يعني أن بعض المتصوِّفة رأى الاحتجاج بالإلهام في حق الملهَمِ نفسه دون غيره، وبعض الجبرية رآه حجة في حق الملهَم وغيره بمنزلة الوحي المسموع، واستدلوا بحجج لا تجديهم، منها: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام/ ١٢٥]. ومنها: خبر: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللَّه" (١). وقوله: "وعصمة النبيّ"

стр. 608

إلخ يعني أن كون النبي ﷺ معصومًا يوجب اقتفاءه أي الاقتداء به في خواطره لأن إلهامه ورؤياه كل ذلك وحي. ٨٤٥ - لا يَحْكُم الولي بلا دليل ... من النصوصِ أو من التأويل هذا البيت بيَّن فيه المؤلف نبْذَ إلهام الأولياء بالعراء وبيَّنَ أن معناه أنهم لا يحكمون أي لا يثبتون حكمًا من أحكام اللَّه تعالى إلا بدليل من الأدلة الشرعية من نصٍّ صريح أو مؤول أو غير ذلك، لانعقاد الإجماع على أن الأحكام الشرعية لا تُعْرَف إلا بأدلتها، وقد كان ﷺ ينتظر الوحي فيما لم يَرِد عليه فيه نصّ. ٨٤٦ - في غيره الظنُّ وفيه القطْعُ ... لأجل كشفٍ ما عليه نَقْعُ الضمير في "غيره" عائد إلى حكم اللَّه المفهوم من قوله: "لا يحكم" يعني أن غير حكم اللَّه تعالى من إلهامات الصالحين منه ما يكون ظنيًّا، ومنه ما يكون قطعيًّا لما يقع لهم فيه من الكشف، فمن أخبرَه وليٌّ بشيءٍ فقد يحصل له به اليقين لموجبٍ يقتضي ذلك، ككونه رآه لا يخبر بشيءٍ إلا وقع، وقد يحصل له الظن لما يعلم من صدق القائل وصلاحه. و"النقع" الغبار، و"الكَشْفُ" هو أن يكشف اللَّه لبعض عباده عن غائب أو مستقبل، فمثاله في الغائب: قول عمر: "يا سارية الجبل" (١) ومثاله في المستقبل: قول أبي بكر: "أُرى ما في بطنِ بنت خارجة أنثى" (٢).

стр. 609

٨٤٧ - والظنُّ يختصُّ بخَمْس الغَيْبِ ... لنفي علمها بدونِ ريْبِ يعني أن مفاتيح الغيب الخمس إذا وقع فيها كشف لبعض الأولياء فإنه إنما يكون ظنيًّا لأن اللَّه نفى علمها عن غيره في قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام/ ٥٩]. وقد صح عن النبي ﷺ أن مفاتح الغيب هي الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (١) [لقمان/ ٣٤] الآية. وقال بعض العلماء: إن نفي العلم بها قبل تكلم الملائكة أما بعده فلا مانع من علمها. وقال القرافي (٢): إن علمها المنفي هو علمها بلا سبب، أما بسبب كالمنام والكشف فلا مانع. ولا يخفى أن ظاهر الآية مقدَّم على هذه الأقوال إذ لا دليل عليها من كتاب ولا سنة. أما قول أبي بكر: "أنه يرى ما في بطن ابنة خارجة أنثى" فهو ليس بعلم، بدليل أنه عبَّر "بأُرى" بضم الهمزة بمعنى أظن، ونَفْي العلم لا يستلزم نفي الظن لأن الظن ليس بعلم (٣). ٨٤٨ - قد أُسِّسَ الفقه على رفع الضَّرَرْ ... وأن ما يشُقُّ يجلب الوِطَرْ ٨٤٩ - ونفي رفعِ القطعِ بالشكِّ وأنْ ... يُحكَّمَ العرفُ وزادَ من فطَن ٨٥٠ - كونَ الأمور تبعَ المقاصدِ ... معَ تكلُّفٍ ببعض واردِ

стр. 610

يعني أن بعض الأصوليين قال: إن الفقه مؤسَّسٌ على هذه القواعد الأربعة (١) المذكورة في البيتين الأولين، وهذا القائل هو القاضي حسين من الشافعية (٢). الأولى: الضررُ يُزال ، ومن فروعها: الحدود، وردّ المغصوب، والتعليق (٣) بالإضرار، والإِعْسَارِ، ومنعِ الجار من إحداث ما يضر بجاره. ودليلها حديث: "لا ضرر ولا ضرار" (٤). الثانية: المشقة تجلب التيسير ، وهو المراد بالوَطَر في البيت. ومن فروعها: جميع الرخص، كجواز القصر والجمع، والفطر في السفر، وأكل الميتة للمضطر، ودليلها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج/ ٧٨]. ولا ينافي هذه القاعدة وجوب تحمل بعض المشاق كمشقة الصوم في الصيف، والطهارة في الشتاء، والمخاطرة بالنفس في الجهاد ونحو ذلك، لأن هذه المشاق منها ما شُرِعت العبادة معه كالتغرير بالنفس بالجهاد، ومنها ما هي خفيفة كما قال ناظم نوازل المؤلف (٥): وأُلغيت خفيفة كبرد ... ماء الطهارة أوان البرد

стр. 611

الثالثة: اليقين لا يرتفع بشك، وإيضاحه: وجوب استصحاب حكم الأمر المتيقن إذا طرأ الشك في حصول ضده المضاد حكمه لحكمه، ومن فروعها: من يشك هل صلى أربعًا أو ثلاثًا فإنه يبني على اليقين. وقوله ﷺ : "شاهداك أو يمينه" (١) لأن براءةَ الذمة مقطوع بها أصلًا وعمارتها مشكوك فيها. وما ذهب إليه مالك من نقض الوضوء بالشك في الحَدَث في أحد قوليه، فوجهه عنده: أنه شكٌّ في الشرط الذي هو الطهارة والأصل عدم الشرط، فالحَدَث عنده متيقن أوَّلًا فلا يخرج عن تيقنه إلا بتيقّن الطهارة ابتداءً ودوامًا، وغيره من العلماء يقولون: الطهارة متيَقَّنةٌ فلا يرفع ذلك اليقين بالحدث المشكوك فيه، وهو أحد القولين عن مالك وعليه ابن عرفة. قلت: ويظهر لي أنه أصوب من وجهين؛ الأول: أن الطهارة حصلت يقينًا ولا وجه لرفع اليقين بالشك. الثاني: أن النبي ﷺ صرح بعدم نقض الوضوء بالشك في الحَدَث حيث قال ﷺ : "فلا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يشمَّ ريحًا" (٢). وهذا النصُّ هو دليل العلماء على هذه القاعدة. الرابعة: العادة مُحَكَّمة ، كاتباع العوائد في معاملات الناس وأَيْمانهم وطلاقهم ونحو ذلك. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف/ ١٩٩]، ولا يخلو هذا الاستدلال عندي من بُعْدٍ.

стр. 612

وقوله: "وزاد من فَطِن" إلخ يعني أن بعض الأصوليين زاد أصلًا خامسًا على الأصول الأربعة التي ذكرنا عن القاضي حسين، وذلك الأصل الخامس هو: الأمور بمقاصدها، أي الوسائل تُعْطَى حكم المقصود بها، ومن فروعه: وجوب النية في الوضوء والغسل، ودليله: "إنما الأعمال بالنيات" (١) الحديث. وقوله: "مع تكلف ببعض وارد" يعني أن الفروع لا ترجع كلها إلى الأصول المذكورة إلا بواسطة وتكلف؛ فلو أريد الرجوع بوضوح الدلالة لزادت تلك الأصول على المئين. وقول المؤلف: "وأن ما يشق" المصدر المنسبك فيه من أنَّ وصلتها في محل خفض عطفًا على المجرور الذي هو: "رفع الضرر"، وكذلك قوله: "ونفي" بالخفض عطفًا عليه أيضًا، وكذلك المصدر المنسبك من أنْ وصلتها في قوله: "وأن يُحَكَّم العرف" في محل خفض أيضًا. و"يُحَكَّم" بالبناء للمفعول. * * *

стр. 613

كتاب التعَادل والتَّراجِيح التعادل: التكافؤ والتساوي، والترجيح يأتي تعريفه للمؤلف في قوله: "تقوية الشق هي الترجيح". وأفرد "التعادل" لأنه نوع واحد، وجَمَع "الترجيح" لأنه أنواع. ٨٥١ - ولا يجي تعارضٌ إلَّا لِما ... من الدّليليْن إلى الظنِّ انتمى يعني أنه لا يجوز عقلًا تعارض بين دليلَيْن إلا إذا كانا ظنيَيْن، أما إذا كانا قطعيين فلا يمكن عقلًا تعارضهما، سواء كانا نقليَيْن أو عقْلِيَيْن أو أحدهما نقليًّا والثاني عقليًّا، وكذلك لا يتعارض قطعيٌّ وظنيٌّ لوجوب إلغاء الظني في مقابلة القطعي، والظنُّ يتطرَّق الدليلَ من جهتَيْن: من جهة السند ولو كانت الدلالة قطعية، ومن جهة الدلالة وإن كان السند قطعيًّا فيعرف من ذلك أن القطعي المذكور لابد أن يكون قطعي المتن والدلالة. ٨٥٢ - والاعتدالُ جائزٌ في الواقعِ ... كما يجوز عند ذِهْنِ السامعِ يعني أن تعادل الدليلين الظنيَيْن في الواقع أي في نفس الأمر جائز عند الأكثر إذ لا محذور في ذلك، ومنع ذلك الإمام أحمد والكرخي حَذَرًا من التعارض في كلام الشارع (١). قلت: التحقيق أن الكتاب والسنة ليس فيهما تعارض في نفس الأمر، وإنما التعارض بحسب ما يظهر للناظر، وكون التعارض أي

стр. 614

التعادل بين الدليلين الظنِّيَيْن يحصل بحسب ما يظهر للمجتهد = هو مراد المؤلف بقوله: "كما يجوز. . " إلخ، وهذا جائز وواقع بلا خلاف. وقوله: "عند ذهن السامع" أي السامع للدليلين الظنِّيَيْن وهو المجتهد. ٨٥٣ - وقولُ من عنه رُوي قولانِ ... مُؤخَّرٌ إذ يتعاقبانِ ٨٥٤ - إلا فما صاحَبَهُ مؤيِّدُ ... وغيرُه فيه له تردُّدُ يعني أن المجتهد إذا رُوي عنه قولان في مسألة واحدة فإن لذلك ثلاث حالات: الأولى: أن يكون أحد القولين قبل الآخر فالأخير منهما هو قول ذلك المجتهد والأول مرجوع عنه، وهذا مراده بالبيت الأول. الثانية: أن يكون المجتهد قال القولين في وقت واحد مع أنه ذكر ما يقوِّي أحدَهما كأن يقول: هذا هو الأحسن أو الأرجح أو الأشبه، وفي هذه الحالة فالقول المقترن بما يقويه هو قول ذلك المجتهد في تلك المسألة، وهذا مراد المؤلف بقوله: "إلا فما صاحبه مؤيد" أي إلا يكن القولان متعاقبين فالذي صاحبَه منهما المؤيد -أي المقوَّى- هو قوله. الثالثة: هي أن يكونا غَيْر متعاقبين ولم يصاحب أحدهما مقوٍّ فإن المجتهد متردِّدٌ بينهما، وذلك هو مراده بقوله: "وغيره فيه له تردُّد". وقوله: "صاحبَه" فعل ماض و"مؤيد" اسم الفاعل فاعله. ٨٥٥ - وذِكْرُ ما ضُعِّفَ ليس للعَمَلْ ... إذ ذَّاك عن وِفاقِهِم قد انْحَظَلْ يعني أن ذكر الأقوال الضعيفة في كتب الفقه ليس للعمل بها ، لأن العمل بالضعيف ممنوع، وذكر المؤلف أنه ممنوع بالاتفاق وفيه خلاف

стр. 615

إلا أنه ضعيف، ومعنى "انحظل" امتنع. ثم شَرَع المؤلف في بيان فوائد ذِكْر الضعيف فقال: ٨٥٦ - بل للترَقِّي لمدارج السَّنا ... ويَحْفَظَ المُدرَكَ من له اعتنا يعني أن من فوائد ذكر الأقوال الضعيفة: الترقِّي لمدارج السَّنا -بفتح السين- أي القرب من رتبة الاجتهاد حيث يُعْلَم أن هذا القول قد صار إليه مجتهد، ولذا قال بالأقوال التي رجع عنها مالكٌ كثيرٌ من أصحابه ومن بعدهم. ومن فوائده أيضًا: أن يحفظ المُدْرك -أي الدليل- من له اعتناء بحفظه وهو المتبصر، والتبصُّر أخْذ القول بدليله الخاص به من غير استبداد بالنظر ولا إهمال للقائل به، وهذه رتبة مشايخ المذاهب وأجاويد طلبة العلم، والترقي في اللغة: الصعود، والمدارج: جمع مَدرج، وهو ما يدرج أي يصعد عليه، و"السَّنا" بالقصر: النور، وقوله: "ويحفظَ" بالنصب عطفًا على الاسم الخالص (١) الذي هو "الترَقِّي" على القاعدة المشار إليها بقوله في "الخلاصة": وإن على اسمٍ خالصٍ فعلٌ عُطِفْ ... تنصِبه إنْ ثابتًا أو منحذف ٨٥٧ - ولمراعاة الخلافِ المُشتَهِرْ ... أو الْمُراعاة لكل ما سُطِرْ يعني أن من فوائد ذكر الأقوال الضعيفة أيضًا: أنها تُذْكَر لتراعَى مراعاة الخلاف التي هي أصل من أصول مالك، فيُذْكَر القول الضعيف

стр. 616

مثلًا بأن النكاح صحيح ليراعَى في الفسخ، فيكون طلاقًا (١) كما أشار له خليل في "المختصر" (٢) بقوله: "وهو طلاق إن اختلف فيه". وقول المؤلف: "لمراعاة الخلاف المشتهر. . " إلخ، يشير به إلى أن المالكية اختلفوا فقال بعضهم: لا يُرَاعى إلا الخلاف المشهور، وقال بعضهم: يراعَى كلُّ ما سُطِر أي كُتِب من الأقوال ولو ضعيفًا، وأشار إلى هذين القولين مَيَّارة في "التكميل" (٣) بقوله: وهل يراعَى كلُّ خُلْف قد وُجد ... أو المراعَى هو مشهور عُهِدْ ٨٥٨ - وكونِه يُلْجي إليه الضرَرُ ... إن كان لم يشتدّ فيه الخَوَرُ ٨٥٩ - وثَبَتَ العزوُ وقد تحقَّقا ... ضُرًّا مَنِ الضُّرُّ به تعَلَّقا يعني أن من فوائد ذكر الضعيف أيضًا: كونه قد تلجئ الضرورة إلى العمل به فيجوز العمل به حينئذٍ بشروط: الأول: أن يكون غير شديد الضعفِ، والضعفُ هو مراده بالخور، وشديد الضعف الذي لا يجوز العمل به مطلقًا هو: ما لو حكمَ به المجتهد لَنُقِضَ حكمه، وسيأتي في قول المؤلف: "وعدم التقليد فيما لو حكم".

стр. 617

الشرط الثاني: أن يثبت عزوه إلى قائله (١). الشرط الثالث: أن يتحقق تلك الضرورة من نفسه فلا يجوز له أن يفتي غيره بالضعيف لأنه لا يتحقق الضرورة من غيره كما يتحققها من نفسه، فممنوعٌ (٢) الفتوى بغير المشهور سدًّا للذريعة وحَسْمًا للباب. هذه فوائد ذِكْر الضعيف، وللاقتصار على ذكر (٣) المشهور فائدة وهي أنه أقرب للضبط. وقوله: "وكونِه" بالخفض معطوفًا على المجرور وهو قوله: "للترقِّي". ٨٦٠ - فقول من قَلَّدَ عالمًا لَقِي ... اللَّهَ سالمًا فغيرُ مطلَق يعني أنه إذا تقرر منعُ الفَتْوى والعمل بغير المشهور عُلِمَ أن قول بعضهم: من قلَّد عالمًا لقيَ اللَّه سالمًا، "غيرُ مطلق" يعني غير باقٍ على عمومه هذا بل لا يسلَّم إلا إذا كان القول راجحًا، أو مرجوحًا توفَّرت فيه الشروط المذكورة آنفًا، أو كان العاملُ به مجتهدَ ترجيحٍ. واعلم أن المقرَّر في فروع المالكية أن حكم المقلِّد بغير المشهور مردودٌ كما أشار له في "المختصر" (٤) بقوله: "فحكم بقول مقلَّده"، وقال

стр. 618

ناظم "العمل" (١): حكم قضاة العصر بالشُذوذ ... يُنقض لا يتم بالنفوذ وقال صاحب "التلخيص" (٢): حكم قضاة عصرنا لا يستقر ... منه سوى ما وافق الذي اشْتُهِر (٣) ٨٦١ - إن لم يكن لنحو مالكٍ أُلِفْ ... قولٌ بذي وفي نظيرها عُرِف ٨٦٢ - فذاك قولُه بها المخرَّجُ ... وقيل عزوه إليه حَرَجُ يعني أنه إذا لم يوجد للمجتهد كمالك قول في هذه المسألة المعينة لكنه يُعرف له قولٌ في نظيرها فقوله المنصوص في نظيرها هو قوله المخرَّج فيها، أي خرَّجه أصحاب ذلك المجتهد فيها إلحاقًا لها بنظيرتها التي نص عليها المجتهد، وإنما سُمِّي قوله بناءً على أن لازم المذهب يُعَدُّ مذهبًا، والأصل عدمُ الفارق كأن يقال: نصَّ مالك على الشُّفْعة في شِقص الدار، فالشفعة في شقص الحانوت قوله المخرج على ذلك المنصوص. وقوله: "وقيل عزوه" إلخ يعني أنه قال بعضهم: إن عزو القول المخرَّج إلى المجتهد "حَرَج" أي ذو حرج أي منع، لاحتمال أن يكون عند المجتهد فرق بينهما، وهذا القول مبني على أن لازم المذهب ليس بمذهب. ٨٦٣ - وفي انتسابه إليه مُطلقًا ... خُلْفٌ مضى إليه من قد سَبَقا

стр. 619

يعني أن الأصوليين اختلفوا في نسبة القول المخرَّج إلى المجتهد نسبةً مطلقة أي غير مقيدة بأنه مخرَّج بناءً على جواز عزوه إليه، وقيل: لا يجوز إلا بقيد كونه مخرَّجًا، وقد قدمنا أنه قيل بالمنع مطلقًا، فتحصَّل أن الأقوال فيه ثلاثة: قول بالمنع مطلقًا، وقول بالجواز مطلقًا، وقول بالجواز إن قُيِّد بالتخريج والمنع إن أُطْلِق. وقوله: "وفي انتسابه" يعني نسبته. ٨٦٤ - وتنشأ الطُّرُق من نصَّيْنِ ... تعارضًا في مُتشابِهَيْنِ يعني أن الطرق أي أقوال أصحاب المجتهد كمالك مثلًا منشؤها أي منشأ الاختلاف المؤدي إليها وجودُ نَصَّين للمجتهد متعارِضَين أي متخالفين في مسألتين متشابهتين مع خفاء الفرق بينهما، فمن أهل المذهب من يقرر النصين في محلهما ويفرق بينهما، ومنهمِ من يخرِّج نصَّ كلِّ واحد في الأخرى فيحكي في كل واحدة منهما قولين أحدهما منصوص والآخر مخرَّج، فتارة يرجح في كلٍّ نصَّها ويفرق بينهما، وتارةً يرجِّح في إحداهما نصَّها وفي الأخرى المخرَّج. وقوله: "الطرق" جمع طريق. ٨٦٥ - تقوية الشِّق هِيَ الترجيحُ ... وأوجبَ الأخذَ به الصحيحُ يعني أن الترجيح هو تقوية أحد الشقَّيْن -أي الدليلين- المتعارضَيْن بمرجِّح من المرجِّحات الآتية، وإذا رجح أحدهما وجبَ العملُ به عند عامة العلماء، ولم يخالف إلا الباقلانيُّ في المرجح الظنِّيّ، وتقدم أنه لا تعارض إلا في ظنِّيَّين. ٨٦٦ - وعملٌ به أباهُ القاضي ... إذا به الظن يكونُ القاضي

стр. 620

يعني أن القاضي أبا بكر الباقلانيّ من المالكية يقول: إذا كان الرجحان قطعيًّا وجبَ العمل به، وإذا كان ظنيًّا لم يُعمل به إذ لا تجريح عنده بظن، ووافقه أبو عبد اللَّه البصري من المعتزلة، و"القاضي" الأول: الباقلاني، والثاني: اسم فاعل قضى أي إذا يكون الظن هو القاضي أي الحاكم بالترجيح دون القطع. ٨٦٧ - والجمعُ واجبٌ متى ما أمكَنا ... إلا فللأخير نسخٌ بُيِّنا يعني أن الجمعَ بين الدليلين المتقابلين من كتاب أو سنة أو منهما، وكذا النصَّان من المجتهد [واجب] (١). و أوجه الجمع كثيرة منها: تخصيص العام بالخاص، وتقييد المطلق بالمقيد وتقدمت أمثلتهما. ومنها: حَمْل كل من النصّين على حالة غير حالة الثاني كما في حديث: "خير الشهداء من يشهد قبل أن يُسْتشهد" (٢) مع أنه ذكر في شر الشهداء "من شهد قبل أن يستشهد" (٣) فيُحْمَل الأول على حقوق اللَّه، أو على أن المشهود له غيرُ عالم بأن الشاهد يعرف حقه. ويُحمل الثاني على حقوق الآدمي أو العالم. والقول بأن الجمع لا يجب بل يصار إلى الترجيح ضعيف، وإن لم يمكن الجمعُ بين الدليلين المتعارضين وعُرِف المتأخر منهما فهو ناسخ

стр. 621

للمتقدم منهما إذا كان قابلًا للنسخ كالإنشاء سواء كانا قطعيَّيْن أو ظنيين، وهذا هو معنى قوله: "إلا فللأخير نسخ" أي: وإلا يمكن الجمع بينهما فالأخير ناسخ للأول. وقوله: "بُيِّنا" بالبناء للمفعول. ٨٦٨ - ووجبَ الإسقاطُ بالجهل وإنْ ... تقارَنا ففيه تخييرٌ زُكِنْ يعني أنه إن لم يُعْلَم المتأخر من المتقدم، وكانا غير متقارنين في الورود من الشارع، وكان النسخ ممكنًا، فإنه يجب إسقاط كلٍّ منهما بالآخر وطلب الدليل من غيرهما؛ لأن كل واحد منهما يحتمل أنه ناسخ ومنسوخ، وهذا القول هو مراده بقوله: "ووجب الإسقاط بالجهل" أي جهل المتقدم والمتأخر. وقوله: "وإن تقارنا" إلخ أي وإن تقارن الدليلان المتعارضان في الورود من الشارع، أي وردا منه في وقتٍ واحد من غير سبق أحدهما للآخر، ففيه تخيير للمجتهد بينهما يعمل بأيهما شاء لكن بشرط ألا يمكن الجمع ولا يوجد مرجِّح، فإن أمكن الجمعُ والترجيحُ معًا قُدِّم الجمع؛ لأن العمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما. والضمير في قوله: "فيه" عائد إلى التقارن المفهوم من "تقارنا" و"زُكِن" معناه عُلِم. ٨٦٩ - وحيثُما ظُنَّ الدليلانِ معا ... ففيه تخييرٌ لقومٍ سُمِعا ٨٧٠ - أو يجبُ الوقفُ أو التساقطُ ... وفيه تفصيلٌ حكاه الضابِطُ يعني أن المجتهد إذا ظن تعادل الدليلين في نفس الأمر أو جزم به بناءً على جوازه ففي ذلك أربعة أقوال: الأول: أنه يتخيَّر في العمل بأيهما شاء، وهو قول القاضي الباقلاني

стр. 622

بناءً على أن الواقعة لا تخلو عن الحكمين. القول الثاني: الوقف عن العمل بواحد منهما بناءً على أن كل مجتهد مصيب، والإصابة مترتبة على حصول غلبة الظن، والظن هنا مفقود في كل واحد منهما لمعارضته بالآخر. الثالث: التساقط أي سقوط كل منهما بالآخر فيرجع لغيرهما كالبراءة الأصلية. الرابع: التفصيل فيكون التخيير بين الواجبات؛ لأنها قد يُخَيَّر فيها كما في خصال كفارة اليمين، ويكون التساقط في غير الواجبات. واعلم أن القول بجواز وقوع تعادل الدليلين في نفس الأمر لا يمكن معه ترجيحٌ فيما عُلِم فيه التعادل في نفس الأمر؛ لأن المتعادلين في نفس الأمر لا يمكن ترجيح أحدهما، وعليه ففي تعارضهما الأقوال الأربعة المتقدمة (١)، وذلك فيما إذا لم يكن (٢) بين الدليلين تقدُّم وتأخُّر في نفس الأمر؛ إذ لا خلافَ في جواز التعارض حينئذٍ ووقوعه، والأخير ناسخ للأول. أما التعارض في ذهن المجتهد فلا ينافي الترجيح كما هو ظاهر، ومراد المؤلف بـ "الضابط" السبكي في "جمع الجوامع" (٣). ٨٧١ - وإن يُقَدَّم مشعرٌ بالظنِّ ... فانسخْ بآخرٍ لدى ذي الفَنِّ يعني أنه إذا تقابل دليلان نقليان أحدهما قطعي والآخر ظنّيٌّ

стр. 623

والقطعيّ (١) هو المتأخر فإنه يُنسخ به الظنيُّ المتقدم، وهو مفهوم مما تقدم، وذكره (٢) المؤلف ليدل بمفهومه على أن القطعي لو كان هو المتقدم لم ينسخه الظنيّ؛ لأن الأقوى لا يُرْفع بما هو أضعف منه (٣). أما القطعي العقليّ فلا يعارضه الظنيّ لانتفاء الظن ضرورة عند القطع بنقيضه. وقوله: "يُقدَّم" بالبناء للمفعول، و"مشعرٌ" بصيغة اسم الفاعل وهو نائب فاعل "يقدم". ٨٧٢ - ذو القطعِ في الجهل لديْهِم مُعْتبر ... وإن يَعُمَّ واحدٌ فقد غَبَرْ يعني أنه إذا تقابل قطعي وظنيٌّ وجُهِل المتقدِّم منهما فالمعتبر القطعي، وقوله: "وإن يعم واحد" يعني أن كل ما تقدم إنما هو فيما إذا تساوى الدليلان في العمومِ والخصوص، فإن كان أحدهما أعمَّ من الآخر مطلقًا أو من وجه فقد "غَبَر" أي تقدم حكمه في مبحث الخاص حيث قال في العموم المطلق: إنه يُقْصَر على بعض الأفراد، وما أخرجه الدليل الخاصُّ منها فهو خارج كما قال (٤): "قَصْر الذي عم. . " إلخ، وقال (٥): "وهو حجة لدى الأكثر إن. . " إلخ. وقال (٦) في العموم من وجه: "وإن يك العموم من وجه ظهر. . " إلخ.

стр. 624

التَّرْجيح باعتبار حَال الرَّاوي هذا شروعٌ من المؤلف في تَعْداد وجوه الترجيح، وقوله: "باعتبار حال الراوي" يعني باعتبار السَّنَد. واعلم أن المؤلف لم يتعرض للترجيح بين المرجِّحات إذا اجتمع منها اثنان فأكثر، ولم يذكر ذلك أحد من الأصوليين بل ذكروا أن التنصيص على جميعها مما يمتنع، لأنه يؤدي إلى التطويل جدًّا، والمدار فيها على ما يغلب على ظن المجتهد ترجيحه. ٨٧٣ - قد جاءَ في المرجِّحات بالسنَدْ ... علُوُّه والزَّيْدُ في الحفظِ يُعَدْ يعني أن العلوَّ في السند مرجح على مقابله ، والعلو فيه هو: قلة الوسائط بين من رواه المجتهد عنه وبين النبي ﷺ ؛ لأن قلة الوسائط يقل معها احتمال النسيان والاشتباه والزيادة والنقصان. وقوله: "والزَّيْد. . " إلخ، يعني أن الراوي الأحفظ تُقَدَّم روايته على رواية الحافظ. وقوله: "بالسند" أي باعتبار السند (١)، وسَنَد الحديث طريقه الموصلة إلى المتن، والمراد بالطريق الرواة، والإسناد ذِكْر تلك الطريق، وقد يُطلق كل من السند والإسناد على الآخر. وقوله: "يعد" أي يعد الزَّيْد في الحِفْظ من المرجحات. ٨٧٤ - والفقهُ واللُّغةُ والنحوُ وَرَعْ ... وضبطُه وفطنةٌ فَقْدُ البِدَعْ هذه المتعاطفات بالرفع عطفًا على "علوه"، يعني أن رواية الفقيه

стр. 625

وكذا الأفقه أرجح من مقابلها. ورواية العالم باللغة العربية -أي بالكلمات المفردة- وكذا الأعلم بها مرجَّحَة على مقابلها. ورواية العالم بالنحو والأعلم به، وكذا العالم بعلم البيان مقدَّمة على مقابلها. ورواية المتصف بالورع وكذا الأورع مقدمة على مقابلها. وكذا تُقَدَّم رواية الضابط والأضبط على مقابلها. أما رواية كثير الخطأ فهي ضعيفة، وقد عرَّف المؤلفُ الضابطَ في "طلعة الأنوار" (١) بقوله: بالضابطين اعتبرن فإن غلب ... وَفْق فضابطٌ وإلا يُجْتَنَب وكذا تُقَدَّم رواية ذي الفطنة وهي الحِذق على مقابلها. وقوله: "فَقْد البدع" معطوف بمحذوف، ومراده بعدم البدع كون الراوي حسن الاعتقاد، وإنما رجح جميع ما ذكر لأن الوثوق به أكثر من الوثوق بغيره. ٨٧٥ - عدالةٌ بقيدِ الاشتهار ... وكونُه زُكِّي باختبار ٨٧٦ - صريحُها. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . قوله: "عدالة" و"صريحها" معطوفان بحذف العاطف (٢)، والمتعاطفات كلها مرفوعات عطفًا على ما قبلها، يعني أن مشهورَ العدالة ترجَّح روايته على رواية المحتاج إلى التزكية، وكذا ترجَّح رواية من كانت تزكيته باختبار من المجتهد على من زُكِّي عنده بالإخبار عن عدالته، لأن من رأى ليس كمن سمع، وكذا ترجَّح رواية من زُكِّي تزكيةً صريحة على من

стр. 626

زُكِّي تزكية ضمنية، وقد تقدمت التزكية الصريحة في قول المؤلف (١): "ومثبت العدالة اختبار. . " البيت. وتقدمت الضمنية في قوله (٢): "وفي قضا القاضي. . " البيتين. . . . . . . . وأن يزكِّي الأكثرُ ... وفَقْدُ تدليسٍ كما قد ذكروا يعني أن الراوي الذي زكاه من العدول أكثر يُقَدَّم على الذي زكَّاه أقلُّ من ذلك؛ لأن زيادة عدد المزكِّين تزيد الوثوق بعدالته. وأن الراوي العدل غير المدلِّس ترجَّح روايته على رواية المدلِّس المقبول. وحاصله: أن عدم التدليس من المرجِّحات . والمدلِّسُ المقبول هو المدلِّس في الإسناد عادةً المصرِّح بالسماع في عين الحديث المروي. أما تدليس الشيوخ فالظاهر أن صاحبه غير مقبول (٣)، وتدليس التسوية يُسْقِط أصلَ العدالة كما هو مقرر في المصطلح. ٨٧٧ - حُرِّيةٌ والحفظُ علمُ النسبِ ... وكونُه أقربَ أصحابِ النبي ذكر في هذا البيت أربعة مرجحات: الأول: الحرية، فيرجّح مرويّ الحر على مروي العبد، لأن الحر

стр. 627

لشرف منصبه يتحرَّز عما لا يتحرَّز عنه العبد، وضعَّف صاحب "الغيث الهامع" (١) الترجيح بالحرية. الثاني: الحفظ، ويدخل تحته أربعة أمور؛ الأول: أن الحافظ هو الذي يسرد الحديث من غير تلعثم، وغير الحافظ من يتخيل اللفظ ثم يتذكره ويؤديه بعد تفكر وتكلف. الثاني: الحافظ من يَقْدِر على التأدية، وغير الحافظ من لا يَقْدِر عل التأدية أصلًا لكن إذا سمع اللفظ علم أنه مرويَّه عن فلان، كقول أبي محذورة ﵁: "لقَّنني رسول اللَّه ﷺ الأذانَ تسعَ عشرةَ كلمة" (٢) مع رواية عبد اللَّه بن زيد بن ثعلبة الأذانَ لا ترجيعَ فيه وهو لا يحكيه لفظًا عنه ﷺ . الثالث: أن الحافظ من يحفظ لفظ الحديث، وغير الحافظ من يعتمد على المكتوب. الرابع: أن الحافظ من عُلِم أن شأنه التعويل على الحفظ من حين التحمُّل إلى حين الأداء لما يرويه، وغير الحافظ من شأنه التعويل على الكتابة حين التحمل أو الأداء لما يرويه، وإن لم نطلع على الحال في هذا المروي المعين بخصوصه وأن أحدهما رواه عن حفظ والآخر عن كتابة. الثالث -من مسائل البيت-: علم النسب، فترجَّح رواية معلوم النسب على غير معروف النسب لشدة الوثوق به.

стр. 628

الرابع: كونه أقرب أصحاب النبي ﷺ ، وفي معنى أقربيته له ﷺ قولان: الأول: أن المراد به من كان مجلسه من الصحابة عادة أقرب إلى رسول اللَّه ﷺ ، وهم رؤساء الصحابة وأكابرهم. الثاني: أن المراد به من كان أقرب إليه في المسافة وقتَ تحمُّل الحديث منه ﷺ . ووَجْه الأول: أن أكابر الصحابة أشد ثقة من غيرهم، ووجه الثاني: أن القريب في المسافة أشد تمكُّنًا من حفظ اللفظ وعدم الخطأ في سماعه. ٨٧٨ - ذُكورةٌ إن حالُه قد جُهِلا ... وقيلَ لا وبعضُهم قد فَضَّلا يعني أن رواية الذَّكَر تُرَجَّح على رواية الأنثى إذا جُهِل كونها أضبط، فالأحوال ثلاثة: أن يعلم كونه أضبط منها فتقديمه عليها واضح. أن يعلم كونها أضبط منه فتقدَّم عليه وهو الذي احترز عنه المؤلف بقوله: "إن حاله قد جُهلا" أن يجهل أيهما أضبط وهو مراد المؤلف، وذكر فيه ثلاثة أقوال؛ الأول: أنه يقدَّم عليها للعادة بأن الرجل أشدّ ثقةً من الأنثى في الغالب. الثاني: لا يرجَّح بالذكورة عند جهل الأضبطية وهو قول الاسفرايينيّ. الثالث: التفصيل فيرجح الذكر على الأنثى في غير أحكام النساء كالحيض والعِدَّة، وترجَّح الأنثى في أحكام النساء لأنها أضبط فيها، هذا هو مراد المؤلف. ٨٧٩ - ما كان أظهرَ روايةً وما ... وجهُ التَّحَمُّل به قد عُلِما يعني أن أظهر الروايتين وأوضحهما في المعنى المروي تُقَدَّم على الأخرى التي فيها خفاء وإجمال، كما تقدم في هذا الشرح عند قول

стр. 629

المؤلف: "والاستواء في الخفاء والجلا. . " (١) إلخ. وأن رواية من عُلِمت جهةُ تحمُّلِه من سماع من لفظ الشيخ، أو قراءة عليه أو غير ذلك، مقدَّمَة على رواية من لم تُعلم جهةُ تحمُّله كالراوي بـ "قال" و"عن" ونحوهما. ٨٨٠ - تأخُّرُ الإسلام والبعضُ اعتَمى ... ترجيحَ مَنْ إسلامُه تَقَدَّما يعني أنه اختُلِف في خبرِ متأخِّرِ الإسلام ومتقدِّمِه أيهما يرجَّح؟ فقال بعضهم: يرجَّح حديث متأخر الإسلام لظَهور تأخُّر خبرِه، وهذا هو الأظهر. وقال بعضهم: يُرجَّح خبر متقدم الإسلام لأنه أتقى (٢) وأشد تحرزًا لقدم إسلامه (٣). و"اعتمى" بمعنى اختار. وقوله: "تأخُّرُ" بالرفع معطوفًا بمحذوف على ما قبله. ٨٨١ - وكونُه مباشرًا أو كُلِّفا ... . . . . . . . . . . . . . يعني أن المباشر لما رَوَى تُقَدَّم روايته على رواية غيره لأنه أدرى به من غيره كما قدمنا (٤) من تقديم حديث أبي رافع لأنه السفير على حديث

стр. 630

ابن عباس في تزويج ميمونة والنبي ﷺ حلال (١). وقوله: "أو كُلِّفا" يعني أنه تُقَدَّم رواية من تحمَّل الحديث وهو مكلَّف على رواية من تحمله صبيًّا ثم أدّاهُ بعد البلوغ، للاختلاف في رواية المتحمِّل في صباه، ولأن المتحمِّل بعد البلوغ أضبط لما روى. . . . . . . . . . . . . . ... أو غيرَ ذي اسميْنِ للامْنِ مِنْ خَفا يعني أنه يقدَّم خبر من له اسم واحد على من له اسمان ، لأن تطرُّق الخلل إلى صاحب الاسمين أكثر لاحتمال أن يشاركه ضعيف في واحد منهما، وإن قُطِع بعدم المشاركة في ذي الاسمين فالظاهر أنه لا ترجيح حينئذٍ باتحاد الاسم كما قاله في "الآيات البينات" (٢) وهو واضح. ٨٨٢ - أو راويًا باللفظِ أو ذا الواقعِ ... وكونُ مَنْ رَوَّاهُ غَيرَ مانِع ذكر في هذا البيت ثلاثة مرجحات: الأول: كون الراوي باللفظ يقدَّم على الراوي بالمعنى . الثاني: كون أحد الراويين صاحب الواقعة وهو مراده بقوله: "ذا الواقع" كرواية ميمونة أنه ﷺ تزوجها وهو حلال، ولأنها صاحبة الواقعة قُدِّمت على رواية ابن عباس أنه تزوجها وهو محرم (٣). الثالث: كون الشيخ الذي روى عنه الراوي غير مانع الرواية أي غير

стр. 631

مكذِّب الفرع كما تقدم في قوله: "والجزم من فرع" إلخ فإنْ جَزَم الفرعُ تُقبل معه روايته ولو أنكرها الأصل كما تقدم على الخلاف المذكور، ولكنه على القول بالقبول يقدم عليه من لم يكذبه أصله، وهو مراده بقوله: "وكون من رواه غير مانع". و"روَّاه" بتشديد الواو. وقوله: "أو راويًا" بالنصب معطوفًا على قوله: "مباشرًا" وقوله: "وكونُ" بالرفع معطوف على المتعاطفات المرفوعة قبله. ٨٨٣ - وكونُه أُودِعَ في الصحيح ... لمسلمٍ والشيخِ ذي الترجيحِ يعني أن من المرجِّحات باعتبار السند ما أخرجه الشيخان في صحِيحَيْهما وهو ثلاث مراتب؛ الأولى: ما اتفقا عليه. الثانية: ما انفرد به البخاري لأنه أخصُّ شرطًا من مسلم. الثالثة: ما انفرد به مسلم. ومراده "بالشيخ ذي الترجيح" محمد بن إسماعيل البخاري تغمده اللَّه ومسلمًا برحمته، وقد ذُكِرَ في فنِّ المصطلح أنه يلي ما أخرجه مسلم ما كان على شرطهما، ثم ما كان على شرط البخاري، ثم شرط مسلم، ثم شرط غيرهما. وقوله: "وكونه" بالرفع أيضًا. "وأُودِعَ" بالبناء للمفعول، ومعنى "أُودِعَ" أُخْرِجَ في الصحيح إلخ.

стр. 632

التّرجيح باعتبار حَال المرويّ ٨٨٤ - وكثرةُ الدَّليل والرِّوايه ... مُرَجِّح لدى ذوي الدِّرايه يعني أن كثرة الأدلة على أحد المتعارضين مرجِّحة له على الآخر، وكذلك كثرة رواته. ولا يخفى أن الترجيح بكثرة الرواة من ترجيح السند، فجَعْله من الترجيح باعتبار حال المروي لا يخفى ما فيه، فإن كان أحد المتعارضين أكثر رواةً والثاني أكثر أدلةً فالظاهر الترجيح بكثرة الأدلة، وقال في "الآيات البينات" (١): إنه لا يبعد. وقوله: "ذوي الدرايه" أي أصحاب المعرفة بفن الأصول. ٨٨٥ - وقولُه فالفعلُ فالتقريرُ ... . . . . . . . . . . . . . يعني أن الخبر الناقل لقول النبي ﷺ يُقَدَّم على الخبر الناقل لفعله، والخبر الناقل لفعله يقدَّم على الناقل لتقريره، وإنما كان القول أقوى من الفعل لاحتمال الفعل الاختصاص به ﷺ ، وتقديم الفعل على التقرير لأن التقرير فعل ضِمْنيٌّ كما تقدم في قوله: "وفي الفعل انحصر تقريره" (٢) والصريح أقوى من الضِّمْنيّ. واعلم أن تقديم القول على الفعل أغلبي، وربما قُدِّم الفعل ، ومثال تقديمه: ما ذكره الفقهاء من المالكية وغيرهم من أن الإحرام بالعمرة من

стр. 633

الجعرانة الذي فعله النبيُّ ﷺ أفضل منه من التنعيم الذي أمر به عائشة تقديمًا للفعل على القول. . . . . . . . . . . . . . ... فصاحةٌ وألغيَ الكثيرُ يعني أن الحبر الفصيح يقدَّم على معارضه غير الفصيح للعلم بأن غير الفصيح مروي بالمعنى؛ لأنه لو كان بلفظ النبي ﷺ لكان فصيحًا سواء أريد بالفصاحة معناها الاصطلاحي أو أريد بها البلاغة. وقوله: "وألغي الكثير" يعني أن زيادة الفصاحة تُلغى فلا يرجَّح الخبر الأفصح على الخبر الفصيح، وقيل: يرجَّح بذلك لأنه أقرب إلى كون اللفظ له ﷺ لأنه أفصح العرب. ٨٨٦ - زيادةٌ ولغةُ القبيلِ ... ورُجِّح المُجِلُّ للرسولِ ذكر في هذا البيت ثلاثة مرجحات: الأول: الزيادة، يعني أن الخبر المشتمل على زيادة يقدَّم على الخبر الخالي عنها؛ لما فيه من زيادة العلم، كترجيح خبر التكبير في العيد سبعًا على خبر التكبير فيه أربعًا (١)، وأَخْذ الحنفية بخبر الأربع من الأَخْذِ بالأقل.

стр. 634

الثاني: الخبر الوارد بلغة قريش يقدَّم على معارِضِه الوارد بلغة غيرهم، لأن النبي ﷺ منهم، وقَبِيل الرجل قومُه الذي هو منهم، ومنه قوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف/ ٢٧]. الثالث: الخبر المُجِل للرسول أي المشعر بلعوِّ شأنه وعظمة أمره، فإنه يقدَّم على ما ليس كذَلك، لأن علو شأنه كان يتجدَّد شيئًا فشيئًا، فما أشْعَر بعلو شأنه فهو المتأخر، وكذا يُقدم المُشْعر بعلوِّ شأن الصحابة. ٨٨٧ - وشهرةُ القصةِ ذِكْرُ السَّببِ ... وسمعُه إيَّاه دونَ حُجُبِ ذكر في هذا البيت أيضًا ثلاثة من المرجحات: الأول: شهرة القصة، يعني أن الخبر ذا القصة المشهورة مقدَّم على الخبر ذي القصة الخفية؛ لأن القصة المشهورة يبعد الكذب فيها كما قاله القرافي (١). الثاني: ذِكْر السبب يعني أن الخبر المذكور فيه السبب مقدَّم على الخبر الذي لم يذكر فيه السبب، لاهتمام ذاكر السبب بمرويِّه الدّالِّ على ضبطه، ولأنَّ عِلْم السبب يفيد العلم بالمعنى المرادِ، ولذا اعتنى المفسِّرون بذكر أسباب النزول.

стр. 635

الثالث: كون أحد الراويين سمع من الشيخ من دون حجاب، والآخر سمع منه من وراء حجاب، كخبر القاسم بن محمد عن عائشة: أن بريرة عَتَقت وزوجها عبدٌ (١)، مع خبر الأسود بن يزيد: أنها عَتَقت وهو حرٌّ (٢)، لأن القاسم ابن أخيها يروي عنها من غير حجاب بخلاف الأسود.
следующие страницы →