← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 283

نثر الورود شرح مراقي السعود

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (730 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

من النقل أي الشرع، فإن صرف عنه عَمِل بذلك الصارف سواء كان نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا وهو المراد بـ "النقول" جمع نقل. ٩٢١ - والنحوَ والميزانَ واللُّغَةَ معْ ... علِمِ الأصول وبلاغةً جمع يعني أنه يشترط في المجتهد أن يكون عارفًا بالنحو الشامل للتصريف، وعارفًا بالميزان الذي هو علم المنطق أي عالمًا بالمحتاج إليه منه، كشرائط الحدود والرسوم وشرائط البراهين، وعارفًا باللغة عربيةً كانت أو شرعيةً أو عُرفيةً، وعارفًا بعلم الأصول، وعلم البلاغة من معانٍ وبين. فإن قيل: كيف تُشترط معرفة علم الأصول مع أن جمهور المجتهدين كانوا متبحِّرين في الاجتهاد في وقتٍ لم يُدوَّن فيه علم الأصول أصلًا؟ فالجواب: أن قواعد علم الأصول كانت مركوزة في جِبِلّاتهم معلومة عندهم وإن لم تدون كعلم النحو والتصريف. كما عن التّصريف والإعراب ... تُغني الطباعُ ألسُن الأَعْراب ٩٢٢ - وموضِعَ الأحكام دُون شرطِ ... حِفْظِ المتونِ عند أهلِ الضَّبْطِ يعني أنه يُشترط في المجتهد أن يكون عارفًا بمواضع الأحكام من المُصْحَف والأحاديث ، ولا يُشترط حفظ المتون أي ألفاظ تلك الآيات والأحاديث عند أهل الضبط أي الإتقان وهم أهل الفن، وإن كان حفْظُها أحسن وأكمل، وما زَعَمه البعض من أن آيات الأحكام محصورة في خمسمائة غير صحيح (١).

стр. 667

٩٢٣ - ذو رتبةٍ وُسْطي في كلِّ ما غَبَرْ ... . . . . . . . . . . . يعني أنه يشترط في المجتهد أن يبلغ الرتبة الوسطى في كل ما غَبَر أي مضى ذكره من العلوم، فلا يكفيه مطلق المشاركة ولا يحتاج إلى التبحر فيها، وقيل: يشترط التبحر فيما يختلف بسببه المعنى ويكفي التوسط فيما سواه، ويجب في معرفة اللغة الزيادة على التوسط حتى لا يخفى عليه المستعمل في الكلام في غالب الأوقات، فلا تشترط معرفة الغريب الوحشي. . . . . . . . . . . . ... وعلمُ الإجماعاتِ مما يُعتَبَرُ يعني أن معرفة مواضع الإجماع شَرْط في إيقاع الاجتهاد كي لا يخرقه، وليست شرطًا في بلوغ المجتهد رتبة الاجتهاد، وكذا يُشترط في إيقاع الاجتهاد معرفة مواضع الخلاف خوفَ إحداث قولٍ ثالث أو تفصيلٍ كما تقدم في الإجماع (١). ٩٢٤ - كشرطِ الآحادِ وما تواتَرا ... . . . . . . . . . . . يعني أنه يشترط في إيقاع الاجتهاد أيضًا كونه عارفًا بشروط الخبر المتواتر وخبر الآحاد المتقدمة في كتاب السنة، وإنما اشترط ذلك ليقدم المتواتر على خبر الآحاد عند التعارض، وإذا لم يكن عارفًا لذلك فقد يعكس الأمر. . . . . . . . . . . . ... وما صحيحًا أو ضعيفًا قد جَرى

стр. 668

يعني أنه يشترط في إيقاع الاجتهاد أيضًا كونه عارفًا بالشروط التي يكون بها الحديث صحيحًا أو ضعيفًا، والحسن داخل في الصحيح هنا كما هي عادة الأقدمين، وإنما اشْتُرِط هنا ليقدِّم الصحيح على الضعيف، لأنه إن لم يعلم ذلك قد يعكس الأمْرَ، ولأن العمل بالضعيف قد لا يجوز. وقوله: "ما" موصول، وجملة "قد جرى" صلته، و"صحيحًا" حال من فاعل "جرى"، و"ضعيفًا" معطوف عليه. ٩٢٥ - وما عليه أو بهِ النَّسخ وقَعْ ... . . . . . . . . . . . مراده بما وقع عليه النسخ: المنسوخ، وبما وقع به النسخ: الناسخ، يعني أنه يُشترط في إيقاع الاجتهاد أيضًا معرفة المنسوخ من الناسخ ليقدِّم الناسخ على المنسوخ، لأنه إن لم يعلم (١) ذلك قد يعكس الأمر، والمراد أن يعرف أن هذا بعينه ناسخ وهذا بعينه منسوخ لا معرفة حقيقة الناسخ والمنسوخ، لأن ذلك من علم الأصول المتقدم أنه شرط أيضًا. . . . . . . . . . . . ... وسَبَبُ النُّزُولِ شَرْطٌ مَتَّبعْ يعني أن معرفة أسباب النزول في الآيات والأحاديث شَرْط في إيقاع الاجتهاد أيضًا، لأن معرفة ذلك ترشد إلى فهم المراد. وقوله: "متَّبَع" بصيغة اسم المفعول. ٩٢٦ - كحالة الرُّواة والأصحابِ ... . . . . . . . . . . . يعني أنه يُشترط في إيقاع الاجتهاد أيضًا معرفة أحوال رواة الحديث

стр. 669

ومعرفة أحوال الصحابة، فمعرفة أحوال الرواة أي من رَدٍّ وقبولٍ وزيادةٍ في الثقة أو العلم أو الورع، فيعمل برواية المقبول دون غيره، ويُقَدَّم الزائد على غيره، ويكون ردُّ حديثه لكذبٍ أو تهمةٍ به أو فُحْشِ غلطٍ إلخ. ومعرفة أحوال الصحابة أي من فتاوى وأحكام، وزيادة في الفقه والورع، ومن الأكبر والأصغر، فتقدَّم الفتوي لعمومها لأن الحكم قد يُخصُّ، ويقدم الزائد على غيره، وكذا موافق الأعلم (١) منهم يُقَدَّم على موافق غيره ونحو ذلك. . . . . . . . . . . . ... وقلِّدَنْ في ذا على الصواب يعني أن من معرفة الإجماعات إلى معرفة أحوال الصحابة يُكتفى فيه بالتقليد للأئمة في ذلك، فإن لم يوجدوا فالكتب المصنفة في ذلك. ومقابل قوله: "على الصواب" قول الأبياري: لا يكفي التقليد في ذلك لأنه إذا قلَّدَ في شيءٍ مما ذكر كان مقلِّدًا فيما يُبْنى عليه (٢). ٩٢٧ - وليس الاجتهاد ممن قد جَهِل ... عِلْمَ القروعِ والكلامِ يَنْحَظِل يعني أنه يجوز أن يكون المجتهد غير عالم بالفروع، وغير عالم بعلم الكلام، أي لا يشترط في المجتهد معرفة ذلك، لأن الفروع يستنبطها المجتهدون بعد أن فازوا بمنصب الاجتهاد. واشترط الإسفرايينيُّ في المجتهد معرفة الفروع، وصحَّح بعضهم كونها شرطًا في إيقاع الاجتهاد لا شرطا في المجتهد. وقوله: "ينحظل" بمعنى يمتنع خبر "ليس"، وعلم

стр. 670

الكلام هو البحث عن العقائد بالأدلة العقلية. ٩٢٨ - كالعبدِ والأنثى كذا لا يَجِبُ ... عدالةٌ على الذي ينتخَبُ ذَكَر في هذا البيت ثلاث مسائل لا تشترط في المجتهد: الأولى: الحرية، فيجوز أن يكون المجتهد عبدًا، وهو مراده بقوله: "كالعبد". الثانية (١): الذكورة، فيجوز بلوغ الأنثى مرتبة الاجتهاد كما وقع في عائشة ﵂، وهو مراده بقوله: "والأنثى". الثالثة: العدالة، فيجوز أن يكون المجتهد غير عدل لإمكان بلوغ الفاسق مرتبة الاجتهاد فيعمل هو باجتهاد نفسه ولا يجوز لغيره العمل بفتواه، كما يأتي للمؤلف في قوله: "وليس في فتواه مفت" (٢) إلخ. والتشبيه في قوله: "كالعبد" على قوله: "ليس الاجتهاد. . . ينحظِل" في البيت قبله، أي لا ينحظل الاجتهاد من الجاهل بعلم الفروع والكلام كما لا ينحظل من العبد والأنثى، و"ينتخب" أي يختار. ٩٢٩ - هذا هو المطلقُ والمقيَّدُ ... مُنْسَفِلَ الرُّتبةِ عنه يُوجَد يعني أن هذا المجتهد الذي تقدم ذكر شروطه هو المجتهد المطلق، وهو الناظر في أدلة الشرع من غير التزام مذهبِ أحدٍ كالأئمة الأربعة وأمثالهم. وقوله: "والمقيد. . . " إلخ، يعني أن المجتهد المُقَيَّد مُنْسَفِل

стр. 671

الرتبة عن المطلق لأن المطلق إمامُه وقدوتُه. والمجتهد المُقَيَّد قسمان: مجتهد المذهب، ومجتهد الفتيا، وهو المعروف بمجتهد الترجيح، وعرَّف المؤلف المجتهد المقيد من حيث هو بقوله: ٩٣٠ - ملتزمٌ أصولَ ذاك المطلقِ ... فليسَ يعدوها على المُحَقَّقِ يعني أن المجتهد المقيد هو الملتزم لأصول مذهب معيَّن، فنَظَرُه في نصوصِ إمامِه كنظر المطلق في نصوص الشرع، فالمقيَّد لا يتعدَّى نصوصَ إمامِه إلى غيرها على المشهور، وعاب بعضُ المالكية على اللخْمِيِّ (١) تخريجه على أصول غير إمامه مالك حتى قال فيه ابن غازي: لقد مزَّقت قلبي سهامُ جفونها ... كما مزَّقَ اللَخْمِيُّ مذهب مالك وبدأ المؤلف بتعريف مجتهد المذهب لأنه أعلى رتبة من مجتهد الفتيا بقوله: ٩٣١ - مجتهدُ المذهبِ مَنْ أصولُهُ ... منصوصةً أوْ لا حوى معقولُهُ ٩٣٢ - وشرطُه التخريجُ للأحكامِ ... على نصوصِ ذلك الإمامِ يعني أن مجتهد المذهب هو من حوى عقله -أي حفظه وضبطه- أصولَ إمامه منصوصةً كانت أو مستنبطة، وشرطه المحقق له أن يكون له قُدرة على تخريج الأحكام على نصوص إمامه الملتزم لمذهبه، بأن يقيس

стр. 672

ما سَكَت عنه على ما نصَّ عليه، والأحكام التي تُخَرَّج هي المعروفة في الاصطلاح بالوجوه، فقولهم: فلان من أصحاب الوجوه، يعنون أنه مجتهد مذهب، وقوله: "معقوله" أي عقله، ومفعول "حوى" محذوف أي حواها، و"أصوله" مبتدأ خبره جملة "حوى" والجملة صلة "من". ٩٣٣ - مجتهدُ الفُتْيا الذي يُرَجِّح ... قولًا على قولٍ وذاك أرجحُ هذا تعريف من المؤلِّف لمجتهد الفُتيا بضم الفاء، يعني أن مجتهد الفتيا هو المتبحر في مذهب إمامه المتمكِّن من ترجيح قولٍ على آخر أطلقهما إمامه، أي لم ينص على ترجيح أحدهما، وقوله: "وذاك أرجح" يعني أن مجتهد المذهب أعلى رتبة من مجتهد الفُتيا . ٩٣٤ - لجاهلِ الأصولِ أن يُفتي بما ... نَقَلَ مستوفًى فقط وأمِّما تكلم في هذا البيت على مرتبة رابعة أجنبية من الاجتهاد، فذكر أن الجاهل بالأصول يجوز له أن يفتي بما نُقِل عن العلماء المجتهدين من أهل المذهب إذا كان نقله مستوفى؛ بأن حَفِظ ما فيه من الروايات والأقوال، وعَلِم عامَّها وخاصَّها ومطلقَها ومقيَّدَها ونحو ذلك. وقوله: "فقط" يعني أنه يقتصر على النقل وما في حكمه، كالمندرج تحت قاعدة من قواعد ذلك المذهب أو الذي لا فرق بينه وبين المنصوص في المذهب، وقوله: "وأمِّما" فعل أمر أي اقتدِ به فيما نقله مستوفًى، وقوله: "أن يفتي" المصدر المنسبك من أنْ وصلتها في محل مبتدأ، ونصبَ الفعل بفتحة مقدَّرة على حدِّ قوله:

стр. 673

ما أقْدَرَ اللَّهَ أن يُدني على شَحَطٍ ... من داره الحَزْنُ مِمَّن داره صُول (١) وقوله: "مستوفًى" بصيغة اسم المفعول. ٩٣٥ - يجوزُ الاجتهادُ في فنٍّ فقطْ ... أو في قضيةٍ وبَعضٌ قد رَبَطْ يعني أن الصحيحَ الذي عليه الأكثر جوازُ تجزُّؤ الاجتهاد بأنواعه الثلاثة في فنٍّ دون غيره من الفنون كالبيع دون النكاح أو عكسه، وكذا في مسألةٍ بأن يبلغ رتبةَ الاجتهاد في قضية معينة دون غيرها، وقد يتجزَّأ الاجتهادُ لصاحب المرتبة الرابعة المذكور في قوله: "لجاهل الأصول" إلخ، فلا مانع من بلوغ مرتبة الاجتهاد في بعض الأبواب أو بعض المسائل، وقيل: لا يجوز ذلك لأن العلوم والمسائل بعضها مرتبط ببعض، فيحتمل أن يكون فيما لم يبلغ رتبة الاجتهاد فيه معارض لما بلغها فيه، وهذا مراده بقوله: "وبعضٌ قد ربط". ٩٣٦ - والخُلْفَ في جواز الاجتهاد أوْ ... وقوعِهِ من النبيِّ قد رَوَوْا يعني أن متأخِّري (٢) الأصوليين نقلوا عن مقدَّميهم الخلافَ في جواز اجتهاد النبي ﷺ فيما لا نصَّ فيه، وفي وقوعه، على القول بجوازه؛ فأكثر الأصوليين على جوازه. ومنَعَه بعضُ الشافعية والجُبَّائيُّ، وعللوا المنعَ بقدرته على اليقين بالتلقِّي من الوحي، بأنْ ينتظره، والقادر على اليقين لا يجوز له الاجتهاد، ورُدَّ تعليلُهم هذا بأن إنزال الوحي ليس في

стр. 674

قدرته، وبأنَّ الصواب أن اجتهادَه لا يُخطئ فهو كاليقين. وأجاز بعضُهم اجتهاده في الآراء والحروب دون غيرها جمعًا بين الأدلة. وعلى القول بجواز اجتهاده ﷺ ففي وقوعه مذاهب: الأول: وقوعه، وهو مُختار (١) الآمدي (٢) وابن الحاجب (٣) والسبكي (٤)، واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران/ ١٥٩]، وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة/ ٤٣]. وقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال/ ٦٧]، وقوله ﷺ : "إلا الإذْخِر" (٥) لمَّا قالها العباس. وقوله لمَّا جاءَه شِعْرُ قُتَيْلة بنت الحارث في مقتل النضر: "لو بلغني شعرُها قبل أن أقتله لعفوتُ عنه" (٦).

стр. 675

وقال قوم: لم يقع منه اجتهاد، مستدلين بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم]، وقال بعضهم بالوقف وصححه الغزالي (١)، كما أنهم قالوا بالوقف (٢) في أصل الجواز وعزاه المؤلف في "الشرح" (٣) لأكثر المحققين. وقوله: "والخُلْف" مفعول مقدم، وواو الفاعل في "رووا" عائد لأهل الأصول. ٩٣٧ - وواجبُ العصمةِ يمنع الجَنَفْ ... وصَحَّحَ الوقوعَ عصرَة السلف يعني أن كون النبي ﷺ تجب له العصمة يمنع اجتهاده من "الجَنَف" يعني الميل، فعلى القول بأنه ﷺ يجتهد فاجتهاده لا يخطئ لمكان عصمته، ونقل الآمديُّ (٤) جوازَ خطأ اجتهاده عن قومٍ إلا أنهم قالوا: لا يُقَرُّ على ذلك بل ينبَّه سريعًا، والتحقيق قوله الجمهور. وقوله: "وصحَّح الوقوعَ. . " إلخ، يعني أن السلف من الأصوليين قالوا: إن الصحيح جواز اجتهاد غير النبي ﷺ ووقوع الاجتهاد منه في

стр. 676

عصر النبي ﷺ ، وقيل: لا يجوز الاجتهاد لأحد في عصر النبيِّ ﷺ لأنه عصر الوحي، وقيل: لا يجوز للحاضر في قُطْر النبي ﷺ بخلاف غيره. ودليلُ وقوع الاجتهاد من غيره ﷺ في عصره ﷺ : حكمُ سعد بن معاذ في بني قريظة بأن تُقْتَل مقاتِلَتُهم وتُسْبَي ذَرارِيْهِم، وقال ﷺ : "لقد حكمتَ فيهم بما حَكَم تعالى به" (١). وقول أبي بكر يوم حُنين: "لاها اللَّه إذا. . . " الحديث، مع قوله ﷺ : "صدق" (٢). وأمثال هذا كثيرة جدًّا يفيد مجموعها التواتر المعنوي. وقوله: "عصره" منصوب على الظرفية. ٩٣٨ - ووحِّد المُصيب في العقلِيِّ ... ومالِكٌ رآه في الفَرْعِيّ يعني أن المصيب من المختلفين في العقليات واحد ، والمراد عنده بالعقليات: ما لا يتوقف على السمع كوجود اللَّه وصفاته التي يتوقف عليها وجود الخلق (٣)، وكحدوث العالم، وذلك الواحد المصيب هو من

стр. 677

صادف الحق، ومعنى كونه واحدًا: أنهم لا يصيبون جميعًا بل إما أن يخطئوا كلهم أو يصيب منهم واحد فقط، فمن أداه اجتهاده مثلًا إلى أن العالم قديمٌ لا أول لوجوده كالفلاسفة فهو غيرُ مصيب. وقوله: "ومالك" إلخ يعني أن الإمام مالكًا ﵀ ذهب إلى أن المصيب من المجتهدين المختلفين في الفرعيات واحد أيضًا، والمراد بالفرعيات: مسائل الفقه التي لا قاطع فيها، وكون المصيب فيها واحدًا هو الأصح من مذهب مالك هو مذهب الجمهور محتجِّين بأنه تعالى شرَعَ الشرائع لجلب المصالح ودرء المفاسد، ووجود المصلحة أو درء المفسدة في النقيضين محال؛ فيتعيَّن اتحاد الحكم فيكون المصيب واحدًا. وقوله: "ووحِّدِ" فعل أمر مفعولُه المصيب. ٩٣٩ - فالحُكْم في مَذْهَبِه معيَّنُ ... له على الصحيح ما يبيِّنُ يعني أن حكم اللَّه تعالى في الواقعة في مذهب مالك مُعَينٌ قبل حصول الاجتهاد فيها لكنه غيرُ معلوم لنا، فمن أصاب ذلك الحكم المعيَّن فهو المصيب ومن أخطأه فهو المخطئ. ولابد -على الصحيح- أن يكون لذلك الحكم المعيَّن ما يبينه -أي يُظهره- للمجتهد من دليل ظنِّيٍّ أو قطعيٍّ، فإن أخطأ (١) المجتهد لم يأثم، ولم يقل بأنه يأثم إلا بشر المَرِيسي من المعتزلة. ومفهوم قوله: "على الصحيح" أن بعضهم قال: لا دليل على ذلك

стр. 678

الحكم المعيَّن قطعيًّا ولا ظنيًّا، أي ليس بينه وبين شيء ارتباط حتى يدل عليه بل هو كدَفِيْنٍ يُعْثَر عليه، والنصوص أسباب عادية للمصادفة كالمشي إلى محل الدفين، ولا يخفى سقوط هذا القول. والضمير في "مذهبه" عائد إلى "مالك"، و"معيَّن" بصيغة اسم المفعول، و"يبيِّن" بالبناء للفاعل. ٩٤٠ - مخطِئه وإن عليه انحَتَما ... إصابةٌ له الثواب ارْتَسَما يعني أن المجتهد إذا أخطأ ذلك الحكم المعيَّن يثبت له الثواب الذي هو الأجر لبذله الوُسْع في طلبه، وقد نصَّ على هذا النبي ﷺ في قوله: "إذا اجتهد الحاكمُ فأصابَ فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد" (١). وقوله: "وإن عليه انحتما إصابة" يعني أن الأجرَ ثابتٌ للمجتهد المخطئ ولو على القول القائل بأنه تجب عليه إصابة الحكم المعيَّن لإمكانها بالدليل المشار إليه بقوله: "له على الصحيح ما يبيِّن"، وأحرى في ثبوت الأجر له إذا مشينا على القول بأن المجتهد لا تجب عليه إصابة الحكم لغموضه. فإن قيل: لِمَ كان المجتهد المخطئ في الفروع لا يأثم والمجتهد المخطئ في العقليات يأثم (٢)؟

стр. 679

فالجواب: ما ذكره القرافي من أن المخطئ في الفروع لم يُضِفْ إلى اللَّه شيئًا مستحيلًا في حقه بخلاف المخطئ في العقليات. وقول المؤلف: "مخطئه" مبتدأ والضمير عائد إلى "الحكم" وخبر المبتدأ جملة: "له الثواب ارتسما"، و"إصابة" فاعل "انحتم" وضمير "عليه" للمجتهد، و"ارتسم" بالبناء للفاعل بمعنى ثَبَت. ٩٤١ - ومن رأى كلًّا مُصيبًا يعتقدْ ... لأنَه يَتْبعُ ظنَّ المجتهدْ ٩٤٢ - أو ثَمَّ ما لو عُيَّن الحُكْمُ حَكَمْ ... به لدَرْءٍ أوْ لجلبٍ قد أَلمْ ٩٤٣ - لذا يُصَوِّبون في ابتداءِ ... والاجتهادِ دونَ الانتهاءَ ٩٤٤ - والحكم. . . . . ... . . . . . . . . . . . لما ذكر في الأبيات المتقدمة قول المخطِّئة -بتشديد الطاء بصيغة اسم الفاعل- وهم الذين يقولون: المصيب واحد، ذكر في هذه الأبيات قول المصوِّبة -بصيغة اسم الفاعل أيضًا- وهم الذين يقولون: كل مجتهد مصيب. ومعنى الأبيات: أن الأشعري والباقلاني من المصوبة قالوا: إن كل مجتهد في المسألة التي لا قاطع فيها مصيب ولم يزيدوا على ذلك، وهذا مراده بالبيت الأول. وقال من المصوبة أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وابن سُرَيج من الشافعية زيادة على ما قاله الأولان: إن في المسألة شيئًا لو حكم اللَّه فيها على التعيين لحكم به، لأن فيه من جَلْب المصلحة أو درء المفسدة ما ليس في غيره، لكنَّ اللَّه لمَّا لم يحكم فيها بمعين كان حكمه فيها ما يظنه المجتهد، وإيضاح قولهم: أنه ما من مسألة إلا ولها مناسبة خاصة ببعض

стр. 680

الأحكام بعينه، بحيث لو حكم اللَّه فيها على التعيين لكان حكمه بذلك البعض بعينه لكونه راجحًا في درء المفسدة أو جلب المصلحة، وهذا القول حكمٌ بالفرض والتقدير لا بالتحقيق. ونظيره ما جاء أن النبي ﷺ قال لعمر: "لو كان بعدي نبيٌّ لكنتَ" (١). فحاصل هذه المسألة أن الأشعري والباقلاني قالا بمجرَّد تبعية الحكم لظن المجتهد من غير أن يكون هناك ما لو حكم اللَّه لكان به، وصاحبا أبي حنيفة وابن سريج زادوا على التبعية لظن المجتهد أن هناك ما لو حكم اللَّه لكان به، وهذا مراده بقوله: "أو ثمَّ ما لو عين الحكم حكم". والقائلون بهذه الزيادة يقولون: إنْ لم يصادف ذلك الشيء الذي لو حكم اللَّه بالتعيين لحكم به أصاب ابتداءً لا انتهاءً، وبعبارة أخرى: أصاب اجتهادًا لا حكمًا، فهو مخطئ حكمًا وانتهاءً، وإنما أصاب عندهم اجتهادًا لأن اللّازم في الاجتهاد بذل الوُسع لأنه غاية المقدور، وقد فعله، وإنما خطؤه في الحكم لأنه لم يصادف الشيءَ الذي لو حكم اللَّه لكان. ومعنى قولهم: أصاب ابتداءً، أنه بذل وُسْعه على الوجه المعتبر عنده. وقالوا: أخطأ انتهاءً، لأن اجتهاده لم يؤدِّه إلى ما لو حكم اللَّه لكان به. واعلم أن الخطأ في الحكم عند هؤلاء الثلاثة غيرُ الخطأ فيه عند الجمهور، لأن الخطأ عند الثلاثة عدم مصادفة ما لو حكم اللَّه لكان به وإن

стр. 681

لم يحكم به، فجُعِل مخطئًا لعدم مصادفة ماله المناسبة الخاصة وإن لم يحكم به. ومعنى الخطأ عند الجمهور: عدم مصادفة ما لو حَكَم اللَّه به بعينه في نفس الأمر. فالحاصل أن عند الجمهور حكمًا معينًا قبل الاجتهاد، وعند الثلاثة ما لو حكم اللَّه لكان به ولا حكم معينًا قبل الاجتهاد. وواو الفاعل في قوله: "يصوِّبون" عائدة إلى الثلاثة المذكورين، والتصويب في الابتداء، والاجتهاد والتخطئة في الانتهاء والحكم عبارتان معناهما واحد كما تبيَّن. . . . . . . . وهو واحدٌ متى عُقِلْ ... في الفرعِ قاطعٌ ولكنْ قد جُهِلْ يعني أن المصيب واحد في المسألة الفرعية التي لها دليل قاطع من نصٍّ أو إجماع واخْتَلَفَ فيها المجتهدون لعدم علمهم بذلك القاطع، والمصيب في ذلك هو من وافق ذلك القاطع، وقيل: تُبْني (١) المسألة على الخلاف المتقدم، هل كل مجتهد مصيب أو (٢) المصيب واحدٌ لا بعينه؟ والدليل لا يكون قاطعًا إلَّا إذا كان قطعي المتن والدِّلالة بأن يكون صريحًا متواترًا. وقوله: "عُقِل" و"جُهِل" بالبناء للمفعول، ومعنى جُهِل: أن المجتهدين المختلفين جهلوا ذلك الدليل القاطع في المسألة، وضمير "وهو" عائد إلى "المصيب". ٩٤٥ - وهو آثمٌ متى ما قَصَّرا ... في نظرٍ وَفْقًا لدى منْ قد دَرَى

стр. 682

يعني أن المجتهد متى قصَّر في نظره في مسألة أَثِمَ "وفقًا" أي اتفاقًا بتركه الواجب من بذل الوُسْع، وعبَّر المؤلف بقوله: "في نظر" بدل تعبير غيره بقوله: "في اجتهاد" لأن النظر المقصِّر فيه ليْسَ اجتهادًا؛ لأن الاجتهاد استفراغ الوُسع، ولا استفراغ مع التقصير، ومراده بمن دَرَى علماء الأصول. ٩٤٦ - والحكمُ من مجتهدٍ كيفَ وَقَعْ ... دون شذوذٍ نقضُه قَدِ امتنَعْ يعني أن حكمَ المجتهد لا يُنْقَض لأنه يرفع الخلاف، سواء كان مجتهدًا مطلقًا أو مجتهدَ مذهب أو فُتيا، وذلك هو مراده بقوله: "كيف وقع" أي كيف كان المجتهد من الأقسام الثلاثة. ولو ظهر أن غيره أصوب فلا ينقض حَسْمًا لمادة التَّسَلْسُلِ في النقض، وذكر خليل في "المختصر" (١) أن القاضي ينقض حكم نفسه إن ظهر أن غيره أصوب. ومحلُّ عدم نقضه في المستثنيات الآتية في قوله: "إلَّا إذا النصَّ. . " إلخ، فإن لم يظهر أن غيره أصوب لم ينقض إجماعًا، ومفهوم قوله: "مجتهد" سيأتي في قوله: "أو بغير المعتلي"، ومفهوم قوله: "دون شذوذ" أنه إذا حكم بشاذٍّ جدًّا وصار إليه من غير ترجيح يجوز نقض حكمه. ٩٤٧ - إلَّا إذا النصَّ أو الإجماعَ أوْ ... قاعدةً خالفَ فيما قد رأَوْا يعني أن محلَّ ما ذكر في البيت قبل هذا من منع نقض حكم المجتهد محلُّه ما لم يخالف نصًّا أو إجماعًا أو قاعدة، فإن خالف واحدًا منها نُقض

стр. 683

فينقضه هو وغيرُه. مثال مخالفة الكتاب: ما لو حَكَم بأن بعض الورثة المذكورين في القرآن لا يرث. ومثال مخالفة السنة: ما لو حَكَم بفساد السَّلَم في الحيوانات (١). ومثال مخالفة الإجماع: ما لو حكم بأن الأخ يحجب الجدَّ في الميراث (٢). ومثال مخالفة القاعدة: (٣) ما لو حَكَم بتقرير النكاح في المسألة المعروفة بالسُّرَيْجيَّة -منسوبة إلى ابن سُريج من الشافعيَّة القائل بها- وهي: أن من قال لزوجته: إن طلقتكِ فأنتِ طالق قبلَه ثلاثًا ثم طلقها، لا يلزم؛ لأن الثلاث المعلقة على الطلاق يقدر مجيئها، فتكون الطلقة المعلَّق عليها رابعة فتَرْتَفِع الثلاث قبلها لعدم وجود ما عُلِّقت عليه. ووجه مخالفة هذا للقواعد أنه يؤدي إلى وجود المشروط في وقت ينعدم فيه الشرط، والقاعدة: أن المشروط لا يوجد إلَّا عند وجود الشرط فيوجدان في وقت واحد ضرورة. وقول المؤلف: "النصَّ" مفعول "خالفَ" مقدَّم عليه وما بعده معطوف عليه، وتقريره: إلَّا إذا خالف النصَّ أو الإجماع أو القواعد،

стр. 684

وضمير "رأوا" لأهل الأصول. ٩٤٨ - أو اجتهادَه أو القَيْسَ الجلي ... على الأصح. . . . . يعني أن حكم المجتهد يُنْقَض أيضًا إذا ظهر أنه خرج فيه عن رأيه وما يؤدِّي إليه اجتهاده بأنه قلَّدَ غيره وترك اجتهادَ نفسِه، سواء كان تقليده للغير بالتزامٍ أو بدونه، فقوله: "أو اجتهاده" معطوف على ما قبله أي أو خالف اجتهاده فإن حكمه يُنْقَض، ولكن في هذه المسألة ينقضه هو فقط لا غيره. وقوله: "أو القيس الجليّ" يعني أن حكمَ المجتهد يُنْقَض مطلقًا إذا خالف القياس الجليّ، وهو الذي لا شك في صحته، ومثاله: ما لو حكم بشهادة الكافر، فإن اللَّه تعالى قال في الفاسق: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور/ ٤]، فيقضي القياسُ الجليُّ ردَّ شهادة الكافر قياسًا أحْرَويًّا على الفاسق. وقوله: "على الأصح" راجع لجميع المسائل التي ذكر أنه ينقض فيها حكم المجتهد في قوله: "إلَّا إذا النصَّ" إلخ، ومقابل الأصح قول ابن عبد الحكم: أنه لا يُنقض ولو خالف نَصًّا أو إجماعًا (١) إلخ. . . . . . . . . . . . ... . . . . أو بغير المُعْتلي ٩٤٩ - حَكَمَ في مذهبه وإن وَصَلْ ... لرتبةِ الترجيحِ فالنقضُ انحظَلْ يعني أن حكمَ المقلِّدِ باسم الفاعل "بغير المعتلي" أي المشهور من مذهبه يُنقض لأنه لا يعدل عن المشهور إلَّا لغرض فاسد، ومحلُّ هذا فيما

стр. 685

إذا لم يبلغ رتبة مجتهد الترجيح، فإن بَلَغها فلا يُنقض حكمُه بغير المشهور لأنه هو يرجِّحه باجتهاده. وقال الطرطوشي: لا يلزم المقلِّدُ لمذهب تقليد ذلك المذهب في الحكم والفتوى، وهو قريب من قول اللَّخميّ بالتخريج على غير أصول إمامه كما تقدم (١). ٩٥٠ - وقدِّم الضعيفَ إن جرى عَمَلْ ... به لأجلِ سَبَب قد اتَّصَلْ يعني أن الضعيف إذا جرى به العمل يُقَدَّم على المشهور ولكنَّ لذلك شروط، منها: أن يكون السبب الذي عُدِل عن المشهور من أجله متصلًا بنا أي موجودًا، وبشرط (٢) أن يكون العمل موافقًا لقولٍ، وأن يثبت العمل بالبينة، وأن يكون مُجْريه الأولُ أهلًا للترجيح، ذَكَر هذه الشروط صاحبُ "نور البصر" (٣). فالمتأخرون من أهل المذهب لهم تصحيحات وترجيحات لبعض الروايات والأقوال عدلوا فيها عن المشهور لجلب المصلحة أو دَرْءِ المفسدة وجرى بها عمل الحكَّام والمفتين، ومن ذلك أن علماءَ فاس لما رأوا كثرة كذب النساء في دعوى انقضاء العدة صاروا لا يقبلون من المرأة دعوى انقضائها في أقلِّ من ثلاثة أشهر، مع أن القول بعدم تصديقها

стр. 686

ضعيفٌ جدًّا (١). ٩٥١ - وهل يقيسُ ذو الأصول إن عُدِمْ ... نصُّ إمامِه الذي له لزِمْ ٩٥٢ - مع التزامِ ما لَهُ أو مطلقا ... وبعضهم بنصِّه تعلَّقا يعني أن المقلِّد العارف بعلم الأصول إذا عدم نصَّ إمامه في مسألة، اختَلَف فيه المالكية على ثلاثة أقوال: الأول: أنه يجوز له القياس مع التزام ما لإمامه من الأصول فلا يقيس المالكي على أصول الشافعي مثلًا إذا خالفت أصول مالك، وهذا قول ابن رشد والمازري والتونُسي (٢) وأكثر المالكية. الثاني: يجوز القياسُ مطلقًا ولو على غير أصول مذهبه مع وجود أصول مذهبه، وهذا قول اللّخميّ وفعله كما تقدم (٣). الثالث: أنه يلزمه التعلق بنصوص إمامه فلا يفتي ولا يحكم إلَّا بشيءٍ سمعه منه، وهو نصُّ ابن العربيّ، وظاهرُ كلام الباجيّ، فإن لم يجد نصًّا ولا أصلًا في مذهبه وجبَ عليه اتباع نصِّ غيرِ إمامه، ثم أصل غير إمامه، إذ لا يجوز له الخروج على الأدلة. فتحصَّل أن الأول نصّ إمامه، ثم أصل إمامه، ثم نصّ غير إمامه، ثم أصل غير إمامه.

стр. 687

واختلف المالكية في المالكي الذي لم يجد نصًّا في مذهبه في المسألة ووجدها منصوصة للشافعيّ وأبي حنيفة معًا أيهما يقدَّم؟ فقيل: الشافعي لأنه تلميذ مالك، وقيل: أبو حنيفة لأنه أقل خلافًا مع مالك (١). ٩٥٣ - ولم يُضَمَّن ذو اجْتهادٍ ضَيَّعا ... إن يكُ لا لِقاطعٍ قد رَجَعا يعني أن المجتهد إذا أتلف شيئًا بفتواه أوْ حكمه ثم رجع عن ذلك، لا ضمان عليه لأنه بذل وُسْعه الواجب عليه، إلَّا إذا كان رجوعه لدليل قاطع في المسألة من نصَّ قرآن، أو سنة متواترة، أو إجماع فإنه يضمن، لأن حكمه أو فتواه بخلاف القاطع دليل على تقصيره في النظر. ذكر هذه المسألة الحطاب (٢) عند قول خليل: "مبينًا لِمَا به الفتوى" (٣).

стр. 688

٩٥٤ - إلَّا فهَلْ يضمَنُ أو لا يضمَنُ ... إن لم يَكُن منه تَولٍ بَيِّنُ يعني أن المتلِف شيئًا بفتواه أو حكمه إن لم يكن مجتهدًا بأن كان مقلِّدًا ولم يتولَّ التنفيذَ بنفسه اختلف في ضمانه، فقيل: يضمنه، وهو قول المازري لأنه أتلفه بغير حق، وإن لم يتقدم له اشتغالٌ بالعلم أُدِّبَ أيضًا، وقيل: لا يضمن لأنه غرور بالقول وهو قول ابن رشد، فإن تولى التنفيذ بنفسه ضمن بلا خلاف، فقول المؤلف: "إلَّا" أي إلَّا يكن الحاكم المتلف مجتهدًا، وهذا في غير المنتصب لدليل قوله: ٩٥٥ - وإن يكنْ منتصِبًا فالنظَرُ ... ذاك وِفاقا عِنْدَ من يُحَرِّرُ يعني أن غير المجتهد إذا كان منتصبًا للقضاء أو الفتوى وأتلف شيئًا بواحد منهما ثم رجع، فالذي يقتضيه النظر ذاك -يعني التضمين- "وفاقًا عند من يحرِّرُ" أي يحقق المسائل، يعني به الحطاب شارحِ خليل (١) فإنه نصَّ على ذلك عند قول خليل: "مبينًا لما به الفتوى" وإنما ضمِن المنتصب لأنه يَحكم بفتواه ويُنفذ حكمه فهو كالشاهد يرجع عن (٢) شهادته.

стр. 689

فصل التقليد في الفُروع لما فرغ المؤلف من الكلام على الاجتهاد أتبعه بالكلام على التقليد لأنه مقابله، والتقليد لغةً: جَعْل القلادة في العنق، فكأنَّ المجتهد جعل الفتوى في عنق السَّائل، أو أن السَّائل جعل الأمرَ في عنقِ المسؤول، وهذا الأخير معروف في كلام العرب، ومنه قول لقيط الأيادي (١): وقلِّدوا أمرَكم للَّه درُّكم ... رحبَ الذراع بأمرِ الحربِ مطَّلِعا ٩٥٦ - هو التزام مذهب الغير بلا ... علمِ دليله الذي تأصَّلا يعني أن التقليد في عُرف الأصوليين هو التزام الأخذ بمذهب الغير من غير معرفة دليله الخاصِّ، وهو مراده بـ "الذي تأصَّلا" أي صار أصلًا ومستندًا سواء عمل بمذهب ذلك الغير الذي التزم مذهبه أو لم يعمل به لفسقه أو غير ذلك، وسواء كان المذهب قولًا أو فعلًا. أما الأخذ بالنصوص وشهادة البينة فليس شيء من ذلك تقليدًا. ٩٥٧ - يلزمُ غيرَ ذي اجتهادٍ مطلقِ ... وإن مقيَّدًا إذا لم يُطِقِ يعني أن التقليد يلزم من ليس مجتهدًا مطلقًا وإن كان مجتهدَ مذهبٍ

стр. 690

أو فُتيا، إذا عَجَز المجتهد المقيَّد عن الاجتهاد في تلك المسألة، بناءً على الراجح من جواز تَجزُّؤ الاجتهاد، فيقَلَّد في المسائل التي لم يبلغ فيها رتبة الاجتهاد، ويجتهد فيما بلغها فيها، وقيل: لا يقلِّد العالمُ وإن لم يكن مجتهدًا؛ لأن له صلاحية أخذ الحكم من الدليل بخلاف العامِّيّ. وفاعل "يلزم" ضمير التقليد، و"مطلق" باسم المفعول نعت لـ "ذي اجتهاد" و"مقيدًا" باسم المفعول، ومفعول "يُطِقِ" محذوف أي لم يُطق استخراج المسألة بالاجتهاد. ٩٥٨ - وهو للمجتهدين مُمْتَنِعْ ... لنظرٍ قد رُزِقوه مُتَّسِعْ يعني أن التقليد لا يجوز في الفروع لمن بلغَ رتبةَ الاجتهاد ؛ لأجل ما رزقه اللَّه من النظر المتسع لمعرفة الأحكام بالصلاحية، فإن حَصَل للمجتهد ظن الحكم باجتهاده بالفعل حَرُمَ عليه التقليد إجماعًا قاله المؤلف في "الشرح" (١). وأما إن لم يحصل له ظن بالفعل مع صلاحيته لذلك لاتصافه بصفات المجتهد = حَرُمَ عليه التقليدُ أيضًا عند مالك والأكثر، لتمكنه من الاجتهاد الذي هو أصل التقليد. وقيل: يجوز تقليد المجتهد غيره فيما لم يعلمه بالفعل، وهو مرويٌّ عن أحمد (٢). وقيل: يجوز للقاضي لحاجته إلى فصل الخصوم

стр. 691

المطلوب تعجيله بخلاف غير القاضي، وقيل: يجوز للمجتهد أن يقلِّد من هو أعلم منه دون المساوي والأَدْوَن، ويُرْوَى عن محمد بن الحسن. وقيل: يجوز له التقليد في خاصية نفسه دون ما يفتي به غيرَه. وقيل: يجوز عند ضيق الوقت لما يسأل عنه كالصلاة بخلاف ما لا ضيق في وقته، وهو مروي عن ابن سُريج. وقال صاحب "الضياء اللَّامع" (١): إن تقليده عند ضيق الوقت لا ينبغي أن يُخْتَلف في جوازه (٢). وقوله: "مُتَّسِع" بكسر السين. ٩٥٩ - وليسَ في فتواه مُفتٍ يُتَّبَعْ ... إن لم يُضِف للدِّين والعِلم الورَعْ يعني أن المفتي يحرم العمل بفتواه إذا لم تجتمع فيه ثلاث خصال وهي: الدين، والعلم، والورع. إذ لا ثقةَ بمن عدمت فيه واحدة منها، ويعرف حصولها بالإخبار عَنْه بذلك من الثقات، وبانتصابه واشتهاره في الفتوى والناس راضون بذلك. ومعنى اتصافه بالعلم: كونه مجتهدًا مطلقًا أو مقيدًا، أما غيرُ المجتهد فقد تقدم أن فتواه نَقلٌ، وقد قدَّمْنا شروطَها عند قول المؤلف: "لجاهل الأصول. . " (٣) إلخ. ومعنى اتصافه بالدين: امتثاله للأوامر واجتنابه للنواهي. ومعنى اتصافه بالورع: تركه الشبهات وبعض المباحات خوفًا من الوقوع فيما لا ينبغي، ومن الورع الخروج من الخلاف فيما اختلَفَ فيه العلماء، ونَظَم ذلك من قال: وأن الأَوْرعَ الذي يخرج من ... خلافهم ولو ضعيفًا فاستَبِنْ

стр. 692

وتُشترط في المفتي العدالة وتقدَّم تعريفها في شرح قوله: "عدل الرواية" (١) إلخ. ٩٦٠ - من لم يكُنْ بالعلم والعدلِ اشتَهرْ ... أو حَصَل القطعُ فالاستفتا انحَظَرْ يعني أن من لم يشتهر بالعلم والدين الورع ولم يحصل لمن أراد أن يستفتيه قطعٌ بذلك، أي أو ظنٌّ، فإنه لا يجوز له أن يستفتيه، ولو استفتاه ما جاز له العمل بفتواه كما تقدم في البيت قبل هذا. وقال بعضُ العلماء: لا يَكتفي بمجرَّد الاشتهار بل لابد من البحث عن علمه ودينه وورعه. وقال المؤلف في "الشرح" (٢): إنه الأصح، والأصحُّ أيضًا الاكتفاء بظاهر العدالة. وقيل: لابد من البحث عنها، كما أن الأصح هو الاكتفاء بخبر الواحد العدل عن علمه وعدالته. وقيل: لابد من الاثنين، فإن عُلِم علمه وجُهِلت عدالته ففي جواز استفتائه احتمالان وهما وجهان للشافعية، وعلى القول بالجواز فوَجْه الفرق بين العدالة والعلم: أن الناس كلَّهم عوام إلَّا القليل، والعلماء كلهم عدول إلَّا القليل. و هل يجوز الإفتاء في الخصومات التي شأنها الرفع إلى القاضي ؟ قيل: لا يجوز وهو الذي مشى عليه خليل في "المختصر" (٣) حيث قال: "ولم يُفْتِ في خصومة". وابن عاصم في "التحفة" حيث قال: ومُنِع الإفتاءُ للحكَّام ... في كلِّ ما يَرْجِعُ للخِصامِ

стр. 693

والمنع على القول به مقَيَّد بأمور مذكورة في بعض شروح المختصر (١) ورُوي عن ابن عبد الحكم جوازه وبه جَرَى عمل فاس، قال ناظم "العمل" (٢): وشاع إفتاء القضاة في خصامْ ... مما يُعَدُّ حكمهم له قوامْ ٩٦١ - وواجبٌ تجديدُ ذي الرأي النَّظَرْ ... إذا مماثِلٌ عَرا وما ذَكَرْ ٩٦٢ - للنَّصِّ مِثْل ما إذا تجدَّدا ... مغيَّرٌ إلَّا فَلَن يُجَدِّدا يعني أن "ذا الرأي" الذي هو المجتهد -مطلقًا كان أو مقيدًا- إذا أفتى في حادثة، ثم سُئل بعد ذلك عن تلك الحادثة لوقوعها مرة أخرى يجب عليه تجديد النظر فيها، بشرط أن يكون ناسيًا للدليل الذي اعتمد عليه في الفتوى الأولى، أو يكون غير ناس له ولكنه طرأ عليه ما يغيِّرُ اجتهادَه الأول. وأشار المؤلف للشرط الأول بقوله: "وما ذكر للنصِّ"، وللثاني بقوله: "مثلَ ما إذا تجدَّدَا مغيَّرٌ". وقوله: "إلَّا فلن يجدّدَا" أي إلَّا يكن ناسيًا للديل الأول ولم يتجدد له مغيّرٌ فلن يجدِّد أي لم يلزمه تجديد النظر مرة أخرى، وإنما لزمه التجديد عند نسيان الدليل في الأولى لاحتمال أن يظهر له خطأ في الأول، وأما عند تجدُّد المغيّر فواضح، وإنما لم يلزمه التجديد في حالة عدم نسيان الأول وعدم طُرُوِّ مُغيِّر لعدم وجود ما يقتضي الرجوع لأن حاله الآن

стр. 694

كحاله وقت إفتائه الأول. وقوله: "عرا" بمعنى طرأ، واللَّامُ في "للنصِّ" زائدة، وما ذكر النصَّ. وقوله: "مِثل" بكسر المِيم وهو منصوب على الحال. ٩٦٣ - وهل يكرِّرُ سؤالَ المجتهدْ ... مَنْ عَمَّ إن مُمَاثِلُ الفتْوى يَعُدْ يعني أن العامِّي إذا سأل مجتهدًا، أي وكذا لو سأل مقلِّدًا فأفتاه، ثم تجدد له مثل الحادثة الأولى، فهل عليه أن يكرِّر سؤال المجتهد مرةً أخرى أو له أن يكتفي بالجواب الأول؟ تردَّدَ في ذلك ابنُ القصَّار (١) من المالكية، وحكى ابنُ الصلاح (٢) فيه خلافًا ثم قال: "الأصح لا يلزمه" وجعل إمام الحرمين (٣) الخلافَ فيما إذا كان المُقلَّد -بالفتح- حيًّا، أما لو كانت الفتوى الأولى بتقليد ميت بناءً على جوازه فلا تلزم إعادة السؤال لتيقُّن عدم رجوع (٤) الميت، فإن كانت الفتوى الأولى مستندة لنص أو إجماع فلا تجب إعادة السؤال إجماعًا. واسم الموصول في قوله: "من عمَّ" فاعل "يكرر" ومفعوله "سؤالَ"، و"يَعُدْ" بضم العين من عاد يعود بمعنى رجع. ٩٦٤ - وثانيًا ذا النقْلِ صِرفًا أهْمِلِ ... وخَيِّرنْ لدى استواء السُّبُلِ يعني أن المفتي الذي أجاب أولًا إذا كان صاحب نقلٍ صِرْفٍ أي

стр. 695

خالص من الاجتهاد فلا تجب إعادة سؤاله لعدم احتمال تغيُّر ما عنده، وبهذا تعرف أن قولنا في شرح البيت قبله: "أي وكذا لو سأل مقلِّدًا" نعني به المقلد الذي هو مجتهد مقيَّد المشار إليه بقوله: "وإن مقيدًا إذا لم يُطِق". وقوله: "وخَيِّرن. . " إلخ، يعني أن العالم إذا استفتاه العامِّيُّ وكان في المسألة أقوال مستوية، فإنه يخيِّرُ العامّيَّ في العمل بأي تلك الأقوال شاء، هذا إذا لم يكن فيها تفاوت، وإذا كان فيها تفاوت من جهة فسيأتي في البيت الذي بعد هذا. وقوله: "ذا النقل" مفعول "أهمِل" وهو أمرٌ من الإهمال والترك. و"صرفًا" حال، والظاهر أنه حال من "النقل" لا من "ذا" كما ظنه المؤلف (١)؛ لأن المضاف هنا كجزء من المضاف إليه، أي أَهْمِلْ صاحبَ النقل فلا تسْأله ثانيًا، أي مرة أخرى. ٩٦٥ - وزائدًا في العلم بعضٌ قَدَّما ... وقَدَّمَ الأوْرَعَ كلُّ القُدَما يعني أنه إذا وقع التفاوت في العلم مع الاستواء في الدين والورع، فإنَّ بعض العلماء يوجب الأخذ بقول الأعلمِ؛ ولذا قُدِّم في إمامة الصلاة زائد الفقه، قاله الرازي (٢)، لأنه ينبغي أن يُقدَّم في كل موطن من مواطن الشرع من هو أقوم بمصالح ذلك الموطن. وقال بعض العلماء: يخير بين الأخذ بقول الأعلم وقول العالم؛ لأن كلَّ مذهب طريقٌ إلى الجنة، فعلى القول الأول يُقدَّم ابن رشد على اللخمي لأنه أعلم منه، وعلى الثاني يُخَيَّر

стр. 696

بينهما (١). وقوله: "وقَدَّم الأورعَ" إلخ يعني أنهما إذا استويا في العلم وكان أحدهما أورع من الآخر قَدَّم الأورع، لأن فتياه أبعد من الخطأ لشدة تحفظه، فإن كان أحدهما أرجح في دينه والثاني أرجح في علمه فقيل: يقدم الأدْيَن، وقيل: يقدَّم الأعلم، ورجَّحه القرافيُّ (٢). واعلم أن مراد المؤلف بقوله: "وخَيِّرَنْ لدى استواء السبل"، وقوله: "وزائدًا في العلم. . . " البيت، إنما هو حالة أخذ العاميّ بأحد أقوال مذهبه في مسألة اختلف فيها أصحاب مالك ومن بعدهم مثلًا. ومن قوله: "وجائز تقليد ذي اجتهاد. . " إلى قوله: "وموجب تقليد الأرجح" إنما هو في تقليد غير المجتهد المطلق له، قاله المؤلف في "الشرح" (٣)، وقوله: "زائدًا" مفعول "قدَّم" مُقدَّم عليه. ٩٦٦ - وجائزٌ تقليدُ ذي اجتهادِ ... وهو مفضولٌ بلا استبعادِ يعني أنه يجوز للعامِّي أن يقلِّد المجتهد المفضول في الدين أو العلم مع وجود الفاضل فيهما، وهذا مذهب الجمهور، وصححه الفهري من المالكية ورجحه ابن الحاجب (٤) -منهم أيضًا- لوقوعه في زمن الصحابة وغيرهم منتشرًا من غير نكير. وقيل: لا يجوز تقليد المفضول

стр. 697

مع وجود الفاضل لأنه تقصير في تحرِّي الصواب، وعلة مذهب الجمهور أشار لها المؤلف بقوله: ٩٦٧ - فكلُّ مَذْهب وسيلةَ إلى ... دارِ الحبُور والقصور جُعِلا يعني أن كل "مذهب" من مذاهب المجتهدين "وسيلة" أي طريق يتوصل بها إلى الجنة التي هي "دار الحبور" وهو النعيم، "والقصور" العالية جمع قصر؛ لأن الكل على هدى من ربهم وإن تفاوتوا في العلم والورع. قلت: ومما يدل على أن المجتهدين على هدًى وإن إختلفوا تقريرُ النبي ﷺ كلًّا من (١) الطائفتين المختلفتين في صلاة العصر في قصة بني قريظة، فقوم صلوها وقوم لم يصلوها إلى الشفق، فقرَّر النبي الجميعَ، وصوَّب ما فعله كلٌّ مع أنهم مختلفون (٢)، ومما يدل على ذلك أيضًا أن داود وسليمان من أنبياء سورة الأنعام الذين قال اللَّه لنبينا بعد ذكرهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام/ ٩٠] وثبت في "صحيح البخاري" (٣) أن مجاهدًا سأل ابن عباس: من أين أخذتَ السجدة في ص فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إلى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ فسجدها داود فسجدها رسول اللَّه ﷺ . فإذا عرفتَ ذلك فاعلم أن داود وسليمان اختلفا في حكم الغنم النافشة

стр. 698

في حَرْث القوم وهما مجتهدان قطعًا، إذ لو كان هناك وحي لما اختلفا، وقد صرَّح تعالى بأن سليمان أصاب الصواب بقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء/ ٧٩] فعلم أن داود اجتهد فيها ولم يُصِب بدليل قوله: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء/ ٧٨]، ومع هذا قال تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء/ ٧٩]. وقوله: "وسيلة" بالنصب مفعول ثان لـ "جُعِل" مقدَّم عليه ومفعوله الأول ضمير المذهب، وهو نائب الفاعل المستتر. ٩٦٨ - وموجِبُ تقليدَ الأَرْجَح وَجَبْ ... لدَيْه بحثٌ عن إمامٍ منتخَبْ يعني أن الذين لا يجيزون تقليد المفضول مع وجود الفاضل قالوا: يجب على العامِّيّ البحث عن إمامٍ أي مجتهدٍ منتَخَب -بفتح الخاء- أي راجح في العلم والدين، وعليه فيجب على العامي أو غيره من المقلدين تقديم أروع العالِمَيْن وأعلم الوَرِعَيْن، والأصح تقديم الأعلم على الأورع كما تقدم، وأهل هذا القول منهم: الإمام أحمد، وابن القصَّار من المالكية، والغزالي، وابن سُريج من الشافعية. فإن قيل: من أين للعامي أن يميز الفاضل من المفضول؟ فالجواب: أنه يميزه بسؤال الناس وبقرائن الأحوال، كرجوع العلماء إلى قوله دون غيره، وكثرة المستفتين له دون غيره. ووجه منع تقليد المفضول مع وجود الفاضل: أن أقوال المجتهدين في حق المقلد كالأدلة في حق المجتهد؛ فكما يجب على المجتهد الأخذ بالأرجح من الأدلة = فكذلك يجب على المقلد تقليد الأرجح من العلماء.

стр. 699

والحاصل أن في تقليد المفضول مع وجود الفاضل ثلاثة أقوال: الجواز والمنع وقد عرفت وجْهَ كلٍّ منهما. الثالث -واختاره السبكي (١) -: وهو جوازه إن اعتقد العاميُّ أنه هو الفاضل أو المساوي. والفرق بينه وبين ما قبله أنه على هذا القول يكتفي بمجرد اعتقاده أرجحيته أو مساواته ولا يجب عليه البحث عن ذلك على الأرجح، بخلاف ما قبله فلابد من البحث على الأرجح ولو كان معتقدًا أفضليته، قاله في "الآيات البينات" (٢). ٩٦٩ - إذا سمعتَ فالإمامُ مالكُ ... صحَّ له الشأوُ الذي لا يُدْركُ ٩٧٠ - للأثر الصحيح مع حُسْن النظَرْ ... في كلِ فَنٍّ كالكتابِ الأثرْ أي إذا سمعتَ يا طالب العلم هذا القول بوجوب تقليد الأرجح من المجتهدين = فاعلم أن مالكًا ﵀ ثبت له "الشأو" أي الغاية التي لا يدركها غيره من المجتهدين من التابعين فمن بعدهم من السَّبق في العلم، وقوله: "للأثر الصحيح" يعني للحديث المرفوع الصحيح الذي: هو قوله ﷺ : "يوشك أن يضربَ الناسُ أكبادَ الإبلِ في طلبِ العلمِ ولا يجدون عالمًا أعلمَ من عالمِ المدينة" (٣). مع ما ثبت له ﵀ من حُسن النظر

стр. 700

في كلِّ فنٍّ من الفنون ككتاب اللَّه وأحاديث النبي ﷺ ، وهي مراد المؤلف "بالأثر" كالعربية والأصول والمعرفة بأقوال الصحابة ومسائل الاتفاق والاختلاف. ومما يدل على أن المراد بالحديث الإمام مالك أنه إذا أُطْلِق "عالم المدينة" أو "إمام دار الهجرة" عُلِم أن المراد مالكٌ دون غيره من علماء المدينة (١).

стр. 701

٩٧١ - والخُلْفُ في تقليد من ماتَ وفي ... بيْع طُرُوس الفقه الآن قد نُفِي يعني أنَّ الخلافَ الذي كان واقعًا في تقليد المجتهد الميت وفي بيع كتب الفقه = منفيٌّ الآن أي في هذه الأزمان الأخيرة، لانعقاد الإجماع من جميع المسلمين على ذلك. أما فى تقليد الميت فلعدم وجود المجتهدين (١)، فلو لم يُقَلَّد الميت لتعطَّلَ كثير من الأحكام، وأما في كتب الفقه فلأنها لو لم يوصَل إلى اكتسابها بالبيع لتعطلت الأحكام أيضًا، وانعقاد الإجماع على ما ذكر ظاهر. و"الطروس" جمع طِرْس -بالكسر- وهو الكتاب. ٩٧٢ - ولكَ أن تسأل للتثبُّتِ ... عن مأْخَذِ المسؤول لا التعَنُّتِ

стр. 702

٩٧٣ - ثُمَّ عليه غايةُ البيان ... إن لم يكن عذرٌ بالاكتنان يعني أنه يجوز لك أيها المستفتي سؤالَ العالم عن بيان مأْخَذه أي دليله فيما أفتاك به، بشرط أن يكون السؤال "للتثبت" أي زيادة الثبوت حتى تذعن نفسُه للقبول بسبب إيضاح الدليل، لا إن كان السؤال "للتعنت" أي قصد إظهار عجزه أو خطئه. ثم إنه يجب على العالم المسؤول بيان الدليل للسَّائل لإرشاده، "إن لم يكن" له "عذر بالاكتنان" أي خفاء الدليل على السائل، بأن كان فهمه يَقْصُر عن إداركه عادة فلا يلزمه البيان صونًا لنفسه عن التعب فيما لا فائدة فيه، ويتعذَّرُ له بخفاء المُدْرك، ومحلُّ وجوبِ البيان ما لم يشق مشقة لا يتحمل مثلها عادة. ٩٧٤ - يُنْدَبُ للمفتي اطِّراحُه النظَرْ ... إلى الحطام جاعِلَ الرِّضا الوَطَرْ ٩٧٥ - متصفًا بحليةِ الوقارِ ... محاشيًا مجالسَ الأشرارِ يعني أنه يستحب للمفتي أن يطَّرِح النظر إلى الدنيا فيكتفي بما في يده عما في أيدي الناس، ويجعل وطره أي حاجته بفتياه رضا اللَّه تعالى بهداية الجاهلين، لا حُطامًا يأخذه منهم، ويستحب أن يكون متَّصفًا بالسكينة والوقار، متباعدًا عن مجالس الأشرار أي السفهاء، فإن ألجأته الضرورة إلى مجالستهم فلا بأس مع كفهم عما لا يليق بحضرته. وقوله: "اطراحه" افتعال من الطرح بمعنى الإلغاء والترك وهو مصدر مضاف إلى فاعله، ومفعوله "النظر". و"جاعل" حال من الضمير المضاف إليه الاطراح. و"الوطر" مفعول "جاعل" الثاني، ومفعوله الأول

стр. 703

أضيف له اسم الفاعل، و"متصفًا" و"محاشيًا" حالان من صاحب الحال الأولى بناءً على جواز ترادف الحال، أما على القول بمنعه كما ذهب إليه أبو الحسن بن عصفور ومن وافقه فالأحوال متداخلة، فقوله: "متصفًا" حال من الضمير المستكنّ في "جاعل" و"محاشيًا" حال من الضمير المستكن في قوله: "متصفًا". و"الحطام" أصله ما تحطَّم وتكسَّر من النبات، والمراد به هنا الدنيا. ٩٧٦ - والأرضُ لا عنْ قائمٍ مُجْتهدِ ... تخلو إلى تَزَلْزلِ القواعدِ ٩٧٧ - وهو جائز بحكمِ العقلِ ... مع احتمال كونِهِ بالنقل يعني أنه لم يقع في الأرض خُلُوُّ الزمان عن مجتهد مطلق أو مقيد يقوم للَّه بالحجة على الخلق وينصرُ السنة بأن يُعَلِّمَها ويأمرَ باتباعها ويُنكر البدعة ويحذِّر (١) منها، وممن قال بهذا ولي الدين مستدلًا بحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق. . . " (٢) الحديث، وهذا ما لم تتزلزل القواعد أي أركان الدنيا أي يَخْتلَّ انتظامها بطلوع الشمس من مغربها. ويُحتمل أن يراد بالقواعد قواعُد الدين وأحكام الشرع، وبتزلزلها: تعطلها والإعراض عنها، والأول هو الظاهر، فإن تزلزلت القواعد أي أركان الدنيا أو الدين كما تقدم فإن الزمان يخلو من المجتهد المذكور لحديث: "إن اللَّه لا يقبضُ هذا العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد

стр. 704

ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. . . " (١) الحديث، وقوله ﷺ : "إنَّ بين يدي الساعة أيامًا يُرْفَع فيها العلم وينزل فيها الجهل. . " (٢). وقوله: "قائم" يعني قائم أي بحجة اللَّه على الخلق. وقوله: "وهو جائز" إلخ يعني أن خلو الزمان عن مجتهد قبل تزلزل القواعد جائز عقلًا إذ لا مانع عقلًا منه، ويحتمل أن يكون الجواز شرعيًّا كما عزاه المؤلف لسعد الدين التفتازاني (٣)، ولكن احتمال الجواز الشرعي لا يثبت به حكم شرعي. والذي يظهر وقوعُ الخلو عن المجتهد المذكور في هذه الأزمان الأخيرة (٤). ولا ينافي عدم المجتهد بقاء طائفة ظاهرين على الحق؛ لأن الشريعة دُوِّنت، وبُينت أحكام الكتاب والسنة ومعانيهما، فلا خفاء في الدين ولو على غير المجتهدين من المتعلمين. ٩٧٨ - وإن بقولِ ذي اجتهادٍ قد عَمِلْ ... منْ عمَّ فالرجوعُ عنه مُنْحَظِل يعني أن العاميَّ إذا عمل بقول مجتهد في مسألة لا يجوز له الرجوع عنه إلى قول غيره في مثلها، وحكى المؤلف عليه الاتفاق في "الشرح" (٥).

стр. 705

ووجْهُه: أنه قد التزم ذلك القول بالفراغ من العمل به. ومراده بالعاميِّ المعبَّر عنه بـ "من عمَّ" العامي الذي لم يلتزم مذهبًا معيَّنًا، أما ملتزمه فسيأتي. وإذا قلنا بوجوب تكرار سؤال المجتهد إذا عاد مثل الفتوى فتغيَّرَ اجتهادُ المفتي الأول لم يجب عليه العمل بقوله الثاني، لأنه لم يعمل به حتى يكون ملتزمًا له بل يجوز له العمل بقول غيره. قلت: الذي يظهر أن العامِّي لا يمنع له تقليد من وُثِقَ بعلمه ودينه مطلقًا ولا دليل على المنع. ٩٧٩ - إلا فَهل يلزمُ أو لا يلزَمُ ... إلّا الذي شرَعَ أو يَلْتَزِمُ هذا مفهوم قوله: "قد عمل. . " في البيت قبله، أي وإذا لم يعمل العامي بفتوى المجتهد فهل يلزمه العمل بمجرد الإفتاء، أو يلزمه (١) إن شرع، أو يلزمه إِن التزمه، أو لا يلزمه مطلقًا؟ أربعة أقوال، وقد قدمنا أن الظاهر عدم اللزوم مطلقًا، وأنه لم ينعقد في ذلك إجماع ولو بعد العمل، ولو قيل بانعقاد الإجماع على أنه لا يلزم لكان أقرب للصواب. ٩٨٠ - رجوعُه لغيره في آخَرِ ... يجوز للإجماعِ عند الأكثر يعني أن العامي إذا قلد مجتهدًا في مسألة، يجوز له أن يقلِّدَ غيره في مسألة أخرى عند أكثر العلماء. وقوله: "للإجماع" يعني إجماع الصحابة ﵃ على أنه يسوغ للعامي أن يسأل من شاء من العلماء، فقد أجمعوا على أن من استفتى أبا بكر وعمر وقلدهما فله أن يستفتي أبا هريرة
следующие страницы →