← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 283

نثر الورود شرح مراقي السعود

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (730 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

مكذِّب الفرع كما تقدم في قوله: "والجزم من فرع" إلخ فإنْ جَزَم الفرعُ تُقبل معه روايته ولو أنكرها الأصل كما تقدم على الخلاف المذكور، ولكنه على القول بالقبول يقدم عليه من لم يكذبه أصله، وهو مراده بقوله: "وكون من رواه غير مانع". و"روَّاه" بتشديد الواو. وقوله: "أو راويًا" بالنصب معطوفًا على قوله: "مباشرًا" وقوله: "وكونُ" بالرفع معطوف على المتعاطفات المرفوعة قبله. ٨٨٣ - وكونُه أُودِعَ في الصحيح ... لمسلمٍ والشيخِ ذي الترجيحِ يعني أن من المرجِّحات باعتبار السند ما أخرجه الشيخان في صحِيحَيْهما وهو ثلاث مراتب؛ الأولى: ما اتفقا عليه. الثانية: ما انفرد به البخاري لأنه أخصُّ شرطًا من مسلم. الثالثة: ما انفرد به مسلم. ومراده "بالشيخ ذي الترجيح" محمد بن إسماعيل البخاري تغمده اللَّه ومسلمًا برحمته، وقد ذُكِرَ في فنِّ المصطلح أنه يلي ما أخرجه مسلم ما كان على شرطهما، ثم ما كان على شرط البخاري، ثم شرط مسلم، ثم شرط غيرهما. وقوله: "وكونه" بالرفع أيضًا. "وأُودِعَ" بالبناء للمفعول، ومعنى "أُودِعَ" أُخْرِجَ في الصحيح إلخ.

стр. 632

التّرجيح باعتبار حَال المرويّ ٨٨٤ - وكثرةُ الدَّليل والرِّوايه ... مُرَجِّح لدى ذوي الدِّرايه يعني أن كثرة الأدلة على أحد المتعارضين مرجِّحة له على الآخر، وكذلك كثرة رواته. ولا يخفى أن الترجيح بكثرة الرواة من ترجيح السند، فجَعْله من الترجيح باعتبار حال المروي لا يخفى ما فيه، فإن كان أحد المتعارضين أكثر رواةً والثاني أكثر أدلةً فالظاهر الترجيح بكثرة الأدلة، وقال في "الآيات البينات" (١): إنه لا يبعد. وقوله: "ذوي الدرايه" أي أصحاب المعرفة بفن الأصول. ٨٨٥ - وقولُه فالفعلُ فالتقريرُ ... . . . . . . . . . . . . . يعني أن الخبر الناقل لقول النبي ﷺ يُقَدَّم على الخبر الناقل لفعله، والخبر الناقل لفعله يقدَّم على الناقل لتقريره، وإنما كان القول أقوى من الفعل لاحتمال الفعل الاختصاص به ﷺ ، وتقديم الفعل على التقرير لأن التقرير فعل ضِمْنيٌّ كما تقدم في قوله: "وفي الفعل انحصر تقريره" (٢) والصريح أقوى من الضِّمْنيّ. واعلم أن تقديم القول على الفعل أغلبي، وربما قُدِّم الفعل ، ومثال تقديمه: ما ذكره الفقهاء من المالكية وغيرهم من أن الإحرام بالعمرة من

стр. 633

الجعرانة الذي فعله النبيُّ ﷺ أفضل منه من التنعيم الذي أمر به عائشة تقديمًا للفعل على القول. . . . . . . . . . . . . . ... فصاحةٌ وألغيَ الكثيرُ يعني أن الحبر الفصيح يقدَّم على معارضه غير الفصيح للعلم بأن غير الفصيح مروي بالمعنى؛ لأنه لو كان بلفظ النبي ﷺ لكان فصيحًا سواء أريد بالفصاحة معناها الاصطلاحي أو أريد بها البلاغة. وقوله: "وألغي الكثير" يعني أن زيادة الفصاحة تُلغى فلا يرجَّح الخبر الأفصح على الخبر الفصيح، وقيل: يرجَّح بذلك لأنه أقرب إلى كون اللفظ له ﷺ لأنه أفصح العرب. ٨٨٦ - زيادةٌ ولغةُ القبيلِ ... ورُجِّح المُجِلُّ للرسولِ ذكر في هذا البيت ثلاثة مرجحات: الأول: الزيادة، يعني أن الخبر المشتمل على زيادة يقدَّم على الخبر الخالي عنها؛ لما فيه من زيادة العلم، كترجيح خبر التكبير في العيد سبعًا على خبر التكبير فيه أربعًا (١)، وأَخْذ الحنفية بخبر الأربع من الأَخْذِ بالأقل.

стр. 634

الثاني: الخبر الوارد بلغة قريش يقدَّم على معارِضِه الوارد بلغة غيرهم، لأن النبي ﷺ منهم، وقَبِيل الرجل قومُه الذي هو منهم، ومنه قوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف/ ٢٧]. الثالث: الخبر المُجِل للرسول أي المشعر بلعوِّ شأنه وعظمة أمره، فإنه يقدَّم على ما ليس كذَلك، لأن علو شأنه كان يتجدَّد شيئًا فشيئًا، فما أشْعَر بعلو شأنه فهو المتأخر، وكذا يُقدم المُشْعر بعلوِّ شأن الصحابة. ٨٨٧ - وشهرةُ القصةِ ذِكْرُ السَّببِ ... وسمعُه إيَّاه دونَ حُجُبِ ذكر في هذا البيت أيضًا ثلاثة من المرجحات: الأول: شهرة القصة، يعني أن الخبر ذا القصة المشهورة مقدَّم على الخبر ذي القصة الخفية؛ لأن القصة المشهورة يبعد الكذب فيها كما قاله القرافي (١). الثاني: ذِكْر السبب يعني أن الخبر المذكور فيه السبب مقدَّم على الخبر الذي لم يذكر فيه السبب، لاهتمام ذاكر السبب بمرويِّه الدّالِّ على ضبطه، ولأنَّ عِلْم السبب يفيد العلم بالمعنى المرادِ، ولذا اعتنى المفسِّرون بذكر أسباب النزول.

стр. 635

الثالث: كون أحد الراويين سمع من الشيخ من دون حجاب، والآخر سمع منه من وراء حجاب، كخبر القاسم بن محمد عن عائشة: أن بريرة عَتَقت وزوجها عبدٌ (١)، مع خبر الأسود بن يزيد: أنها عَتَقت وهو حرٌّ (٢)، لأن القاسم ابن أخيها يروي عنها من غير حجاب بخلاف الأسود.

стр. 636

وقال البخاري: إن القائل بأنه حرٌّ الحَكَم لا عائشة. وقوله: "دون حُجُب" بضمتين جمع حجاب. ٨٨٨ - والمدني والخبرُ الذي جَمَع ... حُكْمًا وعلةً كقتل من رَجَع ذكر في هذا البيت مرجِّحَين: الأول: الخبر المدني مرجَّح على المكي لأنه بعده ، والتحقيق أن المكي هو ما كان قبل الهجرة أو في سفرها، والمدني ما كان بعد نزول المدينة، وما ذكره المؤلف في "الشرح" (١) من أن ما كان في سفر الهجرة مدني فإنه خلاف التحقيق. الثاني: الخبر الذي جمع العلة والحكم معًا مقدَّم على ما أفاد الحكم دون العلة ، ومَثَّل له المؤلف بحديث: "من بَدَّلَ دينَه فاقتلوه" (٢) المقتضي بعمومه قتل المرتدات مع خبر نهيه ﷺ عن قتل النساء (٣) المقتضي بعمومه ولو كنَّ مرتدَّات، فإن حديث: "من بَدَّلَ دينَه" يُرَجَّح لأنه جَمَع بين الحكم الذي هو القتل وعلته التي هي تبديل الدين دون الآخر الذي لم تُبَيَّن فيه العلة، وقد تقدم في شرح قول المؤلف (٤): "وإن يك العموم من وجه" إلخ أن الأعمَّيْن من وجه يتعارضان في الصورة التي يجتمعان فيها فيصار

стр. 637

إلى الترجيح. وقوله: "كقتل من رجع" أي عن دينه بالردة. ٨٨٩ - وما به لعلةٍ تقدُّمُ ... ما بتوكيدٍ وخوفٍ يُعْلَمُ ذكر في هذا البيت ثلاثة مرجحات: الأول: الخبر الذي قُدِّم فيه ذكر العلة على الحكم فإنه يقدَّم على الذي قُدِّم فيه ذكر الحكم على العلة؛ لأن تقديم العلة أدل على ارتباط الحكم بها قاله الرازي في "المحصول" (١). وعَكَس النقشواني ذلك معترضًا له بما ردَّه عليه صاحب "الآيات البينات" (٢) فانظره فيه إن شئت. الثاني: التوكيد، فالخبر الذي فيه توكيد مقدَّم على الخالي من التوكيد كحديث: "أيُّما امرأةٍ نكحَتْ بغير إذن وَليِّها فنكاحها باطل، باطل، باطل" (٣) فإنه مُقَدَّم على حديث: "الأَيِّمُ أحق بنفسها" (٤) لو سُلِّمت دلالته على أنها تزوج نفسها كما ذهب إليه الحنفية، لخلوِّه من التوكيد الموجود في معارضه، مع أنه على التحقيق لا يفيد تزويجها لنفسها، ومعنى أنها أحقُّ بنفسها أنها لا تزَوَّج بدون إذنها ولا من كُفْءٍ لم ترضه. الثالث: التخويف، فالخبر المشتمل على تخويف وتهديد يقدَّم

стр. 638

على الخبر الخالي من ذلك، ومَثَّل له البرماوي والزركشي (١) بما في البخاري (٢): أن عمارًا ﵁ قال: من صامَ يومَ الشكِّ فقد عصى أبا القاسم ﷺ (٣). فإنه في حُكْم المرفوع وأنه يقدَّم على ما استدل به القائل بوجوب صوم يوم الشكِ -كما يُرْوى عن أحمد (٤) - لخُلُوِّه من التهديد الموجود في معارضه. ٨٩٠ - وما يعمُّ مطلقًا إلا السَّبَب ... فقدِّمَنْه تَقْضِ حُكْمًا قد وجبْ يعني أن العامَّ المطلق أي الذي لم يَرِد على سبب خاصٍّ مقدَّمٌ على العام الوارد على سبب خاصٍّ إلا صورة السبب فإنها قطعية الدخول عند الأكثر كما تقدم في قوله: "واجزم بإدخال ذوات السبب" (٥) فتحصَّل أن صورة السبب مقدَّمة على العام الذي لم يَرِد على سبب خاصٍّ، وأن العامَّ

стр. 639

الذي لم يرد على سبب خاصٍّ مقدَّم على غير صورة السبب من أفراد العام الوارد على سبب خاصٍّ، وإنما قُدِّمت صورةُ السبب لأنها قطعية الدخول عند الأكثر، وقُدِّم العام الذي لم يرد على سبب على العام الوارد عليه؛ لأن العام الوارد على سبب قيل باختصاصه بصورة السبب، ولذا كان أضعف من المطلق. ٨٩١ - ما منه للشرطِ على المنكَّرِ ... وهو على كلِّ الذي له دُرِي يعني أن العام الذي هو أداة شرط كـ "من" و"ما" الشرطيتين مقدَّم على العام الذي هو نكرة في سياق النفي، وهذا مراده بقوله: "ما منه للشرط على المنكَّر". وقوله: "وهو على كل الذي له دُرِي" يعني أن العام الذي هو نكرة في سياق النفي مقدَّم على غيره من أدوات العام ، ويُستثنى من ذلك الصريح في العموم نحو: كل، وجميع. وخالفَ البعضُ فيما تقدم من تقديم العام الذي هو شرط على العام الذي هو نكرة في سياق النفي. وما ذكره المؤلف من تقديم الشرط لأنه غالبًا يفيد العلة مع الحكم. ٨٩٢ - معرّف الجمعِ على ما استُفْهِما ... به منَ اللفظين أعني مَنْ وما يعني أن العام الذي هو جَمْعٌ معرَّف (بألْ) أو (الإضافة) نحو: الرجال، وعباد اللَّه، مقدَّم على العام الذي هو: (مَن) و (ما) الاستفهاميتان. وإنما كان الجمع المعرَّف أقوى منهما لأنه لا يجوز تخصيصه لواحد على الخلاف المتقدم في قوله: "وموجب أقله القفال. . " (١) إلخ، بخلاف

стр. 640

(من) و (ما) الاستفهاميتين فتخصيصهما إلى واحد جائز كما تقدم في قوله: "جوازه لواحد في الجمع. . " (١) إلخ. ٨٩٣ - وذي الثلاثَةُ على المعرَّفِ ... ذي الجِنْس لاحتمال عهدٍ قد يفي يعني أن هذه الثلاثة التي هي الجمع المعرَّف، و (من) و (ما) في الاستفهام كلها مقدَّمة على اسم الجنس المفرد المعرَّف بألْ، أو الإضافة نحوُ: الإنسان، وغلامُ زيدٍ؛ لاحتمال العهد فيه (٢) بخلاف (من) و (ما) فلا يحتملان العهد، والجمع المعرف يبعد فيه العهد. ٨٩٤ - تقديم ما خُصَّ على ما لم يُخصّ ... وعكسُه كُلٌّ أتى عليهِ نصّ يعني أنهم اختلفوا في العام الذي لم يدخله التخصيص والعام الذي دخله التخصيص أيهما يقدَّم؟ فجمهور الأصوليين على ترجيح الذي لم يدخله التخصيص، ولم يذهب إلى القول الآخر إلا صفي الدين الهندي، والسبكي (٣) ومثاله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٦] فإنه يدل بعمومه على شمول الأختين بملك اليمين مع أن ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣] يشمل بعمومه وطئهما بملك اليمين، وعموم: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٦] دخله التخصيص لأنه مخصَّصٌ بعموم: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء/ ٢٣] فلا تحل الأخت من الرضاعة بملك

стр. 641

اليمين، وبعموم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء/ ٢٢] فلا تحل موطوءة الأب بملك اليمين بخلاف عموم: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣] فلم يدخله تخصيص غير محل النزاع. وقوله: "كلٌّ أتى عليه نصّ" يعني أن كلًّا جاء بدليل لقوله، فالجمهور احتجُّوا بأن العام الذي لم يدخله التخصيص مجْمَع على اعتبار عمومه، والعام الذي دخله التخصيص مختلف في اعتبار عمومه كما تقدم في قول المؤلف: "وهو حجة لدى الأكثر. . " (١) إلخ. واحتجّوا أيضًا بأن العام الذي دخله التخصيص مجازٌ على أحد القولَيْن في المخصوص، واتفقا في المراد به الخصوص -كما تقدم في قول المؤلف: "والثاني اعزُ للمجاز جزما. . " (٢) إلخ- والذي لم يدخله التخصيص حقيقة، وهي أولى من المجاز. واحتجَّ صفي الدين والسبكي بأن ما خُصَّ من العام هو الغالب، والغالب أولى من غيره. واحتجَّا أيضًا بأنَّ ما دخله التخصيص يبعد تخصيصه مرة أخرى بخلاف الباقي على عمومه. ويجري الخلاف المذكور في الأقل تخصيصًا مع الأكثر تخصيصًا فيقدَّم الأقل تخصيصًا عند الجمهور، ومثاله: معارضة ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام/ ١٢١] مع ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة/ ٥] فيما ذبحه الكتابي ولم يُسم اللَّه عليه، فيرجح عمومُ ﴿وَطَعَامُ

стр. 642

الَّذِينَ﴾ عند الجمهور لأنه أقل تخصيصًا؛ لأن عموم: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مخصَّص مرتين: خصصه الجمهور بغير الناسي فأباحوا ذبيحة الناسي للتسمية، وخصَّصه الشافعي وقومٌ بما ذبحه الوثني الذي يهل به لغير اللَّه، بخلاف عموم ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ. . .﴾ الآية، فإنه لم يخصَّص إلا مرة واحدة، لأن الجمهور خصَّصوه بما لم يُذكر عليه اسم غير اللَّه، وبعضهم أباحه مطلقًا ولو ذكر عليه اسم غير اللَّه. ٨٩٥ - إشارةٌ وذاتُ الإيما يُرتَضى ... كونهما من بعد ذات الاقْتِضا يعني أن الدال بالاقتضاء مقدم على الدال بالإشارة وعلى الدال بالإيماء؛ لأن المدلول عليه بالاقتضاء مقصود يتوقف عليه الصدق أو الصحة، والظاهر تقديم المقتضي الذي يتوقف عليه الصدق على المقتضي الذي تتوقف عليه الصحة كما قاله حلولو (١). والظاهر أيضًا أن الإيماء مقدم على الإشارة، لأن مدلوله مقصود للمتكلم. ٨٩٦ - هما على المفهوم. . . . ... . . . . . . . . . . . . . يعني أن ما دل بالإيماء أو بالإشارة مقدم على ما دل بالمفهوم، موافقةً كان أو مخالفة؛ لما تقدم من القول بأن الإيماء والإشارة منطوق غير صريح في قول المؤلف: "والمنطوق هل ما ليس بالصريح. . " (٢) إلخ، والمنطوق مقدم على المفهوم.

стр. 643

... ... ... ... والموافقه ... ومالكٌ غيرُ الشذوذِ وافَقَه يعني أن مفهوم الموافقة مقدَّم على مفهوم المخالفة ، وهو مذهب مالك والأكثر فمُخالِفُه شاذٌّ، وهو مراد المؤلف بقوله: "ومالك. . " إلخ، وإنما قدم مفهوم الموافقة لضعف مفهوم المخالفة بالخلاف في الاحتجاج به كما تقدم في شرح قوله: "وهو حجة على النهج الجلي" (١). ومفهوم قوله: "غيرُ الشذوذ" أن بعضهم قال بتقديم مفهوم المخالفة محتجًّا بأن مفهوم المخالفة يفيد حكمًا مخالفًا لما دل عليه المنطوق بخلاف مفهوم الموافقة. * * *

стр. 644

الترجيح باعتبار المدْلُول أي مدلول الراجح من الخبرين. ٨٩٧ - وناقلٌ ومثبتُ. . . . ... . . . . . . . . . . . . . يعني أن الخبر الناقل عن الأصل الذي هو البراءة الأصلية مقدَّم على الخبر المقرِّر له عند الجمهور، لأن الناقل فيه زيادة على الأصل هي إثبات حكمٍ شرعي ليس موجودًا في الأصل، بخلاف غير الناقل فمضمونه مستفاد من البراءة الأصلية. ومثاله: حديث: "من مسَّ ذكره فليتوضأ" (١) مع حديث: "إنما هو بضعة منك" (٢) يعني الذَّكَر أي ليس في مَسِّه وضوء، فالحديث الموجب للوضوء منه ناقل عن الأصل الذي هو عدم الوجوب فيقدَّم عليه. وقال

стр. 645

بعضهم بتقديم المقرِّر للأصل، والجمهور على خلافه. وقوله: "ومثبت" يعني أن الخبر المثبت لخبر شرعي مقدم على الخبر النافي له لاشتمال المثبت على زيادة علم، وقيل: بتقديم النافي لاعتضاده بالأصل، وقيل: يتساويان لأن لكل منهما مرجِّحًا، وقيل: بتقديم المثبت في غير الطلاق والعتق. ومثاله: حديث بلال: "أنه ﷺ صلى في الكعبة حين دخلها ركعتين" (١) مع حديث أسامة: أنه دعا في نواحي البيت حين دخله ولم يصل (٢)، فيقدَّم خبر بلال المثبت. ومن أمثلته حديث أنس: كان ﷺ يقنت بعد الفجر حتى فارق الدنيا (٣)، مع حديث ابن مسعود: أنه ﷺ إنما قنت شهرًا يدعو على حيٍّ من أحياء بني سليم ثم لم يقنت بعد (٤).

стр. 646

وحاصل الفرق بين مسألة الناقل ومسألة المثبت: أن مسألة الناقل وافق فيها حكم أحد الخبرين الأصلَ وخالفه الآخر، ومسألة المثبت نَسَب فيها أحد الخبرين حصولَ شيء إلي الشارع ونفاه الآخر، والفرق بين هذا ظاهر. وجعل بعضهم مسألة المثبت مستثناة من مسألة الناقل. . . . . . . . . . . . . . والآمرُ ... بعدَ النواهي ثمَّ هذا الآخِرُ ٨٩٨ - على الإباحة. . . . ... . . . . . . . . . . . . . يعني أن الخبر الدال على نهي التحريم مقدَّم على الخبر الدال على الأمر المرادِ به الوجوب؛ لأن نهي التحريم لدفع المفسدة، وأمر الوجوب لجلب المصلحة، والأول مقدم على الثاني. وقوله: "ثم هذا" إلخ يعني أن الآخِر -بكسر الخاء- الذي هو الأمر مقدم على الإباحة للاحتياط في الخروج من عُهدة الطلب، فتحصَّل أن المقدم النهي، فالأمر، فالإباحة. وقوله: "الآمر" بصيغة اسم الفاعل يعني الخبر الدال على أمر. . . . . . . . . . وهكذا الخَبَرْ ... على النَّواهِي وعلى الذي أمَرْ يعني أن الخبر المتضمِّنَ للتكليف مقدَّم على النهي وعلى الأمر ، لأن الطلب بالصيغة الخبرية فيه من الدلالة على تأكد الامتثال ما ليس في غيره، والتحقيق أن الخبر المتضمِّنَ للتكليف إنما يُرَاد به في نفس الأمر الإنشاء ولم يُرَد به فائدة الخبر ولا لازمها كما تقرر في فنِّ المعاني نحوُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة/ ٢٣٣]، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة/ ٢٢٨] ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ﴾ [الصف/ ١٠ - ١١]. فما

стр. 647

أشار إليه المؤلف في "الشرح" (١) من أنه لم يُرِد به (٢) الإنشاء غير ظاهر، وبما ذُكر (٣) هنا تعلم أن محلَّ ما سبق من تقديم النهي على الأمر ما لم يكن الأمر في ضمن صيغة خبرية كما هنا وإلَّا قُدِّم على النهي والأمر الذي لم يكن (٤) صيغة خبرية. ٨٩٩ - في خَبَريْ إباحةٍ وحظرِ ... ثالثُها هذا كذاك يَجْري يعني أن في تعارض خبر الحَظْر أي المنع وخَبَر الإباحة ثلاثة أقوال: الأول: تقديم الحظر، وقد قدمنا أن النهي المقتضي للمنع مقدَّم على الأمر، والأمر مقدم على الإباحة. ووجهه ظاهر لأن ترك مباح أهون من الوقوع في حرام. الثاني: تقديم الإباحة على الحظر لاعتضادها بالأصل الذي هو نفي الحرج. الثالث: هما سواء لأن لكلٍّ منهما مرجِّحًا يساوي مرجح الآخر، وصححه الباجي (٥) في تعارض العلتين (٦). وقوله: "هذا" يعني الحظر،

стр. 648

وقوله: "ذاك" يعني الإباحة لأنها مصدر بمعني الجواز. ٩٠٠ - والجزمُ قبل النَّدبِ. . . . ... . . . . . . . . . . . . . يعني أن الخبر الدَّال على الوجوب مقدَّم على الخبر الدال على الندب احتياطًا لبراءة الذمة. . . . . . . . . . والذي نفى ... حدَّا على ما الحدُّ فيه أُلِفا يعني أن الخبر الدالَّ على نفي الحدِّ مقدَّم على الدال على الحد ، لأن الحد يُدْرأ بالشبهات وكذلك التعزير كما ذكره المؤلف في "الشرح" (١). وخالف المتكلِّمون فقالوا: يقدم ما فيه الحد على ما فيه نفيه. ٩٠١ - ما كان مدلولٌ له معقولا ... . . . . . . . . . . . . . يعني [أن] الخبر المعقول المعنى أي المعلوم العلة مقدَّم على التعبُّدِي الذي لم تُعرف علته؛ لأن معقول المعنى أغلب وأدعى للانقياد لمعرفة حكمته، قال حلولو (٢): ويقيد هذا على أصل مالك بما إذا كان في غير باب التعبديات؛ لأن الغالب فيها عدم المعقولية. . . . . . . . . . . . . . ... وما على الوضعِ أتى دليلا يعني أن الخبر الدَّال على خطاب الوضع مقدَّم على الدَّال على خطاب التكليف، كأنْ يدل أحدُ الخبرين على كون الشيء شرطًا ويدل

стр. 649

الآخر على النهي عن فعله في كل حال. وجه تقديم الدال على خطاب الوضع: أنه لا يتوقف على أهلية الخطاب وفهمه والتمكّن من الفعل بخلاف الدَّال على التكليف، وقيل: يقدَّم الدالُّ على التكليف لما فيه من ترتب الثواب عليه. * * *

стр. 650

ترجيح الإجماعات يعني ترجيح الإجماع على النصِّ وترجيح بعض الإجماعات على بعض. ٩٠٢ - رجِّحْ على النصِّ الذي قد أُجْمِعا ... عليه. . . . . . . . . . . . . يعني أن الإجماعَ يرجَّح على النصِّ لأن الإجماع يؤمن فيه النسخ بخلاف النّص، وقد تقدم للمؤلف قوله في الإجماع: "وقدِّمَنَّه على ما خالفا. . " (١) إلخ. واعلم أن الإجماع السُّكوتي يقدم عليه النصُّ لجواز مخالفته لدليل أرجح منه. . . . . . . . . . . . ... . . . . والصَّحْبِ على من تَبِعا يعني أنه يقدَّم إجماع الصحابة على إجماع التابعين، وأحرى من بعدهم؛ لأن الصحابة أفضل من غيرهم وأعلم بأحوال التشريع، لمباشرتهم له ﷺ ولأن إجماعهم متفق على الاحتجاج به وإجماع غيرهم مخْتَلَف فيه. ٩٠٣ - كذاك ما انقرضَ عصرُه وما ... فيه العموم وافقوا من عَلِما ذكر في هذا البيت مرجِّحَيْن من مرجحات الإجماع: الأول: انقراض العصر، فيقدَّم الإجماع الذي انقرض عصره على الذي لم ينقرض للاختلاف في الاحتجاج بالذي لم ينقرض عصره، كما

стр. 651

تقدم ذكر الخلاف فيه في قول المؤلف: "ثم انقراض العصر. . " (١) إلخ. الثاني: موافقة العوام للمجتهدين، فيقدَّم الإجماع الذي وافق فيه العوامُّ العلماءَ على الذي لم يوافقوهم فيه، فقول المؤلف: "العمومُ" يعني العوامَّ، وقوله: "من عَلِما" بالبناء للفاعل يعني العلماءَ أيْ فيه العوامُّ وافقوا العلماءَ، وإنما رُجِّح بموافقة العوام لأنهم قيل باشتراط موافقتهم في الإجماع، كما تقدم ذكر الخلاف في ذلك في قول المؤلف: "فالإلغا لمن عمَّ انُتقي وقيل لا. . . " (٢) إلخ. قال بعضهم: إن كان الذي وافق فيه العوامُّ سكوتيًا والذي لم يوافقوا فيه غيرُ سكوتي فلا يبعد تقديم الذي لم يوافقوا فيه، لأن تصريح المجتهدين فيه أقوي من موافقة العوام (٣) في السكوتي، وهذا هو الظاهر. * * *

стр. 652

ترجيح الأَقْيسَة والحدُود اعلم أن الترجيح فيما سبق بين المنقول من التصديقات -أعني القضايا الخبرية- والكلام في هذا المبحث في التراجيح بين نوع من المعقولات وهو القياس، وبين التصورات -أعني معرفة المفردات- من غير حكم عليها نقلية كانت أم لا، وترجيح القياس يكون بما يرجع إلي الأصل، أو الفرع، أو العلة، أو المدلول، أو الخاصِّ. ٩٠٤ - بقوةِ المثبتِ ذا الأساسِ ... أي حكمَه الترجيحُ للقياسِ يعني أن القياس يرجَّح بقوة الدليل المثبت حكم الأساس أي الأصل المقيس عليه بأن يكون حكم الأصل في أحد القياسَيْن أقوى دليلًا، فقوله: "الترجيح" مبتدأ خبره "بقوة" وهو مصدر مضاف إلي فاعله الذي هو "المثْبِت" باسم الفاعل، و"ذا" بمعنى صاحب مفعول "المثبت". وصاحب الأساس هو حكم الأصل. فالصاحب الحكم والأساس الأصل المقيس عليه، وقوله: "للقياس" يتعلّق بالترجيح، وقوله: "حكمَه" بالنصب تفسير لـ "ذا" فهو عطف بيان عليه. ٩٠٥ - وكونه موافق السنن. . . . ... . . . . . . . . . . . يعني أن القياس يرجَّح بكونه على سَنَن القياس، والمراد بسنن القياس هنا كون فرعه من جنس أصله لا ما تقدم في قوله: "وليس حكم الأصل" (١) إلخ، وإنما رجِّح هنا بكون الفرع من جنس الأصل لأن فرد

стр. 653

الجنس أشبه بفرد الجنس من غيره (١)، وقد تقدم قول المؤلف: "والفرع للأصل بباعث. . " (٢) إلخ، ومثاله: قياس التيمُّم على الوضوء في بلوغ المرفقين فإنه أولى من قياسه على السرقة في الاقتصار على الكوع؛ لأن التيمم من جنس الوضوء وليس من جنس السَّرقِة، ومن أمثلته: قتل البهيمة الصائلة فإنها لا ضمان في قتلها قياسًا على الآدمي الصائل بجامع أن الكلَّ صائل، فإنه أولى من قول الحنفية: إنه يضمنها لأنه أبيح له إتلاف مال غيره دون إذنه لرفع الضرر عنه فيجب عليه الضمان قياسًا على ما لو اضطر إلى أكله من الجوع، لأن الأول قياسُ صائل على صائل، فالفرع من جنس الأصل، بخلاف الثاني فإنه قياس صائل على مأكول لضرورة الجوع وليس من جنسه. . . . . . . . . . عنْ (٣) ... بالقطعِ بالعلَّةِ أو غالِبِ ظنْ يعني أنه يرجح أحد القياسين بكون وجود العلة في الأصل مقطوعًا به ، والآخر ليس كذلك، وكذا يرجَّح بكون بوجودها مظنونًا في أحدهما ظنًّا أغلب من الظن في الآخر. وظاهر المؤلف أنها إن قُطِع بوجودها فيهما فلا ترجيح فيه، وذلك مبنيٌّ على الخلاف المتقدم في تفاوت اليقين (٤).

стр. 654

قلت: يظهر لي الترجيح بالقطع بوجودها في الفرع أو ظن ذلك ظنًّا أغلب على نحو ما ذكر في الأصل وهو ظاهر. واعلم أن امتناع تعارض القطعيات إنما هو في نفس الأمر لا بحسب ما يظهر للمجتهد. ٩٠٦ - وقوةِ المسلكِ ولْتقدِّما ... ما أصلُها تتركه مُعَمَّما ذكر في هذا البيت مرجِّحَيْن من مرجحات القياس: الأول: قوة المسلك، يعني أن يرجح أحد القياسَيْن على الآخر بكون مسلك علته أقوى من مسلك علة الآخر، وقد تقدم في مسالك العلة ترتيبها في القوة، وقد قدمنا هناك (١) أن فائدته التقديم عند التعارض. الثاني: عموم العلة لجميع الأفراد، فإنه من المرجِّحات لها فتقدم العلة التي لم تُخَصِّص أصلَها على العلة المخصِّصة له المشار إليها بقوله: "وقد تُخصِّصُ وقد تعمِّم. . " (٢) إلخ. وإنما رُجِّحَت عليها لأنها أكثر منها فائدة، ولأن المخصصة لأصلها اختلف في التعليل بها فكانت أضعف بسبب الاختلاف فيها. ومثاله: تعليل الشافعية لتحريم الربا في البر بالطعم، مع تعليل الحنفية والحنابلة له بالكيل؛ فإن تعليله بالكيل يؤدي إلى تخصيص العلة لأصلها، لأن مثل الحَفْنة لا يُكال فلا يكون ربويًّا فيُخَصَّص منع الربا في البر بما زاد على الحفنة مثلًا، بخلاف تعليل الشافعية (٣) فلا تُخصِّصُ فيه

стр. 655

العلة أصلَها لأن الطَّعم موجود في الحفنة فالعلة عامة في جميع أفراد الحكم. وقوله: "وقوة المسلك" بالجر عطفًا على "قوة" في قوله: "بقوة المثبت" إلخ. وقوله: "ما" مفعول "تُقَدِّم". ٩٠٧ - وذاتَ الانعكاس واطِّرادِ ... فذاتَ الآخِرِ بلا عِنادِ يعني أنه يقدَّم القياس الذي علته مطَّردة منعكسة على الذي علته مطردة فقط أو منعكسة فقط، ويقدَّم الذي علته مطَّرِدة فقط على الذي علته منعكسة فقط، فتحَصَّل أن المراتب ثلاث؛ الأول: مطر العلة منعكسها. الثاني: مطردها. الثالث: منعكسها. وقد تقدم (١) أن الاطراد: الملازمة في الثبوت، وعدمُه يُسَمَّى بالنقض، وأن الانعكاس: الملازمة في الانتفاء، وعدمُه يسمَّى بعدم العكس. أما على القول بأن النقض قادح كما تقدم في قوله: "منها وجود الوصف. . " (٢) إلخ، وأنَّ عدمَ العكس قادح كما تقدم في قوله: "وعدم العكس مع اتحاد. . " (٣) إلخ فلا ترجيح لبطلان القياس ببطلان العلة بالقادح الذي هو النقض وعدم العكس. وقوله: "وذاتَ" بالنصب عطفًا على "ما"، و"الآخِر" بكسر الخاء وهو الاطراد، والعناد: الخلاف. ٩٠٨ - وعلَّةَ النصِّ وما أصلانِ ... لها كما قد مرَّ يجريانِ

стр. 656

ذكر في هذا البيت مرجِّحَيْن من مرجِّحات القياس: الأول: العلة المنصوصة مرجَّحَة على المستنبطة . قلت: وهذا تكرار مع قولهِ بقوةِ المسلك إلا أن يُحْمَل المسلك على خصوص الاستنباط، وتقديم النصِّ على الاستنباط واضح، فالمرجَّح هو النص على العلة. الثاني: كثرة الأصول، فيقدَّم القياس الذي علته مأخوذة من أصلين على القياس الذي علته مأخوذة من أصل واحد وهكذا فيقدَّم الذي أُخِذَت علته من ثلاثة على الذي أُخِذَت علته من اثنين إلخ. ومعنى أخذ العلة من أصلين: دلالة دليلين على العلية وهو راجع إلى الترجيح بكثرة الأدلة، وقد تقدم في قوله: "وكثرة الدليل" (١) إلخ. ومثاله: قياس الوضوء على التيمُّم في وجوب النية مع قياسه الآخر على غسل النجاسة في عدم وجوب النية لأن العلة في قياسه على التيمم كونه عبادة، وهذه العلة تشهد لها أصول كثيرة، كاشتراط النية في الصلاة والصوم والحج وغيرها من العبادات، بجامع أن الكلَّ عبادة، بخلاف طهارة الخَبَث فلم تشهد لها أصول كهذه. وقول المؤلف: و"علّة" مبتدأ و"ما" موصول معطوف عليه، وصلته جملة "أصلان لها" والخبر جملة "يجريان" وثَنَّى الخبر عن المفرد نظرًا إلى المعطوف عليه، وقوله: "كما" متعلق بـ "يجريان" أي يجريان

стр. 657

كما مر من المسائل (١) المرجحة على مقابلها، والجار والمجرور حال من ألف الاثنين في قوله: "يجريان". ٩٠٩ - في كثرة الفروع خُلْفٌ قد ألَمْ ... . . . . . . . . . . . يعني أنهم اختلفوا في العلتين المتعديتين إذا كانت إحداهما أكثر فروعًا كما تقدم في قوله: "وذاك في الحكم الكثير أطلقه" (٢) إلخ هل تُقَدَّم على الأخرى التي هي أقل فروعًا -وهو الراجح- أوْ لا تقدم عليها؟ وهذا الخلاف مبنيٌّ على الاختلاف في المتعدية هل تقدم على القاصرة أم لا؟ فمن قال: تقدم عليها -وهم الأكثر- قال: يرجَّح بكثرة الفروع، ومن لم يقدِّمها عليها لم يرجِّح بكثرة الفروع. . . . . . . . . . . . ... وما تُقلَّلَ تَطرَّقَ العَدَم يعني أن العلة التي يقلُّ فيها احتمال العدم مقدَّمة على التي يكثر فيها احتماله، والتي يقل فيها العدم هي التي تقل فيها الأوصاف، بأن تكون العلة وصفًا واحدًا فتقدَّم على العلة المركَّبة من وصفين، وتقدَّم المركبة من وصفين على المركبة من ثلاثة وهكذا؛ لأن الأوصاف كلما كانت أقلَّ كان تطرُّق احتمال العدم أقلَّ، والعكس بالعكس. وقيل: تقدَّم التي هي أكثر أوصافًا لأن اشتراك الفروع والأصل في أوصاف كثيرة دليل على قوة الشبه بينهما.

стр. 658

٩١٠ - ذاتيةً قَدِّمْ وذاتَ تعديَه ... وما احتياطا عُلِمَتْ مقتضيَه ذكر في هذا البيت ثلاثة مرجِّحات من مرجحات القياس: الأول: كون العلة ذاتية، ف القياس الذي علته ذاتية مقدم على الذي علته حكمية ، والذاتية هي ما كانت صفة للمحل، أي وصفًا قائمًا بالذات كالطَّعم والإسكار، والحكمية هي الوصف الذي ثبت تعلُّقه بالمحل شرعًا، كالحِل والحُرمة والنجاسة ونحو ذلك، وهذا مراده بقوله: "ذاتية قدِّم". الثاني: التعدية، أي تعدية العلة من الأصل إلى الفرع، فالمتعدية مقدَّمة على القاصرة على مذهب الجمهور، ورجح الإسفراييني القاصرة محتجًّا بأن الخطأ فيها أقل، وسوَّى بينهما الباقلاني (١). ومثال تعارضهما: تعليل المالكي تحريم الخمر بالشدة المطربة، مع تعليل الحنفي له بكونه خمرًا، مع أن الخمر عندهم هو المعصور من خصوص العنب، فالشدَّة المطربة تتعدى إلى غير المتخذ من العنب بخلاف الخمر عندهم (٢). الثالث: الاحتياط، فتُقَدَّم العلة التي تقتضي الاحتياط على التي لم تقتضه، لأن الأحوط أرجح من غيره، كتعليل الشافعي نقض الوضوء بمطلق مسِّ النساء، فإنه أحوط من تعليل المالكية والحنابلة له بقصد الشهوة أو وجودها من المرأة. وكتعليل الشافعية تحريم الربا في البر بالطَّعم فإنه أحوط لتحريم الحفنة فيه دون التعليل بالكيل. قلت: مَثَلوا له بهذين المثالين، ويظهر لي أنهما راجعان لترجيح

стр. 659

العلة التي لم تُخَصِّص أصلَها على التي تخصصه، كما تقدم في قوله: "ولتقدما ما أصلها تتركه مُعَمَّما" (١). وقول المؤلف؛ "ذاتية" مفعول "قدِّم" الذي هو فعل أمر مقدم عليه، وقوله: "وذاتَ" بالنصب معطوفًا عليه، و"ما" منصوب أيضًا بالعطف عليه، و"احتياطًا" مفعول مقدم لـ "مقتضيه". ٩١١ - وقَدِّمَنْ ما حكمُ أصلِها جَري ... مُعلَّلًا وَفقًا لدى من غَبَرا يعني أن العلة المتفق على أن حكم أصلها معلَّلٌ مقدَّمة على العلة التي اختلف في تعليل حكم أصلها لأنها أضعف للاختلاف فيها كما ذكره المؤلف سابقًا بقوله: "وعلة وجودها الوفاق. . " (٢) إلخ. والمراد بالأصل هنا الحكم المعلَّل بها كما جزم به شهاب الدين عميرة (٣)، وقال صاحب "الآيات البينات" (٤) على سبيل الظن أن المراد بالأصل دليل الحكم، وهو أقرب لمعني البيت. وقوله: "معلَّلًا" بصيغة اسم المفعول، و"وفقًا" يعني اتفاقًا، و"من غَبَر" أي من مضى من الأصوليين، وقوله: "لدى" متعلق بقوله: "وَفْقًا". ٩١٢ - بعد الحقيقيِّ أتى العُرْفيُّ ... وبعدَ هذينِ أتى الشَّرْعيُّ تقدم في قول المؤلف: "وهو للّغة والحقيقة" (٥) إلخ أن الوصف

стр. 660

المعلَّل به قد يكون حقيقيًّا وقد يكون عرفيًّا وقد يكون شرعيًّا، وتقدم بيانها هناك، وذكر في هذا البيت أن الحقيقيَّ مقدَّم على العرفي، والعرفي مقدَّم على الشرعي، ولم يتعرض لِلُّغَوِيّ هنا لأن الإلحاق به من قياس اللغة. ٩١٣ - وفي الحدودِ الأشهَرُ المقدَّمُ ... وما صريحًا أو أعَمَّ يُعْلَمُ هذا شروع من المؤلف في ترجيح الحدود ، أعني الحدود الشرعية كحدود الأحكام الشرعية وليس المراد حدود الماهية العقلية؛ لأنها لا يتعلق بها هنا غرض، وقد ذكر في البيت ثلاثة من مرجحات: الحد الأول: الشهرة والوضوح، ف يقدم الحدُّ الأوضح على الواضح ، وهذا معنى قوله: "الأشهر المقدَّم". الثاني: الصراحة، فإن الحد الصريح يُقدَّم على غير الصريح، كالحد الذي فيه تجوُّز أو اشتراك عند وجود القرينة المعيِّنة للمقصود، لأنه إن لم توجد قرينة كذلك يمنع (١) الحد. ووجه تقديم الصريح على غير الصريح المقترن بالقرينة الواضحة: أن القرينة -وإن اتضحت- ربما تطرقها الخفاء والاشتباه بخلاف الصريح، وهذا معنى قوله: "وما صريحًا". الثالث: عموم النفع، ف يقدَّم الحدُّ الأعم نفعًا على حدٍ أخصَّ منه لكونه يتناول ما يتناوله الأخصُّ ويزيد عليه، وهو مراده بقوله؛ "أو أعمَّ". ٩١٤ - وما يوافق لنقلٍ مطلقا ... . . . . . . . . . . . يعني أن الحد الموافق للنقل يُقدَّم على غير الموافق له سواء كان

стр. 661

النقل شرعيًّا أو لغويًّا، فالحد الموافق للمعنى الشرعي يُقدَّم على مقابله، والحدُّ الموافق للمعنى اللغوي بحسب الوضع يقدَّم على ما خالف الوضع اللغوي. قال في "الآيات البينات" (١): "صورة هذه المسألة: أن يكون تعريف واحد يدور الأمر فيه بين حَمْله على المعنى الشرعي أو اللغوي وحمله على غيرهما، فيرجَّح حمله على الموافق للشرعي أو اللغوي على حمله على غيرهما. قال: وتُصَوَّر أيضًا بأن يكون هناك تعريفان محتملان، أحدهما باعتبار المعنى الموافق لأحدهما، والآخر باعتبار المعنى المخالف له". والموافق لنقل الشرع مقدَّم على الموافق لنقل اللغة، ومقدَّم أيضًا على الموافق للعرف، كما تقدم في قوله: "واللفظ محمول على الشرعيّ. . " (٢) إلخ. فإن قيل: ما وجه الجمع بين هذا وبين تقديم الوصف العرفي والوصف الحقيقي، كما تقدم في قوله: "بعد الحقيقي أتى العرفي" (٣)؟ فالجواب: أن تقديم الشرعي المذكور هنا إنما هو عند الاحتمال أو التردُّدِ، وما تقدم من تقديم الحقيقي، ثم العرفي، ثم الشرعي إنما هو عند تحقق الحال من كونه شرعيًّا أو غيره. . . . . . . . . . . . ... والحدُّ سائرَ الرسومِ سَبَقا يعني أن الحدَّ مقدَّم على الرسم؛ لأن التعريف في الحد بالذاتيات وفي الرسم بالعَرَضيات، والتعريف بالذاتي أقوى من التعريف بالعَرَضي،

стр. 662

وسواء كان الحدُّ تامًّا أو ناقصًا فيقدَّم على الرسم تامًّا أو ناقصًا. ٩١٥ - وقد خَلَتْ مرجِّحاتٌ فاعتبرْ ... . . . . . . . . . . . يعني أنه تقدَّم ذكرُ مرجِّحات كثيرة متفرقة في هذا النظم فاعتبرها، فقد تركها المؤلف هنا حذرًا من التكرار والتطويل. مثال ما تقدم من ترجيح بعض مفاهيم المخالفة على بعض في قوله: "أقواه لا يرشد إلا العلماء" (١) إلخ، وتقديم الشرعي على العرفيّ إلخ في قوله: "واللفظ محمول على الشرعي" (٢) البيت، وتقديم المجاز على الاشتراك في قوله: "وبعد تخصيص مجاز" (٣) إلخ، ونحو ذلك. . . . . . . . . . . . ... واعلم بأنَّ كلَّها لا ينحَصِرْ ٩١٦ - قُطْبُ رحاها قوَّة المَظِنَّه ... فهي لدى تعارضٍ مَئِنَّه يعني أن المرجِّحات لا تنحصر فيما ذُكِرَ في هذا الباب ولا فيما ذُكِر في غيره من أبواب هذا النظم، وقُطب رحا المرجِّحات الذي تدور عليه غالبًا هو: قوة المَظِنَّة -بكسر الظاء- فما كان الظن أقوى فيه فهو أرجح. وقوله: "مَئِنَّه" أي علامة على الترجيح. ونظيره قول ابن مسعود ﵁: "تقصير الخطبة وتطويل الصلاة مئنة فقه الرجل" (٤). وأصل المَئنة مَفْعِلة

стр. 663

-بفتح الميم وكسر العين- من أن المشددة التي هي حرف توكيد، فالمئنَّةُ إذًا هي المكان الذي يقال فيه إنه كذا، وكون قوة الظن مَئنَّة الترجيح أمر أغلبيٌّ؛ لأن المرجِّح قد يكون قطعيًّا، وقد يكون الترجيحِ بمجرد الظن دون غلبة، كما إذا حصل الظنُّ بوجود مرجِّح لأحد المتعارِضيْن فيُعْتَمد عليه. * * *

стр. 664

كتابُ الاجتهَاد في الفُروع ٩١٧ - بذلُ الفقيه الوُسْعَ أن يُحصِّلا ... ظنًّا بأن ذاك حَتْمٌ مَثَلا يعني أن الاجتهاد في اصطلاح أهل الأصول هو: بَذْل الفقيه وُسْعَه أي طاقته في النظر في الأدلة لأجل أن يحصل عنده الظن أو القطع بأن حكم اللَّه في المسألة هو كذا. وقوله: "مَثَلًا" بالتحريك يعني ظنًّا أو قطعًا، و"الوُسْع" بضم الواو. ٩١٨ - وذاك مَعْ مجتهدٍ رديفُ ... . . . . . . . . . . . الإشارة في قوله: "ذاك" إلى الفقيه، يعني أن الفقيه والمجتهد مترادفان في عرف أهل الأصول. . . . . . . . . . . . ... وما لَه يحقِّقُ التكليفُ هذا ابتداء في شروط المجتهد المشار لها بقوله: "وما للاجتهاد من قيد (١) وضح" يعني أن المجتهد لابد أن يكون مكلَّفًا لأن غير المكلف كالصبي والمجنون لم يكمل عقله. وقوله: "ما" موصول مبتدأ خبره "التكليف"، والضمير في "له" للمجتهد، و"يحقِّق" بالبناء للفاعل. ٩١٩ - وهو شديد الفهم طبعًا ... . . . . . . . . . . . يعني أن المجتهد لابد أن يكون شديد الفهم لمقاصد الشارع

стр. 665

"طبعًا" أي سَجِيَّة؛ لأن من لم يكن كذلك لا يصلح للاستنباط المقصود بالاجتهاد. . . . . . . . . . . . واختُلِفْ ... في من بإنكارِ القياس قد عُرِفْ يعني أن من عُرِف بإنكار القياس كالظاهرية اخْتُلِف فيه، هل يُعَدّ من أهل الاجتهاد؛ لأن إنكاره للقياس لا يُخرجه عن كونه مجتهدًا وهو اختيار السبكي (١) والقاضي عياض (٢). أوْ لا يُعَدُّ من أهل الاجتهاد؛ بناءً على أن إنكاره للقياس يدل على عدم أهليته للاجتهاد. وفي المسألة قول ثالث: وهو أنه إن أنكر القياس الجَليّ لم يُعَدّ من أهل الاجتهاد لظهور جموده، بخلاف غير الجليّ (٣). ٩٢٠ - قد عَرَفَ التكليفَ بالدليلِ ... ذي العقلِ قبلَ صارِفِ النقول مراده بالدليل ذي العقل: البراءةَ الأصليةَ التي هي الإباحة العقلية واستصحاب العدم الأصليّ، يعني أن من شروط المجتهد أن يكون عارفًا بأنه مكلَّف بالتمسُّك بالدليل العقلي المذكور إلى أن يصرف عنه صارف

стр. 666

من النقل أي الشرع، فإن صرف عنه عَمِل بذلك الصارف سواء كان نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا وهو المراد بـ "النقول" جمع نقل. ٩٢١ - والنحوَ والميزانَ واللُّغَةَ معْ ... علِمِ الأصول وبلاغةً جمع يعني أنه يشترط في المجتهد أن يكون عارفًا بالنحو الشامل للتصريف، وعارفًا بالميزان الذي هو علم المنطق أي عالمًا بالمحتاج إليه منه، كشرائط الحدود والرسوم وشرائط البراهين، وعارفًا باللغة عربيةً كانت أو شرعيةً أو عُرفيةً، وعارفًا بعلم الأصول، وعلم البلاغة من معانٍ وبين. فإن قيل: كيف تُشترط معرفة علم الأصول مع أن جمهور المجتهدين كانوا متبحِّرين في الاجتهاد في وقتٍ لم يُدوَّن فيه علم الأصول أصلًا؟ فالجواب: أن قواعد علم الأصول كانت مركوزة في جِبِلّاتهم معلومة عندهم وإن لم تدون كعلم النحو والتصريف. كما عن التّصريف والإعراب ... تُغني الطباعُ ألسُن الأَعْراب ٩٢٢ - وموضِعَ الأحكام دُون شرطِ ... حِفْظِ المتونِ عند أهلِ الضَّبْطِ يعني أنه يُشترط في المجتهد أن يكون عارفًا بمواضع الأحكام من المُصْحَف والأحاديث ، ولا يُشترط حفظ المتون أي ألفاظ تلك الآيات والأحاديث عند أهل الضبط أي الإتقان وهم أهل الفن، وإن كان حفْظُها أحسن وأكمل، وما زَعَمه البعض من أن آيات الأحكام محصورة في خمسمائة غير صحيح (١).

стр. 667

٩٢٣ - ذو رتبةٍ وُسْطي في كلِّ ما غَبَرْ ... . . . . . . . . . . . يعني أنه يشترط في المجتهد أن يبلغ الرتبة الوسطى في كل ما غَبَر أي مضى ذكره من العلوم، فلا يكفيه مطلق المشاركة ولا يحتاج إلى التبحر فيها، وقيل: يشترط التبحر فيما يختلف بسببه المعنى ويكفي التوسط فيما سواه، ويجب في معرفة اللغة الزيادة على التوسط حتى لا يخفى عليه المستعمل في الكلام في غالب الأوقات، فلا تشترط معرفة الغريب الوحشي. . . . . . . . . . . . ... وعلمُ الإجماعاتِ مما يُعتَبَرُ يعني أن معرفة مواضع الإجماع شَرْط في إيقاع الاجتهاد كي لا يخرقه، وليست شرطًا في بلوغ المجتهد رتبة الاجتهاد، وكذا يُشترط في إيقاع الاجتهاد معرفة مواضع الخلاف خوفَ إحداث قولٍ ثالث أو تفصيلٍ كما تقدم في الإجماع (١). ٩٢٤ - كشرطِ الآحادِ وما تواتَرا ... . . . . . . . . . . . يعني أنه يشترط في إيقاع الاجتهاد أيضًا كونه عارفًا بشروط الخبر المتواتر وخبر الآحاد المتقدمة في كتاب السنة، وإنما اشترط ذلك ليقدم المتواتر على خبر الآحاد عند التعارض، وإذا لم يكن عارفًا لذلك فقد يعكس الأمر. . . . . . . . . . . . ... وما صحيحًا أو ضعيفًا قد جَرى

стр. 668

يعني أنه يشترط في إيقاع الاجتهاد أيضًا كونه عارفًا بالشروط التي يكون بها الحديث صحيحًا أو ضعيفًا، والحسن داخل في الصحيح هنا كما هي عادة الأقدمين، وإنما اشْتُرِط هنا ليقدِّم الصحيح على الضعيف، لأنه إن لم يعلم ذلك قد يعكس الأمْرَ، ولأن العمل بالضعيف قد لا يجوز. وقوله: "ما" موصول، وجملة "قد جرى" صلته، و"صحيحًا" حال من فاعل "جرى"، و"ضعيفًا" معطوف عليه. ٩٢٥ - وما عليه أو بهِ النَّسخ وقَعْ ... . . . . . . . . . . . مراده بما وقع عليه النسخ: المنسوخ، وبما وقع به النسخ: الناسخ، يعني أنه يُشترط في إيقاع الاجتهاد أيضًا معرفة المنسوخ من الناسخ ليقدِّم الناسخ على المنسوخ، لأنه إن لم يعلم (١) ذلك قد يعكس الأمر، والمراد أن يعرف أن هذا بعينه ناسخ وهذا بعينه منسوخ لا معرفة حقيقة الناسخ والمنسوخ، لأن ذلك من علم الأصول المتقدم أنه شرط أيضًا. . . . . . . . . . . . ... وسَبَبُ النُّزُولِ شَرْطٌ مَتَّبعْ يعني أن معرفة أسباب النزول في الآيات والأحاديث شَرْط في إيقاع الاجتهاد أيضًا، لأن معرفة ذلك ترشد إلى فهم المراد. وقوله: "متَّبَع" بصيغة اسم المفعول. ٩٢٦ - كحالة الرُّواة والأصحابِ ... . . . . . . . . . . . يعني أنه يُشترط في إيقاع الاجتهاد أيضًا معرفة أحوال رواة الحديث

стр. 669

ومعرفة أحوال الصحابة، فمعرفة أحوال الرواة أي من رَدٍّ وقبولٍ وزيادةٍ في الثقة أو العلم أو الورع، فيعمل برواية المقبول دون غيره، ويُقَدَّم الزائد على غيره، ويكون ردُّ حديثه لكذبٍ أو تهمةٍ به أو فُحْشِ غلطٍ إلخ. ومعرفة أحوال الصحابة أي من فتاوى وأحكام، وزيادة في الفقه والورع، ومن الأكبر والأصغر، فتقدَّم الفتوي لعمومها لأن الحكم قد يُخصُّ، ويقدم الزائد على غيره، وكذا موافق الأعلم (١) منهم يُقَدَّم على موافق غيره ونحو ذلك. . . . . . . . . . . . ... وقلِّدَنْ في ذا على الصواب يعني أن من معرفة الإجماعات إلى معرفة أحوال الصحابة يُكتفى فيه بالتقليد للأئمة في ذلك، فإن لم يوجدوا فالكتب المصنفة في ذلك. ومقابل قوله: "على الصواب" قول الأبياري: لا يكفي التقليد في ذلك لأنه إذا قلَّدَ في شيءٍ مما ذكر كان مقلِّدًا فيما يُبْنى عليه (٢). ٩٢٧ - وليس الاجتهاد ممن قد جَهِل ... عِلْمَ القروعِ والكلامِ يَنْحَظِل يعني أنه يجوز أن يكون المجتهد غير عالم بالفروع، وغير عالم بعلم الكلام، أي لا يشترط في المجتهد معرفة ذلك، لأن الفروع يستنبطها المجتهدون بعد أن فازوا بمنصب الاجتهاد. واشترط الإسفرايينيُّ في المجتهد معرفة الفروع، وصحَّح بعضهم كونها شرطًا في إيقاع الاجتهاد لا شرطا في المجتهد. وقوله: "ينحظل" بمعنى يمتنع خبر "ليس"، وعلم

стр. 670

الكلام هو البحث عن العقائد بالأدلة العقلية. ٩٢٨ - كالعبدِ والأنثى كذا لا يَجِبُ ... عدالةٌ على الذي ينتخَبُ ذَكَر في هذا البيت ثلاث مسائل لا تشترط في المجتهد: الأولى: الحرية، فيجوز أن يكون المجتهد عبدًا، وهو مراده بقوله: "كالعبد". الثانية (١): الذكورة، فيجوز بلوغ الأنثى مرتبة الاجتهاد كما وقع في عائشة ﵂، وهو مراده بقوله: "والأنثى". الثالثة: العدالة، فيجوز أن يكون المجتهد غير عدل لإمكان بلوغ الفاسق مرتبة الاجتهاد فيعمل هو باجتهاد نفسه ولا يجوز لغيره العمل بفتواه، كما يأتي للمؤلف في قوله: "وليس في فتواه مفت" (٢) إلخ. والتشبيه في قوله: "كالعبد" على قوله: "ليس الاجتهاد. . . ينحظِل" في البيت قبله، أي لا ينحظل الاجتهاد من الجاهل بعلم الفروع والكلام كما لا ينحظل من العبد والأنثى، و"ينتخب" أي يختار. ٩٢٩ - هذا هو المطلقُ والمقيَّدُ ... مُنْسَفِلَ الرُّتبةِ عنه يُوجَد يعني أن هذا المجتهد الذي تقدم ذكر شروطه هو المجتهد المطلق، وهو الناظر في أدلة الشرع من غير التزام مذهبِ أحدٍ كالأئمة الأربعة وأمثالهم. وقوله: "والمقيد. . . " إلخ، يعني أن المجتهد المُقَيَّد مُنْسَفِل
следующие страницы →